(
مَنْ مَعِيَ
)
ممن آمن بي وقد ثبت أنه كلام الله بعجزكم عن معارضته فانظروا هل تجدون فيه شيئا يؤيد أمركم(
وَذِكْرُ
)
أي وهذا ذكر(
مَنْ قَبْلِي
)
فاسألوا أهل الكتابين هل في كتاب منهما برهان لكم.
ولما كانوا لا يجدون شبهة لذلك فضلا عن حجة اقتضى الحال الإعراض عنهم غضبا ، فكان كأنه قيل : لا يجدون لشيء من ذلك برهانا(
بَلْ أَكْثَرُهُمْ
)
أي هؤلاء المدعوين(
لا يَعْلَمُونَ الْحَقَ
)
بل هم جهلة والجهل أصل الشر والفساد ، فهم يكفرون تقليدا(
فَهُمْ
)
أي فتسبب عن جهلهم ما افتتحنا به السورة من أنهم(
مُعْرِضُونَ
)
عن ذكرك وذكر من قبلك غفلة منهم عما يراد بهم وفعلا باللعب فعل القاصر عن درجة العقل ، وبعضهم معاند مع علمه الحق ، وبعضهم يعلم فيفهم ـ كما أفهمه التقييد بالأكثر.
ولما كان التقدير بيانا لما في الذكرين : ولو أقبلوا على الذكر لعلموا أنا أوحينا إليك في هذا الذكر أنه لا إله إلا أنا ، ما أرسلناك إلا لنوحي إليك ذلك ، عطف عليه قوله :(
وَما أَرْسَلْنا
)
أي بعظمتنا.
ولما كان الإرسال بالفعل غير مستغرق للزمان المتقدم لأنه كما أن الرسالة لا يقوم بها كل أحد ، فكذلك الإرسال لا يصلح له كل زمن ، أثبت الجار فقال :(
مِنْ قَبْلِكَ
)
وأعرق في النفي فقال :(
مِنْ رَسُولٍ
)
في شيع الأولين(
إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ
)
من عندنا(
أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا
)
ولم يقل : نحن ، لئلا يجعلوها وسيلة إلى شبهة ، ولذا قال :(
فَاعْبُدُونِ
)
بالإفراد ، وترك التصريح بالأمر بالتخصيص بالعبادة لفهمه من المقام والحال ، فإنهم كانوا قبل ذلك يعبدونه ولكنهم يشركون تنبيها على أن كل عبادة فيها شوب شرك عدم.
ولما دل على نفي مطلق الشريك عقلا ونقلا ، فانتفى بذلك كل فرد يطلق عليه هذا الاسم ، عجب من ادعائهم الشركة المقيدة بالولد ، فقال عاطفا على قوله(
وَأَسَرُّوا النَّجْوى
)
[طه : ٦٢] :(
وَقالُوا
)
قيل : الضمير لخزاعة حيث قالوا : الملائكة بنات الله ، وقيل : لليهود حيث قالوا : إنه سبحانه صاهر الجن فكانت منهم الملائكة :(
اتَّخَذَ
)
أي تكلف كما يتكلف من يكون له ولد(
الرَّحْمنُ
)
أي الذي كل موجود من فيض نعمته(
وَلَداً.
)
ولما كان ذلك أعظم الذنب ، نزه نفسه سبحانه عنه بمجمع التنزيه فقال :(
سُبْحانَهُ
)
أي تنزه عن أن يكون له ولد ، فإن ذلك يقتضي المجانسة بينه وبين الولد ،