• البداية
  • السابق
  • 668 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 103 / تحميل: 14
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 6

مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
العربية

والجبال أمرت بالسير معك ذهبا وفضة ، والحمرة شكت إليك أخذ فراخها أو بيضها ، والضب شهد لك ، والجمل شكا إليك وسجد لك ، والأشجار أطاعتك ، والأحجار سلمت عليك وائتمرت بأمرك إلى غير ذلك من كل من ينوس بالفعل أو القابلية ـ والله أعلم ، وأما الجن فحالهم مشهور ، وأما الملائكة فالدلائل على الإرسال إليهم في غاية الظهور ، وفي دلائل النبوة في باب التحدث بالنعمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن هذه الآية دليل على فضل النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم على الأنبياء بعموم الرسالة للإنس والجن.

ولما كانت البشارة هي الخبر الأول الصدق السار ، وكان في ذكرها رد قولهم في الكذب والجنون ، قال :( بَشِيراً وَنَذِيراً ) أي لمن أهل للبشارة أو النذارة. ولما كان هذا الإرسال مقرونا بدليله من الإتيان بالمعجز من نفسه من جهة البلاغة في نظمه وبالمعاني المحكمة في البشارة والنذارة وغير ذلك ، قلب عليهم قولهم الذي لا دليل عليه ولا شبهة تصوب إليه في حقهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بقوله الذي هو أوضح من الشمس دليلا ، وأقوم كل قيل قيلا :( وَلكِنَ ) ولما كان الناس الأولين كل من ديه قابلية النوس وهم جميع الخلائق وأكثرهم غير عاص ، أظهر مريدا الثقلين من الجن والإنس فقال : فأكثر الناس لا يعلمون أي ليس لهم قابلية العلم فيعلموا أنك رسول الله فضلا عن أن إرسالك عام ، بل هم كالأنعام ، فهم لذلك لا يتأملون فيقولون «افترى أم به جنة» ونحو هذا من غير تدبر لما في هذا الكتاب من الحكمة والصواب مع الإعجاز ، في حالي الإطناب والإيجاز ، والإضمار والإبراز ، فيحملهم جهلهم على المخالفة والإعراض.

ولما سلب عنهم العلم ، أتبعه دليله ، فقال معبرا بصيغة المضارعة الدال على ملازمة التكرير للإعلام بأنه على سبيل الاستهزاء لا الاسترشاد :( وَيَقُولُونَ ) أي ما أرسلناك إلى على هذا الحال والحال أن المنذرين يقولون جهلا منهم بعاقبة ما يوعدونه غير مفكرين في وجه الخلاص منه والتفصي عنه في كل حين استهزاء منهم :( مَتى هذَا الْوَعْدُ ) أي بالبشارة والنذارة في يوم الجمع وغيره فسموه وعدا زيادة في الاستهزاء. ولما كان قول الجماعة أجدر بالقبول ، وأبعد عن الرد من قول الواحد ، أشار إلى زيادة جهلهم بقوله :( إِنْ كُنْتُمْ ) أي أيها النبي وأتباعه! كونا أنتم عريقون فيه( صادِقِينَ ) أي متمكنين في الصدق.

( قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ (٣٠) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا

١٨١

لَوْ لا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣) )

ولما تبين من سؤالهم أنه لم يكن للاسترشاد وإن هم بالغوا به في التكذيب والاستهزاء بعد الإبلاغ في إقامة الأدلة ، أمره بأن يجيبهم بما يصلح للمعاند من صادع التهديد بقوله :( قُلْ لَكُمْ ) أي أيها الجامدون الأجلاف الذين لا يجوزون الممكنات ، ولا يتدبرون ما أوضحها من الدلالات ، مع ضعفهم عن الدفاع ، والمغالبة والامتناع( مِيعادُ يَوْمٍ ) أي لا تحتمل العقول وصف عظمه لما يأتي فيه من العقاب سواء كان يوم الموت أو البعث. ولما كان تعلق النفوس بالمهلة عظيما ، قال :( لا تَسْتَأْخِرُونَ ) أي لا يوجد تأخركم ولا يمكن أن يطلب لحثيث الطلب وتعذر الهرب عند( ساعَةً ) لأن الآتي به عظيم القدرة محيط العلم ، ولذلك قال :( وَلا تَسْتَقْدِمُونَ ) أي لا يوجد تقدمكم لحظة فما دونها ولا تتمكنون من طلب ذلك.

ولما دل سبحانه بملازمتهم للاستهزاء بهذا الإنذار على أنهم غير منفكين عن مذاهب الكفار ، ذكر تصريحهم بذلك وحالهم في بعض الأوقات المنطبقة عليها الآية السالفة في قوله :( وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) حيث عبر بالموصول وصلته في موضع الضمير ، واكتفى بالماضي هنا لصراحته في المقصود وكفايته في الحكم بالكفر ، فقالوا مؤكدين قطعا للأطماع عن دعائهم :( لَنْ نُؤْمِنَ ) أي نصدق أبدا ، وصرحوا بالمنزل عليهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بالإشارة فقالوا :( بِهذَا الْقُرْآنِ ) أي وإن جمع جميع الحكم والمقاصد المضمنة لبقية الكتب( وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ) أي قبله من الكتب : التوراة والإنجيل وغيرهما. بل نحن قانعون بما أدبنا به آباؤنا ، وذلك أن بعض أهل الكتاب أخبروهم أن صفة هذا النبي عندهم في كتبهم ، فأغضبهم ذلك فقالوه :( وَلَوْ ) أي والحال أنك( تَرى ) أي يوجد منك رؤية لحالهم( إِذِ ) هم ـ هكذا كان الأصل ، ولكن أظهر الوصف تعميما وتعليقا للحكم به فقال :( الظَّالِمُونَ ) أي الذين يضعون الأشياء في غير محالها فيصدقون آباءهم لإحسان يسير مكدر بغير دليل ، ولا يصدقون ربهم الذي لا نعمة عندهم ولا عند آبائهم إلا منه ، وقد أقام لهم أدلة العقل بما ضرب لهم من الأمثال في الآفاق وفي أنفسهم ، والنقل بهذا القرآن المدلول على صدقه بعد إظهار المعجزات المحسوسات بعجزهم عنه ، فكأنهم سمعوه من الله المنعم الحق( مَوْقُوفُونَ ) أي بعد البعث بما يوقفهم من قدرته بأيدي جنوده أو بغيرها بأيسر أمر منه سبحانه قهرا لهم وكرها منهم :( عِنْدَ رَبِّهِمْ )

١٨٢

أي الذي أحسن إليهم فطال إحسانه فكفروا كلما أحسن به إليهم( يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ ) أي على وجه الخصام عداوة. وكان سببها مواددتهم في الدنيا بطاعة بعضهم لبعض في معاصي الله ، قال القشيري : ومن عمل بالمعاصي أخرج الله عليه كل من هو أطوع له ، ولكنهم لا يعلمون ذلك ، ولو علموا لاعتبروا ، ولو اعتبروا لتابوا وتواقفوا ، ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا( إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ ) أي بالملاومة والمباكتة والمخاصمة ، لرأيت أمرا فظيعا منكرا هائلا شنيعا مقلقا وجيعا يسرك منظره ، ويعجبك منهم أثره ومخبره ، من ذلهم وتحاورهم وتخاذلهم حيث لا ينفعهم شيء من ذلك.

ولما كان هذا مجملا ، فسره بقوله على سبيل الاستئناف :( يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا ) أي وقع استضعافهم ممن هو فوقهم في الدنيا وهم الأتباع في تلك الحالة على سبيل اللوم والتأنيب( لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ) أي أوجدوا الكبر وطلبوه بما وجدوا من أسبابه التي أدت إلى استضعافهم للأولين وهم الرؤوس المتبوعون :( لَوْ لا أَنْتُمْ ) أي مما وجد من استتباعكم لنا على الكفر وغيره من أموركم( لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ ) أي عريقين في الإيمان لأنه لم يكن عندنا كبر من أنفسنا يحملنا على العناد للرسل.

ولما لم يتضمن كلامهم سوى قضية واحدة ، ذكر الجواب عنها بقوله تعالى :( قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ) على طريق الاستئناف( لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا ) ردا عليهم وإنكارا لقولهم أنهم هم الذين صدوهم :( أَنَحْنُ ) خاصة( صَدَدْناكُمْ ) أي منعناكم وصرفناكم( عَنِ الْهُدى ) ولما كانوا لا يؤاخذون بإهمال دليل العقل قبل إتيان الرسل ، أشاروا إلى ذلك بقولهم :( بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ ) أي على ألسنة الرسل.

ولما كان المعنى : إنا لم نفعل ذلك ، حسن أن يقال : إنهم هم الذين ضلوا بأنفسهم لا بإضلالهم ، فقالوا :( بَلْ كُنْتُمْ ) أي جبلة وخلقا( مُجْرِمِينَ ) أي عريقين في قطع ما ينبغي وصله بعد إتيان الهدى مختارين لذلك كما كنتم قبله أتباعا لنا ما ردتم ولا ردنا ، ولما تضمن قولهم أمرين : ادعاء عراقتهم في الإجرام ، وإنكار كونهم سببا فيه ، أشار إلى ردهم للثاني بالعاطف على غير معطوف عليه إعلاما بأن التقدير : قال الذين استضعفوا : كذبتم فيما ادعيتم من عراقتنا في الإجرام :( وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا ) عطفا على هذا المقدر( لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ) ردّا لإنكارهم صدهم :( بَلْ ) الصاد لنا( مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ ) أي الواقع فيهما من مكركم بنا ، أو استعير إسناد المكر إليهما لطول السلامة فيهما ، وذلك للاتساع في الظرف في إجرائه مجرى المفعول به( إِذْ تَأْمُرُونَنا ) على الاستمرار( أَنْ نَكْفُرَ بِاللهِ ) أي الملك الأعظم بالاستمرار على ما كنا عليه قبل إتيان الرسل( وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً ) أي أمثالا نعبدهم من دونه( وَأَسَرُّوا ) أي يرجعون والحال

١٨٣

أن الفريقين أسروا و( النَّدامَةَ لَمَّا ) أي حين( رَأَوُا الْعَذابَ ) لأنهم بينما هم في تلك المقاولة وهم يظنون أنها تغني عنهم شيئا وإذا بهم قد بدا لهم ما لم يكونوا يحتسبون فأبهتهم فلم يقدروا لفوات المقاصد وخسران النفوس أن نسبوا بكلمة ، ولأجل أن العذاب عم الشريف منهم والوضيع. قال تعالى :( وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ ) أي الجوامع التي تغل اليد إلى العنق( فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا ) فأظهر موضع الإضمار تصريحا بالمقصود وتنبيها على الوصف الذي أوجب لهم ذلك.

ولما كانت أعمالهم لقبحها ينبغي البراءة منها ، فكانت بملازمتهم لها كأنها قد قهرتهم على ملازمتها وتقلدها طوق الحمامة فهم يعاندون الحق من غير التفات إلى دليل قال منبها على ذلك جوابا لمن كأنه قال : لم خصت أعناقهم وأيديهم بهذا العذاب؟ :( هَلْ يُجْزَوْنَ ) أي بهذه الأغلال( إِلَّا ما كانُوا ) أي كونا هم عريقون فيه( يَعْمَلُونَ ) أي على سبيل التجديد والاستمرار مما يدعون أنهم بنوه على العلم ، وذلك الجزاء ـ والله أعلم ـ هو ما يوجب قهرهم وإذلالهم وإخزاءهم وإنكاءهم وإيلامهم كما كانوا يفعلون مع المؤمنين ويتمنون لهم.

( وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٣٤) وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (٣٨) )

ولما كان في هذا تسلية أخروية ، أتبعه التسلية الدنيوية ، فقال عطفا على ما تقديره : وما أرسلنا غيرك إلا إرسالا خاصا لأمته ، عطفا على( ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً ) وساقه مؤكدا لأن مضمونه ـ لكونه في غاية الغرابة ـ مما لا يكاد يصدق :( وَما أَرْسَلْنا ) أي بعظمتنا ولما كان المقصود التعميم ، لأنه لم يتقدم قول قريش ليخص التسلية بمن قبلهم ، أسقط القبلية بخلاف ما في سورة الزخرف فقال :( فِي قَرْيَةٍ ) وأكد النفي بقوله :( مِنْ نَذِيرٍ ) أي ينذرهم وخامة ما أمامهم من عوقب أفعالهم ، ودل بإفراده عن البشارة أن غالب الأمم الماضية من أهل النذارة لنظهر مزية هذه الأمة ، ولعله عبر به إشارة إلى الناسخين للشرائع التي قبلهم دون المجددين من أنبياء بني إسرائيل فإن بعضهم لم يكذب( إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها ) أي العظماء الذين لا شغل لهم إلا التنعم بالفاني حتى أكسبهم البغي والطغيان :( إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ ) أي أيها المنذرون( كافِرُونَ ) أي وإذا قال

١٨٤

المنعمون ذلك تبعهم المستضعفون فإذا وقفوا عندنا تقاولوا بما تقدم ثم لم ينفعهم ذلك( وَقالُوا ) مفاخرين ودالين على أنهم فائزون كما قال لك هؤلاء كأنهم تواصوا به :( نَحْنُ أَكْثَرُ ) .

ولما كانت الأموال في الأغلب سببا لكثرة الأولاد بالاستكثار من النساء الحرائر والإماء ، قدمها فقال :( أَمْوالاً وَأَوْلاداً ) أي في هذه الدنيا ، ولو لم يرض منا ما نحن عليه ما رزقنا ذلك( وَما نَحْنُ ) أي الآن( بِمُعَذَّبِينَ ) أي بثابت عذابنا ، وإنما تعرض لنا أحوال خفيفة من مرض وشدائد هي أخف من أحوالكم ، وحاليا الآن دليل على حالنا فيما يستقبل من الزمان كائنا ما كان ، فإن الحال نموذج المآل ، والأول دليل الآخر ، فإن كان ثم آخرة كما تقولون فنحن أسعد منكم فيها كما نحن أسعد منكم الآن ، ولم تنفعهم قصة سبأ في ذلك فإنهم لو تأملوها لكفتهم ، وأنارت أبصار بصائرهم ، وصححت أمراض قلوبهم وشفتهم ، فإنهم كانوا أحسن الناس حالا ، فصاروا أقبحهم مآلا.

ولما كانت لشبهتهم هذه شعبتان تتعلق إحداهما بالذات والأخرى بالثمرات ، بدأ بالأولى لأنها أهم ، فقال مؤكدا تكذيبا لمن يظن أن سعيه يفيد في الرزق شيئا لو لا السعي ما كان :( قُلْ ) يا أكرم الخلق على الله! مؤكدا لأجل إنكارهم لأن يوسع في الدنيا على من لا يرضى فعله :( إِنَّ رَبِّي ) أي المحسن إليّ بالإنعام بالسعادة الباقية( يَبْسُطُ الرِّزْقَ ) أي يجدده في كل وقت أراده بالأموال والأولاد وغيرها( لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ ) أي يضيق على من يشاء منكم ومنا ومن غيرنا من سائر الأمم المخالفين لنا ولكم في الأصول مع أنه لا يمكن أن يكون جميع الموسع عليهم على ما هو حق عنده ومرضي له ، لاختلافهم في الأصول وتكفير بعضهم لبعض ، فإن الله معذب بعضهم لا محالة ، فبطلت شبهتهم ، وثبت أنه يفعل ما يشاء ابتلاء وامتحانا ، فلا يدل البسط على الرضى ولا القبض على السخط ـ على ما عرف من سنته في هذه الدار( وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ ) أي الذين لم يرتفعوا عن حد النوس والاضطراب( لا يَعْلَمُونَ ) أي ليس لهم علم ليتدبروا به ما ذكرنا من الأمر فيعلموا أنه ليس كل موسع عليه في دنياه سعيدا في عقباه.

ولما هدم ما بالذات ، أتبعه ما بالثمرات ، فقال مؤكدا تكذيبا لدعواهم :( وَما أَمْوالُكُمْ ) أي أيها الخلق الذين أنتم من جملتهم وإن كثرت ، وكرر النافي تصريحا بإبطال كل على حياله فقال :( وَلا أَوْلادُكُمْ ) كذلك ، وأثبت الجار تأكيدا للنفي فقال واصفا الجمع المكسر بما هو حقه من التأنيث :( بِالَّتِي ) أي بالأموال والأولاد التي( تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا ) أي على ما لنا من العظمة بتصرفاتكم فيها بما يكسب المعالي( زُلْفى )

١٨٥

أي درجة علية وقربة مكينة قال البغوي : قال الأخفش : هي اسم مصدر كأنه قال : تقريبا ، ثم استثنى من ضمير الجمع الذي هو قائم مقام أحد ، فكأنه قيل : لا تقرب أحدا( إِلَّا مَنْ ) أو يكون المعنى على حذف مضاف ، أي إلا أموال وأولاد من( آمَنَ ) أي منكم( وَعَمِلَ ) تصديقا لإيمانه على ذلك الأساس( صالِحاً ) أي في ماله بإنفاقه في سبيل الله وفي ولده بتعليمه الخير.

ولما منّ على المصلحين من المؤمنين في أموالهم وأولادهم بأن جعلها سببا لمزيد قربهم ، دل على ذلك بالفاء في قوله :( فَأُولئِكَ ) أي العالو الرتبة( لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ ) أي بأن يأخذوا جزاءهم مضاعفا في نفسه من عشرة أمثال إلى ما لا نهاية له ، ومضاعفا بالنسبة إلى جزاء من تقدمهم من الأمم ، والضعف : الزيادة( بِما عَمِلُوا ) فإن أعمالهم ثابتة محفوظة بأساس الإيمان( وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ ) أي العلالي المبنية فوق البيوت في الجنان ، زيادة على ذلك( آمِنُونَ ) أي ثابت أمنهم دائما ، لا خوف عليهم من شيء من الأشياء أصلا ، وأما غيرهم وهم المرادون بما بعده فأموالهم وأولادهم وبال عليهم.

ولما كان في سياق الترغيب في الإيمان بعد الإخبار بأنه بشير ونذير ، قال معبرا بالمضارع بيانا لحال من يبعده ماله وولده من الله :( وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ ) أي يجددون السعي من غير توبة بأموالهم وأولادهم( فِي آياتِنا ) على ما لها من عظمة الانتساب إلينا( مُعاجِزِينَ ) أي طالبين تعجيزها أي تعجيز الآتين بها عن إنفاذ مراداتهم بها بما يلقونه من الشبه فيضلون غيرهم بما أوسعنا عليهم وأعززناهم به من الأموال والأولاد.

ولما كان سبحانه قد بت الحكم بشقاوتهم ، وأنفذ القضاء بخسارتهم ، أسقط فاء السبب إعراضا عن أعمالهم وقال :( أُولئِكَ ) أي البعداء البغضاء( فِي الْعَذابِ ) أي المزيل للعدوية( مُحْضَرُونَ ) أي يحضرهم فيه الموكلون بهم من جندنا على أهون وجه وأسهله وهم داخرون ، قال القشيري : إن هؤلاء هم الذين لا يحترمون الأولياء ولا يراعون حق الله في السر ، فهم في عذاب الاعتراض على أولياء الله وعذاب الوقوع بشؤم ذلك في ارتكاب محارم الله ثم في عذاب السقوط من عين الله.

( قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١) فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (٤٢) )

١٨٦

ولما أبطل شبهتهم بشعبتيها بالنسبة إلى الأشخاص المختلفة ، قرب ذلك بدليل واحد في شخص واحد فقال :( قُلْ ) يا أشرف الخلق لهؤلاء الجهلة الذين يظنون أن الرزق بحسب حسن السعي وقبحه أو حسن حال الشخص عند الله وقبحها :( إِنَّ رَبِّي ) أي المحسن إليّ بهذا البيان المعجز( يَبْسُطُ الرِّزْقَ ) أي متى شاء( لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ) أي على سبيل التجدد المستمر من أيّ طائفة كان( وَيَقْدِرُ لَهُ ) أي يضيق عليه نفسه في حالتين متعاقبتين ، وهو بصفة واحدة على عمل واحد ، فلو أن الإكرام والإنعام يوجب الدوام لما تغيرت حاله من السعة إلى الضيق ، ولو أن في يده نفع نفسه لما اختلف حاله.

ولما بين هذا البسط أن فعله بالاختيار بعد أن بين بالأول كذبهم في أنه سبب للسلامة من النار. دل على أنه الفاعل لا غيره بقوله :( وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ ) أي أنتم وأخصامكم وغيرهم( فَهُوَ يُخْلِفُهُ ) أي لا غيره بدليل أن المنفق قد يجتهد كل الاجتهاد في الإخلاف فلا ينفق ، فدل ذلك على أنه المختص بالإخلاف ، ولأن هذا هو المعنى لا أنه ضمن الإخلاف لكل ما ينفق على أي وجه كان ، قال مجاهد كما نقله الرازي في اللوامع : «إذا كان في يد أحدكم شيء فليقتصد ولا يتأول الآية ، فإن الرزق مقسوم ، وما عال من اقتصد»(١) كما رواه الطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعا ، والمعنى أنه قد دل الإخلاف على جميع الأشكال والأضداد على أن الأمر فيه على غير ما ظننتم من الإسعاف به في وقت موجب للإكرام على الدوام ، وأن ذلك إنما هو لضمانه الرزق لكل أحد بحسب ما قسمه له على ما سبق به علمه وقدرته حكمته ، وتارة يكون إخلافه حسا وبالفعل ، وتارة يكون معنى وبالقوة ، بالترضية بتلك الحالة التي أدت إلى العدم ، قال القشيري : وهو أتم من السرور بالموجود ، ومن ذلك الأنس بالله في الخلوة ، ولا يكون ذلك إلا مع التجريد ـ انتهى. والمنفق بالاقتصاد داخل إن شاء الله تعالى تحت قولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فيما رواه الشيخان : البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال الله تعالى : «أنفق أنفق عليك»(٢) وما روى الشيخان وابن حبان في صحيحه أيضا «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان يقول أحدهما : اللهم أعط منفقا خلفا ، ويقول الآخر : اللهم أعط ممسكا تلفا»(٣) فهو خير الموسعين( وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) أي الذين تعدونهم هذا

__________________

(١) أخرجه أحمد ٤٢٦٩ بترقيم أحمد شاكر والطبراني في الكبير ١٠١١٨ والقضاعي ٧٦٩ و ٧٧٠ من حديث ابن مسعود وفيه إبراهيم الهجري غير قوي.

(٢) أخرجه البخاري ٥٣٥٢ ومسلم ٩٩٣ وأحمد ٢ / ٢٤٢ من حديث أبي هريرة.

(٣) أخرجه البخاري ١٤٤٢ ومسلم ١٠١٠ وأحمد ٢ / ٣٠٦ من حديث أبي هريرة. وفي الباب من حديث أبي الدرداء.

١٨٧

العداد ممن يقيمهم هو سبحانه لكم فتضيفون الرزق إليهم ، فإنهم وسائط لا يقدرون إلا على ما قدرهم ، وأما هو سبحانه فهو يوجد المعدوم ، ويرزق من يطيعه ومن يعصيه ، ولا يضيق ترزيقه بأحد ، ولا يشغله فيه أحد عن أحد ، بل يبعث في كل يوم لكل أحد رزقه في آن واحد كما ينشر عليهم نوره بالشمس في آن واحد من غير توقيف لذلك على شيء من الأشياء غير ما سبق به العلم في الأزل.

ولما أبطل شبهتهم فعلم بذلك أن الأمر كله له ، وأنهم في محل الخطر ، وكان قد بقي من شبههم أنهم يقولون : نحن نعبد الملائكة فهم يشفعون لنا ، وكان الأنبياءعليهم‌السلام لا ينكرون أن الملائكة مقربون أبطل ما يتعلقون به منهم ، وبين أنه لا أمر لهم وأنهم بريئون منهم ، فقال عاطفا على( إِذِ الظَّالِمُونَ ) :( وَيَوْمَ ) نحشرهم أي نجمعهم جمعا بكره بعد البعث ، وعم التابع والمتبوع بقوله :( جَمِيعاً ) .

ولما كانت مواقف الحشر طويلة وزلازله مهولة قال :( ثُمَ ) نقول( لِلْمَلائِكَةِ ) أي توبيخا للمشركين وإقناطا مما يرجون منهم من الشفاعة. ولما كانت العبادة لا تنفع إلا إذا كان المعبود راضيا بها وكانت خالصة ، قال مبكتا للمشركين وموبخا ليكون هناك سؤال وجواب فيكون التقريع أشد والخجل به أعظم ، والخوف والهوان أتم وألزم ويكون اقتصاص ذلك عظة للسامعين ، وزجرا للجاهلين ، وتنبيها للغافلين ، على طريق( أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ ) [المائدة : ١١٦] الآيات :( أَهؤُلاءِ ) أي الضالون ؛ وأشار إلى أنه لا ينفع من العبادة إلا ما كان خالصا فقال :( إِيَّاكُمْ ) أي خاصة( كانُوا يَعْبُدُونَ ) بأفعالهم الاختيارية والقسرية ليعلم أنهم عبيد لكم تستحقون عبادتهم ، وفي التعبير بما يدل على الاختصاص تنبيه لقريش على أنه لا يعتد من العبادة إلا بالخالص( قالُوا ) أي الملائكة متبرئين منهم مفتتحين بالتنزيه تخضعا بين يدي البراءة خوفا من حلول السطوة( سُبْحانَكَ ) أي ننزهك تنزيها يليق بجلالك عن أن يستحق أحد غيرك أن يعبد.

ولما كانوا كارهين جدا لعبادتهم ، وكانت فائدة العبادة الوصلة بين العابد والمعبود قالوا :( أَنْتَ وَلِيُّنا ) أي معبودنا الذي لا وصلة بيننا وبين أحد إلا بأمره( مِنْ دُونِهِمْ ) أي من أقرب منزلة لك من منازلهم منا ، فأنت أقرب شيء إلينا في كل معاني الولاية من العلم والقدرة وغيرهما ، فكيف نترك الأقرب الأقوى ونتولى الأبعد العاجز ، ليس بيننا وبينهم من ولاية ، بل عداوة ، وكذا كل من تقرب إلى شخص بمعصية الله يقسي الله قلبه عليه ويبغضه فيه فيجافيه ويعاديه.

ولما كان من يعمل لأحد عملا لم يأمر به ولم يرضه إنما عمل في الحقيقة للذي

١٨٨

دعاه إلى ذلك العمل قالوا :( بَلْ كانُوا ) بأفعالهم الاختيارية الموجبة للشرك( يَعْبُدُونَ الْجِنَ ) أي إبليس وذريته الذين زينوا لهم عبادتنا من غير رضانا بذلك ، وكانوا يدخلون في أجواف الأصنام ويخاطبونهم ويستجيرون بهم في الأماكن المخوفة ، ومن هذا تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد القطيفة ؛ ثم استأنفوا قولهم :( أَكْثَرُهُمْ ) أي الإنس( بِهِمْ ) أي الجن( مُؤْمِنُونَ ) أي راسخون في الإشراك لا يقصدون بعبادتهم غيرهم ، وقليل منهم من يقصد بعبادته بتزيين الجن غيرهم وهو غير راض بها ، فهي في الحقيقة لمن زينها لهم من الجن ، وهم مع ذلك يصدقون ما يرد عليهم من إخبارات الجن على ألسنة الكهان وغيرهم مع ما يرون فيها من الكذب في كثير من الأوقات.

ولما بطلت تمسكاتهم ، وتقطعت تعلقاتهم ، تسبب عن ذلك تقريعهم الناشىء عنه تنديمهم بقوله بلسان العظمة :( فَالْيَوْمَ ) أي يوم مخاطبتهم بهذا التبكيت وهو يوم الحشر( لا يَمْلِكُ ) أي شيئا من الملك( بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ ) أي من المقربين والمبعدين. ولما كان المدار على الخلاص والسياق للشفاعة ، قدم النفع فقال :( نَفْعاً ) وأكمل الأمر بقوله :( وَلا ضَرًّا ) تحقيقا لقطع جميع الأسباب التي كانت في دار التكليف من دار الجزاء التي المقصود فيها تمام إظهار العظمة لله وحده على أتم الوجوه.

ولما كان المعنى : فاليوم نسلب الخلائق ما كنا مكناهم منه في الدنيا من التنافع والتضارر. وتلاشى بذلك كل شيء سواه ، أثبت لنفسه المقدس ما ينبغي ، فقال عاطفا على هذا الذي قدرته :( وَنَقُولُ ) أي في ذلك الحال من غير إمهال ولا إهمال( لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ) أي بوضع العبادة في غير موضعها ولا سيما من ضم إلى ذلك إنكار المعاد عند إدخالنا لهم النار :( ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ ) ولما لم يتقدم للعذاب وصف بترديد ـ كما تقدم في السجدة ـ ولا غيره ، كان المضاف إليه أحق بالوصف لأنه المصوب إليه بالتكذيب فقال :( الَّتِي كُنْتُمْ ) أي جبلة وطبعا( بِها تُكَذِّبُونَ ) .

( وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ وَقالُوا ما هذا إِلاَّ إِفْكٌ مُفْتَرىً وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٤٣) وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤) وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٤٥) )

ولما أخبر أنهم أبوا الإيمان بالقرآن ، المخبر بالغيب من أمر الرحمن الذي هدت إليه العقول ، وشاهدت آثاره العيون ، في هذا الكلام المعجز ، فتظافرت على ما أخبرت به أدلة السمع والبصر والعقل ، وختم بأنهم آمنوا بالجن غيبا وعبدوهم من دون الله بما

١٨٩

لم يدع إليه عقل ولا نقل ، وصدقوهم من الإخبار بما إن صدقوا في شيء منه خلطوا معه أكثر من مائة كذبة ، وسلب أعظم من ادعوا أنهم استندوا إليه النفع والضر ، وأسند تعذيبهم إلى تكذيبهم ، أتبعه الإخبار بأنهم لازموا الإصرار على ذلك الكفر والتكذيب بما كله صدق وحكم فقال :( وَإِذا تُتْلى ) أي في وقت من الأوقات من أيّ تال كان( عَلَيْهِمْ ) أي خاصة لم يشركهم غيرهم ليقولوا : إنه المقصود بالتلاوة ، فلا يلزمهم الاستماع( آياتُنا ) حال كونها( بَيِّناتٍ ) ما قالت شيئا إلا ظهرت حقيته( قالُوا ) أي على الفور من غير تأمل لما حملهم على ذلك من حظ النفس.

ولما كان المستكبرون يرون ما للرسالة من الظهور ، وللرسول من القبول ، وأن أتباعهم قد ظهر لهم ذلك ، فمالوا إليه بكلياتهم ، أكده قولهم : ما هذا أي التالي لها على ما فيه من السمت المعلم بأنه أصدق الخلق وأعلاهم همة وأبينهم نصيحة( إِلَّا رَجُلٌ ) أي مع كونه واحدا هو مثل واحد من رجالكم ، وتزيدون عليه أنتم بالكثرة ، ولم يسندوا الفعل إليهم نفيا للغرض عن أنفسهم وإلهابا للمخاطبين فقالوا :( يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ ) أي بهذا الذي يتلوه( عَمَّا كانَ ) دائما( يَعْبُدُ آباؤُكُمْ ) أي لا قصد له إلا ذلك لتكونوا له أتباعا ، وألهبوا السامعين بتصوير آبائهم بذكر «كان» والفعل المضارع ملازمين للعبادة ليثبتوا على كفرهم بما لا دليل عليه ولا شبهة ولا داع سوى التقليد.

ولما كانت أدلة الكتاب واضحة ، خافوا عاقبتها في قبول الاتباع لها ، فجزموا بأنها كذب ليوقفوهم بذلك ، فحكى ذلك عنهم سبحانه بقوله :( وَقالُوا ما هذا ) أي القرآن( إِلَّا إِفْكٌ ) أي كذب مصروف عن وجهه( مُفْتَرىً ) أي متعمد ما فيه من الصرف.

ولما كان فيه ما لا يشك أحد في حقيته ، لبسوا عليهم بأنه خيال يوشك أن ينكشف إيقافا لهم إلى وقت ما ، فقال تعالى إخبارا عنهم :( وَقالَ ) ولما كان الحق قد يخفى ، ولم يقيده بالبيان كما فعل في الآيات ، أظهر موضع الإضمار بيانا للوصف الحامل لهم على ذلك القول وهو التدليس ، فقال :( الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي ستروا ما دلت عليه العقول من حقية القرآن( لِلْحَقِ ) أي الذي لا أثبت منه باعتبار كمال الحقية فيه( لَمَّا جاءَهُمْ ) أي من غير أن يمهلوا النظر ولا تدبر ليقال إن الداعي لهم إلى ما قالوا نوع شبهة عرضت لهم ، بل أظهروا بالمسارعة إلى الطعن أنه مما لا يتوقف فيه ، وأكدوا لما تقدم من خوفهم على أتباعهم ليخيلوهم فقالوا :( أَنْ ) أي ما( هذا ) أي الثابت الذي لا يكون شيء أثبت منه( إِلَّا سِحْرٌ ) أي خيال لا حقيقة له( مُبِينٌ ) أي ظاهر العوار جدا ، فهو ينادي على نفسه بذلك ، فلا تغتروا بما فيه مما تميل النفوس ويؤثر في القلوب ، ولقد انصدّ لعمري بهذا التلبيس ـ مع أن في نسبتهم له إلى السحر الاعتراف

١٩٠

بالعجز ـ بشر كثير برهة من الدهر حتى هدى الله بعضهم ، وتمادى بالآخرين الأمر حتى ماتوا على ضلالهم ، مع أنه كان ينبغي لكل من رأى مبادرتهم وتحرقهم أن يعرف أنهم متغرضون ، لم يحملهم على ذلك إلا الحظوظ النفسانية ، والعلق الشهوانية ، قال الطفيل ابن عمرو الدوسي ذو النور رضي الله عنه : لقد أكثروا عليّ في أمره حتى حشوت في أذنيّ الكرسف خوفا من أن يخلص إليّ شيء من كلامه فيفتنني ، ثم أراد الله بي الخير فقلت : واثكل أمي إني والله لبيب عاقل شاعر ، ولي معرفة بتمييز غث الكلام من سمينه ، فما لي لا أسمع منه ، فإن كان حقا تبعته ، وإن كان باطلا كنت منه على بصيرة ـ أو كما قال ، قال : فقصدت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقلت : اعرض عليّ ما جئت به ، فلما عرضه عليّ بأبي هو وأمي ما سمعت قولا قط أحسن منه ، ولا أمرا أعدل منه ، فما توقفت في أن أسلمت ، ثم سأل النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يدعو الله له أن يعطيه آية تعينه على قومه ، فلما أشرف على حاضر قومه كان له نور في جبهته ، فخشي أن يظنوا أنها مثلة ، فدعا بتحويله ، فتحول في طرف سوطه ، فأعانه الله على قومه فأسلموا.

ولما بارزوا بهذا القول من غير أثارة من علم ولا خبر من سمع ، بين ذلك معجبا من شأنهم ، موضحا لعنادهم ، بقوله مؤكدا إشارة إلى أن ما يجترئون عليه من الأقوال التي لا سند لها إلا التقليد لا يكون إلا عن كتاب أو رسول :( وَما ) أي قالوا ذلك والحال أنا ما( آتَيْناهُمْ ) أي هؤلاء العرب أصلا لأنه لم ينزل عليهم قط قبل القرآن كتاب ، وعبر بمظهر العظمة إشارة إلى أن هذا مقام خطر وموطن وعر جدا لأنه أصل الدين ، فلا يقنع فيه إلا بأمر عظيم ، وأكد هذا المعنى بقوله :( مِنْ كُتُبٍ ) بصيغة الجمع مع تأكيد النفي بالجار قبل كتابك الجامع( يَدْرُسُونَها ) أي يجددون دراستها في كل حين ، فهي متظاهرة الدلالة باجتماعها على معنى واحد متواترة عندهم لا شبهة في أمرها ليكون ذلك سببا للطعن في القرآن إذا خالف تلك الكتب( وَما أَرْسَلْنا ) أي إرسالا لا شبهة فيه لمناسبته لما لنا من العظمة( إِلَيْهِمْ ) أي خاصة ، بمعنى أن ذلك الرسول مأمور بهم بأعيانهم ، فهم مقصودون بالذات ، لا أنهم داخلون في عموم ، أو مقصودون من باب الأمر بالمعروف في جميع الزمان الذي( قَبْلَكَ ) أي من قبل رسالتك الجامعة لكل رسالة ليخرج إبراهيم وإسماعيلعليهما‌السلام فإنهما كانا في بعض الزمان الماضي ، أو أن المراد في الفترة بعد عيسىعليه‌السلام كما تقدم في السجدة نقله عن ابن عباس ومقاتل ، ويجوز أن يراد بعد إسماعيلعليه‌السلام لأن عيسىعليه‌السلام ـ وإن أرسل إلى العرب رسله ـ لم يكن مرسلا إلا إلى قومه ، وإرساله إلى غيرهم إنما هو من باب الأمر بالمعروف ، وشعيبعليه‌السلام إنما كانت رسالته إلى طائفة أو اثنتين منهم وقد

١٩١

يقال : الذي يدل عليه استغراق جميع الزمان الماضي بالتجريد عن الخافض أن المراد إنما هو نفي الإرسال بهذا الباطل الذي إدعوه لا مطلق الإرسال ، وأكد النفي بقوله :( مِنْ نَذِيرٍ ) أي ليكون عندهم قول منه يغبر في وجه القرآن ، فيكون حاملا لهم على الطعن.

ولما نفى موجب الطعن ، ذكر المانع الموجب للإذعان فقال :( وَكَذَّبَ ) أي فعلوا ما فعلوا ، الحال أنه قد كذب( الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) أي من قوم نوح ومن بعدهم بادروا إلى ما بادر إليه هؤلاء ، لأن التكذيب كان في طباعهم لما عندهم من الجلافة والكبر( وَما بَلَغُوا ) أي هؤلاء( مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ ) أي عشرا صغيرا مما آتينا أولئك من القوة في الأبدان والأموال والمكنة في كل شيء من العقول وطول الأعمار والخلو من الشواغل( فَكَذَّبُوا ) أي بسبب ما طبعوا عليه من العناد ، وأفرد الضمير كما هو حقه ونصا على أن النون فيما مضى للعظمة لا للجمع دفعا لتعنت متعنت فقال :( رُسُلِي ) .

ولما كان اجتراؤهم على الرسل سبب إهلاكهم على أوجه عجيبة ، صارت مثلا مضروبا باقيا ذكره إلى يوم القيامة ولم يغن عنهم في دفع النقم ما بسط لهم من النعم ، كان موضع أن يقال لرائيه أو لسامعه :( فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ) أي فيما كان له من الشدة التي هي كالجبلة أي إنكاري على المكذبين لرسلي ، ليكون السؤال تنبيها لهذا المسؤول وداعيا له إلى الإذعان خوفا من أن يحل به ما حل بهم إن فعل مثل فعلهم سواء كان الإنكار في أدنى الوجوه كما أوقعناه سببا من تعطيل الأسباب ، أو أعلاها كما أنزلناه بقوم نوحعليه‌السلام ومن شاكلهم وصب العذاب والاستئصال الوحيّ بالمصاب على ما أشارت إليه قراءتا حذف الياء وإثباتها.

( قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ (٤٦) قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٤٧) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (٤٨) قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ (٤٩) )

ولما أبطل شبههم كلها ، وليّن من عريكتهم بالتنبيه على التحذير ، فصاروا جديرين بقبول الوعظ ، وكان مما رموه به ـ وحاشاه ـ الجنون وتعمد الكذب ، أمره بالإقبال عليهم به مخففا له لئلا ينفروا من طوله فقال :( قُلْ ) وأكده زيادة في استجلابهم إلى الإقبال عليه فقال :( إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ ) أي فاسمعوا ولا تنفروا خوفا من أن أملّكم ؛ ثم استأنف قوله بيانا لها :( أَنْ تَقُومُوا ) أي توجهوا نفوسكم إلى تعرف الحق ، وعبر بالقيام

١٩٢

إشارة إلى الاجتهاد( لِلَّهِ ) أي الذي لا أعظم منه على وجه الإخلاص واستحضار ما له من العظمة بما له لديكم من الإحسان لا لإرادة المغالبة حال كونكم( مَثْنى ) أي اثنين اثنين ، وقدمه إشارة إلى أن أغلب الناس ناقص العقل( وَفُرادى ) أي واحدا واحدا ، من وثق بنفسه في رصانة عقله وأصالة رأيه قام وحده ليكون أصفى لسره ، وأعون على خلوص فكره ، ومن خاف عليها ضم إليه آخر ليذكره إن نسي. ويقومه إن زاغ. ولما كان هذا القسم أكثر وجودا في الناس قدمه ولم يذكر غيرهما من الأقسام ، إشارة إلى أنهم إذا كانوا على هاتين الحالتين كان أجدر لهم بأن يعرفوا الحق من غير شائبة حظ مما يكون في الجمع الكثير من الجدال واللفظ المانع من تهذيب الرأي وتثقيف الفكر وتنقية المعاني.

ولما كان ما طلب منهم هذا لأجله عظيما جديرا بأن يهتم له هذا الاهتمام ، أشار إليه بأداة التراخي فقال :( ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ) أي تجتهدوا بعد التأني وطول التروي في الفكر فيما وسمتم به صاحبكم من أمر الجنون. ولما كان بعدهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من هذا آمرا لا يتمارى فيه ، أستأنف قوله معينا بالتعبير بالصاحب مؤكدا تكذيبا لهم وتنبيها على ظهور مضمون هذا النفي :( ما بِصاحِبِكُمْ ) أي الذي دعاكم إلى الله وقد بلوتموه صغيرا ويافعا وشابا وكهلا ، وأعرق في النفي بقوله :( مِنْ جِنَّةٍ ) وخصها لأنها مما يمكن طروءه ، ولم يعرّج على الكذب لأنه مما لا يمكن فيمن عاش بين أناس عمرا طويلا ودهرا دهيرا يصبحهم ليلا ونهارا صباحا ومساء سرا وعلنا في السراء والضراء ، وهو أعلاهم همة وأوفاهم مروءة ، وأزكاهم خلائق وأظهرهم شمائل ، وأبعدهم عن الأدناس ساحة في مطلق الكذب ، فكيف بما يخالف أهواءهم فكيف بما ينسب إلى الله فكيف وكلامه الذي ينسب فيه إلى الكذب معجز بما فيه من الحكم والأحكام ، والبلاغة والمعاني التي أعيت الأفهام.

ولما ثبت بهذا إعلاما وإفهاما براءته مما قذفوه به كله ، حصر أمره في النصيحة من الهلاك ، فقال منبها على أن هذا الذي أتاهم به لا يدعيه إلا أحد رجلين : إما مجنون أو صادق هو أكمل الرجال ، وقد انتفى الأول فثبت الثاني :( أَنْ ) أي ما( هُوَ ) أي المحدث عنه بعينه( إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ ) أي خاصا إنذاره وقصده الخلاص بكم ، وهول أمر العذاب بتصويره صورة من له آلة بطش محيطة بمن تقصده فقال :( بَيْنَ يَدَيْ ) أي قبل حلول( عَذابٍ شَدِيدٍ ) قاهر لا خلاص منه ، إن لم ترجعوا إليه حل بكم سريعا ، روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : صعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم الصفا ذات يوم فقال : يا صباحاه! فاجتمعت إليه قريش فقالوا : ما لك ، فقال : أرأيتم لو أخبرتكم أن

١٩٣

العدو يصبحكم أو يمسيكم أما كنتم تصدقوني؟ قالوا : بلى ، فقال : إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ، فقال أبو لهب : تبا لك ، ألهذا جمعتنا؟ فأنزل اللهعزوجل ( تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَ ) (١) .

ولما انتفى عنه بهذا ما خيلوا به ، بقي إمكان أن يكون لغرض أمر دنيوي فنفاه بأمره بقوله :( قُلْ ) أي للكفرة :( ما ) أي مهما( سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ ) أي على دعائي لكم( فَهُوَ لَكُمْ ) لا أريد منه شيئا ، وهو كناية عن أني لا أسألكم على دعائي لكم إلى الله أجرا أصلا بوجه من الوجوه ، فإذا ثبت أن الدعاء ليس لغرض دنيوي ، وأن الداعي أرجح الناس عقلا ، ثبت أن الذي حمله على تعريض نفسه لتلك الأخطار العظيمة إنما هو أمر الله الذي له الأمر كله. ولما كانوا يظنون به في بعض ظنونهم أنه يريد أمرا دنيويا ، أكد قوله :( إِنْ ) أي ما( أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ ) أي الذي لا أعظم منه ، فلا ينبغي لذي همة أن يبتغي شيئا إلا من عنده( وَهُوَ ) أي والحال أنه( عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) أي بالغ العلم بأحواله ، فهو جدير بأن يهلك الظالم ويعلي كعب المطيع.

ولما لم يبق شيء يخدش في أمر المبلغ ، أتبعه تصحيح النقل جوابا لمن كأنه يقول : برئت ساحتك ، فمن لنا بصحة مضامين ما تخبر؟ فقال مؤكدا لإنكارهم أن يكون ما يأتي به حق معيدا الأمر بالقول ، إشارة إلى أن كل كلام صدر دليل كاف مستقل بالدلالة على ما سبق له :( قُلْ ) لمن أنكر التوحيد والرسالة والحشر معبرا بما يقتضي العناية الموجبة لنصره على كل معاند :( إِنَّ رَبِّي ) أي المحسن إليّ بأنواع الإحسان ، المبيض لوجهي عند الامتحان( يَقْذِفُ بِالْحَقِ ) أي يرمي به في إثبات جميع ذلك وغيره مما يريد رميا وحيا جدا لأنه غني عن تدبر أو تروّ أو تفكر في تصحيح المعنى أو إصلاح اللوازم لأنه علام الغيوب ، فيفضح من يريد إطفاء نوره فضيحة شديدة ، ويرهق باطله كما فعل فيما وسمتموني به وفي التوحيد وغيره لا كما فعلتم أنتم في مبادرتكم إلى نصر الشرك وإلى ما وصفتموني به ووصفتم ما جئت به ، فلزمكم على ذلك أمور شنيعة منها الكذب الصريح ، ولم تقدروا أن تأتوا في أمري ولا في شيء من ذلك بشيء يقبله ذو عقل أصلا.

ولما وصفه بنهاية العلم ، أتبعه بعض آثاره فقال :( قُلْ جاءَ الْحَقُ ) أي الأمر الثابت الذي لا يقدر شيء أن يزيله ؛ وأكد تكذيبا لهم في ظنهم أنهم يغلبون فقال :

__________________

(١) أخرجه البخاري ٤٩٧١ ومسلم ٢٠٨ وابن حبان ٦٥٥٠ والبيهقي في الدلائل ٣ / ١٨١ و ١٨٢ من حديث ابن عباس.

١٩٤

( وَما ) أي والحال أنه ما( يُبْدِئُ الْباطِلُ ) أي الذي أنتم عليه وغيره في كل حال حصل فيه تفريعه على مر الأيام( وَما يُعِيدُ ) بل هو كالجماد لا حركة به أصلا ، لأنه مهما نطق به صاحبه في أمره بعد هذا البيان افتضح ، فإن لم ترجعوا عنه طوعا رجعتم وأنتم صغرة كرها ، والحاصل أن هذا كناية عن هلاكه بما يهز النفس ويرفض الفكر بتمثيله بمن انقطعت حركته ، وذهبت قوته ، حتى لا يرجى بوجه.

( قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠) وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٥١) وَقالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٥٢) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٥٣) )

ولما لم يبق بعد هذا إلا أن يقولوا عنادا : أنت ضال ، ليس بك جنون ولا كذب ، ولكنك قد عرض لك ما أضلك عن المحجة ، قال :( قُلْ ) أي لهؤلاء المعاندين على سبيل الاستعطاف بما في قولك من الانصاف وتعليم الأدب :( إِنْ ضَلَلْتُ ) أي عن الطريق على سبيل الفرض( فَإِنَّما أَضِلُ ) ولما كان الله تعالى قد جعل العقل عقلا يمنع من الخطأ وينهى عن الهوى ، وكان الغلط لا يأتي إلا من شواغل النفس بشهواتها وحظوظها ، فكان التقدير : بما في نفسي من الشواغل العاقلة للعقل ، قال مشيرا إلى ذلك :( عَلى نَفْسِي ) أي لأن الضلال إذا استعلى على شيء ظهر أمره فيتبين عواره فيلزم عاره ، ويصير صاحبه بحيث لا يدري شيئا ينفع ولا يعيد ، ولذلك يصير يفزع إلى السفه والمشاتمة كما وقع في مذاهبكم كلها ، لأن الله تعالى جعل العقول الصحيحة معيارا على ذلك ، فمهما ذكرت طرق الحق وحررت ظهر أمر الباطل وافتضح. ولما كانت النفس منقادة بل مترامية نحو الباطل ، عبر في الضلال بالمجرد ، وفي الهدى بالافتعال إشارة إلى أنه لا بد فيه من هاد وعلاج ، وعبر بأداة الشك استعمالا للانصاف فقال :( وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما ) أي فاهتدائي إنما هو بما( يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي ) أي المحسن إليّ لا بغيره ؛ فلا يمكن فيه ضلال لأنه لا حظ فيه للنفس أصلا ، فلا يقدر أحد على شيء من طعن في شيء منه ، وهداي لنفسي ، فالآية ظاهرها التنزل منه وباطنها إرشادهم إلى تسديدهم النظر وتقويمه وتهذيب الفكر وتثقيفه ، وهي من الاحتباك : حذف أولا كون الضلال من نفسه بما دل عليه ثانيا من أن الهدى من الوحي ، وثانيا كون الهدى له بما دل عليه من كون الضلال عليه ، ثم علل الضلال والهدى بقوله :( إِنَّهُ ) أي ربي( سَمِيعٌ قَرِيبٌ ) أي لا يغيب عنه شيء من حال من يكذب عليه ، فهو جدير بأن يفضحه كما فضحكم في جميع ما تدعونه ولا يبعد عليه شيء ليحتاج في إدراكه إلى تأخير لقطع مسافة أو

١٩٥

نحوها ، بل هو مدرك لكل ما أراد كلما أراد ، والآية إرشاد من الله تعالى إلى أنه وإن كان خلق للآدمي عقلا لا يضل ولا يزيغ ، لكنه حفه بقواطع من الشهوات والحظوظ والكسل والفتور فلا يكاد يسلم منها إلا من عصمه الله ، فلما كان كذلك أنزل سبحانه كتبا هي العقل الخالص ، وأرسل رسلا جردهم من تلك القواطع ، فجعل أخلاقهم شرائعهم ، فعلى كل أحد أن يتبع رسله المتخلفين بكتبه متهما عقله منابذا رأيه كما كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، ليكون مؤمنا بالغيب حق الإيمان فيدخل في قوله تعالى في سورة فاطر( إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ ) [فاطر : ١٨] ولا يكون متناوشا بعد كشف الغطاء من مكان بعيد.

ولما أبطل شبههم وختم من صفاته بما يقتضي البطش بمن خالفه ، قال عاطفا على( وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ ) :( وَلَوْ تَرى ) أي تكون منك رؤية( إِذْ فَزِعُوا ) أي يفزعون بأخذنا في الدنيا والآخرة ، ولكنه عبر بالماضي وكذا في الأفعال الآتية بعد هذا لأن ما الله فاعله في المستقبل بمنزلة ما قد كان ووجد لتحققه( فَلا ) أي فتسبب عن ذلك الفزع أنه لا( فَوْتَ ) أي لهم منا لأنهم في قبضتنا ، لرأيت أمرا مهولا وشأنا فظيعا ، وحقر أمرهم بالبناء للمفعول فقال :( وَأُخِذُوا ) أي عند الفزع من كل من نأمره بأخذهم سواء كان قبل الموت أو بعده. ولما كان القرب يسهل أخذ ما يراد أخذه قال :( مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ ) أي أخذا لا شيء أسهل منه فإن الآخذ سبحانه قادر وليس بينه وبين شيء مسافة ، بل هو أقرب إليه من نفسه( وَقالُوا ) أي عند الأخذ ومعاينة الثواب والعقاب :( آمَنَّا بِهِ ) أي الذي أريد منا الإيمان به وأبيناه ، والأقرب أن يكون القرآن الذي قالوا إنه إفك مفترى( وَأَنَّى ) أي وكيف ومن أين( لَهُمُ التَّناوُشُ ) أي تناول الإيمان أو شيء من ثمراته ، وكأنه عبر به لأنه يطلق على الرجوع ، فكان المعنى أن ذلك بعد عليهم من جهة أنه لا يمكن إلا برجوعهم إلى الدنيا التي هي دار العمل ، وأنى لهم ذلك؟ وهو تمثيل لحالهم ـ في طلبهم أن ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت كما نفع المؤمنين إيمانهم في الدنيا ـ بحال من يريد أن يتناول شيئا من علوه كما يتناوله الآخر من قدر ذراع تناولا سهلا ، لا نصب فيه ، ومده أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم لهمزهم إياه فقيل : إن الهمز على الواو المضمومة كما همزت في وجوه ووقتت فيكون لفظه موافقا لمعناه ، والصحيح أنه ليس من هذا ، لأن شرط همز الواو المضمومة ضمة لازمة أن لا يكون مدغما فيها إذا كانت وسطا كالتعود ، وأن لا يصح في الفعل نحو تناول وتعاون ، وقد حكى عن أبي عمرو أن معناه بالهمز التناول من بعد ، من قولهم نأش ـ بالهمز ـ إذا أبطأ وتأخر ، والنيش حركة في إبطاء ، والنأش أيضا : الأخذ ، فيكون الهمز أصليا ، وقرأه

١٩٦

الباقون بالواو مثل التناول لفظا ومعنى ، فقراءة الواو المحضة تشير إلى أنهم يريدون تناولا سهلا مع بعد المتناول في المكان ، وقراءة الهمز إلى أن إرادتهم تأخرت وأبطأت حتى فات وقتها ، فجمعت إلى بعد المكان بعد الزمان.

ولما كان البعيد لا يمكن الإنسان تناوله مع بعده قال :( مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ ) فإنه بعد كشف الغطاء عند مجيء البأس لا ينفع الإيمان( وَقَدْ ) أي كيف لهم ذلك والحال أنهم قد( كَفَرُوا بِهِ ) أي بالذي طلب منهم أن يؤمنوا به أملا وجزاء( مِنْ قَبْلُ ) أي في دار العمل( وَ ) الحال أنهم حين كفرهم( يَقْذِفُونَ ) في أمر ما دعوا إليه بما يرمون به من الكلام رميا سريعا جدا من غير تمهل ولا تدبر( بِالْغَيْبِ ) أي من مرجمات الظنون ، وهي الشبهة التي تقدم إبطالها في هذه السورة وغيرها من استبعادهم البعث وغيره مما أخبر الله به.

ولما كان الشيء لا يمكن أن يصيب ما يقذفه وهو غائب عنه ولا سيما مع البعد قال معلما ببعدهم عن علم ما يقولون مع بعده جدا من حال من تكلموا فيه سواء كان القرآن أو النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أو الحشر والجنة والنار :( مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ ) وذلك على الضد من قذف علام الغيوب فإنه من مكان قريب فهو معلوم لازم للحق.

( وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (٥٤) )

ولما أشار إلى بعد الإيمان منهم عند إرادتهم تناوله عند فوات أمره وعلوه عنهم عند طعنهم فيه في دار العمل ، ترجم حالتيهم في ذلك على وجه يعم ثمرات الإيمان من دخول الجنان ورضى الرحمن بقوله :( وَحِيلَ ) معبرا بصيغة المجهول مشيرا إلى أن حصول الحيلولة بأسهل ما يكون ولأن المنكي لهم نفس الحيلولة لا كونها من شخص معين :( بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ ) أي يميلون إليه ميلا عظيما من تأثير طعنهم وقبول إيمانهم عند رؤية ، البأس ومن حصول شيء من ثمراته لهم من حسن الثواب كما يرى الإنسان منهم ـ وهو في غمرات النار ـ مقعده في الجنة ، الذي كان يكون له لو آمن ولا يقدر على الوصول إليه بوجه ، وإن خيل إليه الوصول فقصده فمنع منه كان أنكى( كَما فُعِلَ ) أي بأيسر وجه( بِأَشْياعِهِمْ ) أي الذين كفروا مثلهم( مِنْ قَبْلُ ) أي قبل زمانهم فإن حالهم كان كحالهم في الكفران والإيمان ، والسعادة والخسران ، ولم يختل أمرنا في أمة من الأمم ، بل كان كلما كذبت أمة رسولها أخذناها ، فإذا أذقناهم بأسنا أذعنوا وخضعوا ، فلم نقبل منهم ذلك ، ولا نفعهم شيئا لا بالكف عن إهلاكهم ولا بإدراكهم

١٩٧

لشيء من الخير بعد إهلاكهم( إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ) [ق : ٣٧]. ثم علل عدم الوصول إلى قصد في كل من الحالتين بقوله مؤكدا لإنكارهم أن يكون عندهم شيء من شك في شيء من أمرهم :( إِنَّهُمْ كانُوا ) أي في دار القبول كونا هو كالجبلة لهم( فِي شَكٍ ) أي من جميع ما يخبرهم به رسلنا عنا من الجزاء أو غير ذلك( مُرِيبٍ ) أي موقع في الريبة ، فهو بليغ في بابه كما يقال : عجب عجيب ، أو هو واقع في الريب كما يقال : شعر شاعر ، أي ـ ذو شعر ، فكيف يقبلون أو ينفذ طعنهم أو تحصل لهم تمرة طيبة وهم على غير بصيرة في شيء من أمرهم بل كانوا يشكون في قدرتنا وعظمتنا ، فاللائق بالحكمة أن نبين لهم العظمة بالعذاب لهم والثواب لأحبابنا الذين عادوهم فينا فتبين أنهم يؤمنون به عند ظهور الحمد أتم ظهور إما في الآخرة أو في مقدماتها ، فظهر سر الإفصاح بقوله «وله الحمد في الآخرة» وأنه حال سبحانه بينهم وبين ما يريدون فتبين أنه مالك كل شيء فصح أن له الحمد في الأولى وفي كل حالة ـ وقد تعانق آخرها مع أولها ، والتحم مقطعها بموصلها ـ والله سبحانه وتعالى هو المستعان وإليه المرجع والمآب.

١٩٨

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة فاطر

مكية ـ آياتها خمس وأربعون

وتسمى الملائكة

( الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢) يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣) )

هي ختام السور المفتتحة باسم الحمد ، التي تقدم عن الشيخ سعد الدين التفتازاني أنه فصلت فيها النعم الأربع التي هي أمهات النعم المجموعة في الفاتحة ، وهي الإيجاد الأول ، ثم الإبقاء الأول ، ثم الإيجاد الثاني المشار إليه بسورة سبأ ، ثم الإبقاء الثاني الذي هو أنهاها وأحكمها ، وهو الختام المشار إليه بهذه السورة المفتتحة بالابتداء الدال عليه بأنهى القدرة وأحكمها ، المفصل أمره فيها في فريقي السعادة والشقاوة تفصيلا شافيا على أنه استوفى في هذه السورة النعم الأربع كما يأتي بيانه في محالّه ، فمقصودها إثبات القدرة الكاملة لله تعالى اللازم منها تمام القدرة على البعث الذي عنه يكون أتم الإبقاءين الإبقاء بالفعل دائما أبدا بلا انقطاع ولا زوال ولا اندفاع في دار المقامة التي أذهب عنها الحزن والنصب واللغوب ، ودار الشقاوة الجامعة لجميع الأنكاد والهموم ، ولاسم السورة أتم مناسبة لمقصودها لأنه لا شيء يعدل ما في الجنة من تجدد الخلق فإنه لا يؤكل منها شيء إلا عاد كما كان في الحال ، ولا يراد شيء إلا وجد في أسرع وقت ، فهي دار الإبداع والاختراع بالحقيقة وكذا النار( كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها ) [النساء : ٥٦] ؛ وكذا تسميتها بالملائكة فإنهم يبدعون خلقا جديدا كل واحد منهم على صورته التي أراد الله كونه عليها ، لا يزاد فيها ولا ينقص ، كلما أراد الله ذلك من غير سبب أصلا غير إرادته المطابقة لقدرته سبحانه وعز شأنه ، وهم من الكثرة على وجه لا يحاط به( وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ) [المدثر : ٣١]( بِسْمِ اللهِ ) الذي أحاط

١٩٩

دائرة قدرته بالممكنات( الرَّحْمنِ ) الذي أتم بالبعث عموم الرحمة( الرَّحِيمِ ) الذي شرف أهل الكرامة بدوام الإقامة في دار المقامة.

ولما أثبت سبحانه في التي قبلها الحشر الذي هو الإيجاد الثاني ، ودل عليه بجزئيات من القدرة على أشياء في الكون ، إلى أن ختم بأخذ الكفار أخذا اضطرهم إلى الإيمان بظهور الحمد لهم أتم ظهور ، وبالحيلولة بينهم وبين جميع ما يشتهون كما كانوا متعوا في الدنيا بأغلب ما يشتهون من كثرة الأموال والأولاد ، وما مع ذلك من الراحة من أكثر الأنكاد ، وكان الحمد يكون بالمنع والإعدام ، كما يكون بالإعطاء والإنعام ، قال تعالى ما هو نتيجة ذلك :( الْحَمْدُ ) أي الإحاطة بأوصاف الكمال إعداما وإيجادا( لِلَّهِ ) أي وحده.

ولما كان الإيجاد من العدم أدل دليل على ذلك ، قال دالّا على استحقاقه للمحامد :( فاطِرِ ) أي مبتدىء ومبتدع( السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) أي المتقدم أن له ما فيهما بأن شق العدم بإخراجهما منه ابتداء على غير مثال سبق كما تشاهدون ولما كانت الملائكة إفرادا وجمعا مثل الخافقين في أن كلّا منهم مبدع من العدم على غير مثال سبق من غير مادة ، وكان قد تقدم أنهم يتبرؤون من عبادة الكفرة يوم القيامة ، وكان لا طريق لعامة الناس إلى معرفتهم إلا الخبر ، أخبر عنهم بعد ما أخبر عما طريقه المشاهدة بما هو الحق من شأنهم ، فقال مبينا بتفاوتهم في الهيئات تمام قدرته وأنها بالاختيار :( جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً ) أي لما شاء من مراده وإلى ما شاء من عباده ظاهرين للأنبياء منهم ومن لحق بهم وغير ظاهرين( أُولِي أَجْنِحَةٍ ) أي تهيؤهم لما يراد منهم ؛ ثم وصف الأجنحة فقال :( مَثْنى ) أي جناحين جناحين لكل واحد لمن لا يحتاج فيما صرف فيه إلى أكثر من ذلك ، ولعل ذكره للتنبيه على أن ذلك أقل ما يكون بمنزلة اليدين. ولما كان ذلك زوجا نبه على أنه لا يتقيد بالزوج فقال :( وَثُلاثَ ) أي ثلاثة ثلاثة لآخرين منهم. ولما كان لو اقتصر على ذلك لظن الحصر فيه ، نبه بذكر زوج الزوج على أن الزيادة لا تنحصر فقال :( وَرُباعَ ) أي أربعة لكل واحد من صنف آخر منهم.

ولما ثبت بهذا أنه فاعل بالاختيار دون الطبيعة وغيرها ، وإلا لوجب كون الأشياء غير مختلفة مع اتحاد النسبة إلى الفاعل ، كانت نتيجة ذلك :( يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ) أي المخلوقات من أشياء مستقلة ومن هيئات للملائكة وغيرهم ، ومعاني لا تدخل تحت حصر من الذوات والألوان والمقادير والأشكال وخفة الروح واللطافة والثقالة والكثافة وحسن الصوت والصيت والفصاحة والسذاجة والمكر والسخاوة والبخل وعلو الهمة وسفولها ـ وغير ذلك مما يرجع إلى الكم والكيف مما لا يقدر على الإحاطة به غيره

٢٠٠