• البداية
  • السابق
  • 661 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 707 / تحميل: 77
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 5

مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
العربية

وهم المقصودون بالتهديد :( وَإِنَّا ) أي بما لنا من العظمة( عَلى أَنْ نُرِيَكَ ) أي قبل موتك( ما نَعِدُهُمْ ) من العذاب( لَقادِرُونَ ) ولما لاح من هذا أن أخذهم وتأخيرهم في الإمكان على حد سواء ، وكانوا يقولون ويفعلون ما لا صبر عليه إلا بمعونة من الله ، كان كأنه قال : فماذا أفعل فيما تعلم من أمرهم؟ فقال آمرا له بمداواته :( ادْفَعْ ) وفخم الأمر بالموصول لما فيه من الإيهام المشوق للبيان ثم بأفعل التفضيل فقال :( بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) أي من الأقوال والأفعال بالصفح والمداراة( السَّيِّئَةَ ) ثم خفف عنه ما يجد من ثقلها بقوله :( نَحْنُ أَعْلَمُ ) أي من كل عالم( بِما يَصِفُونَ ) في حقك وحقنا ، فلو شئنا منعناهم منه أو عاجلناهم بالعذاب وليس أحد بأغير منا فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل.

ولما كان الصبر عليه لا يطاق إلا به سبحانه ، أمره بالدعاء بذلك فقال :( وَقُلْ رَبِ ) أيها المحسن إليّ( أَعُوذُ بِكَ ) أي ألتجىء إليك( مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ ) أي أن يصلوا إليّ بوساوسهم التي هي كالنخس بالمهماز في الإقحام في السيئات والبعد عن مطلق الحسنات ، فكيف بالأحسن منها كما سلطتهم على الكافرين تؤزهم إلى القبائح أزا( وَأَعُوذُ بِكَ رَبِ ) أي أيها المربي لي( أَنْ يَحْضُرُونِ ) أي ولو لم تصل إليّ وساوسهم فإن حضورهم هلكة ، وبعدهم بركة ، لأنهم مطبوعون على الفساد لا ينفكون عنه.

ولما كان أضر أوقات حضورهم ساعة الموت ، وحالة الفوت ، فإنه وقت كشف الغطاء ، عما كتب من القضاء ، وآن اللقاء ، وتحتم السفول أو الارتقاء ، عقب ذلك بذكره تنبيها على بذل الجهد في الدعاء والتضرع للعصمة فيه فقال معلقا بقوله تعالى :( بَلْ لا يَشْعُرُونَ ) أو بمبلسون ، منبها بحرف الغاية على أنه سبحانه يمد في أزمانهم استدراجا لهم :( حَتَّى ) أو يكون التقدير كما يرشد إليه السياق : فلا أكون من الكافرين المطيعين للشياطين حتى( إِذا جاءَ ) وقدم المفعول ليذهب الوهم في فاعله كل مذهب فقال :( أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ ) فكشف له الغطاء ، وظهر له الحق ، ولاحت له بوارق العذاب ، ولم يبق في شيء من ذلك ارتياب( قالَ ) مخاطبا لملائكة العذاب على عادة جهله ووقوفه مع المحسوس دأب البهائم :( رَبِّ ارْجِعُونِ ) أي إلى الدنيا دار العمل ؛ ويجوز أن يكون الجمع لله تعالى وللملائكة ، أو للتعظيم على عادة في مخاطبات الأكابر لا سيما الملوك ، أو لقصد تكرير الفعل للتأكيد.

ولما كان في تلك الحالة على القطع من اليأس من النجاة لليأس من العمل لفوات داره مع وصوله إلى حد الغرغرة قال :( لَعَلِّي أَعْمَلُ ) أي لأكون على رجاء من أن

٢٢١

أعمل( صالِحاً فِيما تَرَكْتُ ) من الإيمان وتوابعه ؛ قال البغوي : قال قتادة : ما تمنى أن يرجع إلى أهله وعشيرته ولا ليجمع الدنيا ويقضي الشهوات ، ولكن تمنى أن يرجع ليعمل بطاعة الله ، فرحم الله امرأ عمل فيما يتمناه الكافر إذا رأى العذاب. وقال ابن كثير : كان العلاء بن زياد يقول : لينزلن أحدكم نفسه أنه قد حضره الموت فاستقال ربه فأقاله فليعمل بطاعة اللهعزوجل .

ولما كان القضاء قد قطع بأنه لا يرجع ، ولو رجع لم يعمل قال ردعا له وردا لكلامه :( كَلَّا ) أي لا يكون شيء من ذلك ، فكأنه قيل : فما حكم ما قال؟ فقال معرضا عنه إيذانا بالغضب :( إِنَّها كَلِمَةٌ ) أي مقالته( رَبِّ ارْجِعُونِ ) ـ إلى آخره ، كلمة( هُوَ قائِلُها ) وقد عرف منه الخداع والكذب فهي كما عهد منه لا حقيقة لها.

ولما كان التقدير : فهو لا يجاب إليها ، عطف عليه قوله ، جامعا معه كل من ماثله لأن عجز الجمع يلزم منه عجز الواحد :( وَمِنْ وَرائِهِمْ ) أي من خلفهم ومن أمامهم محيط بهم( بَرْزَخٌ ) أي حاجز بين ما هو فيه وبين الدنيا والقيامة مستمر لا يقدر أحد على رفعه( إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) أي تجدد بعثهم بأيسر أمر وأخفه وأهونه.

( فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ (١٠١) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ (١٠٤) )

ولما غيّى ذلك بالبعث فتشوفت النفس إلى ما يكون بعده ، وكان قد تقدم أن الناس ـ بعد أن كانوا أمة واحدة في الاجتماع على ربهم ـ تقطعوا قطعا ، وتحزبوا أحزابا ، وتعاضدوا بحكم ذلك وتناصروا ، قال نافيا لذلك :( فَإِذا نُفِخَ ) أي بأسهل أمر النفخة الثانية وهي نفخة النشور ، أو الثالثة للصعق( فِي الصُّورِ ) فقاموا من القبور أو من الصعق( فَلا أَنْسابَ ) وهي أعظم الأسباب( بَيْنَهُمْ ) يذكرونها يتفاخرون بها( يَوْمَئِذٍ ) لما دهمهم من الأمر وشغلهم من البأس ولحقهم من الدهش ورعبهم من الهول وعلموا من عدم نفعها إلا ما أذن الله فيه ، بل يفر الإنسان من أقرب الناس إليه ، وإنما أنسابهم الأعمال الصالحة( وَلا يَتَساءَلُونَ ) أي في التناصر لأنه انكشف لهم أن لا حكم إلا الله وأنه لا تغني نفس عن نفس شيئا ، فتسبب عن ذلك أنه لا نصرة إلا بالأعمال التي رحم الله بالتيسير لها ثم رحم بقبولها ، فلذلك قال :( فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ ) أي بالأعمال المقبولة ، ولعل الجمع لأن لكل عمل ميزانا يعرف أنه لا يصلح له غيره ، وذلك أدل على القدرة( فَأُولئِكَ ) أي خاصة ، ولعله جمع للبشارة بكثرة الناجي بعد أن أفرد الدلالة

٢٢٢

على كثرة الأعمال أو على عموم الوزن لكل فرد( هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) لأنهم المؤمنون الموصوفون( وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ ) لإعراضه عن تلك الأعمال المؤسسة على الإيمان( فَأُولئِكَ ) خاصة( الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ) لإهلاكهم إياها باتباعها شهواتها في دار الأعمال وشغلها بأهوائها عن مراتب الكمال ؛ ثم علل ذلك أو بينه بقوله :( فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ ) وهي دار لا ينفك أسيرها ، ولا ينطفىء سعيرها ؛ ثم استأنف قوله :( تَلْفَحُ ) أي تغشى بشديد حرها وسمومها ووهجها( وُجُوهَهُمُ النَّارُ ) فتحرقها فما ظنك بغيرها( وَهُمْ فِيها كالِحُونَ ) أي متقلصو الشفاه عن الأسنان مع عبوسة الوجوه وتجعدها وتقطبها شغل من هو ممتلىء الباطن كراهية لما دهمه من شدة المعاناة وعظيم المقاساة في دار التجهم ، كما ترى الرؤوس المشوية ، ولا يناقض نفي التساؤل هنا إثباته في غيره لأنه في غير التناصر بل في التلاوم والتعاتب والتخاصم على أن المقامات في ذلك اليوم طويلة وكثيرة ، فالمقالات والأحوال لأجل ذلك متباينة وكثيرة ، وسيأتي عن ابن عباس رضي الله عنهما في سورة الصافات نحو ذلك.

( أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ (١٠٦) رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ (١٠٧) قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) )

ولما جرت العادة بأن المعذب بالفعل يضم إليه القيل ، أجيب من قد يسأل عن ذلك بقوله :( أَلَمْ ) أي يقال لهم في تأنيبهم وتوبيخهم : ألم( تَكُنْ آياتِي ) التي انتهى عظمها إلى أعلى المراتب بإضافتها إليّ. ولما كان مجرد ذكرها كافيا في الإيمان ، نبه على ذلك بالبناء للمفعول :( تُتْلى عَلَيْكُمْ ) أي تتابع لكم قراءتها في الدنيا شيئا فشيئا. ولما كانت سببا للإيمان فجعلوها سببا للكفران ، قال :( فَكُنْتُمْ ) أي كونا أنتم عريقون فيه( بِها تُكَذِّبُونَ ) وقدم الظرف للإعلام بمبالغتهم في التكذيب ؛ ثم استأنف جوابهم بقوله :( قالُوا رَبَّنا ) أيها المسبغ علينا نعمه( غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا ) أي أهواؤنا التي قادتنا إلى سوء الأعمال التي كانت سببا ظاهرا للشقاوة.

ولما كان التقدير : فكنا معها كالمأسورين ، تؤزنا إليها الشياطين أزا ، عطف عليه قوله( وَكُنَّا ) أي بما جبلنا عليه( قَوْماً ضالِّينَ ) في ذلك عن الهدى ، أقوياء في موجبات الشقوة ، فكان سببا للضلال عن طريق السعادة.

ولما تضمن هذا الإقرار الاعتذار ، وكان ذلك ربما سوغ الخلاص ، وصلوا به

٢٢٣

قولهم :( رَبَّنا ) يا من عودنا بالإحسان( أَخْرِجْنا مِنْها ) أي النار تفضلا منك على عادة فضلك ، وردّنا إلى دار الدنيا لنعمل ما يرضيك( فَإِنْ عُدْنا ) إلى مثل تلك الضلالات( فَإِنَّا ظالِمُونَ ) فاستؤنف جوابهم بأن( قالَ ) لهم كما يقال للكلب :( اخْسَؤُا ) أي انزجروا زجر الكلب وانطردوا عن مخاطبتي ساكتين سكوت هوان( فِيها ) أي النار( وَلا تُكَلِّمُونِ ) أصلا ، فإنكم لستم أهلا لمخاطبتي ، لأنكم لم تزالوا متصفين بالظلم ، ومنه سؤالكم هذا المفهم لأن اتصافكم به لا يكون إلا على تقدير عودكم بعد إخراجكم.

ولما كانت الشماتة أسر السرور للشامت وأخزى الخزي للمشموت به ، علل ذلك بقوله :( إِنَّهُ كانَ ) أي كونا ثابتا( فَرِيقٌ ) أي ناس استضعفتموهم فهان عليكم فراقهم لكم وفراقكم لهم وظننتم أنكم تفرقون شملهم( مِنْ عِبادِي ) أي الذين هم أهل للإضافة إلى جنابي لخلوصهم عن الأهواء( يَقُولُونَ ) مع الاستمرار :( رَبَّنا ) أيها المحسن إلينا بالخلق والرزق( آمَنَّا ) أي أوقعنا الإيمان بجميع ما جاءتنا به الرسل لوجوب ذلك علينا لأمرك لنا به.

ولما كان عظم المقام موجبا لتقصير العابد ، وكان الاعتراف بالتقصير جابرا له قالوا :( فَاغْفِرْ لَنا ) أي استر بسبب إيماننا عيوبنا التي كان تقصيرنا بها( وَارْحَمْنا ) أي افعل بنا فعل الراحم من الخير الذي هو على صورة الحنو والشفقة والعطف.

ولما كان التقدير : فأنت خير الغافرين ، فإنك إذا سترت ذنبا أنسيته لكل أحد حتى للحفظة ، عطف عليه قوله :( وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ) لأنك تخلص من رحمته من كل شقاء وهوان ، بإخلاص الإيمان ، والخلاص من كل كفران.

ولما تسبب عن إيمان هؤلاء زيادة كفران أولئك قال :( فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا ) أي موضعا للهزء والتلهي والخدمة لكم ، قال الشهاب السمين في إعرابه : والسخرة ـ بالضم : الاستخدام ، وسخريا ـ بالضم منها والسخر بدون هاء : الهزء والمكسور منه يعني على القراءتين وفي النسبة دلالة على زيادة قوة في الفعل كالخصوصية والعبودية( حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ) أي لأنهم كانوا السبب في ذلك بتشاغلكم بالاستهزاء بهم واستعبادهم( ذِكْرِي ) أي أن تذكروني فتخافوني بإقبالكم بكليتكم على ذلك منهم.

ولما كان التقدير : فتركتموه فلم تراقبوني في أوليائي ، عطف عليه قوله :( وَكُنْتُمْ ) أي بأخلاق هي كالجبلة( مِنْهُمْ ) أي خاصة( تَضْحَكُونَ ) كأنهم لما صرفوا قواهم إلى الاستهزاء بهم عد ضحكهم من غيرهم عدما.

٢٢٤

( إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ (١١١) قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ (١١٣) )

ولما تشوفت النفس بعد العلم بما فعل بأعدائهم إلى جزائهم ، قال :( إِنِّي جَزَيْتُهُمُ ) أي مقابلة على عملهم( الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا ) أي على عبادتي ، ولم يشغلهم عنها تألمهم بأذاكم كما شغلكم عنها التذاذكم بإهانتهم ، فوزهم دونكم ، وهو معنى قوله :( أَنَّهُمْ هُمُ ) أي خاصة( الْفائِزُونَ ) أي الناجون الظافرون بالخير بعد الإشراف على الهلكة ، وغير العبارة لإفادة الاختصاص والوضوح والرسوخ ، وكسر الهمزة حمزة والكسائي على الاستئناف.

ولما كان الفائز ـ وهو الظافر ـ من لم يحصل له بؤس في ذلك الأمر الذي فاز به ، وكان قد أشار سبحانه بحرف الغاية وما شاكله إلى أنه مد لأهل الشقاء في الدنيا في الأعمار والأرزاق حتى استهانوا بعبادة السعداء ، فكان ربما قيل : إن أعداءهم فازوا بالاستهزاء بهم والرفعة عليهم في حال الدنيا ، وكان سبحانه قد أسلف ما يرد ذلك من الإخبار بأنه خلدهم في النار وأعرض عنهم وزجرهم عن كلامه ، وكان أنعم أهل الدنيا إذا غمس في النار غمسة ثم سئل عن نعيمه قال : ما رأيت نعيما قط ، فكان ذلك محزا لتقريع الأشقياء بسبب تضييع أيامهم وتنديمهم عليها. تشوف السامع إلى أنه هل يسألهم عن تنعيمه لهم في الدنيا الذي كان جديرا منهم بالشكر فقابلوه بالكفر والاستهزاء بأوليائه؟ فأجاب تشوفه ذلك مجهلا لهم ومندما ومنبها على الجواب أن فوزهم في الدنيا ـ لقلته التي هي أحقر من قطرة في جنب بحر ـ عدم ، بقوله :( قالَ ) تأسيفا على ما أضاعوا من عبادة يسيرة تؤرثهم سعادة لا انقضاء لها وارتكبوا من لذة قليلة أعقبتهم بؤسا لا آخر له ـ هذا على قراءة الجماعة ، وبين سبحانه بقراءة ابن كثير وحمزة والكسائي أن القول بواسطة بعض عباده الذين أقامهم لتعذيبهم إعراضا عنهم تحقيقا لما أشار إليه( وَلا تُكَلِّمُونِ ) فقال :( قالَ ) أي يا من أقمناه للانتقام ممن أردنا أي لهؤلاء الذين غرتهم الحياة الدنيا على ما يرون من قصر مدتها ولعبها بأهلها فكفروا بنا واستهزؤوا بعبادنا :( كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ ) على تلك الحال التي كنتم تعدونها فوزا( عَدَدَ سِنِينَ ) أنتم فيها ظافرون ولأعدائكم قاهرون ، ولعله عبر بما منه الإسنات الذي معناه القحط إشارة إلى أن أيام الدنيا ضيقة حرجة وإن كان فيها سعة ، ولا سيما للكفرة بكفرهم وخبثهم ومكرهم الذي جرهم إلى أضيق الضيق وأسوأ العيش( قالُوا ) استقصارا له في جنب ما رأوا من العذاب واستنقاذا لأنفسهم ظنا أن مدة لبثهم في النار تكون بمقدار مكثهم في الدنيا :( لَبِثْنا يَوْماً ) ولعلهم ذكروا العامل تلذذا بطول الخطاب ،

٢٢٥

أو تصريحا بالمراد دفعا للبس والارتياب ، ثم زادوا في التقليل فقالوا :( أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ. )

ولما كان المكرة في الدنيا إذا أرادوا تمشية كذبهم قالوا لمن أخبروه فتوقف في خبرهم : سل فلانا ، إيثاقا بإخبارهم ، وسترا لعوارهم ، جروا على ذلك تماديا منهم في الجهل بالعليم القدير في قولهم :( فَسْئَلِ ) أي لتعلم صدق خبرنا أو بسبب ترددنا في العلم بحقيقة الحال لتحرير حقيقة المدة( الْعادِّينَ ) ويحتمل أيضا قصد الترقيق عليهم بالإشارة إلى أن ما هم فيه من العذاب شاغل لهم عن أن يتصوروا شيئا حاضرا محسوسا ، فضلا عن أن يكون ماضيا ، فضلا عن أن يكون فكريا ، فكيف إن كان حسابا.

( قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦) وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (١١٧) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨) )

ولما كان ذلك على تقدير تسليمه لا ينفعهم لأن الجزاء بالعذاب على عزمهم على التمادي في العناد على مرّ الآباد ، المصدق منهم بالانهماك في الفساد ، أجابهم إلى قصدهم في عدهم بعبارة صالحة صادقة على مدة لبثهم طال أو قصر ، بقوله على طريق الاستئناف لمن تشوف إلى معرفة جوابهم :( قالَ ) أي الله على قراءة الجماعة ، وبينت قراءة حمزة والكسائي أن إسناد القول إليه سبحانه مجاز عن قول بعض عباده العظماء فقال على طريق الأول :( قالَ ) أي لهؤلاء الذين وقع الإعراض عنهم( إِنْ ) أي ما( لَبِثْتُمْ ) أي في الدنيا( إِلَّا قَلِيلاً ) أي هو من القلة بحيث لا يسمى بل هو عدم( لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ ) أي كونا هو كالجبلة( تَعْلَمُونَ ) أي في عداد من يعلم في ذلك الوقت ، لما آثرتم الفاني على الباقي ، ولأقبلتم على ما ينفعكم ، وتركتم الخلاعة التي لا يرضاها عاقل ، ولا يكون على تقدير الرضا بفعلها إلا بعد الفراغ من المهم ، ولكنكم كنتم في عداد البهائم ، وفي ذلك تنبيه للمؤمنين الذين هم الوارثون على الشكر على ما منحهم من السرور بإهلاك أعدائهم وإيراثهم أرضهم وديارهم ، مع إعزازهم والبركة في أعمارهم ، بعد إراحتهم منهم في الدنيا ، ثم بإدامة سعادتهم في الآخرة وشقاوة أعدائهم.

ولما كان حالهم في ظنهم أن لا بعث ، حتى اشتغلوا بالفرح ، والبطر والمرح ، والاستهزاء بأهل الله ، حال من يظن العبث على الله الملك الحق المبين ، سبب عن ذلك عطفا على قوله( فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا ) إنكاره عليهم في قوله :( أَفَحَسِبْتُمْ ) ويجوز أن

٢٢٦

يكون معطوفا على مقدر نحو : أحسبتم أنا نهملكم فلا ننصف مظلومكم من ظالمكم ، فحسبتم( أَنَّما خَلَقْناكُمْ ) أي على ما لنا من العظمة( عَبَثاً ) أي عابثين أو للعبث منا أو منكم ، لا لحكمة إظهار العدل والفضل ، حتى اشتغلتم بظلم أنفسكم وغيركم ؛ قال أبو حيان : والعبث : اللب الخالي عن فائدة.( وَأَنَّكُمْ ) أي وحسبتم أنكم( إِلَيْنا ) أي خاصة( لا تُرْجَعُونَ ) بوجه من الوجوه لإظهار القدرة والعظمة في الفصل ، وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره وأبو يعلى الموصلي في الجزء الرابع والعشرين من مسنده والبغوي في تفسيره عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه رقى رجلا مصابا بهذه الآية إلى آخر السورة في أذنيه فبرأ فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «والذي نفسي بيده! لو أن رجلا موقنا قرأ بها على جبل لزال»(١) وفي سندهما ابن لهيعة. قال ابن كثير : وروى أبو نعيم عن محمد ابن إبراهيم بن الحارث عن أبيه رضي الله عنه ، قال : بعثنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في سرية وأمرنا أن نقول إذا أمسينا وأصبحنا( أَفَحَسِبْتُمْ ) ـ الآية ، قال : فقرأناها فغنمنا وسلمنا.

ولما كان التقدير : ليس الأمر كما حسبتم ، علل ذلك بقوله :( فَتَعالَى اللهُ ) أي علا الذي له الجلال والجمال علوا كبيرا عن العبث ؛ ثم وصفه بما ينافي العبث فقال :( الْمَلِكُ ) أي المحيط بأهل مملكته علما وقدرة وسياسة ، وحفظا ورعاية.

ولما كان بعض ملوك الدنيا قد يفعل ما ينافي شيم الملوك من العبث بما فيه من الباطل ، أتبع ذلك بصفة تنزهه عنه فقال :( الْحَقُ )

أي الذي لا تطرق للباطل إليه في شيء من ذاته ولا صفاته ، فلا زوال له ولا لملكه فأنّى يأتيه العبث.

ولما كان الحق من حيث هو قد يكون له ثان ، نفى ذلك في حقه تعالى بقوله :( لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) فلا يوجد له نظير أصلا في ذات ولا صفة ، ومن يكون كذلك يكون حائزا لجميع أوصاف الكمال ، وخلال الجلال والجمال ، متعاليا عن سمات النقص ، والعبث من أدنى صفات النقص ، لخلوه عن الحكمة التي هي أساس الكمال ؛ ثم زاد في التعيين والتأكيد للتفرد بوصفه بصفة لا يدعيها غيره فقال :( رَبُّ الْعَرْشِ ) أي السرير المحيط بجميع الكائنات ، العالي عليها علوا لا يدانيه شيء ؛ ثم وصف العرش لأنه في سياق الحكم بالعدل والتنزه عن العبث بخلاف سياق براءة والنمل فإنه للقهر والجبروت بقوله :( الْكَرِيمِ ) أي الذي تنزل منه الخيرات الحاصلة للعباد ، مع شرف جوهره ،

__________________

(١) أخرجه أبو يعلى ٥٠٤٥ وأبو نعيم في الحلية ١ / ٧ وابن السني في اليوم والليلة ٦٣١ من حديث ابن مسعود في إسناده ابن لهيعة ضعيف وانظر المجمع ٥ / ١١٥ والمطالب العالية ٢٤٤٤.

٢٢٧

وعلى رتبته ، ومدحه أبلغ مدح لصاحبه ، والكريم من ستر مساوىء الأخلاق بإظهار معاليها وتنزه عن كل دناءة ؛ قال القزاز : وأصل الكرم في اللغة الفضل والرفعة. ولما كان التقدير : فمن دعا الله وحده فأولئك هم المفلحون الوارثون في الدارين ، عطف عليه قوله :( وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللهِ ) أي الملك الذي لا كفوء له لإحاطته بجميع صفات الكمال( إِلهاً ) ولما كانوا لتعنتهم ينسبون الداعي له سبحانه باسمين أو أكثر إلى الشرك ، قيد بقوله :( آخَرَ ) ثم أيقظ من سنة الغفلة ، ونبه على الاجتهاد والنظر في أيام المهلة ، بقول لا أعدل منه ولا أنصف فقال :( لا بُرْهانَ لَهُ ) ولما كان المراد ما يسمى برهانا ولو على أدنى الوجوه الكافية ، عبر بالباء سلوكا لغاية الإنصاف دون «على» المفهمة للاستعلاء بغاية البيان فقال :( بِهِ ) أي بسبب دعائه ذلك فإنه إذا اجتهد في إقامة برهان على ذلك لم يجد ، بل وجد البراهين كلها قائمة على نفي ذلك ، داعية إلى الفلاح باعتقاد التوحيد والصلاح ، هذا المراد ، لا أنه يجوز أن يقوم على شيء غيره برهان( فَإِنَّما حِسابُهُ ) أي جزاؤه الذي لا تمكن زيادته ولا نقصه( عِنْدَ رَبِّهِ ) الذي رباه ، ولم يربه أحد سواه ، وغمره بالإحسان ، ولم يحسن إليه أحد غيره ، الذي هو أعلم بسريرته وعلانيته منه نفسه ، فلا يخفى عليه شيء من أمره.

ولما أفهم كون حسابه عند هذا المحسن أحد أمرين : إما الصفح بدوام الإحسان ، وإما الخسران بسبب الكفران ، قال على طريق الجواب لمن يسأل عن ذلك :( إِنَّهُ لا يُفْلِحُ ) ووضع( الْكافِرُونَ ) موضع ضميره تنبيها على كفره وتعميما للحكم ، فصار أول السورة وآخرها مفهما لأن الفلاح مختص به المؤمنون.

ولما كان الأمر كذلك ، أمر سبحانه نبيهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بالاجتهاد في إنقاذ عباده حتى بالدعاء لله في إصلاحهم ليكون الختم بالرحمة للمؤمنين ، كما كان الافتتاح بفلاحهم ، فقال عاطفا على قوله( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) فإنه لا إحسان أحسن من الغفران ، أو على معنى( قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ ) الذي بينته قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي بالأمر :( وَقُلْ ، ) أو يكون التقدير : فأخلص العبادة له( وَقُلْ ) لأجل أن أحدا لا يقدره حق قدره :( رَبِ ) أيها المحسن إليّ( اغْفِرْ وَارْحَمْ ) أي أكثر من تعليق هاتين الصفتين في أمتي لتكثرها ، فإن في ذلك شرفا لي ولهم ، فأنت خير الغافرين( وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ) فمن رحمته أفلح بما توفقه له من امتثال ما أشرت إليه أول السورة ، فكان من المؤمنين ، فكان من الوارثين الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون ، فقد انطبق على الأول هذا الآخر بفوز كل مؤمن ، وخيبة كل كافر ، نسأل الله تعالى أن يكون لنا أرحم راحم وخير غافر ، إنه المتولي للسرائر ، والمرجو لإصلاح الضمائر ـ آمين.

٢٢٨

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة النور

مدنية ـ آياتها أربع وستون

( سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) )

مقصودها مدلول اسمها المودع قلبها المراد منه أنه تعالى شامل العلم ، اللازم منه تمام القدرة ، اللازم منه إثبات الأمور على غاية الحكمة ، اللازم منه تأكيد الشرف للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، اللازم منه شرف من اختاره لصحبته على منازل قربهم منه واختصاصهم به ، اللازم منه غاية النزاهة والشرف والطهارة لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها التي مات النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو عنها راض ، وماتت هي رضي الله عنها صالحة محسنة ، وهذا هو المقصود بالذات ولكن إثباته محتاج إلى تلك المقدمات( بِسْمِ اللهِ ) الذي تمت كلمته فبهرت قدرته( الرَّحْمنِ ) الذي ظهرت الحقائق كلها بشمول رحمته( الرَّحِيمِ ) الذي شرف من اختاره بخدمته.

لما تقدم في التي قبلها تحريم الزنى والحث على الصيانة ، وختم تلك الآية بذكر الجنة المتضمن للبعث ، استدل عليه وذكر ما يتبعه من تهديد وعمل إلى أن فرغت السورة وأخبر في آخرها بتبكيت المعاندين يوم الندم بقوله( أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ ) [المؤمنون : ١٠٥] وبقوله( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً ) [المؤمنون : ١١٥] كل ذلك رحمة منه لخلقه ليرجع منهم من قضى بسعادته ، ثم ختم بقوله( وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ) [المؤمنون : ١١٨] فابتدأ سبحانه هذه السورة بأنه منّ على المخاطبين ببيان ما خلقوا له من الأحكام لأنهم لم يخلقوا سدى ، بل لتكاليف تعبدهم بها ترفع التنازع وتحسم مادة الشر ، فتوجب الرحمة والعطف بسلامة الصدر بما فيهم من الجنسية ، فقال مخبرا عن مبتدإ تقديره : هذه( سُورَةٌ ) أي عظيمة ؛ ثم رغب في امتثال

٢٢٩

ما فيها مبينا أن تنوينها للتعظيم بقوله :( أَنْزَلْناها ) أي بما لنا من العظمة وتمام العلم والقدرة( وَفَرَضْناها ) أي قررناها وقدرناها وأكثرنا فيها من الفروض وأكدناها( وَأَنْزَلْنا فِيها ) بشمول علمنا( آياتٍ ) من الحدود والأحكام والمواعظ والأمثال وغيرها ، مبرهنا عليها( بَيِّناتٍ ) لا إشكال فيها رحمة منا لكم ، فمن قبلها دخل في دعوة نبيناصلى‌الله‌عليه‌وسلم التي لقناه إياها في آخر تلك فرحمه خير الراحمين ، ومن أباها ضل فدخل في التبكيت بقولنا( أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ ) [المؤمنون : ١٠٥] ونحوه ، وذلك معنى قوله :( لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) أي لتكونوا ـ إذا تأملتموها مع ما قبلها من الآيات المرققة والقصص المحذرة ـ على رجاء ـ عند من لا يعلم العواقب ـ من أن تتذكروا ولو نوعا من التذكر ـ كما أشار إليه الإدغام ـ بما ترون فيها من الحكم أن الذي نصبها لكم وفصلها إلى ما ترون لا يترككم سدى ، فتقبلوا على جميع أوامره ، وتنتهوا عن زواجره ، ليغفر لكم ما قصرتم فيه من طاعته ، ويرحمكم بتنويل ما لا وصول لكم إليه إلا برحمته ، وتتذكروا أيضا بما يبين لكم من الأمور ، ويكشف عنه الغطاء من الأحكام التي اغمت عنها حجب النفوس ، وسترتها ظلمات الأهوية ـ ما جبل عليه الآدميون ، فتعلموا أن الذي تحبون أن يفعل معكم بحب غيركم أن تفعلوه معه ، والذي تكرهونه من ذلك يكرهه غيركم ، فيكون ذلك حاملا لكم على النصفة فيثمر الصفاء ، والألفة والوفاء ، فتكونوا من المؤمنين المفلحين الوارثين الداخلين في دعوة البشير النذير بالرحمة.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في برهانه : لما قال تعالى( وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ ) [المؤمنون : ٥] ثم قال تعالى( فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ ) [المؤمنون : ٧] استدعى الكلام بيان حكم العادي في ذلك ، ولم يبين فيها فأوضحه في سورة النور فقال تعالى( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي ) ـ الآية ، ثم أتبع ذلك بحكم اللعان والقذف وانجرّ مع ذلك الإخبار بقصة الإفك تحذيرا للمؤمنين من زلل الألسنة رجما بالغيب( وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ ) وأتبع ذلك بعد بوعيد محبّي شياع الفاحشة ، في المؤمنين بقوله تعالى( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ ) [النور : ٢٣] الآيات ، ثم بالتحذير من دخول البيوت إلا بعد الاستئذان المشروع ، ثم بالأمر بغض الأبصار للرجال والنساء ونهى النساء عن إبداء الزينة إلا لمن سمى الله سبحانه في الآية ، وتكررت هذه المقاصد في هذه السورة إلى ذكر حكم العورات الثلاث ، ودخول بيوت الأقارب وذوي الأرحام ، وكل هذا مما تبرأ ذمة المؤمن بالتزام ما أمر الله فيه من ذلك والوقوف عند ما حده تعالى من أن يكون من العادين المذمومين في قوله تعالى( فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ ) [المؤمنون : ٧]. وما تخلل الآي المذكورات

٢٣٠

ونسق عليها مما ليس من الحكم المذكور فلاستجرار الآي إياه واستدعائه ، ومظنة استيفاء ذلك وبيان ارتباطه التفسير ، وليس من شرطنا هنا ـ والله سبحانه وتعالى يوفقنا لفهم كتابه ـ انتهى.

ولما كان مبنى هذه الدار على الأنساب في التوارث والإمامة والنكاح وغير ذلك ، ومبنى تلك الدار على الأعمال لقوله تعالى( فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ ) [المؤمنون : ١٠١] وكان قد حث في آخر تلك على الستر والرحمة ، حذر سبحانه رحمة منه في أول هذه من لبس الأنساب ، وكسب الأعراض وقطع الأسباب ، معلما أن الستر والرقة ليسا على عمومهما ، بل على ما يحده سبحانه ، فقال مخاطبا للأئمة ومن يقيمونه :( الزَّانِيَةُ ) وهي من فعلت الزنى ، وهو إيلاج فرج في فرج مشتهى طبعا محرم شرعا ، وقدمها لأن أثر الزنى يبدو عليها من الحبل وزوال البكارة ، ولأنها أصل الفتنة بهتك ما أمرت به من حجاب التستر والتصون والتحذر( وَالزَّانِي ) .

ولما كان «ال» بمعنى الاسم الموصول ، أدخل الفاء في الخبر فقال :( فَاجْلِدُوا ) أي فاضربوا وإن كان أصله ضرب الجلد بالسوط الذي هو جلد( كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما ) إذا لم يكن محصنا ، بل كان مكلفا بكرا ـ بما بينته السنة الشريفة( مِائَةَ جَلْدَةٍ ) فبدأ بحد الزنى المشار إليه أول تلك بقوله تعالى( فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ ) [المؤمنون : ٧] وفي التعبير بلفظ الجلد الذي هو ضرب الجلد إشارة إلى أنه لا يكون مبرحا بحيث يتجاوز الألم إلى اللحم.

ولما كان هذا ظاهرا في ترك الشفقة عليهما ، صرح به لأن من شأن كل من يجوز على نفسه الوقوع في مثل ذلك أن يرحمهما فقال :( وَلا تَأْخُذْكُمْ ) أي على حال من الأحوال( بِهِما رَأْفَةٌ ) أي لين ، ولعله عبر بها إعلاما بأنه لم ينه عن مطلق الرحمة ، لأن الرأفة أشد الرحمة أو أرقها وتكون عن أسباب من المرؤوف به ، وكذا قوله :( فِي دِينِ اللهِ ) أي الذي شرعه لكم الملك المحيط بصفات الكمال ـ إشارة إلى أن الممنوع منه رحمة تؤدي إلى ترك الحد أو شيء منه أو التهاون به أو الرضى عن منتهكه لا رقة القلب المطبوع عليها البشر كما يحكى عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه بكى يوم فتحت قبرص وضربت رقاب ناس من أسراها فقيل له : هذا يوم سرور ، فقال : هو كذلك ، ولكني أبكي رحمة لهؤلاء العباد الذين عصوا الله فخذلهم وأمكن منهم.

ولما علم سبحانه ما طبع عليه عباده من رحمة بعضهم لبعض فحث على هذا الحكم بالأمر والنهي ، زاد في التهييج إليه والحض عليه بقوله :( إِنْ كُنْتُمْ ) أي بما هو كالجبلة التي لا تنفك( تُؤْمِنُونَ بِاللهِ ) أي الملك الأعظم الذي هو أرحم الراحمين ، فما

٢٣١

شرع ذلك إلا رحمة للناس عموما وللزانيين خصوصا ، فمن نقص سوطا فقد ادعى أنه أرحم منه ، ومن زاد سوطا فقد ظن أنه أحكم وأعظم منه.

ولما ذكر بالإيمان الذي من شرطه التزام الأحكام ، وكان الرجاء غالبا على الإنسان ، أتبعه ما يرهبه فقال :( وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) الذي يحاسب فيه على النقير والقطمير والخفي والجلي. ولما كان الخزي والفضيحة أعظم عند بعض الناس من ضرب السيف فضلا عن ضرب السوط قال :( وَلْيَشْهَدْ ) أي يحضر حضورا تاما( عَذابَهُما طائِفَةٌ ) أي جماعة يمكن إطافتها أي تحلقها وحفوفها بكل منهما( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) العريقين إشهارا لأمرهما نكالا لهما ، وعن نصر بن علقمة أن ذلك ليدعى لهما بالتوبة والرحمة. وفي كل هذا إشارة ظاهرة إلى أن إقامة الحدود والغلظة فيها من رحمته سبحانه المشار إليها بقوله( وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ) [المؤمنون : ١١٨].

( الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلاَّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلاَّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣) )

ولما كان في ذلك من الغلظة على الزاني لما ارتكب من الحرام المتصف بالعار ما يفهم مجانبته ، صرح به ، مانعا من نكاح المتصف بالزنى من ذكر وأنثى ، إعلاما بأن وطء من اتصف به من رجل أو امرأة لا يكون إلا زنى وإن كان بعقد ، فقال واصلا له بما قبله :( الزَّانِي لا يَنْكِحُ ) أي لا يتزوج( إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ) أي المعلوم اتصافه بالزنى مقصور نكاحه على زانية أو مشركة ، وذلك محرم ، فهذا تنفير للمسلمة عن نكاح المتصف بالزنى حيث سويت بالمشركة إن عاشرته ، وذلك يرجع إلى أن من نكحت زانيا فهي زانية أو مشركة ، أي فهي مثله أو شر منه ، ولو اقتصر على ذلك لم يكن منع من أن ينكح العفيف الزانية ، فقال تعالى مانعا من ذلك :( وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها ) أي لا يتزوجها( إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ) أي والمعلوم اتصافها بالزنى مقصور نكاحها على زان أو مشرك ، وذلك محرم فهو تنفير للمسلم أن يتزوج من اتصفت بالزنى حيث سوى في ذلك بالمشرك ، وهو يرجع إلى أن من نكح زانية فهو زان أو مشرك ، أي فهو مثلها أو شر منها ، وأسند النكاح في الموضعين إلى الرجل تنبيها إلى أن النساء لا حق لهن في مباشرة العقد ؛ ثم صرح بما أفهمه صدر الآية بقوله مبنيا للمفعول لأن ذلك يكفي المؤمن الذي الخطاب معه :( وَحُرِّمَ ذلِكَ ) أي نكاح الزاني والزانية تحريما لا مثنوية فيه( عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) وعلم من هذا أن ذكر المشرك والمشركة لزيادة التنفير ، ثم إن هذا الحكم فسخ كما قال إمامنا الشافعيرحمه‌الله موافقة لابن المسيب بقوله تعالى( وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ ) [النور : ٣٢] وهو جمع أيم وهو من لا زوج له من الذكور والإناث ، فأحل للزاني أن ينكح من

٢٣٢

شاء ، وللزانية أن تنكح من شاءت ، وقراءة من قرأ( لا يَنْكِحُ ) بالنهي راجعة إلى هذا ، لأن الطلب قد يجيء للخبر كما يجيء الخبر للطلب ـ والله أعلم ؛ قال الشافعيرحمه‌الله تعالى ورضي الله عنه في الأم في جزء مترجم بأحكام القرآن وفي جزء بعد كتاب الحج الكبير والصغير والضحايا : ما جاء في نكاح المحدثين ، فذكر الآية وقال : اختلف أهل التفسير في هذه الآية اختلافا متباينا ، أخبرنا مسلم بن خالد عن ابن جريج عن مجاهد أن هذه الآية نزلت في بغايا من بغايا الجاهلية كانت على منازلهن رايات ، قال في الجزء الآخر : وكن غير محصنات ، فأراد بعض المسلمين نكاحهن فنزلت الآية بتحريم أن ينكحن إلا من أعلن بمثل ما أعلن به أو مشركا ، وقيل : كن زواني مشركات فنزلت لا ينكحهن إلا زان مثلهن مشرك ، أو مشرك وإن لم يكن زانيا ، وحرم ذلك على المؤمنين ، وقيل : هي عامة ولكنها نسخت ، أخبرنا سفيان عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه قال : هي منسوخة نسختها( وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ ) [النور : ٣٢] فهي من أيامى المسلمين ، فهذا كما قال ابن المسيب إن شاء الله تعالى ، وعليه دلائل من الكتاب والسنة ، ثم استدل على فساد غير هذا القول بأن الزانية إن كانت مشركة فهي محرمة على زناة المسلمين وغير زناتهم بقوله تعالى( وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَ ) [البقرة : ٢٢١] ولا خلاف في ذلك ، وإن كانت مسلمة فهي بالإسلام محرمة على جميع المشركين بكل نكاح بقوله تعالى( فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَ ) [الممتحنة : ١٠] ولا خلاف في ذلك أيضا ، وبأنه لا اختلاف بين أحد من أهل العلم أيضا في تحريم الوثنيات عفائف كن أو زواني على من آمن زانيا كان أو عفيفا ، وبأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم جلد بكرا في الزنى وجلد امرأة ولم نعلمه قال للزاني : هل لك زوجة فتحرم عليك إذا زنيت ، ولا يتزوج هذا الزاني ولا الزانية إلا زانية أو زانيا ، بل قد يروى أن رجلا شكا من امرأته فجورا فقال : طلقها ، قال : إني أحبها ، قال : استمتع بها ـ يشير إلى ما رواه أبو داود والنسائي وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلا جاء إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : «إن امرأتي لا تمنع يد لامس ، قال : طلقها ، قال : إني لا أصبر عنها ، قال ، فأمسكها»(١) ورواه البيهقي والطبراني من حديث جابر رضي الله عنه ، وقال شيخنا ابن حجر : إنه حديث حسن صحيح ـ انتهى. قال الشافعي : وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لرجل أراد أن ينكح امرأة أحدثت :

__________________

(١) أخرجه النسائي ٦ / ١٦٩ و١٧٠ عن ابن عباس رضي الله عنهما.

وفي الحديث خلاف. انظر التلخيص لابن حجر رحمه‌الله تعالى ٣ / ٢٢٥ وقد ذهب الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه أنه لا يصح في الباب شيء ولا أصل لذلك والله تعالى أعلم.

٢٣٣

أنكحها نكاح العفيفة المسلمة ـ انتهى بالمعنى. وقال في الجزء الذي بعد الحج : فوجدنا الدلالة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في زانية وزان من المسلمين لم نعلمه حرم على واحد منهما أن ينكح غير زانية ولا زان ، ولا حرم واحدا منهما على زوجه ؛ ثم قال : فالاختيار للرجل أن لا ينكح زانية وللمرأة أن لا تنكح زانيا ، فإن فعلا فليس ذلك بحرام على واحد منهما ، ليست معصية واحد منهما في نفسه تحرم عليه الحلال إذا أتاه ، ثم قال : وسواء حد الزاني منهما أو لم يحد ، أو قامت عليه بينة أو اعترف ، لا يحرم زنى واحد منهما ولا زناهما ولا معصية من المعاصي الحلال إلا أن يختلف ديناهما بشرك وإيمان ـ انتهى. وقد علم أنه لم يرد أن هذا الحكم نسخ بآية الأيامى فقط ، بل بما انضم إليها من الإجماع وغيره من الآيات والأحاديث بحيث صير ذلك دلالتها على ما تناولته متيقنا كدلالة الخاص على ما تناوله ، فلا يقال : إن الشافعيرحمه‌الله خالف أصله في أن الخاص لا ينسخ بالعام ، لأن ما تناوله الخاص متيقن ، وما تناوله العام ظاهر مظنون ، وكان هذا الحكم ـ وهو الحرمة في أول الإسلام بعد الهجرة ـ لئلا يغلب حال المفسد على المصلح فيختل بعض الأمر كما أشير إليه في البقرة( وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ ) [البقرة : ٢٢١] وفي المائدة عند( وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ) [المائدة : ٥] وهو من وادي قوله :

عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه

فكل خليل بالمخالل يقتدي

والجنسية علة الضم ، والمشاكلة سبب المواصلة ، والمخالفة توجب المباعدة وتحرم المؤالفة ، وقد روى أبو داود في الأدب والترمذي في الزهد ـ وقال : حسن غريب ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل».(١) وروى الإمام أبو يعلى الموصلي في مسنده قال : حدثنا يحيى بن معين حدثنا سعيد بن الحكم حدثنا يحيى بن أيوب حدثني يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن قالت : كانت امرأة بمكة مزاحة ، يعني فهاجرت إلى المدينة الشريفة ، فنزلت على امرأة شبه لها ، فبلغ ذلك عائشة رضي الله عنها فقالت : صدق حبي! سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «الأرواح جنود مجندة ، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف»(٢) قال : ولا أعلم إلا قال في الحديث : ولا نعرف تلك المرأة ، وسيأتي عند( وَالطَّيِّباتُ

__________________

(١) أخرجه أحمد ٢ / ٣٠٣ و٢٣٤ والترمذي ٢٣٧٨ وأبو داود ٤٨٣٣ والحاكم ١٧١ / ٤ عن أبي هريرة.

وصححه الحاكم ، ووافقه الذهبي ، وقال الترمذي : حسن صحيح.

(٢) أورده الهيثمي في المجمع ٨ / ٨٨ من رواية أبي يعلى ، وقال : رجاله رجال الصحيح ، وسيأتي في تخريجه في المكان الذي رغب المؤلفرحمه‌الله في إيراده فيه.

٢٣٤

لِلطَّيِّبِينَ ) تخريج «الأرواح جنود مجندة» وقال الإمام أبو بكر أحمد بن مروان الدينوري في كتاب المجالسة : حدثنا أحمد بن علي الخزاز حدثنا مصعب بن عبد الله عن أبي غزية الأنصاري قال : قال الشعبي : يقال : إن لله ملكا موكلا بجمع الأشكال بعضها إلى بعض ـ انتهى. وعزاه شيخنا الحافظ أبو الفضل بن حجر في تخريج أحاديث مسند الفردوس إلى أنس رضي الله عنه وقال : بتأليف الأشكال. ويروى أن أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب رضي الله عنه خطب أهل الكوفة بعد ثلاثة أيام من مقدمه عليهم فقال : يا أهل الكوفة ، قد علمنا شراركم من خياركم ، فقالوا : كيف وما لك إلا ثلاثة أيام؟ فقال : كان معنا شرار وخيار ، فانضم خيارنا إلى خياركم ، وشرارنا إلى شراركم ، فلما تقررت الأحكام ، وأذعن الخاص والعام ، وضرب الدين بجرانه ، ولم يخش وهي شيء من بنيانه ، نسخت الحرمة ، وبقيت الكراهة أو خلاف الأولى ـ والله الموفق. وهذا كله توطئة لبراءة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها كما يأتي إيضاحه عنه( وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ ) لأنها قرينة خير العالمين وأتقاهم وأعفهم ، ولأن كلّا منها ومن صفوان رضي الله عنهما بعيد عما رمى به شهير بضده ، وإليه الإشارة «بقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : من يعذرني من رجل بلغ أذاه في أهلي ، والله ما علمت على أهلي إلا خيرا ، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا». وفي رواية : «ما علمت عليه من سوء قط ، ولا دخل بيتي قط إلا وأنا حاضر». وبقول عائشة رضي الله عنها عن صفوان رضي الله عنه : إنه قتل شهيدا في سبيل الله(١) . وهذا سوى الآيات المصرحة والأعلام المفصحة ، فهو( وَالطَّيِّبُونَ ) تلويح قبل بيان ، وتصريح وإشارة بعد عبارة وتوضيح ، ليجتمع في براءة الصديقة رضي الله عنها دليلان عقليان شهوديان اكتنفا الدليل النقلي فكانا سورا عليه ، وحفظا من تصويب طعن إليه ، وفي ذلك من فخامة أمرها وعظيم قدرها ما لا يقدره حق قدره إلا الذي خصها به.

( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (٨) وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩) وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠) إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ

__________________

(١) هو جزء من حديث الإفك المشهور الذي أخرجه البخاري ٤٧٥٠ والترمذي ٣١٨٠ وأحمد ٦ / ١٩٤ و١٩٥ و١٩٦ و١٩٧ و١٩٨ عن عائشة رضي الله تعالى عنها.

٢٣٥

عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١) )

ولما نفر سبحانه من نكاح من اتصف بالزنى من رجل أو امرأة ، وبدأ ـ لأن نكاح المرأة للزاني مظنة لزناها ـ بتنفير الإناث بما يوهم جواز إطلاق الزنى عليهن بمجرد نكاح من علم زناه ، وذلك بعد أن ابتدأ في حد الزنى بالأنثى أيضا لأن زناها أكبر شرا ، وأعظم فضيحة وضرا ، عطف على ذلك تحريم القذف بما يوجب تعظيم الرغبة في الستر وصيانة الأعراض وإخفاء الفواحش ، فقال ذاكرا الجمع لأن الحكم بإقامة الحد عليه يفهم إقامة الحد على الواحد من باب الأولى ولا إيهام فيه لأن الجمع إذا قوبل بالجمع أفهم التوزيع :( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ ) أي بالزنى( الْمُحْصَناتِ ) جمع محصنة ، وهي هنا المسلمة الحرة المكلفة العفيفة ، والمراد القذف بالزنى بما أرشد إليه السياق سابقا ولا حقا ، ذكورا كان الرامون أو إناثا بما أفهمه الموصول ، وخص الإناث وإن كان الحكم عاما للرجال تنبيها على عظيم حق أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ، ولأن الكلام في حقهن أشنع.

ولما كان إقدام المجترىء على القذف مع ما شرطه فيه لدرء الحد إرادة الستر ـ بعيدا ، أشار إليه بأداة التراخي فقال :( ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا ) أي إلى الحاكم( بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ ) ذكور( فَاجْلِدُوهُمْ ) أيها المؤمنون من الأئمة ونوابهم( ثَمانِينَ جَلْدَةً ) لكل واحد منهم ، لكل محصنة ، إن لم يكن القاذف أصلا ، إن كانوا أحرارا ، وحد العبد نصف ذلك لآية النساء( فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ) [النساء : ٢٥] فهذه الآية مخصوصة بتلك إذ لا فرق بين الذكر والأنثى ولا بين حد الزنى وحد القذف( وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ ) أي بعد قذفهم على هذا الوجه( شَهادَةً ) أي شهادة كانت( أَبَداً ) للحكم بافترائهم ، ومن ثبت افتراؤه سقط الوثوق بكلامه.

ولما كان التقدير : فإنهم قد افتروا ، عطف عليه تحذيرا من الإقدام عن غير تثبت :( وَأُولئِكَ ) أي الذين تقدم ذمهم بالقذف فسفلت رتبتهم جدا( هُمُ الْفاسِقُونَ ) أي المحكوم بفسقهم الثابت لهم هذا الوصف وإن كان القاذف منهم محقا في نفس الأمر.

ولما كان من أصل الشافعيرحمه‌الله أن الاستثناء المتعقب للجمل المتواصلة المتعاطفة بالواو عائد إلى الجميع سواء كانت من جنس أو أكثر إلا إذا منعت قرينة ، أعاد الاستثناء هنا إلى الفسق ورد الشهادة دون الحكم بالجلد ، لأن من تمام التوبة الاستسلام للحد والاستحلال منه ، ولقرينة كونه حق آدمي وهو لا يسقط بالتوبة ، في قوله تعالى :( إِلَّا الَّذِينَ تابُوا ) أي رجعوا عما وقعوا فيه من القذف وغيره وندموا عليه وعزموا على

٢٣٦

أن لا يعودوا كما بين في البقرة في قوله تعالى( إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا ) [البقرة : ١٦٠] وأشار إلى أن الجلد لا يسقط بالتوبة بقوله مشيرا بإدخال الجار إلى أن قبولها لا يتوقف على استغراقها الزمان الآتي :( مِنْ بَعْدِ ذلِكَ ) أي الأمر الذي أوجب إبعادهم وهو الرمي والجلد ، فإن التوبة لا تغير حكم الرامي في الجلد ، وإنما تغيره في رد الشهادة وما تسببت عنه وهو الفسق ، وأشار إلى شروط التوبة بقوله :( وَأَصْلَحُوا ) أي بعد التوبة بمضي مدة يظن بها حسن الحال ، وهي سنة يعتبر بها حال التائب بالفصول الأربعة التي تكشف الطباع.

ولما كان استثناؤهم من رد الشهادة والفسق ، فكان التقدير : فاقبلوا شهادتهم ولا تصفوهم بالفسق ، علله بقوله :( فَإِنَّ اللهَ ) أي الذي له صفات الكمال( غَفُورٌ ) أي ستور لهم ما أقدموا عليه لرجوعهم عنه( رَحِيمٌ ) أي يفعل بهم من الإكرام فعل الراحم بالمرحوم في قبول الشهادة.

ولما كان لفظ المحصنات عاما للزوجات ، وكان لهن حكم غير ما تقدم ، أخرجهن بقوله :( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ ) أي بالزنى( أَزْواجَهُمْ ) أي من المؤمنات الأحرار والإماء والكافرات( وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ ) بذلك( شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ ) وهذا يفهم أن الزوج إذا كان أحد الأربعة كفى ، لكن يرد هذا المفهوم كونه حكاية واقعة لا شهود فيها ، وقوله في الآية قبلها :( ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ ) فإنه يقتضي كون الشهداء غير الرامي ، ولعله استثناه من الشهداء لأن لعانه يكون بلفظ الشهادة ، ومذهب الشافعي رضي الله عنه أنه لا يقبل في ذلك على زوجته ـ قال ابن الرفعة في الكفاية : لأمرين : أحدهما أن الزنى تعرض لمحل حق الزوج ، فإن الزاني مستمتع بالمنافع المستحقة له ، فشهادته في صفتها تتضمن إثبات جناية الغير على ما هو مستحق له فلم تسمع ، كما إذا شهد أنه جنى على عبده ، والثاني أن من شهد بزنى زوجته فنفس شهادته تدل على إظهار العداوة ، لأن زناها يوغر صدره بتلطيخ فراشه وإدخال العار عليه وعلى ولده ، وهو أبلغ في العداوة من مؤلم الضرب وفاحش السب ، قال القاضي الحسين : وإلى هذه العلة أشار الشافعيرحمه‌الله وهي التي حكاها القاضي أبو الطيب في باب حد قاطع الطريق عن الشيخ أبي حامد.( فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ ) أي على من رماها( أَرْبَعُ شَهاداتٍ ) من خمس في مقابلة أربعة شهداء( بِاللهِ ) أي مقرونة بهذا الاسم الكريم الأعظم الموجب لاستحضار جميع صفات الجلال والجمال( إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ) أي فيما قذفها به( وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللهِ ) أي الملك الأعظم( عَلَيْهِ ) أي هذا القاذف نفسه( إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ ) فيما رماها به ، ولأجل قطعه بهذه الأيمان الغليظة بصدقه وحكم الله بخلاصه انتفى عنه الولد ، فلزم من نفيه الفرقة المؤبدة من غير لفظ لعدم صلاحيتها أن تكون فراشا له ، لأن

٢٣٧

الولد للفراش ، ولا يصح اللعان إلا عند حاكم ، ولا يخفى ما في هذا من الإبعاد عن القذف بوجوب مزيد الاحتياط ، لما في ذلك من التكرير والاقتران بالاسم الأعظم ، والجمع بين الإثبات وما يتضمن النفي ، والدعاء باللعن المباعد لصفة المؤمن ، فإذا فعل الزوج ذلك سقط عنه العذاب بحد القذف وأوجبه على المقذوفة ، فلذلك قال تعالى :( وَيَدْرَؤُا ) أي يدفع( عَنْهَا ) أي المقذوفة( الْعَذابَ ) أي المعهود ، وهو الحد الذي أوجبه عليها ما تقدم من شهادة الزوج( أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ ) من خمس( بِاللهِ ) الذي له جميع الأسماء الحسنى والصفات العلى كما تقدم في الزوج( إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ ) فيما قاله عنها( وَالْخامِسَةَ ) من الشهادات( أَنَّ غَضَبَ اللهِ ) الذي له الأمر كله فلا كفوء له( عَلَيْها ) وهو أبلغ من اللعن الذي هو الطرد ، لأنه قد يكون بسبب غير الغضب ، وسبب التغليظ عليها الحث على اعترافها بالحق لما يعضد الزوج من القرينة من أنه لا يتجشم فضيحة أهله المستلزم لفضيحته إلا وهو صادق ، ولأنها مادة الفساد ، وهاتكة الحجاب ، وخالطة الأنساب( إِنْ كانَ ) أي كونا راسخا( مِنَ الصَّادِقِينَ ) أي فيما رماها به ؛ روى البخاري في التفسير وغيره عن ابن عباس وغيره رضي الله عنهم أن هلال بن أمية رضي الله عنه قذف امرأته عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بشريك بن سحماء رضي الله عنه فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم «البينة وإلا حدا في ظهرك ، قال : يا رسول الله! إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : البينة وإلا حدا في ظهرك ، فقال هلال : والذي بعثك بالحق! إني لصادق ، ولينزلن الله ما يبرىء ظهري من الحد ، فنزل جبريلعليه‌السلام وأنزل عليه( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ ) فقرأ حتى بلغ( إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) فانصرف النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فأرسل إليهما ، فجاء هلال فشهد والنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «إن الله يعلم أن أحدكما كاذب ، فهل منكما تائب؟ ثم قامت فشهدت ، فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا : إنها موجبة ، فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع ، ثم قالت : لا أفضح قومي سائر اليوم. فمضت ، وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج الساقين فهو لشريك بن سحماء ، فجاءت به كذلك ، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم :لو لا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن »(١) وقد روى البخاري أيضا عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن سبب نزولها قصة مثل هذه لعويمر ،(٢) وقد تقدم أنه لا يمتنع أن يكون للآية الواحدة عدة أسباب معا أو متفرقة.

__________________

(١) أخرجه أحمد ١ / ٢٣٨ و٢٣٩ والبخاري ٤٧٤٧ والترمذي ٣١٧٩ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.

(٢) أخرجه البخاري ٤٧٤٥ عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه وفي الباب عن ابن عمر رضي الله عنهما عند الترمذي ٣١٨٨.

٢٣٨

ولما حرم الله سبحانه بهذه الجمل الأعراض والأنساب ، فصان بذلك الدماء والأموال ، علم أن التقدير : فلولا أنه سبحانه خير الغافرين وخير الراحمين ، لما فعل بكم ذلك ، ولفضح المذنبين ، وأظهر سرائر المستخفين ، ففسد النظام ، وأطبقتم على التهاون بالأحكام ، فعطف على هذا الذي علم تقديره قوله :( وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ ) أي بما له من الكرم والجمال ، والاتصاف بصفات الكمال( عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ) أي بكم( وَأَنَّ اللهَ ) أي الذي أحاط بكل شيء علما وقدرة( تَوَّابٌ ) أي رجاع بالعصاة إليه( حَكِيمٌ ) يحكم الأمور فيمنعها من الفساد بما يعلم من عواقب الأمور ، لفضح كل عاص ، ولم يوجب أربعة شهداء سترا لكم ، ولأمر بعقوبته بما توجبه معصيته ، ففسد نظامكم ، واختل نقضكم وإبرامكم ، ونحو ذلك مما لا يبلغ وصفه ، فتذهب النفس فيه كل مذهب ، فهو كما قالوا : رب مسكوت عنه أبلغ من منطوق به ، ثم علل ما اقتضته( لَوْ لا ) من نحو : ولكنه لم يفعل ذلك إفضالا عليكم ورحمة لكم ، بقوله على وجه التأكيد لما عرف من حال كثير ممن غضب لله ولرسوله من إرادة العقوبة للآفكين بضرب الأعناق ، منبها لهم على أن ذلك يجر إلى مفسدة كبيرة :( إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ ) أي أسوأ الكذب لأنه القول المصروف عن مدلوله إلى ضده ، المقلوب عن وجهه إلى قفاه ، وعرّف زيادة تبشيع له في هذا المقام ، حتى كأنه لا إفك إلا هو لأنه في حق أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وهي من أحق الناس بالمدحة لما كانت عليه من الحصانة والشرف والعفة والكرم ، فمن رماها بسوء فقد قلب الأمر عن أحسن وجوهه إلى أقبح أقفائه ، وترك تسميتها تنزيها لها عن هذا المقام ، إبعادا لمصون جانبها العلي عن هذا المرام( عُصْبَةٌ ) أي جماعة أقلهم عشرة وأكثرهم أربعون ، فهم لكونهم عصبة يحمى بعضهم لبعض فيشتد أمرهم ، لأن مدار مادة «عصب» على الشدة ، وهم مع ذلك( مِنْكُمْ ) أي ممن يعد عندكم في عداد المسلمين ، فلو فضحهم الله في جميع ما أسروه وأعلنوه ، وأمركم بأن تعاقبوهم بما يستحقون على ذلك ، لفسدت ذات البين ، بحمايتهم لأنفسهم وهم كثير ، وتعصّب أودّائهم لهم ، إلا بأمر خارق يعصم به من ذلك كما كشفت عنه التجربة حين خطب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وقال : «من يعذرني من رجل بلغ أذاه في أهلي» حين كادوا يقتتلون لو لا أن سكنهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم (١) ، فالله سبحانه برحمته بكم يمنع من كيدهم ببيان كذبهم ، وبحكمته يستر عليهم ويخيفهم ، لتنحسم مادة مكرهم ، وتنقطع أسباب ضرهم.

ولما كان هذا مقتضيا للاهتمام بشأنهم ، أتبعه قوله ، تحقيرا لأمرهم مخاطبا

__________________

(١) تقدم قريبا.

٢٣٩

للخلص وخصوصا النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأبو بكر وعائشة وأمها وصفوان بن المعطل رضي الله عنهم :( لا تَحْسَبُوهُ ) أي الإفك( شَرًّا لَكُمْ ) أيها المؤمنون بأن يصدقه أحد أو تنشأ عنه فتنة( بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) بثبوت البراءة الموجبة للفخر الذي لا يلحق ، بتلاوتها على مر الدهور بألسنة من لا يحصى من العباد ، في أكثر البلاد ، وتسلية الرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم والصديقين بذلك ، مع الثواب الجزيل ، بالصبر على مرارة هذا القيل ، وثبوت إعجاز القرآن بعد إعجازه بالبلاغة بصدقه في صيانة من أثنى عليها في ذلك الدهر الطويل ، الذي عاشته مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وبعده إلى أن ماتت رضي الله تعالى عنها أتقى الناس ديانة ، وأظهرهم صيانة ، وأنقاهم عرضا ، وأطهرهم نفسا ، فهو لسان صدق في الدنيا ، ورفعة منازل في الآخرة إلى غير ذلك من الحكم ، التي رتبها بارىء النسم ، من الفوائد الدينية والأحكام والآداب.

ولما كان لا شفاء لغيظ الإنسان أعظم من انتصار الملك الديان له ، علل ذلك بقوله :( لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ ) أي الآفكين( مَا ) أي جزاء ما( اكْتَسَبَ ) بخوضه فيه( مِنَ الْإِثْمِ ) الموجب لشقائه ، وصيغة الافتعال من «كسب» تستعمل في الذنب إشارة إلى أن الإثم يرتب على ما حصل فيه تصميم وعزم قوي صدقه العمل بما فيه من الجد والنشاط ، وتجرد في الخير إشارة إلى أن الثواب يكتب بمجرد فعل الخير بل ونيته( وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ ) أي معظمه بإشاعته والمجاهرة به( مِنْهُمْ لَهُ ) بما يخصه لإمعانه في الأذى( عَذابٌ عَظِيمٌ ) أي أعظم من عذاب الباقين ، لأنهم لم يقولوا شيئا إلا كان عليه مثل وزره من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا ، وقصة الإفك معروفة في الصحيح والسنن وغيرها شهيرة جدا ، وذلك أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم غزا بني المصطلق بعد ما أنزلت آية الحجاب ، وكانت معه الصديقة بنت الصديق زوجته أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها تحمل في هودج لها ، فافتقدت عقدا لها ليلة فرجعت إلى الموضع الذي تخلت فيه فالتمسته ، فرحل النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وحمل جمالوها هودجها وهم يظنونها فيه ، فلما رجعت فلم تجد أحدا اضطجعت مكان هودجها رجاء أن يعلموا بها فيرجعوا ، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني رضي الله عنه قد عرس من وراء الجيش ، فأصبح في مكانهم ، فلما رآها وكان يرها قبل الحجاب استرجع وأناخ راحلته فوطىء على يدها ، ولم يتكلم بكلمة غير استرجاعه ، فركبت أم المؤمنين رضي الله عنهما ، ثم أقبل بها حتى لحق بالجيش وهم نزول في نصف النهار ، فتكلم أهل الإفك فيهما رضي الله عنهما ، وكان من سمي منهم عبد الله بن أبي المنافق ، وزيد بن رفاعة ، ومسطح بن أثاثة ، وحمنة بنت جحش وحسان بن ثابت ، قال عروة بن الزبير : في ناس آخرين لا علم لي بهم غير

٢٤٠