نظم الدّرر الجزء ٤
0%
مؤلف: برهان الدين البقاعي
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف: علوم القرآن
الصفحات: 572
0%
مؤلف: برهان الدين البقاعي
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف: علوم القرآن
الصفحات: 572
بسم الله الرحمن الرّحيم
سورة الكهف
مكية ـ آياتها مائة عشرة
( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (١) قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً (٢) ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً (٤) ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً (٥) فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً (٦) إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (٧) وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً (٨) )
مقصودها وصف الكتاب بأنه قيم ، لكونه زاجرا عن الشريك الذي هو خلاف ما قام عليه الدليل في( سُبْحانَ ) من أنه لا وكيل دونه ، ولا إله إلا هو ، وقاصّا بالحق أخبار قوم قد فضلوا في أزمانهم وفق ما وقع الخبر به في( سُبْحانَ ) من أنه يفضل من يشاء ، ويفعل ما يشاء ، وأدل ما فيها على هذا المقصد قصة أهل الكهف لأن خبرهم أخفى ما فيها من القصص مع أن سبب فراقهم لقومهم الشرك ، وكان أمرهم موجبا ـ بعد طول رقادهم ـ للتوحيد وإبطال الشرك( بِسْمِ اللهِ ) الذي لا كفوء له ولا شريك( الرَّحْمنِ ) الذي أقام عباده على أوضح الطرق بقيم الكتاب( الرَّحِيمِ ) بتفضيل من اختصه بالصواب.
لما ختمت تلك بأمر الرسولصلىاللهعليهوسلم بالحمد عن التنزه عن صفات النقص لكونه أعلم الخلق بذلك ، بدئت هذه بالإخبار باستحقاقه سبحانه الحمد على صفات الكمال التي منها البراءة عن كل نقص ، منبها بذلك على وجوب حمده بما شرع من الدين على هذا الوجه الأحكم بهذا الكتاب القيم الذي خضعت لجلاله العلماء الأقدمون ، وعجز عن معارضته الأولون والآخرون ، الذي هو الدليل على ما ختمت به تلك من العظمة والكمال ، والتنزه والجلال ، فقال ملقنا لعباده حمده ، معلما لهم كيف يثنون عليه ، مفقها لهم في اختلاف العبارات باختلاف المقامات :( الْحَمْدُ ) أي الإحاطة بصفات الكمال
( لِلَّهِ ) أي المستحق لذلك لذاته.
ولما أخبر باستحقاقه ذلك لذاته ، أخبر بأنه يستحقه أيضا لصفاته وأفعاله ، فقال تعالى :( الَّذِي ) ولما كان المراد وصف جملة الكتاب بالإعجاز من غير نظر إلى التفريق والتدريج ، عبر بالإنزال دون التنزيل فقال :( أَنْزَلَ ) وعدل عن الخطاب بأن يقول : عليك ، كما يقول : فلعلك باخع نفسك ، كما في ذلك من الوصف بالعبودية والإضافة إليه سبحانه من الإعلام بتشريفه صلّى الله عليه وعلى آله وسلم والتنبيه على علة تخصيصه بالإنزال عليه كما تقدم في سورة البقرة ، فقال. مقدما له على المنزل لأن المراد الدلالة على صحة رسالته بما لا يحتاج فيه قريش إلى سؤال اليهود ولا غيرهم من تخصيصه بما لا يقدر عليه غيره :( عَلى عَبْدِهِ ) وإشارة إلى أنه الذي أسرى به إلى حضرات مجده ليريه من آياته( الْكِتابَ ) الجامع لمعاني الكتب المشار إليه في آخر التي قبلها بما أشير إليه من العظمة كما آتى موسى التوراة الآمرة بالعدل في الأحكام ، وداود الزبور الحادي إلى الزهد والإحسان ، على ما أشير إليه في( سُبْحانَ ) .
ولما كان الجامع لا يخلو من عوج أو قابلية له إلا أن كان من علام الغيوب ، نفى القابلية والإمكان (دلالة على أنه من عنده لينتفي العوج بطريق الأولى فقال تعالى :( وَلَمْ ) أي والحال أنه لم( يَجْعَلْ لَهُ ) ولم يقل : فيه( عِوَجاً ) أي شيئا من عوج ، أي بل هو مستقيم في جميع معانيه من غير اختلاف أصلا ، هاد إلى كل صواب ، لأن العوج. بالكسر : فقد الاستقامة في المعاني ، وبالفتح في الأعيان ؛ وأتبعه حالا أخرى له بقوله تعالى :( قَيِّماً ) تصريحا باللازم تأكيدا له ، ومقيدا أنه مهيمن على ما قبله من الكتب مقيم لغيره ، وقد مضى في الفاتحة ثم في الأنعام عن الإمام سعد الدين التفتازاني الشافعيرحمهالله أن كل سورة افتتحت بالحمد فللإشارة إلى نعمة من أمهات النعم التي هي إيجاد وإبقاء أولا ، وإيجاد وإبقاء ثانيا ، وأنه أشير في الفاتحة لكونها أم الكتاب إلى الأربع ، وفي الأنعام إلى الإيجاد الأول وهو ظاهر ، وفي هذه السورة إلى الإبقاء الأول ، فإن نظام العالم وبقاء النوع الإنساني يكون بالنبي والكتاب. انتهى. ويؤيده أنه في هذه السورة ذكر أنه انتظم بأهل الكهف أمر من اطلع عليهم من أهل زمانهم ثم بالخضرعليهالسلام كثير من الأحوال ، ثم بذي القرنين أمر جميع أهل الأرض بما يسر له من الأسباب التي منها السد الذي بيننا وبين ياجوج وماجوج الذين يكون بهم. إذا أخرجهم الله تعالى. فساد الأرض كلها ، ثم ذكر في التي تليهما من أهل وده واصطفائه من اتبعهم لنظام العالم بما وفقهم له من طاعته ، وبصرهم به من معرفته ، واستمر كذلك في أكثر السور حتى ذكر السورة التي أشار فيها إلى الإيجاد الثاني ، وأتبعها بالتي أشار فيها إلى الإبقاء الثاني ، ولما كان إبقاء الأول يقتضي مهلة لبلوغ حد التكليف وإجراء القلم ثم مهلة أخرى يكون فيها العمل والاستعداد لما لأجله كان هذا الوجود من العرض على
الرحمن ، للجزاء بالإساءة أو الإحسان ، ومهلة أخرى يحبس فيها السابق من الخلائق إلى ورود مشرع الموت لانتظار اللاحق ، إلى بلوغ ما ضرب سبحانه من الآجال ، لأزمان الإمهال ، وقيام الناس أجمعين ، لرب العالمين ، وهو البرزخ وكان ما قبل التكليف شبيها بالعدم إلا في تعلم الكتاب والتوحيد والاجتماع على أهل الدين والوفاء بما تقدموا فيه بالعهد من الأحكام ، ودربوا عليه من الحلال والحرام ، أشير إليه بما بين الفاتحة والأنعام التي هي سورة الإيجاد الأول من السور الأربع ، وكأن سن الاحتلام كان أول الإيجاد من الإعدام ، وأشير إلى بقية العمر وهو زمان التكليف بما بين الأنعام وهذه السورة من السور التي ذكر فيها مصارع الأولين وأخبار الماضين تحذيرا من مثل أحوالهم ، لمن نسج على منوالهم ، وختمت بالتحميد مقترنا بالتوحيد إشارة إلى أنه يجب الاجتهاد في أن يختم الأجل في أعلى ما يكون من خصال الدين ، وأشير إلى مهلة البرزخ بما بين هذه وسورة الإيجاد الثاني من السور التي ذكر في غالبها مثل ذلك ، وأكثر فيها كلها من ذكر الموت وما بعده من البرزخ الذي يكون لانقطاع العلائق باجتماع الخلائق ، لأجل التجلي في رد العظمة ، والكشف البليغ عن نفوذ الكلمة ، والتحلي بالحكم باستقرار الفريقين في دار النعيم أو غار الجحيم ، وأكثر فيما بين هذه وبين سبأ من أمر البعث كثرة ليست فيما مضى حتى صدر بعضها به ، وبناها عليه كسورتي الأنبياء( اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ ) [الأنبياء : ١] والحج( إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ) [الحج : ١] ولما لم يكن بين البعث وما بعده مهلة لشيء من ذلك ، عقب سورة الإيجاد الثاني بسورة الإبقاء الثاني من غير فاصل ولا حاجز ولا حائل. والله أعلم.
ولما وصف الكتاب بما له من العظمة في جميع ما مضى من أوصافه من الحكمة والإحكام ، والتفصيل والبيان ، والحقية ، والإخراج من الظلمات إلى النور ، والجمع لكل معنى والتبيان لكل شيء ، أتبعه ذكر فائدته مقدما ما هو الأهم من درء المفسدة بالإنذار ، لأنه مقامه كما هو ظاهر من( سُبْحانَ ) فقال :( لِيُنْذِرَ ) وقصره على المفعول الأول ليعم كل من يصح قبوله الإنذار ولو تقديرا ، وليفيد أن الغرض بيان المنذر به لا المنذر( بَأْساً شَدِيداً ) كائنا( مِنْ لَدُنْهُ ) أي أغرب ما عنده من الخوارق بما في هذا الكتاب من الإعجاز لمن خالف أمره من عذاب الدنيا والآخرة كوقعة بدر وغيرها المفيد لإدخال الإسلام عليهم وهم كارهون ، بعد ما كانوا فيه من القوة وهو من الضعف( وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ ) أي الراسخين في هذا الوصف( الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ ) وهو ما أمر به خالصا له ، وذلك من أسنان مفتاح الإيمان( أَنَّ لَهُمْ ) أي من حيث هم عاملون( أَجْراً حَسَناً ) وهو النعيم ، حال كونهم( ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً ) بلا انقطاع أصلا ، فإن الأبد زمان لا آخر له ، فجمعت هاتان العلتان جميع معاني الكتاب فإنه لا يكون كذلك إلا وقد جمع أيضا جميع شرائع الدين وأمر المعاش وأمر المعاد وما يعنيهم فعله أو تركه
أو اعتقاده ، وما يتبع ذلك ، وذلك هو القيم ، أي المستقيم في نفسه ، المقيم لغيره.
ولما كان الغالب على الإنسان المخالفة للأوامر ، لما جبل عليه من النقائص ، كان الإنذار فأهم أعاده لذلك ولأن المقام له كما مضى ، ذاكرا فيه بعض المتعلق المحذوف من الآية التي قبلها ، تبكيتا لليهود المضلين لهؤلاء العرب ولمن قال بمقالتهم فقال تعالى :( وَيُنْذِرَ ) واقتصر هنا على المفعول الأول ليذهب الفكر في الثاني الذي عبر عما يحتمل تقديره به فيما مضى ب( لَدُنْهُ. ) كل مذهب فيكون أهول( الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللهُ ) أي تكلف ذو العظمة التي لا تضاهى كما يتكلف غيره أن أخذ( وَلَداً ) وهم بعض اليهود والنصارى والعرب ؛ قال الأصبهاني : وعادة القرآن جارية بأنه إذا ذكر قصة كلية عطف عليها بعض جزئياتها تنبيها على كون ذلك البعض أعظم جزئيات ذلك الكل ، ولم أجعل الآية من الاحتباك لنقص المعنى ، ثم استأنف معللا في جواب من كأنه قال : ما لهم خصوا بهذا الوعيد الشديد؟ فقال تعالى :( ما لَهُمْ بِهِ ) أي القول( مِنْ عِلْمٍ ) أصلا لأنه مما لا يمكن أن يعلق العلم به لأنه لا وجود له ولا يمكن وجوده ، ثم قرر هذا المعنى وأكد بقوله تعالى :( وَلا لِآبائِهِمْ ) الذين هم مغتبطون بتقليدهم في الدين حتى في هذا الذي لا يتخيله عاقل ، ولو أخطؤوا في تصرف دنيوي لمن يتبعوهم فيه ، تنبيها عل أنه لا يحل لأحد أن يقول على الله تعالى ما لا علم له به ، ولا سيما في أصول الدين ، ثم هول أمر ذلك بقوله تعالى :( كَبُرَتْ ) أي مقالتهم هذه( كَلِمَةً ) أي ما أكبرها من كلمة! وصوّر فظاعة اجترائهم على النطق بها بقوله تعالى :( تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ ) أي لم يكفهم خطورها في نفوسهم ، وترددها في صدورهم ، حتى تلفظوا بها ، وكان تلفظهم بها على وجه التكرير. بما أشار إليه التعبير بالمضارع ؛ ثم بين ما أفهمه الكلام من أنه كما أنهم لا علم لهم بذلك لا علم لأحد به أصلا ، لأنه لا وجود له فقال تعالى :( إِنْ ) أي ما( يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً ) أي قولا لا حقيقة له بوجه من الوجوه.
وقال ابن الزبير في برهانه : من الثابت المشهور أن قريشا بعثوا إلى يهود بالمدينة يسألونهم في أمر رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلم ، فأجابت يهود بسؤاله عن ثلاثة أشياء ، قالوا : فإن أجابهم فهو نبي ، وإن عجز فالرجل متقول فرؤا فيه رأيكم ، وهي الروح ، وفتية ذهبوا في الدهر الأول وهم أهل الكهف ، وعن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها ، فأنزل الله عليه جواب ما سألوه(١) ، وبعضه في سورة الإسراء( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ) [الإسراء : ٨٥] الآية ، واستفتح سبحانه وتعالى سورة الكهف
__________________
(١) أخرجه ابن جرير كما في أسباب النزول للسيوطي ص ٢٨١ وفيه رجل مبهم وعلّقه الواحدي في أسباب النزول ص ٢٢٠. وأخرجه مختصرا أحمد ١ / ٢٥٥ والترمذي ٣١٤٠ والنسائي كما في التحفة ٥ / ١٣٣ وابن حبان ٩٩ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال الأرنؤوط : إسناده صحيح. قلت :ويشكل عليه رواية ابن مسعود في شأن اليهود وسؤالهم عند البخاري ١٢٥ ومسلم ٢٧٩٤.
بحمده ، وذكر نعمة الكتاب وما أنزل بقريش وكفار العرب من البأس يوم بدر وعام الفتح ، وبشارة المؤمنين بذلك وما منحهم الله تعالى من النعيم الدائم ، وإنذار القائلين بالولد من النصارى وعظيم مرتكبهم وشناعة قولهم( إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً ) وتسلية نبي الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلم في أمر جميعهم( فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ) [الكهف : ٦] ، والتحمت الآي أعظم التحام ، وأحسن التئام ، إلى ذكر ما سأل عنه الكفار من أمر الفتية( أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً ) [الكهف : ٩] ثم بسطت الآي قصتهم ، وأوضحت أمرهم ، واستوفت خبرهم ؛ ثم ذكر سبحانه أمر ذي القرنين وطوافه وانتهاء أمره ، فقال تعالى( وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ ) [الكهف : ٨٣] الآيات ، وقد فصلت بين القصتين بمواعظ وآيات مستجدة على أتم ارتباط ، وأجل اتساق ، ومن جملتها قصة الرجلين وجنتي أحدهما وحسن الجنتين وما بينهما وكفر صاحبهما واغتراره ، وهما من بني إسرائيل ، ولهما قصة ، وقد أفصحت هذه الآي منها باغترار أحدهما بما لديه وركونه إلى توهم البقاء ، وتعويل صاحبه على ما عند ربه ورجوعه إليه وانتهاء أمره. بعد المحاورة الواقعة في الآيات بينهما. إلى إزالة ما تخيل المفتون بقاءه ، ورجع ذلك كأن لم يكن ، ولم يبق بيده إلا الندم ، ولا صح له من جنته بعد عظيم تلك البهجة سوى التلاشي والعدم ، وهذه حال من ركن إلى ما سوى المالك ، ومن كل شيء إلا وجهه سبحانه وتعالى فان وهالك( إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ) [محمد : ٣٦]( فَفِرُّوا إِلَى اللهِ ) [الذاريات : ٥٠] ثم أعقب ذلك بضرب مثل الحياة الدنيا لمن اعتبر واستبصر ، وعقب تلك الآيات بقصة موسى والخضرعليهماالسلام إلى تمامها ، وفي كل ذلك من تأديب بني إسرائيل وتقريعهم وتوبيخ مرتكبهم في توقفهم عن الإيمان وتعنيفهم في توهمهم عند فتواهم لكفار قريش بسؤالهعليهالسلام عن القصص الثلاث أن قد حازوا العلم وانفردوا بالوقوف على ما لا يعلمه غيرهم ، فجاء جواب قريش بما يرغم الجميع ويقطع دابرهم ، وفي ذكر قصة موسى والخضر إشارة لهم لو عقلوا ، وتحريك لمن سبقت له منهم السعادة ، وتنبيه لكل موفق في تسليم الإحاطة لمن هو العليم الخبير ، وبعد تقريعهم وتوبيخهم بما أشير إليه عاد الكلام إلى بقية سؤالهم فقال تعالى( يَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ ) إلى آخر القصة ، وليس بسط هذه القصص من مقصودنا وقد حصل ، ولم يبق إلا السؤال عن وجه انفصال جوابهم ووقوعه في السورتين مع أن السؤال واحد ، وهذا ليس من شرطنا فلننسأه بحول الله إلى موضعه إن قدر به. انتهى. وقد تقدم في سورة الإسراء من الجواب عن هذا أن الروح ضمت إليها ، لأنه من سر الملكوت كالإسراء ، وبقي أنه لما أجمل سبحانه أمرها لما ذكر من عظيم السر ، وعيب عليهم اشتغالهم بالسؤال وترك ما هو من عالمها ، وهو أعظم منها ومن كل ما برز إلى الوجود من ذلك العالم من الروح المعنوي الذي به صلاح الوجود
كله ، وهو القرآن العظيم ، وعظم أمره بما ذكر في الإسراء إلى أن اقتضى الحال في إنهاء عظمته أن يدل على إصلاح الوجود به بما حرره وفصله وقرره من أمر السؤالين الباقيين اللذين هما من ظاهر الملك فيما ضم إليهما مما تم به الأمر ، واتضح به ما له من جليل القدر ، كان الأكمل في ذلك أن يكون ما انتظم به ذلك سورة على حدتها ، ولما كان أمر أهل الكهف من حفظ الروح في الجسد على ما لم يعهد مثله ثم إفاضتها ، قدم الجواب عن السؤال عنهم ليلي أمر الروح ، وختم بذي القرنين لإحاطة أمره بما طاف من الأرض ، ولما جعل من السد علما على انقضاء شأن هذه الدار وختام أمرها ، وطي ما برز من نشرها. والله سبحانه وتعالى أعلم.
ولما كان صلّى الله عليه وعلى آله وسلم شديد الحرص على إيمانهم شفقة عليهم وغيرة على المقام الإلهي الذي ملأ قلبه تعظيما له ، خفض عليه سبحانه بقوله تعالى :( فَلَعَلَّكَ باخِعٌ ) أي فتسبب عن قولهم هذا ، المباين جدا لما تريد لهم ، الموجب لإعراضهم عنك أنك تشفق أنت ومن يراك على تلك الحالة من أتباعك من أن تكون قاتلا( نَفْسَكَ ) من شدة الغم والوجد ، وأشار إلى شدة نفرتهم وسرعة مفارقتهم وعظيم مباعدتهم بقوله تعالى :( عَلى آثارِهِمْ ) أي حين تولوا عن إجابتك فكانوا كمن قوضوا خيامهم وأذهبوا أعلامهم( إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا ) .
ولما صور بعدهم ، صور قرب ما دعاهم إليه ويسر تناوله بقوله تعالى :( بِهذَا الْحَدِيثِ ) أي القيم المتجدد تنزيله على حسب التدريج( أَسَفاً ) منك على ذلك ، والأسف : أشد الحزن والغضب ؛ ثم بين علة إرشاده إلى الإعراض عنهم بغير ما يقدر عليه من التبليغ للبشارة والنذارة بأنهم لم يخرجوا عن مراده سبحانه ، وأن الإيمان لا يقدر على إدخاله قلوبهم غيره فقال تعالى :( إِنَّا ) أي لا نفعل ذلك لأنا( جَعَلْنا ) بما لنا من العظمة( ما عَلَى الْأَرْضِ ) من المواليد الثلاثة : الحيوان والمعدن والنبات( زِينَةً لَها ) بأن حسنّاه في العيون ، وأبهجنا به النفوس ، ولو لا مضرة الحيوانات المؤذية من الحشرات وغيرها كانت الزينة بها ظاهرة ، والظاهر أنه لو أطاع الناس كلهم لذهبت مضرتها فبدت زينتها ، كما يكون على زمن عيسىعليهالسلام حيث تصير لعبا للولدان.
ولما أخبر بتزيينها ، أخبر بعلته فقال تعالى :( لِنَبْلُوَهُمْ ) أي نعاملهم معاملة المختبر الذي يسأل لخفاء الأمر عليه بقوله تعالى :( أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) أي بإخلاص الخدمة لربه ، فيصير ما كنا نعلمه منهم ظاهرا بالفعل تقام به عليهم الحجة على ما يتعارفونه بينهم بأن من أظهر موافقة الأمر فيما نال من الزينة حاز المثوبة ، ومن اجترأ على مخالفة الأمر بما آتيناه منها فعمل على أنها للتنعم بها فقط استحق العقوبة. ولما كان دعاء الزينة إلى حقيقة الحياة الدنيا من اللهو واللعب ظاهرا لموافقته لما طبعت عليه النفوس من الهوى لم يحتج إلى التنبيه عليه أكثر من لفظ الزينة.
ولما كان دعاءها إلى الزهد فيها والإعراض عنها جملة والاستدلال بها على تمام علم صانعها وشمول قدرته على إعادة الخلائق كما ابتدأهم وغير ذلك خفيا ، لكونه مستورا عن العقول بهوى النفوس ، نبه عليه بقوله تعالى :( وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ) أي بما لنا من العظمة ثابت لنا هذا الوصف دائما( ما عَلَيْها ) من جميع تلك الزينة لا يصعب علينا شيء منه( صَعِيداً ) أي ترابا بأن نهلك تلك الزينة بإزالة اخضرارها فيزول المانع من استيلاء التراب عليها ثم نسلط عليها الشموس والرياح فيردها بذلك إلى أصلها ترابا( جُرُزاً ) أي يابسا لا ينبت شيئا بطبعه ، وكذا نفعل بمن سبب تسليط البلاء عليه من الحيوان آدميا كان أو غيره سواء. ولما كان من المشاهد إعادة النبات بإذن الله تعالى بإنزال الماء عليه إلى الصورة النباتية التي هي الدليل على إحياء الموتى مرة بعد مرة ما دامت الأرض موجودة على هذه الصورة ، طوي ذكر ذلك سترا لهذا البرهان المنير عن الأغبياء المشغولين بالظواهر ، علما منه سبحانه بظهوره لأولي البصائر.
( أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً (٩) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً (١٠) فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً (١١) ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً (١٢) )
ولما كان هذا من العجائب التي تضاءل عندها العجائب ، والغرائب التي تخضع لديها الغرائب ، وإن صارت مألوفة بكثرة التكرار ، والتجلي على الأبصار ، هذا إلى ما له من الآيات التي تزيد على العد ، ولا يحصر بحد ، من خلق السماوات والأرض ، واختلاف الليل والنهار ، وتسخير الشمس والقمر والكواكب ـ وغير ذلك ، حقر آية أصحاب الكهف ـ وإن كانت من أعجب العجب ـ لاضمحلالها في جنب ذلك ، لأن الشيء إذا كان كذلك كثر ألفه فلم يعد عجبا ، فنبه على ذلك بقوله تعالى عطفا على ما تقديره : أعلمت أن هذا وغيره من عجائب قدرتنا؟ :( أَمْ حَسِبْتَ ) على ما لك من العقل الرزين والرأي الرصين( أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ ) أي الغار الواسع المنقور في الجبل كالبيت( وَالرَّقِيمِ ) أي القرية أو الجبل( كانُوا ) هم فقط( مِنْ آياتِنا عَجَباً ) على ما لزم من تهويل السائلين من الكفرة من اليهود والعرب ، والواقع أنهم ـ وإن كانوا من العجائب ـ ليسوا بعجب بالنسبة إلى كثرة آياتنا ، وبالنسبة إلى هذا العجب النباتي الذي أعرضتم عنه بإلفكم له من كثرة تكرره فيكم ، فإنه سبحانه أخرج نبات الأرض على تباين أجناسه ، واختلاف ألوانه وأنواعه ، وتضاد طبائعه ، من مادة واحدة ، يهتز بالينبوع ، يبهج الناظرين ويروق المتأملين ، ثم يوقفه ثم يرده باليبس والتفرق إلى التراب فيختلط به حتى لا يميزه
عن بقية التراب ، ثم يرسل الماء فيختلط بالتراب فيجمعه أخضر يانعا يهتز بالنمو على أحسن ما كان ، وهكذا كل سنة ، فهذا بلا شك أعجب حالا ممن حفظت أجسامهم مدة عن التغير ثم ردت أرواحهم فيها ، وقد كان في سالف الدهر يعمر بعض الناس أكثر من مقدار ما لبثوا ، وهذا الكهف ـ قيل : هو في جبال بمدينة طرسوس وهو المشهور ، وقال أبو حيان : قيل : هو في الروم ، وقيل : في الشام ، وقيل : في الأندلس ، قال : في جهة غرناطة بقرب قرية تسمى لوشة كهف فيه موتى ومعهم كلب رمة ، وأكثرهم قد انجرد لحمه ، وبعضهم متماسك وقد مضت القرون السالفة ولم نجد من عرف شأنهم ، ويزعم ناس أنهم أصحاب الكهف ، ونقل عن ابن عطية قال : دخلت إليهم سنة أربع وخمسمائة فرأيتهم بهذه الحالة وعليهم مسجد وقريب منهم بناء رومي يسمى الرقيم ، وهو في فلاة من الأرض ، وبأعلى حضرة غرناطة مما يلي القبلة آثار مدينة قديمة يقال لها مدينة دقيوس ، ونقل أبو حيان عن أبيه أنه حين كان بالأندلس كان الناس يزورون هذا الكهف ويذكرون أنهم يغلطون في عدتهم إذا عدوهم وأن معهم كلبا ، قال : وأما ما ذكرت من مدينة دقيوس التي بقبلي غرناطة ، فقد مررت عليها مرارا لا تحصى ، قال : ويترجح كون أصحاب الكهف بالأندلس ـ انتهى ملخصا. قلت : وفيه نظر ، والذي يرجح المشهور ما نقل البغوي وغيره عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : غزونا مع معاوية بحر الروم فمررنا بالكهف الذي فيه أصحاب الكهف فإن معاوية لم يصل إلى بلاد الأندلس والله أعلم.
ولما صغر أمرهم بالنسبة إلى جليل آياته وعظيم بيناته وغريب مصنوعاته ، لخص قصتهم التي عدوها عجبا وتركوا الاستبصار على وحدانية الواحد القهار بما هو العجب العجيب ، والنبأ الغريب ، فقال تعالى :( إِذْ أَوَى ) أي كانوا على هذه الصفة حين أووا ، ولكنه أبرز الضمير لبيان أنهم شبان ليسوا بكثيري العدد فليست لهم أسنان استفادوا بها من التجارب والتعلم ما اهتدوا إليه من الدين والدنيا ، ولا كثرة حفظوا بها ممن يؤذيهم أيقاظا ورقودا فقال تعالى :( الْفِتْيَةُ ) وهم أصحاب الكهف المسؤول عنهم ، والشبان أقبل للحق وأهدى للسبيل من الشيوخ( إِلَى الْكَهْفِ ) المقارب لقريتهم المشهور ببلدتهم فرارا بدينهم كما أويت أنت والصديق إلى غار ثور فرارا بدينكما( فَقالُوا ) عقب استقرارهم فيه :( رَبَّنا آتِنا ) ولما كانت الموجودات ـ كما مضى عن الحرالي في آل عمران ـ على ثلاث رتب : حكميات جارية على قوانين العادات ، وعنديات خارقة للمطردات ولدنيات مستغرقة في الأمور الخارقات ، طلبوا أعلاها فقالوا :( مِنْ لَدُنْكَ ) أي من مستبطن الأمور التي عندك ومستغربها( رَحْمَةً ) أي إكراما تكرمنا به كما يفعل
الراحم بالمرحوم( وَهَيِّئْ لَنا ) أي جميعا لا تخيب منا أحدا( مِنْ أَمْرِنا رَشَداً ) أي وجها ترشدنا فيه إلى الخلاص في الدارين ، لا جرم صارت قصتهم على حسب ما أجابهم ربهم بديعة الشأن فردة في الزمان ، يتحدث بها في سائر البلدان ، في كل حين وأوان.
ولما أجابهم سبحانه ، عبر عن ذلك بقوله تعالى :( فَضَرَبْنا ) أي عقب هذا القول وبسببه( عَلَى آذانِهِمْ ) أي سددناها وأمسكناها عن السمع ، وكان أصله ؛ ضربنا عليها حجابا بنوم ثقيل لا تزعج منه الأصوات ، لأن من كان مستيقظا أو نائما نوما خفيفا وسمعه صحيح سمع الأصوات( فِي الْكَهْفِ ) أي المعهود.
ولما كانت مدة لبثهم نكرة بما كان لأهل ذلك الزمان من الشرك ، عبر بما يدل على النكرة فقال تعالى :( سِنِينَ ) : ولما كان ربما ظن أنه ذكر السنين للمبالغة لأجل بعد هذا النوم عن العادة ، حقق الأمر بأن قال مبدلا منها معرفا لأن المراد بجمع القلة هنا الكثرة :( عَدَداً ) أي متكاثرة ؛ قال الزجاج كل شيء مما يعد إذا ذكر فيه العدد ووصف أريد كثرته لأنه إذا قل فهم مقدار عدده بدون التقدير فلم يحتج إلى أن يعد.( ثُمَّ بَعَثْناهُمْ ) أي نبهناهم من ذلك النوم( لِنَعْلَمَ ) علما مشاهدا لغيرنا كما كنا نعلم غيبا ما جهله من يسأل فيقول :( أَيُّ الْحِزْبَيْنِ ) هم أو من عثر عليهم من أهل زمانهم( أَحْصى ) أي حسب وضبط( لِما ) أي لأجل علم ما( لَبِثُوا أَمَداً ) أي وقع إحصاءه لمدة لبثهم فإنهم هم أحصوا لبثهم فقالوا : لبثنا يوما أو بعض يوم ، ثم تبرؤوا من علم ذلك وردوه إلى عالمه وأهل البلد ، أحصوا ذلك بضرب النقد الذي وجد معهم أو غير ذلك من القرائن التي دلتهم عليه ، ولكنهم وإن صادق قولهم ما في نفس الأمر أو قريبا منه فعلى سبيل الظن والتقريب ، لا القطع والتحديد ، بقوله تعالى( قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا ) [الكهف : ٢٦] فإذا علم بجهل كل من الحزبين بأمرهم أن الله هو المختص بعلم ذلك ، علم أنه المحيط بصفات الكمال ، وأنه لم يتخذ ولدا ، ولا له شريك في الملك ، وأنه أكبر من كل ما يقع في الوهم.
( نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً (١٣) وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً (١٤) هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْ لا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً (١٥) )
ولما كان الكلام على اختلاف وقع في مدتهم ، وكان الحزبان معا هم ومن
خالفهم متقاربين في الجهل بإحصائه على سبيل القطع وكان اليهود الذين أمروا قريشا بالسؤال عن أمرهم تشكيكا في الدين لا يعلمون أمرهم على الحقيقة ، نبه على ذلك بقوله ـ جوابا لمن كأنه قال : أيهما أحصاه؟ :( نَحْنُ ) أو يقال : ولما أخبر الله سبحانه عن مسألة قريش الثانية ، وهي قصة أهل الكهف ، مجملا لها بعض الإجمال بعد إجمال الجواب عن المسألة الأولى ، وهي الروح ، كان السامع جديرا بأن تستشرف نفسه إلى بيان أكثر من ذلك فيضيق صدره خشية الاقتصار على ما وقع من ذلك من الأخبار ، فقال جوابا لمن كأنه قال : اسأل الإيضاح وبيان الحق من خلاف الحزبين : نحن( نَقُصُ ) أي نخبر إخبارا تابعا لآثارهم قدما فقدما( عَلَيْكَ ) على وجه التفصيل( نَبَأَهُمْ بِالْحَقِ ) أي خبرهم العظيم وليس أحد غيرنا إلا قصا ملتبسا بباطل : زيادة أو نقص ، فكأنه قيل : ما كان نبأهم؟ فقال تعالى :( إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ ) أي شبان( آمَنُوا بِرَبِّهِمْ ) المحسن إليهم الناظر في مصالحهم الذي تفرد بخلقهم ورزقهم ، وهداهم بما وهب لهم في أصل الفطرة من العقول الجيدة النافعة.
ولما دل على الإحسان باسم الرب ، وكان في فعله معهم من باهر القدرة ما لا يخفى ، التفت إلى مقام العظمة فقال تعالى عاطفا على ما تقديره : فاهتدوا بإيمانهم :( وَزِدْناهُمْ ) بعد أن آمنوا( هُدىً ) بما قذفنا في قلوبهم من المعارف ، وشرحنا لهم صدورهم من المواهب التي حملتهم على ارتكاب المعاطب ، والزهد في الدنيا والانقطاع إليه( وَرَبَطْنا ) بما لنا من العظمة( عَلى قُلُوبِهِمْ ) أي قويناها ، فصار ما فيها من القوى مجتمعا غير مبدد ، فكانت حالهم في الجلوة كحالهم في الخلوة( إِذْ قامُوا ) لله تعالى حق القيام في ذلك الجيل الكافرين بين يدي طاغيتهم دقيانوس( فَقالُوا ) مخالفين لهم :( رَبُّنا ) الذي يستحق أن نفرده بالعبادة لتفرده بتدبيرنا ، هو( رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) أي موجدهما ومدبرهما( لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً ) بعد أن ثبت عجز كل من سواه ، والله( لَقَدْ قُلْنا إِذاً ) أي إذا دعونا من دونه غيره( شَطَطاً ) أي قولا ذا بعد مفرط عن الحق جدا ؛ ثم شرعوا يستدلون على كونه شططا بأنه لا دليل عليه ، ويجوز أن يكونوا لما قالوا ذلك عرض لهم الشيطان بشبهة التقليد فقالوا مجيبين عنها :( هؤُلاءِ ) وأن يكونوا قالوا ذلك للملك إنقاذا له من شرك الجهل ، وبين المشار إليهم بقولهم :( قَوْمُنَا ) أي وإن كانوا أسن منا وأقوى وأجل في الدنيا( اتَّخَذُوا ) أي مخالفين مع منهاج العقل داعي الفطرة الأولى( مِنْ دُونِهِ آلِهَةً ) أشركوهم معه لشبهة واهية استغواهم بها الشيطان ؛ ثم استأنفوا على طريق التخصيص ما ينبه على أنهم من حين عبادتهم إلى الآن لم يأتوا على ذلك بدليل ، فقالوا منبهين على فساد التقليد في أصول الدين وأنه لا مقنع فيه بدون القطع :( لَوْ لا ) أي هلا( يَأْتُونَ ) الآن.
ولما كانوا بعبادتهم لهم قد أحلوهم محل العلماء ، قال تعالى :( عَلَيْهِمْ ) أي على عبادتهم إياهم ، وحققوا ما أرادوا من الاستعلاء بقولهم :( بِسُلْطانٍ ) أي دليل قاهر( بَيِّنٍ ) مثل ما نأتي نحن على تفرد معبودنا بالأدلة الظاهرة ، والبراهين الباهرة ، فإن مثل هذا الأمر لا يقنع فيه بدون ذلك ، وقد جمعنا الأدلة كلها في الاستدلال على تفرد الله باستحقاقه للعبادة بأنه تفرد بخلق الوجود ، فتسبب عن عجزهم عن دليل أنهم أظلم الظالمين لافتعالهم الكذب عن ملك الملوك ومالك الملك ، فلذلك قالوا :( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى ) أي تعمد( عَلَى اللهِ ) أي الملك الأعظم( كَذِباً ) فالآية دالة على فساد التقليد في الوحدانية.
( وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً (١٦) وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً (١٧) )
ولما استدلوا على معتقدهم ، وعلموا سفه من خالفهم ، وهم قوم لا يدان لهم بمقاومتهم ، لكثرتهم وقلتهم ، تسبب عن ذلك هجرتهم ليسلم لهم دينهم ، فقال تعالى شارحا لما بقي من أمرهم ، عاطفا على ما تقديره : وقالوا أو من شاء الله منهم حين خلصوا من قومهم نجيا : لا ترجعوا إلى قومكم أبدا ما داموا على ما هم عليه ، هذا إن كان المراد قيامهم بين يدي دقيانوس ، وإن كان المراد من القيام الانبعاث بالعزم الصادق لم يحتج إلى هذا التقدير :( وَإِذِ ) أي حين( اعْتَزَلْتُمُوهُمْ ) أي قومكم( وَما ) أي واعتزلتم ما( يَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ ) أي الذي له صفات الكمال ، وهذا دليل على أنهم كانوا يشركون ، ويجوز أن يكونوا سموا الانقياد كرها لمشيئته والخضوع بزعمهم لأقضيته عبادة( فَأْوُوا ) أي بسبب هذا الاعتزال ، وهذا دليل العامل في( إِذِ إِلَى الْكَهْفِ ) أي الغار الذي في الجبل( يَنْشُرْ ) أي يحيي ويبعث( لَكُمْ رَبُّكُمْ ) الذي لم يزل يحسن إليكم( مِنْ رَحْمَتِهِ ) ما يكفيكم به المهم من أمركم( وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ ) الذي من شأنه أن يهمكم( مِرْفَقاً ) ترتفقون به ، وهو بكسر الميم وفتح الفاء في قراءة الجماعة ، وبفتحها وكسر الفاء للنافع وابن عامر ، وهذا الجزم من آثار الربط على قلوبهم بما علموا من قدرته على كل شيء ، وحمايته من لاذ به ولجأ إليه وعبده وتوكل عليه ، ففعلوا ذلك ففعل الله ما رجوه فيه ، فجعل لهم أحسن مرفق بأن أنامهم ثم أقامهم بعد مضي قرون ومرور دهور ، وهدى بهم ذلك الجيل الذي أقامهم فيه( وَتَرَى ) لو رأيت كهفهم( الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ ) .
ولما كان حالهم خفيا ، وكذا حال انتقال الشمس عند من لم يراقبه ، أدغم تاء التفاعل نافع وابن كثير وأبو عمرو ، وأسقطها عاصم وحمزة والكسائي ، فقال تعالى :( تَزاوَرُ ) أي تتمايل وتتحرف ، ولعل قراءة ابن عامر ويعقوب تزور بوزن تحمر ناظرة إلى الحال عند نهاية الميل( عَنْ كَهْفِهِمْ ) بتقلص شعاعها بارتفاعها إلى أن تزول( ذاتَ الْيَمِينِ ) إذا كنت مستقبلا القبلة وأنت متوجه إليه أو مستقبلا الشمس فيصيبهم من حرها ما يمنع عنهم التعفن ويمنع سقف الكهف شدة الحرارة المفسدة في بقية النهار( وَإِذا غَرَبَتْ ) أي أخذت في الميل إلى الغروب( تَقْرِضُهُمْ ) أي تعدل في مسيرها عنهم( ذاتَ الشِّمالِ ) كذلك ، لئلا يضرهم شدة الحرارة ، ويصيبهم من منافعها مثل ما كان عند الطلوع ، فلا يزال كهفهم رطبا ، ويأتيه من الهواء الطيب والنسيم الملائم ما يصونهم عن التعفن والفساد ، فتحرر بذلك أن باب الغار مقابل لبنات نعش ، وأن الجبل الذي هم فيه شمالي مكة المشرفة ، ويجوز أن يكون المراد يمين من يخرج من الكهف وشماله ، فلا يلزم ذلك ، وقال الأصبهاني : قيل : إن باب ذلك كان مفتوحا إلى جانب الشمال إذا طلعت الشمس عن يمين الكهف ، وإذا غربت كانت على شماله.
ومادة (قرض) وليس لها إلا هذا التركيب ـ تدور على القطع ، ويلزمه الميل عن الشيء والعدول والازورار عنه ، قرضت الشيء ، ـ بالفتح ـ أقرضه ـ بالكسر : قطعته بالمقراض أو بغيره ـ لأنك إذا وصلت إليه فقد حاذيته فإذا قطعته تجاوزته فانحرفت عنه ، والقرض : قول الشعر خاصة ـ لأنه لا شيء من الكلام يشبهه فهو مقطوع منه مائل عنه بما خص به من الميزان ، وهل مررت بمكان كذا؟ فتقول : قرضته ذات اليمين ليلا ، أي كان عن يميني ، والقرض : ما تعطيه من المال لتقضاه ـ لأنك قطعته من مالك ، والقرض ـ بالكسر : لغة فيه عن الكسائي ، والقرض : ما سلفت من إحسان أو إساءة ـ على التشبيه ، والتقريض : المدح والذم ـ لأنه يميز الكلام فيه تمييزا ظاهرا ، وهما يتقارضان كذا ـ كأن كلّا منهما مقرض لصاحبه وموف له على ما أقرضه ، والمقارضة : المضاربة ـ لأن صاحب المال قطع من ماله ، والعامل قطع من عمله حصة لهذا المال ، وقرض فلان الرباط ـ إذا مات ، لأنه إذا انقطعت حياته انقطع كل رباط له في الدنيا ، وجاء فلان وقد قرض رباطه ـ إذا جاء مجهودا قد أشرف على الموت ـ كأنه أطلق عليه ذلك للمقاربة ، والمقارضة : المشاتمة ـ لقطعها العرض وما بين المتشاتمين ، والاقتراض : الاغتياب ـ من ذلك ومن القرض أيضا ، لأن من اغتاب اغتيب ، وقرض ـ بالكسر ـ إذا زال من شيء إلى شيء ـ لأنه بوصل الثاني قطع الأول ، وقرض ـ إذا مات ، والمقارض : الزرع القليل ـ إما للإزالة على الضد من الكثير ، أو تشبيه بمواضع الاستقاء في البئر القليلة الماء ، فإن المقارض أيضا المواضع التي يحتاج المستقي إلى أن يقرض منها الماء ، أي يميح ، أي
يدخل الدلو في البئر فيملأها لقلة الماء ـ لأنها مواضع قطع الماء برفعه عن البئر ، والمقارض أيضا : الجرار الكبار ـ كأنها لكبرها وقطعها كثيرا من الماء هي التي قطعت دون الصغار ، وما عليه قراض ، أي ما يقرض عنه العيون فيستره لتعدل عنه العيون ـ لعدم نفوذها إلى جلده ، والقرض في السير هو أن تعدل عن الشيء في مسيرك ، فإذا عدلت عنه فقد قرضته ، والمصدر القرض وأصله من القطع ، وابن مقرض ـ كمنبر : ويبة تقتل الحمام ـ كأنها سميت لقطعها حياة الحمام ، وقرض البعير جرته : مضغها فهي قريض ـ لتقطيعها بالمضغ ولقطعها من بطنه بردها إلى حنكه للمضغ.
ولما بين تعالى أنه حفظهم من حر الشمس ، بين أنه أنعشهم بروح الهواء ، وألطفهم بسعة الموضع في فضاء الغار فقال :( وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ) أي في وسط الكهف ومتسعه. ولما شرح هذا الأمر الغريب ، والنبأ العجيب ، وصل به نتيجته فقال تعالى :( ذلِكَ ) أي المذكور العظيم من هدايتهم ، وما دبروا لأنفسهم ، وما دبر لهم من هذا الغار المستقبل للنسيم الطيب المصون عن كل مؤذ ، وما حقق به رجاءهم مما لا يقدر عليه سواه( مِنْ آياتِ اللهِ ) أي الملك الأعلى المحيط بكل شيء علما وقدرة ، وإن كان إذا قيس إلى هذا القرآن القيم وغيره مما خصت به هذه الأمة كان يسيرا.
ولما كان انفرادهم بالهدى عن أهل ذلك القرن كلهم عجبا ، وصل به ما إذا تؤمل زال عجبه فقال تعالى :( مَنْ يَهْدِ ) ولو أيسر هداية ـ بما دل عليه حذف الياء في الرسم( اللهِ ) أي الذي له الأمر كله بخلق الهداية في قلبه للنظر في آياته التي لا تعد والانتفاع بها( فَهُوَ ) خاصة( الْمُهْتَدِ ) في أي زمان كان ، فلن تجد له مضلا مغويا( وَمَنْ يُضْلِلْ ) إضلالا ظاهريا بما دل عليه الإظهار بإعمائه عن طريق الهدى ، فهو لا غيره الضال( فَلَنْ تَجِدَ لَهُ ) أصلا من دونه ، لأجل أن الله الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد معه أضله( وَلِيًّا مُرْشِداً ) فتجده يرى الآيات بعينه ، ويسمعها بأذنه ، ويحسها بجميع حواسه ، ولا يعلم أنها آيات فضلا عن أن يتدبرها وينتفع بها ، فالآية من الاحتباك : ذكر الاهتداء أولا دليلا على حذف الضلال ثانيا ، والمرشد ثانيا دليلا على حذف المضل أولا.
( وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً (١٨) وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً (١٩) )
ولما نبه سبحانه هذا التنبيه تسلية للنبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلم وتثبيتا أن يبخع نفسه ، عطف على ما مضى بقية أمرهم فقال :( وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً ) لانفتاح أعينهم للهواء ليكون أبقى لها ، ولكثرة حركاتهم( وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ) بعظمتنا في حال نومهم تقليبا كثيرا بحسب ما ينفعهم كما يكون النائم( ذاتَ ) أي في الجهة التي هي صاحبة( الْيَمِينِ ) منهم( وَذاتَ الشِّمالِ ) لينال روح النسيم جميع أبدانهم ولا يتأثر ما يلي الأرض منها بطول المكث( وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ) وأعمل اسم الفاعل هذا ، لأنه ليس بمعنى الماضي بل هو حكاية حال ماضية فقال :( ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ ) أي بباب الكهف وفنائه كما هي عادة الكلاب ، وذكر هذا الكلب على طول الآباد بجميل هذا الرقاد من بركة صحبة الأمجاد.
ولما كان هذا مشوقا إلى رؤيتهم ، وصل به ما يكف عنه بقوله تعالى :( لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ ) وهم على تلك الحال( لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً ) أي حال وقوع بصرك عليهم( وَلَمُلِئْتَ ) في أقل وقت بأيسر أمر( مِنْهُمْ رُعْباً ) لما ألبسهم الله من الهيبة ، وجعل لهم من الجلالة ، تدبيرا منه لما أراد منهم( وَكَذلِكَ ) أي فعلنا بهم هذا من آياتنا من النوم وغيره ، ومثل ما فعلناه بهم( بَعَثْناهُمْ ) بما لنا من العظمة( لِيَتَساءَلُوا ) وأظهر بالافتعال إشارة إلى أنه في غاية الظهور. ولما كان المراد تساؤلا عن أخبار لا تعدوهم قال تعالى :( بَيْنَهُمْ ) أي عن أحوالهم في نومهم ويقظتهم فيزدادوا إيمانا ، وثباتا وإيقانا ، بما ينكشف لهم من الأمور العجيبة ، والأحوال الغريبة فيعلم أنه لا علم لأحد غيرنا ، ولا قدرة لأحد سوانا ، وأن قدرتنا تامة ، وعلمنا شامل ، فليعلم ذلك من أنكر قدرتنا على البعث وسأل اليهود البعداء البغضاء عن نبيه الحبيب الذي أتاهم بالآيات ، وأراهم البينات ، فإن كانوا يستنحصون(١) اليهود فليسألوهم عما قصصنا من هذه القصة ، فإن اعترفوا به لزمهم جميعا الإيمان والرجوع عن الغي والعدوان ، وإن لم يؤمنوا علم قطعا أنه لا يؤمن إلا من أردنا هدايته بالآيات البينات كأهل الكهف وغيرهم ، لا بإنزال الآيات المقترحات.
ولما كان المقام مقتضيا لأن يقال : ما كان تساؤلهم؟ أجيب بقوله تعالى :( قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ ) مستفهما من إخوانه :( كَمْ لَبِثْتُمْ ) نائمين في هذا الكهف من ليلة أو يوم ، وهذا يدل على أن هذا القائل استشعر طول لبثهم بما رأى من هيئتهم أو لغير ذلك من
__________________
(١) كذا في الأصل ومادة «نحص» في المختار أصل الجبل وليس هو المراد وهو والله أعلم متحرف من استنصح ـ أي طلب النصح. أو المراد ما جاء في القاموس في مادّة «نحص» نحصت له بحقه أديته عنه.
الأمارات ؛ ثم وصل به في ذلك الأسلوب أيضا قوله تعالى :( قالُوا لَبِثْنا يَوْماً ) ودل على أن هذا الجواب مبني على الظن بقوله دالا حيث أقرهم عليه سبحانه على جواز الاجتهاد والقول بالظن المخطىء ، وأنه لا يسمى كذبا وإن كان مخالفا للواقع( أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ) كما تظنون أنتم عند قيامكم من القبور إن لبثتم إلا قليلا ، لأنه لا فرق بين صديق وزنديق في الجهل بما غيبه الله تعالى ، فكأنه قيل : على أي شيء استقر أمرهم في ذلك؟ فأجيب بأنهم ردوا الأمر إلى الله بقوله :( قالُوا ) أي قال بعضهم إنكارا على أنفسهم ووافق الباقون بما عندهم من التحاب في الله والتوافق فيه فهم في الحقيقة إخوان الصفا وخلان الألفة والوفا( رَبُّكُمْ ) المحسن إليكم( أَعْلَمُ ) أي من كل أحد( بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا ) أي فتسبب عن إسناد العلم إلى الله تعالى أن يقال : اتركوا الخوض في هذا واشتغلوا بما ينفعكم بأن تبعثوا( أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ ) أي فضتكم( هذِهِ ) التي جمعتموها لمثل هذا( إِلَى الْمَدِينَةِ ) التي خرجتم منها وهي طرسوس ليأتينا بطعام فإنا جياع( فَلْيَنْظُرْ أَيُّها ) أي أي أهلها( أَزْكى ) أي أطهر وأطيب( طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ ) ذلك الأحد( بِرِزْقٍ مِنْهُ ) لنأكل( وَلْيَتَلَطَّفْ ) في التخفي بأمره حتى لا يتفطنوا له( وَلا يُشْعِرَنَ ) أي هذا المبعوث منكم في هذا الأمر( بِكُمْ أَحَداً ) أن فطنوا له فقبضوا عليه ، وإن المعنى : لا يقولن ولا يفعلن ما يؤدي من غير قصد منه إلى الشعور بكم فيكون قد أشعر بما كان منه من السبب ، وفي قصتهم دليل على أن حمل المسافر ما يصلحه من المنفعة رأى المتوكلين لا المتآكلين المتكلين على الإنفاقات على ما في أوعية القوم من النفقات ، وفيها صحة الوكالة ؛ ومادة (ورق) بجميع تراكيبها الخمسة عشر قد تقدم في سورة سبحان وغيرها أنها تدور على الجمع ، فالورق مثلثة وككتف وجبل : الدراهم المضروبة ـ تشبيها بالورق في الشكل وفي الجمال ، وبها جمع حال الإنسان ، وحالها مقتض للجمع ، والورّاق : الكثير الدراهم وهو أيضا مورّق الكتب ، وحرفته الوراقة ، وما زلت منك موارقا ، أي قريبا مدانيا ـ أي كالذي يساجلك في قطاف الورق من شجرة واحدة فهو يأخذ من ناحية وأنت من أخرى ، والمداناة : أول الجمع والورق ـ محركة : جمال الدنيا وبهجتها ـ لأنها تجمع ألوانا وأنواعا ، ولعل منه الورقة ، قال في مختصر العين : إنها سواد في غبرة. وحمامة ورقاء ـ أي منه ، وفي القاموس : والأورق من الإبل : ما في لونه بياض إلى سواد ، ورأى رجل الغول على جمل أورق فقال : جاء بأم الربيق على أريق ، أي بالداهية العظيمة ، صغر الأورق كسويد في أسود ، والأصل وريق فقلبت واوه همزة ، والأورق أيضا : الرماد وعام لا مطر فيه ، واللبن ثلثاه ماء ـ كل ذلك جامع للونين فأكثر ، والورق محركة أيضا من الكتاب والشجر معروف ـ لأنك لا تكاد
تحد واحدة منه على لون واحد ، ولأنه يجمع الواحدة منه إلى الأخرى ويجمع معنى ما يحمله ، قال في مختصر العين : والورق : أدم رقاق منه ورق المصحف ، والورق أيضا : الخبط ـ لأنه لما كانت الإبل تعلفه كان كأنه هو الورق لا غيره ، والورق : الحي من كل حيوان ـ لأن الحياة هي الجمال ، وبها جماع الأمور ، ولأن الورق دليل على حياة الحي من الشجر ، فهو من إطلاق اسم الدال على المدلول ، والورق أيضا : ما استدار من الدم على الأرض ، أو ما سقط من الجراحة ـ لأن الاستدارة أجمع الأشكال ، وهو تشبيه بورق الشجر في الشكل ، والورق : المال من إبل ودراهم وغيرها ـ لأن جماع حياة الإنسان وكمالها بذلك كما أن كمال حياة الشجر بالورق ، ولرعي المال من الحيوان الورق ، والورق : حسن القوم وجمالهم ـ من ذلك ، لأنه يجمع أمرهم ويجمع إليهم غيرهم ، والورق من القوم : أحداثهم أو الضعاف من الفتيان ـ تشبيه بالورق لأنه لا يقيم غالبا أكثر من عام ، ولأنه ضعيف في نفسه ، وضعيف النفع بالنسبة إلى الثمر ، والورقة ـ بهاء : الخسيس والكريم ، ضد ـ للنظر تارة إلى كونه نافعا للمرعى ودالا على الحياة ، وإلى كونه غير مقصود بالذات أخرى ، ورجل ورق وامرأة ورقة : خسيسان أي لا ثمرة لهما ، ومن ذلك أورق الصائد ـ إذا رمى فأخطأ أي لم يقع على غير الورق ، أي لم تحصل له ثمرة ، بل وقع على شجرة غير مثمرة ، وكذا أورق القوم : أخفقوا في حاجتهم ، أي رجعوا بلا ثمرة ، ومن ذلك أيضا أورقوا : كثر مالهم ودراهمهم ـ ضد ، هذا بالنظر إلى أن في الورق جمال الشجر وحياته ، والتجارة مؤرقة للمال كمجلبة أي مكثرة ؛ ومنه قول القزاز في ديوانه : هذا رجل مؤرق له دراهم ، والمؤرق : الذي لا شيء له ـ ضد ، أو أنه تارة يكون للإيجاب والصيرورة نحو أغدّ البعير ، وتارة للسلب نحو أشكيته ، والوراق ككتاب : وقت خروج الورق من الشجر ، وشجرة وريقة وورقة : كثيرة الورق ، والوارقة : الشجرة الخضراء الورق الحسنته ، والوراق ـ كسحاب : خضرة الأرض من الحشيش ، وليس من الورق في شيء ، وذلك أن تلك الخضرة لا تخلو عن لون آخر ، والرقة ـ كعدة : أول نبات النصي والصليان وهما نباتان أفضل مراعي الإبل ، لأنهما سبب لجمع المال للرعي ، والرقة : الأرض التي يصيبها المطر في الصفرية ـ أي أول الخريف ـ أو في القيظ فتنبت فتكون خضراء ـ كأن ذلك النبات يكون أقل خضرة من نبات الربيع ، ويكون اختلاطه لغيره من الألوان أكثر مما في الربيع ، وفي القوس ورقة ـ بالفتح : عيب ، والورقاء : الذئبة ـ من أجل أن الورق الخالي عن الثمر تقل الرغبة في شجره وهو دون المثمر ، ولأن الورق مختلط اللون ، والاختلاط في كل شيء عيب بالنسبة إلى الخالص ، وتورقت الناقة : أكلت الورق. وقار الرجل يقور : مشى على
أطراف قدميه لئلا يسمع صوتهما ـ لأن فاعل ذلك جدير بالوصول إلى ما أراد مما يجمع شمله ، ومنه قار الصيد : ختله ـ لأن أهل الخداع أولى بالظفر ، ألا ترى الأسود تصاد به ، ولو غولبت عز أخذها ، وقار الشيء : قطعه من وسطه خرقا مستديرا كقوّره ـ لأن الثوب يصير بذلك الخرق يجمع ما يراد منه ، والاستدارة أجمع الأشكال كما سلف ، والقوارة ـ كثمامة : ما قور من الثوب وغيره ، أو يخص بالأديم ، وما قطعت من جوانب الشيء ، والشيء الذي قطع من جوانبه ـ ضد ، وهو من تسميه موضع الشيء باسمه ، والقارة : الجبل الصغير الصلب المنقطع عن الجبال ـ لشدة اجتماع أجزائه بالصلابة واجتماعه في نفسه بانقطاعه عن غيره مما لو خالطه لفرقه ، ولم يعرف حده على ما هو ، والقارة : الصخرة العظيمة ، والأرض ذات الحجارة السود ـ لاجتماعها في نفسها بتميزها عن غيرها بتلك الحجارة ، ودار قوراء : واسعة ـ تشبيها بقوارة الثواب ، ولأنها كلما اتسعت كانت أجمع ، والقار : الإبل أو القطيع الضخم منها ، والاقورار : تشنج الجلد وانحناء الصلب هزالا وكبرا ـ لأن كلّا من التشنج والانحناء اجتماع ، والاقورار : الضمر ـ لأن الضامر اجتمعت أجزاؤه ، والاقورار : السمن ـ ضد ، لأن السمين جمع اللحم والشحم ، والاقورار : ذهاب نبات الأرض ـ لأنها تصير بذلك قوراء فتصير أجدر بأن تسع الجموع ، ويمكن أن يكون الأقورار كله من السلب إلا ما للسمن ، والقور : القطن الحديث أو ما زرع من عامه لأنه يلبس فيجمع البدن ، ولقيت منه الأقورين ـ بكسر الراء ، والأقوريات أي الدواهي القاطعة ـ تشبيها بما قور من الثوب ، فهي للسلب ، والقور ـ محركة : العين ـ لأن محلها يشبه القوارة ، والمقور ـ كمعظم : المطلي بالقطران ـ لاجتماع أجزائه بذلك ، واقتار : احتاج ، أي صار أهلا لأن يجمع ، وتقور الليل : تهور ، أي مضى ، من القطع ، وتقورت الحية : تثنت أي تجمعت ، والقار : شجر مر ـ كأنه الذي تطلى به السفن ، وهذا أقير من هذا : أشد مرارة ـ لأن المرارة تجمع اللهوات عند الذوق ، والقارة قبيلة ـ لأن ابن الشداخ أراد أن يفرقهم فقال شاعرهم :
دعونا قارة لا تذعرونا |
فنجفل مثل إجفال الظليم |
فسموا القارة بهذا وكانوا رماة ، وفي المثل : قد أنصف القارة من راماها.
والرقوة : فويق الدعص من الرمل ، ويقال رقو ، بلا هاء ـ كأنه لجمعه الكثير من الرمل ، أو لجمعه من يطلب الإشراف على الأماكن البعيدة بالعلو عليه لترويح النفس ـ والله الموفق.
( إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً
أَبَداً (٢٠) وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً (٢١) )
ولما نهوا رسولهم عن الإشعار بهم عللوا ذلك فقالوا :( إِنَّهُمْ ) أي أهل المدينة( إِنْ يَظْهَرُوا ) أي يطلعوا عالين( عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ ) أي يقتلوكم أخبث قتلة إن استمسكتم بدينكم( أَوْ يُعِيدُوكُمْ ) قهرا( فِي مِلَّتِهِمْ ) إن لنتم لهم( وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً ) أي إذا عدتم فيها مطمئنين بها ، لأنكم وإن أكرهتم ربما استدرجكم الشيطان بذلك إلى الإجابة حقيقة( أَبَداً ) أي فبعثوا أحدهم فنظر الأزكى وتلطف في الأمر ، فاسترابوا منه لأنهم أنكروا ورقه لكونها من ضرب ملك لا يعرفونه فجهدوا به فلم يشعر بهم أحدا من المخالفين ، وإنما أشعر بهم الملك لما رآه موافقا لهم في الدين لأنه لم يقع النهي عنه( وَكَذلِكَ ) أي فعلنا بهم ذلك الأمر العظيم من الربط على قلوبهم ، والستر لأخبارهم والحماية من الظالمين والحفظ لأجسامهم على مر الزمان ، وتعاقب الحدثان ، ومثل ما فعلنا بهم ذلك( أَعْثَرْنا ) أي أظهرنا إظهارا اضطراريا ، أهل البلد وأطلعناهم ، وأصله أن الغافل عن الشيء ينظر إليه إذا عثر به نظر إليه فيعرفه ، فكان العثار سببا لعلمه به فأطلق اسم السبب على المسبب( عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا ) أي أهل البلد بعد أن كان حصل لبعضهم شك في حشر الأجساد لأن اعتقاد اليهود والنصارى أن البعث إنما هو للروح فقط( أَنَّ وَعْدَ اللهِ ) الذي له صفات الكمال بالبعث للروح والجسد معا( حَقٌ ) لأن قيامهم بعد نومهم نيفا وثلاثمائة سنة مع خرق العادة بحفظ أبدانهم عن الفناء من غير أكل ولا شرب مثل قيام من مات بجسمه الذي كان سواء على أن مطلق النوم دال على ذلك كما قال بعض العارفين «علمك باليقظة بعد النوم علم بالبعث بعد الموت ، والبرزخ واحد غير أن للروح بالجسم في النوم تعلقا لا يكون بالموت ، وتستيقظ على ما نمت عليه كذلك تبعث على ما مت عليه».
ولما كان من الحق ما قد يداخله شك قال تعالى :( وَأَنَ ) أي وليعلموا أن( السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها ) مبينا أنها ليست موضع شك أصلا لما قام عليها من أدلة العقل ، المؤيد في كل عصر بقواطع النقل ، ومن طالع تفسير (الزيتون) من كتابي هذا حصل له هذا ذوقا ؛ ثم بين أن هذا الإعثار أتاهم بعلم نافع حال تجاذب وتنازع فقال :( إِذْ ) أي ليعلموا ذلك ، وأعثرنا حين( يَتَنازَعُونَ ) أي أهل المدينة.
ولما كان التنازع في الغالب إنما يكون بين الأجانب ، وكان تنازع هؤلاء مقصورا عليهم كان الأهم بيان محله فقدمه فقال تعالى :( بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ ) أي أمر أنفسهم في
الحشر فقائل يقول : تحشر الأرواح مجردة ، وقائل يقول : بأجسادها ، أو أمر الفتية فقائل يقول : ناس صالحون ، وناس يقولون : لا ندري من أمرهم غير أن الله تعالى أراد هدايتنا بهم( فَقالُوا ) أي فتسبب عن هذا الإعثار أو التنازع أن قال أكثرهم :( ابْنُوا عَلَيْهِمْ ) على كل حال( بُنْياناً ) يحفظهم ، واتركوا التنازع فيهم ، ثم عللوا ذلك بقولهم :( رَبُّهُمْ ) أي المحسن إليهم بهدايتهم وحفظهم وهداية الناس بهم( أَعْلَمُ بِهِمْ ) أن كانوا صالحين أو لا ، وأما أنتم فلا طريق لكم إلى علم ذلك ؛ ثم استأنف على طريق الجواب لمن كأنه قال : ماذا فعلوا؟ فقال :( قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى ) أي وقع أن كانوا غالبين على( أَمْرَهُمْ ) أي ظهروا عليه وعلموا أنهم ناس صالحون فروا بدينهم من الكفار وضعف من ينازعهم ؛ ويجوز ـ وهو أحسن ـ أن يكون الضمير لأهل البلد أو للغالبين أنفسهم ، إشارة إلى أن الرؤساء منهم وأهل القوة كانوا أصلحهم إيماء إلى أن الله تعالى أصلح بهم أهل ذلك الزمان( لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ ) ذلك البنيان الذي اتفقنا عليه( مَسْجِداً ) وهذا دليل على أنهم حين ظهروا عليهم وكلموهم أماتهم الله بعد أن علموا أن لهم مدة طويلة لا يعيش مثلها أحد في ذلك الزمان ، وقبل أن يستقصوا جميع أمرهم ، وفي قصتهم ترغيب في الهجرة.
( سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً (٢٢) وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً (٢٣) إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً (٢٤) )
ولما ذكر تعالى تنازع أولئك الذين هداهم الله بهم ، ذكر ما يأتي من إفاضة من علم قريشا أن تسأل النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلم منهم في الفضول الذي ليس لهم إليه سبيل ، ولا يظفرون فيه بدليل علما من أعلام النبوة فقال تعالى :( سَيَقُولُونَ ) أي أهل الكتاب ومن وافقهم في الخوض في ذلك بعد اعترافهم بما قصصت عليك من نبأهم بوعد لا خلف فيه : هم( ثَلاثَةٌ ) أشخاص( رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ ) ولا علم لهم بذلك ، ولذلك أعراه عن الواو فدل إسقاطها على أنهم ليسوا ثلاثة وليس الكلب رابعا( وَيَقُولُونَ ) أي وسيقولون أيضا :( خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ ) .
ولما تغير قولهم حسن جدا قوله تعالى :( رَجْماً بِالْغَيْبِ ) أي رميا بالأمر الغائب عنهم الذي لا اطلاع لهم عليه بوجه( وَيَقُولُونَ ) أيضا دليلا على أنه لا علم لهم بذلك :
( سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ) وتأخير هذا عن الرجم ـ وإن كان ظنا ـ مشعر بأنه حق ، ويؤيده هذه الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة كما تدخل الواو حالا عن المعرفة في نحو( إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ ) [الحجر : ٤] فإن فائدتها توكيد لصوق الصفة بالموصوف ، والدلالة على أن اتصاف الموصوف بالصفة أمر ثابت مستقر ، فدلت هذه الواو على أن أهل هذا القول قالوه عن ثبات علم وطمأنينة نفس ، ولم يرجموا بالظن ، وفي براءة ، كلام نفيس عن اتباع الوصف تارة بواو وتارة مجردا عنها. فلما ظهر كالشمس أنه لا علم لهم بذلك كان كأنه قيل : ماذا يقال لهم؟ فقيل :( قُلْ رَبِّي ) أي المحسن إليّ بإعلامي بأمرهم وغيره( أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ) أي التي لا زيادة فيها ولا نقص ، فكان كأنه قيل : قد فهم من صيغة «أعلم» أن من الخلق من يعلم أمرهم فقيل :( ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ ) أي من الخلق وهو مؤيد لأنهم أصحاب القول الغالب ، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما ، وكان يقول : أنا من ذلك القليل.( فَلا ) أي فتسبب عن ذلك أن يقول لك على سبيل البت الداخل تحت النهي عن قفو ما ليس لك به علم : لا( تُمارِ ) أي تجادل وتراجع( فِيهِمْ ) أحدا ممن يتكلم بغير ما أخبرتك به( إِلَّا مِراءً ظاهِراً ) أدلته ، وهو ما أوحيت إليك به ولا تفعل فعلهم من الرجم بالغيب( وَلا تَسْتَفْتِ ) أي تسأل سؤال مستفيد( فِيهِمْ ) أي أهل الكهف( مِنْهُمْ ) أي من الذين يدعون العلم من بني إسرائيل أو غيرهم( أَحَداً ) .
ولما كان نهيه عن استفتائهم موجبا لقصر همته على ربه سبحانه فكان من المعلوم أنه إذا سئل عن شيء ، التفتت نفسه إلى تعرفه من قبله ، فربما قال لما يعلم من إحاطة علم الله سبحانه وكرمه لديه : سأخبركم به غدا ، كما وقع من هذه القصص ، علمه الله ما يقول في كل أمر مستقبل يعزم عليه بقوله تعالى :( وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ ) أي لأجل شيء من الأشياء التي يعزم عليها جليلها وحقيرها ، عزمت على فعله : عزما صادقا من غير تردد وإن كنت عند نفسك في غاية القدرة عليه :( إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ ) أي الشيء وإن كان مهما( غَداً ) أي فيما يستقبل في حال من الأحوال( إِلَّا ) قولا كائنا معه( أَنْ يَشاءَ ) في المستقبل ذلك الشيء( اللهُ ) أي مقرونا بمشيئة الملك الأعلى الذي لا أمر لأحد معه سبحانه تعظيما لله أن يقطع شيء دونه واعترافا بأنه لا حول ولا قوة إلا به ، ولأنه إن قيل ذلك دون استثناء فات قبل الفعل أو عاقه عنه عائق كان كذبا منفرا عن القائل.
ولما كان النسيان من شأن الإنسان وهو غير مؤاخذ به قال تعالى :( وَاذْكُرْ رَبَّكَ ) أي المحسن إليك برفع المؤاخذة حال النسيان( إِذا نَسِيتَ ) الاستثناء بالاستعانة والتوكل عليه وتفويض الأمر كله إليه بأن تقول : إن شاء الله ، ونحوها في أيّ وقت تذكرت ؛