• البداية
  • السابق
  • 668 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 106 / تحميل: 14
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 6

مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
العربية

ولعله عبر عنها بذلك دون طرق إشارة إلى أن من غرابتها أنها لا تخلق ولا تضمحل ألوانها على طول الأزمان كما هو العادة في غالب ما يتقادم عهده ، والجد بالفتح ، والجدة بالكسر ، والجدد بالتحريك : وجه الأرض ، وجمعه جدد بالكسر ، والجدة بالضم : الطريقة والعلامة والخط في ظهر الحمار يخالف لونه وجمعه جدد كغدة وغدد وعدة وعدد ومدة ومدد ، والجدد محركة : ما أشرف من الرمل وشبه السلعة بعنق البعير ، والأرض الغليظة المستوية ، والجدجد بالفتح : الأرض المستوية.

ولما كان أبلغ من ذلك أن تلك الطرق في أنفسها غير متساوية المواضع في ذلك اللون الذي تلونت به ، قال تعالى دالّا على أن كلّا من هذين اللونين لم يبلغ الغاية في الخلوص :( مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها ) وهي من الأرض وهي واحدة. ولما قدم ما كان مستغربا في ألوان الأرض لأنه على غير لونها الأصلي ، أتبعه ما هو أقرب إلى الغبرة التي هي أصل لونها. ولما كانت مادة (غرب) تدور على الخفاء الذي يلزمه الغموض أخذا من غروب الشمس ، ويلزم منه السواد ، ولذلك يؤكد الأسود بغربيب مبالغة الغرب كفرح أي الأسود للمبالغة في سواده ، وكان المقصود الوصف بغاية السواد مخالفة لغيره ، قال تعالى عاطفا على بيض :( وَغَرابِيبُ ) أي من الجدد أيضا( سُودٌ ) فقدم التأكيد لدلالة السياق على أن أصل العبارة «وسود غرابيب سود» فأضمر الأول ليتقدم على المؤكد لأنه تابع ، ودل عليه بالثاني ليكون مبالغا في تأكيده غاية المبالغة بالإظهار بعد الإضمار ، وهو معنى قول ابن عباس رضي الله عنهما : أشد سواد الغرابيب(١) ـ رواه عنه البخاري ، لأن السواد الخالص في الأرض ، مستغرب ، ومنه ما يصبغ به الثياب ليس معه غيره ، فتصير في غاية السواد ، وذلك في مدينة فوة ومسير وغيرهما مما داناهما من بلاد مصر.

ولما أكد هذا بما دل على خلوصه ، قدم ذكر الاختلاف عليه ، ولما ذكر تعالى ما الأغلب فيه الماء مما استحال إلى آخر بعيد من الماء ، وأتبعه التراب الصرف ، ختم بما الأغلب فيه التراب مما استحال إلى ما هو في غاية البعد من التراب فقال :( وَمِنَ النَّاسِ ) أي المتحركين بالفعل والاختيار( وَالدَّوَابِ ) ولما كانت الدابة في الأصل لما دب على الأرض ، ثم غلب إطلاقه على ما يركب قال :( وَالْأَنْعامِ ) ليعم الكل صريحا( مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ ) أي ألوان ذلك البعض الذي أفهمته «من»( كَذلِكَ ) أي مثل الثمار والأراضي فمنه ما هو ذو لون واحد ، ومنه ما هو ذو ألوان مع أن كل ما ذكر فهو من الأراضي متجانس الأعيان مختلف الأوصاف ، ونسبته إليها وإلى السماء واحدة فأين حكم الطبائع.

__________________

(١) علّقه البخاري في التفسير ٣ / ٣٢٩.

٢٢١

ولما ثبت بهذا البرهان أنه سبحانه فاعل بالاختيار ، فهو يفعل فيما يشاء ومن يشاء ، ما يشاء فيجعل الشيء الواحد لقوم نورا ولقوم عمى ، وكان ذلك مرغبا في خدمته مرهبا من سطوته سبحانه وتعالى وتقدس لكل ذي لب ، وكان السياق لإنذار من يخشى بالغيب ، فثبت أن الإنذار بهذا القرآن يكون لقوم أراد الله خشيتهم خشية ، ولقوم أراد الله قسوتهم قسوة ، التفتت النفس إلى طلب قانون يعرف به من يخشى ومن لا يخشى ، فقال على سبيل الاستنتاج من ذلك ، دفعا لظن من يحسب أنه يمكن أن يكون ولي جاهلا :( إِنَّما يَخْشَى اللهَ ) أي الذي له جميع الكمال ، ولا كمال لغيره إلا منه ، ودل على أن كل ما سواه في قبضته وتحت قهره بقوله :( مِنْ عِبادِهِ ) ثم ذكر محط الفائدة وهو من ينفع إنذاره فقال :( الْعُلَماءُ ) أي لا سواهم وإن كانوا عبادا وإن بلغت عبادتهم ما عسى أن تبلغ ، لأنه لا يخشى أحد أحدا إلا مع معرفته ، ولا يعرفه جاهل ، فصار المعنى كأنه قيل : إنما ينفع الإنذار أهل الخشية ، وإنما يخشى العلماء ، والعالم هو الفقيه العامل بعلمه ، قال السهروردي في الباب الثالث من عوارفه : فينتفي العلم عمن لا يخشى الله ، كما إذا قال : إنما يدخل الدار بغدادي ، فينتفي دخول غير البغدادي الدار هذا معنى القراءة المشهورة.

ولما كان سبب الخشية التعظيم والإجلال ، وكان كل أحد لا يجل إلا من أجله ، وكان قد ثبت أن العلماء يجلون الله ، وكان سبب إجلالهم له إجلاله لهم ، كان هذا معنى القراءة الأخرى ، فكان كأنه قيل : إنما ينفع الإنذار من يجل الله فالله يجله لعلمه ، وسئل شيخنا محقق زمانه قاضي الشافعية بمصر محمد بن علي القاياتي عن توجيه هذه القراءة فأطرق يسيرا ثم رفع رأسه فقال :

أهابك إجلالا وما بك قدرة

عليّ ولكن مليء عين حبيبها

ولما ثبت بهذا السياق أنه سبحانه فاعل هذه الأشياء المتضادة باختياره ، علل ذلك ليفيد أن قدرته على كل ما يريده كقدرته عليه بقوله على سبيل التأكيد تنبيها على أنه سبحانه لا يعسر عليه شيء وأنه أهل لأن يخشى ولذلك أظهر الاسم الأعظم :( إِنَّ اللهَ ) أي المحيط بالجلال والإكرام( عَزِيزٌ ) أي غالب على جميع أمره. ولما كان هذا مرهبا من سطوته موجبا لخشيته لإفهامه أنه يمنع الذين لا يخشون من رحمته ، رغبهم بقوله :( غَفُورٌ ) في أنه يمحو ذنوب من يريد منهم فيقبل بقلبه إليه وهو أيضا من معاني العزة.

ولما تقرر هذا ، تشوف السامع إلى معرفة العلماء فكان كأنه قيل : هم الذين يحافظون على كتاب الله علما وعملا ، فقيل : فما لهم؟ فقال مؤكدا تكذيبا لمن يظن من

٢٢٢

الكفار وغيرهم من العصاة أنهم من الخاسرين بما ضيعوا من عاجل دنياهم :( إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ ) أي يجددون التلاوة كل وقت مستمرين على ذلك محافظين عليه كلما نزل من القرآن شيء وبعد كمال نزوله حتى يكون ذلك ديدنهم وشأنهم بفهم وبغير فهم( كِتابَ اللهِ ) أي الذي لا ينبغي لعاقل أن يقبل على غيره لما له من صفات الجمال والجلال ، ولما ذكر السبب الذي لا سبب يعادله ، ذكر أحسن ما يربط به ، فقال دالّا على المداومة بالتعبير بالإقامة وعلى تحقيق الفعل بالتعبير بالماضي :( وَأَقامُوا الصَّلاةَ ) أي وهي الناهية عن الفحشاء والمنكر فناجوا الله فيها بكلامه. ولما ذكر الوصلة بينهم وبين الخالق ، ذكر إحسانهم إلى الخلائق ، فقال دالّا على إيقاع الفعل بالتعبير بالماضي ، وعلى الدوام بالسر والعلن لافتا القول إلى مظهر العظمة تنبيها على أن الرزق منه وحده ، لا بحول أحد غيره ولا غيره :( وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ ) أي بحولنا وقوتنا لا بشيء من أمرهم في جميع ما يرضينا ، ودل على مواظبتهم على الإنفاق وإن أدى إلى نفاد المال بقوله :( سِرًّا وَعَلانِيَةً ) وعبر في الأول بالمضارع لأن إنزالها كان قبل التمام وتصريحا بتكرار التلاوة تعبدا ودراسة لأن القرآن كما قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : أشد تفلتا من الإبل في عقلها(١) أخرجه مسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ، وفي الثاني والثالث بالماضي حثا على المبادرة إلى الفعل ، وقد تحصل من هذا أنه جعل لفعل القلب الذي هو الخشية دليلا باللسان وآخر بالأركان وثالثا بالأموال.

ولما أحلهم بالمحل الأعلى معرفا أنهم أهل العلم الذين يخشون الله ، وكان العبد لا يجب له على سيده شيء ، قال منبها على نعمة الإبقاء الثاني التي هي أم النعم والنتيجة العظمى المقصودة بالذات :( يَرْجُونَ ) أي في الدنيا والآخرة( تِجارَةً ) أي بما عملوا( لَنْ تَبُورَ ) أي تكسد وتهلك بل هي باقية ، لأنها دفعت إلى من لا تضيع لديه الودائع وهي رائجة رابحة ، لكونه تام القدرة شامل العلم له الغنى المطلق.

( لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠) وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) )

ولما كان المراد بعدم هلاكها حفظها وبقاءها إلى يوم لقائه ، علله بقوله ، مقتصرا

__________________

(١) أخرجه البخاري ٥٠٣٣ ومسلم ٧٩١ وأحمد ٤ / ١١ عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه واللفظ لمسلم. وفي الباب عن ابن مسعود وعقبة بن عامر رضي الله عنهما.

٢٢٣

على الضمير لأن السياق للمؤمنين ، ولذا لفته إلى ضمير الغيبة لأن إيمانهم بالغيب( لِيُوَفِّيَهُمْ ) : أي لنفاقها عنده سبحانه في الدنيا إن أراد أو في الآخرة أو فيهما( أُجُورَهُمْ ) أي على تلك الأعمال( وَيَزِيدَهُمْ ) أي على ما جعله بمنه وبيمنه حقا لهم عليها( مِنْ فَضْلِهِ ) أي زيادة ليس لهم فيها تسبب أصلا ، بل سيء بعد ما منّ عليهم بما قابل أعمالهم به مما يعرفون أنه جزاؤها مضاعفا للواحد عشرة إلى ما فوق. ولما كانت أعمالهم لا تنفك عن شائبة ما ، وإن خلصت فلم يكن ثوابها لأنها منّ منه سبحانه مستحقا ، علل توفيتهم لها بقوله مؤكدا إعلاما بأنه لا يسع الناس إلا عفوه لأنه لن يقدر الله أحد حق قدره وإن اجتهد ، ولو واخذ أعبد العباد بما يقع من تقصيره أهلكه( إِنَّهُ غَفُورٌ ) أي بمحو النقص عن العمل( شَكُورٌ ) أي يقبله ويزيد عليه.

ولما كانت ترجمة الآية أن العلماء هم حملة الكتاب ، وبدأ سبحانه بأدنى درجاتهم ، وكان ذلك مما يرغب في الكتاب ، أتبعه ترغيبا هو أعلى منه ، فقال عاطفا على قوله في تقرير الأصل الثاني الذي هو الرسالة( إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِ ) [البقرة : ١١٩] وأكده دفعا لتكذيب المكذبين به :( وَالَّذِي أَوْحَيْنا ) أي بما لنا من العظمة( إِلَيْكَ ) وبين قدره بمظهر العظمة وقال مبينا للوحي :( مِنَ الْكِتابِ ) أي الجامع لخيري الدارين. ولما كان الكتاب لا يطرقه نوع من أنواع التغير لأنه صفة من لا يتغير قال :( هُوَ الْحَقُ ) أي الكامل في الثبات ومطابقة الواقع له لا غيره من الكلام ؛ وأكد حقيته بقوله :( مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ) أي من الكتب الماضية الآتي لها الرسل الداعون إلى الله المؤيدون بالبراهين الساطعة والأدلة القاطعة.

ولما دل سبحانه على أن العلم هو الحقيقة الثابتة ، وما عداه فهو محو وباطل ، ودل على أن التالين لكتابه الذي هو العلم هم العلماء ، وغيرهم وإن كانوا موجودين فهم بالمعدومين أشبه ، ودل على أن الكتب الماضية وإن كانت حقا لكنها ليست في كمال القرآن ، لأن الأمر ما دام لم يختم فالزيادة متوقعة فيه بخلاف ما إذا وقع الختم فإنه لا يكون بعده زيادة ترتقب ، وكان ربما تراءى لأحد في بعض المتصفين بذلك غير ذلك ، قال تعالى إعلاما بأن العبرة بما عنده لا بما يظهر للعباد ، وأكده تنبيها على أن هذا المعنى مما تعقد عليه الخناصر وإن تراءى لأكثر الناس خلافه ، أظهر الاسم الأعظم لحاجة المخبرين هنا إليه لأنهم البر والفاجر :( إِنَّ اللهَ ) أي الذي له جميع صفات الكمال. ولما كان الإنسان أعلم بمن يربيه ولا سيما إن كان مالكا له قال :( بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ ) أي عالم أدق العلم وأتقنه ببواطن أحوالهم( بَصِيرٌ ) أي بظواهر أمورهم وبواطنها أي فهو يسكن الخشية والعلم القلوب على قدر ما أوتوا من الكتاب في علمه

٢٢٤

وتلاوته وإن تراءى لهم خلاف ذلك ، فأنت أحقهم بالكمال لأنك أخشاهم وأتقاهم ، فلذلك آتيناك هذا الكتاب ، فأخشاهم بعدك أحقهم بعلمه.

ولما كان معنى الوصفين : فنحن نيسر لتلاوة كتابنا من يكون قابلا للعلم الذي هو عمود الخشية بما تعلمه منه بخبرنا وبصرنا ، وكان الذي ضم إلى التلاوة الفهم في الذروة العليا من العلم ، قال عطفا على هذا الذي أرشد السياق إلى تقديره مشيرا بأداة العبد إلى علو رتبة أهل هذا القسم ، وهم هذه الأمة الأمية على اختلاف مراتب إرثهم مع تراخي إرثهم عمن قبلهم ، صارفا القول إلى مظهر العظمة لاقتضاء الحال لها في نزع شيء من قوم وإثباته لآخرين :( ثُمَّ أَوْرَثْنَا ) أي ملكنا بعظمتنا ملكا تاما وأعطينا عطاء لا رجوع فيه ، وعبر في غير هذه الأمة بقوله( وَرِثُوا الْكِتابَ ) [الأعراف : ١٦٩] فانظر فرق ما بين العبارتين تعرف الفرق بين المقامين ، ويجوز أن يكون التقدير بعد ما أوحينا إليك : وأورثناكه ثم أورثناه ، ولكنه أظهر دلالة على الوصف تنبيها على تناهي جمعه للكتب الماضية ، وإعلاما بأن( مِنْ ) في( أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ ) للبيان فقال :( الْكِتابَ ) أي القرآن باتفاق المفسرين ، قال الأصفهاني ـ الجامع لكل كتاب أنزلنا ، فهو أم لكل خير ، وقال ابن عباس كما نقله ابن الجوزي : إن الله أورث أمة محمد كل كتاب أنزله( الَّذِينَ اصْطَفَيْنا ) أي فعلنا في اختيارهم فعل من يجتهد في ذلك( مِنْ عِبادِنا ) أي أخلصناهم لنا وهم بنو إسماعيل ومن تبعهم ، يعني أمة محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ نقله البغوي عن ابن عباس رضي الله عنهما ، ونقل عن ابن جرير أنه قال : الإرث : انتقال شيء من قوم إلى قوم ، فثم هنا للترتيب ، لأن إيتاء هذه الأمة متراخ عن إيتاء الأمم ونقله إليهم بعد إبطال تلك الأديان ، ونسخ تلك الكتب إلا ما وافق القرآن ، فمعنى الإيراث أنه نزع تلك الكتب من الأمم السالفة وأعطاها لهذه الأمة على الوجه الذي رضيه لها ، وهذا الإيراث للمجموع لا يقتضي الاختصاص بمن يحفظ جميع القرآن بل يشمل من يحفظ منه جزءا ولو أنه الفاتحة فقط ، فإن الصحابة رضوان الله تعالى أجمعين لم يكن كل واحد منهم يحفظ جميع القرآن ونحن على القطع بأنهم مصطفون.

ولما كان أكثر الناس لا ينفك عن تقصير كثير لما جبل الإنسان عليه من النقصان ، فكان من فيه ذلك يخرج نفسه من هذا القسم ، قال معرفا له بمقداره مؤنسا له بما فتح له من أنواره مستجلبا له إلى حضرة قدسه ومعدن أسراره مقسما أهل هذا القسم وهم أهل الفهم إلى ثلاثة أقسام مقدما الأدنى لأنهم الأكثر ولئلا يحصل اليأس ، ويصدع القلوب خوف البأس :( فَمِنْهُمْ ) أي فتسبب عن إيراثنا لهم أن كان منهم كما هو مشاهد( ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ) أي بالتفريط والتهاون في توفية الحق لما يقتضيه حاله من العمل غير متوق للكبائر ، وهذا القسم هم أكثر الوراث وهم المرجئون لأمر الله.

٢٢٥

ولما كان ترك الإنسان للظلم في غاية الصعوبة ، نبه على ذلك بصيغة الافتعال فقال :( وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ) أي متوسط في العمل غير باذل لجميع الجهد إلا أنه مجتنب للكبائر فهو مكفر عنه الصغائر ، وهم الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا( وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ ) أي العبادات وجميع أنواع القربات ، موف للمقام الذي أقيم به حقه كلما ازداد قربا ازداد عملا ، لا يكون سابقا إلا وهو هكذا ، وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ، ويؤيد هذا قول الحسن : السابق من رجحت حسناته ، والمقتصد من استوت حسناته وسيئاته ، والظالم من رجحت سيئاته. وختم بالسابقين لأنهم الخلاصة ، وليكونوا أقرب إلى الجنات ، كما قدم الصوامع في سورة الحج لتكون أقرب إلى الهدم وآخر المساجد لتقارب الذكر ، وقدم في التوبة السابقين عقيب أهل القربات من الأعراب وأخر المرجئين وعقبهم بأهل مسجد الضرار ، وقدم سبحانه في الأحزاب المسلمين ورقى الخطاب درجة درجة إلى الذاكرين الله كثيرا ، فهو سبحانه تارة يبدأ بالأدنى وتارة بالأعلى بحسب ما يقتضيه الحال كما هو مذكور في هذا الكتاب في محاله ، وهذا على تقدير عود الضمير في( مِنْهُمْ ) على( الَّذِينَ ) لا على (العباد) وهو مع تأيده بالمشاهدة وإن السياق لأن أهل العلم هم التالون لكتاب الله مؤيد بأحاديث لا تقصر ـ وإن كانت ضعيفة ـ عن الصلاحية لتقوية ذلك ، فمنها ما رواه البغوي بسنده عن ابن الخطاب رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية على المنبر وقال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : سابقنا سابق ، ومقتصدنا ناج ، وظالمنا مغفور له(١) . وبسنده عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قرأ هذه الآية وقال :أما السابق بالخيرات فيدخل الجنة بغير حساب ، وأما المقتصد فيحاسب حسابا يسيرا ، وأما الظالم لنفسه فيحبس في المقام حتى يدخله الهم ثم يدخل الجنة ـ ثم قرأ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ) (٢) . وروي بغير إسناد عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : كلهم من هذه الأمة(٣) . وقال ابن الجوزي بعد أن ذكر حديث عمر رضي الله عنه بغير سند : وروى

__________________

(١) ضعيف. أخرجه البغوي في تفسيره ٣ / ٤٩٣ من حديث عمر ، وفيه عمرو بن حصين متروك ، وذكره الذهبي في ترجمة الفضل بن موسى وعده من منكرات الفضل وقال : وعمرو تركوه.

(٢) ضعيف أخرجه أحمد ٦ / ٤٤٤ و ٥ / ١٩٤ والحاكم ٢ / ٤٢٦ عن أبي الدرداء وفيه عنعنة الأعمش واضطرابه في اسم الرجل ، فقال مرة : عن أبي ثابت أو عن ثابت ومرة أسقطه فرواه عن أبي الدرداء ، ومرة قال عن رجل من ثقيف! وأخرجه الحاكم عن عائشة من قولها ٢ / ٤٢٦ قالت : أما السابق فمن مضى في حياة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فشهد له بالحياة والرزق ، وأما المقتصد فمن تبع آثارهم فعمل بأعمالهم حتى يلحق بهم ، وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلك ومن اتبعنا وكل في الجنة قال : صحيح ، وتعقبه الذهبي بقوله : الصلت قال النسائي : ليس بثقة ، وقال أحمد : ليس بالقوي.

(٣) الرواية لا تكون بغير إسناد وإنما يقال في ذلك : ذكره فلان أو علّقه ونحوه.

٢٢٦

الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في هذه الآية قال : كلهم في الجنة(١) . وروى حديث أبي الدرداء رضي الله عنه الحافظ ابن عساكر في الكنى من تأريخ دمشق في ترجمة أخي زياد أو أبي زياد. وأما على عود الضمير على العباد فقال ابن عباس رضي الله عنهما : السابق المؤمن المخلص ، والمقتصد المرائي ، والظالم الكافر نعمة الله غير الجاحد لها ، وقال قتادة : الظالم أصحاب المشأمة ، والمقتصد أصحاب الميمنة ، والسابقون المقربون.

ولما كان هذا ليس في قوة العبد في مجاري العادات ، ولا يؤخذ بالكسب والاجتهادات ، أشار إلى عظمته بقوله :( بِإِذْنِ اللهِ ) أي بتمكين من له القدرة التامة والعظمة العامة والفعل بالاختيار وجميع صفات الكمال وتسهيله وتيسيره لئلا يأمن أحد مكره تعالى ، قال الرازي في اللوامع : ثم من السابقين من يبلغ محل القربة فيستغرق في وحدانيته ، وهو الفرد الذي اهتز في ذكره ـ انتهى. ثم زاد عظمة هذا الأمر بيانا ، فقال مؤكدا تكذيبا لظنون الجاهلين لأن السابق كلما علا مقامه في السبق قل حظه من الدنيا ، فرأى الجاهلون أنه مضيع لنفسه :( ذلِكَ ) أي السبق أو إيراث الكتاب( هُوَ ) مشيرا بأداة البعد مخصصا بضمير الفصل( الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ) .

( جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (٣٣) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ (٣٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧) إِنَّ اللهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٣٨) )

ولما ذكر تعالى أحوالهم ، بين جزاءهم ومآلهم ، فقال مستأنفا جوابا لمن سأل عن ذلك :( جَنَّاتُ ) أي هي مسببة عن سبب السبق الذي هو الفضل ، ويصح كونها بدلا من الفضل لأنه سببها ، فكان كأنه هو الثواب( عَدْنٍ ) أي إقامة بلا رحيل لأنه لا سبب

__________________

(١) أخرجه أحمد ٣ / ٧٨ والترمذي ٣٢٢٥ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وإسناده مبهم ، والحديث لا يصح بهذا الطريق اللهم إلا أن يأتي من وجه آخر ، وقد عرّف الإسناد في المسند هكذا ثنا محمد بن شعبة عن الوليد بن عيزار والصواب محمد ـ وهو ابن بشار عن شعبة عن الوليد. ـ به ا ه الخلاصة في الإسناد رجلان لم يسميا.

٢٢٧

للرحيل عنها( يَدْخُلُونَها ) أي الثلاثة أصناف ، ومن دخلها لم يخرج منها لأنه لا شيء يخرجه ولا هو يريد الخروج على أن الضمير ل «الذين» ومن قال ل «عبادنا» خص الدخول بالمقتصد والسابق ـ هذا على قراءة الجماعة بفتح الياء وضم الخاء ، وعلى قراءة أبي عمرو بالبناء للمفعول يكون الضمير للسابق فقط ، لأنهم يكونون في وقت الحساب على كثبان المسك ومنابر النور فيستطيبون مكانهم ، فإذا دعوا إلى الجنة أبطؤوا فيساقون إليها كما في آخر الزمر.

ولما كان الداخل إلى مكان أول ما ينظر إلى ما فيه من النفائس قال :( يُحَلَّوْنَ فِيها ) أي يلبسون على سبيل التزين والتحلي( مِنْ أَساوِرَ ) ولما كان للإبهام ثم البيان مزيد روعة للنفس ، وكان مقصود السورة إثبات القدرة الكاملة لإثبات اتم الإبقاءين ، شوق إلى الطاعة الموصلة إليه بأفضل ما نعرف من الحلية ، فقال مبينا لنوع الأساور :( مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً ) ولما كانت لا تليق إلا على اللباس الفاخر ، قال معرفا أنهم حين الدخول يكونون لابسين :( وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ ) .

ولما كان المقتصد والسابق يحزنون لكمالهم وشدة شفقتهم على الظالم إذا قوصص ، جمع فقال معبرا بالماضي تحقيقا له :( وَقالُوا ) أي عند دخولهم :( الْحَمْدُ ) أي الإحاطة بأوصاف الكمال( لِلَّهِ ) أي الذي له تمام القدرة( الَّذِي أَذْهَبَ ) أي بدخولنا هذا( عَنَّا الْحَزَنَ ) أي هذا النوع بكماله ، فلا نحزن على شيء كان فاتنا ، ولا يكون لنا حزن أبدا لأنا صرنا في دار لا يفوت فيها شيء أصلا ولا يفنى.

ولما كانوا عالمين بما اجترحوه من الزلات أو الهفوات أو الغفلات التي لو لا الكرم لأدتهم إلى النار ، عللوا ما صاروا إليه معها بقولهم ، مؤكدين إعلاما بما عندهم من السرور بالعفو عن ذنوبهم ، وأن ما أكدوه حقيق بأن يتغالى في تأكيده لما رأوا من صحته وجنوا من حلو ثمرته :( إِنَّ رَبَّنا ) أي المحسن إلينا مع إساءتنا( لَغَفُورٌ ) أي محاء للذنوب عينا وأثرا للصنفين الأولين( شَكُورٌ ) أي على ما وهبه للعبد من حسن طاعته ووفقه له من الأعمال الحسنة فجعله به سابقا ، ثم وصفوه بما هو شكر له فقالوا :( الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ ) أي الإقامة ومكانها وزمانها التي لا يريد النازل بها على كثرة النازلين بها ـ ارتحالا منها ، ولا يراد به ذلك ، ولا شيء فيها يزول فيؤسف عليه. وكان المالك المطلق لا يجب عليه شيء ولا استحقاق لمملوكه عليه بوجه قال :( مِنْ فَضْلِهِ ) أي بلا عمل منا فإن حسناتنا إنما كانت منّا منه سبحانه ، لو لم يبعثنا عليها وييسرها لنا لما كانت.

ولما تذكروا ما شاهدوه في عرصات القيامة من تلك الكروب والأهوال ، والأنكاد

٢٢٨

والأثقال ، التي أشار إليها قوله تعالى :( وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها ) الآية ، استأنفوا قولهم في وصف دار القرار :( لا يَمَسُّنا ) أي في وقت من الأوقات( فِيها نَصَبٌ ) أي نصب بدن ولا وجع ولا شيء( وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ ) أي كلال وتعب وإعياء وفتور نفس من شيء من الأشياء ، قال أبو حيان : وهو لازم عن تعب البدن. فهي الجديرة لعمري بأن يقال فيها :

علينا لا تنزل الأحزان ساحتها

لو مسها حجر مسته سراء

ولما بيّن ما هم فيه من النعمة ، بيّن ما لأعدائهم من النقمة ، زيادة في سرورهم بما قاسوه في الدنيا من تكبرهم عليهم وفجورهم فقال :( وَالَّذِينَ كَفَرُوا ) أي ستروا ما دلت عليه عقولهم من شموس الآيات وأنوار الدلالات( لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ ) أي بما تجهموا أولياء الله الدعاة إليهم. ولما كانت عادة النار إهلاك من دخلها بسرعة ، بيّن أن حالها على غير ذلك زيادة في نكالهم وسوء مآلهم فقال مستأنفا :( لا يُقْضى ) أي لا يحكم وينفذ ويثبت من حاكم ما( عَلَيْهِمْ ) أي بموت( فَيَمُوتُوا ) أي فيتسبب عن القضاء موتهم ، وإذا راجعت ما مضى في سورة سبحان من قوله( فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ ) [الإسراء : ٥٦] وما يأتي إن شاء الله تعالى في المرسلات من قوله :( وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ) [المرسلات : ٣٦] علمت سر وجوب النصب هنا لأنه لو رفع لكان المعنى أن موتهم ينبغي إن قضي عليهم أو لم يقض ، وذلك محال.

ولما كانت الشدائد في الدنيا تنفرج وإن طال أمدها قال :( وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ ) وأعرق في النفي بقوله :( مِنْ عَذابِها ) أي جهنم. ولما كان ربما توهم متوهم أن هذا العذاب خاص بالذين كانوا في عصرهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من الكفار قال :( كَذلِكَ ) أي مثل هذا الجزاء العظيم( نَجْزِي ) أي بما لنا من العظمة ـ على قراءة الجماعة بالنون( كُلَّ كَفُورٍ ) أي بهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أو بغيره من الأنبياءعليهم‌السلام وإن لم نره ، لأن ثبوت المعجزة يستوي فيها السمع والبصر ، وبنى أبو عمرو الفعل للمفعول إشارة إلى سهولته وتيسره ورفع( كُلَّ ) .

ولما بيّن عذابهم بين اكتئابهم فقال :( وَهُمْ ) أي فعل ذلك بهم والحال أنهم( يَصْطَرِخُونَ فِيها ) أي يوجدون الصراخ فيها بغاية ما يقدرون عليه من الجهد في الصياح بالبكاء والنواح. ولما بيّن ذلك بيّن قولهم في اصطراخهم بقوله :( رَبَّنا ) أي يقولون : أيها المحسن إلينا( أَخْرِجْنا ) أي من النار( نَعْمَلْ صالِحاً ) ثم أكدوه وفسروه وبينوه بقولهم على سبيل التحسر والاعتراف بالخطأ أو لأنهم كانوا يظنون عملهم صالحا( غَيْرَ الَّذِي كُنَّا ) أي بغاية جهدنا( نَعْمَلْ ) فتركوا الترقق والعمل على حسبه في وقت

٢٢٩

نفعه واستعملوه عند فواته فلم ينفعهم ، بل قيل في جوابهم تقريرا لهم وتوبيخا وتقريعا :( أَوَلَمْ ) أي ألم تكونوا في دار العمل متمكنين من ذلك بالعقول والقوى؟ أو لم( نُعَمِّرْكُمْ ) أي نطل أعماركم مع إعطائنا لكم العقول ولم نعاجلكم بالأخذ( ما ) أي زمانا( يَتَذَكَّرُ فِيهِ ) وما يشمل كل عمر يتمكن فيه المكلف من إصلاح شأنه غير أن التوبيخ في الطويل أعظم ، وأشار بمظهر العظمة إلى أنه لا مطمع بغيره سبحانه في مد العمر.

ولما كان التفكر بعد البعث غير نافع لأنه بعد كشف الغطاء ، عبر بالماضي فقال :( مَنْ تَذَكَّرَ ) إعلاما بأنه قد ختم على ديوان المتذكرين ، فلا يزاد فيهم أحد ، والزمان المشار إليه قيل : إنه ستون سنة ـ قاله ابن عباس رضي الله عنهم ، وبوّب له البخاري في أوائل الرقاق من غير عزو إلى أحد(١) ، وروى أحمد بن منيع عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال :من عمره الله ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر (٢) . وروى الترمذي وابن ماجه وأبو يعلى عن أبي هريرة أيضا رضي الله عنه عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال :أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين. وأقلهم من يجوز ذلك (٣) .

ولما أشار إلى دليل العقل ابتداء ودواما ، أشار إلى أدلة النقل المنبه على ما قصر عنه العقل ، فقال معبرا بالماضي تصريحا بالمقصود عطفا على معنى : أو لم نعمركم الذي هو قد عمرناكم :( وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ ) أي عنى من الرسل والكتب تأييدا للعقول بالدليل المعقول.

ولما تسبب عن ذلك أن عذابهم لا ينفك قال :( فَذُوقُوا ) أي ما أعددناه لكم من العذاب دائما أبدا ، ولما كانت العادة جارية بأن من أيس من خصمه فزع إلى الاستغاثة عليه ، تسبب عن ذلك قوله :( فَما ) وكان الأصل : لكم ، ولكنه أظهر تعليقا للحكم بالوصف للتعميم فقال :( لِلظَّالِمِينَ ) أي الواضعين الأشياء في غير مواضعها( مِنْ نَصِيرٍ ) أي يعينهم ويقوي أيديهم ، فلا براح لكم عن هذا الذواق ، وهذا عام في كل

__________________

(١) الباب الخامس من الرقائق.

(٢) أخرجه البخاري ٦٤١٩ فأبعد المؤلفرحمه‌الله إذ خرّجه من مسند أحمد بن منيع والعجب أنه تحت الباب المذكور آنفا ، وأخرجه أحمد ٢ / ٤١٧ و ٤٠٥ و ٢٧٥ والبيهقي ٣ / ٣٧٠ وابن حبان ٤٩٧٩ والبغوي ٤٠٣٢ وغيرهم كثير عن أبي هريرة رضي الله عنه.

(٣) أخرجه الترمذي ٣٥٥٠ و ٢٣٣١ وابن ماجه ٤٢٣٦ والحاكم ٢ / ٤٢٧ والبيهقي ٣ / ٣٧٠ والقضاعي ٢٥٢ و ٢٥١ وابن حبان ٢٩٨٠ والخطيب في تاريخه ٦ / ٣٩٧ و ٥ / ٤٧٦ والرامهرمزي في الأمثال ص ٦١ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ، والحديث حسن بمجموع الطرق.

٢٣٠

ظالم ، فإن من ثبت له نصر عليه لأن ظلمه في كل يوم يضعف ويهن والحق في كل حين يقوى ويضخم.

ولما كان سبحانه عالما بما نفى وما أثبت ، علل ذلك مقررا سبب دوام عذابهم وأنه بقدر كفرانهم كما قال تعالى( وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها ) [الشورى : ٤٠] بقوله مؤكدا إشارة إلى أنه لا يجب تمرين النفس عليه لما له من الصعوبة لوقوف النفس مع المحسوسات :( إِنَّ اللهَ ) أي الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلما( عالِمُ غَيْبِ ) ولما كانت جهة العلو أعرق في الغيب قال :( السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) فأنتج ذلك قوله مؤكدا لأنه من أعجب الغيب لأنه كثيرا ما يخفى على الإنسان ما في نفسه والله تعالى عالم به ، أو هو تعليل لما قبله :( إِنَّهُ عَلِيمٌ ) أي بالغ العلم( بِذاتِ الصُّدُورِ ) أي قبل أن يعلمها أربابها حين تكون غيبا محضا ، فهو يعلم أنكم لو مدت أعماركم لم ترجعوا عن الكفر أبدا ، ولو رددتم لعدتم لما نهيتم عنه وأنه لا مطمع في صلاحكم ، ولذلك يأمر الملك أن يكتب عند نفخ الروح في الولد أنه إما شقي أو سعيد قبل أن يكون له خاطر أصلا ، وربما كان في غاية ما يكون من الإقبال على الخير فعلا ونية ، ثم يختم له بشر ، وربما كان على خلاف ذلك في غاية الفساد ، لا يدع شركا ولا غيره من المعاصي حتى يرتكبها وهو عند الله سعيد لما يعلم من نيته بعد ذلك حين يقبل بقلبه عليه فيختم له بخير فيكون من أهل الجنة ، وأما الخواطر بعد وجودها في القلوب فقد يطلع عليها الملك والشيطان.

( هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَساراً (٣٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً (٤٠) إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً (٤١) )

ولما كان من أنشأ شيئا كان أعلم به ، وإتقان صنعه يدل على تمام قدرة صانعه ، وتمام قدرته ملزوم لتمام علمه ، قال :( هُوَ ) أي وحده لا شركاؤكم ولا غيرهم( الَّذِي جَعَلَكُمْ ) أي أيها الناس( خَلائِفَ ) جمع خليفة ، وهو الذي يقوم بعد الإنسان بما كان قائما به ، والخلفاء جمع خليف ـ قال الأصبهاني ، وقال القشيري : أهل كل عصر خليفة عمن تقدمهم ، فمن قوم هم لسلفهم جمال ، ومن قوم هم أراذل وأندال ، الأفاضل زمانهم لهم محنة ، والأراذل هم لزمانهم محنة.

٢٣١

ولما كان المراد توهية أمر شركائهم ، وكانت تحصل بسلب قدرتهم على ما مكن فيه سبحانه العابدين من الأرض ، أدخل الجار دلالة على أنهم على كثرتهم وامتداد أزمنتهم لا يملؤون مسكنهم بتدبيره لإماتة كل قرن واستخلاف من بعدهم عنهم ، ولو لم يمتهم لم تسعهم الأرض مع التوالد على طول الزمان ، وهم في الأصل قطعة يسيرة من ترابها فقال :( فِي الْأَرْضِ ) أي فيما أنتم فيه منها لا غيره تتصرفون فيه بما قدرتم عليه ، ولو شاء لم يصرفكم فيه ، فمن حقه أن تشكروه ولا تكفروه.

ولما ثبت أن ذلك نعمة منه ، عمرهم فيه مدة يتذكر فيه من تذكر ، تسبب عنه قوله :( فَمَنْ كَفَرَ ) أي بعد علمه بأن الله هو الذي مكنه لا غيره ، واحتقر هذه النعمة السنية( فَعَلَيْهِ ) أي خاصة( كُفْرُهُ ) أي ضرره. ولما كان كون الشيء على الشيء محتملا لأمور ، بيّن حاله بقوله مؤكدا لأجل من يتوهم أن بسط الدنيا على الفاجر ربح وإكرام من الله له( وَلا ) أي والحال أنه لا( يَزِيدُ الْكافِرِينَ ) أي المغطين للحق( كُفْرُهُمْ ) أي الذي هم متلبسون به ظانون أنه يسعدهم وهم راسخون فيه غير متمكنين عنه ، ولذا لم يقل : لا يزيد من كفر لأنه قد يكون كفره غير راسخ فيسلم( عِنْدَ رَبِّهِمْ ) أي المحسن إليهم( إِلَّا مَقْتاً ) أي لأنه يعاملهم معاملة من يبغض ويحتقر أشد بغض واحتقار.

ولما كان المراد من هذه الصفات في حق الله تعالى غاياتها ، وكان ذكرها إنما هو تصوير لها بأفظع صورها لزيادة التنفير من أسبابها ، وكانوا ينكحون نساء الآباء مع أنهم يسمونه نكاح المقت ، نبه على أنهم لا يبالون بالتمقت إلى المحسن ، فقال ذاكرا للغاية مبينا أن محط نظرهم الخسارة المالية تسفيلا لهممهم زيادة في توبيخهم :( وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ ) أي العريقين في صفة التغطية للحق( كُفْرُهُمْ إِلَّا خَساراً ) أي في الدنيا والآخرة في المال والنفس وهو نهاية ما يفعله الماقت بالممقوت.

ولما بيّن أنه سبحانه هو الذي استخلفهم ، أكد بيان ذلك عندهم بأمرهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بما يضطرهم إلى الاعتراف به فقال :( قُلْ أَرَأَيْتُمْ ) أي أخبروني( شُرَكاءَكُمُ ) أضافهم إليهم لأنهم وإن كانوا جعلوهم شركاءه لم ينالوا شيئا من شركته لأنهم ما نقصوه شيئا من ملكه ، وإنما شاركوا العابدين في أموالهم بالشوائب وغيرها وفي أعمالهم فهم شركاؤهم بالحقيقة لا شركاؤه ، ثم بين المراد من عدهم لهم شركاء بقوله :( الَّذِينَ تَدْعُونَ ) أي تدعونهم شركاء( مِنْ دُونِ اللهِ ) أي الذي له جميع صفات الكمال.

ولما كان التقدير : بأي شيء جعلتموهم شركاء في العبادة ، ألهم شرك في الأرض ، بنى عليه قوله مكررا لإشهادهم عجز شركائهم ونقص من عبدوه من دونه :

٢٣٢

( أَرُونِي ما ذا ) أي الذي أو أيّ شيء( خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ ) أي لتصح لكم دعوى الشركة فيهم ، وإلا فادعاؤكم ذلك فيهم كذب محض وأنتم تدعون أنكم أبعد الناس منه في الأمور الهينة فكيف بمثل هذا ، ولعل استفهامهم عن رؤية شركائهم تنبيه على أنهم من الامتهان والحقارة بحيث يراهم كل من يقصد رؤيتهم ويعلم أنه لا خلق لهم ، والله تعالى ، بخلاف ذلك في كل من الأمرين ، مترد برداء الكبر محتجب بحجاب الجلال والعز ، وكل أحد يعلم أنه الخالق لكل مخلوق ، فكيف يكون من لا يخلق كمن يخلق.

ولما نبههم بهذا الأمر الذي ساقه هذا السياق المعلم بأنه لا ينبغي لعاقل أن يدعي شركة لشيء حتى يعلم الشركة وإن جهل عين المشارك فيه ، قال مؤكدا لذلك موسعا لهم في المحال ، زيادة في تبكيتهم على ما هم فيه من الضلال :( أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ ) أي وإن كان قليلا( فِي السَّماواتِ ) أي أروني ما ذا خلقوا في السماوات ، فالآية من الاحتباك : حذف أولا الاستفهام عن الشركة في الأرض لدلالة مثله في السماء ثانيا عليه ، وحذف الأمر بالإراءة ثانيا لدلالة مثله أولا عليه.

ولما أتم التبكيت بالاستفهام عن المرئي ، أتبعه التوبيخ بالاستفهام عن المسموع ، مؤذنا بالالتفات إلى التكلم بمظهر العظمة بشديد الغضب فقال :( أَمْ آتَيْناهُمْ ) أي الشركاء أو المشركين بهم بما لنا من العظمة( كِتاباً ) أي دالّا على أنه من عندنا بإعجازه أو غير ذلك من البراهين القاطعة ثبتت لهم شركة( فَهُمْ ) أي المشركون( عَلى بَيِّنَةٍ ) أي حجة ظاهرة ، وبينات ـ على القراءة الأخرى ، أي دلائل واضحات بما في ذلك الكتاب من ضروب البيان( مِنْهُ ) أي ذلك الكتاب على أنا أشركناهم في الأمر حتى يشهدوا لهم هذه الشهادة التي لا يسوغون مثلها في إثبات الشركة لعبد من عبيدهم في أحقر الأشياء فكيف يسوغونها في انتقاص الملك الذي لا خير عندهم إلا منه غير هائبين له ولا مستحين منه.

ولما كان التقدير : لم يكن شيء من ذلك فليسوا على بيان ، بل على غرور ، قال منبها لهم على ذميم أحوالهم وسفه آرائهم وخسة هممهم ونقصان عقولهم مخبرا أنهم لا يقدرون على الإتيان بشيء مما به يطالبون وأنه ليس لهم جواب عما عنه يسألون ، وأكده لأجل ظنهم أن أمورهم في غاية الإحكام ،( بَلْ إِنْ ) أي ما( يَعِدُ الظَّالِمُونَ ) أي الواضعون للأشياء في غير مواضعها( بَعْضُهُمْ بَعْضاً ) أي الأتباع للمتبوعين بأن شركاءهم تقربهم إلى الله زلفى وأنها تشفع وتضر ولا تنفع( إِلَّا غُرُوراً ) .

ولما بين حقارة الأصنام وكل ما أشركوا به بالنسبة إلى جلال عظمته ، وكانوا لا يقدرون على ادعاء الشركة في الخلق في شيء من ذلك ، وكان ربما أقدم على ادعائه

٢٣٣

معاند منهم أو من غيرهم ، وكان الناس قد توصلوا إلى معرفة شيء من التغيرات الفلكية كالشروق والغروب والخسوف ، وكانوا لا علم لهم بشيء من الزلازل والزوال ، قال مبينا عظمته سبحانه بعد تحقير أمر شركائهم معجزا مهددا لهم على إقدامهم على هذا الافتراء العظيم مبينا للنعمة بعدم المعاجلة بالهلاك ، وأكده لأن من الناس المكذب به وهم المعطلة ، ومنهم من عمله ـ وإن كان مقرا ـ عمل المكذب وهو من ينكر شيئا من قدرته كالبعث :( إِنَّ اللهَ ) أي الذي له جميع صفات الكمال( يُمْسِكُ السَّماواتِ ) أي على كبرها وعلوها( وَالْأَرْضَ ) أي على سعتها وبعدها عن التماسك على ما يشاهدون إمساكا مانعا من( أَنْ تَزُولا ) أي بوجه عظيمة وزلزلة كبيرة ، أو زوالا لا تماسك معه لأن ثباتهما على ما هما عليه على غير القياس لو لا شامخ قدرته وباهر عزته وعظمته ، فإن ادعيتم عنادا أن شركاءكم لا يقدرون على الخلق لعلة من العلل فادعوهم لإزالة ما خلق سبحانه.

ولما كان هذا دليل على أنهما حادثتان زائلتان ، أتبعه ما هو أبين منه ، فقال معبرا بأداة الإمكان :( وَلَئِنْ زالَتا ) أي بزلزلة أو خراب( إِنْ ) أي ما( أَمْسَكَهُما ) وأكد استغراق النفي بقوله :( مِنْ أَحَدٍ ) ولما كان المراد أن غيره سبحانه لا يقدر على إمساكهما في زمن من الأزمان وإن قل ، أثبت الجار فقال :( مِنْ بَعْدِهِ ) أي بعد إزالته لهما ، بل وإذا زلزلت الأرض اضطرب كل شيء عليها والأصنام من جملته ، فدل ذلك قطعا على أن الشركاء مفعولة لا فاعلة.

ولما كان السياق إلى الترغيب في الإقبال عليه وحده أميل منه إلى الترهيب ، وكان كأنه قيل : هو جدير بأن يزيلهما لعظيم ما يرتكبه أهلهما من الآثام وشديد الإجرام ، قال جوابا لذلك وأكده لأن الحكم عما يركبه المبطلون على عظمه وكثرتهم مما لا تسعه العقول :( إِنَّهُ كانَ ) أي أزلا وأبدا( حَلِيماً ) أي ليس من شأنه المعاجلة بالعقوبة للعصاة لأنه لا يستعجل إلا من يخاف الفوت فينتهز الفرص ، ورغب في الإقلاع مشيرا إلى أنه ليس عنده ما عند حلماء البشر من الضيق الحامل لهم على أنهم إذا غضبوا بعد طول الأناة لا يغفرون بقوله :( غَفُوراً ) أي محاء لذنوب من رجع إليه ، وأقبل بالاعتراف عليه ، فلا يعاقبه ولا يعاتبه.

( وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً (٤٢) اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلاً (٤٣) )

٢٣٤

ولما كان التقدير : فقالوا : إنا لا ندعي أنهم خلقوا شيئا من السماوات ولا من الأرض ونحن مقرون بأنه لا يمسك السماوات والأرض إلا الله ، وإنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى ، كما كان يفعل آباؤنا ، ولو لا أن لهم على ذلك دليلا ما فعلوه ، عطف عليه قوله مبينا ضلالهم في تكذيبهم الرسل بعد ما ظهر من ضلالهم في إشراكهم بالمرسل وهو يمهلهم ويرزقهم دليلا على حلمه مع علمه :( وَأَقْسَمُوا ) أي كفار مكة( بِاللهِ ) أي الذي لا عظيم غيره( جَهْدَ أَيْمانِهِمْ ) أي بغاية ما يقدرون عليه من الأيمان ، قال البغوي : لما بلغهم ـ يعني كفار مكة ـ أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم قالوا : لعن الله اليهود والنصارى! أتتهم رسلهم فكذبوهم ، لو أتانا رسول لنكونن أهدى دينا منهم.

ولما أخبر عن قسمهم ، حكى معنى ما أقسموا عليه دون لفظه بقوله :( لَئِنْ جاءَهُمْ ) وعبر بالسبب الأعظم للرسالة فقال :( نَذِيرٌ ) أي من عند الله( لَيَكُونُنَ ) أي الكفار( أَهْدى ) أي أعظم في الهدى( مِنْ إِحْدَى ) أي واحدة من( الْأُمَمِ ) أي السالفة أو من الأمة التي لم تكن في الأمم التي جاءتها النذر أهدى منها ، قال أبو حيان : كما قالوا هو أحد الأحدين ، وهي إحدى الأحد ، يريدون التفضيل في الدهاء والعقل. لأنهم أحد أذهانا وأقوم لسانا وأعظم عقولا ، وألزم لما يدعو إليه العقل ، وأطلب لما يشهد بالفضل ، وأكدوا بالقسم لأن الناظر لتكذيب أهل العلم بالكتاب يكذبهم في دعوى التصديق قياسا أخرويا ، ودل على إسراعهم في الكذب بالفاء فقال :( فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ) أي على ما شرطوا وزيادة ، وهو محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم الذي كانوا يشهدون أنه خيرهم مع كونه خيرهم نفسا وأشرفهم نسبا وأكرمهم في كل خلق أما وأبا ، وأمتنهم في كل مأثرة سببا( ما زادَهُمْ ) أي مجيئه شيئا مما هم عليه من الأحوال( إِلَّا نُفُوراً ) أي لأنه كان سببا في زيادتهم في الكفر كالإبل التي كانت نفرت من ربها فضلت عن الطريق فدعاها فازدادت بسبب دعائه نفرة ، فأعرقت في الضلال فصارت بحيث يتعذر أو يتعسر ردها فتبين أنه لا عهد لهم مع ادعائهم أنهم أوفى الناس ، ولا صدق عندهم مع جزمهم بأنهم أصدق الخلق. ولما كانوا قد جبلوا على الضلال ، وكان النفور قد يكون لأمر محمود أو مباح ، علله بقوله :( اسْتِكْباراً ) أي طلبا لإيجاد الكبر لأنفسهم( فِي الْأَرْضِ ) أي التي من شأنها السفول والتواضع والخمول( وَمَكْرَ السَّيِّئِ ) أي ولأجل مكرهم المكر الذي من شأنه أن يسوء صاحبه وغيره ، وهو إرادتهم لإيهان أمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وإطفاء نور الله ، وقراءة عبد الله ومكرا سيئا يدل على أنه من إضافة الشيء إلى صفته ، وقراءة حمزة بإسكان الهمزة بنية الوقف إشارة إلى تدقيقهم المكر وإتقانه وإخفائه جهدهم( وَلا ) أي

٢٣٥

والحال أنه لا( يَحِيقُ ) أي يحيط إحاطة لازمة ضارة( الْمَكْرُ السَّيِّئُ ) أي الذي هو عريق في السوء( إِلَّا بِأَهْلِهِ ) وإن آذى غير أهله ، لكنه لا يحيط بذلك الغير ، وعن الزهري أنه قال : بلغنا أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : لا تمكروا ولا تعينوا ماكرا فإن الله يقول هذه الآية ، ولا تبغوا ولا تعينوا باغيا يقول الله( إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ ) ولا تنكثوا ولا تعينوا ناكثا قال الله : ومن( نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ. )

ولما كان هذا سنة الله التي لا تبديل لها ، قال مسببا عن ذلك :( فَهَلْ يَنْظُرُونَ ) أي ينتظرون ، ولعله جرد الفعل إشارة إلى سرعة الانتقام من الماكر المتكبر ، ويمكن أن يكون من النظر بالعين لأنه شبه العلم بالانتقام من الأولين مع العلم بأن عادته مستمرة ، لأنه لا مانع له منها لعظيم تحققه وشدة استيقانه وقوة استحضاره بشيء محسوس حاضر لا ينظر شيء غيره في ماض ولا آت لأن غيره بالنسبة إليه عدم. ولما جعل استقبالهم لذلك انتظارا منهم له ، وكان الاستفهام إنكاريا ، فكان بمعنى النفي قال :( إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ) أي طريقتهم في سرعة أخذ الله لهم وإنزال العذاب بهم.

ولما كان هذا النظر يحتاج إلى صفاء في اللب وذكاء في النفس ، عدل عن ضميرهم إلى خطاب أعلى الخلق ، تنبيها على أن هذا مقام لا يذوقه حق ذوقه غيره ، فسبب عن حصر النظر أو الانتظار في ذلك قوله ، مؤكدا لأجل اعتقاد الكفرة الجازم بأنهم لا يتغيرون عن حالهم وأن المؤمنين لا يظهرون عليهم :( فَلَنْ تَجِدَ ) أي أصلا في وقت من الأوقات( لِسُنَّتِ اللهِ ) أي طريقة الملك الأعظم التي شرعها وحكم بها ، وهي إهلاك العاصين وإنجاء الطائعين( تَبْدِيلاً ) أي من أحد يأتي بسنة أخرى غيرها تكون بدلا لها لأنه لا مكافىء له( وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ ) أي الذي لا أمر لأحد معه( تَحْوِيلاً ) أي من حالة إلى أخفى منها لأنه لا مرد لقضائه ، لأنه لا كفوء له ، وفي الآية أن أكثر حديث النفس الكذب ، فلا ينبغي لأحد أن يظن بنفسه خيرا ولا أن يقضي على غائب إلا أن يعلقه بالمشيئة تبرؤا من الحول والقوة لعل الله يسلمه في عاقبته.

( أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً (٤٤) وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً (٤٥) )

ولما بيّن أن حالهم موجب ولا بد للإيقاع بهم لما ثبت من أيام الله ، وأنكر ذلك عليهم ، وكان التقدير : ألم يسمعوا أخبار الأولين المرة وأحوالهم المستمرة من غير

٢٣٦

تخلف أصلا في أن من كذب رسولا أخذ ، فقال عاطفا عليه استشهادا على الخبر عن سنته في الأولين بما يذكر من آثارهم :( أَوَلَمْ يَسِيرُوا ) أي فيما مضى من الزمان( فِي الْأَرْضِ ) أي التي ضربوا في المتاجر بالسير إليها في الشام واليمن والعراق( فَيَنْظُرُوا ) أي فيتسبب لهم عن ذلك السير أنه يتجدد لهم نظر واعتبار يوما من الأيام ، فإن العاقل من إذا رأى شيئا تفكر فيه حتى يعرف ما ينطق به لسان حاله إن خفي عنه ما جرى من مقاله ، وأشار بسوقه في أسلوب الاستفهام إلى أنه لعظمه خرج عن أمثاله فاستحق السؤال عن حاله( كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ ) أي آخر أمر( الَّذِينَ ) ولما كان عواقب الدمار في بعض ما مضى من الزمان ، أثبت الجار فقال :( مِنْ قَبْلِهِمْ ) أي على أيّ حالة كان أخذهم ليعلموا أنهم ما أخذوا إلا بتكذيب الرسل فيخافوا أن يفعلوا مثل أفعالهم فيكون حالهم كحالهم ، وهذا معنى آية يس( أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ ) [يس : ٣١] سواء كما يأتي إن شاء الله تعالى بيانه. ولما كان السياق لاتصافهم بقوتي الظاهر من الاستكبار والباطن من المكر الضار ، مكّن قوة الذين خوفهم بمثل مآلهم بوصفهم بالأشدية في جملة حالية فقال :( وَكانُوا ) أي أهلكناهم لتكذيبهم رسلنا والحال أنهم كانوا( أَشَدَّ مِنْهُمْ ) أي من هؤلاء( قُوَّةً ) في قوتي الاستكبار والمكر الجارّ بعد العار إلى النار.

ولما كان التقدير : فما أعجز الله أمر أمة منهم ولا أمر أحد من أمة حين كذبوا رسولهم ، وما خاب له ولي ولا ربح له عدو ، عطف عليه قوله ، مؤكدا إشارة إلى تكذيب الكفرة في قطعهم بأن دينهم لا يتغير ، وأنهم لا يغلبون أبدا لما لهم من الكثرة والمكنة وما للمسلمين من القلة والضعف :( وَما كانَ اللهُ ) أي الذي له جميع العظمة ؛ وأكد الاستغراق في النفي بقوله :( لِيُعْجِزَهُ ) أي مريدا لأن يعجزه ، ولما انتفت إرادة العجز فيه انتفى العجز بطريق الأولى ؛ وأبلغ في التأكيد بقوله :( مِنْ شَيْءٍ ) أي قل أو جل ؛ وعم بما يصل إليه إدراكنا بقوله :( فِي السَّماواتِ ) أي جهة العلو ، وأكد بإعادة النافي فقال :( وَلا فِي الْأَرْضِ ) أي جهة السفل. ولما كان منشأ العجز الجهل ، علل بقوله مؤكدا لما ذكر في أول الآية :( إِنَّهُ كانَ ) أي أزلا وأبدا( عَلِيماً ) أي شامل العلم( قَدِيراً ) أي كامل القدرة ، فلا يريد شيئا إلا كان.

ولما كانوا يستعجلون بالتوعد استهزاء فيقولون : ما له لا يهلكنا ، علم أن التقدير : لو عاملكم الله معاملة المؤاخذ لعجل إهلاككم ، فعطف عليه قوله إظهارا للحكم مع العلم :( وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ ) أي بما له من صفات العلو( النَّاسَ ) أي من فيه نوس أي حركة واضطراب من المكلفين عامة. ولما كان السياق هنا لأفعال الجوارح لأن المكر والكبر إنما تكره آثارهما لا الاتصاف بهما ، بخلاف الذي هو سياق النحل فإنه ممنوع

٢٣٧

من الاتصاف وإن لم يظهر به أثر من آثار الجوارح ، عبر هنا بالكسب وفك المصدر ليخص ما وجد منه بالفعل فقال :( بِما كَسَبُوا ) أي من جميع أعمالهم سواء كان حراما أو لا( ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها ) أي الأرض( مِنْ دَابَّةٍ ) أي بل كان يهلك الكل ، أما المكلفون فلأنه ليس في أعمالهم شيء يقدره سبحانه حق قدره ، لما لهم من النقص ولما له سبحانه من العلو والارتقاء والكمال ، وأما غيرهم فإنما خلقوا لهم ، والمعاصي تزيل النعم وتحل النقم ، وذلك كما فعل في زمان نوحعليه‌السلام ، لم ينج ممن كان على الأرض غير من كان في السفينة( وَلكِنْ ) لم يعاملهم معاملة المؤاخذ المناقش ، بل يحلم عنهم فهو( يُؤَخِّرُهُمْ ) أي في الحياة الدنيا ثم في البرزخ( إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ) أي سماه في الأزل لانقضاء أعمارهم ثم لبعثهم من قبورهم ، وهو لا يبدل القول لديه لما له من الصفات التي هي أغرب الغريب عندكم لكونكم لا تدركونها حق الإدراك( فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ ) أي الفنائي الإعدامي قبض كل واحد منهم عند أجله ، أو الإيجادي الإبقائي بعث كلّا منهم فجازاه بعمله من غير وهم ولا عجز.

ولما كانوا ينكرون ما يفهمه ذلك من البعث ، أكد فقال :( فَإِنَّ اللهَ ) أي الذي له صفات الكمال الموجد بتمام القدرة وكمال الاختيار( كانَ ) ولم يزل. ولما كان السياق للكسب الذي هو أعم من الظلم قال :( بِعِبادِهِ ) الذين أوجدهم ولا شريك له في إيجاد أحد منهم بجميع ذواتهم وأحوالهم( بَصِيراً ) أي بالغ البصر والعلم بمن يستحق العذاب منهم بالكسب ومن يستحق الثواب ، فقد انطبق آخرها كما ترى على أولها باستجماع صفات الكمال وتمام القدرة على كل من الإيجاد والإعدام للحيوان والجماد مهما أراد بالاختيار ، لما شوهد له سبحانه من الآثار ، كما وقع الإرشاد إليه بالأمر بالسير وبغيره وبما ختمت به السورة من صفة العلم على وجه أبلغ من ذكره بلفظه ، لما مضى في سورة طه من أن إحاطة العلم تستلزم شمول القدرة ، ولا تكون القدرة شاملة إلا إذا كانت عن اختيار ، فثبت حينئذ استحقاقه تعالى لجميع المحامد ، فكانت عنه سبحانه الرسالات الهائلة الجامعة للعزة والحكمة بالملائكة المجردين عن الشهوات وكل حظ إلى من ناسبهم من البشر بما غلب من جيش عقله على عساكر شهواته ونفسه ، حتى صار عقلا مجردا صافيا ، حاكما على الشهوات والحظوظ قاهرا كافيا.

٢٣٨

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة يس

مكية ـ آياتها ثلاث وثمانون

وتسمى القلب والدافعة والقاضية والمعمّة

مقصودها إثبات الرسالة التي هي روح الوجود وقلب جميع الحقائق وبها قوامها وصلاحها للمرسل بها الذي هو خالصة المرسلين الذين هم قلب الموجودات كلها ذوات ومعاني إلى أهل مكة أم القرى وقلب الأرض وهم قريش قلب العرب الذين هم قلب الناس ، بصلاحهم صلاحهم كلهم وبفسادهم فسادهم ، فلذلك كان من حولهم جميع أهل الأرض ، وجل فائدة الرسالة إثبات الوحدانية التي هي قلب الاعتقاد وخالصه وعموده للعزيز الرحيم ذي الجلال والإكرام ، وإنذار يوم الجمع الذي به ـ مع ستره عن العيان الذي هو من خواص القلب ـ صلاح الخلق ، فهو قلب الأكوان ، وبه الصلاح أو الفساد للإنسان ، وعلى ذلك تنطبق معاني أسمائها : يس والقلب والدافعة والقاضية والمعمة ، وأما يس فسيأتي بيانه من جهة إشارته إلى سر كونها قلبا المشير إلى البعث الذي هو من أجلّ مقاصدها الذي به يكون صلاح القلب الذي به يكون قبول ما ذكر ، وأما الباقي فإن من اعتقد الرسالة كفته ودفعت عنه جميع مهمه ، وقضت له بكل خير ، وأعطته كل مراد ، وكل منها له أتم نظر إلى القلب كما لا يخفى ، والمعمة : الشاملة بالخير والبركة ، قال في القاموس : يقال : عمهم بالعطية وهو معم خير يعم خيره ، فقد لاح أن هذه السورة الشريفة لما كانت قلبا كان كل شيء فيها له نظر عظيم إلى القلبية( بِسْمِ اللهِ ) الذي جلّ ملكه عن أن يحاط بمقداره( الرَّحْمنِ ) الذي جعل الإنذار بيوم الجمع رحمة عامة( الرَّحِيمِ ) الذي أنار قلوب أوليائه بالاجتهاد ليوم لقائه.

لما كان قلب كل شيء أبطن ما فيه وأنفس ، وكان قلب الإنسان غائبا عن الإحساس ، وكان مودعا من المعاني الجليلة والإدراكات الحفية والجلية ما يكون للبدن سببا في إصلاحه أو إفساده من إشقائه أو إبقائه ، وكانت الساعة من عالم الغيب ، وفيها

٢٣٩

يكون انكشاف الأمور ، والوقوف على حقائق المقدور ، وبملاحظتها في إصلاح أسبابها تكون السعادة الأبدية ، وبالإعراض عنها وإفساد أسبابها تكون الشقاوة السرمدية ، وكانت قد بينت في هذه السورة بيانا لم يكن في غيرها بما وقع من التصريح في قلبها الذي هو وسطها بنفختها المميتة لكل من على الأرض( فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ) والباعثة( فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ) والتصريح بالمعاد الجسماني والاستدلال عليه بالدليل الذي نقل أن أبا نصر الفارابي ـ الذي وسم بأنه المعلم الثاني ـ كان يقول : وددت أن هذا العالم الرباني ـ يشير إلى المعلم الأول أرسطو ـ وقف على هذا القياس الجلي حتى أعلم ما يقول فيه ، ويتلو قوله تعالى( قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ) وترتيب القياس أن يقال : الله أنشأ العظام وأحياها أول مرة ، وكل من أنشأ شيئا وأحياه أول مرة فهو قادر على إنشائه وإحيائه ثاني مرة ، ينتج أن الله قادر على إنشاء العظام وإحيائها بعد فنائها ، فاختصت بذلك عن باقي القرآن كانت قلبا له ، كما قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فيما رواه الترمذي عن أنس رضي الله عنه : «لكل شيء قلب وقلب القرآن يس»(١) ورواه أبو يعلى الموصلي ـ وهذا لفظه والإمام أحمد في مسنديهما عن معقل بن يسار رضي الله عنه أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «يس قلب القرآن لا يقرأها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له ، اقرؤوها على موتاكم»(٢) . قال شيخنا الحافظ شهاب الدين البوصيري : وله شاهد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه رواه البزار في مسنده ـ هذا ما هداني الله إليه ، وله الحمد من بيان السر في كونها قلبا ، ثم رأيت البرهان النسفي قال في تفسيره الذي هو مختصر التفسير الكبير للإمام الرازي في آخر السورة بعد أن ذكر الحديث : قال الغزالي فيه : إن ذلك ـ أي كونها قلبا ـ لأن الإيمان صحته بالاعتراف بالحشر ، والحشر مقرر في هذه السورة بأبلغ وجه ، فجعلت قلب القرآن لذلك ، واستحسنه الإمام المدقق المحقق فخر الدين الرازي ، ويمكن أن يقال : إن هذه السورة ليس فيها إلا تقرير الأصول الثلاثة : الوحدانية والرسالة والحشر ، بأقوى البراهين فابتدأها ببيان الرسالة بقوله( إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ) ودليله ما قدمه عليها بقوله( وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ) وما أخبره عنها بقوله( لِتُنْذِرَ قَوْماً ) وأنهاها ببيان الوحدانية والحشر بقوله( فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ) إشارة إلى التوحيد ، وقوله( وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) إشارة إلى الحشر ، وليس في هذه

__________________

(١) أخرجه الترمذي ٢٨٨٧ وقال حديث غريب وهارون مجهول وفي الباب من حديث أبي بكر ، وإسناده ضعيف.

(٢) أخرجه أحمد ٥ / ٢٦ وفيه رجل مبهم عن أبيه ، ولم يسمه أيضا.

٢٤٠