• البداية
  • السابق
  • 661 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 708 / تحميل: 77
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 5

مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
العربية

الكعبة ، أو لأن النفس تقبلها. وقال الإمام أبو عبد الله القزاز : الصبا : الريح التي تهب من مطلع الشمس ، والقبول : الريح التي تهب من مطلع الشمس ، وذلك لأنها تستقبل الدبور ، وقيل : لأنها تستقبل باب الكعبة وهي الصبا ، فقد اتفقت أقوالهم كما ترى على خلاف ابن القاص ، وقال ابن القاص : وهي ـ أي الصبا ـ ريح معها روح وخفة ، ونسيم تهب مما بين مشرق الشتاء ومطلع سهيل ، ولها برد يقرص أشد من هبوبها ، وتلقح الأشجار ، ولا تهب إلا بليل ، سلطانها إذا أظلم الليل ، إلى أن يسفر النهار وتطلع الشمس ، وأشد ما يكون في وقت الأسحار وما بين الفجرين ، والجنوب تهب ما بين مطلع سهيل إلى مغارب الشمس في الصيف. وقال في القاموس : والجنوب : ريح تخالف الشمال ، مهبها من مطلع سهيل إلى مطلع الثريا ، وعن ابن هشام اللخمي أن الجنوب هي الريح القبلية. وفي الجمع بين العباب والمحكم : والجنوب ريح تخالف الشمال تأتي عن يمين القبلة ، وقيل : هي من الرياح ما استقبلك عن شمالك إذا وقفت في القبلة ، قال ابن الأعرابي : ومهب الجنوب من مطلع سهيل إلى مطلع الثريا ، وقال الأصمعي : إذا جاءت الجنوب جاء معها خير وتلقيح ، وإذا جاءت الشمال نشفت ، ويقال للمتصافيين : ريحهما جنوب ، وإذا تفرقا قيل : شملت ريحهما ، وعن ابن الأعرابي : الجنوب في كل موضع حارة إلا بنجد فإنها باردة ؛ وقال ابن القاص : وإذا هبت فقوتها في العلو والهواء أكثر لأنها موكلة بالسحاب ، وتحرك الأغصان ورؤوس الأشجار ، ومع ذلك فتراها تؤلف الغيم في السماء ، فتراه متراكما مشحونا ، قال : وسمعت من يقول : ما اشتد هبوبها إلا خيف المطر ، ولا هبت جنوب قط ثم يتبعها دبور إلا وقع مطر ، وهي تهيج البحر وتظهر بكل ندى كامل في الأرض ، وهي من ريح الجنة. والدبور ـ قال في القاموس : ريح تقابل الصبا ، وقال القزاز : هي التي تأتي من دبر الكعبة وهي التي تقابل مطلع الشمس ، وقال ابن القاص : تهب ما بين مغارب الشمس في الصيف إلى مطلع بنات نعش ، وقوتها في الأرض أشد من قوتها في الهواء ، وهي إذا هبت تثير الغبار. وتكسح الأرض ، وترفع الذيول ، وتضرب الأقدام ، وأشد ما تثير الغبار إذا تنكبت ، تراها كأنها تلعب بالتراب على وجه الأرض ، وترى الأشجار في البوادي والرمال لها دوي من ناحية الدبور ، وقد اجتمع في أصلها التراب وما يلي الجنوب عاريا مكشوفا متحفزا وقوتها في الأرض ـ والله أعلم ، لأن عادا أوعدت بالتدمير بالرياح ، فحفرت الآبار واستكنت فيها ، فبعث الله الدبور فدخلت الآبار وقذفتهم متدمرين حتى أهلكتهم. والشمال ـ قال في القاموس : الريح التي تهب من قبل الحجر ، والصحيح أنه ما مهبه ما بين مطلع الشمس وبنات نعش ، أو من مطلع النعش إلى مسقط

٤٤١

النسر الطائر ، ولا تكاد تهب ليلا. وقال القزاز : هي الريح التي تأتي عن شمالك إذا استقبلت مطلع الشمس ، والعرب تقول : إن الجنوب قالت للشمال : إن لي عليك فضلا ، أنا أسري وأنت لا تسرين ، فقالت الشمال : إن الحرة لا تسرين ، وقال الصغاني في مجمع البحرين : والشمال : الريح التي تهب من ناحية القطب ، وعن أبي حنيفة : هي التي تهب من جهة القطب الشمالي وهي الجربياء وهي الشامية لأنها تأتيهم من شق الشام ، وفي الجمع بين العباب والمحكم ، والبوارح : شدة الرياح من الشمال في الصيف دون الشتاء كأنه جمع بارحة ، وقيل : البوارح : الرياح الشدائد التي تحمل التراب ، واحدتها بارح ، والجربياء : الريح التي بين الجنوب والصبا ، وقيل : هي النكباء التي تجري بين الشمال والدبور ، وهي ريح تقشع السحاب ، وقيل : هي الشمال ، وجربياؤها بردها ـ قاله الأصمعي ، وقال الليث : هي الشمال الباردة ، وقال ابن القاص : والشمال تهب ما بين مطلع بنات نعش إلى مطلع الشمس في الشتاء ، وهي تقطع الغيم وتمحوها ، ولذلك سميت الشمال المحوة ، قال : وهذا بأرض الحجاز ، وأما أرض العراق والمشرق فربما ساق الجنوب غيما واستداره ولم يحلبه حتى تهب الشمال فتحلبه ، والجنوب والشمال متماثلتان ، لأنهما موكلتان بالسحاب ، فالجنوب تطردها وهي مشحونة ، والشمال تردها وتمحوها إذا أفرغت ، قال أبو عبيدة : الشمال عند العرب للروح ، والجنوب للأمطار والندى ، والدبور للبلاء ، وأهونه أن يكون غبارا عاصفا يقذي العيون ، والصبا لإلقاح الشجر ، وكل ريح من هذه الرياح انحرفت فوقعت بين ريحين فهي نكباء ، وسميت لعدولها عن مهب الأربع اللواتي وصفن قبل ـ انتهى. وقال المسعودي في مروج الذهب في ذكر البوادي من الناس وسبب اختيار البدو : إن شخصا من خطباء العرب وفد على كسرى فسأله عن أشياء منها الرياح فقال : ما بين سهيل إلى طرف بياض الفجر جنوب ، وما بإزائهما مما يستقبلهما من المغرب شمال ، وما جاء من وراء الكعبة فهي دبور ، وما جاء من قبل ذلك فهي صبا ، ونقل ابن كثير في سورة النور عن ابن أبي حاتم وابن جرير عن عبيد بن عمير الليثي أنه قال : يبعث الله المثيرة فتقم الأرض قما ، ثم يبعث الله الناشئة فتنشىء السحاب ، ثم يبعث الله المؤلفة فتؤلف بينه ، ثم يبعث الله اللواقح فتلقح السحاب.

ولما انكشف بما مضى من الآيات. ما كانوا في ظلامه من واهي الشبهات ، واتضحت الأدلة ، ولم تبق لأحد في شيء من ذلك علة. كرر سبحانه الإنكار في قوله :( أَإِلهٌ مَعَ اللهِ ) أي الذي كمل علمه فشملت قدرته.

ولما ذكر حالة الاضطرار ، وأتبعها من صورها ما منه ظلمة البحر ، وكانوا في

٤٤٢

البحر يخلصون له سبحانه ويتركون شركاءهم ، نبههم على أن ذلك موجب لاعتقاد كون الإخلاص له واجبا دائما ، فأتبعه قوله على سبيل الاستعظام ، معرضا عنهم بإجماع العشرة إعراض من بلغ به الغضب :( تَعالَى اللهُ ) أي الفاعل القادر المختار الذي لا كفوء له( عَمَّا يُشْرِكُونَ ) ، أي فإن شيئا منها لا يقدر على شيء من ذلك ، وأين رتبة العجز من رتبة القدرة.

ولما رتب سبحانه هذه الأدلة على هذا الوجه ترقيا من أعم إلى أخص ، ومن أرض إلى سماء ، ختمها بما يعمها وغيرها ، إرشادا إلى قياس ما غاب منها على ما شوهد ، فلزم من ذلك قطعا القدرة على الإعادة ، فساقها لذلك سياق المشاهد المسلم ، وعد من أنكره في عداد من لا يلتفت إليه فقال :( أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ) أي كله : ما علمتم منه وما لم تعلموا ، ثم بيده لأن كل شيء هالك إلا وجهه ، له هذا الوصف باعترافكم يتجدد أبدا تعلقه. ولما كان من اللازم البين لهم الإقرار بالإعادة لاعترافهم بأن كل من أبدى شيئا قادر على إعادته ، لأن الإعادة أهون ، قال :( ثُمَّ يُعِيدُهُ ) أي بعد ما يبيده.

ولما كان الإمطار والإنبات من أدل ما يكون على الإعادة ، قال مشيرا إليهما على وجه عم جميع ما مضى :( وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ ) أي بالمطر والحر والبرد وغيرهما مما له سبب في التكوين أو التلوين( وَالْأَرْضِ ) أي بالنبات والمعادن والحيوان وغيرهما مما لا يعلمه إلا الله ، وعبر عنهما بالرزق لأن به تمام النعمة( أَإِلهٌ مَعَ اللهِ ) أي الذي له صفات الجلال والإكرام ، كائن ، أو يفعل شيئا من ذلك.

ولما كانت هذه كلها براهين ساطعة ، ودلائل قاطعة ، وأنوارا لامعة ، وحججا باهرة ، وبينات ظاهرة ، وسلاطين قاهرة ، على التوحيد المستلزم للقدرة على البعث وغيره من كل ممكن ، أمرهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إعراضا عنهم ، إيذانا بالغضب في آخرها بأمرهم بالإتيان ببرهان واحد على صحة معتقدهم فقال :( قُلْ ) أي لهؤلاء المدعين للعقول( هاتُوا بُرْهانَكُمْ ) أي على نفي شيء من ذلك عن الله تعالى ، أو على إثبات شيء منه لغيره ، لتثبت دعوى الشركة في الخلق فتسمع دعوى الشركة في الألوهية ، وليكن إتيانكم بذلك ناجزا من غير مهلة ، لأن من يدعي العقل لا يقدر على شيء إلا ببرهان حاضر( إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) أي في أنكم على حق في أن مع الله غيره. وأضاف البرهان إليهم إضافة ما كأنه عنيد ، لا كلام في وجوده وتحققه ، وإنما المراد الإتيان به كل ذلك تهكما بهم وتنبيها على أنهم أبعدوا في الضلال ، وأعرقوا في المحال ، حيث رضوا لأنفسهم بتدين لا يصير إليه عاقل إلا بعد تحقق القطع بصحته ، ولا شبهة في أنه لا شبهة لهم على شيء منه.

٤٤٣

( قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ (٦٦) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) )

ولما كانت مضمونات هذه البراهين متوقفة على علم الغيب ، لأنه لا يخرج الخبء باختراع الخلق وكشف الضر وإحكام التدبير إلا به ، لأنه لا قدرة أصلا لمن لا علم له ولا تمام لقدرة من لا تمام لعلمه ـ كما مضى بيانه في طه ، وطالبهم سبحانه آخر هذه البراهين بالبرهان على الشرك ، وكانوا ربما قالوا : سنأتي به ، أمر أن يعلموا أنه لا برهان لهم عليه ، بل البرهان قائم على خلافه ، فقال :( قُلْ ) أي لهم أو لكل من يدعي دعواهم :( لا يَعْلَمُ ) أحد ، ولكنه عبر بأداة العقلاء فقال :( مَنْ ) لئلا يخصها متعنت بما لا يعقل ، وعبر بالظرف تنبيها على أن المظروف محجوب ، وكل ظرف حاجب لمظروفه عن علم ما وراءه ، فقال :( فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ ) أي الكامل في الغيبة ، وهو الذي لم يخرج إلى عالم الشهادة أصلا ، ولا دلت عليه أمارة ، ليقدر على شيء مما تقدم في هذه الآيات من الأمور فيعلمه.

ولما كان الله تعالى منزها عن أن يحويه مكان. جعل الاستثناء هنا منقطعا ، ومن حق المنقطع النصب كما قرأ به ابن أبي عبلة شاذا ، لكنه رفع بإجماع العشرة بدلا على لغة بني تميم ، فقيل :( إِلَّا اللهُ ) أي المختص بصفات الكمال كما قيل في الشعر :

وبلدة ليس بها أنيس

إلا اليعافير وإلا العيس

بمعنى : إن كانت اليعافير أنيسا ففيها أنيس ، بتا للقول بخلوها من الأنيس ، فيكون معنى الآية : إن كان الله جل وعلا ممن في السماوات والأرض ففيهم من يعلم الغيب ، يعني إن علم أحدهم الغيب في استحالته كاستحالة أن يكون الله منهم ، ويصح كونه متصلا ، والظرفية في حقه سبحانه مجاز بالنسبة إلى علمه وإن كان فيه جمع بين الحقيقة والمجاز ، وعلى هذا فيرتفع على البدل أو الصفة ، والرفع أفصح من النصب ، لأنه من منفي ، وقد عرف بهذا سر كونه لم يقل «لا يعلم أحد الغيب إلا هو» وهو التنبيه على المظروفية والحاجة ، وأن الظرف حجاب ، لا يرتاب فيه مرتاب ، وجعل ابن مالك متعلق الظرف خاصا تقديره : يذكر ، وجعل غيره «من» مفعولا والغيب بدل اشتمال ، والاستثناء مفرغا ، فالتقدير : لا يعلم غيب المذكورين ـ أي ما غاب عنهم ـ كلهم غيره.

ولما كان الخبر ـ الذي لم يطلع عليه أحد من الناس ـ قد يخبر به الكهان ، أو أحد

٤٤٤

من الجان ، من أجواف الأوثان ، وكانوا يسمون هذا غيبا وإن كان في الحقيقة ليس به لسماعهم له من السماء بعد ما أبرزه الله إلى عالم الشهادة للملائكة ومن يريد من عباده ، وكانوا ربما تعتنوا به عن العبارة ، وكانت الساعة قد ثبت أمرها ، وشاع في القرآن وعلى لسان الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام وأصحابهم رضي الله تعالى عنهم ذكرها ، بحيث صارت بمنزلة ما لا نزاع فيه ، وكان علم وقتها من الغيب المحض ، قال :( وَما يَشْعُرُونَ ) أي أحد ممن في السماوات والأرض وإن اجتمعوا وتعاونوا( أَيَّانَ ) أي أيّ وقت( يُبْعَثُونَ ) فمن أعلم بشيء من ذلك على الحقيقة بأن صدقه ، ومن تخرص ظهر كذبه.

ولما كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قد بعث والكفر قد عم الأرض ، وكانوا قد أكثروا في التكذيب بالساعة والقطع بالإنكار لها بعضهم صريحا ، وبعضهم لزوما ، لضلاله عن منهاج الرسل وكان الذي ينبغي للعالم الحكيم أن لا يقطع بالشيء إلا بعد إحاطة علمه به ، قال متهكما بهم كما تقول لأجهل الناس : ما أعلمك! استهزاء به مستدركا لنفي شعورهم بها بيانا لكذبهم باضطراب قولهم :( بَلِ ادَّارَكَ ) أي بلغ وتناهى( عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ ) أي أمرها مطلقا : علم وقتها ومقدار عظمتها في هو لها وغير ذلك من نعتها لقطعهم بإنكارها وتمالؤهم عليه ، وتنويع العبارات فيه ، وتفريع القول في أمره ـ هذا في قراءة ابن كثير وأبي عمرو ، وكذا في قراءة الباقين : ادّارك بمعنى تدارك يعني تتابع واستحكم.

ولما كانوا مع تصريحهم بالقطع في إنكارها كاذبين في قطعهم ، مرتبكين في جهلهم ، وقد يعبرون ـ دليلا على أنه لا علم من ذلك عندهم ـ بالشك ، قال تعالى :( بَلْ هُمْ فِي شَكٍ ) ولما كانت لشدة ظهورها لقوة أدلتها كأنها موجودة ، عبر بمن ، أي مبتدىء( مِنْها ) ولما كانوا يجزمون بنفيها تارة ويترددون أخرى ، كانت حقيقة حال من ينكر الشيء تارة على سبيل القطع وأخرى وجه الشك الوصف بالجهل البالغ به قال :( بَلْ هُمْ ) ولما كان الإنسان مطبوعا على نقائص موجبة لطغيانه ، ومبالغته في العلو في جميع شأنه ، ولا يوهن تلك النقائص منه إلا الخوف من عرضه على ديانه ، الموجب لجهله. وتماديه على قبيح فعله ، فقال مقدما للجار :( مِنْها عَمُونَ ) أي ابتدأ عماهم البالغ الثابت من اضطرابهم في أمرها ، فضلوا فأعماهم ضلالهم عن جميع ما ينفعهم ، فصاروا لا ينتفعون بعقولهم ، بل انعكس نفعها ضرا ، وخيرها شرا ، ونسب ما ذكر لجميع من في السماوات والأرض ، لأن فعل البعض قد يسند إلى الكل لغرض ، وهو هنا التنبيه على عظمة هذا الأمر ، وتناهي وصفه ، وأنه يجب على الكل الاعتناء به ، والوقوف على حقه ، والتناهي عن باطله ، أو لشك البعض وسكوت الباقي لقصد

٤٤٥

تهويله ، أو أن إدراك العلم من حيث التهويل بقيام الأدلة التي هي أوضح من الشمس ، فهم بها في قوة من أدرك علمه بالشيء ، وهو معرض عنه ، فقد فوّت على نفسه من الخير ما لا يدري كنهه ، ثم نزل درجة أخرى بالشك ثم أهلكها بالكلية ، وأنزلها العمى عن رتبة البهائم التي لا همّ لها إلا لذة البطن والفرج ، وهذا كمن يسمع باختلاف المذاهب وتضليل بعضهم لبعض فيضلل بعضهم من غير نظر في قوله فيصير خابطا خبط عشواء ، ويكون أمره على خصمه هينا أو الشك لأجل أن أعمالهم أعمال الشاك ، أو أنهم لعدم علم الوقت بعينه كأنهم في شك بل عمى ، ولأن العقول والعلوم لا تستقل بإدراك شيء من أمرها ، وإنما يؤخذ ذلك عن الله بواسطة رسله من الملك والبشر. ومن أخذ شيئا من علمها عن غيرهم ضل.

ولما كان التقدير لحكاية كلامهم الذي يشعر ببلوغ العلم ، فقالوا مقسمين جهد أيمانهم : لا تأتينا الساعة ، عطف عليه ما يدل على الشك والعمى ، وكان الأصل : وقالوا ، ولكنه قال :( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي ستروا دلائل التوحيد والآخرة التي هي أكثر من أن تحصى وأوضح من الضياء ، تعليقا للحكم بالوصف ، مستفهمين استفهام المستبعد المنكر :( إِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا ) وكرروا الاستفهام إشارة إلى تناهي الاستبعاد والجحود ، وعد ما استبعدوه محالا ، فقالوا :( أَإِنَّا ) أي نحن وآباؤنا الذين طال العهد بهم ، وتمكن البلى فيهم( لَمُخْرَجُونَ ) أي من الحالة التي صرنا إليها من الموت والبلى إلى ما كنا عليه قبل ذلك من الحياة والقوة ، ثم أقاموا الدليل في زعمهم على ذلك فقالوا تعليلا لاستبعادهم :( لَقَدْ وُعِدْنا ) .

ولما كانت العناية في هذه السورة بالإيقان بالآخرة ، قدم قوله :( هذا ) أي الإخراج من القبور كما كنا أول مرة ـ على قوله :( نَحْنُ وَآباؤُنا ) بخلاف ما سبق في سورة المؤمنون ، وقالوا :( مِنْ قَبْلُ ) زيادة في الاستبعاد ، أي أنه قد مرت الدهور على هذا الوعد ، ولم يقع منه شيء ، فذلك دليل على أنه لا حقيقة له فكأنه قيل : فما المراد به؟ فقالوا :( إِنْ ) أي ما( هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ) أي ما سطروه كذبا لأمر لا نعرف مرادهم منه. ولا حقيقة لمعناه ، فقد حط كلامهم هذا كما ترى على أنهم تارة في غاية الإنكار دأب المحيط العلم ، وتارة يستبعدون دأب الشاك ، المركب الجهل ، الجدير بالتهكم كما مضى أنه معنى الإضرابات ـ والله الموفق.

( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩) وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (٧٠) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٧١) قُلْ عَسى أَنْ

٤٤٦

يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (٧٢) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (٧٤) وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٧٥) إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) )

ولما لم يبق هذا الذي أقامه من دلائل القدرة على كل شيء عموما ، وعلى البعث خصوصا ، مقال ، يرد عن الغي إلا التهديد بالنكال ، وكان كلامهم هذا موجبا للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم من الغم والكرب ما لا يعلمه إلا الله تعالى ، قال سبحانه ملقنا له ومرشدا لهم في صورة التهديد :( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ) أي أيها المعاندون أو العمي الجاهلون.

ولما كان المراد الاسترشاد للاعتقاد ، والرجوع عن الغي والعناد ، لكون السياق له ، لا مجرد التهديد ، قال :( فَانْظُرُوا ) بالفاء المقتضية للإسراع ، وعظم المأمور بنظره بجعله أهلا للعناية به ، والسؤال عنه ، فقال :( كَيْفَ كانَ ) أي كونا هو في غاية المكنة( عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ) أي القاطعين لما أمر الله به أن يوصل من الصلاة التي هي الوصلة بين الله وبين عباده ، والزكاة التي هي وصلة بين بعض العباد وبعض ، لتكذيبهم الرسل الذين هم الهداة إلى ما لا تستقل به العقول ، فكذبوا بالآخرة التي ينتج التصديق بها كل هدى ، ويورث التكذيب بها كل عمى ـ كما تقدمت الإشارة إليه في افتتاح السورة ، فإنكم إن نظرتم ديارهم ، وتأملتم أخبارهم ، حق التأمل ، أسرع بكم ذلك إلى التصديق فنجوتم وإلا هلكتم ، فلم تضروا إلا أنفسكم ، وقد تقدم لهذا مزيد بيان في النحل.

ولما دهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم من الأسف على جلافتهم في عماهم عن السبيل ، الذي هدى إليه الدليل ، ما لا يعلمه إلا الله قال :( وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ) أي في عدم إيمانهم.

ولما كانوا لا يقتصرون على التكذيب ، بل يبغون للمؤمنين الغوائل ، وينصبون الحبائل ، قال :( وَلا تَكُنْ ) مثبتا للنون لأنه في سياق الإخبار عن عنادهم واستهزائهم مع كفايته سبحانه وتعالى لمكرهم بما أعد لهم من سوء العذاب في الدارين ، فلا مقتضى للتناهي في الإيجاز والإبلاغ في نفي الضيق ، فيفهم إثبات النون الرسوخ ، فلا يكون منهيا عما لا ينفك عنه العسر مما أشار إليه قوله تعالى( وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ ) وإنما ينهى عن التمادي معه في الذكر بخلاف ما مضى في النحل ، فإن السياق هناك للعدل في العقوبة بما وقع من المصيبة في غزوة أحد المقتضى لتعظيم التسلية بالحمل على الصبر ، ونفي جميع الضيق ليكون ذلك وازعا عن مجاوزة الحد ، بل حاملا على العفو( فِي ضَيْقٍ ) أي في الصدر( مِمَّا يَمْكُرُونَ ) فإن الله جاعل تدميرهم في تدبيرهم كطغاة قوم صالح.

٤٤٧

ولما أشار إلى أنهم لم يبقوا في المبالغة في التكذيب بالساعة وجها ، أشار إلى أنهم بالوعيد بالساعة وغيرها من عذاب الله أشد مبالغة ، فقال :( وَيَقُولُونَ ) بالمضارع المؤذن بالتجدد كل حين للاستمرار :( مَتى هذَا الْوَعْدُ ) وسموه وعدا إظهارا للمحبة تهكما به ، وهو العذاب والبعث والمجازاة( إِنْ كُنْتُمْ ) أي أنت ومن تابعك ، كونا هو في غاية الرسوخ ، كما تزعمون( صادِقِينَ ) فأجابهم على هذا الجواب الغص بجواب الواسع القادر الذي لا يعتريه ضيق ، ولا تنويه عجلة ، مشيرا إلى الاستعداد للدفاع أو الاستسلام لذي الجلال والإكرام ، كما فعلت بلقيس رضي الله عنها ، فقال مخاطبا الرأس الذي لا يقدر على هذه التؤده حق القدرة غيره :( قُلْ ) يا محمد( عَسى ) أي يمكن( أَنْ يَكُونَ ) وجدير وخليق بأن يكون( رَدِفَ ) أي تبع ردفا حتى صار كالرديف ولحق.

ولما قصر الفعل وضمنه معنى ما يتعدى باللام لأجل الاختصاص قال :( لَكُمْ ) أي لأجلكم خاصة( بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ ) إتيانه من الوعيد ، فتطلبون تعجيله قبل الوقت الذي ضربه الله له ، فعلى تقدير وقوعه ماذا أعددتم لدفاعه؟ فإن العاقل من ينظر في عواقب أموره ، ويبنيها على أسوأ التقادير ، فيعد لما يتوهمه من البلاء ما يكون فيه الخلاص كما فعلت بلقيس رضي الله عنها من الانقياد الموجب للأمان لما غلب على ظنها أن الإباء يوجب الهوان ، لا كما فعل قوم صالح من الآبار ، التي أعانت على الدمار ، وغيرهم من الفراعنة.

ولما كان التقدير قطعا : فإن ربك لا يعجل على أهل المعاصي بالانتقام مع القطع بتمام قدرته ، عطف عليه قوله :( وَإِنَّ رَبَّكَ ) أي المحسن إليك بالحلم عن أمتك وترك المعاجلة لهم بالعذاب على المعاصي( لَذُو فَضْلٍ ) أي تفضل وإنعام( عَلَى النَّاسِ ) أي كافة( وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ ) أي لا يوقعون الشكر له بما أنعم عليهم ، ويزيدون في الجهل بالاستعجال.

ولما كان الإمهال قد يكون من الجهل بذنوب الأعداء ، قال نافيا لذلك :( وَإِنَّ رَبَّكَ ) أي والحال أنه أشار بصفة الربوبية إلى إمهالهم إحسانا إليه وتشريفا له( لَيَعْلَمُ ) أي علما لا يشبه علمكم بل هو في غاية الكشف لديه دقيقه وجليله( ما تُكِنُ ) أي تضمر وتستر وتخفي( صُدُورُهُمْ ) أي الناس كلهم فضلا عن قومك( وَما يُعْلِنُونَ ) أي يظهرون من عدواتك فلا تخشهم ، وذكر هذا القسم لأن التصريح أقر للنفس والمقام للأطناب ، على أنه ربما كان في الإعلان لغط واختلاط أصوات يكون سببا للخفاء.

ولما كان ثبات علم الناس في الغالب مقيدا بالكتاب ، قال تقريبا لأفهامهم :( وَما مِنْ غائِبَةٍ ) أي من هنة من الهنات في غاية الغيبوبة( فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ ) أي في أي

٤٤٨

موضع كان منهما ، وأفردهما دلالة على إرادة الجنس الشامل لكل فرد( إِلَّا فِي كِتابٍ ) كتبه قبل إيجادها لأنه لا يكون شيء إلا بعلمه وتقديره( مُبِينٍ ) لا يخفى شيء فيه على من تعرف ذلك منه كيفما كان ؛ ثم دل على ذلك بقوله :( إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ ) أي الآتي به هذا النبي الأمي الذي لم يعرف قبله علما ولا خالط عالما( يَقُصُ ) أي يتابع الإخبار ويتلو شيئا فشيئا على سبيل القطع الذي لا تردد فيه ، من غير زيادة ولا نقص( عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ ) أي الذين أخبارهم مضبوطة في كتبهم لا يعرف بعضها إلا قليل من حذاق أخبارهم( أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ ) أي خاصة لكونه من خاص أخبارهم التي لا علم لغيرهم بها( فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) أي من أمر الدين وإن بالغوا في كتمه ، كقصة الزاني المحصن في إخفائهم أن حده الرجم ، وقصة عزير والمسيح ، وإخراج النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ذلك من توراتهم ،(١) فصح بتحقيقه على لسان من لم يلم بعلم قط أنه من عند الله ، وصح أن الله تعالى يعلم كل شيء إذ لا خصوصية لهذا دون غيره بالنسبة إلى علمه سبحانه.

( وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٧٨) فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩) إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١) )

ولما بان بهذا دليل علمه ، أتبعه دليل فضله وحلمه ، فقال :( وَإِنَّهُ ) أي القرآن( لَهُدىً ) أي موصل إلى المقصود لمن وفق( وَرَحْمَةٌ ) أي نعمة وإكرام( لِلْمُؤْمِنِينَ ) أي الذين طبعتهم على الإيمان ، فهو صفة لهم راسخة كما أنه للكافرين وقر في أذانهم وعمى في قلوبهم.

ولما ذكر دليل فضله ، أتبعه دليل عدله ، فقال مستأنفا لجواب من ظن أن فضله دائم العموم على الفريقين :( إِنَ ) وقال :( رَبَّكَ ) أي المحسن إليك بجمعه لكل بين العلم والبلاغة والدين والبراعة والدنيا والعفة والشجاعة تسلية للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ( يَقْضِي بَيْنَهُمْ ) أي بين جميع المخلفين( بِحُكْمِهِ ) أي الذي هو أعدل حكم وأتقنه وأنفذه وأحسنه مع كفرهم به واستهزائهم برسله ، لا بحكم غيره ولا بنائب يستنيبه( وَهُوَ ) أي والحال أنه

__________________

(١) قصة إخراج آية الرجم أخرجها البخاري ٤٥٥٦ و٦٨٤١ و٧٥٤٣ مسلم ١٦٩٩ مالك ٢ / ٨١٩ وأبو داود ٤٤٤٦ وابن حبان ٤٤٣٤ والبيهقي ٨ / ٢١٤ والدارمي ٢ / ١٧٨ وعبد الرزاق ١٣٣٣١ كلهم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه في قصة اللذين زنيا من اليهود ، فأخرج النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم تلك الآية من التوراة أمام اليهود بعد أن جاؤوا بها.

٤٤٩

هو( الْعَزِيزُ ) فلا يرد له أمر( الْعَلِيمُ ) فلا يخفى عليه سر ولا جهر ، فلما ثبت له العلم والحكمة ، والعظمة والقدرة ، تسبب عن ذلك قوله :( فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ ) أي الذي له جميع العظمة بما ثبت من علمه وقدرته التي أثبت بها أنك أعظم عباده الذين اصطفى في استهزاء الأعداء وغيره من مصادمتهم ومسالمتهم لتدع الأمور كلها إليه ، وتستريح من تحمل المشاق ، وثوقا بنصره ، وما أحسن قول قيس بن الخطيم وهو جاهلي :

متى ما تقد بالباطل الحق يأبه

وأن تقد الأطوار بالحق تنقد

ثم علل ذلك حثا على التحري في الأعمال ، وفطما لأهل الإبطال ، عن تمني المحال ، فقال :( إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ) أي البين في نفسه الموضح لغيره ، فحقك لا يبطل ووضوحه لا يخفى ، ونكوصهم ليس عن خلل في دعائك لهم ، وإنما الخلل في مداركهم ، فثق بالله في تدبير أمرك فيهم ؛ ثم علل هذا الذي أرشد السياق إلى تقديره ، أو استأنف لمن يسأل متعجبا عن وقوفهم عن الحق الواضح بقوله :( إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى ) أي لا توجد سمعا للذين هم كالموتى في عدم الانتفاع بمشاعرهم التي هي في غاية الصحة ، وهم إذا سمعوا الآيات أعرضوا عنها.

ولما كان تشبيههم بالموتى مؤيسا ، قال مرجيا :( وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ ) أي لا تجدد ذلك لهم ، فشبههم بما في أصل خلقهم مما جبلوا عليه من الشكاسة وسوء الطبع بالصم.

ولما كانوا قد ضموا إلى ذلك الإعراض والنفرة فصاروا كالأصم المدبر ، وكان الأصم إذا أقبل ربما سمع بمساعدة بصره وفهمه ، قال :( إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ) فرجاه في إيجاد الإسماع إذا حصلت لهم حالة من الله تقبل بقلوبهم.

ولما شبههم بالصم في كونهم لا يسمعون إلا مع الإقبال ، مثلهم بالعمى في أنهم لا يهتدون في غير عوج أصلا إلا براع لا تشغله عنهم فترة ولا ملال ، فقال :( وَما أَنْتَ بِهادِي ) أي بموجد الهداية على الدوام في قلوب( الْعُمْيِ ) أي في أبصارهم وبصائرهم مزيلا لهم وناقلا ومبعدا( عَنْ ضَلالَتِهِمْ ) عن الطريق بحيث تحفظهم عن أن يزالوا عنها أصلا ، فإن هذا لا يقدر عليه إلا الحي القيوم ، والسياق كما ترى يشعر بتنزيل كفرهم في ثلاث رتب : عليا ككفر أبي جهل ، ووسطى كعتبة بن ربيعة ، ودنيا كأبي طالب وبعض المنافقين ، وسيأتي في سورة الروم لهذا مزيد بيان.

ولما كان هذا ربما أوقف عن دعائهم ، رجاه في انقيادهم وارعوائهم بقوله :( إِنْ ) أي ما( تُسْمِعُ ) أي سماع انتفاع على وجه الكمال ، في كل حال( إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ ) أي

٤٥٠

من علمنا أنه يصدق( بِآياتِنا ) بأن جعلنا فيه قابلية السمع. ثم سبب عنه قوله دليلا على إيمانه :( فَهُمْ مُسْلِمُونَ ) أي في غاية الطواعية لك في المنشط والمكره ، لا خيرة لهم ولا إرادة في شيء من الأشياء.

( وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ (٨٢) وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣) حَتَّى إِذا جاؤُ قالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ (٨٥) أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦) )

ولما فرغ من عظيم زجرهم بتسليتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في أمرهم وختم بالإسلام ، عطف عليه ذكر ما يوعدون مما تقدم استعجالهم له استهزاء به ، وبدأ منه بالدابة التي تميز المسلم من غيره ، فقال محققا بأداة التحقيق :( وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ ) أي حان حين وقوع الوعيد الذي هو معنى القول ، وكأنه لعظمه لا قول غيره( عَلَيْهِمْ ) بعضه بالإتيان حقيقة وبعضه بالقرب جدا( أَخْرَجْنا ) أي بما لنا من العظمة( لَهُمْ ) من أشراط الساعة( دَابَّةً ) وأيّ دابة في هولها وعظمها خلقا وخلقا( مِنَ الْأَرْضِ ) أي أرض مكة التي هي أم الأرض ، لأنه لم يبق بعد إرسال أكمل الخلق بأعلى الكتب إلا كشف الغطاء.

ولما كان التعبير بالدابة يفهم أنها كالحيوانات العجم لا كلام لها قال :( تُكَلِّمُهُمْ ) أي بكلام يفهمونه ، روى البغوي من طريق مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما : قال سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها ، وخروج الدابة على الناس ضحى ، وأيتهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها قريبا »(١) . ومن طريق ابن خزيمة عن أبي شريحة الغفاري رضي الله عنه أن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «يكون للدابة ثلاث خرجات من الدهر ، فتخرج خروجا بأقصى اليمن فيفشو ذكرها بالبادية ، ولا يدخل ذكرها القرية ـ يعني مكة ، ثم تكمن زمانا طويلا ، ثم تخرج خرجة أخرى قريبا من مكة فيفشو ذكرها بالبادية ويدخل ذكرها القرية ، ثم بينما الناس يوما في أعظم المساجد على الله عزوجل حرمة وأكرمها على الله عزوجل ـيعني المسجد الحرام ، لم يرعهم إلا وهي في ناحية المسجد تدنو وتدنو ـ كذا قال عمرو ـ يعني ابن محمد العبقري أحد رواة الحديث ـ ما بين الركن الأسود إلى باب بني مخزوم

__________________

(١) أخرجه أحمد ٢ / ٢٠١ بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنه وللحديث تكملة طويلة أيضا في شأن الشمس وسجودها تحت العرش وكرره ٢ / ٢٩٥ من حديث أبي هريرة وسيأتي.

٤٥١

عن يمين الخارج في وسط ذلك ، فارفض الناس عنها وثبت لها عصابة عرفوا أنهم لن يعجزوا الله فخرجت عليهم تنفض رأسها من التراب ، فمرت بهم فجلت عن وجوههم حتى تركتها كأنها الكواكب الدرية ، ثم ولت في الأرض لا يدركها طالب ، ولا يعجزها هارب ، حتى أن الرجل ليقوم فيتعوذ منها بالصلاة ، فتأتيه من خلفه فتقول : يا فلان! الآن تصلي ، فيقبل عليها بوجهه فتسمه في وجهه ، فيتجاور الناس في ديارهم ، ويصطحبون في أسفارهم ، ويشتركون في الأموال ، يعرف الكافر من المؤمن ، فيقال للمؤمن : يا مؤمن ، ويقال للكافر : يا كافر »(١) ؛ ومن طريق الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «تخرج الدابة ومعها عصا موسى ، وخاتم سليمان عليهما‌السلام ، فتجلو وجه المؤمن بالعصا ، وتخطم أنف الكافر بالخاتم ، حتى أن أهل الخوان ليجتمعون فيقول هذا : يا مؤمن ، وهذا : يا كافر »(٢) .

ثم علل سبحانه إخراجه لها بقوله :( أَنَّ النَّاسَ ) أي بما هم ناس لم يصلوا إلى أول أسنان الإيمان ، وهو سن( الَّذِينَ آمَنُوا ) بل هم نائسون مترددون مذبذبون تارة ، وتارة( كانُوا ) أي كونا هو لهم كالجبلة( بِآياتِنا ) أي المرئيات التي كتبناها بعظمتنا في ذوات العالم ، والمسموعات المتلوات ، التي أتيناهم بها على ألسنة أكمل الخلق : الأنبياء والرسل ، حتى ختمناهم بإمامهم الذي هو أكمل العالمين ، قطعا لحجاجهم ، وردا عن لجاجهم ، ولذا عممنا برسالته وأوجبنا على جميع العقل أتباعه( لا يُوقِنُونَ ) من اليقين ، وهو إتقان العلم بنفي الشبه ، بل هم فيها مزلزلون ، فلم يبق بعدهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلا كشف الغطاء عما ليس من جنس البشر بما لا تثبت له عقولهم.

ولما كان من فعل الدابة التمييز بين المؤمن والكافر بما لا يستطيعون دفعه ، تلاه بتمييز كل فريق منهما عن صاحبه يجمعهم يوم القيامة في ناحية ، وسوقهم من غير اختلاط بالفريق الآخر ، فقال عاطفا على العامل في «وإذا وقع القول» :( وَيَوْمَ نَحْشُرُ ) أي نجمع ـ بما لنا من العظمة ـ على وجه الإكراه ؛ قال أبو حيان : الحشر : الجمع على عنف( مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً ) أي جماعة كثيرة( مِمَّنْ يُكَذِّبُ ) أي يوقع التكذيب للهداة

__________________

(١) أخرجه البغوي ٣ / ٣٦٧. ٣٦٨ من حديث أبي شريحة الأنصاري مطولا وإسناده غير قوي لأجل الثعلبي المفسر لكن الحديث حسن في الشواهد.

(٢) أخرجه أحمد ٢ / ٢٩٥ و٤٩١ عن أبي هريرة رضي الله عنه وإسناده ضعيف علي بن يزيد واوس ضعيفان ، ومن نفس الطريق أخرجه الترمذي ٣١٨٧ وابن ماجه ٤٠٦٦. وأخرجه أحمد من حديث أبي أمامة ٥ / ٢٦٨ وفيه ضعف. وأخرج ابن ماجه ٤٠٦٧ وأحمد ٥ / ٣٥٧ عن بريدة في مكان الدابة الذي تخرج منه من البادية حدده رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وفيه خالد بن عبيد متروك.

٤٥٢

على الاستمرار ، مستهينا( بِآياتِنا ) أي المرئية بعدم الاعتبار بها ، والمسموعة بردها والطعن فيها على ما لها من العظمة بإضافتها إلينا ؛ وأشار إلى كثرتهم بقوله متسببا عن العامل في الظرف من نحو : يكونون في ذل عظيم :( فَهُمْ يُوزَعُونَ ) أي يكف بأدنى إشارة منه أولهم على ـ آخرهم ، وأطرافهم على أوساطهم ، ليتلاحقوا ، ولا يشذ منهم أحد ، ولا يزالون كذلك( حَتَّى إِذا جاؤُ ) أي المكان الذي أراده الله لتبكيتهم( قالَ ) لهم ملك الملوك غير مظهر لهم الجزم بما يعلمه من أحوالهم ، في عنادهم وضلالهم ، بل سائلا لهم إظهارا للعدل بإلزامهم بما يقرون به من أنفسهم ، وفيه إنكار وتوبيخ وتبكيت وتقريع :( أَكَذَّبْتُمْ ) أي أيها الجاهلون( بِآياتِي ) على ما لها من العظم في أنفسها ، وبإتيانها إليكم على أيدي أشرف عبادي( وَ ) الحال أنكم( لَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً ) أي من غير فكر ولا نظر يؤدي إلى الإحاطة بها في معانيها وما أظهرت لأجله حتى تعلموا ما تستحقه ويليق بها بدليل لا مرية فيه( أَمَّا ذا كُنْتُمْ ) أي في تلك الأزمان بما هو لكم كالجبلات( تَعْمَلُونَ ) فيها هل صدقتم بها أو كذبتم بعد الإحاطة بعلمها؟ أخبروني عن ذلك كله! ما دهاكم حيث لم تشتغلوا بهذا العمل المهم؟ فإن هذا ـ وعزتي ـ مقام العدل والتحرير ، ولا يترك فيه قطمير ولا نقير ، ولا ظلم فيه على أحد في جليل ولا حقير ، ولا قليل ولا كثير ، والسؤال على هذا الوجه منبه على الاضطرار إلى التصديق أو الاعتراف بالإبطال ، لأنهم إن قالوا : كذبنا ، فإن قالوا مع عدم الإحاطة كان في غاية الوضوح في الإبطال ، وإن قالوا مع الإحاطة كان أكذب الكذب.

ولما كان التقدير بما أرشد إليه السياق : فأجابوا بما تبين به أنهم ظالمون ، عطف عليه قوله :( وَوَقَعَ الْقَوْلُ ) أي مضمون الوعيد الذي هو القول حقا ، مستعليا( عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا ) أي بسبب ما وقع منهم من الظلم من صريح التكذيب وما نشأ عنه من الضلال ، في الأقوال والأفعال( فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ ) أي بسبب ما شغلهم من وقوع العذاب المتوعد به مما أحاط بقواهم ، فهد أركانهم ، وما انكشف لهم من أنه لا ينجيهم شيء.

ولما ذكر الحشر ، استدل عليه بحشرهم كل ليلة إلى المبيت ، والختم على مشاعرهم ، وبعثهم من المنام ، وإظهار الظلام الذي هو كالموت بعد النور ، وبعث النور بعد إفنائه بالظلام ، فقال :( أَلَمْ يَرَوْا ) مما يدلهم على قدرتنا على بعثهم بعد الموت وعلى كل ما أخبرناهم به( أَنَّا جَعَلْنَا ) أي بعظمتنا التي لا يصل أحد إلى مماثلة شيء منها الدالة على تفردنا وفعلنا بالاختيار( اللَّيْلَ ) أي مظلما( لِيَسْكُنُوا فِيهِ ) عن الانتشار( وَالنَّهارَ مُبْصِراً ) أي بإبصار من يلابسه ، لينتشروا فيه في معايشهم بعد أن كانوا ماتوا

٤٥٣

الموتة الصغرى ، وكم من شخص منهم بات سويا لا قلبة به فمات ، ولو شئنا لجعلنا الكل كذلك لم يقم منهم أحد ، وعدل عن (ليبصروا فيه) تنبيها على كمال كونه سببا للإبصار ، وعلى أنه ليس المقصود كالسكون ، بل وسيلة المقصود الذي هو جلب المنافع ، فالآية من الاحتباك : ذكر السكون أولا دليل على الانتشار ثانيا ، وذكر الإبصار ثانيا دليل على الإظلام أولا ؛ ثم عظم هذه الآية حثا على تأمل ما فيها من القدرة الهادية إلى سواء السبيل فقال :( إِنَّ فِي ذلِكَ ) أي الحشر والنشر الأصغرين مع آيتي الليل والنهار( لَآياتٍ ) أي متعددة ، بينة على التوحيد والبعث الآخر والنبوة ، لأن من قلب الملوين لمنافع الناس الدنيوية ، أرسل الرسل لمنافعهم في الدارين.

ولما كان من مباني السورة تخصيص الهداية بالمؤمنين ، خصهم بالآيات لاختصاصهم بالانتفاع بها وإن كان الكل مشتركين في كونها دلالة لهم ، فقال :( لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) أي قضيت بأن إيمانهم لا يزال يتجدد ، فهم كل يوم في علو وارتفاع.

( وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ (٨٧) وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ (٨٨) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩) وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠) إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) )

ولما ذكر هذا الحشر الخاص ، والدليل على مطلق الحشر والنشر ، ذكر الحشر العام ، لئلا يظن أنه إنما يحشر الكافر ، فقال مشيرا إلى عمومهم بالموت كما عمهم بالنوم ، وعمومهم بالإحياء كما عمهم بالإيقاظ :( وَيَوْمَ يُنْفَخُ ) أي بأيسر أمر( فِي الصُّورِ ) أي القرن الذي جعل صوته لإماتة الكل.

ولما كان ما ينشأ عنه من فزعهم مع كونه محققا مقطوعا به كأنه وجد ومضى ، يكون في آن واحد ، أشار إلى ذلك وسرعة كونه بالتعبير بالماضي فقال :( فَفَزِعَ ) أي صعق بسبب هذا النفخ( مَنْ فِي السَّماواتِ. )

ولما كان الأمر مهولا ، كان الإطناب أولى ، فقال :( وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ) أي كلهم( إِلَّا مَنْ شاءَ اللهُ ) أي المحيط علما وقدرة وعزة وعظمة ، أن لا يفزع ؛ ثم أشار إلى النفخ لإحياء الكل بقوله :( وَكُلٌ ) أي من فزع ومن لم يفزع( أَتَوْهُ ) أي بعد ذلك للحساب بنفخة أخرى يقيمهم بها ، دليلا على تمام القدرة في كونه أقامهم بما به أنامهم

٤٥٤

( داخِرِينَ ) أي صاغرين منكسرين ؛ واستغنى عن التصريح به بما يعلم بالبديهة من أنه لا يمكن إتيانهم في حال فزعهم الذي هو كناية عن بطلان إحساسهم ، هذا معنى ما قاله كثير من المفسرين والذي يناسب سياق الآيات الماضية ـ من كون الكلام في يوم القيامة الذي هو ظرف لما بين البعث ودخول الفريقين إلى داريهما ـ أن يكون هذا النفخ بعد البعث وبمجرد صعق هو كالغشي كما أن حشر الأفواج كذلك ، ويؤيده التعبير بالفزع ، ويكون الإتيان بعده بنفخة أخرى تكون بها الإقامة ، فهاتان النفختان حينئذ هما المراد من قولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «يصعق الناس يوم القيامة» ـ الحديث(١) ، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى لفظا ومعنى ، ويحل ما فيه من إشكال في آخر سورة الزمر.

ولما ذكر دخورهم ، تلاه بدخور ما هو أعظم منهم خلقا ، وأهول أمرا ، فقال : عاطفا على ناصب الظرف مما تقديره : كانت أمور محلولة ، معبرا بالمضارع لأن ذلك وإن شارك الفزع في التحقق قد فارقه في الحدوث والتجدد شيئا فشيئا :( وَتَرَى الْجِبالَ ) أي عند القيام من القبور ، والخطاب إما للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ليدل ذلك ـ لكونهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أنفذ الناس بصرا وأنورهم بصيرة ـ على عظم الأمر ، وإما لكل أحد لأن الكل صاروا بعد قيامهم أهلا للخطاب بعد غيبتهم في التراب( تَحْسَبُها جامِدَةً ) أي قائمة ثابتة في مكانها لا تتحرك ، لأن كل كبير متباعد الأقطار لا يدرك مشيته إلا تخرصا( وَهِيَ تَمُرُّ ) أي تسير حتى تكون كالعهن المنفوش فينسفها الله فتقع حيث شاء كأنها الهباء المنثور ، فتستوي الأرض كلها بحيث لا يكون فيها عوج ، وأشار إلى أن سيرها خفي وإن كان حثيثا بقوله :( مَرَّ السَّحابِ ) أي مرا سريعا لا يدرك على ما هو عليه لأنه إذا طبق الجو لا يدرك سيره مع أنه لا شك فيه وإن لم تنكشف الشمس بلا لبس ، وكذا كل كبير الجرم أو كثير العد يقصر عن الإحاطة به لبعد ما بين أطرافه بكثرته البصر ، يكون سائرا ، والناظر الحاذق يظنه واقفا.

ولما كان ذلك أمرا هائلا ، أشار إلى عظمته بقوله ، مؤكدا لمضمون الجملة المتقدمة :( صُنْعَ اللهِ ) أي صنع الذي له الأمر كله ذلك الذي أخبر أنه كائن في ذلك اليوم صنعا ، ونحو هذا المصدر إذا جاء عقب كلام جاء كالشاهد بصحته ، والمنادي على سداده ، والصارخ بعلو مقداره ، وأنه ما كان ينبغي أن يكون إلا هكذا ، ثم زاد في التعظيم بقوله دالا على تمام الإحكام في ذلك الصنع :( الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ. )

ولما ثبت هذا على هذا الوجه المتقن ، والنظام الأمكن ، أنتج قطعا قوله :( إِنَّهُ )

__________________

(١) يخرّج في موضعه بإذن الله فيما سيأتي.

٤٥٥

أي الذي أحكم هذه الأمور كلها( خَبِيرٌ بِما ) يفعلون* أي لأن الإتقان نتيجة القدرة ، وهي نتيجة العلم ، فمن لم يكن شامل العلم لم يكن تام القدرة ، وعبر بالفعل الذي هو أعم من أن يكون بعلم أو لا ، لأنه في سياق البيان لعماهم ، ونفي العلم عنهم ، وقرىء بالخطاب المؤذن بالقرب المرجي للرضا ، المرهب من الإبعاد ، المقرون بالسخط ، وبالغيبة المؤذنة بالإعراض الموقع في الخيبة ، وما أبدع ما لاءم ذلك ولاحمه ما بعده على تقدير الجواب لسؤال من كأنه قال : ماذا يكون حال أهل الحشر مع الدخور عند الناقد البصير؟ فقال : من إتقانه للأشياء أنه رتب الجزاء أحسن ترتيب( مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ ) أي الكاملة وهي الإيمان( فَلَهُ ) وهو من جملة إحكامه للأشياء( خَيْرٌ ) أي أفضل( مِنْها ) مضاعفا ، أقل ما يكون عشرة أضعاف إلى ما لا يعلمه إلا الله ، وأكرمت وجوههم عن النار ، وهؤلاء أهل القرب الذين سبقت لهم الحسنى( وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ) أي إذا وقعت هذه الأحوال ، العظيمة الأهوال( آمِنُونَ ) أي حتى لا يحزنهم الفزع الأكبر ، فانظر إلى بلاغة هذا الكلام ، وحسن نظمه وترتيبه ، وأخذ بعضه بحجزة بعض ، كأنما أفزع إفزاعا واحدا ، ولأمر ما أعجز القوي ، وأخرس الشقاشق والادعاء( وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ ) أي التي لا سيئة مثلها ، وهي الشرك لقوله :( فَكُبَّتْ ) أي بأيسر أمر( وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ ) مع أنه ورد في الصحيح أن مواضع السجود ـ التي أشرفها الوجوه ـ لا سبيل للنار عليها ، والوجه أشرف ما في الإنسان ، فإذا هان كان ما سواه أولى بالهوان ، والمكبوب عليه منكوس.

ولما كانوا قد نكسوا أعمالهم وعكسوها بعبادة غير الله ، فوضعوا الشيء في غير موضعه ، فعظموا ما حقه التحقير ، واستهانوا أمر العلي الكبير. وكان الوجه محل ظهور الحياء والانكسار ، لظهور الحجة ، وكانوا قد حدقوا الأعين جلادة وجفاء عند العناد ، وأظهروا في الوجوه التجهم والعبوس والارتداد ، بدع قوله بناء على ما تقديره بما دل عليه الاحتباك : وهم من فزع يومئذ خائفون ، وليس لهم إلا مثل سيئتهم :( هَلْ ) أي مقولا لهم : هل( تُجْزَوْنَ ) أي بغمس الوجوه في النار ؛ وبني للمفعول لأن المرغب المرهب الجزاء ، لا كونه من معين ، وإشارة إلى أنه يكون بأيسر أمر ، لأن من المعلوم أن المجازي هو الله لا غيره( إِلَّا ما كُنْتُمْ ) أي بما هو لكم كالجبلة( تَعْمَلُونَ ) أي تكررون عمله وأنتم تزعمون أنه مبني على قواعد العلم بحيث يشهد كل من رآه أنه مماثل لأعمالكم سواء بسواء ، وهو شامل أيضا لأهل القسم الأول ، والآية من الاحتباك : ذكر الخيرية والأمن أولا دليلا على حذف المثل والخوف ثانيا ، والكب في النار ثانيا دليلا على الإكرام عنه أولا.

٤٥٦

ولما أتم الدين بذكر الأصول الثلاثة : المبدأ والمعاد والنبوة ، ومقدمات القيامة وأحوالها ، وبعض صفتها وما يكون من أهوالها ، وذلك كمال ما يتعلق بأصول الدين على وجوه مرغبة أتم ترغيب ، مرهبة أعظم ترهيب ، أوجب هذا الترغيب والترهيب لكل سامع أن يقول : فما الذي نعمل ومن نعبد؟ فأجابه المخاطب بهذا الوحي. المأمور بإبلاغ هذه الجوامع ، الداعي لمن سمعه ، الهادي لم اتبعه ، بأنه يرضى له ما رضي لنفسه ، وهو ما أمره به ربه ، فقال :( إِنَّما أُمِرْتُ ) أي بأمر من لا يرد له أمر ، ولا يعد أن يكون بدلا من قوله( الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى ) فيكون محله نصبا بقل ، وعظم المأمور به بإحلاله محل العمدة فقال :( أَنْ أَعْبُدَ ) أي بجميع ما أمركم به( رَبَ ) أي موجب ومدبر وملك ؛ وعين المراد وشخصه وقربه تشريفا وتكريما بقوله :( هذِهِ الْبَلْدَةِ ) أي مكة التي تخرج الدابة منها فيفزع كل من يراها ، ثم تؤمن أهل السعادة ، أخصه بذلك لا أعبد شيئا مما عدلتموه به سبحانه وادعيتم أنهم شركاء ، وهم من جملة ما خلق ؛ ثم وصف المعبود الذي ما أمر بعبادة أحد غيره بما يقتضيه وصف الربوبية ، وتعين البلدة التي أشار إليها بأداة القرب لحضورها في الأذهان لعظمتها وشدة الإلف بها وإرادتها بالأرض التي تخرج الدابة منها ، فصارت لذلك بحيث إذا أطلقت البلدة انصرفت إليها وعرف أنها مكة ، فقال :( الَّذِي حَرَّمَها ) تذكيرا لهم بنعمته سبحانه عليهم وتربيته لهم بأن أسكنهم خير بلاده ، وجعلهم بذلك مهابة في قلوب عباده ، بما ألقى في القلوب من أنها حرم ، لا يسفك بها دم ، ولا يظلم أحد ، ولا يباح بها صيد ، ولا يعضد شجرها ، وخصها بذلك من بين سائر بلاده والناس يتخطفون من حولهم وهم آمنون لا ينالهم شيء من فزعهم وهولهم.

ولما كانت إضافتها إليه إنما هي لمحض التشريف ، قال احتراسا عما لعله يتوهم :( وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ) أي من غيرها مما أشركتموه به وغيره خلقا وملكا وملكا ، وليس هو كالملوك الذين ليس لهم إلا ما حموه على غيرهم.

ولما كانوا ربما قالوا : ونحن نعبده بعبادة من نرجوه يقربنا إليه زلفى ، عين الدين الذي تكون به العبادة فقال :( وَأُمِرْتُ ) أي مع الأمر بالعبادة له وحده ، وعظم المفعول المأمور به بجعله عمدة الكلام بوضعه موضع الفاعل فقال :( أَنْ أَكُونَ ) أي كونا هو في غاية الرسوخ( مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) أي المنقادين لجميع ما يأمر به كتابه أتم انقياد ، ثابتا على ذلك غاية الثبات.

٤٥٧

( وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٣) )

ولما بين ما أمر به في نفسه ، أتبعه ما تعم فائدته غيره فقال :( وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ ) أي أواظب على تلاوته وتلوه ـ أي اتباعه ـ عبادة لربي ، وإبلاغا للناس ما أرسلت به إليهم مما لا يلم به ريب في أنه من عنده. ولأكون مستحضرا لأوامره فأعمل بها ، ولنواهيه فأجتنبها ، وليرجع الناس إيه ويعولوا في كل أمر عليه. لأنه جامع لكل علم.

ولما تسبب عن ذلك أن من انقاد له نجى نفسه ، ومن استعصى عليه أهلكها ، قال له ربه سبحانه مسليا ومؤسيا ومرغبا ومرهبا :( فَمَنِ اهْتَدى ) أي باتباع هذا القرآن الداعي إلى الجنان( فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ) لأنه يحييها بحوزة الثواب ، ونجاته من العقاب ، فإنما أنا من المبشرين ، أبشره أنه من الناجين( وَمَنْ ضَلَ ) أي عن الطريق التي نهج وبينها من غير ميل ولا عوج( فَقُلْ ) له كما تقول لغيره :( إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ ) أي المخوفين له عواقب صنعه ، وإنما فسره ورده فلم أومر به الآن( وَقُلِ ) أي إنذارا لهم وترغيبا وترجية وترهيبا :( الْحَمْدُ ) أي الإحاطة بأوصاف الكمال( لِلَّهِ ) أي الذي له العظمة كلها سواء اهتدى الكل وضل الكل ، أو انقسموا إلى مهتد وضال ، لأنه لا يخرج شيء عن مراده.

ولما كانت نتيجة ذلك القدرة على كل شيء قال :( سَيُرِيكُمْ ) أي في الدنيا والآخرة بوعد محقق لا شك في وقوعه( آياتِهِ ) أي الرادة لكم عما أنتم فيه يوم يحل لي هذه البلدة الذي حرمها بما أشار إليه جعلي من المنذرين وغير ذلك مما يظهر من وقائعه ويشتهر من أيامه التي صرح أو لوح بها القرآن ، فيأتيكم تأويله فترونه عيانا ، وهو معنى( فَتَعْرِفُونَها ) أي بتذكركم ما أتوعدكم الآن به وأصفه لكم منها ، لا تشكون في شيء من ذلك أنه على ما وصفته ولا ترتابون ، فتظهر لكم عظمة القرآن ، وإبانة آيات الكتاب الذي هو الفرقان ، وترون ذلك حق اليقين( وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ) [ص : ٨٨] ،( يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِ ) [الأعراف : ٥٣] ،( هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ) [يس : ٥٢].

ولما كان قد نفس لهم بالسين في الآجال ، وكان التقدير تسلية لهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : وما ربك بتاركهم على هذا الحال من العناد لأن ربك قادر على ما يريد ، عطف عليه قوله :( وَما رَبُّكَ ) أي المحسن إليك بجميع ما أقامك فيه من هذه الأمور العظيمة والأحوال الجليلة الجسيمة( بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) أي من مخالفة أوامره ، ومفارقة زواجره ، ويجوز أن تكون الجملة حالا من فاعل (يرى) أي ربكم غير غافل ، ومن قرأ بالخطاب كان

٤٥٨

المعنى : عما تعمل أنت وأتباعك من الطاعة. وهم من المعصية ، فيجازي كلّا منكم بما يستحق فيعلي أمرك ، ويشد إزرك ، ويوهن أيدهم ، ويضعف كيدهم ، بما له من الحكمة ، والعلم ونفوذ الكلمة ، فلا يظن ظان أن تركه للمعالجة بعقابهم لغفلة عن شيء من أعمالهم ، إنما ذلك لأنه حد لهم حداهم بالغوه لا محالة لأنه لا يبدل القول لديه ، فقد رجع آخرها كما ترى بإبانة الكتاب وتفخيم القرآن وتقسيم الناس فيه إلى مهتد وضال إلى أولها ، وعانق ختامها ابتداءها بحكمة منزلها ، وعلم مجملها ومفصلها ، إلى غير ذلك مما يظهر عند تدبرها وتأملها ـ والله الموفق للصواب ، وإليه المرجع والمآب.

نجز الجزء المبارك من مناسبات البقاعي بحمد الله وعونه ويتلوه القصص إن شاء الله تعالى ـ اللهم اغفر لنا ذنوبنا وتجاوز عن سيئاتنا.

٤٥٩

بسم الله الرحمن الرّحيم

وبه الإعانة ، وصلّى الله على أسعد مخلوقاته وزين عباده

سيدنا محمد وآله وصحبه

سورة القصص

مكية ـ آياتها ثمان وثمانون

( طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (٥) )

مقصودها التواضع لله ، المستلزم لرد الأمر كله إليه ، الناشىء عن الإيمان بالآخرة ، الناشىء عن الإيمان بنبوة محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، الثابتة بإعجاز القرآن ، المظهر للخفايا على لسان من لم يتعلم علما قط من أحد من الخلق ، المنتج لعلو المتصف به ، وذلك هو المأخوذ من تسميتها بالقصص الذي حكم لأجله شعيب بعلو الكليمعليهما‌السلام على من ناواه ، وقمعه لمن عاداه ، فكان المآل وفق ما قال( بِسْمِ اللهِ ) الذي اختص بالكبرياء والعظمة ، فألبس خدامه من ملابس هيبته( الرَّحْمنِ ) الذي عم بنعمة البيان ، حتى أهل الكفران( الرَّحِيمِ ) الذي خص بنعمة ما بعد البعث أهل الإيمان.

لما ختم تلك بالوعد المؤكد بأنه يظهر آياته فتعرف ، وأنه ليس بغافل عن شيء ، تهديدا للظالم ، وتثبيتا للعالم ، وكان من الأول ما يوحيه في هذه من الأساليب المعجزة من خفايا علوم أهل الكتاب ، فلا يقدرون على رده ، ومن الثاني ما صنع بفرعون وآله ، قال أول هذه :( طسم ) مشيرا بالطاء المليحة بالطهر والطيب إلى خلاص بني إسرائيل بعد طول ابتلائهم المطهر لهم عظيم ، وبالسين الرامزة إلى السمو والسنا والسيادة إلى أن ذلك يكون بمسموع من الوحي في ذي طوى من طور سيناء قديم ، وبالميم المهيئة للملك والنعمة إلى قضاء من الملك الأعلى بذلك كله تام عميم.

٤٦٠