• البداية
  • السابق
  • 661 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 702 / تحميل: 77
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 5

مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
العربية

الأذن ، بنو الغرباء أقبلوا وأطاعوني ، ولم يؤمن بي بنو الغرباء ، حي هو الله ، وتبارك إله خلاصي ، تعالى الرب الذي أنقذني ، الله الذي ثبّت لي الانتقام ، أخضع الشعوب تحتي ، ونجاني من أعدائي ، ورفعني على الذين قاموا عليّ ، ومن الرجال الأثمة نجاني ، لذلك أشكرك يا رب بين الشعوب ، وأرتل لاسمك.

المزمور الحادي والعشرون : إلهي إلهي لماذا تركتني؟ تباعدت عن خلاصي لقول جهلي ، إلهي دعوتك بالنهار فلم تستجب لي ، وفي الليل فلم يكن مني جهلا ، أنت كائن في القديسين يا فخر إسرائيل ، بك آمن آباؤنا ، وتوكلوا عليك فنجيتهم ، وصرخوا إليك فخلصتهم ، رجوك فلم يخزوا ، وأنا فدودة ولست إنسانا ، عار في الناس ، مرذول في الشعب ، كل من رآني يمقتني ، تكلموا بشفاههم وهزوا رؤوسهم وقالوا : إن كان آمن أو توكل على الرب فلينجه ، ويخلصه إن كان يحبه ، وأنت من البطن أخرجتني ، ومذ كنت أرتضع من بطن أمي ألقيت إليك ، وعليك من الرحم توكلت ، ومن بطن أمي أنت إلهي فلا تبعد عني ، فإن الشدة قريبة ، وليس من يخلصني ، أحاطت بي عجول كثيرة ، اكتنفتني ثيران سمان ، فتحت أفواهها على مثل الأسد الزائر المفترس ، ومثل الماء انهرقت عظامي ، وصار قلبي مثل الشمع المذاب في وسط بطني ، يبست قواي مثل الفخار ، لصق لساني بحنكي ، وإلى تراب الموت أنزلتني ، أحاطت بي كلاب كثيرة ، اكتنفتني جماعة الأشرار ، ثقبوا يدي ورجلي ، وزعزعوا جميع عظامي ، نظروا إليّ وشتموني ، واقتسموا بينهم ثيابي ، واقترعوا على لباسي ، وأنت يا رب فلا تبعد من معونتي ، انظر إلى تضرعي ، نج من السيف نفسي ، ومن يد الكلاب التي احتوشتني ، ومن فم الأسد خلصني ، ومن القرن المتعالي على تواضعي ، لأبشر باسمك إخوتي ، وبين الجماعة أمجدك ، أيها الخائفون من الرب مجدوه! يا جميع ذرية يعقوب سبحوه! يخشاه كل زرع إسرائيل ، لأنه لم يهن ولم يرذل دعوة المسكين ، ولا صرف وجهه عني ، وعند دعائي استجاب لي ، يأكل المساكين ويشبعون ، ويسجد قدامه جميع قبائل الشعوب ، لأن الملك الرب ، وسلطانه على الأمم ، تأكل وتسجد قدام الرب جميع ملوك الأرض ، وبين يديه يجثو جميع هابطي التراب لله ، يحيي نفسي ، وذريتي له تتعبد ، أخبروا بالرب أيها الجيل الآتي ، وحدثوا بعدله ، ليرى الشعب الذي يولد صنع الرب.

المزمور الثلاثون : عليك يا رب توكلت فلا أخزى إلى الأبد ، خلصني وأنقذني بعدلك ، أنصت لي بسمعك ، واستنقذني عاجلا ، كن لي إلها نصيرا وملجأ ومخلصا لأنك عوني وملجئي ، وباسمك يا رب تهديني وتعينني وتخرجني من هذا الفخ الذي أخفي لي ، لأنك ناصري ، وفي يدك أسلم روحي ، نجني يا رب إله الحق ، شنأت الذين

١٢١

يغتبطون بالأوثان الباطلة ، وأنا على الرب توكلت ، أفرح وأسر برحمتك لأنك نظرت إلى تواضعي ، وخلصت نفسي من الشدائد ، ولمن تسلمني في أيدي الأعداء ، اقمت رجلي في السعة ، ارحمني يا رب فإني حزين ، جزعت عيناي من سخطك ، ونفسي وقواي ، فني عمري بالأحزان ، وسني بالزفرات ، ضعفت بالمسكنة قوتي وقلقت عظامي ، صرت عارا في أعدائي وجيرتي ، ورهبة لمن عرفني ، من عاينني تباعد عني ، ونسوني في قلوبهم مثل الميت ، صرت مثل إناء مكسور ، لأني سمعت سب جميع من حولي ، هموا بي وعند اجتماعهم عليّ جميعا تآمروا لأخذ نفسي ، فأنا يا رب عليك توكلت ، قلت : أنت إلهي ، وفي يدك قسمي ، نجني من يد أعدائي والطاردين لي ، أضىء وجهك على عبدك ، وخلصني برحمتك ، يا رب لا تخزني فإني دعوتك ، تخزي المنافقين ويهبطون إلى الجحيم ، تبكم الشفاه الغاشة المتقولة على الصديق بالزور والبهتان ، ما أكثر رحمتك يا رب لجميع خائفيك ، أعددتها لمن اعتصم بك أمام بني البشر ، استرهم في كنفك من أشرار الناس وفي ظلال وجهك ، وقهم من مقاومة الألسن ، تبارك الرب الذي انتخب له الأصفياء في المدينة العظيمة ، أنا قلت في تحيري : إني سقطت من حذاء عينيك ، ولذلك سمعت صوت تضرعي حين دعوتك ، حبوا الرب يا جميع أصفيائه ، فإن الرب يبتغي الحق ، ويكافىء المستكبرين بفعلهم ، تشتد قلوبكم وتقوى أيها المتوكلون على الرب.

المزمور الثالث والثلاثون : أبارك الرب في كل حين ، وكل أوان تسبيحه في فمي ، بالرب تفتخر نفسي ، فليسمع أهل الدعة ويفرحوا ، عظموا معي الرب وشرفوا اسمه أجمعون ، أنا طلبت الرب فأجابني ، ومن شدائدي نجاني ، أقبلوا إلى الرب واستتروا به ، فإن وجوهكم لا تخزى ، إن المسكين دعا فاستجاب له الرب ، ومن جميع أحزانه خلصه ، ملك الرب يحوط أتقياءه وينجيهم ، ذوقوا وتيقنوا طيب الرب ، طوبى للرجل المتوكل عليه ، اتقوا الرب يا جميع قديسيه لأنه لا منقصة لأتقيائه ، الأغنياء افتقروا وجاعوا ، والذين يطلبون الرب لا يعدمون كل الخيرات ، هلموا أيها الأبناء واسمعوا مني لأفهمكم مخافة الرب ، من هو الرجل الذي يهوى الحياة ويحب أن يرى الأيام الصالحة ، اكفف لسانك من الشر وشفتيك ، لا تتكلم بالغدر ، ابعد عن الشر ، واصنع الخير ، اطلب السلامة واتبعها ، فإن عين الرب على الأبرار ، وسمعه إلى تضرعهم ، وجه الرب على صانعي الشر ليمحو ذكرهم من الأرض ، الأبرار دعوا فاستجاب لهم الرب ، من جميع شدائدهم نجاهم ، الرب قريب من مستقيمي القلوب ، يخلص متواضعي الأرواح ، كثيرة هي أحزان الصديقين ، ومن جميعها ينجيهم الرب ، الرب يحفظ جميع

١٢٢

عظامهم ، وواحد منها لا ينكسر ، موت الخطأة سيىء ، ومبغضو البار يهلكون ، الرب ينجي نفوس عبيده ، ولا يخيب المتوكلين عليه.

المزمور الرابع والثلاثون : حاكم يا رب الذين يظلمونني ، قاتل الذي يقاتلونني ، خذ سلاحا وترسا وقم لمعونتي ، استل سيفا ورد به أعدائي الذين يرهقونني ، وقل لنفسي : أنا مخلصك ، يخزى ويبهت طالبو نفسي ، يرتدون على أعقابهم ويخزى الذين يتفكرون بي الشر ، ويكونون كالغبار أمام الريح ، وملك الرب يخزيهم ، تكون طريقهم زلقة ظلمة عليهم وملك الرب يطاردهم ، لأنهم أخفوا لي فخا ، بغير حق عيروا نفسي ، فليأتهم الشر بغتة ، والمصيدة التي أخفوها تأخذهم ، وفي الحفرة التي حفروها يسقطون ، نفسي تبتهج بالرب ، وتنعم بخلاصه ، عظامي كلها تقول : يا رب من مثلك منجي المسكين من يد القوي ، والفقير والبائس من يد الذين يختطفونه ، قام عليّ شهود الزور ، وعما لم أعلم ساءلوني ، جازوني بدل الخير شرا ، وأبادوا نفسي وأنا عند ما لجوا عليّ لبست مسحا ، وبالصيام أذللت نفسي ، وصلاتي عادت إلى حضني ، مثل قريب وأخ كنت لهم ، صرت كالحزين الكئيب في تواضعي ، اجتمعوا عليّ وفرحوا ، اجتمع عليّ الأشرار ولم أشعر ، أثموا ولم يندموا ، أحزنوني وهزؤوا بي وصروا أسنانهم عليّ ، يا رب إلى متى تنتظر! نج نفسي من شر ما نصبوا ، ومن الأسد نج وحدتي ، لأشكرك يا رب في الجموع الكثيرة وفي الشعب الصالح أرتل لك ، لا يسر بي المعادون لي ظلما ، الذين يشنؤونني باطلا ويتغامزون بعيونهم ، لأنهم يتكلمون بالسلام وبالدغل يفكرون ، وعلى المتواضعين في الأرض يقولون الكذب ، فتحوا عليّ أفواههم ، وقالوا : نعما نعما! قد قرت به عيوننا ، اللهم قد رأيت ، لا تغفل ، لا تبعد عني يا رب! انظر سريعا في قضائي إلهي وربي ، كن في ظلامتي ، واحكم لي مثل برك يا ربي وإلهي ، لا تسرهم بي ، لئلا يقولوا في قلوبهم : تفتحت نفوسنا ، ولا يقولوا : قد ابتلعناه ، يخزون ويهنون جميعا الذين يفرحون بإساءتي ، يلبس الخزي والبهت المتعظمون بالقول عليّ يسر ويفرح الذين يهوون بري ، ويقولون في كل حين : عظيم هو الرب ، الذين يريدون سلامة عبدك ، لساني يتلو عدلك وتمجيدك النهار كله.

المزمور السادس والثلاثون : لا تغبط الأشرار ولا تتأسّ بفاعلي الإثم ، لأنهم مثل العشب سريعا يجفون ، ومثل البقل الأخضر عاجلا يذبلون ، توكل على الرب واصنع الخير ، واسكن في الأرض ، وعش من نعيمها ، استبشر بالرب يعطيك مطلوبات قلبك ، واكشف سبلك للرب وتوكل عليه وهو يصنع لك ، يخرج مثل النور عدلك ، ومثل الظهيرة أحكامك ، اخضع للرب واضرع إليه ، لا تغبط الرجل المستقيم في طريقه المقيم

١٢٣

على إثمه ، ولا رجلا يعمل بخلاف الناموس ، اكفف من السخط ، ودع الغضب ، لا تبار الشرير ، فإن الأشرار جميعا يبيدون ، والذين يرجون الرب يرثون الأرض عن قليل ، لا يوجد الخاطىء ، ويطلب مكانه فلا يوجد ، أهل الدعة يرثون الأرض ، ويتنعمون بكثرة السلامة ، المنافق يرصد الصديق ويصر عليه أسنانه ، والرب يهزأ به ، لأنه قد علم أن يومه يدركه ، استل الخطأة سيوفهم ، وأوتروا قسيهم ، ليصرعوا المسكين والبائس ، ويقتلوا المستقيم القلب ، تدخل سيوفهم إلى قلوبهم ، وتنكسر قسيهم ، اليسير للصديق خير من كثرة غنى الخطأة ، لأن سواعد الخطأة تنكسر ، والرب يحفظ الأبرار ، الرب يعرف أيام صديقيه الذين لا عيب فيهم وميراثهم إلى الأبد ، ولا يخزون في زمان سوء ، وفي أيام الشدائد يشبعون ، لأن الأثمة يبيدون ، أعداء الرب حين يرتعون ويتمجدون يذهبون مثل الدخان ويضمحلون ، الخاطىء يقترض ولا يوفي ، والبار يترأف ويعطي ، لأن مباركيه يرثون الأرض ، ولا غيه يستأصلون ، الرب يقوّم خطأ الإنسان ويهديه في الطريق ، إن سقط البار لم يجزع ، لأن الرب ممسك بيده ، كنت صبيا وشخت ولم أر صديقا رفض ، ولا ذريته طلبت خبزا النهار كله يترحم ويقرض ونسله مبارك ، ابعد عن الشر وافعل الخير ، واسكن إلى أبد الأبد ، لأن الرب يحب العدل ، ولا يضيع أصفياءه ، يحفظهم إلى أبد الأبد ، الأثمة يهلكون ونسل الخطأة يستأصلون ، الصديقون يرثون الأرض ويسكنون فيها إلى أبد الأبد ، فم الصديق ينطق بالحكمة ولسانه يقول العدل ، سنة إلهه في قلبه ، ولا تزدحف قدماه ، الخاطىء يرصد البار ويهم بقتله ، والرب لا يسلمه في يديه ، ولا يدخله في الحكم ، ترج الرب واحفظ طرقه ، وهو يرفعك لترث الأرض وتعاين الخطأة يبيدون ، رأيت المنافق يتعالى : ويتطاول مثل أرز لبنان ، مررت به فلم أجده وطلبت موضعه فلم أصبه ، تمسك بالدعة وسترى الاستقامة ، فإن عاقبة الرجل المستقيم سلامة ، الخطأة جميعا يبيدون ، وبقايا الأشرار يستأصلون ، خلاص الأبرار من عند الرب وهو ناصرهم في زمان الشدائد ، الرب عونهم ومنجيهم ومنقذهم من الخطأة ، ويخلصهم لأنهم توكلوا عليه.

( إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ (١٠٦) وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (١٠٧) قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ (١٠٩) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ (١١٠) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (١١١) قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (١١٢) )

١٢٤

ولما كان ما ذكر في هذه السورة من الحكم والدلائل والقصص واعظا شافيا حكيما ، ومرشدا هاديا عليما ، قال واصلا بما تقدم إشارة إلى أنه نتيجته :( إِنَّ فِي هذا ) أي الذي ذكرناه هنا من الأدلة على قدرتنا على قيام الساعة وغيرها من الممكنات ، وعلى أن من ادعى علينا أمرا فأيدناه عليه وجعلنا العاقبة له فيه فهو صادق محق ، وخصمه كاذب مبطل( لَبَلاغاً ) لأمرا عظيما كافيا في البلوغ إلى معرفة الحق فيما ذكرناه من قيام الساعة والوحدانية وجميع ما تحصل به البعثة( لِقَوْمٍ ) أي لأناس أقوياء على ما يقصدونه( عابِدِينَ ) أي معترفين بالعبودية لربهم الذي خلقهم اعترافا تطابقه الأفعال بغاية الجد والنشاط.

ولما كان هذا مشيرا إلى رشادهم ، فكان التقدير : فما أرسلناك إلا لإسعادهم والكفاية لهم في البلاغ إلى جنات النعيم ، عطف عليه ما يفهم سبب التأخير لإنجاز ما يستعجله غير العابدين من العذاب فقال :( وَما أَرْسَلْناكَ ) أي بعظمتنا العامة على حالة من الأحوال( إِلَّا ) على حال كونك( رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ) كلهم ، أهل السماوات وأهل الأرض من الجن والإنس وغيرهم ، طائعهم بالثواب ، وعاصيهم بتأخير العقاب ، الذي كنا نستأصل به الأمم ، فنحن نمهلهم ونترفق بهم ، إظهارا لشرفك وإعلاء لقدرك ، حتى نبين أنهم مع كثرتهم وقوتهم وشوكتهم وشدة تمالئهم عليك لا يصلون إلى ما يريدون منك ، ثم نرد كثيرا منهم إلى دينك ، ونجعلهم من أكابر أنصارك وأعاظم أعوانك ، بعد طول ارتكابهم الضلال ، وارتباكهم في أشراك المحال ، وإيضاعهم في الجدال والمحال ، فيعلم قطعا أنه لا ناصر لك إلا الله الذي يعلم القول في السماء والأرض ، ومن أعظم ما يظهر فيه هذا الشرف في عموم الرحمة وقت الشفاعة العظمى يوم يجمع الأولون والآخرون ، وتقوم الملائكة صفوفا والثقلان وسطهم ، ويموج بعضهم في بعض من شدة ما هم فيه ، يطلبون من يشفع لهم في أن يحاسبوا ليستريحوا من ذلك الكرب إما إلى جنة أو نار ، فيقصدون أكابر الأنبياء نبيا نبيا عليهم الصلاة والسّلام ، والتحية والإكرام ، فيحيل بعضهم على بعض ، وكل منهم يقول : لست لها ، حتى يأتوهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فيقول : أنا لها ، ويقوم ومعه لواء الحمد فيشفعه الله(١) وهو المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون وقد سبقت أكثر الحديث بذلك في سورة غافر عند( وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ ) [الآية : ١٨].

ولما كان البلاغ الذي رتب هذا لأجله هو التوحيد الملزوم لتمام القدرة ، أتبع الإشارة إلى تأخيرهم الإيمان إلى تحذيرهم فقال :( قُلْ ) أي لكل من يمكنك له القول :

__________________

(١) أخرجه البخاري ٦٥٦٥ مسلم ١٩٣ عن أنس وهو حديث مشهور وفي الباب عن أبي هريرة.

١٢٥

( إِنَّما يُوحى إِلَيَ ) أي ممن لا موحي بالخير سواه وهو الله الذي خصني بهذا الكتاب المعجز( أَنَّما إِلهُكُمْ ) .

ولما كان المراد إثبات الوحدانية ، لإله مجمع على إلهيته منه ومنهم ، كرر ذكر الإله فقال :( إِلهٌ واحِدٌ ) لا شريك له ، لم يوح إليّ في أمر الإله إلا الوحدانية ، وما إلهكم إلا واحد لمن يوح إليّ فيما تدعون من الشركة غير ذلك ، فالأول من قصر الصفة على الموصوف ، أي الحكم على الشيء ، أي الموحى به إليّ مقصور على الوحدانية لا يتعداها إلى الشركة ، والثاني من قصر الموصوف على الصفة ، أي الإله مقصور على الوحدة لا يتجاوزها إلى التعدد ، والمخاطب بهما من يعتقد الشركة ، فهو قصر قلب.

ولما انضم إلى ما مضى من الأدلة العقلية في أمر الوحدانية هذا الدليل السمعي ، وكان ذلك موجبا لأن يخشى إيجاز ما توعدهم به فيخلصوا العبادة لله ، أشار إلى ذلك مرهبا ومرغبا بقوله :( فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) أي مذعنون له ملقون إليه مقاليدكم متخلون عن جميع ما تدعونه من دونه لتسلموا من عذابه وتفوزوا بثوابه ، ففي الآية أن هذه الوحدانية يصح أن يكون طريقها السمع.

ولما كان توليهم بعد هذه القواطع مستبعد ، أشار إلى ذلك بإيراده بأداة الشك فقال :( فَإِنْ تَوَلَّوْا ) أي لم يقبلوا ما دعوتهم إليه( فَقُلْ ) أي لهم :( آذَنْتُكُمْ ) أي أعلمتكم ببراءتي منكم وأني غير راجع إليكم أبدا كما أنكم تبرأتم مني ولم ترجعوا إليّ ، فصار علمكم أن لا صلح بيننا مع التولي كعلمي وعلم من اتبعني. لتتأهبوا لجميع ما تظنونه ينفعكم ، فهو كمن بينه وبين أعدائه هدنة فأحس منهم بغدره ، فنبذ إليهم العهد ، شهر ذلك النبذ وأشاعه فلم يخفه عن أحد منهم ، وهو مما اشتهر أنه بلغ النهاية في الفصاحة والوجازة ، أو أبلغتكم جميع ما أرسلت به ولم أخص به أحدا دون أحد ، وهذا كله معنى( عَلى سَواءٍ ) أي إيذانا مستعليا على أمر نصف وطريق عدل ، ليس فيه شيء من خفاء ولا غش ولا خداع ولا غدر ، بل نستوي فيه نحن وأنتم.

ولما كان من لازم البراءة من شخص الإيقاع به كان موضع أن يقولوا هزؤا على عادتهم : نبذت إلينا على سواء فعجل لنا ما تتوعدنا به ، فقال :( وَإِنْ ) أي وما( أَدْرِي أَقَرِيبٌ ) جدا بحيث يكون قربه على ما تتعارفونه( أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ ) من عذاب الله في الدنيا بأيدي المسلمين أو بغيره ، أو في الآخرة مع العلم بأنه كائن لا محالة ، وأنه لا بد أن يلحق من أعرض عن الله الذل والصغار.

ولما كان من المقطوع به من كون الشك إنما هو في القرب أو البعد أن يكون

١٢٦

التقدير : لكنه محقق الوجود ، لأن الله واحد لا شريك له ، وقريب عند الله ، لأن كل ما حقق إيجاده قريب ، علله بقوله :( إِنَّهُ ) أي الله تعالى( يَعْلَمُ الْجَهْرَ ) ولما كان الجهر قد يكون في الأفعال ، بينه بقوله :( مِنَ الْقَوْلِ ) مما تجاهرونه به من العظائم وغير ذلك ، ونبه تعالى على ذلك لأن من أحوال الجهر أن ترتفع الأصوات جدا بحيث تختلط ولا يميز بينها ولا يعرف كثير من حاضريها ما قاله أكثر القائلين ، فأعلم سبحانه أنه لا يشغله صوت عن آخر ولا يفوته شيء عن ذلك ولو كثر( وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ ) مما تضمرونه من المخازي كما قال تعالى أولها( قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ ) ومن لازم ذلك المجازاة عليه بما يحق لكم من تعجيل وتأجيل ، فستعلمون كيف يخيب ظنونكم ويحقق ما أقول ، فتقطعون بأني صادق عليه ولست بساحر ، ولا حالم ولا كاذب ولا شاعر ، فهو من أبلغ التهديد فإنه لا أعظم من التهديد بالعلم.

ولما كان الإمهال قد يكون نعمة ، وقد يكون نقمة ، قال :( وَإِنْ ) أي وما( أَدْرِي ) أي أيكون تأخير عذابكم نعمة لكم كما تظنون أو لا. ولما كان إلى كونه نقمة أقرب ، قال معبرا عما قدرته :( لَعَلَّهُ ) أي تأخير العذاب وإيهام الوقت( فِتْنَةٌ لَكُمْ ) أي اختبار من الله ليظهر ما يعلمه منكم من الشر لغيره ، لأن حالكم حال من يتوقع منه ذلك( وَمَتاعٌ ) لكم تتمتعون به( إِلى حِينٍ ) أي بلوغ مدة آجالكم التي ضربها لكم في الأزل ، ثم يأخذكم بغتة أخذة يستأصلكم بها.

ولما كان اللازم من هذه الآيات تجويز أمور تهم سامعها وتقلقه للعلم بأن الله تعالى له أن يفعل ما يشاء من عدل وفضل ، وكان من العدل جواز تعذيب الطائع وتنعيم العاصي ، كان كأنه قيل : فما قال الرسول الشفوق على الأمة حين سمع هذا الخطاب؟ فقيل : قال مبتهلا إلى الله تعالى ـ هذا على قراءة حفص ، وعلى قراءة الجمهور : لما علم سبحانه أن ذلك مقلق ، أمرهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بما يرجى من يقلق من أتباعه فقال :( قالَ رَبِ ) أي أيها المحسن إليّ في نفسي واتباعي بامتثال أوامرك واجتناب نواهيك( احْكُمْ ) أي أنجز الحكم بيني وبين هؤلاء المخالفين( بِالْحَقِ ) أي بالأمر الذي يحق لكل منا من نصر وخذلان على ما أجريته من سنتك القديمة في أوليائك وأعدائك( ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِ ) [الحجر : ٨] أي الأمر الفصل الناجز ، قال ابن كثير : وعن مالك عن زيد بن أسلم : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا شهد قتالا قال( رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ. ) (١) وفي الآية أعظم حث على لزوم الإنسان بالحق ليتأهل لهذه الدعوة.

__________________

(١) هذا مرسل زيد بن أسلم تابعي وهو ثقة. والله الموفق.

١٢٧

ولما كان التقدير : فربنا المنتقم الجبار له أن يفعل ما يشاء وهو قادر على ما توعدون ، عطف عليه قوله :( وَرَبُّنَا ) أي المحسن إلينا أجمعين ؛ ثم وصفه بقوله :( الرَّحْمنُ ) أي العام الرحمة لنا ولكم بإدرار النعم علينا ، ولو لا عموم رحمته لأهلكنا أجمعين وإن كنا نحن أطعناه ، لأنا لا نقدره حق قدره( وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ ) والحاصل أنه لما سأل (الحق) المراد به الهلاك للعدو والنجاة للولي ، أفرد الإضافة إشارة إلى تخصيصه بالفضل ، وإفرادهم بالعدل ، ولما سأل العون عم بالإضافة والصفة قنوعا بترجيح جانبه بالعون وإن شملتم الرحمة ، ولأن من رحمتهم خليتهم عما هم عليه من الشر فقال :( الْمُسْتَعانُ ) أي المطلوب منه العون وهو خبر المبتدأ الموصوف( عَلى ما تَصِفُونَ ) مما هو ناشىء عن غفلتكم الناشئة عن إعراضكم عن هذا الذكر من الاستهزاء والقذف بالسحر وغيره ، والمناصبة بالعداوة والتوعد بكل شر ، فقد انطبق آخر السورة على أولها بذكر الساعة ردا على قوله( اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ ) وذكر غفلتهم وإعراضهم وذكر القرآن الذي هو البلاغ ، وذكر الرسالة بالرحمة لمن نسبوه إلى السحر وغيره ، وتفصيل ما استعجلوا به من آيات الأولين وغير ذلك ، وقام الدليل بالسمع بعد العقل على تحقق أمر الساعة بأنه سبحانه لا شريك له يمنعه من ذلك ، وأنه يعلم السر وأخفى ، وهو رحمن ، فمن رحمته إيجاد يوم الدين ليجازي فيه المحسن بإحسانه ، والمسيء بكفرانه ، وفي ذلك أعظم ترهيب في أعلى حاث على التقوى للنجاة في ذلك اليوم ، وهو أول التي تليها ـ والله الموفق.

١٢٨

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة الحج

مدنية ـ آياتها ثمان وسبعون

( يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللهِ شَدِيدٌ (٢) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (٤) يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) )

مقصودها الحث على التقوى المعلية عن دركة الاستحقاق للحكم بالعدل إلى درجة استئهال الإنعام بالفضل ، في يوم الجمع للفصل ، وأنسب ما فيها لذلك الحج وهو ظاهر( بِسْمِ اللهِ ) الذي اقتضت عظمته خضوع كل شيء( الرَّحْمنِ ) الذي عم برحمته وعدله كل موجود( الرَّحِيمِ ) الذي خص بفضله من شاء من ذوي عدله.

لما ختمت التي قبلها بالترهيب من الفزع الأكبر ، وطيّ السماء وإتيان ما يوعدون ، والدينونة بما يستحقون ، وكان أعظم ذلك يوم الدين ، افتتحت هذه بالأمر بالتقوى المنجية من هول ذلك اليوم فقال :( يا أَيُّهَا النَّاسُ ) أي الذين تقدم أول تلك أنه اقترب لهم حسابهم( اتَّقُوا رَبَّكُمْ ) أي احذروا عقاب المحسن إليكم بأنواع الإحسان بأن تجعلوا بينكم وبينه وقاية الطاعات.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما افتتحت سورة الأنبياء بقوله تعالى :( اقْتَرَبَ

١٢٩

لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ ) وكان واردا في معرض التهديد ، وتكرر في مواضع منها كقوله تعالى :( إِلَيْنا تُرْجَعُونَ ) [الأنبياء : ٣٥]( سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ ) [الأنبياء : ٣٧]( لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ ) [الأنبياء : ٣٩]( وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ ) [الأنبياء : ٤٦]( وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ ) [الأنبياء : ٤٧]( وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ ) [الأنبياء : ٤٩]( كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ ) [الأنبياء : ٩٣]( وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُ ) [الأنبياء : ٩٧]( إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ) [الأنبياء : ٩٨]( يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ) [الأنبياء : ١٠٤] إلى ما تخلل هذه الآي من التهديد ، وشديد الوعيد ، حتى لا تكاد تجد أمثال هذه الآي في الوعيد والإنذار بما في الساعة وما بعدها وما بين يديها في نظائر هذه السورة ، وقد ختمت من ذلك بمثل ما به ابتدئت ، اتصل بذلك ما يناسبه من الإعلام بهول الساعة وعظيم أمرها ، فقال تعالى :( يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ) ـ إلى قوله :( وَلكِنَّ عَذابَ اللهِ شَدِيدٌ ) ثم اتبع هذا ببسط الدلالات على البعث الأخير وإقامة البرهان( يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ ) الآيات ، ثم قال( ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُ ) أي اطرد هذا الحكم العجيب ووضح من تقلبكم من حالة إلى حالة في الأرحام وبعد خروجكم إلى الدنيا وأنتم تعلمون ذلك من أنفسكم ، وتشاهدون الأرض على صفة من الهمود والموت إلى حين نزول الماء فنحيي ونخرج أنواع النبات وضروب الثمرات( يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى ) كما أحياكم أولا وأخرجكم من العدم إلى الوجود وأحيا الأرض بعد موتها وهمودها ، كذلك تأتي الساعة من غير ريب ولا شك ، ويبعثكم لما وعدكم من حسابكم وجزائكم( فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ) انتهى.

ولما أمرهم بالتقوى : علل ذلك مرهبا لهم بقوله :( إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ ) أي التي تقدم التحذير منها في الأنبياء بدأ وختما وما بين ذلك ، أي شدة اضطرابها وتحركها العنيف المزيل للأشياء عن مقارها إزالة عظيمة ، بما يحصل فيها من الأصوات المختلفة ، والحركات المزعجة المتصلة ، من النفخ في الصور ، وبعثرة القبور ، وما يتسبب عن ذلك من عجائب المقدور ، وقت القيام ، واشتداد الزحام ، وذلك لأن «زلزل» مضاعف زل ـ إذا زال عن مقره بسرعة ، ضوعف لفظه لتضاعف معناه ؛ قال البغوي : الزلزلة والزلزال : شدة الحركة على الحال الهائلة ـ انتهى. وهو من إضافة المصدر إلى الفاعل أو المفعول فيه( شَيْءٌ عَظِيمٌ ) أي لا تحتمل العقول وصفه ؛ قال ابن كثير : أي أمر كبير ، وخطب جليل ، وطارق مفظع ، وحادث هائل ، وكائن عجيب ـ انتهى.

١٣٠

وهذا للزلزلة نفسها ، فكيف بجميع ما يحدث في ذلك اليوم الذي لا بد لكم من الحشر فيه إلى الله ليجازيكم على ما كان منكم ، لا ينسى منه نقير ولا قطمير ، ولا يخفى قليل ولا كثير ، مما تطير له القلوب ، ولا تثبت له النفوس ، فاعتدوا وجاهدوا أعداءكم من الأهواء والشياطين.

ولما كان المراد بالساعة القيام وما والاه ، جعل مظروفا لذلك اليوم الذي هو من ذلك الوقت إلى افتراق الفريقين إلى داري الإبعاد والإسعاد ، والهوان والغفران ، فقال تعالى :( يَوْمَ تَرَوْنَها ) أي الزلزلة أو كل مرضعة ، أضمرها قبل الذكر ، تهويلا للأمر وترويعا للنفس( تَذْهَلُ ) أي تنسى وتغفل حائرة مدهوشة ، وهو العامل في «يوم» ويجوز أن يكون عامله معنى الكلام ، أي تستعظمون جدا ذلك اليوم عند المعاينة وإن كنتم الآن تكذبون ، ويكون ما بعده استئنافا ودل بالسور على عموم تأثيره لشدة عظمته فقال :( كُلُّ مُرْضِعَةٍ ) أي بالفعل( عَمَّا أَرْضَعَتْ ) من ولدها وغيره ، وهي من ماتت مع ابنها رضيعا ، قال البغوي : يقال : مرضع ، بلا هاء ـ إذا أريد به الصفة مثل حائض وحامل ، فإذا أرادو الفعل أدخلوا الهاء ـ يعني : فيدل حينئذ على أنها ملتبسة به( وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها ) أي تسقطه قبل التمام رعبا وفزعا ، وهي من ماتت حاملا ـ والله أعلم ، فإن كل أحد يقوم على ما مات عليه ، قال الحسن : تذهل المرضعة عن ولدها بغير فطام ، وتضع الحامل ما في بطنها بغير تمام ـ انتهى. ويؤيد أن هذه الزلزلة تكون بعد البعث ما في الصحيحين وغيرهما : مسلم في الإيمان وهذا لفظه ، والبخاري عند تفسير هذه الآية عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه رفعه : «يقول اللهعزوجل : يا آدم! فيقول : لبيك وسعديك! والخير في يديك ، قال : يقول : أخرج بعث النار ، قال : وما بعث النار؟ قال : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون ، فذلك حين يشيب الصغير ، وتضع كل ذات حمل حملها»(١) . الحديث والأحاديث في ذلك كثيرة ، ومعارضها ضعيف ، والمناسب أيضا لما في آخر تلك من قوله( فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) [الأنبياء : ٩٧] وما تبعه أن هذه الزلزلة بعد القيام من القبور( يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ ) [الأنبياء : ١٠٤]( إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ ) ـ إلى قوله :( عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ) [الانفطار : ١ ، ٢ ، ٣ ، ٤ ، ٥] ويمكن أن يكون المراد هذا وما قبله لأن يوم الساعة طويل ، فنسبة الكل إليها على حد سواء.

ولما كان الناس كلهم يرون الزلزلة ، ولا يرى الإنسان السكر ـ إلا من غيره قال

__________________

(١) صحيح. أخرجه البخاري ٦٥٣٠ ومسلم ٢٢٢ وأحمد ٣ / ٣٢ من حديث أبي سعيد الخدري.

١٣١

في الزلزلة( تَرَوْنَها ) وقال في (السكر) :( وَتَرَى النَّاسَ سُكارى ) أي لما هم فيه من الدهش والحيرة والبهت لما شاهدوا من حجاب العز وسلطان الجبروت وسرادق الكبرياء ، ثم دل على أن ذلك ليس على حقيقته بقوله ، نافيا لما يظن إثباته بالجملة الأولى :( وَما هُمْ بِسُكارى ) أي من الخمر.

ولما نفى أن يكونوا سكارى من الخمر ، أثبت ما أوجب لهم تلك الحالة فقال :( وَلكِنَّ عَذابَ اللهِ ) ذي العز والجبروت( شَدِيدٌ ) فهو الذي وجب أن يظن بهم السكر ، لأنه أذهب خوفه حولهم ، وطير هوله عقولهم.

ولما أفهم العطف الآتي أن الناس قسمان ، وأن التقدير : فإن منكم من يؤمن فيتقي فينجو من شر ذلك اليوم الذي اقتضت الحكمة إظهار العظمة فيه ليزداد حزب الله فرحا ، وحزب الشيطان غما وترحا ، عطف عليه قوله :( وَمِنَ النَّاسِ ) أي المذبذبين المضطربين( مِنَ ) لا يسعى في إعلاء نفسه وتهذيبها فيكذب فيوبق بسوء أعماله ، لأنه( يُجادِلُ فِي اللهِ ) أي في قدرة الملك الأعظم على ذلك اليوم وفي غير ذلك من شؤونه بعد أن جاءه العلم بها اجتراء على سلطانه العظيم( بِغَيْرِ عِلْمٍ ) بل بالباطل الذي هو جهل صرف ، فيترك اتباع الهداة النصحاء( وَيَتَّبِعُ ) بغاية جهده في جداله( كُلَّ شَيْطانٍ ) أي محترق بالشر مبعد باللعن.

ولما كان السياق لذم متبعه ، أشار إلى أنه لا قصد له في اتباعه إلا الشر ، لأنه لا لبس في أمره بصيغة المبالغة كما مضى في النساء ويأتي في الصافات ، فقال :( مَرِيدٍ ) أي متجرد للفساد لا شغل له غيره ، فهو في غاية الضراوة عليه ، قال البيضاوي : وأصله العرى( كُتِبَ ) أي قضى وقدر على سبيل الحتم الذي لا بد منه ، تعبير باللازم عن الملزوم( عَلَيْهِ ) أي على ذلك الشيطان( أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ ) أي فعل معه فعل الولي مع وليه ، باتباعه والإقبال على ما يزينه( فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ ) بما يبغض إليه من الطاعات فيخطىء سبيل الخير.

ولما نفّر عن توليه بإضلاله لأن الضلال مكروه إلى كل أحد ، بين أنه إضلال لا هدى معه أصلا فقال :( وَيَهْدِيهِ ) أي بما يزين له من الشهوات ، الحاملة على الزلات ، إعلاما بأنه إن كان له هدى إلى شيء فهو( إِلى عَذابِ السَّعِيرِ ) . ولما حذر الناس من ذلك اليوم ، وأخبر أن منهم من يكذب ، وعرف بمآله ، فأفهم ذلك أن منهم من يصدق به فيكون له ضد حاله ، وكان كثير من المصدقين يعملون عمل المكذبين ، أقبل عليهم سبحانه إقبالا ثانيا رحمة لهم ، منبها على أنه ينبغي أن لا يكون عندهم نوع من الشك في ذلك اليوم لما عليه من الآيات في الآفاق وفي أنفسهم ، فقال دالا عليه بالأمرين :( يا أَيُّهَا

١٣٢

النَّاسُ ) أي كافة ، ويجوز أن يراد المنكر فقط ، وعبر بالناس الذي هو من أسفل الأوصاف لذلك ، وإشارة إلى أن المنكر والعامل عمله ـ وإن كان مصدقا ـ هم أكثر الناس ، وعبر بأداة الشك إشارة إلى أن الذي يقتضيه الحال جزمهم به فقال :( إِنْ ) وبين أنه ما عبر بها إلا للتوبيخ ، لا للشك في أمرهم ، بجعل الشرط ماضيا ، ودل ب «كان» وبالظرف على تمكن الريب منهم فقال :( كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ ) أي شك وتهمة وحاجة إلى البيان( مِنَ الْبَعْثِ ) وهو قيام الأجسام بأرواحها كما كانت قبل مماتها سواء ، استعظاما لأن نقدر عليه( فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ ) بقدرتنا التي لا يتعاظمها شيء( مِنْ تُرابٍ ) لم يسبق له اتصاف بالحياة( ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ) حالها أبعد شيء عن حال التراب ، فإنها بيضاء سائلة لزجة صافية كما قال( مِنْ ماءٍ دافِقٍ ) [الطارق : ٦] وأصلها الماء القليل ـ قاله البغوي. وأصل النطف الصب ـ قاله البيضاوي.( ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ) أي قطعة دم حمراء جامدة ، ليس فيها أهلية للسيلان( ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ ) أي قطعة لحم صغيرة جدا تطورت إليها النطفة( مُخَلَّقَةٍ ) بخلقة الآدمي التمام( وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ ) أي أنشأناكم من تراب يكون هذا شأنه ، وهو أنا ننقله في هذه الأطوار إلى أن يصير مضغة ، فتارة يخلقها ويكون منها آدميا ، وتارة لا يخلقها بل يخرجها من الرحم فاسدة ، أو تحرقها حرارته ، أو غير مخلقة تخليقا تاما بل ناقصا مع وجود الروح كشق الذي كان شق آدمي ، وسطيح الذي كان علوا بلا سفل ونحوهما( لِنُبَيِّنَ لَكُمْ ) كمال قدرتنا ، وتمام حكمتنا ، وأن ذلك ليس كائنا عن الطبيعة ، لأنه لو كان عنها لم يختلف ، فدل اختلافه على أنه عن فاعل مختار ، قادر قهار ، وحذف المفعول إشارة إلى أنه يدخل فيه كل ما يمكن أن يحيط به العقول.

ولما كان التقدير : فنجهض منه ما لا نشاء إتمامه ، عطف عليه قوله :( وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ) أي من ذلك الذي خلقناه( ما نَشاءُ ) إتمامه( إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ) قدرناه لإتمامه ما بين ستة أشهر إلى ما نريد من الزيادة على ذلك ، بحسب قوة الأرحام وضعفها ، وقوة المخلقات وضعفها وكثرة ما تغتذيه من الدماء وقلته ، وزكائه وخبثه ، إلى غير ذلك من أحوال وشؤون لا يعلمها إلا بارئها ، جلت قدرته ، وتعالت عظمته ، وأما ما لم نشأ إتمامه فإن الأرحام تمجه بقدرتنا وتلقيه دون التمام أو تحرقه فيضمحل( ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ ) بعد ذلك( طِفْلاً ) أي في حال الطفولة من صغر الجثة وضعف البدن والسمع والبصر وجميع الحواس ، لئلا تهلكوا أمهاتكم بكبر أجرامكم ، وعظم أجسامكم ، وهو يقع على الجميع ، وعبر به دونه للتساوي في ضعف الظاهر والباطن.

ولما ذكر أضعف الضعف ذكر أقوى القوة عاطفا له عليه لما بينهما من المهلة بأداة التراخي فقال :( ثُمَ ) أي نمد أجلكم( لِتَبْلُغُوا ) بالانتقال في أسنان الأجسام فيما بين

١٣٣

الرضاع ، إلى حال اليفاع ، إلى زمان الاحتلام ، وقوة الشباب والتمام( أَشُدَّكُمْ ) أي نهاية كل شدة قدرناها لكل واحد منكم( وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى ) قبل ما بعد ذلك من سن الشيخوخة( وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ ) بالشيخوخة ، وبناه للمجهول إشارة إلى سهولته عليه مع استبعاده لو لا تكرر المشاهدة عند الناظر لتلك القوة والنشاط وحسن التواصل بين أعضائه والارتباط( إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ ) وهو سن الهرم فينقص جميع قواه( لِكَيْلا يَعْلَمَ ) .

ولما كان السياق للقدرة على البعث الذي هو التحويل من حال الجمادية إلى ضده بغاية السرعة ، أثبت «من» الابتدائية للدلالة على قرب زمن الجهل من زمن العلم ، فربما بات الإنسان في غاية الاستحضار لما يعلم والحذق فيه فعاد في صبيحة ليلته أو بعد أيام يسيرة جدا من غير كبير تدريج لا يعلم شيئا ، وأفهم إسقاط حرف الانتهاء أنه ربما عاد إليه علمه ، وربما اتصل جهله بالموت بخلاف ما مضى في النحل فقال :( مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ ) كان أوتيه( شَيْئاً ) بل يصير كما كان طفلا في ضعف الجواهر والأعراض ، لتعلموا أن ذلك كله فعل الإله الواحد المختار ، وأنه لو كان فعل الطبيعة لازداد بطول البقاء نموا في جميع ذلك ، وقد علم ـ بعود الإنسان في ذهاب العلم وصغر الجسم إلى نحو ما كان عليه في ابتداء الخلق ـ قطعا أن الذي أعاده إلى ذلك قادر على إعادته بعد الممات ، والكون على حال الرفات.

ولما تم هذا الدليل على الساعة محكم المقدمات واضح النتائج ، وكان أول الإيجاد فيه غير مشاهد فعبر عنه بما يليق به ، أتبعه دليلا آخر محسوسا ، وعطفه على ما أرشد إليه التقدير من نحو قوله : تجدون أيها الناس ما ذكرناه في أنفسكم ، فقال :( وَتَرَى ) فعبر بالرؤية( الْأَرْضَ ) ولما كان في سياق البعث ، عبر بما هو أقرب إلى الموت فقال :( هامِدَةً ) أي يابسة مطمئنة ساكنة سكون الميت ليس بها شيء من نبت ، ولعله أفرد الضمير توجيها إلى كل من يصلح أن يخاطب بذلك( فَإِذا ) أي فننزل عليها ماء من مكان لا يوجد فيه ثم ينزل منه إلا بقدرة عظيمة وقهر باهر ، فإذا( أَنْزَلْنا ) بما لنا من العظمة( عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ ) أي تحركت بنجوم النبات اهتزاز الحي ، وتأهلت لإخراجه ؛ قال الرازي : والاهتزاز : شدة الحركة في الجهات المختلفة.( وَرَبَتْ ) أي انتفخت ، وذلك أول ما يظهر منها للعين وزادت ونمت بما يخرج منها من النبات الناشىء عن التراب والماء( وَأَنْبَتَتْ ) بتقديرنا( مِنْ كُلِّ زَوْجٍ ) أي صنف عادلناه بصنف آخر جعلناه تمام نفعه به( بَهِيجٍ ) أي مؤنق من أشتات النباتات في اختلاف ألوانها وطعومها ، وروائحها وأشكالها ، ومنافعها ومقاديرها رائقة المناظر ، لائقة في العيون والبصائر ، قال الرازي : فكما أن النبات يتوجه من نقص إلى كمال ، فكذلك الآدمي

١٣٤

يترقى من نقص إلى كمال ، ففي المعاد يصل إلى كماله الذي أعد له من البقاء والغنى والعلم والصفاء والخلود ، أي السعيد منه في دار السّلام مبرا عن عوارض هذا العالم ـ انتهى.

( ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٨) ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ (٩) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (١٠) )

ولما قرر سبحانه هذين الدليلين ، رتب عليهما ما هو المطلوب والنتيجة فقال على طريق التعليل :( ذلِكَ ) أي الذي تقدم من الأمر بالتقوى ، والترهيب من جلال الله بالحشر ، والاستدلال عليه بالتصرف في تطوير الإنسان والنبات إلى ما في تضاعيفه من أنواع الحكم وأصناف اللطائف( بِأَنَ ) أي بسبب أن تعلموا أن( اللهَ ) أي الجامع لأوصاف الكمال( هُوَ ) أي وحده( الْحَقُ ) أي الثابت أتم ثبات ، بحيث يقتضي ذلك أنه يكون كل ما يريد ، فإنه لا ثبات مع العجز( وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى ) أي قادر على ذلك بأنه ـ كما سيأتي ـ هو العلي الكبير( وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ) من الخلق وغيره( قَدِيرٌ* إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) [يس : ٨٢]( وَأَنَّ السَّاعَةَ ) التي تقدم التحذير منها ، وهي وقت حشر الخلائق كلهم( آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها ) بوجه من الوجوه لما دل عليها مما لا سبيل إلى إنكاره بقول من لا مرد لقوله ، وهو حكيم فلا يخلف ميعاده ، ولا يسوغ بوجه أن يترك عباده بغير حساب( وَأَنَّ اللهَ ) لما له من الجلال والحكم( يَبْعَثُ ) بالإحياء( مَنْ فِي الْقُبُورِ ) لحضوره والفصل بينهم فيها في كل ما اختلفوا فيه لأن ذلك من العدل الذي أمر به ، وبه يظهر كثير من صفاته سبحانه أتم ظهور ، والحاصل أن المراد أنه سبحانه قال ما تقدم وفعل ما ذكر من إيجاد الإنسان والنبات في هذه الأطوار ليعلم أنه قادر على هذه الأمور وعلى كل شيء( وَمِنَ ) أي فمن الناس الذين كانوا قد وقفوا عن الإيمان قبل هذا البيان من آمن عند سماع هذه القواطع ، ومن( النَّاسِ ) وهم من اشتد تكاثف طبعه( مَنْ يُجادِلُ ) أي بغاية جهده( فِي اللهِ ) أي في قدرته وما يجمعه هذا الاسم الشريف من صفاته بعد هذا البيان الذي لا مثل له ولا خفاء فيه( بِغَيْرِ عِلْمٍ ) أتاه عن الله على لسان أحد من أصفيائه أعم من أن يكون كتابا أو غيره( وَلا هُدىً ) أرشده إليه من عقله أعم من كونه بضرورة أو استدلال( وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ ) صح لديه أنه من عند الله ، ومن المعلوم أنه بانتفاء هذه الثلاثة لا يكون جداله إلا بالباطل( ثانِيَ عِطْفِهِ ) أي رخي البال معرضا متكبرا متماثلا لاويا عنقه لذلك كما قال تعالى

١٣٥

( وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً ) [لقمان : ٧] والعطف في الأصل الجانب وموضع الميل.

ولما دل السياق على أنه أكثف الأقسام طبعا ، عبر عن قصده بقوله :( لِيُضِلَ ) أي غيره( عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) إفهاما لذلك ، لأن هذا لا يقصده عاقل ، فالقسم الأول تابع ضال ، وهذا داع لأهل الضلال ، هذا على قراءة الضم للجمهور ، وعلى قراءة الفتح لابن كثير وأبي عمرو ورويس عن يعقوب بخلاف عنه من ضل ، تكون من باب التهكم كما تقدم غير مرة ، أي إنه من الحذق بحيث لا يذهب عليه أن هذا ضلال ، فما وصل إليه إلا بقصده له.

ولما ذكر فعله وثمرته ، ذكر ما أعد له عليه فقال :( لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ ) أي إهانة وذل وإن طال زمن استدراجه بتنعيمه «حق على الله أن لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه»( وَنُذِيقُهُ ) أي بما لنا من العظمة( يَوْمَ الْقِيامَةِ ) الذي يجمع فيه الخلائق بالإحياء بعد الموت( عَذابَ الْحَرِيقِ ) أي بجعله يحس بألم العذاب بالحريق كما يحس الذائق بالشيء كما أحرق قلوب المهتدين بجداله بالباطل ، ويقال حقيقة أو مجازا :( ذلِكَ ) أي العذاب العظيم( بِما ) أي بسبب ما( قَدَّمَتْ يَداكَ ) أي بعملك ، ولكنه جرت عادة العرب أن تضيف الأعمال إلى اليد لأنها آلة أكثر العمل ، وإضافة ما يؤدي إليهما أنكأ( وَأَنَ ) أي وبسبب أن( اللهَ ) أي الذي له الكمال كله( لَيْسَ بِظَلَّامٍ ) أي بذي ظلم ما( لِلْعَبِيدِ ) ولو ترككم بغير ذلك لكان في مجاري عاداتكم ظلما أولا بتسوية المحسن بالمسيء ، وثانيا بترك الانتصار للذين عادوك فيه وأذيتهم من أجله ، ويجوز أن تكون الصيغة للمبالغة لتفهم أنه لو تركه لكان الظلم ، وذلك في غاية البعد عن حكمته و نفي أصل الظلم من آياته الباهرة.

( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١١) يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٢) يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣) إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (١٤) )

ولما بين قسمي المصارحين بالكفر الكثيف والأكثف صريحا. وأفهم المؤمن المخلص ، عطف على ذلك المذبذب فقال :( وَمِنَ النَّاسِ ) ولذلك عبر بالناس الذي مدلوله الاضطراب والتردد دون أن يضمر( مَنْ يَعْبُدُ اللهَ ) أي يعمل على سبيل الاستمرار

١٣٦

والتجدد بما أمر به الإله الأعظم من طاعته( عَلى حَرْفٍ ) فهو مزلزل كزلزلة من يكون على حرف شفير أو جبل أو غيره ، لا استقرار له ، وكالذي على طرف من العسكر ، فإن رأى غنيمة قر ، وإن توهم خوفا طار وفر ، وذلك معنى قوله :( فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ ) أي من الدنيا( اطْمَأَنَّ بِهِ ) أي بسببه ، وثبت على ما هو عليه( وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ ) أي مصيبة ولو قلت ـ بما يشير إليه التأنيث ـ في جسده أو معيشته يختبر بها ويظهر خبأه للناس( انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ ) لتهيئه للانقلاب بكونه على شفا جرف فسقط عن ذلك الطرف من الدين سقوطا لا رجوع له بعده إليه ولا حركة له معه ، فإن الإنسان مطبوع على المدافعة بكل عضو من أعضائه عن وجهه فلا يمكن منه إلا بعد نهاية العجز ، والمعنى أنه رجع إلى الوجه الذي كان عليه من الكفر أو الشك رجوعا متمكنا ، وهذا بخلاف الراسخ في إيمانه ، فإنه إن أصابته سراء شكر ، وإن أصابته ضراء حمد وصبر ، فكل قضاء الله له خير.

ولما كان انقلاب هذا مفسدا لآخرته بما ناله من الوزر ، وغير نافع له في استدراك ما فاته من الدنيا ، كانت فذلكة ذلك قوله :( خَسِرَ الدُّنْيا ) أي بسبب أن ذلك لا يرد ما فاته منها ويكون سبب التقتير عليه وذهاب بركته( وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ) [المائدة : ٦٦] «إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه(١) »( وَالْآخِرَةَ ) بفوات أجر الصبر وحصول إثم الجزع : ثم عظم مصيبته بقوله :( ذلِكَ ) أي الأمر العظيم( هُوَ ) أي لا غير( الْخُسْرانُ الْمُبِينُ ) روى البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية قال : كان الرجل يقدم المدينة ، فإن ولدت امرأته غلاما ونتجت خيله قال : هذا دين صالح ، وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله قال : هذا دين سوء ثم بين هذا الخسران الذي رده إلى ما كان فيه قبل الإيمان الحرفي بقوله :( يَدْعُوا ) أي يعبد حقيقة أو مجازا مع التجدد والاستمرار بالاعتماد على غير الله ومنابذة( وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) [الفاتحة : ٥]. ولما كان كل ما سوى الله دونه ، نبه على ذلك بقوله :( مِنْ دُونِ اللهِ ) أي عن أدنى رتبة من رتب المستجمع لصفات الكمال.

ولما كان المقتضي للعبادة إنما هو الفعل بالاختيار ، وأما الفعل الذي يقتضيه الطبع والقسر عليه فلا عبرة به في ذلك ، فإنه لا قدرة على الانفكاك عنه فلا حمد لفاعله ، نبه

__________________

(١) حسن. أخرجه ابن ماجه ٤٠٢٢ والطحاوي في المشكل ٤ / ١٦٩ والطبراني في الكبير ١٤٤٢ والقضاعي ١٠٠١ والحاكم ١ / ٤٩٢ وابن المبارك ٨٦ وأحمد ٥ / ٢٧٧ و٢٨٠ و٢٨٢ من حديث ثوبان. صححه الحاكم ، ووافقه الذهبي ، وقال البوصيري في الزوائد : إسناده حسن.

١٣٧

على ذلك بقوله :( ما لا يَضُرُّهُ ) أي بوجه من الوجوه حتى ولا بقطع النفع إن كان يتصور منه.

ولما قدم الضر لأنه من الأعذار المقبولة في ارتكاب الخطأ ، أتبعه النفع قطعا لكل مقال فقال :( وَما لا يَنْفَعُهُ ) بوجه من الوجوه ولا بترك الضر إن وجد منه ، ولو أسقطت «ما» من الثاني لظن أن الذم يشترط فيه انتفاء الضر والنفع معا حتى أن من ادعى ما انتفى عنه أحدهما لم يذم( ذلِكَ ) أي الفعل الدال على أعظم السفه وهو دعاء شيء انتفى عنه القدرة على النفع ، أو شيء انتفى عنه القدرة على الضر( هُوَ ) أي وحده( الضَّلالُ الْبَعِيدُ ) عن الحق والرشاد الذي أوصل إلى فياف مجاهل لا يتأتى الرجوع منها ، وذلك لأن الأول لو ترك عبادته ما قدر على منع إحسانه ، والثاني لو تقاداه ما وصل إلى نفعه ولا يترك ضره ، فعبادتهما عبث ، لأنه استوى فعلها وتركها.

ولما كان الإحسان جالبا للانسان ، من غير نظر إلى مورده ، لأن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها ، بين أن ما قيل في جانب النفع إنما هو على سبيل الفرض فقال :( يَدْعُوا ) ولما كان ما فرض أولا فيما عبر عنه ب «ما» قد يكون غير عاقل ، فيكون ما صدر منه لعدمه العقل ، أزال هذا الإبهام بقوله :( لَمَنْ ) أي زاعما أن من( ضَرُّهُ ) ولو بعبادته الموجبة لأعظم الشقاء( أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ ) الذي يتوقع منه ـ إله.

ولما كانت الولاية الكاملة لا تنبغي إلا لمن يكون توقع النفع منه والضر على حد سواء ، لقدرته على كل منهما باختياره ، وكان العشير لا يصلح إلا إن كان مأمون العاقبة ، وكان هذا المدعو إن نظر إليه في جانب الضر وجد غير قادر عليه ، أو في جانب النفع فكذلك ، وإن فرض توقع نفعه أو ضره كان خوف ضره أقرب من رجاء نفعه ، استحق غاية الذم ، فلذلك استأنف تعالى وصفه بقوله معبرا في ذمه بالأداة الموضوعة لمجامع الذم :( لَبِئْسَ الْمَوْلى ) لكونه ليس مرجو النفع كما هو مخشي الضر( وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ ) لكونه ليس مأمون الضر فهو غير صالح لولاية ولا لعشرة بوجه.

ولما أفهم ما تقدم أن هذا الإله المدعو إليه قادر على كل من النفع والضر بالاختيار ، وأن تجويز الوقوع لكل منهما منه على حد سواء ، نبه على ذلك بقوله مستأنفا :( إِنَّ اللهَ ) أي الحائز لجميع صفات الكمال المنزه عن جميع شوائب النقص( يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا ) برسله وما دعت إليه من شأنه( وَعَمِلُوا ) تصديقا لإيمانهم( الصَّالِحاتِ ) الخالصة الشاهدة بثباتهم في الإيمان بعد ما ضرهم في الدنيا بأنواع المعايب ، تطهيرا لهم مما اقترفوه من الزلات ، وأهوتهم إليه الهفوات( جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا ) أي من أيّ مكان أردت من أرضها( الْأَنْهارُ ) ولما كان هذا أمرا باهرا دل على

١٣٨

سهولته بقوله : تصريحا بما أفهمه السياق من وصف الاختيار :( إِنَّ اللهَ ) أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما( يَفْعَلُ ما يُرِيدُ ) من كل نفع وضر.

( مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ (١٥) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ وَأَنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (١٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧) )

ولما أتم الدليل على خسران هذا المنقلب وربح الثابت ، وكان هذا مفهما لأن من رجاه لما وعد به بادر الإقبال عليه ولم ينفع إلا نفسه ، ومن لا يرج ذلك أعرض عن الله سبحانه منقلبا على وجهه فلم يضر إلا نفسه ، ترجم عن حال هذا الثاني العابد على حرف بقوله :( مَنْ كانَ يَظُنُ ) أي ممن أصابته فتنة( أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللهُ ) ذو الجلال والإكرام في حال من أحواله( فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ) فأعرض عنه انقلابا على وجهه فإنه لا يضر إلا نفسه وإن ظن أنه لا يضرها( فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ ) أي حبل أو شيء من الأشياء الموصلة له( إِلَى السَّماءِ ) التي يريدها من سقف أو سحاب أو غيرهما.

ولما كان مده ذلك متعسرا أو متعذرا ، عبر عما يتفرع عليه بأداة التراخي فقال :( ثُمَّ لْيَقْطَعْ ) أي ليوجد منه وصل وقطع ، أي ليبذل جهده في دفع القضاء والقدر عنه ، وهي لام أمر عند من حركها بالكسر إفهاما لشدة الحركة في المزاولة للذهاب إلى السفل الدال على عدم العقل ، وهم أبو عمرو وابن عامر وورش عن نافع ورويس عن يعقوب ، أو أسكنها وهم الباقون( فَلْيَنْظُرْ ) ببصره وبصيرته( هَلْ يُذْهِبَنَ ) وإن اجتهد( كَيْدُهُ ما يَغِيظُ ) أي شيئا يحصل له منه غيظ ، أو يكون المعنى : فليفعل ما يفعله من بلغ منه الغيظ بأن يربط حبلا بسقف بيته ثم ليربطه في عنقه ثم ليقطع ما بين رجليه وبين الأرض ليختنق ، وهذا كما يقال لمن أدبر عنه أمر فجزع : اضرب برأسك الجدار إن لم ترض هذا ، مت غيظا ـ ونحو ذلك ، والحاصل أنه إن لم يصبر على المصائب لله طوعا صبر عليها كرها مع ما ناله من أسباب الشقاء.

ولما بين سبحانه هذه الآيات المرئية ، في هذه الأساليب العلية ، هذا البيان الشافي الهادي بإعجاز حكمه ، بين أنه معجز أيضا بنظمه ، فقال :( وَكَذلِكَ ) أي ومثل ما بينا هذه الآيات المرئية التي أنزلنا كلامنا لبيان حكمها وإظهار أسرارها( أَنْزَلْناهُ ) أي الكلام كله بما لنا من العظمة الباهرة( آياتٍ بَيِّناتٍ ) معجزا نظمها ، كما كان معجزا حكمها.

ولما كان الكلام بينا في أن التقدير : ليعلم إذا ضل ضال مع هذا البيان أن الله

١٣٩

يضل من يريد ، عطف عليه قوله :( وَأَنَ ) أي وليعلم أن( اللهَ ) أي الموصوف بالإكرام ، كما هو موصوف بالانتقام( يَهْدِي ) أي بآياته( مَنْ يُرِيدُ ) أي لتبين قدرته واختياره إزاحة لغم من يقول : إذا كانت الآيات المرئية والمسموعة في هذا الحد من البيان فما لأكثر الناس على ضلالهم يتخلف فيهم المسببات عن أسبابها.

ولما كان ذلك موجبا للسؤال ، عن حال الفريقين : المهدي والضال ، أجاب عن ذلك ببيان جميع فرق الضلال ، لأن لهذه السورة أتم نظر إلى يوم الجمع الذي هو مقصود السورة التي قبلها ، فقصد إلى استيعاب الفرق تصويرا لذلك اليوم بأليق صورة ، وقرن بكل من فريقي أهل الكتاب موافقة في معناه فقال :( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ) أي من أيّ فرقة كانوا ، وعبر بالفعل ليشمل الإقرار باللسان ، الذي هو أدنى وجوه الإيمان( وَالَّذِينَ هادُوا ) أي انتحلوا اليهودية ، على أيّ حال كانوا من إيمان أو كفران.

ولما كان اليهود قد عبدوا الأصنام متقربين بها إلى النجوم كما مضى في المائدة ، أتبعهم من شابهوه فقال :( وَالصَّابِئِينَ ) ثم تلا بثاني فريقي أهل الكتاب فقال :( وَالنَّصارى ) ثم أتبعهم من أشبهه بعض فرقهم في قولهم بإلهين اثنين فقال :( وَالْمَجُوسَ ) وهم عبدة النار ؛ ثم ختم بأعم الكل في الضلال كما فتح بأعمهم في الهدى فقال :( وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ) لشموله كل شرك حتى الأصغر من الربا وغيره( إِنَّ اللهَ ) أي الملك الأعظم الذي له الملك كله وهو أحكم الحاكمين( يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) فيجازي كلّا بعمله على ما يقتضيه في مجاري عاداتكم ، ويقتص لبعضهم من بعض ، ويميز الخبيث منهم من الطيب ؛ ثم علل ذلك بقوله :( إِنَّ اللهَ ) أي الجامع لجميع صفات الكمال( عَلى كُلِّ شَيْءٍ ) من الأشياء كلها( شَهِيدٌ ) فلا شيء إلا وهو به عليم ، فهو لذلك على كل شيء قدير ، كما مضى بيانه في( وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ) [طه : ٩٨] في طه ، وقال الحرالي في شرح الأسماء الحسنى : الشهادة رؤية خبرة بطية الشيء ودخلته ممن له غنى في أمره ، فلا شهادة إلا بخبرة وغنى ممن له اعتدال في نفسه بأن لا يحيف على غيره ، فيكون ميزان عدل بينه وبين غيره ، فيحق له أن يكون ميزانا بين كل متداعيين ممن يحيط بخبرة أمرهما( وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) [البقرة : ١٤٣] وبحسب إحاطة علم الشهيد ترهب شهادته ، ولذلك أرهب شهادة شهادة الله على خلقه( قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللهُ ) [الأنعام : ١٩] ولما كان أيّما الإحاطة والخبرة والرقبة لله كان بالحقيقة لا شهيد إلا هو ـ انتهى.

١٤٠