نظم الدّرر الجزء ٤

نظم الدّرر0%

نظم الدّرر مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
تصنيف: علوم القرآن
الصفحات: 572

  • البداية
  • السابق
  • 572 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 448 / تحميل: 98
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 4

مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
العربية

ولما فرغ من هذه القصة التي حاصلها أنها طواف في الأرض لطلب العلم ، عقبها بقصة من طاف الأرض لطلب الجهاد ، وقدم الأولى إشارة إلى علو درجة العلم لأنه أساس كل سعادة ، وقوام كل أمر ، فقال عاطفا على( وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ ) [الكهف : ٥٦]( وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ) الرجل الصالح المجاهد( ذِي الْقَرْنَيْنِ ) سمي لشجاعته أو لبلوغه قرني مغرب الشمس ومشرقها ، أو لانقراض قرنين من الناس في زمانه ، أو لأنه كان له ضفيرتان من الشعر أو لتاجه قرنان ، وهو الإسكندر الأول ـ نقل ابن كثير عن الأزرقي أنه كان على زمن الخليلعليه‌السلام ، وطاف معه بالبيت ، ومن المناسبات الصورية أن في قصة كل منهما ثلاثة أشياء آخرها بناء جدار لا سقف له ، وإنما هو لأجل حفظ ما يهتم به خوف المفسد ، وصدّرها بالإخبار عن سؤالهم إشارة إلى أنهم لم يسألوا عن التي قبلها على ما فيها من العجائب واللطائف ، والأسرار والمعارف ، تبكيتا(١) لليهود في إغفال الأمر بالسؤال عنها إن كان مقصودهم الحق ، وإن لم يكن مقصودا لهم كانوا بالتبكيت أجدر ، أو تكون معطوفة على مسألتهم الأولى وهي الروح ، وصدرها بالإخبار بالسؤال تنبيها على ذلك لطول الفصل ، إشارة إلى أن ذلك كله مرتبط بجوابهم ارتباط الدر بالسلك.

ولما كان من المعلوم أنه يقول صلّى الله عليه وعلى آله وسلم : فبماذا أجيبهم؟ قال :( قُلْ ) أي لهم :( سَأَتْلُوا ) أي أقص قصا متتابعا في مستقبل الزمان إن أعلمني الله به( عَلَيْكُمْ ) أيها المشركون وأهل الكتاب المعلمون لهم مقيدا بأن شاء الله كما سلف لك الأمر به( مِنْهُ ذِكْراً ) كافيا لكم في تعرف أمره ، جامعا لمجامع ذكره.

ولما كانت قصته من أدل دليل على عظمة الله ، جلاها في ذلك المظهر فقال :( إِنَّا ) مؤكدا لأن المخاطبين بصدد التعنت والإنكار( مَكَّنَّا ) أي بما لنا من العظمة ، قيل : بالملك وحده ، وقيل : مع النبوة ، لأن ما ينسب إلى الله تعالى على سبيل الامتنان والإحسان جدير بأن يحمل على النهاية لا سيما إذا عبر عنه بمظهر العظمة( لَهُ فِي الْأَرْضِ ) مكنة يصل بها إلى جميع مسلوكها ، ويظهر بها على سائر ملوكها( وَآتَيْناهُ ) بعظمتنا( مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) يحتاج إليه في ذلك( سَبَباً ) قال أبو حيان : وأصل السبب الحبل ، ثم توسع فيه حتى صار يطلق على ما يتوصل به إلى المقصود. فأراد بلوغ المغرب ، ولعله بدأ به لأن باب التوبة فيه( فَأَتْبَعَ ) أي بغاية جهده ـ هذا على قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو بالتشديد ، والمعنى على قراءة الباقين بقطع الهمزة وإسكان الفوقانية : ألحق بعض الأسباب ببعض ، وذلك تفسير لقراءة التشديد( سَبَباً ) يوصله

__________________

(١) التبكيت : كالتقريع والتعنيف وبكته بالحجة تبكيتا : غلبه اه مختار.

٥٠١

إليه ، واستمر متبعا له( حَتَّى إِذا بَلَغَ ) في ذلك المسير( مَغْرِبَ الشَّمْسِ ) أي الحد الذي لا يتجاوزه آدمي في جهة الغرب( وَجَدَها ) فيما يحس بحاسة لمسه( تَغْرُبُ ) كما أحسه بحاسة بصره من حيث إنه متصل بما وصل إليه بيده ، لا حائل بينه وبينه( فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ) أي ذات حمأة أي طين أسود ، وهي مع ذلك حارة كما ينظر من في وسط البحر أنها تغرب فيه وتطلع منه وعنده القطع بأن الأمر ليس كذلك( وَوَجَدَ عِنْدَها ) أي على الساحل المتصل بتلك العين( قَوْماً ) كفارا لهم قوة على ما يحاولونه ومنعة ، فكأنه قيل : ماذا أمر فيهم؟ فأجيب بقوله :( قُلْنا ) بمظهر العظمة :( يا ذَا الْقَرْنَيْنِ ) إعلاما بقربه من الله وأنه لا يفعل إلا ما أمره به ، إما بواسطة الملك إن كان نبيا وهو أظهر الاحتمالات ، أو بواسطة نبي زمانه ، أو باجتهاده في شريعته الاجتهاد المصيب ،( إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ ) أي هؤلاء القوم ببذل السيف فيهم بكفرهم( وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ ) أي بغاية جهدك( فِيهِمْ حُسْناً ) أمرا له حسن عظيم ، وذلك هو البداءة بالدعاء ، إشارة إلى أن القتل وإن كان جائزا فالأولى أن لا يفعل إلا بعد اليأس من الرجوع عن موجبه( قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ ) باستمراره على الكفر فإنا نرفق به حتى نيأس منه ثم نقتله ، وإلى ذلك أشار بقوله :( فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ) بوعد لا خلف فيه بعد طول الدعاء والترفق( ثُمَّ يُرَدُّ ) بعد الحياة بالموت ، أو بعد البرزخ بالبعث ، ردا هو في غاية السهولة( إِلى رَبِّهِ ) الذي تفرد بتربيته( فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً ) شديدا جدا لم يعهد مثله لكفره لنعمته ، وبذل خيره في عبادة غيره ، وفي ذلك إشارة بالتهديد الشديد لليهود الغارين لقريش ، وإرشاد لقريش إلى أن يسألوهم عن قوله هذا ، ليكون قائدا لهم إلى الإقرار بالبعث( وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ) تصديقا لما أخبر به من تصديقه( فَلَهُ ) في الدارين( جَزاءً ) طريقته( الْحُسْنى ) منا ومن الله بأحسن منها( وَسَنَقُولُ ) بوعد لا خلف فيه بعد اختباره بالأعمال الصالحة( لَهُ ) أي لأجله( مِنْ أَمْرِنا ) الذي نأمر به فيه( يُسْراً ) أي قولا غير شاق من الصلاة والزكاة والخراج والجهاد وغيرها ، وهو ما يطيقه ولا يشق عليه مشقة كبيرة( ثُمَّ أَتْبَعَ ) لإرادته بلوغ مشرق الشمس( سَبَباً ) من جهة الجنوب يوصله إلى المشرق واستمر فيه لا يمل ولا تغلبه أمة مر عليها( حَتَّى إِذا بَلَغَ ) في مسيره ذلك( مَطْلِعَ الشَّمْسِ ) أي الموضع الذي تطلع عليه أولا من المعمور من الأرض( وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ ) على ساحل البحر لهم قوة شديدة( لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ ) ولما كان المراد التعميم ، أثبت الجار فقال :( مِنْ دُونِها ) أي من أدنى الأماكن إليهم أول ما تطلع( سِتْراً ) يحول بينهم وبين المحل الذي يرى طلوعها منه من البحر من جبل ولا أبنية ولا شجر ولا غيرها.

٥٠٢

( كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً (٩١) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (٩٢) حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً (٩٣) قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤) قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً (٩٥) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً (٩٦) فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً (٩٧) قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨) وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً (٩٩) وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً (١٠٠) الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً (١٠١) أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلاً (١٠٢) )

ولما كان أمره مستغربا في نفسه وفي الاطلاع عليه لا سيما عند القرب ، قال تعالى :( كَذلِكَ ) أي أمره كما ذكرنا لكم على سبيل الاقتصار( وَقَدْ أَحَطْنا ) بما لنا من العظمة ،( بِما لَدَيْهِ ) أي كله من الأمور التي هي أغرب المستغرب( خُبْراً ) أي من جهة بواطن أموره فضلا عن ظواهرها ، فلا يستغرب إخبارنا عن ذلك ولا عن أمر أصحاب الكهف ، ولا يظن أن تفصيل أمر الروح خفي عنا ، لأنا مطلعون على خفايا الأمور وظواهرها ، شواهدها وغوائبها ، وكيف لا ونحن أوجدناها ولكنا لا نذكر من ذلك إلا ما نريد على ما تدعو إليه الحكمة ، فلو شئنا لبسطنا هذه القصة وقصة أهل الكهف وفصلنا أمر الروح تفصيلا يعجز عن حفظه الألباء( ثُمَّ أَتْبَعَ ) في إرادته ناحية السد مخرج يأجوج ومأجوج( سَبَباً ) من جهة الشمال ، واستمر أخذا فيه( حَتَّى إِذا بَلَغَ ) في مسيره ذلك( بَيْنَ السَّدَّيْنِ ) أي الجبلين المانعين من وراءهما من الوصول منهما إلى من أمامهما وهما بمنقطع أرض الترك مما يلي بلاد أرمينية وآذربيجان ، أملسان يزلق عليهما كل شيء ؛ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم بفتح السين ، والباقون بضمهما ، فقيل : هما بمعنى واحد ، وقيل : المضموم من فعل الله ، والمفتوح من فعل الناس.( وَجَدَ مِنْ دُونِهِما ) أي بقربهما من الجانب الذي هو أدنى منهما إلى الجهة التي أتى منها ذو القرنين( قَوْماً ) أي أقوياء لغتهم في غاية البعد من لغات بقية الناس لبعد بلادهم من بقية البلاد ، فهم لذلك( لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً ) أي لا يقربون من أن يفهموه ممن مع ذي القرنين فهما جيدا كما يفهم غيرهم ، ودل وصفهم بما يأتي على أنهم يفهمون فهما ما بعد بعد ومحاولة طويلة ، لعدم ماهر بلسانهم ممن مع ذي القرنين ، وعدم ماهر منهم بلسان أحد ممن معه ، وهذا يدل على أن بينهم وبين

٥٠٣

بقية سكان الأرض غير يأجوج ومأجوج براري شاسعة ، وفيافي واسعة ، منعت من اختلاطهم بهم ، وأن تطيعهم بلسان غيرهم بعيد جدا لقلة حفظهم لخروج بلادهم عن حد الاعتدال ، أو لغير ذلك ، ويلزم من ذلك أنهم لا يكادون يفهمون غيرهم شيئا من كلامهم ، وذلك معنى قراءة حمزة والكسائي بضم التحتانية وكسر القاف ودل على أن عدم فهمهم وأفهامهم مقيد بما مضى قوله :( قالُوا ) أي مترجموهم أو جيرانهم ـ الذين من دونهم ـ كما في مصحف ابن مسعود ممن يعرف بعض كلامهم ، أو بالإشارة كما يخاطب إليكم :( يا ذَا الْقَرْنَيْنِ ) مسنا الضر( إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ) وهما قبيلتان من الناس من أولاد يافث ، لا يطاق أمرهم ، ولا يطفأ جمرهم ، وقد ثبت في الصحيح في حديث بعث النار أنهم من ذرية آدمعليه‌السلام (١) ( مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ) بأنواع الفساد( فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً ) نخرجه لك من أموالنا ـ هذا على قراءة الجماعة ، وزاد حمزة والكسائي ألفا ، فقيل : هما بمعنى واحد ، وقيل : بل الخرج ما تبرعت به ، والخراج بالألف ما لزمك.( عَلى أَنْ تَجْعَلَ ) في جميع ما( بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ ) من الأرض التي يمكن توصلهم إلينا منها بما آتاك الله من المكنة( سَدًّا ) يصل بين هذين الجبلين( قالَ ) بعفة وديانة وقصد للخير :( ما مَكَّنِّي ) .

ولما كان لمكنته حالتان : إحداهما ظاهرة ، وهي ما شوهد من فعله بعد وقوعه ، وباطنة ولا يقع أحد عليها بحدس ولا توهم ، لأنها مما لم يؤلف مثله ، فلا يقع المتوسم عليه ، قرأ ابن كثير بإظهار النون في( مَكَّنِّي ) وغيره بالإدغام ، إشارة إليهما. ولما كان النظر إلى ما يقع المكنة فيه أكثر ، قدم ضميره فقال :( فِيهِ رَبِّي ) أي المحسن إليّ بما ترون من الأموال والرجال ، والفهم في إتقان الأمور ، والتوصل إلى جميع الممكن للمخلوق( خَيْرٌ ) أي من خرجكم الذي تريدون بذله لمكنتي كما قال سليمانعليه‌السلام ( فَما آتانِيَ اللهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ ) [النمل : ٣٦]( فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ ) أي آلات وعمال أتقوى بها في فعل ذلك ، فإن أهل البلاد أخبر بما يصلح في هذا العمل من بلادهم وما معي إنما هو للقتال وما يكون من أسبابه ، لا لمثل هذا( أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ ) أي بين ما تختصون به( وَبَيْنَهُمْ رَدْماً ) أي حاجزا حصينا موثقا بعضه فوق بعض ، مع التلاصق المتلاحم الموجب لأن لا يميز بعضه من بعض وهو أعظم من السد ؛ قال البغوي : فحفر له الأساس حتى بلغ الماء وجعل حشوه الصخر وطينه النحاس يذاب فيصب عليه فصار كأنه عرق من جبل تحت الأرض.( آتُونِي ) بفتح الهمزة بعدها

__________________

(١) أخرجه البخاري ٣٣٤٨ ومسلم ٢٢٢ وأحمد ٣ / ٣٢ من حديث أبي سعيد الخدري.

٥٠٤

ساكنة ، ومدها على قراءة الجماعة أي أعطوني وبهمزة وصل ، وهمزة بعدها ساكنة أي جيئوني وتعالوا إليّ فقد أجبتكم إلى سؤالكم ، ثم ابتدأ مغريا على هذه القراءة فقال :( زُبَرَ الْحَدِيدِ ) أي عليكم به فأحضروا إليّ قطعة ، فأتوه بذلك فردم ما فوق الأساس بعضه على بعض صفا من الحديد وصفا من الحطب ، قال البغوي : فلم يزل يجعل قطع الحديد على الحطب والحطب على الحديد.( حَتَّى إِذا ساوى ) أي بذلك البناء( بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ ) أي أعلى منقطع الجبلين الموصوفين ، سميا لتصادفهما ـ أي تقابلهما وتقاربهما ـ بالبناء على تلك الحالة عرضا وطولا ، وقراءة من فتح الصاد والدال ـ وهم نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم ـ دالة على أن تقابلهما في غاية الاستقامة ، فكأنهما جدار فتح فيه باب ، وقراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر بضمهما دالة على أنه مع ذلك في غاية القوة حتى أن أعلاه وأسفله سواء ، وقراءة شعبة عن عاصم بالضم وإسكان الدال دالة على أشد ثبات وأتقنه في كل منهما ، فلا ينتخر شيء منهما على طول الزمان بريح ولا غيرها من فساد في أحد الجانبين برخاوة من سياخ أو غيره( قالَ ) أي للصناع :( انْفُخُوا ) في الأكوار فنفخوا فأضرم فيه النار ، واستمر كذلك( حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ) أي كله( ناراً قالَ ) للقوم :( آتُونِي ) بالنحاس( أُفْرِغْ عَلَيْهِ ) أي الحديد المحمى( قِطْراً ) منه بعد إذابته ، فإن القطر : النحاس الذائب ، هذا في قراءة حمزة وأبي بكر عن عاصم بإسكان الهمزة ، وقراءة الباقين بفتح الهمزة ومدها بمعنى أعطوني النحاس. ففعلوا ذلك فاختلط والتصق بعضه ببعض وصار جبلا صلدا ، ثم قال الله تعالى :( فَمَا ) أي فتسبب عن ذلك أنه لما أكمل عمله وأحكمه ما( اسْطاعُوا ) أي يأجوج وماجوج وغيرهم( أَنْ يَظْهَرُوهُ ) أي يعلو ظهره لعلوه وملاسته( وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً ) لثخنه وصلابته ، وزيادة التاء هنا تدل على أن العلو عليه أصعب من نقبه لارتفاعه وصلابته والتحام بعضه ببعض حتى صار سبيكة واحدة من حديد ونحاس في علو الجبل ، وقد حكى ابن خرداذبه عن سلام الترجمان الذي أرسله أمير المؤمنين الواثق إليه حتى رآه أن ارتفاعه مد البصر ، ولأنهم لو احتالوا ببناء درج من جانبهم أو وضع تراب حتى ظهروا عليه لم ينفعهم ذلك لأنه لا حيلة لهم على النزول من الجانب الآخر. ويؤيده أنهم إنما يخرجون في آخر الزمان بنقبه لا بظهوره ، ولا ينافي نفي الاستطاعة لنقبه ما رواه الإمام أحمد والترمذي في التفسير وابن ماجه في الفتن عن أبي رافع عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلم قال : «إن يأجوج ومأجوج ليحفرن السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم : ارجعوا فستحفرونه غدا ، فيعودون إليه كأشد ما كان حتى إذا بلغت مدتهم وأراد

٥٠٥

الله أن يبعثهم على الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم : ارجعوا فستحفرونه غدا إن شاء الله فيستثنى فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه فيحفرونه ويخرجون على الناس»(١) ـ الحديث. وفي حديث الصحيحين عن زينب بنت جحش رضي الله عنها عن النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلم : «فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا ، وحلق رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلم». وروياه عن أبي هريرة رضي الله عنه وفيه : «مثل هذا وعقد تسعين»(٢) . فكأنه قيل : فما قال حين أفرغه؟ قيل :( قالَ هذا ) أي السد( رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي ) المحسن إليّ بإقداري عليه ومنع الفساد به( فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي ) بقرب قيام الساعة( جَعَلَهُ دَكَّاءَ ) بإقدارهم على نقبه وهدمه وتسهيل ذلك عليهم ، والتعبير بالمصدر المنون في قراءة الجماعة للمبالغة في دكه هو الذي أشارت إليه قراءة الكوفيين بالمد ممنوعا من الصرف.

ولما كان هذا أمرا مستعظما خارقا للعادة ، علله بقوله :( وَكانَ وَعْدُ رَبِّي ) الذي وعد به في خروج يأجوج ومأجوج واختراقهم الأرض وإفسادهم لها ثم قيام الساعة( حَقًّا ) كائنا لا محالة ، فلذلك أعان على هدمه ، وعن قتادة قال : «ذكر لنا أن رجلا ـ وفي رواية : عن رجل من أهل المدينة قال : يا رسول الله! قد رأيت سد يأجوج ومأجوج ، قال : انعته لي ، قال : كالبرد المحبر : طريقة سوداء وطريقة حمراء ، وفي رواية : طريقة حمراء من حديد وطريقة سوداء من نحاس ، وفي رواية أنه قال : انتهيت إلى أرض ليس لهم إلا الحديد يعملونه»(٣) ـ رواه الطبري وابن أبي عمر والطبراني في مسند الشاميين وابن مردويه عنه والبزار من وجه آخر من طريق أبي بكرة رضي الله عنه ـ ذكر ذلك شيخنا ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ، وفي حديث فتح الباب من سيرة الحافظ أبي الربيع بن سالم الكلاعي وشيخه ابن حبيش ـ وكان أمير تلك الجيوش التي بها عبد الرحمن بن ربيعة في أيام عمر رضي الله عنه ـ ما نصه : وحدث مطر بن ثلج التميمي قال : دخلت على عبد الرحمن بن ربيعة بالباب وشهربراز عنده ـ يعني : وكان ملك الباب من جهة آل كسرى فأقبل رجل عليه شحوبة حتى جلس إلى شهربراز

__________________

(١) أخرجه الترمذي ٣١٥٣ وابن ماجه ٤٠٨٠ وابن حبان ٦٨٢٩ والحاكم ٤ / ٤٨٨ وأحمد ٢ / ٥١٠ و ٥١١ من حديث أبي هريرة صححه الحاكم ، ووافقه الذهبي. ـ قال ابن كثير في تفسيره ٥ / ١٩٤ : هذا إسناد قوي ولكن في رفعه نكارة لأن ظاهر الآية يقتضي أنهم لم يتمكنوا من ارتقائه ولا من نقبه لإحكام بنائه وصلابته وشدته ولكن هذا قد روي عن كعب الأحبار اه.

(٢) أخرجه البخاري ٣٣٤٦ ومسلم ٢٨٨ والترمذي ٢١٨٧ وابن ماجه ٣٩٥٣ وأحمد ٦ / ٤٢٨ من حديث زينب بنت جحش.

(٣) علّقه البخاري في باب قصة يأجوج ومأجوج ٢ / ٤٥٥ بصيغة الجزم.

٥٠٦

فتساءلا ، ثم إن شهربراز قال لعبد الرحمن : أيها الأمير! أتدري من أين جاء هذا الرجل؟ إني بعثته منذ سنين نحو السد لينظر لي ما حاله ومن دونه ، وزودته مالا عظيما ، وكتبت له إلى من يليني وأهديت له وسألته أن يكتب إلى من وراءه ، وزودته لكل ملك هدية ، ففعل ذلك بكل ملك بيني وبينه حتى انتهى إلى الملك الذي السد في ظهر أرضه ، فكتب له إلى عامله على ذلك البلد ، فأتاه فبعث معه بازياره ومعه عقابه ، فذكر أنه أحسن إلى البازيار ، قال : فتشكر لي البازيار فلما انتهينا إذا جبلان بينهما سد مسدود حتى ارتفع على الجبلين بعد ما استوى بهما ، وإذا دون السد خندق أشد سوادا من الليل لبعده ، فنظرت إلى ذلك وتفرست فيه ، ثم ذهبت لأنصرف فقال لي البازيار : على رسلك! أكافيك أنه لا يلي ملك بعد ملك إلا تقرب إلى الله تعالى بأفضل ما عنده من الدنيا فيرمي به في هذا اللهب ، فشرح بضعة لحم معه فألقاها في ذلك الهواء وانقضت عليها العقاب وقال : إن أدركتها قبل أن تقع فلا شيء ، وإن لم تدركها حتى تقع فذلك شيء ، فخرجت علينا باللحم في مخالبها وإذا فيه ياقوتة فأعطانيها ، وهي هذه ، فتناولها منه شهربراز وهي حمراء فناولها عبد الرحمن فنظر إليها ثم ردها إليه فقال شهربراز : هذه خير من هذه البلدة ـ يعني الباب ـ وايم الله! لأنتم أحب إليّ ملكة من آل كسرى ، ولو كنت في سلطانهم ثم بلغهم خبرها لانتزعوها مني ، وايم الله! لا يقوم لكم شيء ما وفيتم أو وفي ملككم الأكبر ، فأقبل عبد الرحمن على الرسول وقال : ما حال الردم وما شبهه؟ فقال : هذا الثوب الذي على هذا الرجل ، وأشار إلى مطر بن ثلج وكان عليه قباء برود يمنية أرضه حمراء ووشيه أسود ، أو وشيه أحمر وأرضه سوداء ، فقال مطر : صدق والله الرجل! لقد نفذ ورأى ، قال عبد الرحمن : أجل! ووصف صفة الحديد والصفر وقرأ( آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ) إلى آخر الآية ، وقال عبد الرحمن لشهربراز : كم كانت هديتك؟ قال : قيمة مائة ألف في بلادي هذه ، وثلاثة آلاف ألف أو أكثر في تلك البلدان ـ انتهى. وقد ظهر أن ما تعنتوا به من قصتي أصحاب الكهف وذي القرنين وما أدرج بينهما تبكيتا لليهود الآمرين بذلك ـ دال من قصة موسىعليه‌السلام على قيام الساعة فصار كله أعظم ملزم لهم إن قبلوه ، وأوضح فاضح لعنادهم إن تركوه.

ولما انقضى ما سألوا عنه على أحسن وجه في أبلغ سياق وأبدع تناسب ، وأدرج في خلاله ما أدرج من التذكير والوعظ ، والأمر والنهي ، والوعد والوعيد ، والترغيب والترهيب ، والتبكيت للكاتمين لما عندهم من العلم ، الناكبين عما استبان لهم من الطريق اللاحب والمنهج الواضح صنع القادر الحكيم الذي لا يستخفه ضجر فيستعجل ، ولا يعيبه أمر فيستمهل ، وختمه بما هو علم عظيم للساعة ، ذكر ما يكون إذ ذاك وما

٥٠٧

يكون بعده إلى حصول كل من الفريقين في داره ومحل استقراره ؛ ولما كان ذلك أمرا عظيما ، دل عليه بالنون فقال عاطفا على ما تقديره : فقد بان أمر ذي القرنين أي بيان ، وصدق في قوله( فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي ) فإنه إذا جاء وعدنا جعلناه بقدرتنا التي نؤتيها ليأجوج ومأجوج دكاء فأخرجناهم على الناس بعد خروج الدجال :( وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ ) أي بعض من خلف السد ومن أمامه( يَوْمَئِذٍ ) أي إذ جعلنا السد دكاء وخرجوا مقدمتهم بالشام وساقطتهم بخراسان ، وهم ـ كما قال الله تعالى ـ( مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ ) .( يَمُوجُ ) أي يضطرب( فِي بَعْضٍ ) كما يموج البحر ، فأهلكوا ما مروا عليه من شيء إلا ما أراد الله ، ثم أبادهم الذي خلقهم وبقرب ذلك أفنى الخلائق أجمعين( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ) أي النفخة الثانية لقوله :( فَجَمَعْناهُمْ ) ويجوز أن تكون هذه الفاء الفصيحة فيكون المراد النفخة الأولى ، أو ونفخ في الصور فمات الخلائق كلهم ، فبليت أجسامهم ، وتفتتت عظامهم ، كما كان من تقدمهم ، ثم نفخ فيه النفخة الثانية فجمعناهم من التراب بعد تمزقهم فيه ، وتفرقهم في أقطار الأرض بالسيول والرياح وغير ذلك( جَمْعاً ) فأقمناهم دفعة واحدة كلمح البصر ، وحشرناهم إلى الموقف للحساب ثم العقاب أو الثواب( وَعَرَضْنا ) أي أظهرنا( جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ ) أي إذ جمعناهم لذلك( لِلْكافِرِينَ عَرْضاً ) ظاهرا لهم كل ما فيها من الأهوال وهم لا يجدون عنها مصرفا ؛ ثم وصفهم بما أوجب سجنهم فيها وتجهمها لهم فقال :( الَّذِينَ كانَتْ ) كونا كأنه جبلة لهم( أَعْيُنُهُمْ ) الوجهية والقلبية( فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي ) بعدم النظر فيما جعلنا على الأرض من زينة دليلا على الساعة بإفنائه إثر إحيائه وإعادته بعد إبدائه( وَكانُوا ) بما جبلناهم عليه( لا يَسْتَطِيعُونَ ) أي استطاعة عظيمة تسعدهم ، لضعف عقولهم ، وغرق استبصارهم في فضولهم( سَمْعاً ) لآياتي التي تسمع الصم وتبصر الكمه ، وهو أبلغ في التبكيت بالغباوة والتقريع بالبلادة من مجرد نفي البصر والسمع ، لأن ذلك لا ينفي الاستطاعة ؛ ثم عطف على ما أفهمه ذلك قوله موبخا لهم ومبكتا :( أَفَحَسِبَ ) أي أغطوا أعينهم عن آياتي وأصموا أسماعهم عن كلماتي ، وعبدوا عبادي فحسبوا لضعف عقولهم ، وإنما قال :( الَّذِينَ كَفَرُوا ) دلالة على الوصف الذي أوجب لهم ذلك( أَنْ يَتَّخِذُوا ) أي ولو بذلوا الجهد( عِبادِي ) من الأحياء كالملائكة وعزير والمسيح ، والأموات كالأصنام.

ولما كان كل شيء دونه سبحانه ، وكان لا يستغرق شيء من الأشياء جميع ما دون رتبته من المراتب ، أثبت الجار فقال :( مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ ) أي مبتدئين اتخاذهم من دون إذني ، والمفعول الثاني ل (حسب) محذوف تقديره : ينصرونهم ويدفعون عنهم

٥٠٨

ويجعلون بعضهم ولدا لي ولا أعذبهم. ولما كانت غاية اتخاذ الولي أن يفعل ما يفعل القريب من النصر والحماية من كل مؤذ ، جاز كون هذا سادا مسد مفعولي (حسب) لأن معناه : أحسبوا اتخاذهم مانعهم مني؟ ولما كان معنى الاستفهام الإنكاري : ليس الأمر كذلك ، بل أصلد زندهم ، وخاب جدهم ، وغاب سعدهم ، حسن جدا قوله مؤكدا لأجل إنكارهم :( إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ ) التي تقدم أنا عرضناها لهم( لِلْكافِرِينَ نُزُلاً ) نقدمها لهم أول قدومهم كما يعجل للضيف ، فلا يقدر أحد على منعها عنهم ، ولهم وراءها ما يحتقر بالنسبة إليه كما هو شأن ما بعد النزل بالنسبة إليه.

( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (١٠٤) أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً (١٠٥) ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً (١٠٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً (١٠٧) خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً (١٠٨) قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً (١٠٩) قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (١١٠) )

ولما تبين بذلك الذي لا مرية فيه أنهم خسروا خسارة لا ربح معها ، وخاب ما كانوا يؤملون ، أمره أن ينبههم على ذلك فقال :( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ ) أي نخبركم أنا وكل عبد لله ليست عينه في غطاء عن الذكر ، ولا في سمعه عجز عن الوعي ، إخبارا عظيما أيها التاركون من لا خالق ولا رازق لهم سواه ، والمقبلون على من ليس بيده شيء من خلق ولا رزق ولا غيره( بِالْأَخْسَرِينَ ) ولما كانت أعمالهم مختلفة ، فمنهم من يعبد الملائكة ، ومنهم من يعبد النجوم ، ومنهم من يعبد بعض الأنبياء ، ومنهم من يعبد الأوثان ، ومنهم من كفر بغير ذلك ، جمع المميز فقال :( أَعْمالاً ) ثم وصفهم بضد ما يدعونه لأنفسهم من نجاح السعي وإحسان الصنع فقال :( الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ ) أي حاد عن القصد فبطل( فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) بالإعراض عمن لا ينفعهم ولا يضرهم إلا هو ، والإقبال على ما لا نفع فيه ولا ضر( وَهُمْ ) أي والحال أنهم مع ظهور ذلك كالشمس( يَحْسَبُونَ ) لضعف عقولهم( أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ) أي فعلا هو في غاية الإحكام وهم في غاية الدربة به ؛ وروى البخاري في التفسير عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن الأخسرين اليهود والنصارى ، قال : أما اليهود فكفروا بمحمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأما

٥٠٩

النصارى فكفروا بالجنة وقالوا : لا طعام فيها ولا شراب ـ(١) انتهى. قلت : وكذا قال اليهود لأن الفريقين أنكروا الحشر الجسماني وخصوه بالروحاني.

ولما كانوا ينكرون أنهم على ذلك ، لملازمتهم لكثير من محاسن الأعمال ، البعيدة عن الضلال ، بين لهم السبب في بطلان سعيهم بقوله :( أُولئِكَ ) أي البعداء البغضاء( الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي أوقعوا الستر والتغطية لما من حقه أن يظهر ويشهر ، مستهينين( بِآياتِ رَبِّهِمْ ) من كلامه وأفعاله ، وبين سبب هذا الكفر بقوله :( وَلِقائِهِ ) أي فصاروا لا يخافون فلا يردهم شيء عن أهوائهم( فَحَبِطَتْ ) أي سقطت وبطلت وفسدت بسبب جحدهم للدلائل( أَعْمالُهُمْ ) لعدم بنائها على أساس الإيمان( فَلا ) أي فتسبب عن سقوطها أنا لا( نُقِيمُ لَهُمْ ) بما لنا من الكبرياء والعظمة المانعين من اعتراض أحد علينا أو شفاعته بغير إذننا لدينا( يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً ) أي لا نعتبرهم لكونهم جهلوا أمرنا الذي لا شيء أظهر منه ، وآمنوا مكرنا ولا شيء أخطر منه.

ولما كان هذا السياق في الدلالة على أن لهم جهنم أوضح من الشمس قال :( ذلِكَ ) أي الأمر العظيم الذي بيناه من وعيدهم( جَزاؤُهُمْ ) لكن لما كان حاكما بضلالهم وغباوتهم ، بين الجزاء بقوله :( جَهَنَّمُ ) وصرح بالسببية بقوله :( بِما كَفَرُوا ) أي وقعوا التغطية للدلائل( وَاتَّخَذُوا آياتِي ) التي هي مع إنارتها أجد الجد وأبعد شيء عن الهزل( وَرُسُلِي ) المؤيدين بباهر أفعالي مع ما لهم من الشهامة والفضل( هُزُواً ) فلم يكتفوا بالكفر الذي هو طعن في الإلهية حتى ضموا إليه الهزء الذي هو أعظم احتقار.

ولما بين ما لأحد قسمي أهل الجمع تنفيرا عنهم ، بين ما للآخر على تقدير الجواب لسؤال تقتضيه الحال ترغيبا في اتباعهم والاقتداء بهم ، فقال :( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ) أي باشروا الإيمان( وَعَمِلُوا ) تصديقا لإيمانهم( الصَّالِحاتِ ) من الخصال( كانَتْ لَهُمْ ) لبناء أعمالهم على الأساس( جَنَّاتُ ) أي بساتين( الْفِرْدَوْسِ ) أي أعلى الجنة ، وأصله البستان الذي هو الجنة بالحقيقة لانخفاض ما دونه عنه ، وستر من يدخله بكثرة أشجاره( نُزُلاً ) كما كان السعير والأغلال لأولئك نزلا ، يعد لهم حين الدخول( خالِدِينَ فِيها ) بعد دخولهم( لا يَبْغُونَ ) أي يريدون أدنى إرادة( عَنْها حِوَلاً ) أي تحولا لأنه لا مزيد عليها ، دفعا لما قد يتوهم من أن الأمر كما في الدنيا من أن كل أحد في أيّ نعيم كان يشتهي ما هو أعلى منه لأن طول الإقامة قد يورث السآمة ، بل هم في

__________________

(١) أخرجه البخاري ٤٧٢٨ عن سعد بن أبي وقاص.

٥١٠

غاية الرضى بها ، لما فيها من أنواع الملاذ التي لا حصر لها ولا انقضاء ، لا يشتهي أحد منهم غير ما عنده سواء كان في الفردوس أو فيما دونه ، وهو تعريض بالكفرة في أنهم يصطرخون في النار( رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها ) [المؤمنون : ١٠٧] وذلك عكس ما كان في الدنيا من ركون الكفار إليها ، ومحبتهم في طول البقاء فيها ، وعزوف المؤمنين عنها ، وشوقهم إلى ربهم بمفارقتها.

ولما تم الجواب عن أسئلتهم على أحسن الوجوه مخللا بما تراه من الحجج البينة والنفائس الملزمة لهم بفصل النزاع ، وأتبع ذلك بقص الأمر الذي بإغفاله تجرؤوا على الكفر ، وهو أمر البعث إلى أن ختمه بما يقتضي أن معلوماته لا تحد ، لأن مقدوراته في تنعيم أهل الجنة لا آخر لها فلا تعد ، وكان اليهود قد اعترضوا على قوله في أولها( وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً ) [الإسراء : ٨٥] بأنهم أوتوا التوراة ، وكان لكل ما سألوا عنه من الفصول الطويلة الذيول أمور تهول ، وكان ربما قال قائل : ما له لا يزيد ذلك شرحا؟ قال تعالى آمرا بالجواب عن ذلك كله ، معلما لهم بأنهم لا يمكنهم الوقوف على تمام شرح شيء من معلوماته ، وآخر استفصال شيء من مقدوراته ، قطعا لهم عن السؤال ، وتقريبا إلى أفهامهم بضرب من المثال :( قُلْ ) أي يا أشرف الخلق لهم :( لَوْ كانَ الْبَحْرُ ) أي ماؤه على عظمته عندكم( مِداداً ) وهو اسم لما يمد به الدواة من الحبر( لِكَلِماتِ ) أي لكتب كلمات( رَبِّي ) أي المحسن إليّ في وصف ذكر وغيره مما تعنتموه في السؤال عما سألتم عنه أو غير ذلك( لَنَفِدَ ) أي فني مع الضعف فناء لا تدارك له( الْبَحْرُ ) لأنه جسم متناه.

ولما كانت المخلوقات ـ لكونها ممكنة ـ ليس لها من ذاتها إلا العدم ، وكانت الكلمات من صفات الله ، وصفات الله واجبة الوجود ، فكان نفادها محالا ، فكان نفاد الممكن من البحر وما يمده بالنسبة إليها مستغرقا للأزمنة كلها ، جرد الظرف من حرف الجر فقال :( قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ ) أي تفنى وتفرغ( كَلِماتُ رَبِّي ) لأنها لا تتناهى لأن معلوماته ومقدوراته لا تتناهى ، وكل منها له شرح طويل ، وخطب جليل ؛ ولما لم يكن أحد غيره يقدر على إمداد البحر قال :( وَلَوْ جِئْنا ) أي بما لنا من العظمة التي لا تكون لغيرنا( بِمِثْلِهِ مَدَداً ) أي له يكتب منه لنفد أيضا ، وهذا كله كناية عن عدم النفاد ، لأنه تعليق على محال عادة كقولهم : لا تزال على كذا ما بل بحر صوفة وما دجى الليل ، ونحو هذا ، ولعله عبر بجمع السلامة إشارة إلى أن قليلها بهذه الكثرة فكيف بما هو أكثر منه ، وذلك أمر لا يدخل تحت وصف ، وعبر بالقبل دون أن يقال «ولم تنفد» ونحوه ، لأن ذلك كاف في قطعهم عن الاستقصاء في السؤال ولأن التعبير بمثل ذلك ربما فتح بابا من

٥١١

التعنت وهو أن يجعلوا الواو للحال فيجعلوا النفاد مقيدا بذلك ، وأما سورة لقمان فاقتضى سياقها في تأسيس ما فيها على( الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) [لقمان : ٢٦] ومقصودها أن يكون التعبير فيها بغير ما ههنا ، فما في كل سورة أبلغ بالنسبة إلى سياقه ، مع أنه ليس في إفصاح واحدة منهما ما يدل على نفاد الكلمات ولا عدمه ، وفي إفهام كل منهما بتدبر القرائن في السياق وغيره ما يقطع بعدم نفادها ، ولا تخالف بين الآيتين وإن كان التعبير في هذه السورة أدخل في التشابه ، ويجاب عنه بما قالوا في مثل قول الشاعر «على لاحب(١) لا يهتدى بمناره» من أن ما في حيز السلب لا يقتضي الوجود ، ولعل التعبير بمثل ذلك من الفتن المميزة بين من في قلبه مرض وبين الراسخ الذي يرد المتشابه إلى المحكم ، وهو ما دل عليه البرهان القاطع من أن الله تعالى لا نهاية لذاته ، ولا لشيء من صفاته ، بل هو الأول والآخر الباقي بلا زوال ـ والله أعلم.

ولما كانوا ربما قالوا : ما لك لا تحدثنا من هذه الكلمات بكل ما نسألك عنه حيثما سألناك؟ وكانوا قد استنكروا كون النبي بشرا ، وجوزوا كون الإله حجرا ، وغيوا إيمانهم به بأمور سألوه في الإتيان بها كما تقدم بعد أول مسائلهم ، وهي الروح آخر سبحن ، وكان قد ثبت بإجابتهم عن المسائل على هذا الوجه أنه رسول ، أمره سبحانه أن يجيبهم عن ذلك كله بما يرد عليهم غلطهم ، ويفضح شبههم ، إرشادا لهم إلى أهم ما يعنيهم من الحرف الذي النزاع كله دائر عليه وهو التوحيد فقال :( قُلْ إِنَّما أَنَا ) أي في الاستمداد بالقدرة على إيجاد المعدوم والإخبار بالمغيب( بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ) أي لا أمر لي ولا قدرة إلا على ما يقدرني عليه ربي ، ولا استبعاد لرسالتي من الله فإن ذلك سنته فيمن قبلي( يُوحى إِلَيَ ) أي من الله الذي خصني بالرسالة كما أوحى إلى الرسل قبلي ما لا غنى لأحد عن علمه واعتقاده( أَنَّما إِلهُكُمْ ) وأشار إلى أن إلهيته بالإطلاق لا بالنظر إلى جعل جاعل ولا غير ذلك فقال :( إِلهٌ واحِدٌ ) أي لا ينقسم بمجانسة ولا غيرها ، قادر على ما يريد ، لا منازع له ، لم يؤخر جواب ما سألتموني عنه من عجز ولا جهل ولا هوان بي عليه ـ هذا هو الذي يعني كل أحد علمه ، وأما ما سألتم عنه من أمر الروح والقصتين تعنتا فأمر لو جهلتموه ما ضركم جهله ، وإن اتبعتموني علمتموه الآن وما دل عليه من أمر الساعة إيمانا بالغيب علم اليقين ، وعلمتموه بعد الموت بالمشاهدة عين اليقين ، وبالمباشرة حق اليقين ، وإن لم تتبعونى لم ينفعكم علمه( فَمَنْ ) أي فتسبب عن وحدته المستلزمة لقدرته أنه من( كانَ يَرْجُوا ) أي يؤمن بمجازاته له على أعماله في

__________________

(١) هو الطريق الواسع.

٥١٢

الآخرة برؤيته وغيرها ، وإنما قال :( لِقاءَ رَبِّهِ ) تنبيها على أنه هو المحسن إلى كل أحد بالتفرد بخلقه ورزقه ، لا شريك له في شيء من ذلك على قياس ما نعلمه من أنه لا مالك إلا وهو قاهر لمملوكه على لقائه ، مصرف له في أوامره في صباحه ومسائه.

ولما كان الجزاء من جنس العمل ، كان الواجب على العبد الإخلاص في عمله ، كما كان عمل ربه في تربيته بالإيجاد وما بعده ، فقال :( فَلْيَعْمَلْ ) وأكده للإعلام بأنه لا بد مع التصديق من الإقرار فقال :( عَمَلاً ) أي ولو كان قليلا( صالِحاً ) وهو ما يأمره به من أصول الدين وفروعه من التوحيد وغيره من أعمال القلب والبدن والمال ليسلم من عذابه( وَلا يُشْرِكْ ) أي وليكن ذلك العمل مبنيا على الأساس وهو أن لا يشرك ولو بالرياء( بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ) فإذا عمل ذلك فاز فحاز علوم الدنيا والآخرة ، وقد انطبق آخر السورة على أولها بوصف كلمات الله ثم ما يوحى إليه ، وكل منهما أعم من الكتاب بالأقومية للدعاء إلى الحال الأسلم ، في الطريق الأقوم ، وهو التوحيد عن الشريك الأعم من الولد وغيره ، والإحسان في العمل ، مع البشارة لمن آمن ، والنذارة لمن أعرض عن الآيات والذكر ، فبان بذلك أن لله تعالى ـ بوحدانيته وتمام علمه وشمول قدرته صفات ـ الكمال ، فصح أنه المستحق لجميع الحمد ـ والله الموفق ، والحمد لله على إتمام سورة الكهف من كتاب نظم الدرر من تناسب الآي والسور.

٥١٣

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة مريم

مكية ـ آياتها ثمان وتسعون

مقصودها بيان اتصافه سبحانه بشمول الرحمة بإفاضة النعم على جميع خلقه ، المستلزم للدلالة على اتصافه لجميع صفات الكمال ، المستلزم لشمول القدرة على إبداع المستغرب ، المستلزم لتمام القدرة الموجب للقدرة على البعث والتنزه عن الولد لأنه لا يكون إلا لمحتاج ، ولا يكون إلا مثل الوالد ، ولا سميّ له سبحانه فضلا عن مثيل ، وعلى هذا دلت تسميتها بمريم ، لأن قصتها أدل ما فيها على تمام القدرة وشمول العلم ، لأن أغرب ما في المخلوقات وأجمعه خلقا الآدمي ، وأعجب أقسام توليده الأربعة ـ بعد كونه آدميا ـ ما كان من أنثى بلا توسط ذكر ، لأن ذلك أضعف الأقسام ، وأغرب ذلك أن يتولد منها على ضعفها أقوى النوع وهو الذكر ، ولا سيما إن أوتي قوة الكلام والعلم والكتاب في حال الطفولية ، وأن يخبر بسلامته الكاملة فيكون الأمر كذلك ، لم يقدر أحد ـ مع كثرة الأعداء ـ على أن يمسه بشيء من أذى ، هذا إلى ما جمعته من إخراج الرطب في غير حينه من يابس الحطب ، ومن إنباع الماء في غير موضعه ، وعلى مثل ذلك أيضا دلت تسميتها بما في أولها من الحروف ، بيان ذلك أن مخرج الكاف من أقصى اللسان بما يلي الحلق ويحاذيه من أسفل الحنك ، وهي أدنى من مخرج القاف قليلا إلى مقدم الفم ، ولها من الصفات الهمس والشدة والانفتاح والاستفال ، ومخرج الهاء من أقصى الحلق لكنها أدنى من الهمزة إلى جهة اللسان قليلا ، ولها من الصفات الهمس والرخاوة والانفتاح والاستفال والخفاء ، ومخرج الياء من وسط اللسان ووسط الحنك الأعلى ، ولها من الصفات الجهر والرخاوة والانفتاح والاستفال ، وهو أغلب صفاتها ، ومخرج العين من وسط الحلق ، ولها من الصفات الجهر وبين الشدة والرخاوة والانفتاح والاستفال ، ومخرج الصاد من طرف رأس اللسان وبين أصول الثنيتين السفليين ، وله من الصفات الهمس والرخاوة والإطباق والاستعلاء والصفير ، فالافتتاح بهذه الأحرف هنا إشارة ـ والله أعلم ـ إلى أن أهل الله عامة ـ من ذكر منهم في هذه السورة وغيرهم ـ يكون

٥١٤

أمرهم عند المخالفين أولا ـ كما تشير إليه الكاف ـ ضعيفا مع شدة وانفتاح كما كان حال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أول ما دعا ، فإنه اشتهر أمره ولكنه كان ضعيفا بإنكار قومه إلا أنهم لم يبالغوا في الإنكار ، ثم يصير الأمر في أوائل العراك ـ كما تشير إليه الهاء ـ إلى استفال ، ثم يزداد بتمالؤ المستكبرين عليهم ضعفا وخفاء ، وإلى هذا تشير قراءتها بالإمالة ، ولا بد مع ذلك من نوع ظهور ـ كما يشير إليه انفتاح الهاء وإليه تشير قراءة الفتح ، وهذا كما كان النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلم حين صرح بسب آلهتهم وتسفيه أحلامهم وتضليل آبائهم فقاموا عليه إلبا واحدا ، فهاجر أكثر الصحابة رضي الله عنهم إلى الحبشة ، وخاف أبو طالب دهماء العرب فقال قصيدته اللامية في ذلك ، وتمادى الحال حتى ألجأتهم قريش إلى الشعب ، وتكون في وسط أمرهم ـ كما يشير إليه الياء وقراءتها بالفتح ـ لهم قوة مع رخاوة واشتهار واستفال ، وهو الأغلب عليهم ظاهرا كما تشير إليه قراءة الإمالة ، فيكون ذلهم من وراء عز وعزهم في ثوب ذل ، يعرف ذلك من عاناه ، ونظر إليه بعين الحقيقة واجتلاه ، وهذا كما كان عند قيام من قام من قريش في نقض الصحيفة الظالمة وإخراجهم من الشعب ، ثم عند موت خديجة رضي الله عنها وأبي طالب ، وخرجصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى الطائف فردوه ـ بأبي هو وأمي ونفسي وولدي وعيني ، فلما قرب من مكة المشرفة لم يستطع دخولها بغير جوار ، فاختفى في غار حراء وأرسل إلى من يجيره ، ثم أرسل حتى أجاره المطعم بن عدي ، ولبس السلاح هو ومن أطاعه وأدخلهصلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى طاف بالبيت ، ثم قضى سبحانه أن قتل المطعم في بدر كافرا ـ بعد اجتهاد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم في سلامته والإيصاء به أن لا يقتل ـ ليعلم أنه سبحانه مختار في عموم رحمته وخصوصها ، لئلا ييأس عاص أو يأمن طائع ؛ ثم إذا علا أمرهم عن الوسط صاعدا قوي ـ كما تشير إليه العين ، فصار بين الشدة والرخاوة ، وفيه انفتاح بشهرة مع استفال في بعض الأمر كما كان حالهصلى‌الله‌عليه‌وسلم عند مبايعة الأنصار رضوان الله عليهم ، وأما آخر أمرهم فهو وإن كان فيه نوع من الضعف ، وضرب من الرخاوة واللين كما كان في غزوة حنين والطائف ، فإنه تعقبه قوة عظيمة بالإطباق ، واستعلاء واشتهار يملأ الآفاق ، كما يشير إليه الصفير ـ هذا في أهل الله عامة المذكورين في هذه السورة وغيرهم ، وأما ما يخص عيسى عليه الصلاة والسّلام الذي هو صورة سورتها ومطمح إشارتها وسيرتها فجعل الحروف اللسانية من هذه الحروف أغلبها ثلاثة أحرف منها إشارة إلى أن إبراهيمعليه‌السلام بما أعطى في نفسه وفي ذريته ولسان الصدق المذكور به هو لسان هذا الوجود ، وأن دولة آله الذين عيسىعليه‌السلام من أعيانهم هي وسط هذا الوجود حقيقة وخيارا ، فموسىعليه‌السلام أول أصحاب شرائعهم بمنزلة القاف التي هي من أقصى اللسان وله حظ كبير

٥١٥

منها ، فإنه من أجله قتل أبناء بني إسرائيل وولد في سنة القتل ، وكان سبب هجرته وابتداء سيره إلى الله تعالى قتله القبطي ، وقرب نجيا ، ومن صفاتها الجهر والشدة والانفتاح ، والاستعلاء والقلقلة ، وهو عريق في كل من خيرات ذلك ، وداودعليه‌السلام ثاني ذوي كتبهم بمنزلة الهمزة التي هي أبعد من مخرج الهاء إحدى هذه الحروف ، وهو أول من جمع من بني إسرائيل بين الملك والنبوة ، وله حظ من صفاتها : الجهر والشدة والانفتاح ، بما كان فيه من الملك والظهور ، والنصر على الأعداء وعجائب المقدور ، وله حظ من وصفها بالاستفال في أول أمره وفي آخره بما كان من بكائه وتواضعه وإخباته لربه وصلاحه ، فالكاف هنا إشارة إلى أن عيسى عليه الصلاة والسّلام هو ثاني الشارعين في الوجود ، والهاء عبارة عن أنه من عقب داودعليهما‌السلام ، وكل منهما له حظ من صفات الحرف المشير إليه الدال عليه ، والصاد التي هي من طرف اللسان وهي خاتمة هذه الحروف إشارة مما فيها من الإطباق المشير إلى تطبيق الرسالة لجميع الوجوه ، ومن الاستعلاء المشير إلى نهاية العظمة ، والصفير المشير إلى غاية الانتشار والشهرة إلى محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم وإلى مقرر دينه ومجدده عيسىعليه‌السلام ، وتشير الكاف أيضا بما فيها من الصفات إلى أن أول أمر عيسىعليه‌السلام يكون فيه مع الشدة ضعف ، ثم تشير أيضا الهاء ـ التي هي من أقصى الحلق ـ إلى أن أمره يبطن بعد ذلك الظهور ويخفى بارتفاعه إلى السماء ، ويدل الاستفال على أنها قريبة إلى السفلي ، وهو كذلك فإنه في الثانية بدلالة رتبة الكاف والهاء في مخرجيهما ، وتشير الياء بجهرها إلى ظهوره بنزوله ، وتدل بكونها من وسط اللسان على تمكنه في أموره ، وباعتلائها على شيء في ذلك وهو ضعف الاتباع وحصرهم في ذلك الوقت ، وتدل بانفتاحها ورخاوتها على ظهوره على الدجال في أولئك القوم الذين قد جهدهم البلاء عند نزوله ، ومسهم الضر قبل حلوله ، وتليح غلبة الاستفال عليها إلى أمر ياجوج وماجوج لما يوحيه الله إليه «إني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد بهم ، فجرز عبادي إلى الطور»(١) وتدل العين بكونها من وسط الحق على انحصارهم ، وبجهرها على أنه لا سبيل للعدو عليهم ولا وصول بوجه إليهم ، وبما فيها من البينية والاستفال على جهدهم مع حسن العاقبة ، وتبشر ـ بما فيها من الانفتاح ـ بحصول الفتح الذي ليس وراءه فتح ، وتدل الصاد بمخرجها على القوة الزائدة ، وبالهمس والرخاوة على أنها قوة لا بطش فيها ، وبالإطباق والاستعلاء على عموم الدين جميع الناس ، وبالصفير على أنه ليس وراء ذلك إلا النفخ في الصور لعموم الهلاك لكل موجود مفطور ، ثم لبعثرة القبور ، وتحصيل ما في الصدور ، وكل هذا من

__________________

(١) هذا جزء من حديث طويل أخرجه مسلم ٢٩٣٧ وابن ماجه ٤٠٧٥ عن النواس بن سمعان.

٥١٦

ترتيب سنته سبحانه في المصطفين من عباده على هذا النحو البديع ، وترتيب هذه الحروف على هذا النظم الدال عليه دائر على القدرة التامة والعلم الشامل والحكمة الباهرة ، رحمهم سبحانه بأن نكّبهم طريق الجبارين التي أوصلتهم إلى القسوة ، وجنّبهم سنن المستكبرين التي تلجىء ولا بد إلى الشقوة ، فجعل نصرهم في لوامع انكسار ، وكسرهم في جوامع انتصار ، وحماهم من فخامة دائمة تجر إلى بذخ وعلو واستكبار ، ومن رقة ثابتة تحمل على ذل وسفول وصغار ، فلقد انطبق الاسمان على المسمى ، واتضحا غاية الاتضاح في أمره ونما ، وهذا معنى ما قال الكلبي : هو ثناء أثنى الله به على نفسه.( بِسْمِ اللهِ ) المنزه عن كل شائبة نقص ، القادر على كل ما يريد( الرَّحْمنِ ) الذي عم نواله سائر مخلوقاته( الرَّحِيمِ ) الذي اختص الصالحين من عباده ، بما يسعد من مراده.

ولما كان مقصود التي قبلها الدلالة على أن القرآن قيم لا عوج فيه ، وبه تمام الانتظام في نعمة الإبقاء الأول ، ودل على ذلك بأنه ساق المسؤول عنه من القصص أحسن سوق ، وكشف عن مخبأته القناع أبدع كشف ـ إلى غير ذلك مما خلله به من بدائع الحكم وغرائب المعاني فاضحة لمن ادعى لله سبحانه ولدا ، وختمها بمثل ذلك من وصف الكتاب والتوحيد ـ النافي لقبول التعدد بولد أو غيره بكل اعتبار ـ والعمل الصالح ، ابتدأ هذه بالكشف عن أغرب من تلك القصص ، تحقيقا لآية( أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً ) [الكهف : ٩] بسياق غير ما تقدم فيما مضى من السور ، وجزئيات لم تذكر إلا فيها مع عدم المخالفة لما مضى ، تأييدا لأن كلماته لا تنفد ، وعجائبه لا تعد ولا تحد ، وأنه لو كان من عند غيره لاختلف ، مع أن أهلها سادة الموحدين ، وقادة المصلحين المتقين الذين عملوا الصالحات ، ونفوا الشرك وشرعوا ذلك للناس ، فرحمهم ربهم سبحانه ، وكلهم ممن يعتقده اليهود الآمرون لقريش بالسؤال عن أصحاب الكهف وذي القرنين تعنتا ، أما من عدا عيسى عليه الصلاة والسّلام فواضح ، وأما عيسىعليه‌السلام فيعتقدون أنه ما أتى بعد وأنه سيأتي ، ويكون الناس في أيامه على دين واحد تصديقا لوعد التوراة الآتي بيانه ، وذلك على وجه مستلزم في أكثرها تنزهه تعالى عن الولد ، وقدرته على البعث ، وبدأها بقصة من خرق له العادة في الولد على وجه مبين أنه لا يحتاجه إلا فان حسا أو معنى يريد أن يخلفه فيما تعسر عليه فعله أو تعذر ، وكان تقديم قصته أولى لأن التبكيت به أعظم لمباشرتهم لقتله وقتل ابنه يحيى عليهما الصلاة والسّلام ، وإشارة إلى أن العمل الصالح المؤسس على التوحيد ضامن لإجابة الدعاء وإن كان فيه خرق العادة ، وثنى بأمر من نسبوه إليه وافتروه عليه

٥١٧

وقصدوا قتله على وجه معرب عن شأنه غاية الإعراب ، مبين فيه وجه الصواب ، متمما لتبكيت اليهود الآمرين لقريش بالتعنت بالسؤال بالإشارة إلى قتل زكريا ويحيى عليهما الصلاة والسّلام وادعاء صلب المسيح الذي بشرت به التوراة ، وهم الآن ينتظرونه ويدعون أنهم أخص الناس به ، وقذف أمه ـ وحاشاها ـ دالا بذلك على القدرة على البعث ؛ قال في التوراة في آخر السفر الأول : إن يعقوب عليه الصلاة والسّلام أخبر بقرب وفاته وقال لبنيه : اجتمعوا إليّ فأبين لكم ما هو كائن من أمركم في آخر الأيام ، اجتمعوا واسمعوا يا بني يعقوب! انصتوا لإسرائيل أبيكم! ثم قال : يا يهوذا! لك يعترف إخوتك بتعالي يدك على رقاب أعدائك ، وليسجد لك بنو أبيك ، شبل الليث يهوذا ، كما أنه خلص ابني من القتل ، ربض وجثم مثل الضرغام ومثل شبل الليث ، من ذا يقيمه عن فريسته ، لا يزول القضيب من آل يهوذا ، لا يعدم سبط يهوذا ملكا مسلطا وأفخاذه نبيا مرسلا حتى يأتي الذي له الملك ـ وفي نسخة : الكل ـ وإياه تنتظر الشعوب ، يربط بالحبلة جحشه ، عيناه أشد شهولة من الخمر ، وأسنانه أشد بياضا من اللبن ـ هذا نصه ، وعند اليهود أنه المسيح ، ويسمونه مع ذلك المنتظر والمهدي ، وعندهم أنه ينصرهم ويخلصهم مما هم فيه من الذل ، فقلت لبعضهم : أشهد أنه المسيح ابن مريم الذي أتى وتبعه النصارى وعاديتموه حتى رفعه الله تعالى ، فقال الذي في التوراة أنه يكون له الكل ، وعيسى ما كان كذلك ، فقلت : إنه يكون له الكل حين ينزل تابعا لديننا من حيث إنه لا يقبل إلا الإسلام ، فيطبق أهل الأرض على إتباعه عليه ، ويسعد به منكم من يتبعه ، ويزول عنه الذل ، وهذا لا ينافي كلام التوراة فإنه لم يقيد ذلك بساعة إتيانه. فلم يقبل ذلك ، ثم إنه أتى إليّ يوما بكتاب من كتبهم في شرح سفر الأنبياء فقال في الكلام على البشائر المتعلقة بالمسيح «ولا يبعد أن يبدو لإسرائيل ثم يختفي ثم يظهر فيكون له الكل» فقلت له : انظر وتبصر! هذا عين ما ذكرته لك من قبل فبهت لذلك فقلت : أطعني وأسلم! ففكر ثم قال : حتى يريد الله تعالى.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في برهانه : لما قال تعالى( أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً ) ثم أورد خبرهم وخبر الرجلين وموسى والخضرعليهما‌السلام وقصة ذي القرنين ، أتبع سبحانه ذلك بقصص تضمنت من العجائب ما هو أشد عجبا وأخفى سببا ، فافتتح سورة مريم بيحيى بن زكريا وبشارة زكريا به بعد الشيخوخة وقطع الرجاء وعقر الزوج حتى سأل زكريا مستفهما ومتعجبا( أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ) [مريم : ٨] فأجابه تعالى بأن ذلك عليه هين ، وأنه يجعل ذلك آية للناس ، وأمر هذا أعجب من القصص المتقدمة ، فكان

٥١٨

قد قيل : أم حسبت يا محمد أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا ، نحن نخبرك بخبرهم ونخبرك بما هو أعجب وأغرب وأوضح آية ، وهو قصة زكريا في ابنه يحيى عليهما الصلاة والسّلام ، وقصة عيسى في كينونته بغير أب ، ليعلم أن الأسباب في الحقيقة لا يتوقف عليها شيء من مسبباتها إلا بحسب سنة الله ، وإنما الفعل له سبحانه لا بسبب ، وإلى هذا أشار قوله تعالى لزكريا عليه الصلاة والسّلام( وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً ) ثم أتبع سبحانه بشارة زكريا بيحيى بإيتائه الحكم صبيا ، ثم بذكر مريم وابنها عليهما الصلاة والسّلام ، وتعلقت الآي بعد إلى انقضاء السورة ـ انتهى.

( كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا (٣) قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦) يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً (٩) قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا (١٠) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١) يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا (١٤) وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥) )

ولما كانت هذه السورة تالية للسورة الواصفة للكتاب ـ الذي به نعمة الإبقاء الأول ـ بالاستقامة البالغة ، افتتحها بالأحرف المقطعة ، كما افتتح السورة التي تلي أم الكتاب ، الداعية إلى الصراط المستقيم ، الواصفة الكتاب بالهدى الضامن للاستقامة ، والتي تلي واصفته ، والتي تلي الأنعام المشيرة إلى نعمة الإيجاد الأول ، فقال :( كهيعص ) وهي خمسة أحرف على عددها مع تلك السور ، وهي جامعة النعم ، وواصفة الكتاب ، وذات النعمة الأولى ، وذات النعمة الثانية ، كما افتتحت الأعراف التالية لذات النعمة الأولى بأربعة على عددها مع ما قبلها من الأم الجامعة والواصفة وذات النعمة الأولى ، وكما افتتحت آل عمران التالية للواصفة بثلاثة على عددها مع الأم والواصفة( ذِكْرُ ) أي هذا الذي أتلوه عليكم ذكر( رَحْمَتِ رَبِّكَ ) أي المحسن إليك بالتأييد بكشف الغوامض

٥١٩

وإظهار الخبء( عَبْدَهُ ) منصوب برحمة ، لأنها مصدر بني على التاء ، لا أنها دالة على الوحدة( زَكَرِيَّا ) أي ابن ماثان ، جزاء له على توحيده وعمله الصالح الذي حمله عليه الرجاء للقاء ربه ، والرحمة منه سبحانه المعونة والإجابة والإيصال إلى المراد ونحو ذلك من ثمرات الرحمة المتصف بها العباد( إِذْ نادى ) ظرف الرحمة( رَبَّهُ ) .

ولما قدم تشريفه بالذكر والرحمة والاختصاص بالإضافة إليه فدل ذلك على كمال القرب ، قال :( نِداءً خَفِيًّا ) أي كما يفعل المحب القريب مع حبيبه المقبل عليه في قصد خطاب السر الجامع بين شرف المناجاة ولذاذة الانفراد بالخلوة ، فأطلع سبحانه عليه لأنه يعلم السر وأخفى ، فكأنه قيل : ما ذلك الندا؟ فقيل :( قالَ رَبِ ) بحذف الأداة للدلالة على غاية القرب( إِنِّي وَهَنَ ) أي ضعف جدا( الْعَظْمُ مِنِّي ) أي هذا الجنس الذي هو أقوى ما في بدني ، وهو أصل بنائه ، فكيف بغيره! ولو جمع لأوهم أنه وهن مجموع عظامه لا جميعها( وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ ) أي شعره مني( شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ ) فيما مضى قط مع صغر السن( بِدُعائِكَ ) أي بدعائي إياك( رَبِّ شَقِيًّا ) فأجرني في هذه المرة أيضا على عوائد فضلك ، فإن المحسن يربي أول إحسانه بآخره وإن كان ما ادعوا به في غاية البعد في العادة ، لكنك فعلت مع أبي إبراهيمعليه‌السلام مثله ، فهو دعاء وشكر واستعطاف ؛ ثم عطف على( إِنِّي وَهَنَ ) قوله :( وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ ) أي فعل الأقارب أن يسيئوا الخلافة( مِنْ وَرائِي ) أي في بعض الزمان الذي بعد موتي( وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً ) لا تلد أصلا ـ بما دل عليه فعل الكون( فَهَبْ لِي ) أي فتسبب ـ عن شيخوختي وضعفي وتعويدك لي بالإجابة ، وخوفي من سوء خلافة أقاربي ، ويأسي عن الولد عادة بعقم امرأتي ، وبلوغي من الكبر حدا لاحراك بي معه ـ إني أقول لك يا قادرا على كل شيء : هب لي( مِنْ لَدُنْكَ ) أي من الأمور المستبطنة المستغربة التي عندك ، لم تجرها على مناهج العادات والأسباب المطردات ، لا من جهة سبب أعرفه ، فإن أسباب ذلك عندي معدومة. وقد تقدم في آل عمران لذلك مزيد بيان( وَلِيًّا ) أي من صلبي بدلالة( ذُرِّيَّةٌ ) في السورة الأخرى( يَرِثُنِي ) في جميع ما أنا فيه من العلم والنبوة والعمل( وَيَرِثُ ) زيادة على ذلك( مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) جدنا مما خصصتهم به من المنح ، وفضلتهم به من النعم ، من محاسن الأخلاق ومعالي الشيم ، وخص اسم يعقوب اقتداء به نفسه إذ قال ليوسف عليهما الصلاة والسّلام( وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ ) [يوسف : ٦] ولأن إسرائيل صار علما على الأسباط كلهم ، وكانت قد غلبت عليهم الأحداث ؛ وقد استشكل القاضي العضد في «الفوائد الغياثية» كون( يَرِثُ ) على قراءة الرفع صفة بأنه يلزم عليه عدم إجابة دعائه عليه الصلاة والسّلام لأن يحيىعليه‌السلام

٥٢٠