قولهم :(
رَبَّنا
)
يا من عودنا بالإحسان(
أَخْرِجْنا مِنْها
)
أي النار تفضلا منك على عادة فضلك ، وردّنا إلى دار الدنيا لنعمل ما يرضيك(
فَإِنْ عُدْنا
)
إلى مثل تلك الضلالات(
فَإِنَّا ظالِمُونَ
)
فاستؤنف جوابهم بأن(
قالَ
)
لهم كما يقال للكلب :(
اخْسَؤُا
)
أي انزجروا زجر الكلب وانطردوا عن مخاطبتي ساكتين سكوت هوان(
فِيها
)
أي النار(
وَلا تُكَلِّمُونِ
)
أصلا ، فإنكم لستم أهلا لمخاطبتي ، لأنكم لم تزالوا متصفين بالظلم ، ومنه سؤالكم هذا المفهم لأن اتصافكم به لا يكون إلا على تقدير عودكم بعد إخراجكم.
ولما كانت الشماتة أسر السرور للشامت وأخزى الخزي للمشموت به ، علل ذلك بقوله :(
إِنَّهُ كانَ
)
أي كونا ثابتا(
فَرِيقٌ
)
أي ناس استضعفتموهم فهان عليكم فراقهم لكم وفراقكم لهم وظننتم أنكم تفرقون شملهم(
مِنْ عِبادِي
)
أي الذين هم أهل للإضافة إلى جنابي لخلوصهم عن الأهواء(
يَقُولُونَ
)
مع الاستمرار :(
رَبَّنا
)
أيها المحسن إلينا بالخلق والرزق(
آمَنَّا
)
أي أوقعنا الإيمان بجميع ما جاءتنا به الرسل لوجوب ذلك علينا لأمرك لنا به.
ولما كان عظم المقام موجبا لتقصير العابد ، وكان الاعتراف بالتقصير جابرا له قالوا :(
فَاغْفِرْ لَنا
)
أي استر بسبب إيماننا عيوبنا التي كان تقصيرنا بها(
وَارْحَمْنا
)
أي افعل بنا فعل الراحم من الخير الذي هو على صورة الحنو والشفقة والعطف.
ولما كان التقدير : فأنت خير الغافرين ، فإنك إذا سترت ذنبا أنسيته لكل أحد حتى للحفظة ، عطف عليه قوله :(
وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ
)
لأنك تخلص من رحمته من كل شقاء وهوان ، بإخلاص الإيمان ، والخلاص من كل كفران.
ولما تسبب عن إيمان هؤلاء زيادة كفران أولئك قال :(
فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا
)
أي موضعا للهزء والتلهي والخدمة لكم ، قال الشهاب السمين في إعرابه : والسخرة ـ بالضم : الاستخدام ، وسخريا ـ بالضم منها والسخر بدون هاء : الهزء والمكسور منه يعني على القراءتين وفي النسبة دلالة على زيادة قوة في الفعل كالخصوصية والعبودية(
حَتَّى أَنْسَوْكُمْ
)
أي لأنهم كانوا السبب في ذلك بتشاغلكم بالاستهزاء بهم واستعبادهم(
ذِكْرِي
)
أي أن تذكروني فتخافوني بإقبالكم بكليتكم على ذلك منهم.
ولما كان التقدير : فتركتموه فلم تراقبوني في أوليائي ، عطف عليه قوله :(
وَكُنْتُمْ
)
أي بأخلاق هي كالجبلة(
مِنْهُمْ
)
أي خاصة(
تَضْحَكُونَ
)
كأنهم لما صرفوا قواهم إلى الاستهزاء بهم عد ضحكهم من غيرهم عدما.