• البداية
  • السابق
  • 661 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 700 / تحميل: 77
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 5

مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
العربية

تحقيرا لما استفزهم حتى قالوه فقالوا :( ثَوابُ اللهِ ) أي الجليل العظيم( خَيْرٌ ) أي من هذا الحطام ، ومن فاته الخير حل به الويل ؛ ثم بينوا مستحقه تعظيما له وترغيبا للسامع في حاله فقالوا :( لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ ) أي تصديقا لإيمانه( صالِحاً ) ثم بين سبحانه عظمة هذه النصيحة وعلو قدرها بقوله مؤكدا لأن أهل الدنيا ينكرون كونهم غير صابرين :( وَلا يُلَقَّاها ) أي لا يجعل لاقيا لهذه الكلمات أو النصيحة التي قالها أهل العلم ، أي عاملا بها( إِلَّا الصَّابِرُونَ ) أي على قضاء ربهم في السراء والضراء ، والحاملون أنفسهم على الطاعات الذين صار الصبر لهم خلقا ، وعبر بالجمع ترغيبا في التعاون إشارة إلى أن الدين لصعوبته لا يستقل به الواحد.

( فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ (٨١) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (٨٢) )

ولما تسبب عن نظره هذا الذي أوصله إلى الكفر بربه أخذه بالعذاب ، أشار إلى ذلك سبحانه بقوله :( فَخَسَفْنا ) أي بما لنا من العظمة( بِهِ وَبِدارِهِ ) أي وهي على مقدار ما ذكرنا من عظمته بأمواله وزينته ، فهي أمر عظيم ، تجمع خلقا كثيرا وأثاثا عظيما ، لئلا يقول قائل : إن الخسف به كان للرغبة في أخذ أمواله( الْأَرْضَ ) وهو من قوم موسى عليه الصلاة والسّلام وقريب منه جدا ـ على ما نقله أهل الأخبار ـ فإياكم يا أمة هذا النبي أن تردوا ما آتاكم من الرحمة برسالته فتهلكوا وإن كنتم أقرب الناس إليه فإن الأنبياء كما أنهم لا يوجدون الهدى في قلوب العدى ، فكذلك لا يمنعونهم من الردى ولا يشفعون لهم أبدا ، إذا تحققوا أنهم من أهل الشقا( فَما ) أي فتسبب عن ذلك أنه ما( كانَ لَهُ ) أي لقارون ، وأكد النفي ـ لما استقر في الأذهان أن الأكابر منصورون ـ بزيادة الجار في قوله :( مِنْ فِئَةٍ ) أي طائفة من الناس يكرون عليه بعد أن هالهم ما دهمه ، وأصل الفئة الجماعة من الطير ـ كأنها سميت بذلك لكثرة رجوعها وسرعته إلى المكان الذي ذهبت منه( يَنْصُرُونَهُ ) .

ولما كان الله تعالى أعلى من كل شيء قال :( مِنْ دُونِ اللهِ ) أي الحائز لصفات الكمال ، المتردي بالعظمة والجلال ، لأن من كان على مثل رأيه هلك ، ومن كان من أولياء الله راقب الله في أمره ، فلم يسألوا الله فيه ، وعلم هو أن الحق لله ، وضل عنه ـ كما في الآية التي قبلها ـ ما كان يفتري( وَما كانَ ) أي هو( مِنَ المُنْتَصِرِينَ )

٥٢١

لأنفسهم بقوتهم. ولما خسف به فاستبصر الجهال الذين هم كالبهائم لا يرون إلا المحسوسات ، عبر عن حالهم بقوله :( وَأَصْبَحَ ) أي وصار ، ولكنه عبر به لمقابلة الأمس ، وإعلاما بأن ما رأوا من حاله ملأ صدورهم فلم يكن لهم هم سواه( الَّذِينَ تَمَنَّوْا ) أي أرادوا إرادة عظيمة بغاية الشغف أن يكونوا( مَكانَهُ ) أي يكون حاله ومنزلته في الدنيا لهم( بِالْأَمْسِ ) أي الزمان الماضي القريب وإن لم يكن يلي يومهم الذي هم فيه من قبله( يَقُولُونَ وَيْكَأَنَ ) هذه الكلمة والتي بعدها متصلة بإجماع المصاحف ، وعن الكسائي أنه يوقف على الياء من وي ، وعن أبي عمرو أنه يوقف على الكاف : ويك ، قال الرضي في شرح الحاجبية : وي للتندم أو للتعجب ، ثم قال : وهو عند الخيل وسيبويه «وي» للتعجب ، ركبت مع «كأن» التي للتشبيه ، وقال الفراء : كلمة تعجب ألحق بها كاف الخطاب نحو ويك عنتر أقدم ، أي من قوله في قصيدته الميمية المشهورة إحدى المعلقات السبع :

ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها

قيل الفوارس ويك عنتر أقدم

أي ويلك وعجبا منك ، وضم إليها «أن» فالمعنى : ألم تر أنه ، ونقل ابن الجوزي هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال الفراء : ولما صار معنى ويكأن ألم تر ، لم تغير كاف الخطاب للمؤنث والمثنى والمجموع بل لزم حالة واحدة ، وقال الجعبري في شرح الشاطبية : وي صوت يقوله المتندم والمتعجب ، وويك أصله ويلك ، حذفت لامه تخفيفا لكثرة دوره ؛ والكاف للخطاب وفتحت «أن» لإضمار العلم ؛ وقال قطرب : لتقدير اللام ، ونشأ من التركيب معنى : ندمنا على تفريطنا ، وتعجبنا من حالنا ، وتحققنا خلاف اعتقادنا ، ورسمت متصلة تنبيها على التركيب ، وقال القزاز في ديوانه الجامع : ويك كلمة ينبه بها الإنسان ، وقيل : معناها رحمة ، ووي معناها التنبيه والإنكار ، وقال الإمام عبد الحق : وي كلمة تقال في التعجب والاستدراك ، وقيل : وي حزن ، وقال قطرب : وي كلمة تفجع ـ انتهى. وقال سيبويه في باب ما ينتصب فيه الخبر بعد الأحرف الخمسة : وسألت الخليل عن هذه الآية فزعم أنها وي مفصولة من كأن والمعنى وقع على أن القوم انتبهوا فتكلموا على قدر علمهم ، أو نبهوا فقيل لهم : أما يشبه أن يكون هذا عندكم هكذا ـ والله تعالى أعلم ، وأما المفسرون : فقالوا : ألم تر أن الله. فالمعنى الذي يجمع الأقوال حينئذ : تعجبا أو ويلا أو تندما على ما قلنا في تبين غلطنا ، وتنبيها على الخطأ ، أو هلاك لنا ، إو إنكار علينا ، أو حزن لنا ، أو تفجع علينا ، أو استدراك علينا ، أو رحمة لنا ، أو تنبه منا ، أو تنبيه لنا ، ثم عللوا ذلك بقولهم : أن الله ، أو يشبه أن الله ، أو ألم تر أيها السامع والناظر أن الله ، وقال الرازي : اسم سمي به القول ، أي

٥٢٢

أعجب ، ومعناه التنبيه ؛ ثم ابتدأ كأن( اللهَ ) أي الملك الأعلى الذي له الأمر كله( يَبْسُطُ الرِّزْقَ ) أي الكامل( لِمَنْ يَشاءُ ) سواء كان عنده ما يحتال به على الرزق أم لا.

ولما كانت القصة لقارون ، وكان له من المكنة في الدنيا ما مضى ذكره ، وكانت العادة جارية بأن مثله يبطر وقد يؤدي إلى تألهه ، قال منبها بالإيقاع به على الوجه الماضي أنه من جملة عبيده ، لا فرق بينه وبين أضعفهم بالنسبة إلى قدرته :( مِنْ عِبادِهِ ) .

ولما دل على أن البسط إنما هو منه ، أتبعه قوله دليلا آخر على ربوبيته :( وَيَقْدِرُ ) أي يضيق على من يشاء سواء كان فطنا أم لا ، لا يبسطه لأحد لكرامته عليه ، ولا يضيق على أحد لهوانه عنده ، ولا يدل البسط والقبض على هوان ولا كرامة ، وهذا دليل على أنهم ظنوا صحة قول قارون أنه أوتيه على علم عنده ، وأنهم إنما تمنوا علمه الذي يلزم منه على اعتقادهم حصول المال على كل حال.

ولما لاح لهم من واقعته أن الرزق إنما هو بيد الله ، أتبعوه ما دل على أنهم اعتقدوا أيضا أن الله قادر على ما يريد من غير الرزق كما هو قادر على الرزق من قولهم :( لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللهُ ) أي تفضل الملك الأعظم الذي استأثر بصفات الكمال( عَلَيْنا ) بجوده ، فلم يعطنا ما تمنيناه من الكون على مثل حاله( لَخَسَفَ بِنا ) مثل ما خسف به( وَيْكَأَنَّهُ ) أي عجبا أو ندما لأنه ، أو يشبه أنه ، أو ألم تر أنه ، قال الرضي في شرح الحاجبية : كأن المخاطب كان يدعى أنهم يفلحون فقال لهم : عجبا منك ، فسئل : لم تتعجب منه؟ فقال : لأنه ـ إلى آخره ، فحذف حرف الجر مع «أن» كما هو القياس.( لا يُفْلِحُ ) أي يظفر بمراد( الْكافِرُونَ ) أي العريقون في الكفر لنعمة الله ، وقد عرف بهذا تنزيل المعنى على ما قالوه في المراد من ويكأنه ، سواء وقف على وي أو ويك أو لا.

ذكر شرح هذه القصة : قال البغوي : قال أهل العلم بالأخبار : كان قارون أعلم بني إسرائيل بعد موسى عليه الصلاة والسّلام وأقرأهم للتوراة وأجملهم وأغناهم فبغى وطغى ، وكان أول طغيانه وعصيانه أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه الصلاة والسّلام أن يعلقوا في أرديتهم خيوطا أربعة ، في كل طرف منها خيطا أخضر بلون السماء يذكرونني به إذا نظروا إلى السماء ويعلمون أني منزل منها كلامي ، فقال موسى : يا رب! أفلا تأمرهم أن يجعلوا أرديتهم كلها خضرا ، فإن بني إسرائيل تحتقر هذه الخيوط ، فقال له ربه : يا موسى! إن الصغير من أمري ليس بصغير ، فإذا هم لم يطيعوني في الأمر الصغير لم يطيعوني في الأمر الكبير ، فدعاهم موسى يعني فأعلمهم ففعلوا واستكبر

٥٢٣

قارون ، فكان هذا بدء عصيانه وطغيانه وبغيه ، فلما قطع موسى ببني إسرائيل البحر جعل الحبورة لهارونعليه‌السلام وهي رئاسة المذبح ، فكان بنو إسرائيل يأتون بهديهم إلى هارون فيضعه على المذبح فتنزل نار من السماء فتأكله ، فقال قارون : يا موسى! لك الرسالة ولهارون الحبورة ، ولست في شيء وأنا أقرأ التوراة ، لا صبر لي على هذا ، فقال له موسى عليه الصلاة والسّلام : ما أنا بالذي جعلتها في هارون ولكن الله جعلها له ، فقال قارون : والله لا أصدقك حتى أرى بيانه ، يعني فجمع موسى عصي الرؤساء فحزمها وألقاها في قبته التي كان يعبد الله فيها وباتوا يحرسونها ، فأصبحت عصا هارون قد اهتز لها ورق أخضر ، وكانت من اللوز ، فقال قارون : والله ما هذا بأعجب مما تصنع من السحر ، وذكر أمورا مما كان يتعظم بها وأنه رمى موسى عليه الصلاة والسّلام بعظيمة فحينئذ غار الله لموسى عليه الصلاة والسّلام فخسف به(١) .

والذي رأيته أنا في التوراة في السفر الرابع ما نصه : وكلم الرب موسى وقال له : كلم بني إسرائيل وقل لهم : اعملوا خيوطا في أطراف أرديتكم في أحقابكم ، ولتكن الخيوط التي تعملون في أطراف أرديتكم من حرير ، ولتكن هذه الخيوط تذكركم وصايا الله لتعملوا بها ولا تضلوا بما في قلوبكم ، ولا تتبعوا آراءكم ، بل اذكروا جميع وصاياي واعملوا بها ، لتكونوا مقدسين لله ربكم ، أنا الله ربكم الذي أخرجتكم من أرض مصر ، لا يكون لكم إله غيري ، أنا الله ربكم. ومن بعد هذه الأمور شق قورح ـ وهو اسم قارون بالعبرانية ـ بن يصهر بن قاهث بن لاوى ، ودائن وأبيروم ابنا أليب ، وأون بن قلب ابن روبيل العصي ، وقاموا بين يدي موسى ، وقوم من بني إسرائيل عددهم مائتان وخمسون رجلا من رؤساء الجماعة مذكورون مشهورون بأسمائهم أبطال ، هؤلاء أجمعون اجتمعوا إلى موسى وهارون وقالوا لهما : ليس حسبكما أن الجماعة كلها طاهرة وأنتما رئيسان عليها حتى تريدا أن تتعظما على الجماعة كلها ـ أي يكون هارون هو الكاهن أي متولي أمر القربان والحكم على خدمة قبة الزمان ـ فسمع موسى ذلك وخر ساجدا على وجهه ، وكلم قورح وجماعته كلها فقال لهم : سيظهر الرب ويبين لمن الكهنوت والرئاسة بكرة ، ومن كان طاهرا فليتقرب إليه. ومن يختار الرب يتقرب ؛ ثم أمرهم أن يقربوا قربانا ثم قال : يا بني لاوي! أما تكتفون بما اختاره الله لكم من كل جماعة بني إسرائيل وقربكم إليه لتعملوا العمل في بيت الرب وقربك أنت وجميع

__________________

(١) هذا من الإسرائيليات يستأنس به فقد قال علم الهدىصلى‌الله‌عليه‌وسلم «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» أخرجه البخاري ٦١٩٧ وأحمد ٢ / ٣٢١ وأبو داود ٣٦٦٢ وغيرهم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ، والله تعالى أعلم بحقيقة هذه الأخبار. نسأل الله الرشاد والسداد.

٥٢٤

إخوتك معك إلا أن تريدوا الكهنوت أيضا ، فلذلك أنت وجماعتك كلها احتشدوا بين يدي الرب غدا ، فأما هارون فمن هو حتى صرتم تقعون فيه وتتذمرون عليه ، وأرسل موسى ليدعو دائن وأبيروم ابني أليب فقالا : لا تصعد إليك ، أما تكتفيان بما صنعتما أنكما أخرجتمانا من الأرض التي تغل السمن والعسل لتقتلانا في هذه البرية حتى تعظما علينا وتفخرا ، فأما ما وعدتنا به أنك تدخلنا الأرض التي تغل السمن والعسل فما فعلت ، ولم تعطنا مواريث المزارع والكروم ، فلو عميت أعيننا لم نصعد إليك. فشق ذلك على موسى جدا ، وقال أمام الرب : لا تقبل قرابينهم يا رب لأني لم أظلم منهم رجلا ولا أسأت إلى أحد منهم ، ثم قال لقورح : اجتمع أنت وأصحابك أمام الرب وهارون معكم بكرة ، وليأخذ كل منكم مجمرته ، وقام موسى وهارون أمام قبة الزمان وجمع قورح الجماعة كلها ، وظهر مجد الرب للجماعة كلها ، وكلم الرب موسى وهارون وقال لهما : تنحيا عن هذه الجماعة فإني مهلكها في ساعة واحدة ، فخرا ساجدين وقالا : اللهم أنت إله أرواح كل ذي لحم ، يجرم رجل واحد فينزل الغضب بالجماعة كلها؟ فكلم الرب موسى وقال له : كلم الجماعة كلها وقل لهم : تنحوا عن خيم دائن وأبيروم وقورح ، تنحوا عن خيم هؤلاء الفجار ، ولا تقربوا شيئا مما لهم لئلا تعاقبوا ، وقال موسى : بهذه الخلة تعلمون أن الرب أرسلني أن أعمل هذه الأعمال كلها ، ولم أعملها من تلقاء نفسي ، إن مات هؤلاء مثل موت كل إنسان أو نزل بهم الموت مثل ما ينزل بجميع الناس فلم يرسلني الرب ، وإن فتحت الأرض فاها وابتلعتهم وابتلعت كل شيء لهم نزلوا هم وكل شيء لهم إلى الجحيم علمتم أن هؤلاء قد أغضبوا الرب. فلما أكمل موسى قوله هذا انفتحت الأرض من تحتهم ، وفغرت فاها فابتلعتهم وابتلعت خيمهم وجميع مواشيهم فنزلوا إلى الجحم أحياء ، ثم استوت الأرض فوقهم ، وهرب جميع بني إسرائيل حيث سمعوا أصواتهم ورأوا ما قد صنع بهم ، وقالوا : لعل الأرض تبتلعنا أيضا ، واشتعلت نار من قبل الرب فأحرقت المائتين والخمسين رجلا الذين كانوا يبخرون البخور ، وتذمر جماعة بني إسرائيل من بعد ذلك اليوم على موسى وهارون فقالوا لهما : أنتما قتلتما جماعة شعب الرب ، فأقبلوا إلى قبة الزمان ورأوا أن السحاب قد تغشى القبة وظهر مجد الرب ، وأتى موسى وهارون فقاما في قبة الزمان ، وكلم الرب موسى وهارون وقال لهما : تنحيا عن هذه الجماعة لأني مهلكها في ساعة واحدة ، فخرا ساجدين على وجوههما ، وقال موسى لهارون : خذ مجمرة بيدك واجعل فيها نارا وبخورا ، وانطلق مسرعا إلى الجماعة واستغفر لهم لأنه قد نزل غضب الرب بالجماعة كلها ، وبدأ موت الفجأة بالشعب ، وأخذ هارون كما أمره موسى فأحضر إلى

٥٢٥

الجماعة ورأى أن الموت قد بدأ بالشعب ، وبخر بخورا للرب واستغفر للشعب ، وقام فيما بين الأموات والأحياء ، فكف موت الفجأة عن الشعب ، وكان عدد الذين ماتوا فجأة أربعة عشر ألفا وسبعمائة رجل غير المخسوف بهم ، ورجع هارون إلى موسى إلى قبة الزمان فكلم الرب موسى وقال له : كلم بني إسرائيل وخذ منهم عصا عصا من كل سبط ، واكتب اسم كل رجل على عصاه ، واكتب اسم هارون على عصا سبط لاوي ، واجعلها في قنة الزمان أمام تابوت الشهادة لأنزل إليكم إلى هناك ، فالرجل الذي أحبه تنضر عصاه ، وأخلصكما من هتار بني إسرائيل وتذمرهم ؛ ثم دخل موسى خبأ الشهادة فرأى عصا هارون قد نضرت وأخرجت أغصانا وأورقت وأثمرت لوزا ، وأخرج موسى العصي كلها فنظروا إليها ، وقال الرب لموسى : رد قضيب هارون إلى موضع الشهادة واحفظه آية لأبناء المتسخطين ليكف تذمرهم عني ولا يموتوا ، ولا يعمل عمل قبة الزمان غير اللاويين ـ أي سبط لاوي ، فأما بنو إسرائيل ـ أي باقيهم ـ فلا يقتربوا إلى قبة الزمان لئلا يعاقبوا ويموتوا ؛ ثم ذكر وفاة هارونعليه‌السلام في هور الجبل وولاية إليعازر ابنه مكانه أمر الكهنوت ـ انتهى. وهو نحو مما فعل الله لنبينا محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم في حنين الجذع(١) ، وتخيير النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم له أن يعيده الله تعالى إلى أحسن ما كان وهو حي أو يجعله في الجنة ، فاختار أن يكون في الجنة(٢) ، وكذا أمر سراقة بن مالك بن جعشم حيث لحقهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في طريق الهجرة ليرده فخسف بقوائم حصانه حتى نزل إلى بطنه ثلاث مرات غير أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لما كان نبي الرحمة لم يكن القاضية ، فكفى بذلك شره(٣) ، وأسلم بعد ذلك عام الفتح ، وبشره النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بأنه يلبس سوارى كسرى فكان كذلك(٤) ، وشر من الخسف الذي يغيب به المخسوف به وأنكأ وأشنع وأخزى قصة الذي ارتد فقصم ودفن فلفظته الأرض ـ روى البيهقي في آخر الدلائل عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : كان منا رجل من بني النجار قد قرأ البقرة وآل عمران ، وكان يكتب لرسول

__________________

(١) أخرجه البخاري ٩١٨ وأحمد ٣ / ٣٠٦ والنسائي ٣ / ١٠٢ وابن ماجه ١٤١٧ وابن حبان ٦٥٠٨ والبيهقي في السنن ٣ / ١٩٥ والبغوي ٣٧٢٤ عن جابر رضي الله تعالى عنه.

(٢) من ذلك ما أخرجه ٢٩٧٧ و٧٢٧٣ ومسلم ٥٢٣ وأحمد ٢ / ٢٦٤ و٤٥٥ والنسائي وغيرهم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في مفاتح خزائن الأرض. ومن ذلك ما أخرجه البخاري ٣٢٦٨ مسلم ١٤٧٩ وأحمد ١ / ٣٣ وغيرهم عن ابن عباس في حديث طويل في اختيارهصلى‌الله‌عليه‌وسلم للآخرة.

(٣) أخرجه البخاري ٢٤٣٩ و٣٦١٥ و٣٩٠٨ مسلم ٢٠٠٩ أحمد ١ / ٢. ٣ وابن أبي شيبة ١٤ / ٣٢٧ والفسوي ١ / ٢٣٩ والبيهقي في الدلائل ٢ / ٤٨٤ وابن حبان ٦٢٨١ عن البراء رضي الله تعالى عنه.

(٤) ذكره ابن هشام في السيرة النبوية ٢ / ٧٧ عن ابن إسحاق ، بسنده عن سراقة بن مالك في خبر طويل.

٥٢٦

اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فانطلق هاربا حتى لحق بأهل الكتاب ، فرفعوه وأعجبوا به ، فما لبث أن قصم الله عنقه فحفروا له فواروه ، فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها ثم عادوا فحفروا له فواروه فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها فتركوه منبوذا(١) ، وقال : رواه مسلم في الصحيح ، وعن أنس رضي الله عنه مثله أيضا في رجل نصراني لفظته الأرض ثلاث مرات ثم تركوه. وقال رواه البخاري في الصحيح.

( تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤) إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨٥) وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ (٨٦) وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) وَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨) )

ولما قدم سبحانه أن المفلح من تاب وآمن وعمل صالحا ، وهو الذي أشار أهل العلم إلى أن له ثواب الله ، وكان ذلك للآخرة سببا ومسببا ، ومر فيما لا بد منه حتى ذكر قصة قارون المعرّفة ـ ولا بد ـ بأن هذه الدار للزوال ، لا يغنى فيها رجال ولا مال ، وأن الآخرة للدوام ، وأمر فيها بأن يحسن الابتغاء في أمر الدنيا ، وختم بأن هذا الفلاح مسلوب عن الكافرين ، فكان موضع استحضار الآخرة ، مع أنه قدم قريبا من ذكرها وذكر موافقتها ما ملأ به الأسماع ، فصيرها حاضرة لكل ذي فهم ، معظمة عند كل ذي علم ، أشار إليها سبحانه لكلا الأمرين : الحضور والعظم ، فقال :( تِلْكَ ) أي الأمر المنظور بكل عين ، الحاضر في كل قلب ، العظيم الشأن ، البعيد الصيت ، العلي المرتبة ، الذي سمعت أخباره ، وطنت على الآذان أوصافه وآثاره( الدَّارُ الْآخِرَةُ ) أي التي دلائلها أكثر من أن تحصر ، وأوضح من أن تبين وتذكر ، من أعظمها تعبير كل أحد عن حياته بالدنيا والتي أمر قارون بابتغائها فأبى إلا علوا وفسادا( نَجْعَلُها ) بعظمتنا( لِلَّذِينَ ) يعملون ضد عمله.

ولما كان المقصود الأعظم طهارة القلب الذي عنه ينشأ عمل الجوارح ، قال :( لا

__________________

(١) أخرجه البخاري ٣٦١٧ مسلم ٢٧٨١ وأحمد ٣ / ٢٢٢ عن أنس رضي الله تعالى عنه.

٥٢٧

يُرِيدُونَ ) ولم يقل : يتعاطون ـ مثلا ، تعظيما لضرر الفساد بالتنفير من كل ما كان منه تسبب ، إعلاما بأن النفوس ميالة إليه نزاعة له فمهما رتعت قريبا منه اقتحمته لا محالة( عُلُوًّا ) أي شيئا من العلو( فِي الْأَرْضِ ) فإنه أعظم جارّ إلى الفساد ، وإذا أرادوا شيئا من ذلك فيما يظهر لك عند أمرهم بمعروف أو نهيهم عن منكر ، كان مقصودهم به علو كلمة الله للإمامة في الدين لا علوهم( وَلا فَساداً ) بعمل ما يكره الله ، بل يكونون على ضد ما كان فيه فرعون وهامان وقارون ، من التواضع مع الإمامة لأجل حمل الدين عنهم ليكون لهم مثل أجر من اهتدى بهم ، لا لحظ دنيوي ، وعلامة العلو لأجل الإمامة لا الفساد ألا يتخذوا عباد الله خولا ، ولا مال الله دولا ، والضابط العمل بما يرضي الله والتعظيم لأمر الله والعزوف عن الدنيا.

ولما كان هذا شرح حال الخائفين من جلال الله تعالى ، أخبر سبحانه أنه دائما يجعل ظفرهم آخرا ، فقال معبرا بالاسمية دلالة على الثبات :( وَالْعاقِبَةُ ) أي الحالة الأخيرة التي تعقب جميع الحالات لهم في الدنيا والآخرة ، هكذا الأصل ، ولكنه أظهر تعميما وإعلاما بالوصف الذي أثمر لهم ذلك فقال تعالى :( لِلْمُتَّقِينَ ) أي دائما في كلا الدارين ، لا عليهم ، فمن اللام يعرف أنها محمودة ، وهذه الآية يعرف أهل الآخرة من أهل الدنيا ، فمن كان زاهدا في الأولى مجتهدا في الصلاح ، وكان ممتحنا في أول أحواله مظفرا في ماله ، فهو من أبناء الآخرة ، وإلا فهو للدنيا.

ولما تحرر الفرق بين أهل الدارين ، وكان لا بد من إتيان الآخرة ، وعلم أن الآخرة إنما هي جزاء الأعمال ، وتقرر من كونها للخائفين أنها على الآمنين ، فاستؤنف تفصيل ذلك جوابا لمن كأنه قال : ما لمن أحسن ومن أساء عند القدوم؟ بقوله :( مَنْ جاءَ ) أي في الآخرة أو الدنيا( بِالْحَسَنَةِ ) أي الحالة الصالحة( فَلَهُ ) من فضل الله( خَيْرٌ مِنْها ) من عشرة أضعاف إلى سبعين إلى سبعمائة إلى ما لا يحيط به إلا الله تعالى( وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ ) وهي ما نهى الله عنه ، ومنه إخافة المؤمنين( فَلا يُجْزَى ) من جاز ما ، وأظهر ما في هذا الفعل من الضمير العائد على من فقال :( الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ) تصويرا لحالهم تقبيحا لها وتنفيرا من عملها ، ولعله جمع هنا وأفرد أولا إشارة إلى أن المسيء أكثر( إِلَّا ) مثله سواء عدلا منه تعالى ، هكذا كان الأصل ، ولكنه قال :( ما كانُوا ) أي بجميع هممهم( يَعْمَلُونَ ) مبالغة في المثلية ، هذا في الآخرة ، وزادت الآية الإشارة إلى أنه يفعل في الدنيا مثل ذلك وإن خفي ، فسيخافون في حرمهم بما أخافوا المؤمنين فيه وقد جعله الله للأمن ، فاعتلوا عن الدخول في دينه بخوف التخطف

٥٢٨

من أرضهم ، فسيصير عدم دخولهم فيه سببا لخوفهم وتخطفهم من أرضهم فيعلمون أن ما كانوا فيه من الأمن إنما هو بسببك ، ثم يصيرون يوم الفتح في قبضتك.

ولما قرر ذكر الآخرة التي هي المرجع وكرره ، وأثبت الجزاء فيها ، وأن العاقبة للمتقين ، أتبعه ما هو في بيان ذلك كالعلة ، فقال مستأنفا مقررا مؤكدا لما تقرر في أذهانهم من إنكار الآخرة وما يقتضيه حال خروجهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من مكة المشرفة من استبعاد رده إليها :( إِنَّ الَّذِي فَرَضَ ) أي أوجب( عَلَيْكَ الْقُرْآنَ ) أي الجامع لما تفرق من المحاسن ، المفصل لما التبس من جميع المعاني ، أي فرض عليك جميع ما في هذا الكتاب المشتمل على الجمع والفرق بما يظهر حسن تلقيه من تلاوة وإبلاغ وتحد وعمل وألزمك فيه وغيرك هذه الملازم ، وكلفكم تلك التكاليف التي منها المقارعة بالسيوف( لَرادُّكَ ) أي بعد الموت لأجل صعوبة ما كلفك به وألزمك من مشقته( إِلى مَعادٍ ) أي مرجع عظيم يا له من مرجع! يجزى فيه كل أحد بما عمل ، فيبعثك ربك فيه ثوابا على إحسانك في العمل مقاما محمودا يغبطك فيه الأولون والآخرون ، بما عانيت في أمره من هذه المشقات التي لا تحملها الجبال ، ولو لا الرد إلى هذا المعاد لكانت هذه التكاليف ـ التي لا يعمل أكثرهم بأكثرها ولا يجازي على المخالفة فيها ـ من العبث المعلوم أن العاقل من الآدميين متنزه عنه فكيف بأحكم الحاكمين! فاجتهد فيما أنت فيه لعز ذلك اليوم فإن العاقبة لك ، والآية مثل قوله تعالى( وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ) [البقرة : ٢٨١] ،( ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) [البقرة : ٢٨]( إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ ) [المائدة : ٤٨] إلى غير ذلك من الآيات ، ويجوز أن يقال : إلى معاد أيّ معاد ، أي مكان هو لعظمته أهل لأن يقصد العود إليه كل من خرج منه وهو مكة المشرفة : وطنك الدنيوي ، كما فسرها بذلك ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كما رواه عنه البخاري(١) ، وعود هو لجلالته أهل لأن يذكر لدخولك إليها في جنود يعز بها الإسلام ، ويذل بها الكفر وأهله على الدوام ، والجنة المزخرفة : وطنك الأخروي ، على أكمل الوجوه وأعلاها ، وأعزها وأولاها ، فلا تظن أنه يسلك بك سبيل أبويك عليهما الصلاة والسّلام : إبراهيم في هجرته من حران بلد الكفر إلى الأرض المقدسة فلم يعد إليها ، وإسماعيل في العلو به من الأرض المقدسة إلى أقدس منها فلم يعد إليها ، بل يسلك بك سبيل أخيك موسى عليه الصلاة والسّلام ـ الذي أنزل عليه الكتاب كما أنزل عليك الكتاب القرآن الفرقان ، والذي أشركوك به في قولهم( لَوْ لا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى ) [القصص : ٤٨] ـ في إعادته إلى

__________________

(١) أخرجه البخاري ٤٧٧٣ عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفا.

٥٢٩

البلد الذي ذكر في هذه السورة ـ توطئة لهذه الآية ـ أنه خرج منه خائفا يترقب ـ وهي مصر ـ إلى مدين في أطراف بلاد العرب ، على وجه أهلك فيه أعداءه ، أما من كان من غير قومه فبالإغراق في الماء ، وأما من كان من قومه فبالخسف في الأرض ، وأعز أولياءه من قومه وغيرهم ، كما خرجت أنت من بلدك مكة خائفا تترقب إلى المدينة الشريفة غير أن رجوعك ـ لكونك نبي الرحمة ، وكون خروجك لم يكن مسببا عن قتل أحد منهم ـ لا يكون فيه هلاكهم ، بل عزهم وأمنهم وغناهم وثباتهم ، واختير لفظ القرآن دون الكتاب لما فيه من الجمع من لازم النشر ـ كما مضى في الحجر ، فناسب السياق الذي هو للنشر والحشر والفصل من بلده ثم الوصل ، فإنه روى أن هذه الآية نزلت على النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم في الجحفة وهي في طريق الهجرة.

ولما فهم من الإبلاغ في هذا التأكيد أن ثم من يبالغ في النفي والإنكار على حسب هذا التأكيد في الإثبات فيقول : إن الأمر ليس كذلك ، ولا يعود إلى مكة المشرفة ومنا عين تطرف ، قال مهددا على طريق الاستئناف على لسانهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لكون الإنكار تكذيبا له كما كذب موسىصلى‌الله‌عليه‌وسلم حين أجاب بمثل ذلك كما تقدم :( قُلْ ) أي لهؤلاء المنكرين لما أخبرتك به :( رَبِّي ) أي المحسن إليّ( أَعْلَمُ ) أي من كل أحد.

ولما كانت هذه قصة مسلمة لا نزاع فيها لعاقل تثبت الخالق ، وكانوا يقولون : من ادعى رجوعه فهو ضال ، توجه السؤال عن المهتدي إلى الصواب والضال ، بما يشهد به فتح مكة عند الإقبال في أولئك الضراغمة الأبطال ، والسادة الأقيال ، فقال في أسلوب الاستفهام لإظهار الإنصاف والإبعاد من الاتهام :( مَنْ جاءَ بِالْهُدى ) أي الذي لا أبين منه ، أنا فيما جئت به من ربي بهذا الكلام الذي يشهد الله لي بإعجازه أنه من عنده أم أنتم فيما تقولون من عند أنفسكم؟( وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ ) أي أنتم في كلامكم الظاهر العوار العظيم العار أم أنا( مُبِينٍ ) أي بين في نفسه مظهر لكل أحد ما فيه من خلل وإن اجتهد التابع له في ستره.

ولما كان الجواب لكل من أنصف : هم في ضلال مبين لأنهم ينحتون من عند أنفسهم ما لا دليل لهم عليه ، وأنت جئت بالهدى لأنك أتيت به عن الله ، بني عليه قوله :( وَما ) ويجوز أن تكون الجملة حالا من الضمير في( عَلَيْكَ ) وما بينهما اعتراض للاهتمام بالرد على المنكر للمعاد ، أي فرضه عليك والحال أنك ما ، ويجوز أن يقال : لما كان رجوعه إلى مكة في غاية البعد لكثرة الكفار وقلة الأنصار ، قربه بقوله معلما أن كثيرا من الأمور تكون على غير رجاء ، بل وعلى خلاف القياس : وما( كُنْتَ تَرْجُوا ) أي في سالف الدهر بحال من الأحوال( أَنْ يُلْقى ) أي ينزل على وجه لم يقدر

٥٣٠

على رده( إِلَيْكَ الْكِتابُ ) أي بهذا الاعتقاد ولا بشيء منه ، ولا كان هذا من شأنك ، ولا سمعه أحد منك يوما من الأيام ، ولا تأهبت لذلك أهبته العادية من تعلم خط أو مجالسة عالم ليتطرق إليك نوع اتهام ، كما يشير إليه قوله تعالى في التي بعدها( وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ ) [العنكبوت : ٤٨] واختير هنا لفظ الكتاب لأن السياق للرحمة التي من ثمراتها الاجتماع المحكم ، وذلك مدلول الكتاب ؛ ثم قال :( إِلَّا ) أي لكن ألقي إليك الكتاب( رَحْمَةً ) أي لأجل رحمة عظيمة لك ولجميع الخلائق بك ، لم تكن ترجوها( مِنْ رَبِّكَ ) أي المحسن إليك بجعلك مصطفى لذلك ، بالدعاء إليه وقصر الهمم عليه ، وعبر بأداة الاستثناء المتصل إشارة إلى أن حاله قبل النبوة من التنزه عن عبادة الأوثان وعن القرب منها والحلف بها وعن الفواحش جميعا ، ومن الانقطاع إلى الله بالخلوة معه والتعبد له توفيقا من الله كان حال من يرجو ذلك.

ولما تسبب عما تقدم الاجتهاد في تحريك الهمم إلى العكوف على أمر الله طمعا فيما عنده سبحانه من الثواب ، وشكرا على إنزال الكتاب ، قال في سياق التأكيد لأن الطبع البشري يقتضي إدراك مظاهرة الكفار لأمر من التوفيق عظيم ، لكثرتهم وقوتهم وعزتهم :( فَلا تَكُونَنَ ) إذ ذاك بسبب اتصافهم لك لكثرتهم( ظَهِيراً ) أي معينا( لِلْكافِرِينَ ) بالمكث بين ظهرانيهم ، أو بالفتور عن الاجتهاد في دعائهم ، يأسا منهم لما ترى من بعدهم من الإجابة وإن طال إنذارك ، لا تمل أنت كما لم نمل نحن ، فقد وصلنا لهم القول ، وتابعنا لهم الوعظ والقص ، ونحن قادرون على إهلاكهم في لحظة ، وهدايتهم في أقل لمحة ، وكما أن موسى عليه الصلاة والسّلام بعد الإنعام عليه لم يكن ظهيرا للمجرمين ، وهذا تدريب من الله تعالى لأئمة الأمة في الدعاء إلى الله عند كثرة المخالف ، وقلة الناصر الملازم المحالف.

ولما كان التواني في النهي عن المنكر إعراضا عن الأوامر وإن كان المتواني مجتهدا في العمل ، قال مؤكدا تنبيها على شدة الأمر لكثرة الأعداء وتتابع الإيذاء والاعتداء :( وَلا يَصُدُّنَّكَ ) أي الكفار بمبالغتهم في الإعراض وقولهم( لَوْ لا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى ) ونحوه( عَنْ آياتِ اللهِ ) أي عن الصدع بها وهي من المتصف بصفات الكمال ، في الأوقات الكائنة( بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ ) أي وقع إنزالها ممن تعلمه منتهيا( إِلَيْكَ ) مما ترى من أوامرها ونواهيها ، ولقد بين هذا المعنى قوله :( وَادْعُ ) أي أوجد الدعاء للناس( إِلى رَبِّكَ ) أي المحسن إليك لإحسانه إليك ، وإقباله دون الخلق عليك ، وأعراه من التأكيد اكتفاء بالمستطاع فإن الفعل ليس للمبالغة فيه جدا ، إشارة إلى أن جلب المصالح أيسر خطبا من درء المفاسد ، فإن المطلوب فيه النهاية محدود بالاجتناب.

٥٣١

ولما كان الساكت عن فاعل المنكر شريكا له ، قال مؤكدا تنبيها على الاهتمام بدرء المفاسد ، وأنه لا بد فيه من بلوغ الغاية :( وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) أي معدودا في عدادهم بترك نهيهم عن شركهم وما يتسبب عنه ساعة واحدة.

ولما كان الكائن من قوم موصوفا بما اتصف به كل منهم ، وكانت مشاركتهم بالفعل أبعد من مشاركتهم بالسكوت ، قال من غير تأكيد :( وَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ ) أي الجامع لجميع صفات الكمال( إِلهاً ) ولما كانت النكرة في سياق النهي تعم كما لو كانت في سياق النفي ، وكان المشركون قد تعنتوا لما رأوا النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم يدعو باسم الله واسم الرحمن كما ذكر آخر الإسراء ، قال :( آخَرَ ) أي غير الله حقيقة دون أن يغاير في الاسم دون الذات ، ومضى في آخر الحجر ، ويأتي إن شاء الله تعالى في الذاريات ما يتضح به هذا المعنى ، والمراد بهذا كله المبالغة في الإنذار إعلاما بأن تارك النهي عن المنكر مع القدرة شريك للفاعل وإن لم يباشره ، والنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قادر لحراسة الله تعالى له ؛ ثم علل ذلك بقوله :( لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) أي حتى يستحق أن يشتغل به عبد ؛ ثم علل وحدانيته بقوله :( كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ ) أي هو في قوة الهلاك والفناء ومستحق لذلك لأنه ممكن( إِلَّا وَجْهَهُ ) أي هو ، فهو الباقي لأنه الواجب الوجود ، ووجود كل موجود إنما كان به ، ولعله عبر عن الذات بالوجه ليشمل ما قصد به من العمل الصالح مع ما هو معروف من تسويغه لذلك بكونه أشرف الجملة ، وبكون النظر إليه هو الحامل على الطاعة بالاستحياء وما في معناه ؛ ثم علل ذلك بقوله :( لَهُ ) أي لله وحده فالضمير استخدام( الْحُكْمُ ) أي العمل المحكم بالعلم النافذ على كل شيء ، ولا حكم لشيء عليه( وَإِلَيْهِ ) وحده( تُرْجَعُونَ ) في جميع أحوالكم : في الدنيا بحيث إنه لا ينفذ لأحد مراد إلا بإرادته ، وفي الآخرة بالبعث فيجازي المحسن بإحسانه والعاصي بعصيانه ، ولا شك أن هذه الأوامر والنواهي وإن كان خطابها متوجها إليهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فالمقصود بها أتباعه ، ولعلها إنما وجهت إليهصلى‌الله‌عليه‌وسلم عليه لأن أمر الرئيس أدعى لأتباعه إلى القبول ، وقد اتضح بهذا البيان ، في هذه المعاني الحسان ، أن هذا الكتاب مبين ، وبإنفاذ إرادته سبحانه وتعالى في تقوية أهل الضعف من بني إسرائيل دون ما أراد فرعون وقارون وأتباعهما من أهل العلو بطاعة الماء والتراب وما جمع العناصر من اليد والعصا أن له وحده الحكم على ما يريد ويختار ، فصح أن إليه الرجوع يوم المعاد يوم لا تكلم نفس إلا بإذنه ، فقد انطبق آخر السورة على أولها ، وانشرح مجملها بمفصلها.

٥٣٢

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة العنكبوت

مكية ـ آياتها تسع وستون

( الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ (٣) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٤) )

مقصودها الحث على الاجتهاد في الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، والدعاء إلى الله تعالى وحمده من غير فترة ، كما ختمت به السورة الماضية ، من غير تعريج على غيره سبحانه أصلا ، لئلا يكون مثل الفرج عند المتعوض عوضا منه مثل العنكبوت ، فهي سورة ضعف الكافرين وقوة المؤمنين ، وقد ظهر سر تسميتها بالعنكبوت وأنه دال على مقصودها( بِسْمِ اللهِ ) الذي أحاط بجميع القوة فأعز جنده( الرَّحْمنِ ) الذي شمل جميع العباد بنعمة الأمر والنهي( الرَّحِيمِ ) الذي ألزم أهل العرفان ذروة الإحسان.

لما ختم السورة الماضية بالحث على العمل للدار الآخرة ، وأن كل أحد من محسن ومسيء مجزى بعمله ، وبالإخبار بأنه سبحانه عالم بالسر والعلن ، وبالأمر بالاجتهاد في الدعاء إليه وقصر الهمم عليه وإن أدى ذلك إلى الملال ، وذهاب النفس والأموال ، معللا بأن له الحكم سبحانه لأنه الباقي بلا زوال ، وكل ما عداه فإلى تلاش واضمحلال ، وأنه لا يفوته شيء في حال ولا مآل ، قال أول هذه :( الم ) إشارة بالألف الدال على القائم الأعلى المحيط ولام الوصلة وميم التمام بطريق الرمز إلى أنه سبحانه أرسل جبريل إلى محمد عليهما الصلاة والسّلام ليدعو الناس بالقرآن الذي فرض عليه إلى الله ، لتعرف بالدعوة سرائرهم ويتميز بالتكليف محقهم ومماكرهم( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ ) [محمد : ٣١].

ولما عبر بهذه الإشارة لأهل الفطنة والبصائر ، قال منكرا على من ظن أن مدعي الإيمان لا يكلف البيان ، ومفصلا لما ختمت به تلك من جميع هذه المعاني ، بانيا على

٥٣٣

ما أشارت إليه الأحرف لأولي العرفان :( أَحَسِبَ النَّاسُ ) أي كافة ، فإن كلّا منهم يدعي أنه مؤمن لمعنى أنه يقول : إنه على الحق ، ولعله عبر بالحسبان والنوس إشارة إلى أن فاعل ذلك مضطرب العقل منحرف المزاج.

ولما كان الحسبان ، لا يصح تعليقه بالمفردات ، وإنما يعلق بمضمون الجملة ، وكان المراد إنكار حسبان مطلق الترك ، كانت «أن» مصدرية عند جميع القراء ، فعبر عن مضمون نحو : تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا ، بقوله :( أَنْ يُتْرَكُوا ) أي في وقت ما بوجه من الوجوه ، ولو رفع الفعل لأفهم أن المنكر حسبان الترك المؤكد ، فلا يفيد إنكار ما عرى عنه ، وقد مضى في المائدة ما ينفع هنا( أَنْ ) أي في أن( يَقُولُوا ) ولو كان ذلك على وجه التجديد والاستمرار :( آمَنَّا وَهُمْ ) أي والحال أنهم( لا يُفْتَنُونَ ) أي يقع فتنتهم ممن له الأمر كله وله الكبرياء في السماوات والأرض ، مرة بعد أخرى بأن يختبر صحة قولهم أولا بإرسال الرسل وإنزال الكتب ونصب الأحكام ، وثانيا بالصبر على البأساء والضراء عند الابتلاء بالمدعوين إلى الله في التحمل لأذاهم والتجرع لبلاياهم وغير ذلك من الأفعال ، التي يعرف بها مرتبة الأقوال ، في الصحة والاختلال.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : افتتحت سورة القصص بذكر امتحان بني إسرائيل بفرعون وابتلائهم بذبح أبنائهم وصبرهم على عظيم تلك المحنة ، ثم ذكر تعالى حسن عاقبتهم وثمرة صبرهم ، وانجرّ مع ذلك مما هو منه لكن انفصل عن عمومه بالقضية امتحان أم موسى بفراقه حال الطفولية وابتداء الرضاع وصبرها على أليم ذلك المذاق حتى رده تعالى إليها أجمل رد وأحسنه ، ثم ذكر ابتلاء موسى عليه الصلاة والسّلام بأمر القبطي وخروجه خائفا يترقب وحسن عاقبته وعظيم رحمته ، وكل هذا ابتلاء أعقب خيرا ، وختم برحمة ثم بضرب آخر من الابتلاء أعقب محنة وأورث شرا وسوء فتنة ، وهو ابتلاء قارون بماله وافتنانه به ، فخسفنا به وبداره الأرض ، فحصل بهذا أن الابتلاء في غالب الأمر سنة ، وجرت منه سبحانه في عباده ليميز الخبيث من الطيب ، وهو المنزه عن الافتقار إلى تعرف أحوال العباد بما يبتليهم به إذ قد علم كون ذلك منهم قبل كونه إذ هو موجده وخالقه خيرا كان أو شرا ، فكيف يغيب عنه أو يفتقر تعالى إلى بيانه بتعرف أحوال العباد أو يتوقف علمه على سبب( أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) [الملك : ١٤] ولكن هي سنة في عباده ليظهر لبعضهم من بعض عند الفتنة والابتلاء ما لم يكن ليظهر قبل ذلك حتى يشهدوا على أنفسهم ، وتقوم الحجة عليهم باعترافهم ، ولا افتقار به تعالى إلى شيء من ذلك ، فلما تضمنت سورة القصص هذا الابتلاء في الخير والشر ، وبه وقع افتتاحها واختتامها ، هذا وقد أنجز بحكم الإشارة أولا خروج نبيناصلى‌الله‌عليه‌وسلم

٥٣٤

من بلده ومنشأه ليأخذه عليه الصلاة والسّلام بأوفر حظ مما ابتلي به الرسل والأنبياء من مفارقة الوطن وما يحرز لهم الأجر المناسب لعليّ درجاتهمعليهم‌السلام ، ثم بشارتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم آخرا بالعودة والظفر( إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ ) [القصص : ٨٥] فأعقب سبحانه هذا بقوله معلما للعباد ومنبها أنها سنته فيهم فقال( أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ) أي أحسبوا أن يقع الاكتفاء بمجرد استجابتهم ، وظاهر إنابتهم ، ولما يقع امتحانهم بالشدائد والمشقات ، وضروب الاختبارات( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ ) الجوع والخوف( وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ ) [البقرة : ١٥٥] فإذا وقع الابتلاء فمن فريق يتلقون ذلك تلقي العليم أن ذلك من عند الله ابتلاء واختبارا ، فيكون تسخيرا لهم وتخليصا ، ومن فريق يقابلون ذلك بمرضاة الشيطان ، والمسارعة إلى الكفر والخذلان( وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ ) ثم أتبع سبحانه هذا بذكر حال بعض الناس ممن يدعي الإيمان ، فإذا أصابه أدنى أذى من الكفار صرفه ذلك عن إيمانه ، فكان عنده مقاوما بعذاب الله الصارف لمن ضربه عن الكفر والمخالفة فقال تعالى( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللهِ ) فكيف حال هؤلاء في تلقي ما هو أعظم من الفتنة ، وأشد في المحنة ، ثم أتبع سبحانه ذلك بما به يتأسى الموفق من صبر الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام وطول مكايدتهم من قومهم ، فذكر نوحا وإبراهيم ولوطا وشعيبا عليهم الصلاة والسّلام ، وخص هؤلاء بالذكر لأنهم من أعظم الرسل مكابدة وأشدهم ابتلاء ، أما نوحعليه‌السلام فلبث في قومه ـ كما أخبر الله تعالى ـ ألف سنة إلا خمسين عاما وما آمن معه إلا قليل ، وأما إبراهيم عليه الصلاة والسّلام فرمى بالمنجنيق في النار فكانت عليه بردا وسلاما ، وقد نطق الكتاب العزيز بخصوص المذكورين عليهم الصلاة والسّلام بضروب من الابتلاءات حصلوا على ثوابها ، وفازوا من عظيم الرتبة النبوية العليا بأسنى نصابها ، ثم ذكر تعالى أخذ المكذبين من أممهم فقال( فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ ) ثم وصى نبيهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأوضح حجته ، وتتابع اتساق الكلام إلى آخر السورة ـ انتهى.

ولما كان التآسي من سنن الآدميين ، توقع المخاطب بهذا الأمر الخبر عن حالهم في ذلك ، فقال مؤكدا لمن يظن أن الابتلاء لا يكون ، لأن الله غني عنه فلا فائدة فيه جاهلا بما فيه من الحكمة بإقامة الحجة على مقتضى عوائد الخلق :( وَلَقَدْ ) أي أحسبوا والحال أنا قد( فَتَنَّا ) أي عاملنا بما لنا من العظمة معاملة المختبر( الَّذِينَ. )

ولما كان التآسي بالقريب في الزمان أعظم ، أثبت الجار في قوله :( مِنْ قَبْلِهِمْ ) أي من قبل هؤلاء الذين أرسلناك إليهم من أتباع الأنبياء حتى كان الرجل منهم يمشط

٥٣٥

لحمه بأمشاط الحديد ما يرده ذلك عن دينه ، ومن رؤوسهم صاحب أكثر السورة الماضية موسى عليه الصلاة والسّلام ، ففي قصته حديث طويل عن ابن عباس رضي الله عنهما يقال له حديث الفتون وهو في مسند أبي يعلى ، ومن آخر ما ابتلى به أمر قارون وأتباعه.

ولما كان الامتحان سببا لكشف مخبآت الإنسان بل الحيوان ، فيكرم عنده أو يهان ، وأرشد السياق إلى أن المعنى : فلنفتننهم ، نسق به قوله :( فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ ) أي الذي له الكمال كله ، بفتنة خلقه ، علما شهوديا كما كان يعلم ذلك علما غيبيا ، ويظهره لعباده ولو بولغ في ستره ، وعبر بالاسم الأعظم الدال على جميع صفات الكمال التفاتا عن مظهر العظمة إلى أعظم منه تنبيها للناقصين ـ وهم أكثر الناس ـ على أنه منزه عن كل شائبة نقص ، وأكد إشارة إلى أن أكثر الناس يظن الثبات عند الابتلاء وأنه إذا أخفى عمله لا يطلع عليه أحد( الَّذِينَ صَدَقُوا ) في دعواهم الإيمان ولو كانوا في أدنى مراتب الصدق ، وليعلمن الصادقين ، وهم الصابرون الدين يقولون عند البلاء( هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ ) فيكون أحدهم عند الرخاء برا شكورا ، وعند البلاء حرا صبورا ، وليعلمن الذين كذبوا في دعواهم( وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ ) أي الراسخين في الكذب الذين يعبدون الله على حرف ، فإن أصابهم خير اطمأنوا به وإن أصابتهم فتنة انقلبوا على وجوههم ، فظنوا ، فيكون لكل من الجزاء على حسب ما كشف منه البلاء ، والتعبير بالمضارع لتحقق الاختبار ، على تجدد الأعصار ، لجمعي الأخيار والأشرار ، فمن لم يجاهد نفسه عند الفتنة فيطيع في السراء والضراء كان من الكافرين فكان في جهنم( أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ ) ومن جاهد كان من المحسنين ، والآية من الاحتباك : دل بالذين صدقوا على الذين كذبوا ، وبالكاذبين على الصادقين ، ذكر الفعل أولا دليلا على تقدير ضده ثانيا ، والاسم ثانيا دليلا على حذف ضده أولا.

ولما أثبت سبحانه بهذا علمه الشامل وقدرته التامة في الدنيا ، عادله بما يستلزم مثل ذلك في الآخرة ، فكان حاصل ما مضى من الاستفهام : أحسب الناس أنا لا نقدر عليهم ولا نعلم أحوالهم في الدنيا أم حسبوا أنم ذلك لا يكون في الأخرى ، فيذهب ظلمهم في الدنيا وتركهم لأمر الله وتكبرهم على عباده مجانا ، فيكون خلقنا لهم عبثا لا حكمة فيه ، بل الحكمة في تركه ، وهذا الثاني هو معنى قوله منكرا أم حسب ، أو يكون المعنى أنه لما انكر على الناس عموما ظنهم الإهمال ، علم أن أهل السيئات أولى بهذا الحكم ، فكان الإنكار عليهم أشد ، فعادل الهمزة بأم في سياق الإنكار كما عادلها بها في قوله :( أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْداً ) [البقرة : ٨٠] الآية ، فقال :( أَمْ حَسِبَ ) أي ظن ظنا يمشي له ويستمر عليه ، فلا يبين له جهله فيه بأمر يحسبه فلا يشتبه عليه بوجه( الَّذِينَ

٥٣٦

يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ ) أي التي منعناهم بأدلة النقل المؤيدة ببراهين العقل ـ منها بالنهي عنها ، ووضع موضع المفعولين ما اشتمل على مسند ومسند إليه من قوله :( أَنْ يَسْبِقُونا ) أي يفوتونا فوت السابق لغيره فيعجزونا فلا نقدر عليهم في الدنيا بإمضاء ما قدرناه عليهم من خير وشر في أوقاته التي ضربناها له ، وفي الدار الآخرة بأن نحييهم بعد أن نميتهم ، ثم نحشرهم إلى محل الجزاء صغرة داخرين ، فنجازيهم على ما عملوا ونقتص لمن أساؤوا إليه منهم ، ويظهر تحلينا بصفة العدل فيهم.

ولما أنكر هذا ، عجب ممن يحوك ذلك في صدره تعظيما لإنكاره فقال :( ساءَ ما يَحْكُمُونَ ) أي ما أسوأ هذا الذي أوقعوا الحكم به لأنفسهم لأن أضعفهم عقلا لا يرضى لعبيده أن يظلم بعضهم بعضا ثم لا ينصف بينهم فكيف يظنون بنا ما لا يرضونه لأنفسهم.

( مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥) وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٧) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩) )

ولما خوف عباده المحسنين والمسيئين ، وضربهم بسوط القهر أجمعين ، أشار إلى التلويح بتهديد الكاذبين في التصريح بتشويق الصادقين فقال على سبيل الاستنتاج مما مضى :( مَنْ كانَ يَرْجُوا ) عبر به لأن الرجاء كاف عن الخوف منه سبحانه( لِقاءَ اللهِ ) أي الجامع لصفات الكمال ، فلا يجوز عليه ترك البعث فإنه نقص ومنابذ للحكمة ، وشبه البعث باللقاء لانكشاف كثير من الحجب به وحضور الجزاء.

ولما كان المنكر للبعث كثيرا ، أكد فقال موضع : فإنه آت فليحذر وليبشر ، تفخيما للأمر وتثبيتا وتهويلا :( فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ ) أي الملك الأعلى الذي له الغنى المطلق وجميع صفات الكمال المحتوم لذلك( لَآتٍ ) لا محيص عنه ، فإنه لا يجوز عليه وقوع إخلاف الوعد ، ولذلك عبر بالاسم الأعظم ، وللإشارة إلى أن أهوال اللقاء لا يحيط بها العد ، ولا يحصرها حد ، فليعتد لذلك بالمجاهدة والمقاتلة لنفسه من ينصحها ، وقال تعالى :( وَهُوَ ) أي وحده( السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) حثا على تطهير الظاهر والباطن في العقد والقول والفعل.

ولما حث على العمل ، بين أنه ليس إلا لنفع العامل ، لئلا يخطر في خاطر ما

٥٣٧

يوجب تعب الدنيا وشقاء الآخرة من اعتقاد ما لا يليق بجلاله تعالى ، فقال عاطفا على ما تقديره : فمن أراح نفسه في الدنيا فإنما ضر نفسه :( وَمَنْ جاهَدَ ) أي بذل جهده حتى كأنه يسابق آخر في الأعمال الصالحة( فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ ) لأن نفع ذلك له فيتعبها ليريحها ، ويشقيها ليسعدها ، ويميتها ليحييها ، وعبر بالنفس لأنها الأمارة بالسوء ، وإنما طوى ما أدعى تقديره لأن السياق للمجاهدة ، ثم علل هذا الحصر بقوله :( إِنَّ اللهَ ) أي المتعالي عن كل شائبة نقص( لَغَنِيٌ ) وأكد لأن كثرة الأوامر ربما أوجبت للجاهل ظن الحاجة ، وذلك نكتة الإتيان بالاسم الأعظم ، وبين أن غناه الغنى المطلق بقوله موضع «عنه»( عَنِ الْعالَمِينَ ) فلا تنفعه طاعة ولا تضره معصية.

ولما كان التقدير : فالذين كفروا وعملوا السيئات لنجزينهم أجمعين ، ولكنه طواه لأن السياق لأهل الرجاء ، عطف عليه قوله :( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا ) تصديقا لإيمانهم( الصَّالِحاتِ ) في الشدة والرخاء على حسب طاقتهم ، وأشار بقوله :( لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ ) إلى أن الإنسان وإن اجتهد لا بد أن يزل لأنه مجبول على النقص ، فالصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما ما لم يؤت الكبائر ، والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان ونحو ذلك مما وردت به الأخبار عن النبي المختارصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وزاده فضلا وشرفا لديه ؛ قال البغوي : والتكفير إذهاب السيئة بالحسنة ، أو لنغفرن لهم الشرك وما عملوا فيه ، وأكد لأن الإنسان مجبول على الانتقام ممن أساء ولو بكلمة ولو بالامتنان بذكر العفو فلا يكاد يحقق غير ما طبع عليه. ولما بشرهم بالعفو عن العقاب ، أتم البشرى بالامتنان بالثواب ، فقال عاطفا على ما تقديره : ولنثبتن لهم حسناتهم( وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ ) أي في الإسلام( أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا ) أي كونا يحملهم على أتم رغبة( يَعْمَلُونَ ) أي أحسن جزاء ما عملوه في الإسلام وما قبله وفي طبعهم أن يعملوه.

ولما ذكر سبحانه أنه لا بد من الفتنة ، وحذر من كفر ، وبشر من صبر ، قال عاطفا على( وَلَقَدْ فَتَنَّا ) مشيرا إلى تعظيم حرمة الوالد حيث جعلها في سياق تعظيم الخالق ، وإلى أنها أعظم فتنة :( وَوَصَّيْنَا ) على ما لنا من العظمة( الْإِنْسانَ ) أي الذي أعناه على ذلك بأن جعلناه على الأنس بأشكاله لا سيما من أحسن إليه ، فكيف بأعز الخلق عليه ، وذلك فتنة له( بِوالِدَيْهِ ) .

ولما كان التقدير : فقلنا له : افعل بهما( حُسْناً ) أي فعلا ذا حسن من برهما وعطف عليهما ، عطف عليه قوله :( وَإِنْ جاهَداكَ ) أي فعلا معك فعل المجاهد مع من يجاهده فاستفرغا مجهودهما في معالجتك( لِتُشْرِكَ ) وترك مظهر العظمة للنص على المقصود فقال :( بِي ) ونبهه على طلب البرهان في الأصول إشارة إلى خطر المقام

٥٣٨

لعظم المرام ، فقال استعمالا للعدل ، مشيرا بنفي العلم إلى انتفاء المعلوم :( ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) أصلا بأنه يستحق الشركة فإن من عبد ما لم يعلم استحقاقه للعبادة فهو كافر( فَلا تُطِعْهُما ) فإنه لا طاعة لمخلوق ـ وإن عظم ـ في معصية الخالق ، وهذا موجب لئلا يقع من أحد شرك أصلا ، فإنه لا ريب أصلا في أنه لا شبهة تقوم على أن غيره تعالى يستحق الإلهية ، فكيف بدليل يوجب علما ، والمقصود من سياق الكلام إظهار النصفة والتنبيه على النصيحة ، ليكون أدعى إلى القبول ؛ ثم علل ذلك بقوله :( إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ ) أي جميعا : من آمن ومن أشرك بالحشر يوم القيامة ؛ ثم سبب عنه قوله :( فَأُنَبِّئُكُمْ ) أي أخبركم إخبارا عظيما مستقصى بليغا( بِما كُنْتُمْ ) أي برغبتكم( تَعْمَلُونَ ) أي فقفوا عند حدودي ، واتركوا ما تزينه لكم شهواتكم ، واحذروا مجازاتي على قليل ذلك وكثيره ، عبر سبحانه بالسبب الذي هو الإنباء لأنه لا مثنوية فيه عن المسبب الذي هو الجزاء ، مطلقا للعبارة ، وتهديدا بليغا على وجه الإشارة ، وطوى ذكره لأنه قد يدخله العفو ، وهذه الآية نزلت في سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ، أسلم وكان بارا بأمه ، فحلفت : لا تأكل ولا تشرب حتى يرجع عن دينه أو تموت فيعير بها ويقال قاتل أمه ، فمكثت يومين بلياليهما فقال : يا أماه ، لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني فكلي ، وإن شئت فلا تأكلي! فلما أيست منه أكلت وشربت(١) ـ وأصل القصة في الترمذي.

ولما كان التقدير : فالذين أشركوا وعملوا السيئات لندخلنهم في المفسدين ، ولكنه طواه لدلالة السياق عليه ، عطف عليه زيادة في الحث على الإحسان إلى الوالدين قوله :( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا ) في السراء والضراء( الصَّالِحاتِ ) .

ولما كان الصالح في الغالب سيىء الحال في الدنيا ناقص الحظ منها ، فكان عدوه ينكر أن يحسن حاله أشد إنكار ، أكد قوله :( لَنُدْخِلَنَّهُمْ ) أي بوعد لا خلف فيه( فِي الصَّالِحِينَ ) وناهيك به من مدخل ، فإنه من أبلغ صفات المؤمنين.

( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللهِ وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ (١٠) وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ (١١) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا

__________________

(١) أخرجه مسلم ١٧٤٨ و١٨٧٨ وأحمد ١ / ١٨٥ و١٨٦ وأبو داود ٢٠٨ والترمذي ٣١٨٩ وابن حبان ٦٩٩٢ والبيهقي ٦ / ٢٦٩ و٢٩١ و٨ / ٢٨٥ وأبو عوانة ٤ / ١٠٣ والطبري في تفسيره ٩ / ١٧٤ عن سعد رضي الله تعالى عنه في حديث طويل.

٥٣٩

لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٢) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ (١٣) )

ولما كانت ترجمة ما مضى من قسم الراجي والمجاهد والعامل للصالح : فمن الناس ـ كما أشير إليه ـ من يؤمن بالله ، فإذا أوذى في الله صبر واحتسب انتظارا للجزاء من العلي الأعلى ، ولكنه حذف من كل جملة ما دل عليه بما ذكر في الأخرى ، عطف عليه :( وَمِنَ النَّاسِ ) أي المذبذبين( مَنْ يَقُولُ ) أي بلسانه دون طمأنينة من قبله :( آمَنَّا بِاللهِ ) أي الذي اختص بصفات الكمال ، وأشار بعد الإيماء إلى كثرة هذا الصنف بالإسناد إلى ضمير الجمع ـ إلى أن الأذى في هذه الدار ضربة لازب لا بد منه ، بقوله بأداة التحقيق :( فَإِذا أُوذِيَ ) أي فتنة له واختبارا من أيّ مؤذ كان( فِي اللهِ ) أي بسبب كونه في سبيل الله الذي لا يدانيه في عظمته وجميع صفاته شيء ، ببلاء يسلط به عباده عليه( جَعَلَ ) أي ذلك الذي ادعى الإيمان( فِتْنَةَ النَّاسِ ) أي له بما يصيبه من أذاهم في جسده الذي إذا مات انقطع أذاهم عنه( كَعَذابِ اللهِ ) أي المحيط بكل شيء ، فلا يرجى الانفكاك منه ، فيصرف المعذب بعد الشماخة والكبر إلى الخضوع والذل ، لأن لا كفؤ له ولا مجير عليه ، فلا يطاق عذابه ، لأنه على كل من الروح والجسد ، لا يمكن مفارقته لهما ولا لواحد منهما بموت ولا بحياة إلا بإرادته حتى يكون عمل هذا المعذب عند عذاب الناس له الطاعة لهم في جميع ما يأمرون به ظاهرا وباطنا ، فيتبين حينئذ أنه كان كاذبا في دعوى الإيمان ، وقصر الرجاء على الملك الديان ، وأشار إلى أن الفتنة ربما استمرت إلى الممات وطال زمنها بالتعبير بأداة الشك ، وأكد لاستبعاد كل سامع أن يقع من أحد بهت في قوله :( وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ ) أي لحزب الله الثابتي الإيمان.

ولما كان الإحسان منه إنما هو محض امتنان ، فلا يجب عليه لأحد شيء ، عبر بما يدل على ذلك مشيرا إلى أنه يفعله لأجلهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال :( مِنْ رَبِّكَ ) أي المحسن إليك بنصر أهل دينك ، تصديقا لوعدك لهم ، وإدخالا للسرور عليك ،

ولما كانت هذه الحالة رخاء ، عبر بضمير الجمع إشارة إلى نحو قول الشاعر :

وما أكثر الإخوان حين تعدهم

ولكنهم في النائبات قليل

فقال :( لَيَقُولُنَ ) أي هؤلاء الذين لم يصبروا ، خداعا للمؤمنين خوفا ورجاء وعبر في حالة الشدة بالإفراد لئلا يتوهم أن الجمع قيد ، وجمع هنا دلالة على أنهم لا يستحيون من الكذب ولو على رؤوس الأشهاد ، وأكدوا لعلمهم أن قولهم ينكر لأنهم كاذبون فقالوا :( إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ ) أي لم نزايلكم بقلوبنا وإن أطعنا أولئك بآلسنتنا.

٥٤٠