• البداية
  • السابق
  • 661 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 713 / تحميل: 77
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 5

مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
العربية

فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً (٧٦) قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً (٧٧) )

ولما ذكر وصفهم الذي فاقوا به ، أشار إلى وصف الجهلة الذي سفلوا به ، فقال :( وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا ) أي ذكرهم غيرهم كائنا من كان ، لأنهم يعرفون الحق بنفسه لا بقائله( بِآياتِ رَبِّهِمْ ) أي الذي وفقهم لتذكر إحسانه إليهم في حسن تربيته لهم بالاعتبار بالآيات المرئية والمسموعة( لَمْ يَخِرُّوا ) أي لم يفعلوا فعل الساقطين المستعلين( عَلَيْها ) الساترين لها ؛ ثم زاد في بيان إعراضهم وصدهم عنها فقال منبها على أن المنفي القيد لا المقيد ، وهو الخرور ، بل هو موجود غير منفي بصفة السمع والبصر :( صُمًّا وَعُمْياناً ) أي كما يفعل المنافقون والكفار في الإقبال عليها سماعا واعتبارا ، والإعراض عنها تغطية لما عرفوا من حقيتها ، وسترا لما رأوا من نورها ، فعل من لا يسمع ولا يبصر كما تقدم عن أبي جهل وأبي سفيان والأخنس بن شريق ، وذلك وصف لعباد الرحمن بفعل ضد هذا ، أي أنهم يسقطون عند سماعها ويكبون عليها ، سقوط سامع منتفع بسمعه ، بصير منتفع ببصره وبصيرته ، سجدا يبكون كما تقدم في أول أوصافهم وإن لم يبلغوا أعلى درجات البصيرة ـ بما أشارت إليه المبالغة بزيادة النون جمع العمى.

ولما ذكر هذه الخصلة المثمرة لما يلي الخصلة الأولى ، ختم بما ينتج الصفة الأولى. فقال مؤذنا بأن إمامة الدين ينبغي أن تطلب ويرغب فيها :( وَالَّذِينَ يَقُولُونَ ) علما منهم بعد اتصافهم بجميع ما مضى أنهم أهل للإمامة :( رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا ) اللاتي قرنتها بنا كما فعلت لنبيكصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فمدحت زوجته في كلامك القديم ، وجعلت مدحها يتلى على تعاقب الأزمان والسنين( وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ ) ولما كان المتقون ـ الذين يفعلون الطاعة ويسرون بها ـ قليلا في جنب العاصين ، أتى بجمع القلة ونكر فقال :( أَعْيُنٍ ) أي من الأعمال أو من العمال يأتمون بنا ، لأن الأقربين أولى بالمعروف ، ولا شيء أسر للمؤمن ولا أقر لعينه من أن يرى حبيبه يطيع الله ، فما طلبوا إلا أن يطاع الله فتقر أعينهم ، ف «من» إما أن تكون مثلها في : رأيت منك أسدا ، وإما أن تكون على بابها ، وتكون القرة هي الأعمال ، أي هب لنا منهم أعمالا صالحة فجعلوا أعمال من يعز عليهم هبة لهم ، وأصل القرة البرد لأن العرب تتأذى بالحر وتستروح إلى البرد ، فجعل ذلك كناية عن السرور( وَاجْعَلْنا ) أي إيانا وإياهم( لِلْمُتَّقِينَ ) أي عامة من الأقارب والأجانب.

ولما كان المطلوب من المسلمين الاجتماع في الطاعة حتى تكون الكلمة في

٣٤١

المتابعة واحدة ، أشاروا إلى ذلك بتوحيد الإمام وإن كان المراد الجنس ، فقالوا :( إِماماً ) أي فنكون علماء مخبتين متواضعين كما هو شأن إمامة التقوى في إفادة التواضع والسكينة ، لنحوز الأجر العظيم ، إذ الإنسان له أجره وأجر من اهتدى به فعمل بعمله «من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة »(١) وعكسه.

ولما وصف سبحانه عباده المؤمنين بضد أوصاف الكافرين من الرفق والسكينة ، والتواضع والحلم والطمأنينة والشكر لربهم والرغبة إليه والرهبة منه. وقال الرازي : فوصف مشيهم وخطابهم وانتصابهم له ودعاءهم ونفقاتهم ونزاهتهم وتيقظهم وانتباههم وصدقهم ومحبتهم ونصحهم. تشوف السامع إلى ما لهم عنده بعد المعرفة بما للكافرين ، فابتدأ الخبر عن ذلك بتعظيم شأنهم فقال :( أُوْلئِكَ ) أي العالو الرتبة ، العظيمو المنزلة. ولما كان المقصود إنما هو الجزاء ، بني للمفعول قوله :( يُجْزَوْنَ ) أي فضلا من الله على ما وفقهم له من هذه الأعمال الزاكية ، والأحوال الصافية( الْغُرْفَةَ ) أي التي هي لعلوها واتساعها وطيبها لا غرفة غيرها ، لأنها منتهى الطلب ، وغاية الأرب ، لا يبغون عنها حولا ، ولا يريدون بها بدلا ، وهي كل بناء عال مرتفع ، والظاهر أن المراد بها الجنس.

ولما كانت الغرب في غاية التعب لمنافاتها لشهوات النفس وهواها وطبع البدن ، رغب فيها بأن جعلها سببا لهذا الجزاء فقال :( بِما صَبَرُوا ) أي أوقعوا الصبر على أمر ربهم ومرارة غربتهم بين الجاهلين في أفعالهم وأقوالهم وأحوالهم ، وغير ذلك من معاني جلالهم.

ولما كان المنزل لا يطيب إلا بالكرامة والسلامة ، قال :( وَيُلَقَّوْنَ ) أي يجعلهم الله لاقين بأيسر أمر ؛ وعلى قراءة حمزة والكسائي وأبي بكر عن عاصم بالتخفيف والبناء للفاعل والأمر واضح( فِيها تَحِيَّةً ) أي دعاء بالحياة من بعضهم لبعض ، ومن الملائكة الذين لا يرد دعاؤهم ، ولا يمترى في إخبارهم ، لأنهم عن الله ينطقون ، وذلك على وجه الإكرام والإعظام مكان ما أهانهم عباد الشيطان( وَسَلاماً ) أي من الله ومن الملائكة وغيرهم ، وسلامة من كل آفة مكان ما أصابوهم بالمصائب.

ولما كان هذا ناطقا بدوام حياتهم سالمين بصريحه ، وبعظيم شرفهم بلازمه ، دل على أنهم لا يبرحون عنه بقوله :( خالِدِينَ فِيها ) أي الغرفة مكان ما أزعجوهم من ديارهم حتى هاجروا ؛ ودل على علو أمرها ، وعظيم قدرها ، بإبراز مدحها في مظهر

__________________

(١) أخرجه أحمد ٤ / ٣٥٧ و٣٥٨ ومسلم ١٠١٧ والنسائي ٥ / ٧٥ والترمذي ٢٦٧٥ وابن ماجة ٢٠٣ والطبراني ٢٣٧٥ عن جرير رضي الله تعالى عنه من حديث طويل.

٣٤٢

التعجب فقال :( حَسُنَتْ ) أي ما أحسنها( مُسْتَقَرًّا ) أي موضع استقرار( وَمُقاماً ) أي موضع إقامة.

ولما ثبت أمر الرحمانية ، فظهر أمر الرحمن وما عليه عباده من الدعاء الذي هو الخضوع والإخلاص ، وختم أوصافهم الحسنة بالدعاء حقيقة الدال على الإخلاص في الخضوع ، وذكر حسن جزائهم وكريم منقلبهم ، أمر النذير أن يقول لعباد الشيطان الذين تكبروا عن السجود للرحمن ، وعن الاعتراف والإيمان ، ليرجعوا عن العصيان ، ويزداد المؤمنون في الطاعات والإيمان : إن ربه لا يعتد بمن لا يدعوه ، فمن ترك دعاءه فليرتقب العذاب الدائم ، فقال :( قُلْ ما يَعْبَؤُا ) أي يعتد ويبالي ويجعلكم ممن يسد به في موضع التعبئة الآن ـ على أن «ما» نافية( بِكُمْ ) أي أيها الكافرون( رَبِّي ) أي المحسن إليّ وإليكم برحمانيته ، المخصص لي بالإحسان برحيميته ، وإنما خصه بالإضافة لاعترافه دونهم( لَوْ لا دُعاؤُكُمْ ) أي نداؤكم له في وقت شدائدكم الذي أنتم تبادرون إليه فيه خضوعا له به لينجيكم ، فإذا فعلتم ذلك أنقذكم مما أنتم فيه ، معاملة لكم معاملة من يبالي بالإنسان ويعتد به ويراعيه ، ولو لا دعاؤه إياكم لتعبدوه رحمة لكم لتزكوا أنفسكم وتصفّوا أعمالكم ولا تكونوا حطبا للنار( فَقَدْ كَذَّبْتُمْ ) أي فتسبب عن ذلك لسوء طباعكم ضد ما كان ينبغي لكم من الشكر والخير بأن عقبتم بالإنجاء وحققتم وقرنتم التكذيب بالرحمن بعد رحمتكم بالبيان مع ضعفكم وعجزكم ، وتركتم ذلك الدعاء له وعبدتم الأوثان ، وادعيتم له الولد وغيره من البهتان ، أو ما يعتد بكم شيئا من الاعتداد لو لا دعاؤكم إياه وقت الشدائد ، فهو يعتد بكم لأجله نوع اعتداد ، وهو المدة التي ضربها لكم في الدنيا لا غيرها ، بسبب أنكم قد كذبتم ، أو ما يصنع بكم لو لا دعاؤه إياكم إلى طاعته ، لأنكم قد كذبتم ، فكنتم شرا من البهائم ، فدعاكم فتسبب عن دعائه إياكم أنكم فاجأتم الداعي بالتكذيب ، والحاصل أنه ليس فيكم الآن ما يصلح أن يعتد بكم لأجله إلا الدعاء ، لأنكم مكذبون ، وإنما قلت : «الآن» لأن «ما» لا تدخل إلا على مضارع بمعنى الحال ، عكس «لا»( فَسَوْفَ ) أي فتسبب عن تكذيبكم أنه يجازيكم على ذلك ، ولكنه مع قوته وقدرته واختياره لا يعاجلكم ، بل( يَكُونُ ) جزاء هذا التكذيب عند انقضاء ما ضربه لكم من الآجال ، وكل بعيد عندكم قريب عنده ، وكل آت قريب ، فتهيؤوا واعتدوا لذلك اليوم( لِزاماً ) أي لازما لكم لزوما عظيما لا انفكاك له عنكم بحال ، وهذا تنبيه على ضعفهم وعجزهم ، وذلهم وقهرهم ، لأن الملزوم لا يكون إلا كذلك ، فأسرهم يوم بدر من أفراد هذا التهديد ، فقد انطبق آخر السورة على أولها بالإنذار بالفرقان ، لمن أنكر حقيقة الرحمن ـ والله ولي التوفيق بالإيمان.

٣٤٣

بسم الله الرحمن الرحيم

سورة الشعراء

مكية ـ آياتها مائتان وسبع وعشرون

( طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (٤) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) )

مقصودها أن هذا الكتاب بين في نفسه بإعجازه أنه من عند الله ، مبين لكل ملتبس ، ومن ذلك بيان آخر التي قبلها بتفصيله ، وتنزيله على أحوال الأمم وتمثيله ، وتسكين أسفهصلى‌الله‌عليه‌وسلم خوفا من أن يعم أمته الهوان بعدم الإيمان ، وأن يشتد قصدهم لأتباعه بالأذى والعدوان بما تفهمه( سَوْفَ ) من طول الزمان ، بالإشارة إلى إهلاك من علم منه دوام العصيان ، ورحمة من أراده للهداية والإحسان ، وتسميتها بالشعراء أدل دليل على ذلك بما يفارق به القرآن الشعر من علو مقامه ، واستقامة مناهجه وعز مرامه ، وصدق وعده ووعيده وعدل تبشيره وتهديده ، وكذا تسميتها بالظلة إشارة إلى أنه أعدل في بيانه ، أو أدل في جميع شأنه ، من المقادير التي دلت عليها قصة شعيبعليه‌السلام بالمكيال والميزان ، وأحرق من الظلة لمن يبارزه بالعصيان.( بِسْمِ اللهِ ) الذي دل علو كلامه ، على عظمة شأنه وعز مرامه( الرَّحْمنِ ) الذي لا يعجل على من عصاه( الرَّحِيمِ ) الذي يحيي قلوب أهل وده بالتوفيق لما يرضاه( طسم ) لعله إشارة إلى الطهارة الواقعة بذي طوى من طور سيناء وطيبة ومكة وطيب ما نزل على محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم مما يجمع ذلك كله ـ كما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما ما يرشد إلى ذلك ، وإلى خلاص بني إسرائيل بما سمعه موسىعليه‌السلام من الكلام القديم ، وبإتمام أمرهم بتهيئتهم للملك بإغراق فرعون وجنوده ونصرهم على من ناوأهم في ذلك الزمان بعد تطهيرهم بطول البلاء الذي أوصلهم إلى ذل العبودية ، وذلك كله إشارة إلى تهديد قريش بأنهم إن لم يتركوا لددهم فعل بهم ما فعل بفرعون وجنوده من الإذلال بأي وجه أراد. وخلص عباده منهم ، وأعزهم على كل من ناوأهم.

٣٤٤

ولما فرق سبحانه في تلك بين الدين الحق والمذهب الباطل ، وبين ذلك غاية البيان ، وفصل الرحمن من عباد الشيطان ، وأخبر أنه عم برسالتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم جميع الخلائق ، وختم بشديد الإنذار لأهل الإدبار ، بعد أن قال( فَقَدْ كَذَّبْتُمْ ) وكان حين نزولها لم يسلم منهم إلا القليل ، وكان ذلك ربما أوهم قرب إهلاكهم وإنزال البطش بهم ، كما كان في آخر سورة مريم ، وأشارت الأحرف المقطعة إلى مثل ذلك ، فأوجب الأسف على فوات ما كان يرجى من رحمتهم بالإيمان ، والحفظ عن نوازل الحدثان ، وكان ذلك أيضا ربما أوجب أن يظن ظان ، أن عدم إسلامهم لنقص في البيان ، أزال ذلك سبحانه أول هذه فقال( تِلْكَ ) أي الآيات العالية المرام ، الحائزة أعلى مراتب التمام ، المؤلفة من هذه الحروف التي تتناطقون بها وكلمات لسانكم( آياتُ الْكِتابِ ) أي الجامع لكل فرقان( الْمُبِينِ ) أي الواضح في نفسه أنه معجز ، وأنه من عند الله ، وأن فيه كل معنى جليل ، الفارق لكل مجتمع ملتبس بغاية البيان ، فصح أنه كما ذكر في التي قبلها ، فإن الإبانة هي الفصل والفرق ، فصار الإخبار بأنه فرقان مكتنفا الإنذار أول السورة التي قبلها وآخرها ـ والله الموفق.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما عرفت سورة الفرقان بشنيع مرتكب الكفرة المعاندين ، وختمت بما ذكر من الوعيد ، كان ذلك مظنة لإشفاقه عليه الصلاة والسّلام وتأسفه على فوات إيمانهم ، لما جبل عليه من الرحمة والإشفاق ، فافتتحت السورة الأخرى بتسليته عليه الصلاة والسّلام ، وأنه سبحانه لو شاء لأنزل عليهم آية تبهرهم وتذل جبابرتهم فقال سبحانه( لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ) ـ الآيتين ، وقد تكرر هذا المعنى عند إرادة تسليته عليه الصلاة والسّلام كقوله تعالى :( وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى ) [الأنعام : ٣٥] ،( وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ) [السجدة : ١٣] ،( وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً ) [يونس : ٩٩] ،( وَلَوْ شاءَ اللهُ ما فَعَلُوهُ ) [الأنعام : ١٣٧] ثم أعقب سبحانه بالتنبيه والتذكير( أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ، وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى ) وقلّما تجد في الكتاب العزيز ورود تسليتهعليه‌السلام إلا معقبة بقصص موسىعليه‌السلام وما كابد من بني إسرائيل وفرعون ، وفي كل قصة منها إحراز ما لم تحرزه الأخرى من الفوائد والمعاني والأخبار حتى لا تجد قصة تتكرر وإن ظن ذلك من لم يمعن النظر ، فما من قصة من القصص المتكررة في الظاهر إلا ولو سقطت أو قدر إزالتها لنقص من الفائدة ما لا يحصل من غيرها ، وسيوضح هذا في التفسير بحول الله ؛ ثم أتبع جل وتعالى قصة موسى بقصص غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام مع أممهم على الطريقة المذكورة ، وتأنيسا له عليه الصلاة

٣٤٥

والسّلام حتى لا يهلك نفسه أسفا على فوت إيمان قومه ؛ ثم أتبع سبحانه ذلك بذكر الكتاب وعظيم النعمة به فقال( وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ ) فيا لها كرامة تقصر الألسن عن شكرها ، وتعجز العقول عن تقديرها ، ثم أخبر تعالى أنه( بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ، ) ثم أخبر سبحانه بعلى أمر هذا الكتاب وشائع ذكره على ألسنة الرسل والأنبياء فقال : «وإنه لفي زبر الأولين» وأخبر أن علم بني إسرائيل من أعظم آية وأوضح برهان وبينة ، وأن تأمل ذلك كاف ، واعتباره شاف ، فقال :( أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ ) كعبد الله بن سلام وأشباهه ، ثم وبخ تعالى متوقفي العرب فقال :( وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ ) ـ الآية ، ثم أتبع ذلك بما يتعظ به المؤمن الخائف من أن الكتاب ـ مع أنه هدى ونور ـ قد يكون محنة في حق طائفة كما قال تعالى :( يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً ) [البقرة : ٢٦] ،( وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ ) [التوبة : ١٢٥] فقال تعالى في هذا المعنى( كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ ) الآيات ، ثم عاد الكلام إلى تنزيه الكتاب وإجلاله عن أن تتسور الشياطين على شيء منه أو تصل إليه فقال سبحانه( وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ ) أي ليسوا أهلا له ولا يقدرون على استراق سمعه ، بل هم معزولون عن السمع ، مرجومون بالشهب ، ثم وصى تعالى نبيهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ والمراد المؤمنون ـ فقال :( فَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ) ثم أمره بالإنذار ووصاه بالصبر فقال :( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) ثم أعلم تعالى بموقع ما توهموه ، وأهلية ما تخيلوه ، فقال :( هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ) ثم وصفهم ، وكل هذا تنزيه لنبيهصلى‌الله‌عليه‌وسلم عما تقولوه ، ثم هددهم وتوعدهم فقال :( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) ـ انتهى.

ولما كان قد قدم في تلك أنه عم برسالته جميع الخلائق ، وختم بالإنذار على تكذيبهم في تخلفهم ، مع إزاحة جميع العلل ، ونفي كل خلل ، وكان ذلك مما يقتضي شدة أسفهصلى‌الله‌عليه‌وسلم على المتخلفين كما هو من مضمون( إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً ) على ما تقدم. وذلك لما عندهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من مزيد الشفقة ، وعظيم الرحمة ، قال تعالى يسليه ، ويزيل من أسفه ويعزيه ، على سبيل الاستئناف ، مشيرا إلى أنه لا نقص في إنذاره ولا في كتابه الذي ينذر به يكون سببا لوقوفهم عن الإيمان. وإنما السبب في ذلك محض إرادة الله تعالى :( لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ) أي مهلكها غمّا ، وقاتلها أسفا ، من بخع الشاة إذا بالغ في ذبحها حتى قطع البخاع ، بكسر الموحدة ، وهو عرق باطن في الصلب

٣٤٦

وفي القفا ، وذلك أقصى حد الذابح ، وهو غير النخاع بتثليث النون فإنه الخيط الأبيض في جوف الفقار (أن) أي لأجل أن لا( يَكُونُوا ) أي كونا كأنه جبلة لهم( مُؤْمِنِينَ ) أي راسخين في الإيمان ، فكان كأنه قيل : هذا الكتاب في غاية البيان في نفسه والإبانة للغير ، وقد تقدم في غير موضع أنه ليس عليك إلا البلاغ ، أتخاف وتشفق على نفسك من الهلاك غمّا تأسفا على عدم إيمانهم والحال أنا لو شئنا لهديناهم طوعا أو كرها ، والظاهر أن جملة الإشفاق في موضع حال من اسم الإشارة كما أن الآية التي بعدها في موضع الحال منها ، أي نحن نشير إلى الآيات المبينة لمرادنا فيهم والحال أنك ـ لمزيد حرصك على نفعهم ـ بحال يشفق فيها عليك من لا يعلم الغيب من أن تقتل نفسك غمّا لإبائهم الإيمان والحال أنا لو شئنا أتيناهم بما يقهرهم ويذلهم للإيمان وغيره.

ولما كان المحب ميالا إلى ما يريد حبيبه ، أعلمهم أن كل ما هم فيه بإرادته فقال :( إِنْ نَشَأْ ) وعبر بالمضارع فيه وفي قوله :( نُنَزِّلْ ) إعلاما بدوام القدرة. ولما كان ذلك الإنزال من باب القسر ، والجبروت والقهر ، قال :( عَلَيْهِمْ ) وقال محققا للمراد :( مِنَ السَّماءِ ) أي التي جعلنا فيها بروجا للمنافع ، وأشار إلى تمام القدرة بتوحيدها فقال :( آيَةً ) أي قاهرة كما فعلنا ببعض من قبلهم بنتق الجبل ونحوه ؛ وأشار إلى تحقق أثرها بالتعبير بالماضي في قوله عطفا على( نُنَزِّلْ ) لأنه في معنى (أنزلنا :)( فَظَلَّتْ ) أي عقب الإنزال من غير مهلة( أَعْناقُهُمْ ) التي هي موضع الصلابة ، وعنها تنشأ حركات الكبر والإعراض( لَها ) أي للآية دائما ، ولكنه عبر بما يفهم النهار لأنه موضع القوة على جميع ما يراد من التقلب والحيل والمدافعة( خاضِعِينَ ) جمعه كذلك لأن الفعل لأهلها ليدل على أن ذلهم لها يكون مع كونهم جميعا ، ولا يغني جمعهم وإن زاد شيئا ، والأصل : فظلوا ، ولكنه ذكر الأعناق لأنها موضع الخضوع فإنه يظهر لينها بعد صلابتها ، وانكسارها بعد شماختها ، وللإشارة إلى أن الخضوع يكون بالطبع من غير تأمل لما أبهتهم وحيرهم من عظمة الآية ، فكأن الفعل للأعناق لا لهم ؛ والخضوع : التطامن والسكون واللين ذلا وانكسارا( وَما ) أي هذه صفتنا والحال أنه ما( يَأْتِيهِمْ ) أي الكفار( مِنْ ذِكْرٍ ) أي شيء من الوعظ والتذكير والتشريع يذكروننا به ، فيكون سبب ذكرهم وشرفهم( مِنَ الرَّحْمنِ ) أي الذي أنكروه مع إحاطة نعمه بهم( مُحْدَثٍ ) أي بالنسبة إلى تنزيله وعلمهم به ؛ وأشار إلى دوام كبرهم بقوله :( إِلَّا كانُوا ) أي كونا هو كالخلق لهم ؛ وأشار بتقديم الجار والمؤذن بالتخصيص إلى ما لهم من سعة الأفكار وقوة الهمم لكل ما يتوجهون إليه ، وإلى أن لإعراضهم عنه من القوة ما يعد الإعراض معه عن غيره عدما فقال :( عَنْهُ ) أي خاصة( مُعْرِضِينَ ) أي إعراضا هو صفة لهم لازمة.

٣٤٧

( فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٦) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩) وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) )

ولما كان حال المعرض عن الشيء حال المكذب به قال :( فَقَدْ ) أي فتسبب عن هذا الفعل منهم أنهم قد( كَذَّبُوا ) أي حققوا التكذيب وقربوه كما تقدم آخر تلك ، واستهزؤوا مع التكذيب بآياتنا.

ولما كان التكذيب بالوعيد سببا في إيقاعه ، وكان حالهم في تكذيبهم لهصلى‌الله‌عليه‌وسلم حال المستهزىء لأن من كذب بشيء خف عنده قدره ، فصار عرضة للهزء ، قال مهددا :( فَسَيَأْتِيهِمْ ) سببه بالفاء وحققه بالسين ، وقلل التنفيس عما في آخر الفرقان ليعلموا أن ما كذبوا به واقع. وأنه ليس موضعا للتكذيب بوجه( أَنْبؤُا ) أي عظيم أخبار وعواقب( ما ) أي العذاب الذي( كانُوا ) أي كونا كأنهم جبلوا عليه( بِهِ ) أي خاصة لشدة إمعانهم في حقه وحده( يَسْتَهْزِؤُنَ ) أي يهزؤون ، ولكنه عبر بالسين إشارة إلى أن حالهم في شدة الرغبة في ذلك الهزء حال الطالب له ، وقد ضموا إليه التكذيب ، فالآية من الاحتباك : ذكر التكذيب أولا دليلا على حذفه ثانيا ، والاستهزاء ثانيا دليلا على حذف مثله أولا.

ولما كانت رؤيتهم للآيات السماوية والأرضية الموجبة للانقياد والخضوع موجبة لإنكار تخلفهم عما تدعو إليه فضلا عن الاستهزاء ، وكان قد تقدم آخر تلك الحثّ على تدبر بروج السماء وما يتبعها من الدلالات فكان التقدير : ألم يروا إلى السماء كم أودعنا في بروجها وغيرها من آيات نافعة وضارة كالأمطار والصواعق ، عطف عليه ما ينشأ عن ذلك في الأرض في قوله معجبا منهم :( أَوَلَمْ يَرَوْا ) .

ولما كانوا في عمى عن تدبر ذلك ، عبر للدلالة عليه بحرف الغاية فقال :( إِلَى الْأَرْضِ ) أي على سعتها واختلاف نواحيها وتربها ؛ ونبه على كثرة ما صنع من جميع الأصناف فقال :( كَمْ أَنْبَتْنا ) أي بما لنا من العظمة( فِيها ) بعد أن كانت يابسة ميتة لا نبات بها( مِنْ كُلِّ زَوْجٍ ) أي صنف مشاكل بعضه لبعض ، فلم يبق صنف يليق بهم في العاجلة إلا أكثرنا من الإنبات منه( كَرِيمٍ ) أي جم المنافع ، محمود العواقب ، لا خباثة فيه ، من الأشجار والزروع وسائر النباتات على اختلاف ألوانها في زهورها وأنوارها ، وطعومها وأقدارها ، ومنافعها وأرواحها ـ إلى غير ذلك من أمور لا يحيط بها حدا ولا يحصيها عدا ، إلا الذي خلقها ، مع كونها تسقى بماء واحد ؛ والكريم وصف لكل ما يرضى في بابه ويحمد ، وهو ضد اللئيم.

٣٤٨

ولما كان ذلك باهرا للعقل منبها له في كل حال على عظيم اقتدار صانعه ، وبديع اختياره ، وصل به قوله :( إِنَّ فِي ذلِكَ ) أي الأمر العظيم من الإنبات ، وما تقدمه من العظات على كثرته( لَآيَةً ) أي علامة عظيمة جدا لهم على تمام القدرة على البعث وغيره ، كافية في الدعاء إلى الإيمان ، والزجر عن الطغيان ، ولعله وحّدها على كثرتها إشارة إلى أن الدوالّ عليه متساوية الأقدام في الدلالة ، فالراسخون تغنيهم واحدة ، وغيرهم لا يرجعون لشيء( وَ ) الحال أنه( ما كانَ ) في الشاكلة التي خلقتهم عليها( أَكْثَرُهُمْ ) أي البشر( مُؤْمِنِينَ ) أي عريقين في الإيمان ، لأنه «ما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون»( وَإِنَ ) أي والحال أن( رَبَّكَ ) أي الذي أحسن إليك بالإرسال ، وسخر لك قلوب الأصفياء ، وزوى عنك اللد الأشقياء( لَهُوَ ) .

ولما كان المقام لإنزال الآية القاهرة ، قدم قوله :( الْعَزِيزُ ) أي القادر على كل من قسرهم على الإيمان والانتقام منهم( الرَّحِيمُ ) في أنه لم يعاجلهم بالنقمة ، بل أنزل عليهم الكتاب ترفقا بهم ، وبيانا لما يرضاه ليقيم به الحجة على من أريد للهوان ، ويقبل بقلوب من يختصه منهم للإيمان ، قال أبو حيان : والمعنى أنه عز في نقمته من الكفار ، ورحم مؤمني كل أمة ـ انتهى. ومن هنا شرع سبحانه وتعالى في تمثيل آخر الفرقان في إظهار القدرة بالبطش عند النقمة حيث لم يشكر النعمة بأن أبى المدعو الإجابة لدعوة الرسل ، وترك الداعي ـ عقب الانقياد من الشدائد ـ التضرع للمرسل ، وقص أخبار الأمم على ما هي عليه بحيث لم يقدر أحد من أهل الكتاب الذين هم بين ظهرانيهم على إنكار شيء من ذلك ، ومن ثم قرع أسماعهم ، أول شيء بقصتهم من فرعون ، وموسىعليه‌السلام ، فصح قطعا أن هذا الكتاب جلي الأمر ، على القدر ، ليس بكهانة ، ولا شعر ، كما سيؤكد ذلك عند إظهار النتيجة في آخرها ، بل هو من عند رب العالمين ، على لسان سيد المرسلين ، وصح أن أكثر الخلق مع ذلك هالك وإن قام الدليل. ووضح السبيل. لأن سلك الذكر في قلوبهم شبيه في الضيق بنظم السهم فيما يرمى به ، وصح أنه سبحانه يملي لهم وينعم عليهم بما فيه حياة أديانهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب ، وما فيه حياة أبدانهم بالإيتاء من كل ما يحتاجونه إظهارا لصفة الرحمة. ثم ينتقم منهم بعد طول المهلة ، وتماديهم في سكرات الغفلة ، كشفا لصفة العزة ، كل ذلك تسلية لهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وتخفيفا وإعلاما بأنه لا قصور في بيانه ، ولا تقصير لديه.

ولما اقتضى وصف العزة الإهلاك ، ووصف الرحمة الإمهال ، وكان الأول مقدما ، وكانت عادتهم تقديم ما هم به أهم ، وهو لهم أعنى ، خيفت غائلته ، فأتبع ذلك أخبار هذه الأمم ، دلالة على الوصفين معا ترغيبا وترهيبا ، ودلالة على أن الرحمة سبقت

٣٤٩

الغضب ، وإن قدم الوصف اللائق به ، فلا يعذب إلا بعد البيان مع طول الإمهال ، وأخلى قصة أبيهم إبراهيمعليه‌السلام من ذكر الإهلاك إشارة إلى البشارة بالرفق ببنيه العرب في الإمهال كما رفق بهم في الإنزال والإرسال ، ولما كان مع ذلك في هذه القصة تسلية للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وسلم فيما يقاسيه من الأذى والتكذيب ، وكانت التسلية بموسى وإبراهيمعليهما‌السلام أتم ، لما لهما من القرب ، والمشاركة في الهجرة ، والقصد إلى الأرض المقدسة ، وكان قد اختص موسىعليه‌السلام بالكتاب الذي ما بعد القرآن مثله والآيات التي ما أتى بمثلها أحد قبله ، وإقرار عينه بهداية قومه ، وحفظهم بعده بالكتاب ، وسياسة الأنبياء المجددين لشريعته ، وعدم استئصالهم بالعذاب والانتقام بأيديهم من جميع أعدائهم ، وفتح بلاد الكفرة على أيديهم بعدهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى غير ذلك مما شابهوا به هذه الأمة مع مجاورتهم للعرب حتى في دار الهجرة ، وموطن النصرة ، ليكون في إقرارهم على ما يسمعون من أخبارهم أعظم معجزة ، وأتم دلالة ، قدمهما مقدما لموسى ـعليهما‌السلام ، والتحية والإكرام ـ فإن كان القصد تسكين ما أورثه آخر تلك من خوف الملازمة بالعذاب نظرا إلى وصف العزة ، فالتقدير : اذكر أثر رحمتنا بطول إمهالنا لقومك ـ وهم على أشد ما يكون من الكفر والضلال في أيام الجاهلية ـ برحمتنا الشاملة بإرسالك إليهم وأنت أشرف الرسل ، وإنزال هذا الكتاب الذي هو أعظم الكتب (هو) اذكر( إِذْ ) وعلى تقدير التسلية يكون العطف على تلك لأن المراد بها التنبيه ، فالتقدير : خذ آيات الكتاب واذكر إذ( نادى رَبُّكَ ) أي المحسن إليك بكل ما يمكن الإحسان به في هذه الدار ، وعلى تقدير الترهيب يكون التقدير : أو لم يروا إذ نادى ربك ، وعدّوا رائين لذلك لأن اليهود في بلادهم وفي حد القرب منهم ، فإما أن يكونوا عالمين بالقصة بما سمعوه منهم ، أو متهيئين لذلك لإمكانهم من سؤالهم ؛ ثم ذكر المنادى فقال :( مُوسى ) وأتبعه ما كان له النداء فقال مفسرا لأن النداء في معنى القول :( أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ ) أي الذين فيهم قوة وأيّ قوة( الظَّالِمِينَ ) أي بوضعهم قوتهم على النظر الصحيح المؤدي للإيمان في غير موضعها.

( قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ (١١) قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤) قالَ كَلاَّ فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥) فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ (١٧) قالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) )

ولما كان كأنه قيل : أيّ قوم؟ قال مبدلا إشارة إلى أن العبارتين مؤداهما واحد لأنهم عريقون في الظلم ، لظلمهم أنفسهم بالكفر وغيره ، وظلم بني إسرائيل وغيرهم من العباد :( قَوْمَ فِرْعَوْنَ ) .

٣٥٠

ولما كان المقصود بالرسالة تخويفهم من الله تعالى ، وإعلامهم بجلاله ، استأنف قوله معلما بذلك في سياق الإنكار عليهم ، والإيذان بشديد الغضب منهم ، والتسجيل عليهم بالظلم ، والتعجيب من حالهم في عظيم عسفهم فيه ، وأنه قد طال إمهاله لهم وهم لا يزدادون إلا عتوا ولزوما للموبقات :( أَلا يَتَّقُونَ ) أي يحصل منهم تقوى.

ولما كان من المعلوم أن من أتى الناس بما يخالف أهواءهم. لم يقبل ، أخبر من تشوف إلى معرفة جوابه أنه أجاب بما يقتضي الدعاء بالمعونة ، لما عرف من خطر هذا المقام ، بقوله ملتفتا إلى نحو( يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً ) [الفرقان : ٣٠]( قالَ رَبِ ) أي أيها الرفيق بي( إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ) أي فلا يترتب على إتياني إليهم أثر ، ويبغون لي الغوائل ، فاجعل لي قبولا ومهابة تحرسني بها ممن يريدني بسوء ، ويجوز أن يريد ب (أخاف) أعلم أو (أظن ، فيكون «أن» مخففة ، فيكون الفعلان معطوفين على( يُكَذِّبُونِ ) في قراءة الجمهور بالرفع مع جواز العطف على (أخاف) فيكون التقدير :( وَ ) أخاف أنه ، أو قال : إني( يَضِيقُ صَدْرِي ) عند تكذيبهم أو خوفي من تكذيبهم لي انفعالا كما هو شأن أهل المروءات ، وأرباب علو الهمم ، لما غرز فيهم من الحدة والشدة في العزيمة إذا لم يجدوا مساغا( وَلا يَنْطَلِقُ ) ونصب يعقوب الفعلين عطفا على( يُكَذِّبُونِ ) على أن (أن) ناصبة( لِسانِي ) أي في التعبير عما ترسلني إليهم به ، لما فيه من الحبسة في الأصل بسبب تعقده لتلك الجمرة التي لدغته في حال الطفولية ، فإذا وقع التكذيب أو خوفه وضاق القلب ، انقبض الروح إلى باطنه فازدادت الحبسة ، فمست الحاجة إلى معين يقوي القلب فيعين على إطلاق اللسان عند الحبسة لئلا تختل الدعوة( فَأَرْسِلْ ) أي فتسبب عن ذلك الذي اعتذرت به عن المبادرة إلى الذهاب عند الأمر أني أسألك في الإرسال( إِلى هارُونَ ) أخي ، ليكون رسولا من عندك فيكون لي عضدا على ما أمضى له من الرسالة فيعين على ما يحصل من ذلك ، وليس اعتذاره بتعلل في الامتثال ، وكفى بطلب العون دليلا على التقبل ، لا على التعلل.

ولما ذكر ما تؤثره الرسالة ، وقدم الإشارة إلى استكشافه لأنه أهم ، أتبعه ما يترتب على مطلق التظاهر لهم فضلا عن مواجهتهم بما يكرهون فقال :( وَلَهُمْ عَلَيَ ) أي بقتلي نفسا منهم ؛ وقال :( ذَنْبٌ ) وإن كان المقتول غير معصوم تسمية له بما يزعمونه ، ولذلك قيده ب «لهم» وأيضا فلكونه ما كان أتاه فيه من الله تعالى أمر بخصوصه( فَأَخافُ ) بسبب ذلك( أَنْ يَقْتُلُونِ ) أي بذلك ، مع ما أضمه إليه من التعرض لهم ، فلا أتمكن من أداء الرسالة ، فإذا كان هارون معي عاضدني في إبلاغها ، وكل ذلك استكشاف واستدفاع للبلاء ، واستعلام للعافية ، لا توقف في القبول ـ كما مضى التصريح به في سورة طه.

٣٥١

ولما استشرفت النفس إلى معرفة جوابه عن هذه الأمور المهمة شفى عناءها بقوله ، إعلاما بأنه سبحانه استجاب له في كل ما سأل :( قالَ ) قول كامل القدرة شامل العلم كما هو وصفه سبحانه :( كَلَّا ) أي ارتدع عن هذا الكلام ، فإنه لا يكون شيء مما خفت ، لا قتل ولا غيره ـ وكأنه لما كان التكذيب مع ما قام على الصدق من البراهين ، المقوية لصاحبها ، الشارحة لصدره ، المعلية لأمره ، عد عدما ـ وقد أجبناك إلى الإعانة بأخيك( فَاذْهَبا ) أي أنت وهو متعاضدين ، إلى ما أمرتك به ، مؤيدين( بِآياتِنا ) الدالة على صدقكما على ما لها من العظمة بإضافتها إلينا ؛ ثم علل تأمينه له بقوله :( إِنَّا ) بما لنا من العظمة( مَعَكُمْ ) أي كائنون عند وصولكما إليهم فيمن اتبعكما من قومكما ؛ ثم أخبر خبرا آخر بقوله :( مُسْتَمِعُونَ ) أي سامعون بما لنا من العظمة في القدرة وغيرها من صفات الكمال ، إلى ما تقولان لهم ويقولون لكما ، فلا نغيب عنكم ولا تغيبون عنا ، فنحن نفعل معكما من المعونة والنصر فعل القادر الحاضر لما يفعل بحبيبه المصغي له بجهده ، ولذلك عبر بالاستماع ؛ قال أبو حيان : وكان شيخنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير يرجح أن يكون أريد بصورة الجمع المثنى والخطاب لموسى وهارون فقط. لأن لفظة «مع» تباين من يكون كافرا ، فإنه لا يقال : الله معه ، وعلى أنه أريد بالجمع التثنية حمله سيبويه كأنهما لشرفهما عند الله تعالى عاملهما في الخطاب معاملة الجمع إذ كان ذلك جائزا أن يعامل به الواحد لشرفه وعظمته ـ انتهى. وهو كلام نفيس مؤيد بتقديم الظرف ، ويكون حينئذ خطابهما مشاكلا لتعظيم المتكلم سبحانه نفسه ، لأن المقام للعظمة ، وعظمة الرسول من عظمة المرسل ، على أنه يجوز أن يكون ذلك إشارة إلى البشارة بمن يتبعهما كما قدرته ، ويجوز أن تكون المعية للكل كما في قوله تعالى :( ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ ) [المجادلة : ٧].

ولما نفى سبحانه أن يكون شيء مما خافه موسىعليه‌السلام على هذا الوجه المؤكد ، وكان ظهور ذلك في مقارعة الرأس أدل وأظهر ، صرح به في قوله :( فَأْتِيا ) أي فتسبب عن ذلك الضمان بالحراسة والحفظ أني أقول لكما : ائتيا( فِرْعَوْنَ ) نفسه ، وإن عظمت مملكته ، وجلّت جنوده( فَقُولا ) أي ساعة وصولكما له ولمن عنده :( إِنَّا رَسُولُ ) أفرده مريدا به الجنس الصالح للاثنين ، إشارة بالتوحيد إلى أنهما في تعاضدهما واتفاقهما كالنفس الواحدة ، ولا تخالف لأنه إما وقع مرتين كل واحدة بلون ، أو مرة بما يفيد التثنية والاتفاق ، فساغ التعبير بكل منهما ، ولم يثنّ هنا لأن المقام لا اقتضاء له للتنبيه على طلب نبيناصلى‌الله‌عليه‌وسلم المؤازرة بخلاف ما مر في سورة طه( رَبِّ الْعالَمِينَ ) أي المحسن إلى جميع الخلق المدبر لهم ؛ ثم ذكر له ما قصد من الرسالة إليه فقال معبرا

٣٥٢

بأداة التفسير لأن الرسول فيه معنى الرسالة التي تتضمن القول :( أَنْ أَرْسِلْ ) أي خلّ وأطلق ؛ وأعاد الضمير على معنى رسول فقال :( مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ ) أي قومنا الذين استعبدتهم ظلما ، ولا سبيل لك عليهم ، نذهب بهم إلى الأرض المقدسة التي وعدنا الله بها على ألسنة الأنبياء من آبائنا عليهم الصلاة والسّلام.

ولما كان من المعلوم أنهما امتثلا ما أمرهما الله ، فأتياه وقالا له ما أمرا به ، تشوفت النفس إلى جوابه لهما ، فقال تعالى التفاتا إلى مثل قوله في التي قبلها( وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ) [الفرقان : ٧] ، و( إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً ) [الأنبياء : ٣٦] ونحو ذلك تسلية لهذا النبي الكريم وتحقيقا لمعنى قوله تعالى( كَلَّا ) و( مُسْتَمِعُونَ ) من أن فرعون وإن بالغ في الإبراق والإرعاد لا يروع موسىعليه‌السلام شيء منه :( قالَ ) أي فرعون حين أبلغاه الرسالة مخاطبا لموسىعليه‌السلام علما منه أنه الأصل فيها ، وأخوه إنما هو وزير ، منكرا عليه مواجهته بمثل هذا ومانّا عليه ليكف من جرأته بتصويب مثل هذا الكلام إليه :( أَلَمْ نُرَبِّكَ ) أي بعظمتنا التي شاهدتها( فِينا وَلِيداً ) أي صغيرا قريب عهد بالولادة( وَلَبِثْتَ فِينا ) أي لا في غيرنا ، باعتبار انقطاعك إلينا ، وتعززك في الظاهر بنا( مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ) أي كثيرة ، فلنا عليك بذلك من الحق ما ينبغي أن يمنعك من مواجهتنا بمثل هذا ، وكأنه عبر بما يفهم النكد كناية عن مدة مقامه عنده بأنها كانت نكدة لأنه وقع فيما كان يخافه ، وفاته ما كان يحتاط به من ذبح الأطفال.

( وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (١٩) قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ (٢٢) قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٣) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) )

ولما ذكّره منة تحمله على الحياء منه ، ذكّره ذنبا هو أهل لأن يخاف من عاقبته فقال مهولا له بالكناية عنه :( وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ) أي من قتل القبطي ، ثم أكد نسبته إلى ذلك مشيرا إلى أنه عامله بالحلم تخجيلا له فقال :( الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ ) أي والحال أنك( مِنَ الْكافِرِينَ ) أي لنعمتي وحق تربيتي بقتل من ينسب إليّ ، أو عده منهم لسكوته عنهم إذ ذاك ، لأنه لم يكن قبل الرسالة مأمورا فيهم بشيء ، فكان مجاملا لهم ، فكأنه قال : وأنت منا. فما لك الآن تنكر علينا وتنسبنا إلى الكفر؟( قالَ ) مجيبا له على طريق النشر المشوش ، واثقا بوعد الله بالسلامة مقرا بما دندن عليه من القتل لأنه لم يكن

٣٥٣

متحققا لذلك ، وما ترك قتله إلا التماسا للبينة :( فَعَلْتُها إِذاً ) أي إذ قتلته( وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ) أي لا أعرف دينا ، فأنا واقف عن كل وجهة حتى يوجهني ربي إلى ما يشاء ـ قال ابن جرير : والعرب تضع الضلال موضع الجهل والجهل موضع الضلال ـ انتهى. وقد تقدم في الفاتحة للحرالي في هذا كلام نفيس ـ على أن هذه الفعلة كانت مني خطأ( فَفَرَرْتُ ) أي فتسبب عن فعلها وتعقبه أني فررت( مِنْكُمْ ) أي منك لسطوتك ومن قومك لإغرائهم إياك عليّ( لَمَّا خِفْتُكُمْ ) على نفسي أن تقتلوني بذلك القتيل الذي قتلته خطأ مع كونه كافرا مهدر الدم( فَوَهَبَ لِي رَبِّي ) الذي أحسن إليّ بتربيتي عندكم تحت كنف أمي آمنة مما أحدثتم من الظلم خوفا مني( حُكْماً ) أي علما أعمل به عمل الحكام الحكماء( وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) أي فاجهد الآن جهدك فإني لا أخافك لقتل ولا غيره.

ولما اجتمع في كلام فرعون منّ وتعيير ، بدأ بجوابه عن التعيير لأنه الأخير فكان أقرب ، ولأنه أهم ، ثم عطف عليه جوابه عما منّ به ، فقال موبخا له مبكتا منكرا عليه غير أنه حذف حرف الإنكار إجمالا في القول وإحسانا في الخطاب :( وَتِلْكَ ) أي التربية الشنعاء العظيمة في الشناعة التي ذكر تنيها( نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ. )

ولما كان سببها ظلمه لقومه ، جعله نفسها فقال مبدلا منها تنبيها على إحباطها ، وإعلاما بأنها ـ بكونها نقمه ـ أولى منها في عدها نعمة :( أَنْ عَبَّدْتَ ) أي تعبيدك وتذليلك على ذلك الوجه البديع المبعد قومي( بَنِي إِسْرائِيلَ ) أي جعلتهم عبيدا ظلما وعدوانا وهم أبناء الأنبياء ، ولسلفهم يوسفعليه‌السلام عليكم من المنة ـ بإحياء نفوسكم أولا ، وعتق رقابكم ثانيا ـ ما لا تقدرون له على جزاء أصلا ، ثم ما كفاك ذلك حتى فعلت ما لم يفعله مستعبد ، فأمرت بقتل أبنائهم ، فكان ذلك سبب وقوعي إليك لأسلم من ظلمك ـ كما مر بيانه ويأتي إن شاء الله تعالى مستوفى في سورة القصص.

ولما كلم اللئيم الذميم الكليم العظيم بما رجا أن يكفه عن مواجهته بما يكره ، ويرجعه إلى مداراته. فلم يفعل ، وفهم ما في جوابه هذا الأخير من الذم له والتعجيز ، وإثبات القدرة التامة والعلم الشامل لله ، بما دبر في أمر موسىعليه‌السلام ، وأنه لا ينهض لذلك بجواب ولا يحمد له فيه قول ، عدل عنه إلى جوابه عن الرسالة بما يموه به أيضا على قومه لئلا يرجعوا عنه ، فأخبر تعالى عن محاورته في ذلك بقوله على طريق الجواب لمن كأنه قال : ما قال له جوابا لهذا الكلام ، الذي كأنه السهام؟ :( قالَ فِرْعَوْنُ ) حائدا عن جواب موسىعليه‌السلام لما فيه من تأنيبه وتعجيزه. منكرا لخالقه على سبيل التجاهل ، كما أنكر هؤلاء الرحمن متجاهلين وهم أعرف الناس بغالب

٣٥٤

أفعاله ، كما كان فرعون يعرف ، لقول موسىعليه‌السلام ( لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) [الإسراء : ١٠٢] :( وَما رَبُّ الْعالَمِينَ ) أي الذي زعمت أنكما رسوله. فسأل ب «ما» عن حقيقته وإنما أراد في الحقيقة إنكاره.

ولما كان تعريف حقيقته سبحانه بنفسها محالا لعدم التركيب ، فكان تعريفها لا يصح إلا بالخارج اللازم الجلي ، تشوف السامع إلى ما يجيب به عنه ، فاستأنف قوله إخبارا عنه :( قالَ ) أي موسى معرضا عن التعريف بغير الأفعال إعلاما بأنه لا شبيه له ، وأنه مباين وجوده لوجود كل شيء سواه ، معرفا له سبحانه بأظهر أفعاله مما لا يقدر أحد على ادعاء المشاركة فيه ، مشيرا إلى خطابه في طلب الماهية بأنه لا مماثل له : أقول لك ولمن أردت بطلب الحقيقة التمويه عليهم : هو( رَبُ ) أي خالق ومبدع ومدبر( السَّماواتِ ) كلها( وَالْأَرْضِ ) وإن تباعدت أجرامها بعضها عن بعض( وَما بَيْنَهُمَا ) وذلك أظهر العالم الذي هو صنعته وأنتم غير مستغنين عنه طرفة عين ، فهذه هي المنة ، لا منتك عليّ بالتربية إلى حين استغنيت عنك ، وهذا هو الاستعباد بالإحسان ، مع العصيان بالكفران ، لا استعبادك لقومي بإهلاكهم وهم في طاعتك ، ولسلفهم عليكم من المنة ما لا تجهلونه( إِنْ كُنْتُمْ ) أي كونا راسخا( مُوقِنِينَ ) أي متصفين بما عليه أهل العلم بأصول الدين من الثقة بما تعتقدون اتصافا ثابتا ، والجواب : علمتم ذلك ، وعلمتم أنه لا جواب أسد منه ، لأن المذكور متغير ، فله مغير لا يتغير ، وهو هذا الذي أرسلنا ، أي إن كان لكم يقين فأنتم تعرفونه ، لشدة ظهوره ، وعموم نوره( قالَ ) أي فرعون( لِمَنْ حَوْلَهُ ) من أشراف قومه مموها أيضا :( أَلا تَسْتَمِعُونَ ) أي تصغون إليه بجميع جهدكم ، وهو كلام ظاهره أنه نبههم عن الإنكار ، لأنه سأل عن الماهية ، فأجيب بغيرها ، ويحتمل غير ذلك لو ضويق فيه ، فهو من خفيّ مكره.

( قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨) قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣) قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) )

ولما وبخ اللعين في جوابه ، وكان ربما ادعى أن الخافقين وما بينهما من الفضاء غير مخلوق ، فتشوف السامع إلى جواب يلزمه ، استأنف الشفاء لعيّ هذا السؤال بقوله :( قالَ ) أي موسى ، مخصصا بعد ما عمم بشيء لا تمكن المنازعة فيه لمشاهدة وجود

٣٥٥

أفراده بعد أن لم تكن :( رَبُّكُمْ ) أي الموجد لكم والمربي والمحسن( وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ) وفرعون ـ الذي تقرون بأنه ربكم ـ كان إذ ذاك عدما محضا ، أو ماء صرفا في ظهر أبيه ، فبطل كون أحد منهم ربا لمن بعده كما بطل كون أحد ممن قبلهم من الهالكين ربّا لهم ، لأن الكل عدم.

فلما أوضح بذلك بطلان ما حملهم على اعتقاده من ربوبيته لم يتمالك أن( قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ ) على طريق التهكم ، إشارة إلى أن الرسول ينبغي أن يكون أعقل الناس ، ثم زاد الأمر وضوحا بقوله :( الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ ) أي وأنتم أعقل الناس( لَمَجْنُونٌ ) حيث لا يفهم أني أسأله عن حقيقة مرسله فكيف يصلح للرسالة من الملوك.

فلما أساء الأدب ، فاشتد تشوف السامع إلى معرفة جوابه عنه ، استأنف تعالى الإخبار بذلك ، فحكى أنه ذكر له ما لا يمكنه أن يدعي طاعته له ، وهو أكثر تغيرا وأعجب تنقلا بأن( قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ) أي الشروق والغروب ووقتهما وموضعهما( وَما بَيْنَهُما ) أي من الناس الذين ليسوا في طاعتكم ، والحيوان والجماد ، بسبب ما ترون من قدرته على تقليب النيرات من بزوغ الشمس والقمر والنجوم وأفولها وما يظهر عنهما من الليل والنهار على تصاريف مختلفة ، وحركات متقاربة لو لا هي لما علمتم شيئا من أموركم ، ولا تمكنتم من أحوالكم ، وهذا الدليل أبين الكل لتكرر الحركة فيه وغير ذلك من معالمه ، ولذلك بهت نمرود لما ألقاه عليه الخليل عليه الصلاة والسّلام.

ولما دعاهصلى‌الله‌عليه‌وسلم باللين فأساء الأدب عليه في الجواب الماضي ، ختم هذا البرهان بقوله :( إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ) أي فأنتم تعلمون ذلك ، فخيرهم بين الإقرار بالجنون أو العقل ، بما أشار إليه من الأدلة في مقابلة ما نسبوه إليه من الجنون بسكوتهم وقول عظيمهم بغير شبهة ، ردا لهم عن الضلالة ، وإنقاذا من واضح الجهالة ، فكان قوله أنكأ مع أنه ألطف ، وأوضح مع أنه أستر وأشرف.

فلما علم أنه قد قطعه بما أوضح من الأمر ، ووصل معه في الغلظة إلى ما إن سكت عنه أوهن من حاله ، وفتر من عزائم رجاله ، تكلم بما السكوت أولى منه ، فأخبر تعالى عنه بقوله :( قالَ ) عادلا عن الحجاج بعد الخوض فيه إلى المغالبة التي هي أبين علامات الانقطاع :( لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي ) أي تعمدت أخذه وأفردته بتوجيه جميع قصدك إليه( لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ) أي واحدا ممن هم في سجوني على ما تعلم من حالي في اقتداري ، ومن سجوني في فظاعتها ، ومن حال من فيها من شدة الحصر ، والغلظ في الحجر( قالَ ) مدافعا بالتي هي أحسن إرخاء للعنان ، لإرادة البيان ، حتى لا

٣٥٦

يبقى عذر لإنسان ، رجاء النزوع عن الطغيان ، والرجوع إلى الإيمان ، لأن من العادة الجارية السكون إلى الإنصاف ، والرجوع إلى الحق والاعتراف( أَوَلَوْ ) أي أتسجنني ولو( جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ ) أي لرسالتي( قالَ ) طمعا في أن يجد موضعا للتكذيب أو التلبيس :( فَأْتِ بِهِ ) أي تسبب عن قولك هذا أني أقول لك : ائت بذلك الشيء( إِنْ كُنْتَ ) أي كونا أنت راسخ فيه( مِنَ الصَّادِقِينَ ) أي فيما ادعيت من الرسالة والبينة ، وهذا إشارة إلى أنه بكلامه المتقدم قد صار عنده في غير عدادهم ، ولزم عليه أنه لا يأتي بالمعجزة إلا الصادق لأنها تصديق من الله للمدعي ، وعادته سبحانه وتعالى جارية في أنه لا يصدق الكاذب( فَأَلْقى ) أي فتسبب عن ذلك وتعقبه أن ألقى.

ولما كان الكلام مع موسىعليه‌السلام ، فكان إضماره غير ملبس ، لم يصرح باسمه اكتفاء بضميره فقال :( عَصاهُ ) أي التي تقدم في غير سورة أن الله تعالى أراه آياتها( فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ ) أي حية في غاية الكبر( مُبِينٌ ) أي ظاهر الثعبانية ، لا شك عند رائيه فيه ، لا كما يكون عند الأمور السحرية من التخييلات والتشبيهات( وَنَزَعَ يَدَهُ ) أي التي كانت احترقت لما أخذ الجمرة وهو في حجر فرعون ، وبذل فرعون جهده في علاجها بجميع من قدر عليه من الأطباء فعجز عن إبرائها ، نزعها من جيبه بعد أن أراه إياها على ما يعهده منها ثم أدخلها في جيبه( فَإِذا هِيَ ) بعد النزع( بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ ) أي بياضا تتوفر الدواعي على نظره لخروجه عن العادة بأن له نورا كنور الشمس يكاد يغشي الأبصار( قالَ ) أي فرعون( لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ ) لما وضح له الأمر ، يموه على عقولهم خوفا من إيمانهم :( إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ ) أي شديد المعرفة بالسحر ، وخص في هذه السورة إسناد هذا الكلام إليه لأن السياق كله لتخصيصه بالخطاب لما تقدم ، ونظرا إلى( فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ ) لأن خضوعه هو خضوع من دونه ، فدلالته على ذلك أظهر ، ولا ينفي ذلك أن يكون قومه قالوه إظهاره للطواعية ـ كما مضى في الأعراف.

( يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَما ذا تَأْمُرُونَ (٣٥) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (٤٠) فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (٤١) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢) قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣) فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ (٤٤) )

ولما أوقفهم بما خيلهم به ، أحماهم لأنفسهم فقال ملقيا لجلباب الأنفة لما قهره

٣٥٧

من سلطان المعجزة :( يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ ) أي هذه التي هي قوامكم( بِسِحْرِهِ ) أي بسبب ما أتى به منه ، فإنه يوجب استتباع الناس فيتمكن مما يريد بهم ؛ ثم قال لقومه ـ الذين كان يزعم أنهم عبيده وأنه إلههم ـ ما دل على أنه خارت قواه ، فحط عن منكبيه كبرياء الربوبية ، وارتعدت فرائصه حتى جعل نفسه مأمورا بعد أن كان يدعي كونه آمرا بل إلها قادرا :( فَما ذا تَأْمُرُونَ ) أي في مدافعته عما يريد بنا( قالُوا ) أي الملأ الذين كانوا يأتمرون به قبل الهجرة ليقتلوه :( أَرْجِهْ ) أي أخره( وَأَخاهُ ) ولم يأمروا بقتله ولا بشيء مما يقاربه ـ فسجان من يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده فيها به كل شيء ولا يهاب هو غير خالقه( وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ ) أي رجالا يحشرون السحرة ، وأصل الحشر الجمع بكرة( يَأْتُوكَ ) وكأنهم فهموا شدة قلقه فسكنوه بالتعبير بأداة الإحاطة وصيغة المبالغة فقالوا :( بِكُلِّ سَحَّارٍ ) أي بليغ السحر( عَلِيمٍ ) أي متناه في العلم به بعد ما تناهى في التجربة ؛ وعبر بالبناء للمفعول إشارة إلى عظمة ملكه فقال :( فَجُمِعَ ) أي بأيسر أمر لما له عندهم من العظمة( السَّحَرَةُ ) كما تقدم غير مرة( لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ) في زمانه ومكانه ، وهو ضحى يوم الزينة كما سلف في طه ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه وافق يوم السبت في أول يوم من سنتهم ، وهو يوم النيروز.( وَقِيلَ ) أي بقول من يقبل لكونه عن فرعون( لِلنَّاسِ ) أي كافة حثا لهم على الإسراع إلى الاجتماع بأمر فرعون ، وامتحانا لهم هل رجعوا عن دينه ، علما منه بأن ما ظهر من المعجزة ـ التي منها عجزه عن نوع أذى لمن واجهه بما لا مطمع في مواجهته بأدناه ـ لم يدع لبسا في أنه مربوب مقهور ، وأن ذلك موجب لاتباع موسىعليه‌السلام :( هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ ) أي اجتماعا أنتم راسخون فيه لكونه بالقلوب كما هو بالأبدان ، كلكم ليكون أهيب لكم ، وزين لهم هذا القائل البقاء على ما كانوا عليه من الباطل بذكر جانب السحرة وإن كان شرط فيه الغلبة ، ولم يسمح بذكر جانب موسىعليه‌السلام فقال :( لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ ) لأن من امتثل أمر الملك كان حاله حال من يرجى منه اتباع حزبه( إِنْ كانُوا هُمُ ) أي خاصة( الْغالِبِينَ ) أي غلبة لا يشك في أنها ناشئة عن مكنة ونعرض عن أمر موسى الذي تنازع الملك في أمره ، وهذا مرادهم في الحقيقة ، وعبر بهذا كناية عنه لأنه أدل على عظمة الملك ، وعبر بأداة الشك إظهارا للإنصاف ، واستجلابا للناس ، مع تقديرهم لقطعهم بظفر السحرة. لما رسخ في أذهانهم في الأزمنة المتطاولة من الضلال الذي لا غفلة لإبليس عن تزيينه مع أن تغيير المألوف أمر في غاية العسر. وقال :( فَلَمَّا ) بالفاء إيذانا بسرعة حشرهم ، إشارة إلى ضخامة ملكه. ووفور عظمته( جاءَ السَّحَرَةُ ) أي الذين كانوا في جميع بلاد مصر

٣٥٨

( قالُوا لِفِرْعَوْنَ ) مشترطين الأجر في حال الحاجة إلى الفعل ليكون ذلك أجدر بحسن الوعد ، ونجاح القصد( أَإِنَّ لَنا لَأَجْراً ) وساقوه مساق الاستفهام أدبا معه ، وقالوا :( إِنْ كُنَّا ) أي كونا نحن راسخون فيه( نَحْنُ ) خاصة( الْغالِبِينَ ) بأداة الشك مع جزمهم بالغلبة تخويفا له بأنه إن لم يحسن في وعدهم لم ينصحوا له ؛ ثم قيل في جواب من كأنه سأل عن جوابه :( قالَ ) مجيبا إلى ما سألوا :( نَعَمْ ) أي لكم ذلك ، وزادهم ما لا أحسن منه عند أهل الدنيا مؤكدا له فقال :( وَإِنَّكُمْ إِذاً ) أي إذا غلبتم( لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ) أي عندي ، وزاد (إذا) هنا زيادة في التأكيد لما يتضمن ذلك من إبعاده عن الإيمان من وضوح البرهان ، تخفيفا على المخاطب بهذا كلهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، تسلية له في الحمل على نفسه أن لا يكون من يدعوهم مؤمنين ، وما بعد ذلك من مسارعة السحرة للإيمان ـ بعد ما ذكر من إقسامهم بعزته بغاية التأكيد ـ تحقيق لآية( فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ ) .

ولما تشوف السامع إلى جواب نبي الله تعالى موسى عليه الصلاة والسّلام أجيب بقوله :( قالَ لَهُمْ مُوسى ) عليه‌السلام ، أي مريدا لإبطال سحرهم لأنه لا يتمكن منه إلا بإلقائهم ، لا لمجرد إلقائهم ، غير مبال بهم في كثرة ولا علم بعد ما خيروه ـ كما في غير هذه السورة :( أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ ) كائنا ما كان ، ازدراء له بالنسبة إلى أمر الله( فَأَلْقَوْا ) أي فتسبب عن قول موسىعليه‌السلام وتعقبه أن ألقوا( حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ ) التي أعدوها للسحر( وَقالُوا ) مقسمين :( بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ ) مؤكدين بأنواع التأكيد( إِنَّا لَنَحْنُ ) أي خاصة لا نستثني( الْغالِبُونَ ) قول واثق من نفسه مزمع على أن لا يدع بابا من السحر يعرفه إلا أتى به ، فكل من حلف بغير الله كأن يقول : وحياة فلان ، وحق رأسه ـ ونحو ذلك ، فهو تابع لهذه الجاهلية.

( فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (٤٥) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (٤٦) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (٤٨) قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩) قالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١) )

ولما قدم إضمار اسم موسىعليه‌السلام في الإلقاء الأول لأن الكلام كان معه ، فلم يكن إلباس في أنه الفاعل. وكان الكلام هنا في السحرة ، وختموا بذكر فرعون وعزته ، صرح باسم موسى عليه الصلاة والسّلام لنفي اللبس فقال :( فَأَلْقى ) أي فتسبب عن صنع السحرة وتعقبه أن ألقى( مُوسى ) وقابل جماعة ما ألقوه بمفرد ما ألقى ، لأنه أدل على المعجزة ، فقال :( عَصاهُ ) أي التي جعلناها آية له ، وتسبب عن إلقائه قوله :

٣٥٩

( فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ) أي تبتلع في الحال بسرعة ونهمة( ما يَأْفِكُونَ ) أي يصرفونه عن وجهه وحقيقته التي هي الجمادية بحيلهم وتخييلهم إلى ظن أنه حيات تسعى( فَأُلْقِيَ ) أي عقب فعلها من غير تلبث( السَّحَرَةُ ساجِدِينَ ) أي فسجدوا بسرعة عظيمة حتى كأن ملقيا ألقاهم بغير اختيارهم من قوة إسراعهم ، علما منهم بأن هذا من عند الله ، فأمسوا أتقياء بررة ، بعد ما جاؤوا في صبح ذلك اليوم سحرة.

ولما كان كأنه قيل : هذا فعلهم ، فما كان قولهم؟ قيل :( قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ ) أي الذي دعا إليه موسىعليه‌السلام أول ما تكلم ؛ ثم خصوه كشفا لتلبيس فرعون بما لا يحتمل غيره فقالوا بيانا :( رَبِ ) ولم يدع داع هنا إلى العدول عن الأصل ، فقال عبارة عن كلامهم :( مُوسى وَهارُونَ ) أي اللذين أحسنا إلينا بالتنبيه عليه ، والهداية إليه ، وصدقهما بما أجرى على أيديهما.

ولما خاف فرعون اتباع الناس لهم ، لما يرون مما هالهم من أمرهم ، وكان قد تقدم ما يعرف أن المنكر عليهم فرعون نفسه ، قال تعالى مخبرا عنه :( قالَ ) من غير ذكر الفاعل ـ أي فرعون ـ لعدم اللبس ، ومقصود السورة غير مقتض للتصريح كما في الأعراف بل ملائم للإعراض عنه والإراحة منه ، منكرا مبادرا موهما لأنه إنما يعاقب على المبادرة بغير إذن ، لا على نفس الفعل ، وأنه ما غرضه إلا التثبت ليؤخر بهذا التخييل الناس عن المبادرة بالإيمان إلى وقت ما( آمَنْتُمْ لَهُ ) أي لموسىعليه‌السلام ، أفرده بالضمير لأنه الأصل في هذه الرسالة ، وحقيقة الكلام : أوقعتم التصديق بما أخبر به عن الله لأجله إعظاما له بذلك( قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ) أي في الإيمان ؛ ثم علل فعلهم بما يقتضي أنه عن مكر وخداع ، لا عن حسن اتباع ، فقال :( إِنَّهُ ) أي موسىعليه‌السلام ( لَكَبِيرُكُمُ. )

ولما كان هذا مشعرا بنسبته له إلى السحر ، وأنه أعلم منهم به ، فلذلك غلبهم ، أوضحه بقوله :( الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ ) فتواعدتم معه على هذا الفعل ، لتنزعوا الملك من أربابه ، هذا وكل من سمعه يعلم كذبه قطعا ، فإن موسىعليه‌السلام ما ربي إلا في بيته ، واستمرّ حتى فر منهم إلى مدين ، لا يعلم سحرا ، ولا ألم بساحر ، ولا سافر إلا إلى مدين ، ثم لم يرجع إلا داعيا إلى الله ، ولكن الكذب غالب على قطر مصر ، وأهلها أسرع شيء سماعا له وانقيادا به.

ولما أوقف السامعين بما خيلهم به من هذا الباطل المعلوم البطلان لكل ذي بصيرة ، أكد المنع بالتهديد فقال :( فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) أي ما أفعل بكم ، أي فتسبب عما فعلتم أني أعاقبكم عقوبة محققة عظيمة ، وأتى بأداة التنفيس خشية من أن لا يقدر

٣٦٠