• البداية
  • السابق
  • 661 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 711 / تحميل: 77
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 5

مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
العربية

في هذه السورة وغيرهما مما تقدم قصه لها كما هي عند أهلها على وجوه لا يعلمها إلا قليل من حذاقهم من غير أن يخالط عالما منهم أو من غيرهم ، ومن غير أن يقدر أحد منهم على معارضة ما أتى به في قصتها من النظم المنتج قطعا أنه لا معلم له إلا الله المرسل له ، وأن ما أتى به منها شاهد لما في الصحف الأولى من ذلك بالصدق ، لأنه كلام الله ، فهو بينة على غيره لإعجازه ، فجميع الكتب الإلهية مفتقرة إلى شهادته افتقار المحتج عليه إلى شهادة الحجة ، ولا افتقار له بعد العجز عنه إلى شيء أصلا ، فهو أعظم من آيات جميع الأنبياء اللاتي يطلبون مثلها بما لا يقايس.

ولما تبين بذلك أنهم يطعنون بما لا شبهة لهم فيه أصلا ، أتبعه ما كان لهم فيه نوع شبهة لو وقع ، فقال عاطفا على( وَلَوْ لا كَلِمَةٌ ) :( وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ ) معاملة لهم في عصيانهم بما يقتضيه مقام العظمة( بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ ) أي من قبل هذا القرآن المذكور في الآية الماضية وما قاربها ، وفي قوله( وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ ) صريحا ، وكذا في مبنى السورة( ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى لَقالُوا ) يوم القيامة :( رَبَّنا ) يا من هو متصف بالإحسان إلينا( لَوْ لا ) أي هلا ولم لا( أَرْسَلْتَ ) ودلوا على عظمته وعلو رتبته بحرف الغاية فقالوا :( إِلَيْنا رَسُولاً ) أي يأمرنا بطاعتك( فَنَتَّبِعَ ) أي فيتسبب عنه أن نتبع( آياتِكَ ) التي يجيئنا بها.

ولما كان اتباعهم لا يستغرق زمان القبل قالوا :( مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَ ) بالعذاب هذا الذل( وَنَخْزى ) بالمعاصي التي عملناها على جهل هذا الخزي فلأجل ذلك أرسلناك إليهم وأقمنا بك الحجة عليهم ، ونحن نترفق بهم ، ونكشف عن قلوب من شئنا منهم ما عليها من الرين بما ننزل من الذكر ونجدد من الآيات حتى نصدق أمرك ونعلي شأنك ونكثر أتباعك وننصر أشياعك.

ولما علم بهذا أن إيمانهم كالممتنع ، وجدالهم لا ينقطع ، بل إن جاءهم الهدى طعنوا فيه ، وإن عذبوا قبله تظلموا ، كان كأنه قيل : فما الذي أفعل معهم؟ فقال :( قُلْ كُلٌ ) أي مني ومنكم( مُتَرَبِّصٌ ) أي منتظر حسن عاقبة أمره ودوائر الزمان على عدوه( فَتَرَبَّصُوا ) فإنكم كالبهائم ليس لكم تأمل ، ولا تجوزون الجائز إلا عند وقوعه( فَسَتَعْلَمُونَ ) أي عما قريب بوعد لا خلف فيه عند كشف الغطاء( مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ ) أي الطريق الواضح الواسع( السَّوِيِ ) أي الذي لا عوج فيه ولا نتوّ ، فهو من شأنه أن يوصل إلى المقاصد.

ولما كان صاحب الشيء قد لا يكون عالما بالشيء ولا عاملا بما يعلم منه ، قال :( وَمَنِ اهْتَدى ) أي من الضلالة فحصل على جميع ما ينفعه واجتنب جميع ما يضره ،

٦١

نحن أم أنتم؟ ولقد علموا يقينا ذلك يوم فتح مكة المشرفة ، واشتد اغتباطهم بالإسلام ، ودخلوا رغبة في الحلم والكرم ، ورهبة من السيف والنقم ، وكانوا بعد ذلك يعجبون من توقفهم عنه ونفرتهم منه ، وهذا معناه أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ومن اتبعه هم السعداء الأغنياء الراضون في الدنيا والآخرة ، وهو عين قوله تعالى :( ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى ) فقد انطبق الآخر على الأول ، ودل على أن العظيم يعامل بالحلم فلا يعجل ـ والله أعلم.

٦٢

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة الأنبياء مكية ـ آياتها مائة واثنا عشر

عليهم الصلاة والسّلام

مقصودها الاستدلال على تحقق الساعة وقربها ولو بالموت ، ووقوع الحساب فيها على الجليل والحقير ، لأن موجدها لا شريك له يعوقه عنها ، وهو من لا يبدل القول لديه ، والدال على ذلك أوضح دلالة مجموع قصص جماعة ممن ذكر فيها من الأنبياءعليهم‌السلام ، ولا يستقل قصة منها استقلالا ظاهرا بجميع ذلك كما سنبين ، ولا يخلو قصة من قصصهم عن دلالة على شيء من ذلك فنسبت إلى الكل ـ والله الموفق.

( اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣) قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤) )

( بِسْمِ ) الحكيم العدل الذي تمت قدرته وعم أمره( اللهِ ) الملك الذي لا كفوء له( الرَّحْمنِ ) الذي ساوى بين خلقه في رحمة إيجاده( الرَّحِيمِ ) الذي ينجي من شاء من عباده في معاده.

لما ختمت طه بإنذارهم بأنهم سيعلمون الشقي والسعيد ، وكان هذا العلم تارة يكون في الدنيا بكشف الحجاب بالإيمان ، وتارة بمعاينة ظهور الدين ، وتارة بإحلال العذاب بإزهاق الروح بقتل أو غيره ، وتارة ببعثها يوم الدين ، افتتحت هذه بأجلى ذلك وهو اليوم الذي يتم فيه كشف الغطاء فينتقل فيه الخبر من علم اليقين إلى عين اليقين وحق اليقين وهو يوم الحساب ، فقال تعالى :( اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ ) أي عامة أنتم وغيركم( حِسابُهُمْ ) أي في يوم القيامة ؛ وأشار بصيغة الافتعال إلى مزيد القرب لأنه لا أمة بعد هذه ينتظر أمرها ، وأخر الفاعل تهويلا لتذهب النفس في تعيينه كل مذهب ، ويصح أن

٦٣

يراد بالحساب الجزاء ، فيكون ذلك تهديدا بيوم بدر والفتح ونحوهما ، ويكون المراد بالناس حينئذ قريشا أو جميع العرب ، والحساب : إحصاء الشيء والمجازاة عليه بخير أو شر( وَهُمْ ) أي والحال أنهم من أجل ما في جبلاتهم من النوس ، وهو الاضطراب الموجب لعدم الثبات على حالة الأمن ، أنقذه الله منهم من هذا النقص وهم قليل جدا( فِي غَفْلَةٍ ) فهي تعليل لآخر تلك على ما تراه ، لأنهم إذا نشروا علموا ، وإذا أبادتهم الوقائع علموا هم بالموت ، ومن بقي منهم بالذل المزيل لشماخة الكبر ، أهل الحق من أهل الباطل ، وقوله :( مُعْرِضُونَ ) كالتعليل للغفلة ، أي أحاطت بهم الغفلة بسبب إعراضهم عما يأتيهم منا ، وسيأتي ما يؤيد هذا في قوله آخرها( بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ ) وإلا فالعقول قاضية بأنه لا بد من جزاء المحسن والمسيء.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في برهانه : لما تقدم قوله سبحانه( لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ) ـ إلى قوله ـ( فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى ) [طه : ١٣١] قال تعالى :( اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ) أي لا تمدن عينيك إلى ذلك فإني جعلته فتنة لمن ناله بغير حق ، ونسأل عن قليل ذلك وكثيره و( لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ) [التكاثر : ٨] والأمر قريب( اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ ) وأيضا فإنه تعالى لما قال( وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا ) [مريم : ٩٧] وهم الشديد والخصومة في الباطل ، ثم قال( وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ ) [مريم : ٧٤] إلى آخرها ، استدعت هذه الجملة بسط حال ، فابتدئت بتأنيسه عليه الصلاة والسّلام وتسليته ، حتى لا يشق عليه لددهم ، فتضمنت سورة طه من هذا الغرض بشارته بقوله( ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى ) [طه : ٢] وتأنيسه بقصة موسىعليه‌السلام وما كان من حال بني إسرائيل وانتهاء أمر فرعون ومكابدة موسىعليه‌السلام لرد فرعون ومرتكبه إلى أن وقصه الله وأهلكه ، وأورث عباده أرضهم وديارهم ، ثم اتبعت بقصة آدمعليه‌السلام ليرى نبيهصلى‌الله‌عليه‌وسلم سنته في عباده حتى أن آدمعليه‌السلام وإن لم يكن امتحانه بذريته ولا مكابدته من أبناء جنسه ـ فقد كابد من إبليس ما قصه الله في كتابه ، وكل هذا تأنيس للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فإنه إذا تقرر لديه أنه سنة الله تعالى في عباده هان عليه لدد قريش ومكابدتهم ، ثم ابتدئت سورة الأنبياء ببقية هذا التأنيس ، فبين اقتراب الحساب ووقوع يوم الفصل المحمود فيه ثمرة ما كوبد في ذات الله والمتمنى فيه أن لو كان ذلك أكثر والمشقة أصعب لجليل الثمرة وجميل الجزاء ، ثم اتبع ذلك سبحانه بعظات ، ودلائل وبسط آيات ، وأعلم أنه سبحانه قد سبقت سنته بإهلاك من لم يكن منه الإيمان من متقدمي القرون وسالفي الأمم( ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها ) [الأنبياء : ٦] وفي قوله( أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ ) [الأنبياء : ٦] تعزية لرسول الله

٦٤

صلى‌الله‌عليه‌وسلم في أمر قريش ومن قبل ما الكلام بسبيله ، وقد تضمنت هذه السورة إلى ابتداء قصة إبراهيمعليه‌السلام من المواعظ والتنبيه على الدلالات وتحريك العباد إلى الاعتبار بها ما يعقب لمن اعتبر به التسليم والتفويض لله سبحانه والصبر على الابتلاء وهو من مقصود السورة ، وفي قوله( ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ ) [الأنبياء : ٩] إجمال لما فسره النصف الأخير من هذه السورة من تخليص الرسلعليهم‌السلام من قومهم وإهلاك من أسرف وأفك ولم يؤمن ، وفي ذكر تخليص الرسل وتأييدهم الذي تضمنه النصف الأخير من لدن قوله( وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ ) [الأنبياء : ٥١] إلى آخر السورة كمال الغرض المتقدم من التأنيس وملاءمة ما تضمنته سورة طه وتفسير لمجمل( وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً ) [مريم : ٩٨] انتهى.

ولما أخبر سبحانه عن غفلتهم وإعراضهم ، علل ذلك بقوله :( ما يَأْتِيهِمْ ) وأعرق في النفي بقوله : من( ذِكْرٍ ) أي وحي يذكر بما جعل في العقول من الدلائل عليه سبحانه ويوجب الشرف لمن اتبعه( مِنْ رَبِّهِمْ ) المحسن إليهم بخلقهم وتذكيرهم ، قديم لكونه صفة له( مُحْدَثٍ ) إنزاله( إِلَّا اسْتَمَعُوهُ ) أي قصدوا سماعه وهو أجد الجد وأحق الحق( وَهُمْ ) أي والحال أنهم( يَلْعَبُونَ ) أي يفعلون فعل اللاعبين بالاستهزاء به ووضعه في غير مواضعه وجعلهم استماعهم له لإرادة الطعن فيه ، فهو قريب من قوله( لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ ) [فصلت : ٢٦]( لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ) أي غارقة قلوبهم في اللهو ، مشغولة به عما حداها إليه القرآن ، ونبهها عليه الفرقان ، وحذرها منه البيان ، قال الرازي في اللوامع : لاهية : مشتغلة من لهيت ألهى : أو طالبة للهو ، من لهوت ألهو ـ انتهى. ويمكن أن يراد بالناس مع هذا كله العموم ويكون من باب قوله تعالى( وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ ) [الأنعام : ٩١] وقولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «لا أحصي ثناء عليك» وأن يخص بالكفار.

ولما ذكر ما يظهرونه في حالة الاستماع من اللهو واللعب ، ذكر ما يخفونه من التشاور في الصد عنه وإعمال الحيلة في التنفير منه والتوثق من بعضهم لبعض في الثبات على المجانبة له فقال عاطفا على( اسْتَمَعُوهُ ) :( وَأَسَرُّوا ) أي الناس المحدث عنهم( النَّجْوَى ) أي بالغوا في إسرار كلامهم بسبب الذكر ، لأن المناجاة في اللغة السر ـ كذا في القاموس ، وقال الإمام أبو عبد الله القزاز في ديوانه : والنجوى : الكلام بين اثنين كالسر والتشاور.

ولما أخبر بسوء ضمائرهم ، أبدل من ضميرهم ما دل على العلة الحاملة لهم على

٦٥

ذلك فقال :( الَّذِينَ ظَلَمُوا ) ثم بين ما تناجوا به فقال :( هَلْ ) أي فقالوا في تناجيهم هذا ، معجبين من ادعائه النبوة مع مماثلته لهم في البشرية : هل( هذا ) الذي أتاكم بهذا الذكر( إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ) أي في خلقه وأخلاقه من الأكل والشرب والحياة والموت ، فكيف يختص عنكم بالرسالة؟ ما هذا الذي جاءكم به مما لا تقدرون على مثله إلا سحر لا حقيقة له ، فحينئذ تسبب عن هذا الإنكار في قولهم :( أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ ) أي والحال أنكم( تُبْصِرُونَ ) بأعينكم أنه بشر مثلكم ، وببصائركم أن هذه الخوارق التي يأتي بها يمكن أن تكون سحرا ، فيا لله العجب من قوم رأوا ما أعجزهم فلم يجوزوا أن يكون عن الرحمن الداعي إلى الفوز بالجنان وجزموا بأنه من الشيطان الداعي إلى الهوان ، باصطلاء النيران ، والعجب أيضا أنهم أنكروا الاختصاص بالرسالة مع مشاهدتهم لما يخص الله به بعض الناس عن بعض من الذكاء والفطنة ، وحسن الخلائق والأخلاق ، والقوة والصحة ، وطول العمر وسعة الرزق ـ ونحو ذلك من القيافة والعيافة والرجز والكهانة ، ويأتون أصحابها لسؤالهم عما عندهم من ذلك من العلم.

ولما كان الله تعالى لا يقر من كذب عليه ، فضلا عن أن يصدقه ويؤيده ، ولا يخفى عليه كيد حتى يلزم منه نقص ما أراده ، قال دالا لهم على صدقه ومنبها على موضع الحجة في أمره ـ على قراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ، وجوابا لمن كأنه قال : فماذا يقال لهؤلاء؟ ـ على قراءة الباقين :( قالَ رَبِّي ) المحسن إليّ بتأييدي بكل ما يبين صدقي ويحمل على أتباعي( يَعْلَمُ الْقَوْلَ ) سواء كان سرا أو جهرا.

ولما كان من يسمع من هاتين المسافتين يسمع من أيّ مسافة فرضت غيرهما قطعا ، لم يحتج إلى جمع على أنه يصح إرادة الجنس فقال :( فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ ) على حد سواء ، لأنه لا مسافة بينه وبين شيء من ذلك( وَهُوَ ) أي وحده( السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) يسمع كل ما يمكن سمعه ، ويعلم كل ما يمكن علمه من القول وغيره ، فهو يسمع سركم ، ويبطل مكركم ، ويسمع ما أنسبه إليه من هذا الذكر ، فلو لم يكن عنه لزلزل بي ، وقد جرت سنته القديمة في الأولين ، بإهلاك المكذبين ، وتأييد الصادقين ، وإنجائهم من زمن نوحعليه‌السلام إلى هذا الزمان ، ولعلمه بحال الفريقين. وستعلمون لمن تكون له العاقبة ، وقد أشار إلى هذا في هؤلاء الأنبياءعليهم‌السلام الذين دل بقصصهم في هذه السورة على ما تقدمها من الأحكام والقضايا( وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ ) [الأنبياء : ٥١]( إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ) و( كُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ ) و( كُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ ) [الأنبياء : ٨٨]( وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ ) [الأنبياء : ١٠٩]( إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ ) [الأنبياء : ١١٠]( أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ

٦٦

الصَّالِحُونَ ) [الأنبياء : ١٠٥]( لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) [النور : ٥٥].

( بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥) ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦) وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧) وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ (٨) ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩) )

ولما كانت أقوالهم في أمر القرآن قد اضطربت ، والاضطراب من أمارات الباطل ، وكان وصفهم له بأنه سحر مما يهول السامع ويعلم منه أنه معجز ، فربما أدى إلى الاستبصار في أمره ، أخبر أنهم نزلوا به عن رتبة السحر على سبيل الاضطراب فقال :( بَلْ قالُوا ) أي عن هذا الذكر الحكيم أنه( أَضْغاثُ أَحْلامٍ ) أي تخاليط نائم مبناه الباطل وإن كان ربما صدق بالإخبار ببعض المغيبات التي كشف الزمان عن أنها كما أخبر القرآن ، ثم نزلوا عن ذلك إلى وصف موجب لأعظم النفرة عنه وعمن ظهر عنه فقالوا :( بَلِ افْتَراهُ ) أي تعمد وصفه من عند نفسه ونسبه إلى الله.

ولما كان ذلك لا ينافي كون مضمونه صادقا في نفسه ، قالوا :( بَلْ هُوَ شاعِرٌ ) أي يخيل ما لا حقيقة له كغيره من الشعراء ، تتربص به ريب المنون لأنه بشر كما تقدم ، فلا بد أن يموت ونستريح بعد موته ، وإليه أشار في آخر التي قبلها( قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ ) [طه : ١٣٥] إلى آخره ، فاضطربت أقوالهم وعوّلوا أخيرا على قريب من السحر في نفي الحقيقة.

ولما كانوا يصفون القرآن بجميع هذه الأوصاف جملة ، يقولون لكل شخص ما رأوه أنسب له منها ، نبه الله سبحانه كل من له لب على بطلانها كلها بتناقضها بحرف الإضراب إشارة إلى أنه كان يجب على من قالها على قلة عقله وعدم حيائه أن لا ينتقل إلى قول منها إلا بعد الإعراض عن الذي قبله ، وأنه مما يضرب عنه لكونه غلطا ، ما قيل إلا عن سبق لسان وعدم تأمل ، سترا لعناده وتدليسا لفجوره ، ولو فعل ذلك لكانت جديرة بانكشاف بطلانها بمجرد الانتقال فكيف عند اجتماعها. ولما كانت نسبته إلى الشعر أضعفها شأنا ، وأوضحها بطلانا ، لم يحتج إلى إضراب عنه ، وعبروا في الأضغاث بوصف القرآن تأكيدا لعيبه ، وفي الافتراء والشعر بوصفهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لذلك.

ولما أنتج لهم ذلك على زعمهم القدح في أعظم المعجزات ، سببوا عن هذا

٦٧

القدح طلب آية فقالوا :( فَلْيَأْتِنا ) أي دليلا على رسالته( بِآيَةٍ ) أي لأنا قد بينا بطعننا أن القرآن ليس بآية ؛ ثم خيلوا النصفة بقولهم :( كَما ) أي مثل ما ، وبنوا الفعل للمفعول إشارة إلى أنه متى صحت الرسالة كان ذلك بزعمهم من غير تخلف لشيء أصلا فقالوا :( أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ ) أي بالآيات مثل تسبيح الجبال ، وتسخير الريح ، وتفجير الماء ، وإحياء الموتى ، وهذا تناقض آخر في اعترافهم برسالة الأولين مع معرفتهم أنهم بشر ، وإنكارهم رسالتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لكونه بشرا ، ولم يستحيوا بعد التناقض من المكابرة فيما أتاهم به من انشقاق القمر ، وتسبيح الحصى ، ونبع الماء ، والقرآن المعجز ، مع كونه أميا ـ إلى غير ذلك.

ولما أشار سبحانه إلى فساد طعنهم بما جعله هباء منثورا ، وتضمن قولهم الذي سببوه عنه القرار بالرسل البشريين وآياتهم ، أتبعه بيان ما عليهم فيه ، فبين أولا أن الآيات تكون سببا للهلاك ، فقال جوابا لمن كأنه قال : رب أجبهم إلى ما اقترحوه ليؤمنوا :( ما آمَنَتْ ) أي بالإجابة إلى الآيات المقترحات.

ولما كان المراد استغراق الزمان ، جرد الظرف عن الخافض فقال :( قَبْلَهُمْ ) أي قبل كفار مكة المقترحين عليك ، وأعرق في النفي فقال :( مِنْ قَرْيَةٍ ) ولما كان المقصود التهويل في الإهلاك ، وكان إهلاك القرية دالا على إهلاك أهلها من غير عكس ، دل على إهلاك جميع المقترحين تحذيرا من مثل حالهم بوصفها بقوله في مظهر العظمة المقتضي لإهلاك المعاندين :( أَهْلَكْناها ) أي على كثرتهم( وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ ) [الإسراء : ١٧] ،( وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ ) [الشعراء : ٢٠٨] ،( وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) [الإسراء : ١٥] «وما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر» وأشار بذلك إلى أنه لم يسلم عند البأس إلا قرية واحدة وهم قوم يونس لأنهم آمنوا عند رؤية المخايل وقيل الشروع في الإهلاك ، وهو إشارة إلى أن سبب الإيمان مشيئته سبحانه لا الآيات.

ولما كانوا كمن قبلهم إن لم يكونوا دونهم ، حسن الإنكار في قوله :( أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ ) أي كلا! بل لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم حين لا ينفع الإيمان ، وقد قضينا في الأزل أن لا نستأصل هذه الأمة إكراما لنبيها ، فنحن لا نجيبهم إلى المقترحات لذلك.

ولما بين أولا أن الآيات تكون سببا للهلاك ، فلا فائدة لهم في الإجابة إلى ما اقترحوه منها بعد بطلان ما قدحوا به في القرآن ، بيّن ثانيا بطلان ما قدحوا به في الرسول بكونه بشرا ، بأن الرسل الذين كانوا من قبله كانوا بإقرارهم من جنسه ، فما لهم أن

٦٨

ينكروا رسالته وهو مثلهم ، بل عليهم أن يعترفوا له عند ما أظهر من المعجز كما اعترفوا لأولئك ، كل ذلك فطما عن أن يتمنى أحد إجابتهم إلى التأييد بملك ظاهر ، فقال عاطفا على ما «آمَنَتْ» :( وَما أَرْسَلْنا ) .

ولما كان السياق لإنكار أن يكون النبي بشرا ، وكان الدهر كله ما خلا قط جزء منه من رسالة ، إما برسول قائم ، وإما بتناقل أخباره ، كان تعميم الزمان أنسب فقال من غير حرف جر :( قَبْلَكَ ) أي في جميع الزمان الذي تقدم زمانك في جميع طوائف البشر( إِلَّا رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ ) بالملائكة سرا من غير أن يطلع على ذلك الملك غيرهم كما اقتضته العظمة من التخصيص والاختيار والإسرار عن الأغيار ، وذلك من نعم الله على خلقه ، لأن جعل الرسل من البشر أمكن للتلقي منهم والأخذ عنهم.

ولما لم يكن لهم طريق في علم هذا إن لم يقبلوا خبره عن القرآن إلا سؤال من كانوا يفزعون إليهم من أهل الكتاب ليشايعوهم على ما هم عليه من الشك والارتياب ، قال :( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ) ثم نبه على أنهم غير محتاجين فيه إلى السؤال بما كان قد بلغهم على الآجال من أحوال موسى وعيسى وإبراهيم وإسماعيل وغيرهم عليهم الصلاة والسّلام بقوله ، معبرا بأداة الشك محركا لهم إلى المعالي :( إِنْ كُنْتُمْ ) أي بجبلاتكم( لا تَعْلَمُونَ ) أي لا أهلية لكم في اقتناص علم ، بل كنتم أهل تقليد محض وتبع صرف.

ولما بين أنه على سنة من مضى من الرسل في كونه رجلا ، بيّن أنه على سنتهم في جميع الأوصاف التي حكم بها على البشر من العيش والموت فقال :( وَما جَعَلْناهُمْ ) أي الرسل الذين اخترنا بعثهم إلى الناس ليأمروهم بأوامرنا. ولما كان السبب في الأكل ترتيب هذا الهيكل الحيواني على ما هو عليه لا كونه متكثرا ، وحد فقال :( جَسَداً ) أي ذوي جسد لحم ودم متصفين بأنهم( لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ ) بل جعلناهم أجسادا يأكلون ويشربون ، وليس ذلك بمانع من إرسالهم ؛ قال ابن فارس في المجمل : وفي كتاب الخليل : إن الجسد لا يقال لغير الإنسان من خلق الأرض. ثم عطف على الأول قوله :( وَما كانُوا خالِدِينَ ) أي بأجسادهم ، بل ماتوا كما مات الناس قبلهم وبعدهم ، أي لم يكن ذلك في جبلتهم وإنما تميزوا عن الناس بما يأتيهم عن الله سبحانه ، ورسولكمصلى‌الله‌عليه‌وسلم ليس بخالد ، فتربصوا كما أشار إليه ختم طه فإنه متربص بكم وأنتم عاصون للملك الذي اقترب حسابه لخلقه وهو مطيع له ، فأيكم أحق بالأمن؟

ولما بين أن الرسل كالمرسل إليهم بشر غير خالدين ، بين سنته فيهم وفي أممهم ترغيبا لمن اتبع ، وترهيبا لمن امتنع ، فقال عاطفا بأداة التراخي في مظهر العظمة على ما

٦٩

أرشد إليه التقدير من مثل : بل جعلناهم جسدا يأكلون ويشربون ، ويعيشون إلى انقضاء آجالهم ويموتون ، وأرسلناهم إلى أممهم فحذروهم وأنذروهم وكلموهم كما أمرناهم ، ووعدناهم أن من آمن بهم أسعدناه ، ومن كفر واستمر أشقيناه ، وأنا نهلك من أردنا من المكذبين ، فآمن بهم بعض وكفر آخرون ؛ فلم نعاجلهم بالأخذ بل صبرنا عليهم ، وطال بلاء رسلنا بهم( ثُمَّ صَدَقْناهُمُ ) بما اقتضت عظمتنا ، وأكد الأمر بتعدية الفعل من غير حرف الجر فقال :( الْوَعْدَ ) أي بإنجائهم ؛ وأشار بأداة التراخي إلى أنهم طال بلاؤهم بهم وصبرهم عليهم ، ثم أحل بهم سطوته ، وأراهم عظمته ، ولذا قال مسببا عن ذلك :( فَأَنْجَيْناهُمْ ) أي الرسل بعظمتنا ، ولكون السياق لأنهم في غاية الغفلة التي نشأ عنها التكذيب البليغ الذي اقتضى تنويع القول به إلى سحر وأضغاث وافتراء وشعر ، فاقتضى مقابلته بصدق الوعد منه سبحانه ، عبر بالإنجاء الذي هو إقلاع من وجدة العذاب في غاية السرعة( وَمَنْ نَشاءُ ) أي من تابعيهم. إشارة إلى أن سبب الإنجاء المشيئة لا أن التصديق موجب له ، لأنه لا يجب عليه سبحانه وتعالى شيء( وَأَهْلَكْنَا ) أي بما يقتضيه الحكمة( الْمُسْرِفِينَ ) كلهم الذين علمنا أن الإسراف لهم وصف لازم لا ينفكون عنه.

( لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠) وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ (١١) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ (١٢) لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ (١٣) قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (١٤) فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ (١٥) )

ولما انقضى ما لزمهم بسبب الإقرار برسلية البشر من الإقرار برسلية رسولهمصلى‌الله‌عليه‌وسلم لكونه مساويا لهم في النوع والإتيان بالمعجز ، وما فعل بهم وبأممهم ترغيبا وترهيبا ، وختم ذلك بأنه أباد المسرفين ، ومحا ذكرهم إلا بالشر ، التفت إلى الذكر الذي طعنوا فيه ، فقال مجيبا لمن كأنه قال : هذا الجواب عن الطعن في الرسول قد عرف ، فما الجواب عن الطعن في الذكر؟ معرضا عن جوابهم لما تقدم من الإشارة بحرف الإضراب إلى أن ما طعنوا به فيه لا يقوله عاقل ، مبينا لما لهم فيه من الغبطة التي هم لها رادون ، والنعمة التي هم بها كافرون :( لَقَدْ ) أي وعزتنا لقد( أَنْزَلْنا ) بما لنا من العظمة( إِلَيْكُمْ ) يا معشر قريش بل العرب قاطبة( كِتاباً ) أي جامعا لجميع المحاسن لا يغسله الماء ولا يحرقه النار( فِيهِ ذِكْرُكُمْ ) طوال الدهر بالخير إن أطعتم ، والشر إن عصيتم ، وبه شرفكم على سائر الأمم بشرف ما فيه من مكارم الأخلاق التي كنتم تتفاخرون بها وبشرف نبيكم الذي تقولون عليه الأباطيل ، وتكثرون فيه القال والقيل.

٧٠

ولما تم ذلك على هذا الوجه ، نبه أنه يتعين على كل ذي لب الإقبال عليه والمسارعة إليه ، فحسن جدا قوله منكرا عليهم منبها على أن علم ذلك لا يحتاج إلى غير العقل المجرد عن الهوى :( أَفَلا تَعْقِلُونَ ) .

ولما كان التقدير : فإن عدلتم بقبوله شرفناكم ، وإن ظلمتم برده عنادا أهلكناكم كما أهلكنا من كان قبلكم ، عطف عليه قوله :( وَكَمْ قَصَمْنا ) أي بعظمتنا( مِنْ قَرْيَةٍ ) جعلناها كالشيء اليابس الذي كسر فتباينت أجزاؤه ، والإناء الذي فت فانكب ماؤه ؛ وأشار بالقصم الذي هو أفظع الكسر إلى أنها كانت باجتماع الكلمة وشدة الشكيمة كالحجر الرخام في الصلابة والقوة ، و«كم» في هذا السياق يقتضي الكثرة ، ثم علل إهلاكها وانتقالها بقوله :( كانَتْ ظالِمَةً ) ثم بين الغنى عنها بقوله :( وَأَنْشَأْنا ) أي بعظمتنا.

ولما كان الدهر لم يخل قط بعد آدم من إنشاء وإفناء ، فكان المراد أن الإنشاء بعد الإهلاك يستغرق الزمان على التعاقب ، بيانا لأن المهلكين ضروا أنفسهم من غير افتقار إليهم ، أسقط الجار فقال :( بَعْدَها قَوْماً ) أي أقوياء ، وحقق أنهم لا قرابة قريبة بينهم بقوله :( آخَرِينَ ) ثم بين حالها عند إحلال البأس بها فقال :( فَلَمَّا أَحَسُّوا ) أي أدرك أهلها بحواسهم( بَأْسَنا ) أي بما فيه من العظمة( إِذا هُمْ ) أي من غير توقف أصلا( مِنْها ) أي القرية( يَرْكُضُونَ ) هاربين عنها مسرعين كمن يركض الخيل ـ أي يحركها ـ للعدو ، بعد تجبرهم على الرسل وقولهم لهم( لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا ) [إبراهيم : ١٣] فناداهم لسان الحال تقريعا تبشيعا لحالهم وتفظيعا :( لا تَرْكُضُوا ) وصور التهكم بهم بأعظم صوره فقال :( وَارْجِعُوا ) إلى قريتكم( إِلى ما. )

ولما كان التأسيف إنما هو على العيش الرافه لا على كونه من معط معين ، بني للمفعول قوله :( أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ) أي منها ، ويجوز أن يكون بني للمجهول إشارة إلى غفلتهم عن العلم لمن أترفهم أو إلى أنهم كانوا ينسبون نعمتهم إلى قواهم ، ولو عدوها من الله لشكروه فنفعهم. ولما كان أعظم ما يؤسف عليه بعد العيش الناعم المسكن ، قال :( وَمَساكِنِكُمْ ) أي التي كنتم تفتخرون بها على الضعفاء من عبادي بما أتقنتم من بنائها ، وأوسعتم من فنائها ، وعليتم من مقاعدها ، وحسنتم من مشاهدها ومعاهدها( لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ ) في الإيمان بما كنتم تسألون ، فتابوا بما عندكم من الأنفة ومزيد الحمية والعظمة ، أو تسألون في الحوائج والمهمات ، كما يكون الرؤساء في مقاعدهم العلية ، ومراتبهم البهية ، فيجيبون سائلهم بما شاؤوا على تؤدة وأحوال مهل تخالف أحوال الراكض العجل( أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ ) [إبراهيم : ٤٤].

٧١

ولما كان كأنه قيل : بما أجابوا هذا المقال؟ قيل :( قالُوا ) حين لا نفع لقولهم عند نزول البأس :( يا وَيْلَنا ) إشارة إلى أنه حل بهم لأنه لا ينادي إلا القريب ، وترفقا له كما يقول الشخص لمن يضربه : يا سيدي ـ كأنه يستغيث به ليكف عنه ، وذلك غباوة منهم ، وعمى عن الذي أحله بهم ، لأنهم كالبهائم لا ينظرون إلا السبب الأقرب ؛ ثم عللوا حلوله بهم تأكيدا لترفقهم بقولهم :( إِنَّا كُنَّا ) أي جبلة لنا وطبعا( ظالِمِينَ ) حيث كذبنا الرسل ، وعصينا أمر ربنا ، فاعترفوا حيث لم ينفعهم الاعتراف لفوات محله( فَما ) أي فتسبب عن إحلالنا ذلك البأس بهم أنه ما( زالَتْ تِلْكَ ) أي الدعوة البعيدة عن الخير والسلامة ، وهي قولهم : يا ويلنا( دَعْواهُمْ ) يرددونها لا يكون دعوى لهم غيرها ، لأن الويل ملازم لهم غير منفك عنهم ، وترفقهم له غير نافعهم( حَتَّى جَعَلْناهُمْ ) بما لنا من العظمة( حَصِيداً ) كالزرع المحصود.

ولما كان هذا وما بعده مثل حلو حامض في الزمان ، جعلا خبرا واحدا ليكون «جعل» مقتصرا على مفعولين فقال :( خامِدِينَ ) أي جامعين للانقطاع والخفوت ، لا حركة لهم ولا صوت ، كالنار المضطرمة إذا بطل لهيبها ثم جمرها وصارت رمادا ، ولم يك ينفعهم إيمانهم واعترافهم بالظلم وخضوعهم لما رأوا بأسنا.

( وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨) وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ (٢٠) )

ولما ذمهم باللعب وبين أنه يفعل في إهلاك الظلم وإنجاء العدل فعل الجاد بإحقاق الحق بالانتقام لأهله ، وإزهاق الباطل باجتثاثه من أصله ، فكان التقدير : وما ينبغي لنا أن نفعل غير ذلك من أفعال الحكمة العرية عن اللعب ، فلم نخلق الناس عبثا يعصوننا ولا يؤاخذون ، عطف عليه قوله :( وَما خَلَقْنَا ) أي بعظمتنا التي تقتضي الجد ولا بد.

ولما كان خلق سماء واحدة يكفي في الدلالة على الحكمة فكيف بأكثر منها! وحّد فقال :( السَّماءَ ) أي على علوها وإحكامها( وَالْأَرْضَ ) على عظمها واتساعها( وَما بَيْنَهُما ) مما دبرناه لتمام المنافع من أصناف البدائع وغرائب الصنائع( لاعِبِينَ ) غير مريدين بذلك تحقيق الحقائق وإبطال الأباطيل ، بل خلقنا لكم ذلك آية عظيمة كافية في الوصول إلينا ليظهر العدل في جزاء كل بما يستحق ، مشحونة بما يقوت الأجسام ،

٧٢

ويهيج النفوس ، ويشرح الصدور ، ويروح الأرواح ويبعث إلى الاعتبار ، كلّ من له استبصار ، للدلالة على حكمتنا ووجوب وحدانيتنا فاتخذتم أنتم ما زاد على الحاجة لهوا صادا عن الخير ، داعيا إلى الضير.

ولما نفى عنه اللعب ، أتبعه دليله فقال :( لَوْ أَرَدْنا ) أي على عظمتنا( أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً ) يكون لنا ومنسوبا في لهوه إلينا ، واللهو ـ قال الأصفهاني : صرف الهم عن النفس بالقبيح.( لَاتَّخَذْناهُ ) أي بما لنا من العظمة( مِنْ لَدُنَّا ) أي مما يليق أن ينسب إلى حضرتنا بما لنا من تمام القدرة وكمال العظمة ، وباهر الجلالة والحكمة ، وذلك بأن يكون محض لهو لا جد فيه أصلا ، ولا يخلطه شيء من الكدر ، ولا يتوقف من يراه في تسميته لهوا ، لا يكون له عنده اسم غير ذلك كما لو أن شمسا أخرى وجدت لم يتوقف أحد في تسميتها شمسا كما قال تعالى في السورة الماضية( وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً ) [طه : ٩٩] أي فهو بحيث لا يتوقف أحد في أنه من عندنا ، وأنه ذكر وموعظة كما مضى ، لكنا لم نرد ذلك فلم يكن ، وما اتخذتموه لهوا فإنا خلقناه لغير ذلك بدليل ما فيه من الشواغل والمنغصات والقواطع فاتخذتموه أنتم من عند أنفسكم لهوا ، فكان أكثره لكم ضرا وعليكم شرا ، وخص الحرالي (عند) بما ظهر ، و( لَدُنَّا ) بما بطن ، فعلى هذا يكون المراد : من حضرتنا الخاصة بنا الخفية التي لا يطلع عليها غيرنا ، لأن ما للملك لا يكون مبتذلا ، وكذلك لم يذكر إلا ما يتحقق المكذبون بالبعث رؤيته فوحد السماء هنا وجمعها في غير هذا الموضع لاقتضاء الحال ذلك.

ولما كان هذا مما ينبغي أن تنزه الحضرة القدوسية عنه وعن مجرد ذكره ولو على سبيل الفرض ، أشار إلى ذلك بأداة شرط أخرى فقال :( إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ ) أي له ، ولكنه لا يليق بجنابنا فلم نفعله ولا نكون فاعلين له( بَلْ ) وإشعار لهذا المعنى بالقذف والدمغ تصويرا للحق بجعل الحق كأنه جرم صلب كالصخرة قذف بها على جرم رخو أجوف فقال :( نَقْذِفُ ) أي إنما شأننا أن نرمي رميا شديدا( بِالْحَقِ ) الذي هو هذا الذكر الحكيم الذي أنزلناه جدا كله وثابتا جميعه لا لهو فيه ولا باطل ، ولا هو مقارب لشيء منهما ، ولا تقدرون أن تتخذوا شيئا منه لهوا اتخاذا يطابقكم عليه منصف ، فنحن نقذف به( عَلَى الْباطِلِ ) الذي أحدثتموه من غير أنفسكم( فَيَدْمَغُهُ ) أي فيمحقه محق المكسور الدماغ( فَإِذا هُوَ ) في الحال( زاهِقٌ ) أي ذاهب الروح أي هالك ؛ ثم عطف على ما أفادته «إذا» قوله :( وَلَكُمُ ) أي وإذا لكم أيها المبطلون( الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ) أي من وصفكم لكل شيء بما تهوى أنفسكم من غير إذن منا لكم ، لأنكم لا تقفون على حقائق الأمور ، فإن وصفتم القرآن بشيء مما تقدم ثم قذفنا عليه بما يبين بطلانه ، بان

٧٣

لكل عاقل أنه يجب عليكم أن تنادموا الويل بميلكم كل الميل ، وإن وصفتم الله أو الدنيا أو غيرهما فكذلك إنما أنتم متعلقون بقشور وظواهر لا يرضاها إلا بعيد عن العقل محجوب عن الإدراك ؛ ثم عطف أيضا على ما لزم من ذلك القذف قوله :( وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ ) أي الأجرام العالية وهي ما تحت العرش ، وجمع السماء هنا لاقتضاء تعميم الملك ذلك.

ولما كانت عقولهم لا تدرك تعدد الأراضي ، وحد فقال :( وَالْأَرْضِ ) أي ومن فيها ، وذلك شامل ـ على أن التعبير بمن لتغليب العقلاء ـ للسماوات والأرض ، لأن الأرض في السماوات ، وكل سماء في التي فوقها ، والعليا في العرش وهو سبحانه ذو العرش العظيم ـ كما سيأتي قريبا ، فدل ذلك دلالة عقلية على أنه مالك الكل وملكه.

ولما كانوا يصفون الملائكة بما لهم الويل من وصفه ، خصهم بالذكر معبرا عن خصوصيتهم وقربهم بالعندية تمثيلا بما نعرف من أصفياء الملوك عند التعبير بعند من مجرد القرب في المكانة لا في المكان فقال :( وَمَنْ عِنْدَهُ ) أي هم له حال كونهم( لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ) بنوع كبر طلبا ولا إيجادا( وَلا يَسْتَحْسِرُونَ ) أي ولا يطلبون أن ينقطعوا عن ذلك فأنتج ذلك قوله :( يُسَبِّحُونَ ) أي ينزهون المستحق للتنزيه بأنواع التنزيه من الأقوال والأفعال التي هي عبادة ، فهي مقتضية مع نفي النقائص إثبات الكمال( اللَّيْلَ وَالنَّهارَ ) أي في جميع آنائهما دائما. ولما لم يصرح هنا بإنكار منهم ، ولا ما يستلزمه من الاستكبار ، لم يؤكد ولا عطف بالواو فقال :( لا يَفْتُرُونَ ) عن ذلك في وقت من الأوقات بخلاف ما في (فصلت) فإن الأمر فيها مبني على حد استكبارهم المستلزم لأنكارهم المقتضي للتأكيد ، وكل هذا في حيز (إذا) أي إذا أنزلنا شيئا من القرآن منبها على أقاويلكم مبينا لأباطيلكم ، فاجأه ظهور الزهوق للباطل ، والويل لكم والملك له سبحانه منزها عن كل نقص ثابتا له بالعبادة كل كمال ، ويجوز أن يعطف على( نَقْذِفُ. )

( أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢) لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ (٢٣) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥) وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) )

٧٤

ولما كانوا عند هذا البيان جديرين بأن يبادروا إلى التوحيد فلم يفعلوا ، كانوا حقيقين بعد الإعراض عنهم ـ بالتوبيخ والتهكم والتعنيف فقال تعالى :( أَمِ اتَّخَذُوا ) أي أعلموا أن كل شيء تحت قهره نافذ فيه أمره فرجعوا عن ضلالهم ، أم لم يعلموه ، أو علموا ما ينافيه فاتخذوا( آلِهَةً. )

ولما كانت معبوداتهم أصناما أرضية من حجارة ونحوها قال :( مِنَ الْأَرْضِ ) أي التي هم مشاهدون لأنها وكل ما فيها طوع مشيئته( هُمْ ) أي خاصة( يُنْشِرُونَ ) أي يحيون شيئا مما فيها من الأجسام النامية حتى يستحقوا بذلك صفة الإلهية ، وإفادة السياق الحصر تفيد أنه لو وقع الإنشاء لأحد على وجه يجوّز مشاركة غيره له لم يستحق العبادة ، وفي هذا الاستفهام تهكم بهم بالإشارة إلى أنهم عبدوا ما هو من أدنى ما في الأرض مع أنه ليس في الأرض ما يستحق أن يعبد ، لأن الإنسان أشرف ما فيها ، ولا يخفى ما له من الحاجة المبعدة من تلك الرتبة الشماء.

ولما كان الجواب قطعا : لم يتخذوا آلهة بهذا الوصف ، ولا شيء غيره سبحانه يستحق وصف الإلهية ، أقام البرهان القطعي على صحة نفي إله غيره ببرهان التمانع ، وهو أشد برهان لأهل الكلام فقال :( لَوْ كانَ فِيهِما ) أي في السماوات والأرض ، أي في تدبيرهما.

ولما كان الأصل فيما بعد كل من «إلا» و «غير» أن يكون من جنس ما قبلهما وإن كان مغايرا له في العين ، صح وضع كل منهما موضع الآخر ، واختير هنا التعبير بأداة الاستثناء والمعنى للصفة إذ هي تابعة لجميع منكور غير محصور الإفادة إثبات الإلهية له سبحانه مع النفي عما عداه ، لأن (لو لا) ـ لما فيها من الامتناع ـ مفيدة للنفي ، فالكلام في قوة أن يقال «ما فيهما»( آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ ) أي مدبرون غير من تفرد بصفات الكمال ، ولو كان فيهما آلهة غيره( لَفَسَدَتا ) لقضاء العادة بالخلاف بين المتكافئين المؤدي إلى ذلك ، ولقضاء العقل بإمكان الاختلاف اللازم منه إمكان التمانع اللازم منه إمكان عجز أحدهما اللازم منه أن لا يكون إلها لحاجته ، وإذا انتفى الجمع ، انتفى الاثنان من باب الأولى ، لأن الجمع كلما زاد حارب بعضهم بعضا فقل الفساد كما نشاهد.

ولما أفاد هذا لدليل أنه لا يجوز أن يكون المدبر لها إلا واحدا ، وأن ذلك الواحد لا يكون إلا الله قال :( فَسُبْحانَ اللهِ ) أي فتسبب عن ذلك تنزه المتصف بصفات الكمال( رَبِّ الْعَرْشِ ) أي الذي هو نهاية المعلومات من الأجسام ، ورب ما دونه من السماوات

٧٥

والأراضي وما فيهما المتفرد بالتدبير ، كما يتفرد الملك الجالس على السرير( عَمَّا يَصِفُونَ ) مما يوهم نقصا ما ، ثم علل ذلك بقوله :( لا يُسْئَلُ ) أي من سائل ما( عَمَّا يَفْعَلُ ) أي لا يعترض عليه لأنه لا كفوء له في علم ولا حكمة ولا قدرة ولا عظمة ولا غير ذلك ، فليس في شيء من أفعاله لإتقانها موضع سؤال ، فمهما أراد كان ومهما قال فالحسن الجميل ، فلو شاء لعذب أهل سماواته وأهل أرضه ، وكان ذلك منه عدلا حسنا ، وهذا مما يتمادح به أولو الهمم العوال ، كما قال عامر الخصفي في هاشم بن حرملة بن الأشعر :

أحيا أباه هاشم بن حرملة

يوم الهباءات ويوم اليعمله

ترى الملوك عنده مغربلة

يقتل ذا الذنب ومن لا ذنب له

قال ابن هشام في مقدمة السيرة قبل «أمر البسل» بقليل : أنشدني أبو عبيدة هذه الأبيات وحدثني أن هاشم قال لعامر : قل فيّ بيتا جيدا أثبك عليه ، فقال عامر البيت الأول فلم يعجب هاشما ، ثم قال البيت الثاني فلم يعجبه ، ثم قال الثالث فلم يعجبه ، فلما قال الرابع «ويقتل ذا الذنب ومن لا ذنب له» أعجبه فأثابه عليه ، ومن أعجب ما رأيت في حكم الأقدمين أن الشهرستاني قال في الملل : وقد سأل بعض الدهرية أرسطا طاليس فقال : إذا كان لم يزل ولا شيء غيره ثم أحدث العالم فلم أحدثه؟ فقال : «لم» غير جائز عليه ، لأن لم تقتضي علة والعلة محمولة فيما هي علة له من معلّ فوقه ولا علة فوقه ، وليس بمركب فتحمل ذاته العلل ، فلم عنه منفية.( وَهُمْ يُسْئَلُونَ ) من كل سائل لما في أفعالهم من الاختلال بل يمنعون عن أكثر ما يريدون.

ولما قام الدليل ، ووضح السبيل ، واضمحل كل قال وقيل ، فانمحقت الأباطيل ، قال منبها لهم على ذلك :( أَمِ ) أي أرجعوا عن ضلالهم لما بان لهم غيهم فيه فوحدوا الله أم( اتَّخَذُوا ) ونبه على أن كل شيء دونه وأثبت أن آلهتهم بعض من ذلك بإثبات الجار فقال منبها لهم مكررا لما مضى على وجه أعم ، طالبا البرهان تلويحا إلى التهديد :( مِنْ دُونِهِ آلِهَةً ) من السماء أو الأرض وغيرهما.

ولما كان جوابهم : اتخذنا ، ولا يرجع أمره بجوابهم فقال :( قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ ) على ما ادعيتموه من عقل أو نقل كما أثبت أنا ببرهان النقل المؤيد بالعقل.

ولما كان الكريم سبحانه لا يؤاخذ بمخالفة العقل ما لم ينضم إليه دليل النقل ، أتبعه قوله مشيرا إلى ما بعث الله به الرسل من الكتب :( هذا ذِكْرُ ) أي موعظة وشرف

٧٦

( مَنْ مَعِيَ ) ممن آمن بي وقد ثبت أنه كلام الله بعجزكم عن معارضته فانظروا هل تجدون فيه شيئا يؤيد أمركم( وَذِكْرُ ) أي وهذا ذكر( مَنْ قَبْلِي ) فاسألوا أهل الكتابين هل في كتاب منهما برهان لكم.

ولما كانوا لا يجدون شبهة لذلك فضلا عن حجة اقتضى الحال الإعراض عنهم غضبا ، فكان كأنه قيل : لا يجدون لشيء من ذلك برهانا( بَلْ أَكْثَرُهُمْ ) أي هؤلاء المدعوين( لا يَعْلَمُونَ الْحَقَ ) بل هم جهلة والجهل أصل الشر والفساد ، فهم يكفرون تقليدا( فَهُمْ ) أي فتسبب عن جهلهم ما افتتحنا به السورة من أنهم( مُعْرِضُونَ ) عن ذكرك وذكر من قبلك غفلة منهم عما يراد بهم وفعلا باللعب فعل القاصر عن درجة العقل ، وبعضهم معاند مع علمه الحق ، وبعضهم يعلم فيفهم ـ كما أفهمه التقييد بالأكثر.

ولما كان التقدير بيانا لما في الذكرين : ولو أقبلوا على الذكر لعلموا أنا أوحينا إليك في هذا الذكر أنه لا إله إلا أنا ، ما أرسلناك إلا لنوحي إليك ذلك ، عطف عليه قوله :( وَما أَرْسَلْنا ) أي بعظمتنا.

ولما كان الإرسال بالفعل غير مستغرق للزمان المتقدم لأنه كما أن الرسالة لا يقوم بها كل أحد ، فكذلك الإرسال لا يصلح له كل زمن ، أثبت الجار فقال :( مِنْ قَبْلِكَ ) وأعرق في النفي فقال :( مِنْ رَسُولٍ ) في شيع الأولين( إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ ) من عندنا( أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا ) ولم يقل : نحن ، لئلا يجعلوها وسيلة إلى شبهة ، ولذا قال :( فَاعْبُدُونِ ) بالإفراد ، وترك التصريح بالأمر بالتخصيص بالعبادة لفهمه من المقام والحال ، فإنهم كانوا قبل ذلك يعبدونه ولكنهم يشركون تنبيها على أن كل عبادة فيها شوب شرك عدم.

ولما دل على نفي مطلق الشريك عقلا ونقلا ، فانتفى بذلك كل فرد يطلق عليه هذا الاسم ، عجب من ادعائهم الشركة المقيدة بالولد ، فقال عاطفا على قوله( وَأَسَرُّوا النَّجْوى ) [طه : ٦٢] :( وَقالُوا ) قيل : الضمير لخزاعة حيث قالوا : الملائكة بنات الله ، وقيل : لليهود حيث قالوا : إنه سبحانه صاهر الجن فكانت منهم الملائكة :( اتَّخَذَ ) أي تكلف كما يتكلف من يكون له ولد( الرَّحْمنُ ) أي الذي كل موجود من فيض نعمته( وَلَداً. )

ولما كان ذلك أعظم الذنب ، نزه نفسه سبحانه عنه بمجمع التنزيه فقال :( سُبْحانَهُ ) أي تنزه عن أن يكون له ولد ، فإن ذلك يقتضي المجانسة بينه وبين الولد ،

٧٧

ولا يصح مجانسة النعمة للمنعم الحقيقي( بَلْ ) الذين جعلوهم له ولدا وهم الملائكة( عِبادٌ ) من عباده ، أنعم عليهم بالإيجاد كما أنعم على غيرهم لا أولاد ، فإن العبودية تنافي الولدية( مُكْرَمُونَ ) بالعصمة من الزلل ، ولذلك فسر الإكرام بقوله :( لا يَسْبِقُونَهُ ) أي لا يسبقون إذنه( بِالْقَوْلِ ) أي بقولهم ، لأنهم لا يقولون شيئا لم يأذن لهم فيه ويطلقه لهم.

ولما كان الواقف عما لم يؤذن له فيه قد لا يفعل ما أمر به قال :( وَهُمْ بِأَمْرِهِ ) أي خاصة إذا أمرهم( يَعْمَلُونَ ) لا بغيره لأنهم في غاية المراقبة له فجمعوا في الطاعة بين القول والفعل وذلك غاية الطاعة ؛ ثم علل إخباره بذلك بعلمه بما هذا المخبر به مندرج فيه فقال :( يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ) أي مما لم يعملوه( وَما خَلْفَهُمْ ) مما عملوه ، أو يكون الأول لما عملوه والثاني لما لم يعملوه ، لأنك تطلع على ما قدامك ويخفى عليك ما خلفك ، أي أن علمه محيط بأحوالهم ماضيا وحالا ومآلا ، لا يخفى عليه خافية ؛ ثم صرح بلازم الجملة الأولى فقال :( وَلا يَشْفَعُونَ ) أي في الدنيا ولا في الآخرة( إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى ) فلا تطمعوا في شفاعتهم لكم بغير رضاه ، وبلازم الجملة الثانية فقال :( وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ ) أي لا من غيرها( مُشْفِقُونَ ) أي دائما.

( وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩) أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ (٣٠) وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١) )

ولما نفى الشريك مطلقا ثم مقيدا بالولدية ، أتبعه التهديد على ادعائه بتعذيب المتبوع الموجب لتعذيب التابع فقال :( وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ ) أي من كل من قام الدليل على أنه لا يصلح للإلهية حتى العباد المكرمون الذين وصف كرامتهم وقرب منزلتهم عنده وأثنى عليهم كما رواه البيهقي في الخصائص من الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما :( إِنِّي إِلهٌ ) ولما كانت الرتب التي تحت رتبة الإلهية كثيرة ، بعّض ليدل على من استغرق بطريق الأولى فقال :( مِنْ دُونِهِ ) أي من دون الله( فَذلِكَ ) أي اللعين الذي لا يصلح للتقريب أصلا ما دام على ذلك( نَجْزِيهِ ) أي بعظمتنا( جَهَنَّمَ ) لظلمه ، فأفهم تعذيب مدعي الشرك تعذيب أتباعه من باب الأولى ، وهو على سبيل الفرض والتمثيل في الملائكة من إحاطة علمه بأنه لا يكون ، وما ذاك إلا لقصد تفظيع أمر الشرك وتعظيم شأن التوحيد ، وفي دلائل النبوة للبيهقي في باب التحدث بالنعمة والخصائص أن هذه

٧٨

الآية مع قوله تعالى( لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ ) [الفتح : ٢] دليل على فضلهصلى‌الله‌عليه‌وسلم على أهل السماء.

ولما كان مقتضيا للسؤال عن غير هذا من الظلمة ، قيل :( كَذلِكَ ) أي مثل هذا الجزاء الفظيع جدا( نَجْزِي الظَّالِمِينَ ) كلهم ما داموا على ظلمهم.

ولما أنكر سبحانه اتخاذهم آلهة من دونه تارة بقيد كونها أرضية ، وتارة بقيد كونها سماوية ، وتارة مطلقة ، لتعم كلا من القسمين وغيرهما ، واستدل على ذلك كله بما لم تبق معه شبهة ، فدل تفرده على أنه لا مانع له مما يريد من بعث ولا غيره ، وكان علمهم لا يتجاوز ما في السماوات والأرض ، قال مستدلا على ذلك أيضا مقررا بما يعلمونه ، أو ينبغي أن يسألوا عنه حتى يعلموه لتمكنهم من ذلك( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ) جاليا له في أسلوب العظمة :( أَوَلَمْ ) أي ألم يعلموا ذلك بما أوضحنا من أدلته ولم يروا ، ولكنه أظهر للدلالة على أنهم يغطون أنوار الدلائل عنادا فقال :( يَرَ ) أي يعلم علما هو كالمشاهدة( الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي ستروا ما يعلمون من قدرة الله فأدى ذلك إلى الاستهانة والتنقص فصار ذنبهم غير مغفور ، وسعيهم غير مشكور ، وحذف ابن كثير الواو العاطفة على ما قدرته مما هدى إليه السياق أيضا ، لا للاستفهام بما دل عليه ختام الآية التي قبل من البعث والجزاء المقتضي للإنكار على من أنكره ، فكان المعنى على قراءته : نجزي كل ظالم بعد البعث ، ألم ير المنكرون لذلك قدرتنا عليه بما أبدعنا من الخلائق ، وإنما أنكر عليهم عدم الرؤية بسبب أن الأجسام وإن تباينت لا ينفصل بعضها عن بعض إلا بقادر يفصل بينها ، فمن البديهي الاستحالة أن يرتفع شيء منها عن الآخر منفصلا عنه بغير رافع لا سيما إذا كان المرتفع ثابتا من غير عماد ، فكيف وهو عظيم الجسم كبير الجرم؟ وذلك دال على تمام القدرة والاختيار والتنزه عن كل شائبة نقص من مكافىء وغيره ، فصح الإنكار عليهم في عدم علم ذلك بسبب أنهم عملوا بخلاف ما يعلمونه( أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ. )

ولما كان المراد الإخبار عن الجماعتين لا عن الأفراد قال :( كانَتا ) ولما كان المراد شدة الاتصال والتلاحم ، أخبر عن ذلك بمصدر مفرد وضع موضع الاسم فقال :( رَتْقاً ) أي ملتزقتين زبدة واحدة على وجه الماء ، والرتق في اللغة : السد ، والفتق : الشق( فَفَتَقْناهُما ) أي بعظمتنا أي بأن ميزنا إحداهما عن الأخرى بعد التكوين المتقن وفتقنا السماء بالمطر ، والأرض بأنواع النبات بعد أن لم يكن شيء من ذلك ، ولا كان مقدورا على شيء منه لأحد غيرنا ؛ عن ابن عباس رضي الله عنهما وعطاء والضحاك وقتادة : كانتا شيئا واحدا ملتزقتين ففصل الله تعالى بينهما بالهواء. وعن مجاهد وأبي

٧٩

صالح والسدي : كانتا مؤتلفة طبقة واحدة ففتقها فجعلها سبع سماوات ، وكذلك الأرض كانت مرتتقة واحدة ففتقها فجعلها سبع طبقات.

ولما كان خلق الماء سابقا على خلق السماوات والأرض ، قال :( وَجَعَلْنا ) أي بما اقتضته عظمتنا( مِنَ الْماءِ ) أي الهامر ثم الدافق( كُلَّ شَيْءٍ حَيٍ ) مجازا من النبات وحقيقة من الحيوان ، خرج الإمام أحمد وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : أخبرني عن كل شيء ، فقال : كل شيء خلق من ماء(١) . ولذلك أجاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ذلك الذي وجده على ماء بدر وسأله : ممن هو؟ بقوله : نحن من ماء(٢) .

ولما كان هذا من تصرفه في هذين الكونين ظاهرا ومنتجا لأنهما وكل ما فيهما ومن فيهما بصفة العجز عن أن يكون له تصرف ما ، تسبب عنه إنكار عدم إيمانهم فقال :( أَفَلا يُؤْمِنُونَ ) أي بأن شيئا منهما أو فيهما لا يصلح للإلهية ، لا على وجه الشركة ولا على وجه الانفراد ، وبأن صانعهما ومبدع النامي من حيوان ونبات منهما بواسطة الماء قادر على البعث للحساب للثواب أو العقاب ، بعد أن صار الميت ترابا بماء يسببه لذلك.

ولما كان من القدرة الباهرة ثبات الأرض من غير حركة ، وكان الماء أدل دليل على ثباتها ، وكانت الأرض أقرب في الذكر من السماء ، أتبع ذلك قوله :( وَجَعَلْنا ) بما لنا من العظمة( فِي الْأَرْضِ ) جبالا( رَواسِيَ ) أي ثوابت ، كراهة( أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ ) وتضطرب فتهلك المياه كل شيء حي فيعود نفعها ضرا وخيرها شرا.

ولما كان المراد من المراسي الشدة والحزونة لتقوى على الثبات والتثبيت ، وكان ذلك مقتضيا لإبعادها وحفظها عن الذلة والليونة ، بين أنه خرق فيها العادة ليعلم أنه قادر مختار لكل ما يريد فقال :( وَجَعَلْنا ) بما لنا من القدرة الباهرة والحكمة البالغة( فِيها ) أي الجبال مع حزونتها( فِجاجاً ) أي مسالك واسعة سهلة ؛ ثم أبدل منها قوله :( سُبُلاً ) أي مذللة للسلوك ، ولو لا ذلك لتعسر أو تعذر الوصول إلى بعض البلاد( لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ) إلى منافعهم في ديارهم وغيرها ، وإلى ما فيها من دلائل الوحدانية وغيرها فيعلموا أن وجودها لو كان بالطبيعة كانت على نمط واحد مساوية للأرض متساوية في الوصف ، وأن كونها على غير ذلك دال على أن صانعها قادر مختار متفرد بأوصاف الكمال.

__________________

(١) أخرجه أحمد ٢ / ٣٢٣ و٢٩٥ و٤٩٣ وابن حبان ٢٥٥٩ قال الأرنؤوط : إسناده رجاله ثقات.

(٢) لم أره بعد فلينظر.

٨٠