• البداية
  • السابق
  • 661 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 704 / تحميل: 77
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 5

مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
العربية

«أطيعوا الله» فيكون من مقول( قُلْ وَآتُوا الزَّكاةَ ) فهي نظام ما بينكم وبين إخوانكم( وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ) أي المحيط بالرسالة في كل ما يأمركم به ، فإنما هو عن أمر ربكم( لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) أي لتكونوا عند من يجهل العواقب على رجاء من حصول الرحمة ممن لا راحم في الحقيقة غيره.

( لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٥٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨) وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩) وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاَّتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠) )

ولما كان الكفار من الكثرة والقوة بمكان ، كان الحال جديرا بتأكيد معنى التمكين ، جوابا لسؤال من كأنه قال : وهل ذلك ممكن فقال :( لا تَحْسَبَنَ ) أي أيها المخاطب( الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي وإن زادت كثرتهم على العد ، وتجاوزت عظمتهم الحد ، فإن ذلك الحسبان ضعف عقل ، لأن الملك لا يعجزه من تحت قهره ، ويجوز أن يكون خطابا للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لزيادة تحقيقه ، لأنه على قدر عظمة المخاطب يكون إنجاز الوعد( مُعْجِزِينَ ) لأهل ودنا( فِي الْأَرْضِ ) فإنهم مأخوذون لا محالة( وَمَأْواهُمُ ) أي مسكنهم ومنزلهم بعد الأخذ( النَّارُ. ) ولما كانت سكنى الشيء لا تكون إلا بعد الصيرورة إليه قال :( وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) مصيرها! فكيف إذا كان على وجه السكنى.

ولما كان الملل من شيم النفوس ، فكان تدريج الكلام في المقاصد لا سيما الأحكام شيئا فشيئا خلال مقاصد أخرى أوقع في القلب ، وأشهى إلى الطبع ، لا سيما إذا كان على وجوه من المناسبات عجيبة ، وضروب من الاتصالات هي مع دقتها غريبة ، زين الله تأصيلها بتفصيلها فابتدأ السورة بطائفة منها ، وفصلها بدر الوعظ ، وجواهر الحكم ، والحث على معالي الأخلاق ، ومكارم الأعمال ، ثم وصلها بالإلهيات التي هي أصولها ، وعن علي مقاماتها تفرعت فصولها ، فلما ختمها بالتمكين لأهل هذا الدين ، وتوهين أمر المعتدين ، شرع في إكمالها ، بإثبات بقية أحوالها ، تأكيدا لما حكم به من التمكين ، وما ختمه من ذلك من التوهين ، وتحذيرا مما ختمه به من العذاب المهين ،

٢٨١

وتحقيقا لما ألزم به من الطاعة ، ولزوم السنة والجماعة ، فقال واصلا بما ختم به الأحكام الأولى ، من الأمر بإنكاح الأيامى ، والكف عن إكراه البغايا ، إثر الذين لم يظهروا على عورات النساء :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) أي من الرجال والنساء ، إما للتغليب ، وإما لأن النساء أولى بحفظ العورة( لِيَسْتَأْذِنْكُمُ ) تصديقا لدعوى الإيمان( الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ) من العبيد والإماء البالغين ، ومن قاربهم ، للدخول عليكم كراهة الاطلاع على عوراتكم والتطرق بذلك إلى مساءتكم( وَالَّذِينَ ) ظهروا على عورات النساء ، ولكنهم( لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ ) وقيده بقوله :( مِنْكُمْ ) ليخرج الأرقاء والكفار( ثَلاثَ مَرَّاتٍ ) في كل دور ، ويمكن أن يراد : ثلاث استئذانات في كل مرة ، فإن لم يحصل الإذن رجع المستأذن كما تقدم : المرة الأولى من الأوقات الثلاث( مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ ) لأنه وقت القيام من المضاجع وطرح ثياب النوم( وَ ) الثانية( حِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ ) أي التي للخروج بين الناس( مِنَ الظَّهِيرَةِ ) للقائلة( وَ ) الثالثة( مِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ) لأنه وقت الانفصال من ثياب اليقظة ، والاتصال بثياب النوم ، وخص هذه الأوقات لأنها ساعات الخلوة ، ووضع الثياب ، وأثبت من في الموضعين دلالة على قرب الزمن من الوقت المذكور لضبطه ، وأسقطها في الأوسط دلالة على استغراقه لأنه غير منضبط ، ثم علل ذلك بقوله :( ثَلاثُ عَوْراتٍ ) أي اختلالات في التستر والتحفظ ، وأصل العورة ـ كما قال البيضاوي : الخلل. لأنه لما كانت العورة تبدو فيها سميت بها( لَكُمْ ) لأنها ساعات وضع الثياب والخلوة بالأهل ، وبين حكم ما عدا ذلك بقوله مستأنفا :( لَيْسَ عَلَيْكُمْ ) أي في ترك الأمر( وَلا عَلَيْهِمْ ) يعني العبيد والخدم والصبيان ، في ترك الاستئذان( جُناحٌ ) أي إثم ، وأصله الميل( بَعْدَهُنَ ) أي في جميع ما سوى هذه الأوقات إذا هجموا عليكم ؛ ثم علل الإباحة في غيرها ، مخرجا لغيرهم ، مبينا أن حكمة الاستئذان في كل وقت كما مضى بقوله :( طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ ) أي لعمل ما تحتاجونه في الخدمة كما أنتم طوافون عليهم لعمل ما يصلحهم ويصلحكم في الاستخدام( بَعْضُكُمْ ) طواف( عَلى بَعْضٍ ) لعمل ما يعجز عنه الآخر أو يشق عليه فلو عم الأمر بالاستئذان لأدى إلى الحرج.

ولما أعلى سبحانه البيان في هذه الآيات إلى حد يعجز الإنسان لا سيما وهي في الأحكام ، والكلام فيها يعيي أهل البيان ، وكان السامع لما جبل عليه من النسيان ، يذهل عن أن هذا هو الشأن ، في جميع القرآن ، قال مشيرا إلى عظم شأنها ، في تفريقها وبيانها :( كَذلِكَ ) أي مثل هذا البيان( يُبَيِّنُ اللهُ ) بما له من إحاطة العلم والقدرة( لَكُمْ ) أيتها الأمة خاصة( الْآياتِ ) في الأحكام وغيرها وبعلمه وحكمته( وَاللهُ ) الذي

٢٨٢

له الإحاطة العامة بكل شيء( عَلِيمٌ ) بكل شيء( حَكِيمٌ ) يتقن ما يريده ، فلا يقدر أحد على نقضه ، وختم الآية بهذا الوصف يدل على أنها محكمة لم تنسخ كما قال الشعبي وغيره ـ أفاده ابن كثير ، وحكي مثله عن ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير.

ولما بين حكم الصبيان والأرقاء الذين هم أطوع للأمر ، وأقبل لكل خير ، أتبعه حكم البالغين من الأحرار فقال :( وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ ) أي من أحراركم( الْحُلُمَ ) أي السن الذي يكون فيه إنزال المني برؤية الجماع في النوم ، هذا أصله ، والمراد سن مطلق الإنزال( فَلْيَسْتَأْذِنُوا ) على غيرهم في جميع الأوقات( كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) على ما بين في أول الآيات القائلة( لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا ) ونقل ابن كثير عن يحيى بن أبي كثير وسعيد بن جبير أن الغلام إذا كان رباعيا فإنه يستأذن في العورات الثلاث على أبويه ، فإذا بلغ الحلم فليستأذن على كل حال.

ولما كانت آيات الاستئذان أتقن حاسم لمواد الشر ، وتركها أعظم فاتح لأبواب الفتن ، وكان إخراج الكلام ، في أحكام الحلال والحرام ، مع التهذيب والبيان ، في النهاية من الصعوبة ، وكان فطم النفوس عما ألفت في غاية من العسر شديدة ، أشار سبحانه إلى ذلك بتكرير آية البيان ، إشارة إلى أنها ـ لما لها من العلو ـ جديرة بالتأكيد ، وإلى أن البلغاء يستبعدون القدرة على البيان كلما أريد على هذا السنن فقال :( كَذلِكَ ) أي مثل ذلك البيان الذي بينه في آيات الأحكام( يُبَيِّنُ اللهُ ) بما له من صفات الكمال( لَكُمْ ) مع ما لكم من خلال النقص( آياتِهِ ) أي العلامات الدالة عليه من هذه الفرعيات وما رقت إليه من الأصليات ، فأضافها إليه سبحانه تعظيما لها ، إشارة إلى أنها مقدمة للآيات الإلهيات ، لأن من لم يتفرغ عن مكدرات الأفكار ، لم يطر ذلك المطار ، وحثا على تدبر ما تقدم منها لاستحضار ما دعت إليه من الحكم ، وفصلت به من المواعظ ، وتنبيها على ما فيها من العلوم النافعة دينا ودنيا ، وزاد في الترغيب في العلم والحكمة إشارة إلى أن ذلك سبب كل سعادة فقال :( وَاللهُ ) أي المحيط بكل شيء( عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) روى الطبراني وغيره عن أنس رضي الله عنه قال : لما كانت صبيحة احتلمت دخلت على النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فأخبرته أني قد احتلمت ، فقال : «لا تدخل على النساء» ، فما أتى عليّ يوم كان أشد منه.

ولما ذكر سبحانه اقتبال الشباب ، في تغيير حكم الحجاب ، أتبعه الحكم عند إدبار الشباب ، في إلقاء الظاهر من الثياب ، فقال :( وَالْقَواعِدُ ) وحقق الأمر بقوله :( مِنَ النِّساءِ ) جمع قاعد ، وهي التي قعدت عن الولد وعن الحيض كبرا وعن الزوج. ولما

٢٨٣

كان هذا الأخير قطبها قال :( اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً ) أي لعدم رغبتهن فيه أو لوصولهن إلى حد لا يرغب فيهن معه( فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ ) أي شيء من الحرج في( أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَ ) أي الظاهرة فوق الثياب الساترة بحضرة الرجال بدليل قراءة ابن مسعود رضي الله عنه من ثيابهن قال أبو صالح : تضع الجلباب ، وهو ما يغطي ثيابها من فوق كالملحفة ، وتقوم بين يدي الرجل في الدرع والخمار( غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ ) أي متعمدات ـ بوضع ما أبيح لهن وضعه إظهار وجوههن مع الزينة ، أو غير متظاهرات بالزينة ، قال في الجمع بين العباب والمحكم : تبرجت المرأة : أظهرت وجهها. وفي القاموس : تبرجت : أظهرت زينتها للرجال ـ انتهى. ومادة برج تدور على الظهور كما مضى في الحجر ؛ وقال البيضاوي : وأصل البرج التكلف في إظهار ما يخفى ـ انتهى. وكأنه أشير بصيغة التفعل إلى أن ما ظهر منها من وجهها أو زينتها عفوا غير مقصود به الفساد لا حرج فيه.

ولما ذكر الجائز ، وكان إبداء الوجه داعيا إلى الريبة ، أشار إليه بقوله ذاكرا المستحب ، بعثا على اختيار أفضل الأعمال وأحسنها :( وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ ) أي يطلبن العفة بدوام الستر وعدم التخفف بإلقاء الجلباب والخمار( خَيْرٌ لَهُنَ ) من الإلقاء المذكور.

ولما كان ما ذكر من حالهن من الخلطة على ذلك الوصف معلوما أنه لا يخلو عن كلام ، كان التقدير : فالله في وضع الحرج عنهن رؤوف بهن رحيم ، عطف عليه قوله :( وَاللهُ ) أي الذي له جميع صفات الكمال( سَمِيعٌ ) أي لكلامهن إذا خاطبن الرجال هل يخضعن فيه ويتصنعن في ترخيم الصوت به أو يلقينه على الحالة المعروفة غير المنكرة( عَلِيمٌ ) بما يقصدن به وبكل شيء.

( لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١) )

ولما أتم سبحانه ما ذكر من حرمات البيوت المستلزمة لصيانة الأبضاع على وجه يلزم منه إحراز الأموال ، أتبعه ما يباح من ذلك للأكل الذي هو من أجلّ مقاصد الأموال

٢٨٤

اجتماعا وانفرادا ، فقال في جواب من كأنه سأل : هل هذا التحجير في البيوت سار في الأقارب وغيرهم في جميع الأحوال؟ :( لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ ) أي في مؤاكلة غيره وما يأتي من الأحكام ، وإن كره غيره أكله لمديده كيفما اتفق فإنه مرحوم ، والاستئذان من أجل البصر( وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ ) الذي لا يرجى( حَرَجٌ ) وإن تقذر منه بعض المترفين فإنه يجامعه في أنه يرحم لنقصه( وَلا عَلَى الْمَرِيضِ ) أي مرضا يرجى بعرج أو غيره( حَرَجٌ ) كذلك لمرضه ، وأخره لرجاء برئه( وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ ) أي ولا على غير من ذكر ، وعبر بذلك تذكيرا بأن الكل من نفس واحدة( أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ ) أي التي فيها عيالكم ، وذكرها سبحانه لئلا يحصل من تركها لو تركها ريبة ، وليدخل فيها بيوت الأولاد لأنهم من كسب الأب «أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه» «أنت ومالك لأبيك»( أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ ) وإن بعدت أنسابكم ـ ولعله جمع لذلك ـ فإنها مرباكم وحرمتها حرمتكم( أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ ) كذلك ، وقدم الأب لأنه أجل وهو حاكم بيته دائما والمال له( أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ ) من الأبوين أو الأب أو الأم بالنسب أو الرضاع ، فإنهم من أولى من رضي بذلك بعد الوالدين ، لأنهم أشقاؤكم ، وهم أولياء بيوتهم( أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ ) فإنهن بعدهم ، من أجل أن ولي البيت ـ إذا كن مزوجات ـ الزوج( أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ ) فإنهم شقائق آبائكم سواء كانوا أشقاء أو لأب أو أم ، ولو أفرد العم لتوهم أنه الشقيق فقط فإنه أحق بالاسم( أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ ) فهن بعد الأعمام لضعفهن ، ولأنه ربما كان أولياء بيوتهن الأزواج( أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ ) لأنهم شقائق أمهاتكم( أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ ) أخرهن لما ذكر( أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ ) أي التصرف فيه بوجه من الوجوه كالوكالة( أَوْ صَدِيقِكُمْ ) الذي تعرفون رضاه بذلك ولو بقرينة كما هو الغالب ، ولذلك أطلقه ، وإن لم يكن أمكنكم من مفتاحه بل كان عياله فيه ، كل ذلك من غير إفساد ولا حمل ولا ادخار ، وقد عدل الصديق هنا بالقريب ، تنبيها على شريف رتبة الصداقة ولطيف سرها ، وخفيف أمرها ، وأفرده لعزته ؛ وعن جعفر بن محمد : من عظم حرمة الصديق أن جعله الله كالنفس والأب ومن معه. قال الأصبهاني : وقالوا : إذا دل ظاهر الحال على رضا المالك قام ذلك مقام الإذن الصريح ، وربما سمج الاستئذان وثقل كمن قدم إليه طعام فاستأذن صاحبه في الأكل.

ولما ذكر معدن الأكل ، ذكر حاله فقال :( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ ) أي شيء من الإثم الذي من شأنه أن يميل بصاحبه عن السواء في( أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً ) أي مجتمعين وإن كان بينكم ناقص الخلقة ، لأن من كان معرضا للآفات جدير بأن يرحم المبتلى ، فلا يستقذره حذرا من انعكاس الحال.

٢٨٥

ولما رغب في أول الإسلام ـ لما كان فيه أكثر الناس من الضيق ـ في المؤاساة ، والاجتماع مع الضيوف ، ترغيبا ظن به الوجوب ، مع ما كانوا عليه من الكرم الباعث على الجود والاجتماع للأنس بالمحتاج ، خفف عنهم بقوله :( أَوْ أَشْتاتاً ) أي متفرقين لغير قصد الاستقذار ، والترفع والإضرار ، وإن كان الأكل في جماعة أفضل وأبرك ـ كما يفهمه تقديمه ، فقد روى الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه عن وحشي بن حرب عن أبيه عن جده أن رجلا قال للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : إنا نأكل ولا نشبع ، قال : «فلعلكم تأكلون متفرقين؟ اجتمعوا على طعامكم ، واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه »(١) . ولابن ماجة عن عمر رضي الله عنه عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال : «كلوا جميعا ولا تفرقوا فإن البركة مع الجماعة »(٢) .

ولما ذكر موطن الأكل وكيفيته ، ذكر الحال التي يكون عليها الداخل إلى تلك المواطن أو غيرها ، فقال مسببا عما مضى من الإذن ، معبرا بأداة التحقيق ، بشارة بأنهم يطيعون بعد أن كانوا تحرجوا من ذلك حين أنزل تعالى( لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ ) [النساء : ٢٩] :( فَإِذا دَخَلْتُمْ ) أي بسبب ذلك أو غيره( بُيُوتاً ) أي مأذونا فيها ، أيّ بيوت كانت مملوكة أو لا ، مساجد أو غيرها( فَسَلِّمُوا ) عقب الدخول( عَلى أَنْفُسِكُمْ ) أي أهلها الذين هم منكم دينا وقربا ، وعبر بذلك ترغيبا في السّلام ، والإحسان في الإكرام ، ولتصلح العبارة لما إذا لم يكن فيها أحد فيقال حينئذ «السّلام علينا وعلى عباد الله الصالحين» فيكون من الاستعمال في الحقيقة والمجاز( تَحِيَّةً ) مصدر من المعنى دون اللفظ ، أو أوقعوا الدعاء للمحيي بسلامة وحياة وملك وبقاء( مِنْ عِنْدِ اللهِ ) أي هي جديرة لتمام حسنها أن تضاف إلى من له الكمال كله سبحانه( مُبارَكَةً ) أي ثابتة أعظم ثبات بكونها موافقة لما شرع الله من خالص قلوبكم( طَيِّبَةً ) تلذذ السمع ؛ ثم وصف البيان ، تنبيها على ما في هذه الآيات من الحسن والإحسان ، فقال مستأنفا كما مر غير مرة :( كَذلِكَ ) أي مثل هذا البيان ، العظيم الشأن( يُبَيِّنُ اللهُ ) أي المحيط بكل شيء( لَكُمُ الْآياتِ ) التي لا أكمل منها.

ولما كان الله تعالى ، بعلمه وحكمته ، وعزه وقدرته ، ولطفه وخبرته ، قد خلق عقلا نيرا يهدي إلى الحق ، وإلى طريق مستقيم ، وقسمه بين عباده ، وخلق فيهم أنواعا

__________________

(١) أخرجه أحمد ٣ / ٥٠١ وأبو داود ٣٧٦٤ وابن ماجه ٣٢٨٦ والحاكم ٢ / ١٠٣ وابن حبان ٥٢٢٤ عن وحشي ، وإسناده ضعيف ، كما بيّنه الشيخ شعيب حفظه الله. قال : حسن بشواهده اه ثم استعرض له خمسة شواهد فانظرها.

(٢) أخرجه ابن ماجة ٣٢٨٧ عن عمر رضي الله عنه قال المنذري : وفيه عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير واهي الحديث.

٢٨٦

من العوائق لذلك العقل عن النفوذ على سمت الاستقامة ، من الهوى والكسل ، والفتور والملل ، جعلها حجبا تحجبه عن النفوذ ، وتستر عنه المدارك ، وتمنعه من البلوغ ، إلا برياضات ومجاهدات تكل عنها القوى ، وتضعف عندها العزائم ، فلا يكاد الماهر منهم يرتب قياسا صحيحا ، لغلطه في المقدمات ، فتكون النتيجة حينئذ فاسدة القاعدة ، واهية الأساس ، فكانوا لا يزالون لذلك مختلفين ، حتى يوصلهم الاختلاف إلى الإحن ، والمشاجرة والفتن ، فيجرهم إلى السيف وذهاب النفوس وتلف الأرواح ، فأنزل سبحانه لهم في كل وقت شرعا يليق بذلك الزمان على لسان رسول من رسله عليهم الصلاة والسّلام ، جعل ذلك الشرع يطابق العقل السوي ، والنور الضوي ، والمنهل الروي ، والسبب القوي ، من تمسك به هدي ولم يزغ ، حد فيه سبحانه حدودا ، وأقام فيه زواجر ، لتظهر حكمته ، ويتضح علمه وقدرته ، فصارت شرائع متفقة الأصول ، مختلفة الفروع ، بحسب الأزمنة ، إشارة إلى أن الفاعل في تغيير الأحكام بحسب الأزمان واحد مختار ، وامتحانا للعباد ، تمييزا لأهل الصلاح منهم من أهل الفساد ، وكانت الإغارة على شيء من الأعراض والأموال على غير ما أذن فيه تذهب العقول ، وتعمي البصائر ، ختم الآية بقوله :( لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) أي لتكونوا على رجاء عند من يصح منه الرجاء من ثبات هذا الوصف لكم ، وهو ضبط النفوس وردها عن الأهوية ، باتباع آيات الشرع التي أنزلها الذي كرر وصفه هنا بأنه عليم حكيم ، فلا تتولوا بعد قولكم( سَمِعْنا وَأَطَعْنا ) [المائدة : ٧] عن الإذعان للأحكام وأنتم معرضون.

( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢) لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦٣) أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٤) )

ولما كان سبحانه قد نفى عنهم الإيمان بالتولي عن الأحكام ، وتلاه بما رأيت أن نظمه أحسن نظام ، حتى ختم بما أومأ إلى أن من عمي عن أحكامه بعد هذا البيان مسلوب العقل ، وكرر في هذه السورة ذكر البيان ، تكريرا أشار إلى لمعان المعاني بأمتن بنان ، حتى صارت مشخصات للعيان ، وبين من حاز وصف الإيمان ، بحسن الاستئذان ،

٢٨٧

وكان أمر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم أجلّ موطن تجب الإقامة فيه ويهجر ما عداه من الأوطان ، فتصير الأرض برحبها ضيقة لأجله ، محظورا سلوكها من جرّاه ، بمنزلة بيت الغير الذي لا يحل دخوله بغير إذن ، قال معرفا بذلك على طريق الحصر مقابلا لسلب( وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ) [المائدة : ٤٣] مبينا عظيم الجناية في الذهاب عن مجلس النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم المقتضي للجمع من غير إذن :( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ ) أي الكاملون الذين لهم الفلاح( الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ) أي الملك الأعلى( وَرَسُولِهِ ) ظاهرا وباطنا.

ولما كان الكلام في الراسخين ، كان الموضع لأداة التحقيق فقال :( وَإِذا ) أي وصدقوا إيمانهم بأنهم إذا( كانُوا مَعَهُ ) أي الرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم ( عَلى أَمْرٍ جامِعٍ ) أي لهم على الله ، كالجهاد لأعداء الله ، والتشاور في مهم ، وصلاة الجمعة ، ونحو ذلك( لَمْ يَذْهَبُوا ) عن ذلك الأمر خطوة إلى موضع من الأرض ولو أنه بيوتهم ، لشيء من الأشياء ولو أنه أهم مهماتهم ، لأنه أخذ عليهم الميثاق بالطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره( حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ ) فيأذن لهم ، لأن المأمور به قد صار منزلهم ومأواهم ومتبوأهم ، وصار كل ما سواه من الأماكن والأمور له عليه الصلاة والسّلام دونهم ، لا حظ لهم فيه ، فلا يحل لهم أن يدخلوه حسا أو معنى إلا بإذنه ، وهذا من عظيم التنبيه على عليّ أمره ، وشريف قدره ، وذلك أنه سبحانه كما أمرهم بالاستئذان عند الدخول عليه وعلى غيره ، أفرده بأمرهم باستئذانه عند الانصراف عنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وجعل رتبة ذلك تالية لرتبة الإيمان بالله والرسول ، وجعلهما كالتسبيب له مع تصدير الجملة بأداة الحصر ، وإيقاع المؤمنين في مبتدأ مخبرا عنه بموصول أحاطت وصلته بالرتب الثلاث شرحا له.

ولما نفى عن المؤمنين الذهاب إلى غاية الاستئذان ، فأفهم أن المستأذن مؤمن ، صرح بهذا المفهوم ليكون آكد ، فقال تشديدا في الإخلال بالأدب بين يديهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وتأكيدا لحفظ حرمته والأدب معه لئلا يتشوش فكره في أسلوب آخر ، وبيانا لأن الاستئذان مصداق الإيمان :( إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ ) أي يطلبون إذنك لهم إذا أرادوا الانصراف ، في شيء من أمورهم التي يحتمل أن تمنع منها( أُولئِكَ ) العالو الرتبة خاصة( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ ) أي يوجدون الإيمان في كل وقت( بِاللهِ ) الذي له الأمر كله فلا كفوء له( وَرَسُولِهِ ) وذلك ناظم لأشتات خصال الإيمان.

ولما قصرهم على الاستئذان ، تسبب عن ذلك إعلامهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بما يفعل إذ ذاك فقال :( فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ ) أي هؤلاء الذين صحت دعواهم ؛ وشدد عليهم تأكيدا لتعظيم الأدب معهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بقوله :( لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ ) وهو ما تشتد الحاجة إليه( فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ ) قيل : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا صعد المنبر يوم الجمعة فمن أراد أن يخرج لعذر قام بحياله

٢٨٨

فيعرف أنه يستأذن فيأذن لمن شاء ، قال مجاهد : وإذن الإمام يوم الجمعة أن يشير بيده ، وقيل : كذلك ينبغي أن يكون الناس مع أئمتهم ومقدميهم في الدين والعلم لا يخذلونهم في نازلة من النوازل.

ولما أثبت له بهذا التفويض من الشرف ما لا يبلغ وصفه ، أفهمهم أن حال المستأذن قاصرة عن حال المفوض الملازم كيفما كانت ، فقال :( وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللهَ ) أي الذي له الغنى المطلق ، فلا تنفعه طاعة ، ولا تضره معصية ، أو يكون الكلام شاملا لمن صحت دعواه وغيره ؛ ثم علل ذلك ترغيبا في الاستغفار ، وتطييبا لقلوب أهل الأوزار ، بقوله :( إِنَّ اللهَ ) أي الذي له صفات الكمال( غَفُورٌ ) أي له هذا الوصف فهو جدير بأن يغفر لهم ما قصروا فيه( رَحِيمٌ ) أي فكل ما أمرهم به فهو خير لهم وإن تراءى لهم خلافه.

ولما أظهرت هذه السورة بعمومها ، وهذه الآيات بخصوصها ، من شرف الرسول ما بهر العقول ، لأجل ما وقع للمنافق من التجرؤ على ذلك الجناب الأشم ، والمنصب الأتم ، وعلم منه أن لهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في كل أمره وجميع شأنه خصوصية ليست لغيره ، صرح بذلك تفخيما للشأن ، وتعظيما للمقام ، ليتأدب من ناضل عن المنافق ، أو توانى في أمره فقصر عن مدى أهل السوابق ، فقال منبها على أن المصائب سبب لإظهار المناقب أو إشهار المعايب( لا تَجْعَلُوا ) أي يا أيها الذين آمنوا( دُعاءَ الرَّسُولِ ) أي لكم الذي يوقعه( بَيْنَكُمْ ) ولو على سبيل العموم ، في وجوب الامتثال( كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً ) فإن أمره عظيم ، ومخالفته استحلالا كفر ، ولا تجعلوا أيضا دعاءكم إياه كدعاء بعضكم لبعض بمجرد الاسم ، بل تأدبوا معه بالتفخيم والتبجيل والتعظيم كما سن الله بنحو : يا أيها النبي ، ويا أيها الرسول ، مع إظهار الأدب في هيئة القول والفعل بخفض الصوت والتواضع.

ولما كان بعضهم يظهر المؤالفة ، ويبطن المخالفة ، حذر من ذلك بشمول علمه وتمام قدرته ، فقال معللا مؤكدا محققا معلما بتجديد تعليق العلم الشهودي كلما جدد أحد خيانة لدوام اتصافه بإحاطة العلم من غير نظر إلى زمان :( قَدْ يَعْلَمُ اللهُ ) أي الحائز لجميع صفات المجد إن ظننتم أن ما تفعلونه من التستر يخفي أمركم على رسولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فهو سبحانه يعلم( الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ ) وعين أهل التوبيخ بقوله :( مِنْكُمْ ) أي يتكلفون سلّ أنفسهم ليجعلوا ذهابهم في غاية الخفاء( لِواذاً ) أي تسللا مستخفين به بتستر بعضهم فيه ببعض ؛ يقال : لاذ بالشيء لوذا ولواذا وملاوذة : استتر وتحصن ، فهو مصدر لتسلل من غير لفظه ، ولعله أدخل «قد» على المضارع ليزيد أهل التحقيق تحقيقا ، ويفتح

٢٨٩

لأهل الريب إلى الاحتمال طريقا ، فإنه يكفي في الخوف من النكال طروق الاحتمال ؛ وسبب عن علمه قوله :( فَلْيَحْذَرِ ) أي يوقع الحذر( الَّذِينَ يُخالِفُونَ ) أي يوقعون مخالفته بالذهاب مجاوزين معرضين( عَنْ أَمْرِهِ ) أي أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، إلى خلافه( أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ ) أي شيء يخالطهم في الدنيا فيحيل أمورهم إلى غير الحالة المحبوبة التي كانوا عليها( أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) في الآخرة ، وهذا يدل على أن الأمر للوجوب حتى يصرف عنه صارف ، لترتيب العقاب على الإخلال به ، لأن التحذير من العقاب إنما يكون بعد قيام المقتضي لنزول العذاب.

ولما أقام سبحانه الأدلة على أنه نور السماوات والأرض بأنه لا قيام لشيء إلا به سبحانه ، وختم بالتحذير لكل مخالف ، أنتج ذلك أن له كل شيء فقال :( أَلا إِنَّ لِلَّهِ ) أي الذي له جميع المجد جميع( ما فِي السَّماواتِ ) ولثبوت أنه سبحانه محيط العلم والقدرة ، لم يقتض المقام التأكيد بإعادة الموصول فقال :( وَالْأَرْضِ ) أي من جوهر وعرض ، وهما له أيضا لأن الأرض في السماء ، وكل سماء في التي فوقها حتى ينتهي ذلك إلى العرش الذي صرح في غير آية أنه صاحبه ، وهو سماء أيضا لعلوه عما دونه ، فكل ما فيه له ، وذلك أبلغ ـ لدلالته بطريق المجاز ـ مما لو صرح به ، فدل ذلك ـ بعد الدلالة على وجوده ـ على وحدانيته ، وكمال علمه وقدرته.

ولما كانت أحوالهم من جملة ما له ، كان من المعلوم أنها لم تقم في أصلها ولا بقاء لها إلا بعلمه ولأنها بخلقه ، فلذلك قال محققا مؤكدا مرهبا :( قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ ) أيها الناس كلكم( عَلَيْهِ ) أي الآن ، والمراد بالمضارع هنا وجود الوصف من غير نظر إلى زمان ، ولو عبر بالماضي لتوهم الاختصاص به ، والكلام في إدخال «قد» عليه كما مضى آنفا باعتبار أولي النفوذ في البصر ، وأهل الكلال والكدر( وَيَوْمَ ) أي ويعلم ما هم عليه يوم( يُرْجَعُونَ ) أي بقهر قاهر لهم على ذلك ، لا يقدرون له على دفاع ، ولا نوع امتناع( إِلَيْهِ ) وكان الأصل : ما أنتم عليه ، ولكنه أعرض عنهم تهويلا للأمر ، أو يكون ذلك خاصا بالمتولين المعرضين إشارة إلى أنهم يناقشون الحساب ، ويكون سر الالتفات التنبيه على الإعراض عن المكذب بالقيامة ، والإقبال على المصدق ، صونا لنفيس الكلام ، عن الجفاة الأغبياء اللئام( فَيُنَبِّئُهُمْ ) أي فيتسبب عن ذلك أنه يخبرهم تخبيرا عظيما( بِما عَمِلُوا ) فليعدوا لكل شيء منه جوابا( وَاللهُ ) أي الذي له الإحاطة الكاملة( بِكُلِّ شَيْءٍ ) من ذلك وغيره( عَلِيمٌ ) فلذلك أنزل الآيات البينات ، وكان نور الأرض والسماوات ، فقد رد الختام على المبدأ ، والتحم الآخر بالأول والاثنا ـ والله الهادي.

٢٩٠

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة الفرقان مكية ـ آياتها سبع وسبعون

( تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً (٢) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً (٣) )

مقصودها إنذار عامة المكلفين بما له سبحانه من القدرة الشاملة ، المستلزم للعلم التام ، المدلول عليه بهذا القرآن المبين ، المستلزم لأنه لا موجد على الحقيقة سواه ، فهو الحق ، وما سواه باطل ؛ وتسميتها بالفرقان واضح الدلالة على ذلك ، فإن الكتاب ما نزل إلا للتفرقة بين الملتبسات ، وتمييز الحق من الباطل( لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ) [الأنفال : ٤٢] فلا يكون لأحد على الله حجة( بِسْمِ اللهِ ) الذي له الحجة البالغة ، لإحاطة عظمته ، وشمول علمه وقدرته( الرَّحْمنِ ) الذي عم بنعمة الفرقان ، أهل الإيمان والكفران( الرَّحِيمِ ) الذي خص من شاء من عباده بملابس الرضوان.

لما ختم سبحانه تلك بسعة الملك ، وشمول العلم ، وتعظيم الرسول ، والتهديد لمن تجاوز الحد ، افتتح هذه بمثل ذلك على وجه ـ مع كونه أضخم منه ـ هو برهان عليه فقال :( تَبارَكَ ) أي ثبت ثبوتا مع اليمن والخير الذي به سبقت الرحمة الغضب ، والتعالي في الصفات والأفعال ، فلا ثبوت يدانيه ، ولا يكون ذلك كذلك إلا بتمام قدرته ، ولا تتم قدرته إلا بشمول علمه ، وهذا الفعل مطاوع «بارك» وهو مختص بالله تعالى لم يستعمل لغيره ، ولذلك لم ينصرف لمستقبل ولا اسم فاعل ؛ ثم وصف نفسه الشريفة بما يدل على ذلك فقال :( الَّذِي ) .

ولما كان تكرار الإنذار ـ الذي هو مقصود السورة ـ أنفع ، وتفريقه في أوقات

٢٩١

متراسلة أصدع للقلوب وأردع ، وكان إيضاح المشكلات ، في الفرق بين الملتبسات ، أعون بما يكون علة ، عبر بما يدل على الفرق وقدمه فقال :( نَزَّلَ الْفُرْقانَ ) أي الكتاب الذي نزل إلى سماء الدنيا فكان كتابا ، ثم نزل مفرقا بحسب المصالح ، فسمي لذلك فرقانا ، ولأنه الفارق بين كل ملتبس ، فلا يدع خفاء إلا بينه ، ولا حقا إلا أثبته ، ولا باطلا إلا نفاه ومحقه ، فيه انتظام الحياة الأولى والأخرى ، فكان قاطعا على علم منزله ، ومن علمه الباهر إنزاله( عَلى عَبْدِهِ ) أي الذي لا أحق منه بإضافته إلى ضميره الشريف ، لأنه خالص له ، لا شائبة لغيره فيه أصلا ، ولم يحز مخلوق ما حاز من طهارة الشيم ، وارتفاع الهمم ، ولا شك أن الرسول دال على مرسله في مقدار علمه ، وكثرة جنده ، واتساع ملكه( اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ ) رسالاته [الأنعام : ١٢٤] ثم علل إنزاله عليه بقوله :( لِيَكُونَ ) أي العبد أو الفرقان.

ولما كان العالم ما سوى الله ، وكان ربما ادعى مدع أن المراد البعض ، لأنه قد يطلق اللفظ على جزء معناه بدلالة التضمن ، وكان الجمع لا بد أن يفيد ما أفاده المفرد بزيادة ، جمع ليعرف أن المراد المدلول المطابقي ، مع التصريح باستغراق جميع الأنواع الداخلة تحت مفهوم المفرد ، واختار جمع العقلاء تغليبا ، إعلاما بأنهم المقصودون بالذات فقال :( لِلْعالَمِينَ ) أي المكلفين كلهم من الجن والإنس والملائكة.

ولما كان كل من الكتاب والمنزل عليه بالغا في معناه ، عبر بما يصح أن يراد به المنذر والإنذار على وجه المبالغة فقال :( نَذِيراً ) أي وبشيرا ، وإنما اقتصر على النذارة للإشارة إلى البشارة بلفظ( تَبارَكَ ) ولأن المقام لها ، لما ختم به تلك من إعراض المتولين عن الأحكام ، ونفى الإيمان عنهم بانتفاء الإسلام ، وفيه إشارة إلى كثرة المستحقين للنذارة ، ولا التفات إلى من قال : إن الرازي والبرهان النسفي نقلا الإجماع على أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يرسل إلى الملائكة ، فإن عبارة الرازي في بعض نسخ تفسيره : لكنا أجمعنا على أنه لم يرسل إلى الملائكة ، وفي أكثر النسخ : بينا ـ بدل : أجمعنا ، على أنه لو اتفقت جميع النسخ عليها لم تضر ، لأنها غير صريحة في إرادة الإجماع ، ولأن الإجماع لا يثبت بنقل واحد لا سيما في مثل هذا الذي تظافرت الظواهر على خلافه ، ولم يرد مانع منه ، وأما البرهان النسفي فمن الرازي أخذ ، وعبر بعبارته ، فصارا واحدا ، وقد بينت ذلك عند قوله تعالى في سورة الأنعام( لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ) [الأنعام : ١٩] بيانا شافيا لا ارتياب معه ، بل ولو قيل : إن الآية على ظاهرها ، لا خصوص فيها بالعقلاء ، وتكليف كل شيء بحسبه ، لكان وجها ، وبذلك صرح الإمام تاج الدين السبكي في أول الترشيح في قوله : «وأصلي على نبيه محمد المصطفى المبعوث إلى كل

٢٩٢

شيء» وكذلك المحب الطبري في آخر «القرى لقاصدي أم القرى» وذلك لأنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ما دعا جامدا ولا متحركا غير الإنسان إلا أجابه بما هو مقتضى( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها ) [الأحزاب : ٧٢] دعا غير مرة عدة من أغصان الأشجار فأتته تسجد له ، ثم أمرها بأن ترجع إلى مكانها ففعلت(١) ؛ ودعا الضب وغيره من الحيوانات العجم فأطاعته(٢) ؛ ودعا الأشجار غير مرة فسمعت وسعت إليه ؛ وأمر الجبل لما رجف فأذعن(٣) ؛ وأرسل إلى نخل وأحجار يأمرهن بالاجتماع ليقضي إليهن حاجة ففعلن ، ثم أرسل يأمرهن بالرجوع إلى أماكنهن فأجبن(٤) ؛ وغمز الأرض فنبع منها الماء ؛ وأرسل سهمه إلى البئر فجاشت بالرواء ـ إلى غير ذلك مما هو مضمن في دلائل النبوة ، بل ولا دعا طفلا رضيعا إلا شهد له لكونه على الفطرة الأولى ـ إلى غير ذلك مما هو دال على ظاهر الآية المقتضي لزيادة شرفهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من غير محذور يلزم عليه ولا نص يخالفه ـ والله الهادي.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في برهانه : لما تضمنت سورة النور بيان كثير من الأحكام كحكم الزنى ، ورمي الزوجات به ، والقذف ، والاستئذان ، والحجاب ، وإسعاف الفقير ، والكتابة ، وغير ذلك ، والكشف عن مغيبات ، من تغاير حالات ، تبين بمعرفتها والاطلاع عليها الخبيث من الطيب ، كاطلاعه سبحانه نبيه والمؤمنين على ما تقوله أهل الإفك ، وبيان سوء حالهم ، واضمحلال محالهم ، في قصة المنافقين في إظهارهم ضد ما يضمرون ؛ ثم كريم وعده للخلفاء الراشدين( وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ ) [المائدة : ٩] ثم ما فضح به تعالى منافقي الخندق( قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً ) [النور : ٦٣] إلى آخر الآية ، فكان مجموع هذا فرقانا يعتضد به الإيمان ، ولا ينكره مقر بالرحمن ، يشهد لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بصحة رسالته ، ويوضح مضمن قوله( لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ ) [النور : ٦٣] من عظيم قدرهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وعليّ جلالته ، أتبعه سبحانه بقوله تعالى( تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ ) [الفرقان : ١] وهو القرآن

__________________

(١) أخرج هذه القصة أحمد ٣ / ١١٣ عن أنس رضي الله تعالى عنه. وأخرجها مسلم ٣٠١٢ والبيهقي في الدلائل ٦ / ٧. ١٠ وابن حبان ٦٥٢٤ عن جابر رضي الله تعالى عنه.

(٢) أخرجه الطبراني في الصغير ٩٤٨ عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، والحديث طويل جدا.

قال الهيثمي في المجمع ٨ / ٥٢٠ : قال البيهقي : والحمل على العدني في هذا الحديث اه وقال الذهبي في الميزان ٣ / ٦٥١ : هذا خبر باطل اه.

(٣) تقدم في شأن أحد ، وهو صحيح.

(٤) كذا أخرج أحمد ٤ / ٧١. ١٧٢ عن يعلى بن مرّة ، وفيه عثمان مجهول ، و٤ / ١٧٣ وفيه عبد الرحمن أيضا مجهول والطبراني في الكبير ٢٢ / ٢٦٤. ٢٦٦ وانظر مجمع الزوائد ٨ / ٥٥٨.

٢٩٣

الفارق بين الحق والباطل ، والمطلع على ما أخفاه المنافقون وأبطنوه من المكر والكفر( لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً ) [الفرقان : ١] فيحذرهم من مرتكبات المنافقين والتشبه بهم ؛ ثم تناسج الكلام ، والتحم جليل المعهود من ذلك النظام ، وتضمنت هذه السورة من النعي على الكفار والتعريف ببهتهم وسوء مرتكبهم ما لم يتضمن كثير من نظائرها كقولهم( ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ) [الفرقان : ٧] الآيات ، وقولهم( لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا ) [الفرقان : ٢١] وقولهم( لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً ) [الفرقان : ٣٢] وقولهم( وَمَا الرَّحْمنُ ) [الفرقان : ٦٠] إلى ما عضد هذه وتخللها ، ولهذا ختمت بقاطع الوعيد ، وأشد التهديد ، وهو قوله سبحانه( فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً ) [الفرقان : ٧٧] انتهى.

ولما تقدم ذكر منزل الفرقان سبحانه ، وذكر الفرقان والمنزل عليه على طريق الإجمال ، أتبع ذلك تفصيله على الترتيب ، فبدأ بوصف المنزل سبحانه بما هو أدل دليل على إرادة التعميم في الرسالة لكل من يريد ، فقال :( الَّذِي لَهُ ) أي وحده( مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) فلا إنكار لأن يرسل رسولا إلى كل من فيهما( وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً ) ليتكبر على رسوله( وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ ) ليناقضه في الرسالة أو يقاسمه إياها ، فيكون بعض الخلق خارجا عن رسالته ، أو مراعيا لأمر غير أمره.

ولما كان وقوف الشيء عند حد ـ بحيث لا يقدر أن يتعداه إلى حد شيء آخر سواه ، فهذا حيوان لا يقدر على جعل نفسه جمادا ولا أعلى من الحيوان ، وهذا جماد لا يمكنه جعل نفسه حيوانا ولا أسفل من رتبة الجماد إلى غير ذلك مما يعجز الخلق عن شرحه دالا على أنه مخلوق مربوب ، قال تعالى :( وَخَلَقَ ) أي أحدث إحداثا مراعى فيه التقدير والتسوية( كُلَّ شَيْءٍ ) أي مما ادعى فيه الولدية أو الشرك وغيره.

ولما كان قد سوى كل شيء لما يصلح له وهيأه لذلك ، قال شارحا ومحققا لمعنى «خلق» :( فَقَدَّرَهُ ) في إيجاده من غير تفاوت( تَقْدِيراً ) أي لا يمكن ذلك الشيء مجاوزته فيما خلق لأجله وهيىء ويسر له إلى غيره بوجه من الوجوه.

ولما ذكرهم بما ركز في فطرهم من العلم ، عجب منهم لكل ذي عقل في جملة حالية فيما خالفوا ما لهم من المشاهدة ، فقال مضمرا للفاعل إشارة إلى استهجان نسبة هذا الفعل إلى فاعل معين توبيخا لهم وإرشادا إلى المبادرة من كل سامع إلى نفيه عنه فقال :( وَاتَّخَذُوا ) أي كلف أنفسهم عبدة الأوثان أن أخذوا.

ولما كان علوه لا يحد ، فكانت الرتب السافلة عن رتبته لا تحصى ، نبه على ذلك

٢٩٤

بالجار فقال :( مِنْ دُونِهِ ) أي بعد ما قام من الدليل على أنه الإله وحده من الحيثيات التي تقدمت( آلِهَةً ) المتحدون مشاهدون لأنهم كما قال تعالى :( لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً ) أي لا أعجز منهم ، لا يكون منهم إيجاد شيء ، فيهم دون من عبدهم.

ولما كان المتعنت ربما ادعى أنهم مع ذلك غير مخلوقين قال :( وَهُمْ يُخْلَقُونَ ) أي بما يشاهد فيهم من التغير والطواعية لمشيئته سبحانه ، ومن ذلك أن عبدتهم افتعلوهم بالنحت والتصوير. ولما قرر أنه أنعم على كل شيء ، وكانت النعم أكثر وجودا ، وكان أدنى نعمة على الشيء خلقه سبحانه له ، أخبر أن ذلك الغير لا يقدر على ضر نفسه ولا بالإعدام ، فقال معبرا بأداة العقلاء تهكما بعابديهم حيث أقاموهم في ذلك المقام ، أو تغليبا لأنهم عبدوا الملائكة وعزيرا والمسيحعليهم‌السلام :( وَلا يَمْلِكُونَ ) أي لا يتجدد لهم بوجه من الوجوه أن يملكوا( لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا ) ولذلك قدمه ، ونكره ليعم.

فلما ثبت بذلك أنهم خلقه ، ولكن كان ربما قال متعنت : إنهم يملكون ذلك ولكنهم يتركونه عمدا ، لأن أحدا لا يريد ضر نفسه ، قال :( وَلا نَفْعاً ) أي ولو بالبقاء على حالة واحدة ، وعبدتهم يقدرون على ما أراد الله من ذلك على وجه الكسب ، فهم أعلى منهم وعبادة الأعلى لمن دونه ليست من أفعال العقلاء.

ولما كان للموت والحياة ما ليس لغيرهما من عظيم الشأن ، أعاد العامل فقال :( وَلا يَمْلِكُونَ ) وقدم الموت لأن الحياة أكثر ، فقال مبتدئا بما هو من باب الضر على نسق ما قبله :( مَوْتاً ) أي لأنفسهم ولا لغيرهم( وَلا حَياةً ) أي من العدم( وَلا نُشُوراً ) أي إعادة لما طوي من الحياة بالموت ، وعطفها بالواو وإن كان بعضها مسببا عما قبله إشارة إلى أن كل واحدة منها كافية في سلب الإلهية عنهم بما ثبت من العجز.

( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً (٤) وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٦) وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً (٧) أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً (٨) )

ولما وصف منزل الفرقان بما لا يحيط به علم أحد غيره من الشؤون ، فاتضح بذلك إعجاز المنزل الذي أبان ذلك ، وهو هذا القرآن ، وأنه وحده الفرقان ، عجب من حال المكذبين به فقال موضع( وَقالُوا : * وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) مظهرا الوصف الذي

٢٩٥

حملهم على هذا القول ، وهو ستر ما ظهر لهم ولغيرهم كالشمس والاجتهاد في إخفائه :( إِنْ ) أي ما( هَذا ) أي القرآن( إِلَّا إِفْكٌ ) أي كذب مصروف عن ظاهره ووجه هو أسوأ الكذب( افْتَراهُ ) أي تعمد كذبه هذا النذير ، فكان قولهم هذا موضع العجب لكونه ظاهر الخلل.

ولما كان الإنسان مطبوعا على أنه يتكثر بأدنى شيء من المحاسن فيحب أن تظهر عنه ولا ينسب شيء منها إلى غيره ، كان أعجب من ذلك وأظهر عوارا قولهم :( وَأَعانَهُ ) أي محمدا( عَلَيْهِ ) أي القرآن( قَوْمٌ ) أي ذوو كفاية حبوه بما يتشرف به دونهم ؛ وزادوا بعدا بقولهم :( آخَرُونَ ) أي من غير قومه ؛ فقيل : أرادوا اليهود ، وقيل : غيرهم ممن في بلدهم من العبيد النصارى وغيرهم ، فلذلك تسبب عنه قوله تعالى :( فَقَدْ جاؤُ ) أي الكفار في ذلك( ظُلْماً ) بوضع الإفك على ما لا أصدق منه ولا أعدل( وَزُوراً ) أي ميلا مع جلافة عظيمة عن السنن المستقيم في نسبة أصدق الناس وأطهرهم خليقة ، وأقومهم طريقة ، إلى هذه الدنايا التي لا يرضاها لنفسه أسقط الناس ، فإنها ـ مع كونها دنيئة في نفسها ـ مضمونة الفضيحة ؛ قال ابن جرير وأصل الزور تحسين الباطل وتأويل الكلام.

ولما تبين تناقضهم أولا في ادعائهم في القرآن ما هو واضح المنافاة لوصفه ، وثانيا بأنه أعين عليه بعد ما أشعرت به صيغة الافتعال من الانفراد ، أتبعه تعالى تناقضا لهم آخر بقوله معجبا :( وَقالُوا ) أي الكفار( أَساطِيرُ ) جمع إسطارة وأسطورة( الْأَوَّلِينَ ) من نحو أحاديث رستم وإسفنديار ، فصرحوا أنه ليس له فيه شيء( اكْتَتَبَها ) أي تطلب كتابتها له( فَهِيَ ) أي فتسبب عن تكلفه أنها( تُمْلى ) أي تلقى من ملق ما إلقاء جيدا متجددا مستمرا( عَلَيْهِ ) من الكتاب الذي اكتتبها فيه في أوقات الفراغ( بُكْرَةً ) قبل أن ينتشر الناس( وَأَصِيلاً ) أي وعشيا حين يأوون إلى مساكنهم ، أو دائما ليتكلف حفظها بعد أن تكلف تحصيلها بالانتساخ لأنه أمي ، وهذا كما ترى لا يقوله من له مسكة في عقل ولا مروءة ، فإن من المعلوم الذي لا يخفى على عاقل أن إنسانا لو لازم شيئا عشرة أيام بكرة وعشيا لم يبق ممن يعرفه ويطلع على أحواله أحد حتى عرف ذلك منه ، فلو أنكره بعد لا فتضح فضيحة لا يغسل عنه عارها أبدا ، فكيف والبلد صغير ، والرجل عظيم شهير ، وقد ادعوا أنه مصر على ذلك إلى حين مقالتهم وبعدها لا ينفك ، وعيروه بأنه معدم يحتاج إلى المشي في الأسواق ، وهو يدعوهم إلى المعارضة ولو بسورة من مثله ، وفيهم الكتاب والشعراء والبلغاء والخطباء ، وهم أكثر منه مالا ، وأعظم أعوانا ، فلا يقدرون.

٢٩٦

ولما رموه بهذه الأقوال التي هم فيها في خبط عشواء ، وكانت مع كونها ظاهرة العوار ، عند من له أدنى استبصار ، تروج على بعض العرب بعض الرواج ، مع سعة عقولهم ، وصحة أفكارهم ، لشبه واهية مكنهم فيها التقليد ، وشدة الالف لما هم عليه من الزمن المديد ، أمره سبحانه بجوابهم مستأنفا فقال :( قُلْ ) أي دالا على بطلان ما قالوه مهددا لهم :( أَنْزَلَهُ ) أي القرآن من خزائن علمه خلافا لجميع ما تقولتموه( الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ ) أي كله ، لا يخفى عليه منه خافية فكيف بالجهر!( فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) فهو يجيبكم عن كل ما تقولتموه فيّ وفي كتابه وإن أسررتموه ، ويبين جميع ما يحتاج إليه العباد في الدارين في كلام معجز لفظا ومعنى على وجه يتحقق كل ذي لب أنه لا يقوله إلا عالم بجميع المعلومات ، ولا يحيط بجميع المعلومات سواه ، وهذا ظاهر جدا من إخباره بالماضي بما يصدقه العلماء من الماضين ، وحكمه على الآتي بما يكون ضربة لازم ، وإظهاره الخبء وإحكامه لجميع ما يقوله ، وقد جرت عادته سبحانه وتعالى بالانتقام ممن كذب عليه بإظهار كذبه أولا ، ثم بأخذه ثانيا ، ثم عذابه العذاب الأكبر ثالثا ، فستنظرون من يفعل به ذلك ، وقد بان لعمري صدقه بما وقع من الأمور الثلاثة.

ولما كان من المعلوم أن العالم بكل شيء قادر على كل شيء كما مضى تقريره في سورة طه ، وكانت العادة جارية بأن من علم استخفاف غيره به وكان قادرا عليه عاجله بالأخذ ، أجيب من كأنه قال : فما له لا يهلك المكذبين له؟ بقوله مرغبا لهم في التوبة ، مشيرا إلى قدرته بالستر والإنعام ، ومبينا لفائدة إنزاله إليهم هذا الذكر من الرجوع عما تمادت عليه أزمانهم من الكفر وأنواع المعاصي :( إِنَّهُ كانَ ) أزلا وأبدا( غَفُوراً ) أي بليغ الستر لما يريد من ذنوب عباده ، بأن لا يعاتبهم عليها ولا يؤاخذهم بها( رَحِيماً ) بهم في الإنعام عليهم بعد خلقهم ، برزقهم وتركيب العقول فيهم ، ونصب الأدلة لهم ، وإرسال الرسل وإنزال الكتب فيهم ، وإمهالهم في تكذيبهم ، أي فليس لإمهالهم ووعظهم بما نزله إليهم سبب إلا رحمته وغفرانه وعلمه بأن كتابه صلاح لأحوالهم في الدارين.

ولما أتم سبحانه ما أراد من ذكر المنزل والمنزل ، وأخبر عن طعنهم في المنزل الذي هو المقصود بالذات من الرسالة ، وأقام تعالى ذلك الدليل على كذبهم ، أتبعه الإخبار عن طعنهم في الرسول الآتي به ، فقال معجبا من عقولهم التي يعدونها أصفى العقول أفكارا ، وأعلاها آثارا ، فيما أبدوه من ذلك مما ظنوا أنه دليل على عدم الرسالة ، ولا شيء منه يصلح أن يكون شبهة لذي مسكة من أمره ، فضلا عن أن يكون دليلا :( وَقالُوا ) أي مستفهمين تهكما بوصفه ، قادحين فيه بفعله ، قول من هو على ثقة من أن

٢٩٧

وصف الرسالة ينافيه :( ما لِهذَا ) والإشارة على هذا الوجه تفهم الاستهانة والتصغير ؛ ثم أظهروا السخرية بقولهم :( الرَّسُولِ ) أي الذي يزعم أنه انفرد عن بقية البشر في هذا الزمان بهذا الوصف العالي( يَأْكُلُ الطَّعامَ ) أي مثل ما نأكل( وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ ) أي التي هي مطالب الدنيا ، كما نمشي.

ولما كانت ترجمة ما مضى : ما له مثلنا وهو يدعي الاختصاص عنا بالرسالة؟ أتبعوه التعنيف على عدم كونه على واحد من وجوه مغايرة على سبيل التنزل جوابا لمن كأنه قال : فماذا يفعل؟ بقولهم :( لَوْ لا ) أي هلا ، وهي تأتي للتوبيخ ، وهو مرادهم( أُنْزِلَ ) أي من السماء ، من أيّ منزل كان ، منتهيا( إِلَيْهِ ) أي على الهيئة التي هو عليها في السماء( مَلَكٌ ) أي من ملائكة الله على هيئاتهم المباينة لهيئات الآدميين( فَيَكُونَ ) بالنصب جوابا للتحضيض ذلك الملك وإن كان هو إنسانا( مَعَهُ نَذِيراً ) فيكون ممتازا بحال ليس لواحد منا ، ليكون أهيب في النذارة ، لما له من الهيبة والقوة ، وكأنهم عبروا بالماضي إعلاما بأن مرادهم كونه في الظهور لهم على غير الهيئة التي يخبرهم بها من تجدد نزول الملك عليه في كل حين مستسرا بحيث لا ينظره غيره ، أو لأن الملك يمكن أن يكون على حالة المصاحبة له للنذارة ، وإنما لا يتحول عنها بصعود إلى السماء ولا غيره ، بخلاف الكنز فإنه للنفقة ، فإن لم يتعهد كل وقت نفد ، وهذا سر التعبير ب «إلى» دون «على» التي هي للتغشي بالوحي ، ولذلك عبروا بالمضارع في قولهم ، متنزلين عن علو تلك الدرجة :( أَوْ يُلْقى ) أي من أي ملق كان.

ولما كان الإلقاء دالّا على العلو ، عدلوا عن أداة الاستعلاء التي تقدم التعبير بها في هودعليه‌السلام مع الإنزال إلى حرف النهاية فقالوا :( إِلَيْهِ ) أي إن لم تكن له تلك الحالة( كَنْزٌ ) أي يوجد له هذا الأمر ويتجدد له إلقاؤه غير مكترث ولا معبوء به ، برفعه عن مماثلتنا العامة من كل وجه ، وأيضا التعبير في هذا والذي بعده بالمضارع أدل على تكالبهم على الدنيا وأنها أكبر همهم. ثم تنزلوا أيضا في قولهم :( أَوْ تَكُونُ لَهُ ) أي إن لم تكن له شيء مما مضى( جَنَّةٌ ) أي بستان أو حديقة كما لبعض أكابرنا( يَأْكُلُ مِنْها ) فتفرغه عما يتعاطاه في بعض الأحايين من طلب المعاش ، ويكون غناه أعز له وأجلب للخواطر إليه ، وأحث لعكوف الأتباع عليه ، وأنجع فيما يريده ـ هذا على قراءة الجماعة بالياء التحتية ، وعلى قراءة حمزة والكسائي بالنون يكون المعنى : أنا إذا أمكنا منها ، كان ذلك أجلب لنا إلى اتباعه ، وما قالوه كله فاسد إذ لم يدّع هوصلى‌الله‌عليه‌وسلم ولا أحد من أتباعه أنه هو ولا أحد من الأنبياء قبله يباين البشر ، ولا أن وصفا من أوصاف البشر الذاتية ينافي النبوة والرسالة ، وأما الاستكثار من الدنيا فهو عائق في الأغلب عن السفر إلى دار

٢٩٨

الكرامة ، وموطن السلامة ، وحامل على التجبر ، ولا يفرح به إلا أدنياء الهمم ، وخفة ذات اليد لا تقدح إلا في ناقص يسأل الناس تصريحا أو تلويحا إرادة لتكميل نقصه بالحطام الفاني ، وقد شرف الله نبيهصلى‌الله‌عليه‌وسلم عن ذلك بما له من صفات الكمال ، والأخلاق العوال.

ولما كانوا بهذا واضعين الكلام في غير مواضعه ، بعيدين عن وجه الصواب ، قال معجبا من أمرهم :( وَقالَ الظَّالِمُونَ ) فأظهر الوصف الموجب لهم ذلك :( إِنْ ) أي ما( تَتَّبِعُونَ ) إن اتبعتم( إِلَّا رَجُلاً مَسْحُوراً ) أي يتكلم بما لا يجديه ، فحاله لذلك حال من غلب على عقله بالسحر ، أو ساحرا صار السحر له طبعا ، فهو يفرق بما جاء به بين المرء وزوجه وولده ونحو ذلك ، وعبروا بصيغة المفعول إشارة إلى هذا ، وهو أنه لكثرة ما يقع منه من ذلك ـ صار كأنه ينشأ عنه على غير اختياره.

( انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً (٩) تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً (١٠) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً (١١) إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً (١٢) وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً (١٣) لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً (١٤) )

ولما أتم سبحانه ما ذكر من أقوالهم الناشئة عن ضلالهم ، التفت سبحانه إلى رسولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم مسليا له فقال :( انْظُرْ ) ثم أشار إلى التعجب منهم بأن ما قالوه يستحق الاستفهام بقوله :( كَيْفَ ضَرَبُوا ) وقدم ما به العناية فقال :( لَكَ الْأَمْثالَ ) فجعلوك تارة مثلهم في الاحتياج إلى الغذاء ، وتارة نظيرهم في التوسل إلى التوصل إلى الأرباح والفوائد ، بلطيف الحيلة وغريز العقل ، وتارة مغلوب العقل مختلط المزاج تأتي بما لا يرضى به عاقل ، وتارة ساحرا تأتي بما يعجز عنه قواهم ، وتحير فيه أفكارهم( فَضَلُّوا ) أي عن جميع طرق العدل ، وسائر أنحاء البيان بسبب ذلك فلم يجدوا قولا يستقرون عليه وأبعدوا جدا( فَلا يَسْتَطِيعُونَ ) في الحال ولا في المآل ، بسبب هذا الضلال( سَبِيلاً ) أي سلوك سبيل من السبل الموصلة إلى ما يستحق أن يقصد ، بل هم في مجاهل موحشة ، وفيافي مهلكة.

ولما ثبت أنه لا وجود لهم لأنهم لا علم لهم ولا قدرة ، وأنهم لا يمن لهم ولا بركة ، لا على أنفسهم ولا غيرهم ، أثبت لنفسه سبحانه ما يستحق من الكمال الذي يفيض به على من يشاء من عباده ما يشاء فقال :( تَبارَكَ ) أي ثبت ثباتا مقترنا باليمن

٢٩٩

والبركة ، لا ثبات إلا هو( الَّذِي إِنْ شاءَ ) فإنه لا مكره له( جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ ) أي الذي قالوه على سبيل التهكم ؛ ثم أبدل منه قوله :( جَنَّاتٍ ) فضلا عن جنة واحدة( تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ) أي تكون أرضها عيونا نابعة ، أي موضع أريد منه إجراء نهر جرى ، فهي لا تزال ريا تغني صاحبها عن كل حاجة ولا تحوجه في استثمارها إلى سقي.

ولما كان القصر ـ وهو البيت المشيد ـ ليس مما يستمر فيه الجعل كالجنة التي هذه صفتها ، عبر فيه بالمضارع إيذانا بالتجديد كلما حصل خلل يقدح في مسمى القصر فقال :( وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً ) أي بيوتا مشيدة تسكنها بما يليق بها من الحشم والخدم ، قال البغوي : والعرب تسمي كل بيت مشيد قصرا. وهذه العبارة الصالحة لأن يجعل له سبحانه ذلك في الدنيا مما فتت في أعضادهم ، وخافوا غائلتها فسهلت من قيادهم ، لعلمهم بأن مرسله قادر على ما يريد ، لكنه سبحانه أغناه عن ذلك بتأييده بالأعوان ، من الملائكة والإنس والجان ، حتى اضمحل أمرهم ، وعيل صبرهم ، ولم يشأ سبحانه ما أشار إليه في هذه الآية الشريفة في هذه الدنيا الفانية ، وأخره إلى الآخرة الباقية ، وقد عرض سبحانه عليه ما شاء من ذلك في الدنيا فأباه ، روى البغوي من طريق ابن المبارك ، والترمذي ـ وقال : حسن عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «عرض عليّ ربي أن يجعل لي بطحاء مكة ذهبا ، فقلت : لا يا رب! ولكن أشبع يوما وأجوع يوما ، فإذا جعت تضرعت إليك ودعوتك ، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك (١) » وروي من طريق أبي الشيخ عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لو شئت لسارت معي جبال الذهب جاءني ملك إن حجزته لتساوي الكعبة فقال : إن ربك يقرأ عليك السّلام ويقول لك : إن شئت نبيا عبدا وإن شئت نبيا ملكا ،فنظرت إلى جبريل عليه الصلاة والسّلام فأشار إلي أن ضع نفسك ، فقلت : نبيا عبدا قال : فكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بعد ذلك لا يأكل متكئا ويقول : «آكل كما يأكل العبد ، وأجلس كما يجلس العبد »(٢) . وسيأتي في سورة سبأ عند وأرسلنا( لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ ) [سبأ : ١٢] ما يتم هذا ، ولا يبعد عندي أن يكون أشير بالآية الشريفة ـ وإن كانت في أسلوب الشرط إلى ما فتح عليهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من الحدائق التي لم يكن مثلها في بلاد العرب لما فتح الله عليه خيبر ووادي القرى ، وتصرف في ذلك بنفسه الشريفة وأكل منه وإلى ما فتح على أصحابه من

__________________

(١) أخرجه أحمد ٢١٦٨٦ والترمذي ٢٣٤٧ عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه ، وفي إسناده علي بن يزيد الألهاني ، وهو ضعيف كما في التقريب.

(٢) تقدم تخريجه.

٣٠٠