• البداية
  • السابق
  • 661 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 706 / تحميل: 77
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 5

مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
العربية

ولما كان من الشعر ـ كما قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ حكمة ،(١) وكان ـ كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها ـ بمنزلة الكلام منه حسن ومنه قبيح ، وكان من الشعراء من يمدح الإسلام والمسلمين ، ويهجو الشرك والمشركين ، ويزهد في الدنيا ويرغب في الآخرة ، ويحث على مكارم الأخلاق ، وينفر عن مساوئها(٢) ، وكان الفيصل بين قبيلي حسنة وقبيحة كثرة ذكر الله ، قال تعالى :( إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ) أي بالله ورسوله( وَعَمِلُوا ) أي تصديقا لإيمانهم( الصَّالِحاتِ ) أي التي شرعها الله ورسوله لهم( وَذَكَرُوا اللهَ ) مستحضرين ما له من الكمال( كَثِيراً ) لم يشغلهم الشعر عن الذكر ، بل بنوا شعرهم على أمر الدين والانتصار للشرع ، فصار لذلك كله ذكر الله ، ويكفي مثالا لذلك قصيدة عزيت لأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وجوابها لابن الزبعرى ، وكان إذ ذاك على شركه ، وذلك في أول سرية كانت في الإسلام. وهي سرية عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف رضي الله تعالى عنه ، فإن قصيدة أبي بكر رضي الله تعالى عنه ليس فيها بيت إلا وفيه ذكر الله إما صريحا وإما بذكر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أو شيء من دينه ، وما ليس فيه شيء من ذلك فهو آيل إليه لبنائه عليه ، وأما نقيضتها فلا شيء في ذلك فيها ؛ قال ابن إسحاق : قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه في غزوة عبيدة بن الحارث رضي الله تعالى عنه :

أمن طيف سلمى بالبطاح الدمائث

أرقت وأمر في العشيرة حادث

ترى من لؤيّ فرقة لا يصدها

عن الكفر تذكير ولا بعث باعث

رسول أتاهم صادق فتكذبوا

عليه وقالوا لست فينا بماكث

إذا ما دعوناهم إلى الحق أدبروا

وهروا هرير المجحرات اللواهث

فكم قد متتنا فيهم بقرابة

وترك التقى شيء لهم غير كارث

فإن يرجعوا عن كفرهم وعقوقهم

فما طيبات الحل مثل الخبائث

__________________

(١) أخرج البخاري رضي الله عنه حديث «إن من الشعر حكمة» برقم ٦١٤٥ وله في الأدب الفرد ٨٥٨ و٨٦٤ وأحمد ٥ / ١٢٥ وابنه ٥ / ١٢٦ وأبو داود ٥٠١٠ وابن ماجة ٣٧٥٥ والدارمي ٢ / ٢٩٦ والطيالسي ٥٥٦ وابن أبي شيبة ٨ / ٦٩١ وعبد الرزاق ٢٠٤٩٩ والبيهقي ١٠ / ٢٣٧ كلهم عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه. وفي الباب عن ابن عباس عن أحمد ١ / ٣٠٣ و٣٠٩ و٣٢٧ وأبو داود ٥٠١١ والترمذي ٢٨٤٥ وابن حبان ٥٧٧٨ و٥٧٨٠ والطبراني ١١٧٥٨ وما بعده وأبو يعلى ٢٣٣٢ وفي إسناده نظر.

وفي الباب عن ابن عمر وابن مسعود وعمّار رضي الله عنهم أجمعين ذلك عند أحمد.

(٢) لا يخفى حال شاعر الإسلام والنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم رضي الله عنه حسان وقد قالصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «اللهم أيده بروح القدس» وذلك لما دافع عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وهجا المشركين ومدح رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم والإسلام أخرج هذا الحديث البخاري ٣٢١٢ وأحمد ٥ / ٢٢٢ ومسلم ٣٤٨٥ والنسائي ٢ / ٤٨ وابن خزيمة ١٣٠٧ وابن حبان ١٦٥٣ وعبد الرزاق ١٧١٦ والبيهقي في السنن ٢ / ٤٤٨ والطحاوي ٤ / ٢٩٨ وغيرهم عن حسان نفسه وأبي هريرة وللحديث قصة.

٤٠١

وإن يركبوا طغيانهم وضلالهم

فليس عذاب الله عنهم بلابث

ونحن أناس من ذؤابة غالب

لنا العز منها في الفروع الأثائث

فأولي برب الراقصات عشية

حراجيج تخدي في السريح الرثائث

كأدم ظباء حول مكة عكف

يردن حياض البئر ذات النبائث

لئن لم يفيقوا عاجلا عن ضلالهم

ولست إذا آليت قولا بحانث

لتبتدرنهم غارة ذات مصدق

تحرّم أطهار النساء الطوامث

تغادر قتلى تعصب الطير حولهم

ولا ترأف الكفار رأف ابن حارث

فأبلغ بني سهم لديك رسالة

وكل كفور يبتغي الشر باحث

فإن تشعثوا عرضي على سوء رأيكم

فإني من أعراضكم غير شاعث

فأجابه ابن الزبعرى فقال :

أمن رسم دار أقفرت بالعثاعث

بكيت بعين دمعها غير لابث

ومن عجب الأيام والدهر كله

له عجب من سابقات وحادث

لجيش أتانا ذي عرام يقوده

عبيدة يدعى في الهياج ابن حارث

لنترك أصناما بمكة عكفا

مواريث موروث كريم لوارث

فلما لقيناهم بسمر ردينة

وجرد عتاق في العجاج لواهث

وبيض كأن الملح فوق متونها

بأيدي كماة كالليوث العوائث

نقيم بها إصعار ما كان مائلا

ونشفي الذحول عاجلا غير لابث

فكفوا على خوف شديد وهيبة

وأعجبهم أمر لهم أمر رائث

ولو أنهم لم يفعلوا ناح نسوة

أيامى لهم من بين نسء وطامث

وقد غودرت قتلى يخبر عنهم

حفيّ بهم أو غافل غير باحث

فأبلغ أبا بكر لديك رسالة

فما أنت عن أعراض فهر بماكث

ولما تجب مني يمين غليظة

تجدد حربا حلفه غير حانث

وروى البغوي بسنده من طريق عبد الرزاق من حديث كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه أنه قال للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم :إن الله قد أنزل في الشعر ما أنزل ، فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : إنالمؤمن يجاهد بسيفه ولسانه ، والذي نفسي بيده! لكأنما ترمونهم به نضح النبل (١) . وقد

__________________

(١) أخرجه أحمد ٣ / ٤٥٦ و٦ / ٣٨٧ عن كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه وهو حديث صحيح إسناده عن عبد الرزاق كالشمس هكذا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن ابن كعب بن مالك.

تنبيه : وقع في المسند «إن الله عزوجل قد أنزل في الشعر ...» مدرجة في كلام النبي ، والصواب أنها سؤال عن كعب رضي الله عنه كما في رواية أحمد الأولى والتي عند المصنف رحمهم‌الله.

٤٠٢

كان ابن عباس رضي الله عنهما ينشد الشعر ويستنشده في المسجد ، وروى الإمام أحمد حديث كعب هذا ، وروى النسائي برجال احتج بهم مسلم عن أنس رضي الله عنهما أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم. قال البغوي : وروي أنه ـ أي ابن عباس رضي الله عنهما دعا عمر بن أبي ربيعة المخزومي فاستنشده القصيدة التي قالها :

أمن آل نعمى أنت غاد فمبكر

غداة غد أم رائح فمهجر

وهي قريب من تسعين بيتا ، فلما فرغها أعادها ابن عباس وكان حفظها بمرة واحدة ، ويكفي الشاعر في التفصي عن ذم هذه الآية له أن لا يغلب عليه الشعر فيشغله عن الذكر حتى يكون من الغاوين ، وليس من شرطه أن لا يكون في شعره هزل أصلا ، فقد كان حسان رضي الله تعالى عنه ينشد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم مثل قوله في قصيدة طويلة مدحهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فيها :

كأن سيبئة من بيت رأس

يكون مزاجها عسل وماء

إذا ما الأشربات ذكرن يوما

فهن لطيب الراح الفداء

نوليها الملامة إن ألمنا

إذا ما كان مغث أو لحاء

ونشربها فتتركنا ملوكا

وأسدا ما ينهنهنا اللقاء

وقد كان تحريم الخمر سنة ثلاث من الهجرة أو سنة أربع ، وهذه القصيدة قالها حسان رضي الله تعالى عنه في الفتح سنة ثمان أو في عمرة القضاء سنة سبع ، فهي مما يقول الشاعر ما لا يفعل.

ولما عرف سبحانه بحال المستثنين في الذكر الذي هو أساس كل أمر ، أتبعه ما حملهم على الشعر من الظلم الذي رجاهم النصر فقال :( وَانْتَصَرُوا ) أي كلفوا أنفسهم أسباب النصر بشعرهم فيمن آذاهم( مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا ) أي وقع ظلم الظالم لهم بهجو ونحوه.

ولما أباح سبحانه الانتصار من الظالم ، وكان البادىء ـ إذا اقتصر المجيب على جوابه ـ أظلم ، وكان ـ إذا تجاوز ـ جديرا بأن يعتدي فيندم ، حذر الله الاثنين مؤكدا للوعيد بالسين في قوله الذي كان السلف الصالح يتواعظون به لأنك لا تجد أهيب منه ، ولا أهول ولا أوجع لقلوب المتأملين ، ولا أصدع لأكباد المتدبرين :( وَسَيَعْلَمُ ) وبالتعميم في قوله :( الَّذِينَ ظَلَمُوا ) أي كلهم من كانوا ، وبالتهويل بالإبهام في قوله :( أَيَّ مُنْقَلَبٍ ) أي في الدنيا والآخرة( يَنْقَلِبُونَ ) وقد انعطف آخرها ـ كما ترى بوصف الكتاب المبين بما وصف به من الجلالة والعظم بأنه من عند الله متنزلا به خير

٤٠٣

مليكته ، على أشرف خليقته ، مزيلا لكل لبس ، منفيا عنه كل باطل ، وبالختام بالوعيد على الظلم ـ على أولها في تعظيم الكتاب المبين ، وتسلية النبي الكريم ،صلى‌الله‌عليه‌وسلم ووعيد الكافرين الذين هم أظلم الظالمين ، واتصل بعدها في وصف القرآن المبين ، وبشرى المؤمنين ووعيد الكافرين ، فسبحان من أنزله على النبي الأمي الأمين ، هدى للعالمين ، وآية بينة بإعجازه للخلائق أجمعين ، باقية إلى يوم الدين.

٤٠٤

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة النمل

مكية ـ آياتها ثلاث وتسعون

( طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ (١) هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٣) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤) )

مقصودها وصف هذا الكتاب بالكفاية لهداية الخلق أجمعين ، بالفصل بين الصراط المستقيم ، وطريق الحائرين ، والجمع لأصول الدين ، لإحاطة علم منزله بالخفي والمبين ، وبشارة المؤمنين ، ونذارة الكافرين ، بيوم اجتماع الأولين والآخرين ، وكل ذلك يرجع إلى العلم المستلزم للحكمة ، فالمقصود الأعظم منها إظهار العلم والحكمة كما كان مقصود التي قبلها إظهار البطش والنقمة ، وأدل ما فيها على هذا المقصود ما للنمل من حسن التدبير ، وسداد المذاهب في العيش ، ولا سيما ما ذكر عنها سبحانه من صحة القصد في السياسة ، وحسن التعبير عن ذلك القصد ، وبلاغة التأدية( بِسْمِ اللهِ ) الذي كمل علمه فبهرت حكمته( الرَّحْمنِ ) الذي عم بالهداية بأوضح البيان( الرَّحِيمِ ) الذي منّ بجنان النعيم. على من ألزمه الصراط المستقيم( طس ) يشير إلى طهارة الطور وذي طوى منه وطيب طيبه ، وسعد بيت المقدس الذي بناه سليمان عليه الصلاة والسّلام التي انتشر منها الناهي عن الظلم ، وإلى أنه لما طهر سبحانه بني إسرائيل ، وطيبهم بالابتلاء فصبروا ، خلصهم من فرعون وجنوده بمسموع موسى عليه الصلاة والسّلام للوحي المخالف لشعر الشعراء ، وإفك الآثمين وزلته من الطور ، ولم يذكر تمام أمرهم بإغراق فرعون ، لأن مقصودها إظهار العلم والحكمة دون البطش والنقمة ، فلم يقتض الحال ذكر الميم.

ولما ختم التي قبلها بتحقيق أمر القرآن ، وأنه من عند الله ، ونفي الشبه عنه وتزييف ما كانوا يتكلفونه من تفريق القول فيه بالنسبة إلى السحر والأضغاث والافتراء

٤٠٥

والشعر ، الناشىء كل ذلك عن أحوال الشياطين ، وابتدأ هذه بالإشارة إلى أنه من الكلام القديم المسموع المطهر عن وصمة تلحقه من شيء من ذلك ، تلاه بوصفه بأنه كما أنه منظوم مجموع لفظا ومعنى لا فصم فيه ولا خلل ، ولا وصم ولا زلل ، فهو جامع لأصول الدين ناشر لفروعه ، بما أشار إليه من الكون من المسلمين فقال :( تِلْكَ ) أي الآيات العالية المقام البعيدة المرام ، البديعة النظام( آياتُ الْقُرْآنِ ) أي الكامل في قرآنيته الجامع للأصول ، الناشر للفروع ، الذي لا خلل فيه ولا فصم ، ولا صدع ولا وصم( وَ ) آيات( كِتابٍ ) أي وأيّ كتاب هو مع كونه جامعا لجميع ما يصلح المعاش والمعاد ، قاطع في أحكامه ، غالب في أحكامه ، في كل من نقضه وإبرامه ، وعطفه دون إتباعه للدلالة على أنه كامل في كل من قرآنيته وكتابيته( مُبِينٍ ) أي بين في نفسه أنه من عند الله كاشف لكل مشكل ، موضح لكل ملبس مما كان ومما هو كائن من الأحكام والدلائل في الأصول والفروع ، والنكت والإشارات والمعارف ، فيا له من جامع فارق واصل فاصل.

ولما كانت العناية في هذه السورة بالنشر ـ الذي هو من لوازم الجمع في مادة «قرا» كما مضى بيانه أول الحجر ـ أكثر ، قدم القرآن ، يدل على ذلك انتشارا أمر موسى عليه الصلاة والسّلام في أكثر قصته بتفريقه من أمه ، وخروجه من وطنه إلى مدين ، ورجوعه مما صار إليه إلى ما كان فيه ، والتماسه لأهله الهدى والصلى واضطراب العصى وبث الخوف منها ، وآية اليد وجميع الآيات التسع ، واختيار التعبير بالقوم الذي أصل معناه القيام ، وإبصار الآيات ، وانتشار الهدهد ، وإخراج الخبأ الذي منه تعليم منطق الطير ، وتكليم الدابة للناس ، وانتشار المرأة وقومها وعرشها بعد تردد الرسل بينها وبين سليمان عليه الصلاة والسّلام ، وكشف الساق ، وافتراق ثمود إلى فريقين ، مع الاختصام المشتت ، وانتثام قوم لوطعليه‌السلام إلى ما لا يحل ، وتفريق الرياح نشرا ، وتقسيم الرزق بين السماء والأرض ، ومرور الجبال ، ونشر الريح لنفخ الصور الناشىء عنه فزع الخلائق المبعثر للقبور ، إلى غير ذلك مما إذا تدبرت السورة انفتح لك بابه ، وانكشف عنه حجابه ، وهذا بخلاف ما في الحجر على ما مضى.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما أوضح في سورة الشعراء عظيم رحمته بالكتاب ، وبيان ما تضمنه مما فضح به الأعداء ، ورحم به الأولياء ، وبراءته من أن تتسور الشياطين عليه ، وباهر آياته الداعية من اهتدى بها إليه ، فتميز بعظيم آياته كونه فرقانا قاطعا ، ونورا ساطعا ، أتبع سبحانه ذلك مدحة وثناء ، وذكر من شملته رحمته به تخصيصا واعتناء ، فقال( تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ ) أي الحاصل عنها مجموع تلك الأنوار آيات

٤٠٦

القرآن( وَكِتابٍ مُبِينٍ هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ) ثم وصفهم ليحصل للتابع قسطه من بركة التبع ، وليتقوى رجاؤه في النجاة مما أشار إليه( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا ) من عظيم ذلك المطلع ؛ ثم أتبع ذلك بالتنبيه على صفة الآهلين لما تقدم من التقول والافتراء تنزيها لعباده المتقين ، وأوليائه المخلصين ، عن دنس الشكوك والامتراء فقال :( إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ ) أي يتحيرون فلا يفرقون بين النور والإظلام ، لارتباك الخواطر والأفهام ؛ ثم أتبع ذلك بتسليته عليه الصلاة والسّلام بالقصص الواقعة بعد تنشيطا له وتعريفا بعلي منصبه ، وإطلاعا له على عظيم صنعه تعالى فيمن تقدم ، ثم ختمت السورة بذكر أهل القيامة وبعض ما بين يديها ، والإشارة إلى الجزاء ونجاة المؤمنين ، وتهديد من تنكب عن سبيله عليه الصلاة والسّلام ـ انتهى.

ولما عظم سبحانه آيات الكتاب بما فيها من الجمع من النشر مع الإبانة ، ذكر حاله فقال :( هُدىً ) ولما كان الشيء قد يهدى إلى مقصود يكدر حال قاصده. قال نافيا لذلك ، وعطف عليه بالواو دلالة على الكمال في كل من الوصفين :( وَبُشْرى ) أي عظيمة.

فلما تشوفت النفوس ، وارتاحت القلوب ، فطم من ليس بأهل عن عظيم هذه الثمرة فقال :( لِلْمُؤْمِنِينَ ) أي الذين صار ذلك لهم وصفا لازما بما كان لهم قبل دعاء الداعي من طهارة الأخلاق ، وطيب الأعراق ، وفي التصريح بهذا الحال تلويح بأنه فتنة وإنذار للكافرين( يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ) ـ الآية ،( قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ ) [فصلت : ٤٤] ،( وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ) ـ إلى غير ذلك من الآيات.

ولما كان وصف الإيمان خفيا ، وصفهم بما يصدقه من الأمور الظاهرة فقال :( الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ) أي بجميع حدودها الظاهرة والباطنة من المواقيت والطهارات والشروط والأركان والخشوع والخضوع والمراقبة والإحسان إصلاحا لما بينهم وبين الخالق.

ولما كان المقصود الأعظم من الزكاة إنما هو التوسعة على الفقراء قال :( وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ ) أي إحسانا فيما بينهم وبين الخلائق.

ولما كان الإيمان بالبعث هو الجامع لذلك ولغيره من سائر الطاعات ، ذكره معظما لتأكيده ، فقال معلما بجعله حالا إلا أنه شرط لما قبله :( وَهُمْ ) أي والحال أنهم.

ولما كان الإيمان بالبعث هو السبب الأعظم للسعادة وهو محط للحكمة ، عبر فيه

٤٠٧

بما يقتضي الاختصاص ، لا للاختصاص بل للدلالة على غاية الرسوخ في الإيمان به ، فقال :( بِالْآخِرَةِ هُمْ ) أي المختصون بأنهم( يُوقِنُونَ ) أي يوجدون الإيقان حق الإيجاد ويجددونه في كل حين بما يوجد منهم من الإقدام على الطاعة ، والإحجام عن المعصية.

ولما أفهم التخصيص أن ثم من يكذب بها وكان أمرها مركوزا في الطباع ، لما عليها من الأدلة الباهرة في العقل والسماع ، تشوفت نفس السامع على سبيل التعجب إلى حالهم ، فقال مجيبا له مؤكدا تعجيبا ممن ينكر ذلك :( إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ) أي يوجدون الإيمان ويجددونه( بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا ) أي بعظمتنا التي لا يمكن دفاعها( لَهُمْ أَعْمالَهُمْ ) أي القبيحة ، حتى أعرضوا عن الخوف من عاقبتها مع ظهور قباحتها ، والإسناد إليه سبحانه حقيقي عند أهل السنة لأنه الموجد الحقيقي ، وإلى الشيطان مجاز سببي( فَهُمْ ) أي فتسبب عن ذلك أنهم( يَعْمَهُونَ ) أي يخبطون خبط من لا بصيرة له أصلا ويترددون في أودية الضلال ، ويتمادون في ذلك ، فهم كل لحظة في خبط جديد ، بعمل غير سديد ولا سعيد ، فإن العمه التحير والتردد كما هو حال الضال.

( أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥) وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦) إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧) فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨) يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) )

ولما خص المؤمنين بما علم منه أن لهم حسن الثواب ، وأنهم في الآخرة هم الفائزون ، ذكر ما يختص به هؤلاء من ضد ذلك فقال :( أُوْلئِكَ ) أي البعداء البغضاء( الَّذِينَ لَهُمْ ) أي خاصة( سُوءُ الْعَذابِ ) في الدارين : في الدنيا بالأسر والقتل والخوف( وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ ) المختصون بأنهم( الْأَخْسَرُونَ ) أي أشد الناس خسارة لأنهم خسروا ما لا خسارة مثله ، وهو أنفسهم التي لا يمكنهم إخلافها.

ولما وصف القرآن من الجمع والفرقان ، بما اقتضى بيان أهل الفوز والخسران ، وكان حاصل حال الكفرة أنهم يتلقون كفرهم الذي هو في غاية السفه إما عن الشياطين الذين هم في غاية الشر ، وإما عن آبائهم الذين هم في غاية الجهل ، وصف النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بضد حالهم ، فذكر جلالة المنزل عليه والمنزل ليكون أدعى إلى قبوله. فقال عاطفا على( إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ : وَإِنَّكَ ) أي وأنت أشرف الخلق وأعلمهم وأحلمهم

٤٠٨

وأحكمهم( لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ ) أي تجعل متلقيا له من الملك ، وحذف هنا الواسطة وبناه للمفعول إعلاء له.

ولما كانت الأمور التي من عند الله تارة تكون على مقتضى الحكمة فتسند إلى أسبابها ، وأخرى خارقة للعادة فتنسب إليه سبحانه ، والخارقة تارة تكون في أول رتب الغرابة فيعبر عنها بعند ، وتارة تكون في أعلاها فيعبر عنها بلدن ، نبه سبحانه على أن هذا القرآن في الذروة من الغرابة في أنواع الخوارق فقال :( مِنْ لَدُنْ ) .

ولما مضى في آخر الشعراء ما تقدم من الحكم الجمة في تنزيله بهذا اللسان. وعلى قلب سيد ولد عدنان ، بوساطة الروح الأمين. مباينا لأحوال الشياطين ، إلى غير ذلك مما مضى إلى أن ختمت بتهديد الظالمين. وكان الظالم إلى الحكمة أحوج منه إلى مطلق العلم ، وقدم في هذه أنه هدى ، وكان الهادي لا يقتدى به ولا يوثق بهدايته إلا إن كان في علمه حكيما ، اقتضى السياق تقديم وصف الحكمة ، واقتضى الحال التنكير لمزيد التعظيم فقال :( حَكِيمٍ ) أي بالغ الحكمة ، فلا شيء من أفعاله إلا وهو في غاية الإتقان( عَلِيمٍ ) أي عظيم العلم واسعه تامه شامله ، فهو بعيد جدا عما ادعوه فيه من أنه كلام الخلق الذي لا علم لهم ولا حكمة إلا ما آتاهم الله ، ومصداق ذلك عجز جميع الخلق عن الإتيان بشيء من مثله ، وإدراك شيء من مغازيه حق إدراكه.

ولما وصفه بتمام الحكمة وشمول العلم ، دل على كل من الوصفين ، وعلى إبانة القرآن وما له من العظمة التي أشار إليها أول السورة بما يأتي في السورة من القصص وغيرها ، واقتصر في هذه السورة على هذه القصص لما بينها من عظيم التناسب المناسب لمقصود السورة ، فابتدىء بقصة أطبق فيها الأباعد على الكفران فأهلكوا ، والأقارب على الإيمان فأنجوا ، وثنى بقصة أجمع فيها الأباعد على الإيمان ، لم يتخلف منهم إنسان ، وثلث بأخرى حصل بين الأقارب فيها الفرقان ، باقتسام الكفر والإيمان ، وختم بقصة تمالأ الأباعد فيها على العصيان ، وأصروا على الكفران ، فابتلعتهم الأرض ثم غطوا بالماء كما بلغ الأولين الماء فكان فيه التواء.

ولما كان تعلق «إذ» باذكر من الوضوح في حد لا يخفى على أحد ، قال دالا على حكمته وعلمه :( إِذْ ) طاويا لمتعلقه لوضوح أمره فصار كأنه( قالَ ) : اذكر حكمته وعلمه حين قال :( مُوسى لِأَهْلِهِ ) أي زوجه وهو راجع من مدين إلى مصر ، قيل : ولم يكن معه غيرها :( إِنِّي آنَسْتُ ) أي أبصرت إبصارا حصل لي الأنس ، وأزال عني الوحشة والنوس( ناراً ) فعلم بما في هذه القصة من الأفعال المحكمة المنبئة عن تمام العلم اتصافه بالوصفين علما مشاهدا ، وقدم ما الحكمة فيه أظهر لاقتضاء الحال التأمين من نقض ما يؤمر به من الأفعال.

٤٠٩

ولما كان كأنه قيل : فماذا تصنع؟ قال آتيا بضمير المذكر المجموع للتعبير عن الزوجة المذكورة بلفظ «الأهل» الصالح للمذكر والجمع صيانة لها وسترا. جازما بالوعد للتعبير بالخير الشامل للهدى وغيره ، فكان تعلق الرجاء به أقوى من تعلقه بخصوص كونه هدى ، ولأن مقصود السورة يرجع إلى العلم ، فكان الأليق به الجزم ، ولذا عبر بالشهاب الهادي لأولي الألباب :( سَآتِيكُمْ ) أي بوعد صادق وإن أبطأت( مِنْها بِخَبَرٍ ) أي ولعل بعضه يكون مما نهتدي به في هذا الظلام إلى الطريق ، وكان قد ضلها( أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ ) أي شعلة من نار ساطعة( قَبَسٍ ) أي عود جاف مأخوذ من معظم النار فهو بحيث قد استحكمت فيه النار فلا ينطفىء ؛ وقال البغوي : وقال بعضهم : الشهاب شيء ذو نور مثل العمود ، والعرب تسمي كل أبيض ذي نور شهابا ، والقبس : القطعة من النار. فقراءة الكوفيين بالتنوين على البدل أو الوصف ، وقراءة غيرهم بالإضافة ، لأن القبس أخص. وعلل إتيانه بذلك إفهاما لأنها ليلة باردة بقوله :( لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ) أي لتكونوا في حال من يرجى أن يستدفىء بذلك أي يجد به الدفء لوصوله معي فيه النار ، وآذن بقرب وصوله فقال :( فَلَمَّا جاءَها ) أي تلك التي ظنها نارا.

ولما كان البيان بعد الإبهام أعظم ، لما فيه من التشويق والتهيئة للفهم ، بني للمفعول قوله :( نُودِيَ ) أي من قبل الله تعالى.

ولما أبهم المنادى فتشوفت النفوس إلى بيانه ، وكان البيان بالإشارة أعظم. لما فيه من توجه النفس إلى الاستدلال ، نبه سبحانه عليه بجعل الكلام على طريقة كلام القادرين ، إعلاما بأنه الملك الأعلى فقال بانيا للمفعول ، آتيا بأداة التفسير ، لأن النداء بمعنى القول :( أَنْ بُورِكَ ) أي ثبت تثبيتا يحصل منه من النماء والطهارة وجميع الخيرات ما لا يوصف( مَنْ فِي النَّارِ ) أي بقعتها ، أو طلبها وهو طلب بمعنى الدعاء ، والعبارة تدل على أن الشجرة كانت كبيرة وأنها لما دنا منها بعدت منه النار إلى بعض جوانبها فتبعها ، فلما توسط الردحة أحاط به النور ، وسمي النور نارا على ما كان في ظن موسى عليه الصلاة والسّلام ، وقال سعيد بن جبير : بل كانت نارا كما رأى موسىعليه‌السلام ، والنار من حجب الله كما في الحديث : «حجابه النار لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه».( وَمَنْ حَوْلَها ) من جميع الملائكةعليهم‌السلام وتلك الأراضي المقدسة على ما أراد الله في ذلك الوقت وفي غيره وحق لتلك الأراضي أن تكون كذلك لأنها مبعث الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام ومهبط الوحي عليهم وكفاتهم أحياء وأمواتا.

٤١٠

ولما أتاه النداء ـ كما ورد ـ من جميع الجهات ، فسمعه بجميع الحواس ، أمر بالتنزيه ، تحقيقا لأمر من أمره سبحانه ، وتثبيا له ، فقال عاطفا على ما أرشد السياق إلى تقديره من مثل : فأبشر بهذه البشرى العظيمة :( وَسُبْحانَ اللهِ ) أي ونزه الملك الذي له الكمال المطلق تنزيها يليق بجلاله ، ويجوز أن يكون خبرا معطوفا على( بُورِكَ ) أي وتنزه الله سبحانه تنزها يليق بجلاله عن أن يكون في موضع النداء أو غيره من الأماكن.

ولما كان تعليق ذلك بالاسم العلم دالا على أنه يستحق ذلك لمجرد ذاته المستجمع لجميع صفات الكمال ، من الجلال والجمال ، وصفه بما يعرف أنه يستحقه أيضا لأفعاله بكل مخلوق التي منها ما يريد أن يربي به موسى عليه الصلاة والسّلام كبيرا بعد ما رباه به صغيرا ، فقال :( رَبِّ الْعالَمِينَ ) .

ولما تشوفت النفس إلى تحقق الأمر تصريحا ، قال معظما له تمهيدا لما أراد سبحانه إظهاره على يده من المعجزات الباهرات :( يا مُوسى إِنَّهُ ) أي الشأن العظيم الجليل الذي لا يبلغ وصفه( أَنَا اللهُ ) أي البالغ من العظمة ما تقصر عنه الأوهام ، وتتضاءل دونه نوافذ الأفهام ، ثم أفهمه مما تضمن ذلك وصفين يدلانه على أفعاله معه فقال :( الْعَزِيزُ ) أي الذي يصل إلى جميع ما يريد ولا يوصل إلى شيء مما عنده من غير الطريق التي يريد( الْحَكِيمُ ) أي الذي ينقض كل ما يفعله غيره إذا أراد ، ولا يقدر غيره أن ينقض شيئا من فعله.

ولما كان التقدير : فافعل جميع ما آمرك به فإنه لا بد منه ، ولا تخف من شيء فإنه لا يوصل إليك بسوء لأنه متقن بقانون الحكمة ، محروس بسور العزة ، دل عليه بالعطف في قوله :( وَأَلْقِ عَصاكَ ) أي لتعلم علما شهوديا عزتي وحكمتي ـ أو هو معطوف على( أَنْ بُورِكَ ) ـ فألقاها كما أمر ، فصارت في الحال ـ بما أذنت به الفاء ـ حية عظيمة جدا ، هي ـ مع كونها في غاية العظم ـ في نهاية الخفة والسرعة في اصطرابها عند محاولتها ما يريد( فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ ) أي تضطرب في تحركها مع كونها في غاية الكبر( كَأَنَّها جَانٌ ) أي حية صغيرة في خفتها وسرعتها ، ولا ينافي ذلك كبر جثتها( وَلَّى ) أي موسى عليه الصلاة والسّلام.

ولما كانت التولية مشتركة بين معان ، بين المراد بقوله :( مُدْبِراً ) أي التفت هاربا منها مسرعا جدا لقوله :( وَلَمْ يُعَقِّبْ ) أي لم يرجع على عقبه ، ولم يتردد في الجد في الهرب ، ولم يلتفت إلى ما وراءه بعد توليته ، يقال : عقب عليه تعقيبا ، أي كر ، وعقب في الأمر تعقيبا : تردد في طلبه مجدا ـ هذا في ترتيب المحكم. وفي القاموس : التعقيب : الالتفات. وقال القزاز في ديوانه : عقب ـ إذا انصرف راجعا فهو معقب.

٤١١

ولما تشوفت النفس إلى ما قيل له عند هذه الحالة ، أجيبت بأنه قيل له :( يا مُوسى لا تَخَفْ ) ثم علل هذا النهي بقوله ، مبشرا بالأمن والرسالة :( إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَ ) أي في الموضع الذي هو من غرائب نواقض العادات ، وهي وقت الوحي ومكانه( الْمُرْسَلُونَ ) أي لأنهم معصومون من الظلم ، ولا يخاف من الملك العدل إلا ظالم.

( إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (١٢) فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤) )

ولما دل أول الكلام وآخره على أن التقدير ما ذكرته ، وعلم منه أن من ظلم خاف ، وكان المرسلون بل الأنبياء معصومين عن صدور ظلم ، ولكنهم لعلو مقامهم ، وعظيم شأنهم ، يعد عليهم خلاف الأولى ، بل بعض المباحات المستوية ، بل أخص من ذلك ، كما قالوا «حسنات الأبرار سيئات المقربين» ، استدرك سبحانه من ذلك بأداة الاستثناء ما يرغب المرهبين من عواقب الظلم آخر تلك في التوبة ، وينبه موسىعليه‌السلام على غفران وكزة القبطي له ، وأنه لا خوف عليه بسببه وإن كان قتله مباحا لكونه خطأ مع أنه كافر ، لكن علو المقام يوجب التوقف عن الإقدام إلا بإذن خاص ، ولذلك سماه هو ظلما فقال( رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي ) وهو من التعريضات التي يلطف مأخذها فقال :( إِلَّا ) أو المعنى : لكن( مَنْ ظَلَمَ ) كائنا من كان ، بفعل سوء( ثُمَّ بَدَّلَ ) بتوبته( حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ ) وهو الظلم الذي كان عمله ، أي جعل الحسن بدل السوء كالسحرة الذين آمنوا بعد ذلك بموسى عليه الصلاة والسّلام فإني أغفره له بحيث يكون كأنه لم يعمله أصلا ، وأرحمه بما أسبغ عليه من ملابس الكرامة المقارنة للأمن والعز وإن أصابه قبل ذلك نوع خوف. ثم علل ذلك بأن المغفرة والرحمة صفتان له ثابتتان ، فقال :( فَإِنِّي ) أي أرحمه بسبب أني( غَفُورٌ ) أي من شأني أني أمحو الذنوب محوا يزيل جميع آثارها( رَحِيمٌ ) أعامل التائب منها معاملة الراحم البليغ الرحمة بما يقتضيه حاله من الكرامة ، فأزيل أثر ما كان وقع فيه من موجب الخوف وهو الظلم.

ولما أراه سبحانه هذه الخارقة فيما كان في يده بقلب جوهرها إلى جوهر شيء آخر حيواني ، أراه آية أخرى في يده نفسها بقلب عرضها الذي كانت عليه إلى عرض آخر نوراني ، فقال :( وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ) أي فتحة ثوبك ، وهو ما قطع منه ليخيط بعنقك( تَخْرُجْ ) أي إذا أخرجتها( بَيْضاءَ ) أي بياضا عظيما نيرا جدا ، له شعاع كشعاع الشمس.

٤١٢

ولما كان ربما وقع في وهم أن هذه الآفة ، قال :( مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ) أي برص ولا غيره من الآفات ، آية أخرى كائنة( فِي ) جملة( تِسْعِ آياتٍ ) كما تقدم شرحها في سورة الإسراء وغيرها ، منتهية على يدك برسالتي لك( إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ) أي الذين هم أشد أهل هذا الزمان قياما في الجبروت والعدوان ؛ ثم علل إرساله إليهم بالخوارق بقوله :( إِنَّهُمْ كانُوا ) أي كونا كأنه جبلة لهم( قَوْماً فاسِقِينَ ) أي خارجين عن طاعتنا لتردهم إلينا.

ولما كان التقدير : فأتاهم كما أمرناهم فعاندوا أمرنا ، قال منبها على ذلك ، دالا بالفاء على سرعة إتيانه إليهم امتثالا لما أمر به :( فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا ) أي على يده( مُبْصِرَةً ) أي سبب الإبصار لكونها منيرة ظاهرة جدا ، فهي هادية لهم إلى الطريق الأقوم هداية النور لمن يبصر ، فهو لا يخطىء شيئا ينبغي أن ينتفع به( قالُوا هذا سِحْرٌ ) أي خيال لا حقيقة له( مُبِينٌ ) أي واضح في أنه خيال( وَجَحَدُوا ) أي أنكروا عالمين( بِها ) أي أنكروا كونها آيات موجبات لصدقه مع علمهم بإبطالهم لأن الجحود الإنكار مع العلم.

ولما كان الجحد معناه إنكار الشيء مع العلم به ، حقق ذلك بقوله :( وَاسْتَيْقَنَتْها ) أي والحال أنهم قد طلبوا الوقوف على حقائق أمرها حتى تيقنتها في كونها حقا( أَنْفُسُهُمْ ) وتخلل علمها صميم عظامهم ، فكانت ألسنتهم مخالفة لما في قلوبهم ، ولذلك أسند الاستيقان إلى النفس. ثم علل جحدهم ووصفهم لها بخلاف وصفها فقال :( ظُلْماً وَعُلُوًّا ) أي إرادة وضع الشيء في غير حقه ، والتكبر على الآتي به ، تلبيسا على عباد الله.

ولما كان التقدير : فأغرقناهم أجمعين بأيسر سعي وأهون أمر فلم يبق منهم غير تطرف ، ولم يرجع منهم مخبر ، على كثرتهم وعظمتهم وقوتهم ، عطف عليه تذكيرا به مسببا عنه قوله :( فَانْظُرْ ) ونبه على أن خبرهم مما تتوفر الدواعي على السؤال عنه لعظمته ، فقال معبرا بأداة الاستفهام :( كَيْفَ كانَ ) وكان الأصل : عاقبتهم ، أي آخر أمرهم ، ولكنه أظهر فقال :( عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ) ليدل على الوصف الذي كان سببا لأخذهم تهديدا لكل من ارتكب مثله.

( وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦) وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧)

٤١٣

حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩) )

ولما تم بهذه القصة الدليل على حكمته ، توقع السامع الدلالة على علمه سبحانه ، فقال مبتدئا بحرف التوقع مشيرا إلى أنه لا نكير في فضل الآخر على الأول عاطفا على ما تقديره : فلقد آتينا موسى وأخاه هارونعليهما‌السلام حكمة وهدى وعلما ونصرا على من خالفهما وعزا :( وَلَقَدْ آتَيْنا ) أي بما لنا من العظمة( داوُدَ وَسُلَيْمانَ ) أي ابن داود ، وهما من أتباع موسىعليهم‌السلام وبعده بأزمان متطاولة( عِلْماً ) أي جزاء من العلم عظيما من منطق الطير والدواب وغير ذلك لم نؤته لأحد قبلهما.

ولما كان التقدير : فعملا بمقتضاه ، عطف عليه قوله :( وَقالا ) شكرا عليه ، دلالة على شرف العلم وتنبيها لأهله على التواضع :( الْحَمْدُ ) أي الإحاطة بجميع أوصاف الكمال( لِلَّهِ ) أي الذي لا مثل له وله الجلال والجمال( الَّذِي فَضَّلَنا ) أي بما آتانا من ذلك( عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ) أي الذين صار الإيمان لهم خلقا.

ولما كان كل منهماعليهما‌السلام قد أوتي ما ذكر ، أشار إلى فضل سليمانعليه‌السلام بأنه جمع إلى ما آتاه ما كان منح به أباه فقال :( وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ ) أي أباهعليهما‌السلام دون إخوته في النبوة والعلم والملك الذي كان قد خصه الله دون قومه بجمعه له إلى النبوة ، فشكر الله على ما أنعم به عليه أولا وثانيا( وَقالَ ) أي سليمانعليه‌السلام محدثا بنعمة ربه ومنبها على ما شرفه الله به ، ليكون أجدر في قبول الناس ما يدعوهم إليه من الخير :( يا أَيُّهَا النَّاسُ ) .

ولما كان من المعلوم أنه لا معلم له إلا الله ، فإنه لا يقدر على ذلك غيره ، قال بانيا للمفعول :( عُلِّمْنا ) أي أنا وأبي بأيسر أمر وأسهله ممن لا يقدر على ما علمنا سواء ولو كان المقصود هو وحده لم يكن من التعاظم في شيء ، بل هو كلام الواحد المطاع ، تنبيها على تعظيم الله بما عظمه به مما يختص بالقدرة عليه أو بالأمر به كما كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم يفعل إذا كان هناك حال يحوج إليه كما قال في الزكاة : إنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربناعزوجل ، وكما كان يكتب لبعض الجبابرة( مَنْطِقَ الطَّيْرِ ) أي فهم ما يريد كل طائر إذا صوت ، والمنطق ما يصوت به من المفرد والمؤلف المفيد وغير المفيد ، ولا بدع في أن الذي آتى كل نفس هداها وعلمها تميز منافعها ومضارها يؤتيها

٤١٤

قوة تدرك بها تخاطبا بينها يتفاهم كل نوع منها به فيما يريد ، ويكون ذلك قاصرا عن إدراك الإنسان لخصوصه بالجزئيات الناشئة عن الحسيات( وَأُوتِينا ) ممن له العظمة بأيسر أمر من أمره( مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) أي يكمل به ذلك من أسباب الملك والنبوة وغيرهما ، وعبر بأداة الاستغراق تعظيما للنعمة كما يقال لمن يكثر تردد الناس إليه : فلان يقصده كل أحد.

ولما كان هذا أمرا باهرا ، دل عليه بقوله مؤكدا بأنواع التأكيد وشاكرا حاثا لنفسه على مزيد الشكر وهازا لها إليه :( إِنَّ هذا ) أي الذي أوتيناه( لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ) أي البين في نفسه لكل من ينظره ، الموضح لعلو قدر صاحبه ووحدانية مفيضه ومؤتيه.

ولما كان هذا مجرد خبر ، أتبعه ما يصدقه فقال :( وَحُشِرَ ) أي جمع جمعا حتما بقهر وسطوة وإكراه بأيسر سعي( لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ. )

ولما دل ذلك على عظمه ، زاد في الدلالة عليه بقوله :( مِنَ الْجِنِ ) بدأ بهم لعسر جمعهم( وَالْإِنْسِ ) ثنى بهم لشرفهم ومشاركتهم لهم في ذلك من حيث تباعد أغراضهم وتناءي قصودهم.

ولما ذكر ما يعقل وبدأ به لشرفه ، أتبعه ما لا يعقل فقال :( وَالطَّيْرِ ) ولما كان الحشر معناه الجمع بكره ، فكان لا يخلو عن انتشار ، وكان التقدير : وسار بهم في بعض الغزوات ، سبب عنه قوله تعظيما للجيش وصاحبه :( فَهُمْ يُوزَعُونَ ) أي يكفون بجيش أولهم على آخرهم بأدنى أمر وأسهله ليتلاحقوا ، فيكون ذلك أجدر بالهيبة ، وأعون على النصرة ، وأقرب إلى السلامة ؛ عن قتادة أنه كان على كل صنف من جنوده وزعة ترد أولاها على أخراها لئلا يتقدموا في المسير ، قال : والوازع : الحابس وهو النقيب. وأصل الوزع الكف والمنع.

ولما كان التقدير : فساروا ، لأن الوزع لا يكون إلا عن سير ، غياه بقوله :( حَتَّى إِذا أَتَوْا ) أي أشرفوا. ولما كان على بساطه فوق متن الريح بين السماء والأرض. عبر بأداة الاستعلاء فقال :( عَلى وادِ النَّمْلِ ) وهو واد بالطائف ـ كما نقله البغوي عن كعب ، وهو الذي تميل إليه النفس فإنه معروف إلى الآن عندهم بهذا الاسم ، ويسمى أيضا نخب وزن كتف ، وقد رأيته لما قصدت تلك الديار لرؤية مشاهدها ، والتطواف في معابدها ومعاهدها. والتبرك بآثار الهادي ، في الانتهاء والمبادىء ، ووقفت بمسجد فيه قرب سدرة تسمى الصادرة مشهور عندهم أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم صلى به ، وهذه السدرة مذكورة في غزوة الطائف من السيرة الهشامية واقتصر في تسمية الوادي على نخب ، وأنشدت فيه يوم وقوفي ببابه ، وتضرعي في أعتابه :

٤١٥

مررت بوادي النمل يا صاح بكرة

فصحت وأجريت الدموع على خدي

وتممت منه موقف الهاشمي الذي

ملأ الأرض توحيدا يزيد على العد

وكم موقف أفرشته حر جبهتي

وأبديت في أرجائه ذلة العبد

ـ في قصيدة طويلة.

ولما كانوا في أمر يهول منظره ، ويوهي القوى مخالطته ومخبره ، فكان التقدير : فتبدت طلائعهم ، وتراءت راياتهم ولوامعهم ، وأحمالهم ووضائعهم ، نظم به قوله :( قالَتْ نَمْلَةٌ ) أي من النمل الذي بذلك الوادي :( يا أَيُّهَا النَّمْلُ ) ولما حكى عنهم سبحانه ما هو من شأن العقلاء ، عبر بضمائرهم فقال :( ادْخُلُوا ) أي قبل وصول ما أرى من الجيش( مَساكِنَكُمْ ) ثم عللت أمرها معينة لصاحبه إذ كانت أماراته لا تخفى فقالت جوابا للأمر أو مبدلا منه :( لا يَحْطِمَنَّكُمْ ) أي يكسرنكم ويهشمنكم أي لا تبرزوا فيحطمنكم. فهو نهي لهم عن البروز في صور نهيه وهو أبلغ من التصريح بنهيهم لأن من نهى كبيرا عن شيء كان لغيره أشد نهيا( سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ ) أي فإنهم لكثرتهم إذا صاروا في هذا الوادي استعلوا عليه فطبقوه فلم يدعوا منه موضع شبر خاليا( وَهُمْ ) أي سليمانعليه‌السلام وجنوده( لا يَشْعُرُونَ ) أي بحطمهم لكم لاشتغالهم بما هم فيه من أحوال السير ، وتعاطي مصالحه ، مع صغر أجسامكم ، وخفائكم على السائر في حال اضطرابكم ومقامكم ، وقولها هذا يدل على علمها بأنهم لو شعروا بهم ما آذوهم لأنهم أتباع نبي فهم رحماء.

ولما كان هذا أمرا معجبا لما فيه من جزالة الألفاظ وجلالة المعاني ، تسبب عنه قوله :( فَتَبَسَّمَ ) ولما دل ذلك على الضحك ، وكان ذلك قد يكون للغضب ، أكده وحقق معناه بقوله :( ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها ) أي لما أوتيته من الفصاحة والبيان ، وسرورا بما وصفته به من العدل في أنه وجنوده لا يؤذون أحدا وهم يعلمون( وَقالَ ) متذكرا ما أولاه ربه سبحانه بحسن تربيته من فهم كلامها إلى ما أنعم عليه من غير ذلك :( رَبِ ) أي أيها المحسن إليّ( أَوْزِعْنِي أَنْ ) أي اجعلني مطيقا لأن( أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ) أي وازعا له كافا مرتبطا حتى لا يغلبني. ولا يتفلت مني ، ولا يشذ عني وقتا ما.

ولما أفهم ذلك تعلق النعمة به ، حققه بقوله :( الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَ ) وربما أفهم قوله :( وَعَلى والِدَيَ ) أن أمه كانت أيضا تعرف منطق الطير. وتحقيق معنى هذه العبارة أن مادة «وزع» ـ بأيّ ترتيب كان ـ يدور على المعوز ـ لخرقة بالية يلف بها الصبي ، ويلزمها التمييز ، فإن الملفوف بها يتميز عن غيره ، ومنه الأوزاع وهم الجماعات المتفرقة ، ويلزمها أيضا الإطاقة فإن أكثر الناس يجدها ، ومنه العزون ـ لعصب من

٤١٦

الناس ، فإنهم يطيقون ما يريدون ويطيقهم من يريدهم ، ومنه الوزع وهو كف ما يراد كفه ، والولوع بما يزاد ، ومنه الإيعاز ـ للتقدم بالأمر والنهي ، والزوع للجذب ، ويلزمها أيضا الحاجة فإنه لا يرضى بها دون الجديد إلا محتاج ، فمعنى الآية : اجعلني وازعا ـ أي مطيقا ـ أن أشكرها كما يطيق الوازع كف ما يريد كفه ، ويمكن أن يكون مدار المادة الحاجة لأن الأوزاع ـ وهم الجماعات ـ يحتاجون إلى الاجتماع جملة ، والكاف محتاج إلى امتثال ما يكفه لأمره ، والجاذب محتاج إلى الزوع أي الجذب ، والمولع بالشيء فقير إليه ، والموعز محتاج إلى قبول وصيته ، فالمعنى : اجعلني وازعا أي فقيرا إلى الشكر ، أي ملازما له مولعا به ، لأن كل فقير إلى شيء مجتهد في تحصيله ، ويلزم على هذا التخريج احتقار العمل ، فيكون سببا للأمن من الإعجاب ، وفي الآية تنبيه على بر الوالدين في سؤال القيام عنهم بما لم يبلغاه من الشكر ـ والله الموفق. والشكر في اللغة فعل ينبىء عن تعظيم المنعم لكونه منعما كالثناء على المنعم بما يدل على أن الشاكر قد عرف نعمته واعترف له بها وحسن موقعها عنده ، وخضع قلبه له لذلك ، وحاصله أنه اسم لمعرفة النعمة لأنها السبيل إلى معرفة المنعم فإنه إذا عرفها تسبب في التعرف إليه ، فسلك طريق التعرف وجد في الطلب ، ومن جدّ وجد ، ويروى عن داود عليه الصلاة والسّلام أنه قال : يا رب كيف أشكرك والشكر نعمة أخرى منك أحتاج عليها إلى شكر آخر؟ فأوحى الله تعالى إليه : يا داود! إذا علمت أن ما بك من نعمة فمني فقد شكرتني. والشكر ثلاثة أشياء : الأول معرفة النعمة بمعنى إحضارها في الخاطر بحيث يتميز عندك أنها نعمة ، فرب جاهل يحسن إليه وينعم عليه وهو لا يدري ، فلا جرم أنه لا يصح منه الشكر. والثاني : قبول النعمة بتلقيها من المنعم بإظهار الفقر والفاقة ، فإن ذلك شاهد بقبولها حقيقة ، والثالث : الثناء بها بأن تصف المنعم بالجود والكرم ونحوه مما يدل على حسن تلقيك لها واعترافك بنزول مقامك في الرتبة عن مقامه ، فإن اليد العليا خير من اليد السفلى ، وهو على ثلاث درجات : الأولى الشكر على المحاب أي الأشياء المحبوبة ، وهذا شكر تشارك فيه المثبتون المسلمون واليهود والنصارى والمجوس ، فإن الكل يعتقدون أن الإحسان الواصل من الرحمن واجب معرفته على الإنسان ، ومن سعة بر البارىء سبحانه وتعالى أن عده شكرا مع كونه واجبا على الشاكر. ووعد عليه الزيادة ، وأوجب فيه المثوبة إحسانا ولطفا. الثانية : الشكر في المكاره ، وهو إما من رجل لا يميز بين الحالات ، بل يستوي عنده المكروه والمحبوب ، فإذا نزل به المكروه شكر الله عليه بمعنى أنه أظهر الرضا بنزوله به ، وهذا مقام الرضا ، وإما من رجل يميز بين الأحوال فهو لا يحب المكروه ولا يرضى بنزوله ، فإن نزل به مكروه فشكره عليه

٤١٧

إنما هو كظم الغيظ وستر الشكوى وإن كان باطنه شاكيا ، والكظم إنما هو لرعاية الأدب بالسلوك في مسلك العلم ، فإنه يأمر العبد بالشكر في السراء والضراء والثالثة : أن لا يشهد العبد إلا المنعم باشتغاله بالاستغراق في مشاهدته عن مشاهدة النعمة ، وهذا الشهود على ثلاثة أقسام : أحدها أن يستغرق فيه عبودة ، فيكون مشاهدا له مشاهدة العبد للسيد بأدب العبيد إذا حضروا بين يدي سيدهم ، فإنهم ينسون ما هم فيه من الجاه والقرب الذي ما حصل لغيرهم ، باستغراقهم في الأدب ، وملاحظتهم لسيدهم خوفا من أن يسير إليهم في أمر فيجدهم غافلين ، وهذا أمر معروف عند من صحب الملوك. فصاحب هذا الحال إذا أنعم عليه سيده في هذه الحالة ، مع قيامه في حقيقة العبودة ، استعظم الإحسان ، لأن العبودة توجب عليه أن يستصغر نفسه. ثانيها أن يشهد سيده شهود محبة غالبة ، فهو يسبب هذا الاستغراق فيه ، يستحلي منه الشدة ، وقد قال بعض عشاق حسن الصورة لا صورة الحسن فأحسن :

من لم يذق ظلم الحبيب كظلمه

حلوا فقد جهل المحبة وادعى.

ثالثها : أن يشهد شهود تفريد يرفع الثنويه ويفني الرسم ويذهب الغيرية ، فإذا وردت عليه النعمة أو الشدة كان مستغرقا في الفناء فلم يحس بشيء منهما.

ولما علم من هذا كله أن الشاكر هو المستغرق في الثناء على المنعم بما يجب عليه من العمل من فناء أو غيره بحسب ما يقدر عليه ، وكان ذلك العمل مما يجوز أن يكون زين لذلك العبد كونه حسنا وهو ليس كذلك ، قالصلى‌الله‌عليه‌وسلم مشيرا إلى هذا المعنى :( وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً ) أي في نفس الأمر. ولما كان العمل الصالح قد لا يرضي المنعم لنقص في العامل كما قيل في معنى ذلك :

إذا كان المحب قليل حظ

فما حسناته إلا ذنوب

قال :( تَرْضاهُ ) .

ولما كان العمل الصالح المرضي قد لا يعلى إلى درجة المرضي عنهم ، لكون العامل منظورا إليه بعين السخط ، لكونه ممن سبق عليه الكتاب بالشقاء ، لأن الملك المنعم تام الملك عظيم الملك فهو بحيث لا يسأل عما يفعل ، قال معرضا عن عمله معترفا بعجزه ، معلما بأن المنعم غني عن العمل وعن غيره ، لا تضره معصية ولا ينفعه طاعة :( وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ ) أي لا بعملي( فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ ) أي لما أردتهم له من تمام النعمة بالقرب والنظر إليهم بعين العفو والرحمة والرضا.

٤١٨

( وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢١) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ (٢٤) )

ولما كان التقدير : فوصل إلى المنزل الذي قصده فنزله وتفقد أحوال جنوده كما يقتضيه العناية بأمور الملك ، أي تجنب فقدهم بأن تعرف من هو منهم موجود ومن هو منهم مفقود ، الذي يلزمه أن لا يغيب أحد منهم :( وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ ) إذ كانت أحد أركان جنده ففقد الهدهد( فَقالَ ما لِيَ ) أي أيّ شيء حصل لي حال كوني( لا أَرَى الْهُدْهُدَ ) أي أهو حاضر ، وستره عني ساتر ، وقوله :( أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ ) كما أنه يدل على ما قدرته يدل على أنه فقد جماعة من الجند ، فتحقق غيبتهم وشك في غيبته ، وذكره له دونهم يدل على عظيم منزلة الهدهد فيما له عنده من النفع ، وأن غيبة غيره كانت بأمرهعليه‌السلام . ثم قال على سبيل الاستئناف إقامة لسياسة الملك ما يدل أيضا على عظمته ، قالوا : إنه يرى الماء في الأرض كما يرى الإنسان الماء من داخل الزجاج فينقر الأرض فتأتي الشياطين فتستخرجه :( لَأُعَذِّبَنَّهُ ) أي بسبب غيبته فيما لم آذن فيه( عَذاباً شَدِيداً ) أي مع إبقاء روحه تأديبا له وردعا لأمثاله( أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ ) أي تأديبا لغيره( أَوْ لَيَأْتِيَنِّي ) أي ليكونن أحد هذه الثلاثة الأشياء ، أو تكون( أَوْ ) الثانية بمعنى إلا أن فيكون المعنى : ليكونن أحد الأمرين : التعذيب أو الذبح : إلا أن يأتيني( بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ) أي حجة واضحة في عذره ، فكأنه قال : والله ليقيمن عذره أو لأفعلن معه أحد الأمرين( فَمَكَثَ ) أي فترتب على ذلك أنه مكث بعد الحلف بالتهديد زمانا قريبا( غَيْرَ بَعِيدٍ ) من زمان التهديد ، وأتى خوفا من هيبة سليمانعليه‌السلام ، وقياما بما يجب عليه من الخدمة ، قرأه عاصم وروح عن يعقوب بفتح الكاف على الأغلب في الأفعال الماضية ، وضمه الجماعة إشارة إلى شدة الغيبة عن سليمانعليه‌السلام ليوافق إفهام حركة الكلمة ما أفهمه تركيب الكلام( فَقالَ ) عقب إتيانه مفخما للشأن ومعظما لرتبة العلم ودافعا لما علم أنه أضمر من عقوبته :( أَحَطْتُ ) أي علما( بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ ) أي أنت من اتساع علمك وامتداد ملكك ، والإحاطة : العلم بالشيء من جميع جهاته ، وفي هذه المكافحة التنبيه على أن أضعف الخلق قد يؤتى ما لا يصل إليه أقواهم لتتحاقر إلى العلماء علومهم ويردوا العلم في كل شيء إلى الله ، وفيه إبطال لقول الرافضة : إن الإمام لا يخفى عليه شيء ، ولا يكون في زمانه من هو أعلم منه.

٤١٩

ولما أبهمه تشويقا ، وأخذ بمجامع القلب إلى تعرفه ، ثنى بمدح الخبر مجليا بعض إبهامه ، هزا للنفس إلى طلب إتمامه ، فقال :( وَجِئْتُكَ ) أي الآن( مِنْ سَبَإٍ ) قيل : إنه اسم رجل صار علما لقبيلة ، وقيل : أرض في بلاد اليمن ، وحكمة تسكين قنبل له بنية الوقف الإشارة إلى تحقير أمرهم بالنسبة إلى نبي الله سليمانعليه‌السلام بأنهم ليست لهم معه حركة أصلا على ما هم فيه من الفخامة والعز والبأس الشديد( بِنَبَإٍ ) أي خبر عظيم( يَقِينٍ ) وهو من أبدع الكلام موازنة في اللفظ ومجانسة في الخط مع ما له من الانطباع والرونق ، فكأنه قيل : ما هو؟ فقال :( إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً ) وهي بلقيس بنت شراحيل( تَمْلِكُهُمْ ) أي أهل سبأ.

ولما كانت قد أوتيت من كل ما يحتاج إليه الملوك أمرا كبيرا قال :( وَأُوتِيَتْ ) بني الفعل للمفعول إقرارا بأنها مع ملكها مربوبة( مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) تهويلا لما رأى من أمرها.

ولما كان عرشها ـ أي السرير الذي تجلس عليه للحكم ـ زائدا في العظمة ، خصه بقوله :( وَلَها عَرْشٌ ) أي سرير تجلس عليه للحكم( عَظِيمٌ ) أي لم أر لأحد مثله.

ولما كان في خدمة أقرب أهل ذلك الزمان إلى الله فحصل له من النورانية ما هاله لأجله إعراضهم عن الله ، قال مستأنفا تعجيبا :( وَجَدْتُها وَقَوْمَها ) أي كلهم على ضلال كبير ، وذلك أنهم( يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ ) مبتدئين ذلك( مِنْ دُونِ اللهِ ) أي من أدنى رتبة من رتب الملك الأعظم الذي لا مثل له ، وهي رتبة الأفعال لأنها مصنوع من مصنوعاته تعالى سواء كان ذلك مع الاستقلال أو الشرك( وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ ) أي هذه القبيحة حتى صاروا يظنونها حسنة.

ولما تسبب عن ذلك أنه أعماهم عن طريق الحق قال :( فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ ) أي الذي لا سبيل إلى الله غيره ، وهو الذي بعث به أنبياءه ورسله عليهم الصلاة والسّلام.

ولما تسبب عن ذلك ضلالهم ، قال :( فَهُمْ ) أي بحيث( لا يَهْتَدُونَ ) أي لا يوجد لهم هدى ، بل هم في ضلال صرف ، وعمى محض.

( أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ (٢٥) اللهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦) قالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ما ذا يَرْجِعُونَ (٢٨) قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلاَّ

٤٢٠