• البداية
  • السابق
  • 668 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 111 / تحميل: 14
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 6

مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
العربية

ولما كان هذا القرآن مبينا ، وكان الرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم متخلقا به ، فهو مظهره وصورة سورته ، فكان حاله مقتضيا لئلا يتخلف عن الإيمان حيّ ، قال مظهرا لما كان حقه في بادي الرأي الإضمار إفادة للتعميم مبينا لأن حكمه سبحانه منع من ذلك ، فانقسم المنذرون إلى قسمين :( مَنْ كانَ ) كونا متمكنا( حَيًّا ) أي حياة كاملة معنوية تكون سببا للحياة الدائمة ، فإنه لا يتوقف حينئذ عن الإيمان به خوفا مما يخوف به من الأمور التي لا يتوجه إليها ريب بوجه ، فيرجى له الخير ، فهو مؤمن في الحقيقة وإن ظهر عليه في أول أمره خلاف ذلك ، وأفرد الضمير هنا على اللفظ إشارة إلى قلة السعداء ، وجمع في الثاني على المعنى إعلاما بكثرة الأشقياء( وَيَحِقَ ) أي يجب ويثبت( الْقَوْلُ ) أي بالعذاب( عَلَى الْكافِرِينَ ) أي العريقين في الكفر فإنهم أموات في الحقيقة وإن رأيتهم أحياء ، فالآية من الاحتباك : حذف الإيمان أولا لما دل عليه من ضده ثانيا ، وحذف الموت ثانيا لما دل عليه من ضده أولا ، فتحقق بهذا أن أعظم منافاة القرآن للشعر وكذا السجع من أجل أنه جد كله ، فمحط أساليبه بالقصد الأول المعاني والألفاظ تابعة ، والشاعر والساجع محط نظرهما بالقصد الأول الروي والقافية والفاصلة حتى أن ذلك ليؤدي إلى ركة المعنى والكلام بغير الواقع ولا بد ، كما قال حسان بن ثابت رضي الله عنه وحاله معروف في البلاغة والتفنن في أساليب الكلام وصدق اللهجة وحسن الإسلام في غزوة الغابة وكان أميرها سعد بن زيد الأشهلي رضي الله عنه :

أسر أولاد اللقيطة أننا

سلم غداة فوارس المقداد

فغضب سعد على حسان رضي الله عنهما وحلف : لا يكلمه أبدا ، وقال : انطلق إلى خيلي وفوارسي ، فجعلها للمقداد ، فاعتذر إليه حسان رضي الله عنهما ومدحه بأبيات وقال : والله ما أردت ذلك ولكن الروي وافق اسم المقداد ، لأن القصيدة دالية ، فالنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لا يدور في فكره أبدا قصد اللفظ ، فإنه من باب الترويق ، وهوصلى‌الله‌عليه‌وسلم جد كله ، فهو لا يعدل عنه لأنه موزون ، بل لأنه لا يؤدي المعنى كما أن العرب تعدل عن اللحن ولا تحسن النطق به ولا تطوع ألسنتها له لكونه لحنا ، لا لكونه حركة ، فإن وافق شيء من الموزون ما أريد من المعنى لأجل أداء المعنى قاله ، كما يقع لكثير من المصنفين الكلام الموزون وما قصده ، وكما وقع كثير من الكلام الموزون من جميع أبحر الشعر في القرآن وإن لم يوافق المعنى لم يقله ، وعلى هذا يتخرج قولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم :

أنا النبي لا كذب

أنا ابن عبد المطلب

لو تظاهر الإنس والجن على أن يأتوا بما أداه من المعنى في ألفاظه أو مثلها على غير هذا النظم لم يقدروا ، وإذا تأملت كل بيت تمثل به فكسره لا تجده كسره إلا لمعنى

٢٨١

جليل ، لا يتأتى مع الوزن أو يكون لا فرق بين أدائه موزونا ومكسورا ، وهكذا السجع سواء ، ومن هنا علم أنه ليس المعنى أنه لا يحسن الوزن ، بل المعنى أن تعمد الوزن والسجع نقيصة لا تليق بمنصبه العالي لأن الشاعر مقيد بوزن وروي وقافية ، فإن أطاعه المعنى مع ما هو مقيد به كان وإلا احتال في إتمام ما هو مقيد به وإن نقص المعنى ، والساجع قريب من ذلك ، فهذا هو الذي لم يعلمه الله له ، لأنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم تابع للمعاني والحقائق والحكم التي تفيد الحياة الدائمة ، لأنه مهيأ بالطبع المستقيم لذلك غير مهيأ لغيره من التكلف ، وإذا أنعمت النظر في آخر الآية الذي هو تعليل لما قبله تحققت أن هذا هو المراد ، فوضح أيّ وضوح بهذا أن كلّا منهما نقيصة ، فلا يتحرك شيء من أخلاقه الشريفة نحوها ، ولا يكون له بذلك شيء من الاعتناء ، وقد أشبعت الكلام في هذا وأتقنته في كتابي «مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور» وهو كالمدخل إلى هذا الكتاب ـ والله الموفق للصواب.

ولما أخبر سبحانه بإعماء أفكارهم ، وهدد بطمس أبصارهم ، ومسخهم على مقاعدهم وقرارهم ، وأعلم بأن كتابه خاتم بإنذارهم ، ذكرهم بقدرته وقررهم تثبيتا لذلك ببدائع صنعته ، فقال عاطفا على ما تقديره : ألم يروا ما قدمناه وأفهمته آية( وَمَنْ نُعَمِّرْهُ ) وما بعدها من بدائع صنعنا تلويحا وتصريحا الدال على علمنا الشامل وقدرتنا التامة ، فمهما صوبنا كلامنا إليه حق القول عليه ولم يمنعه مانع ، ولا يتصور له دافع( أَوَلَمْ يَرَوْا ) أي يعلموا علما هو كالرؤية ما هو أظهر عندهم دلالة من ذلك في أجل أموالهم ، ولا يبعد عندي وإن طال المدى ـ أن يكون معطوفا على قوله :( أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ ) فذاك استعطاف إلى توحيده بالتحذير من النقم ، وهذا بالتذكير بالنعم ، ونبههم على ما في ذلك من العظمة بسوق الكلام في مظهرها كما فعل في آية إهلاك القرون فقال :( أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ ) وخصها بنفسه الشريفة محوا للأسباب وإظهارا لتشريفهم بتشريفها في قوله :( مِمَّا عَمِلَتْ ) .

ولما كان الإنسان مقيدا بالوهم لا ينفك عنه ، ولذلك يرى الأرواح في المنام في صور أجسادها ، وكانت يده محل قدرته وموضع اختصاصه ، عبر له بما يفهمه فقال :( أَيْدِينا ) أي بغير واسطة على علم منا بقواها ومقاديرها ومنافعها وطبائعها وغير ذلك من أمورها( أَنْعاماً ) ثم بين كونها لهم بما سبب عن خلقها من قوله :( فَهُمْ لَها مالِكُونَ ) أي ضابطون قاهرون من غير قدرة لهم على ذلك لو لا قدرتنا بنوع التسبب.

ولما كان الملك لا يستلزم الطواعية ، قال تعالى :( وَذَلَّلْناها لَهُمْ ) أي يسرنا قيادها ، ولو شئنا لجعلناها وحشية كما جعلنا أصغر منها وأضعف ، فمن قدر على تذليل

٢٨٢

الأشياء الصعبة جدا لغيره فهو قادر على تطويع الأشياء لنفسه ، ثم سبب عن ذلك قوله :( فَمِنْها رَكُوبُهُمْ ) أي ما يركبون ، وهي الإبل لأنها أعظم مركوباتهم لعموم منافعها في ذلك وكثرتها ، ولمثل ذلك في التذكير بعظيم النعمة والنفع واستقلال كل من النعمتين بنفسه أعاد الجار ، وعبر بالمضارع للتجدد بتجدد الذبح بخلاف المركوب فإن صلاحه لذلك ثابت دائم فقال :( وَمِنْها يَأْكُلُونَ ) .

ولما أشار إلى عظمة نفع الركوب والأكل بتقديم الجار ، وكانت منافعها من غير ذلك كثيرة ، قال :( وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ ) أي بالأصواف والأوبار والأشعار والجلود والبيع وغير ذلك ، وخص المشرب من عموم المنافع لعموم نفعه ، فقال جامعا له لاختلاف طعوم ألبان الأنواع الثلاثة ، وكأنه عبر بمنتهى الجموع لاختلاف طعوم أفراد النوع الواحد لمن تأمل( وَمَشارِبُ ) أي من الألبان ، أخرجناها مميزة عن الفرث والدم خالصة لذيذة ، وكل ذلك لا سبب له إلا أن كلمتنا حقت به ، فلم يكن بد من كونه على وفق ما أردنا ، فليحذر من هو أضعف حالا منها من حقوق أمرنا ومضي حكمنا بما يسوءه.

ولما كانت هذه الأشياء من العظمة بمكان ، لو فقده الإنسان لتكدرت معيشته ، سبب عن ذلك استئناف الإنكار عليهم في تخلفهم عن طاعته بقوله :( أَفَلا يَشْكُرُونَ ) أي يوقعون الشكر ، وهو تعظيم المنعم لما أنعم وهو استفهام بمعنى الأمر.

( وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥) فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٦) )

ولما ذكرهم نعمه ، وحذرهم نقمه ، عجب منهم في سفول نظرهم وقبح أثرهم ، فقال موبخا ومقرعا ومبكتا ومعجبا من زيادة ضلالهم عادلا عن مظهر العظمة إلى أعظم منه :( وَاتَّخَذُوا ) أي فعلنا لهم ذلك والحال أنهم كلفوا أنفسهم على غير ما تهدي إليه الفطرة الأولى أن أخذوا ، أو يكون معطوفا على( كانُوا ) من قوله :( إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ) فيكون التقدير : إلا كانوا يجددون الاستهزاء ، واتخذوا قبل إرساله إليهم مع ما رأوا من قدرتنا وتقلبوا فيه من نعمتنا :( مِنْ دُونِ اللهِ ) أي الذي له جميع العظمة ، فكل شيء دونه ، وما كان دونه كان مقهورا مربوبا( آلِهَةً ) أي لا شيء لها من القدرة ولا من صلاحية الإلهية. ولما تقرر أنها غير صالحة لما أهلوها له ، تشوف السامع إلى السؤال عن سبب ذلك ، فقال جوابا له تعجيبا من حالهم :( لَعَلَّهُمْ ) أي العابدين. ولما كان مقصودهم حصول النصر من أي ناصر كان ، بني للمفعول قوله :( يُنْصَرُونَ ) أي ليكون حالهم بزعمهم في اجتماعهم عليها والتئامهم بها حال من ينصر على من يعاديه ويعانده ويناويه.

٢٨٣

ولما كان للنصر سببان : ظاهري وهو الاجتماع ، وأصلي باطني وهو الإله المجتمع عليه ، بين غلطهم بتضييع الأمل ، فقال مستأنفا في جواب من كأنه قال : فهل بلغوا ما أرادوا؟ :( لا يَسْتَطِيعُونَ ) أي الآلهة المتخذة( نَصْرَهُمْ ) أي العابدين( وَهُمْ ) أي العابدون( لَهُمْ ) أي الآلهة( جُنْدٌ ) ولما كان الجند مشتركا بين العسكر والأعوان والمدينة ، عين المراد بضمير الجمع ولأنه أدل على عجزهم وحقارتهم فقال :( مُحْضَرُونَ ) أي يفعلون في الاجتماع إليها والمحاماة عنها فعل من يجمعه كرها إيالة الملك وسياسة العظمة ، فصارت العبرة بهم خاصة في حيازة السبب الظاهري مع تعبدهم للعاجز وذلهم للضعيف الدون مع ما يدعون من الشهامة والأنفة والضخامة ، فلو جمعوا أنفسهم على الله لكان لهم ذلك ، وحازوا معه السبب الأعظم.

ولما بين ما بين من قدرته الباهرة ، وعظمته الظاهرة ، وو هي أمرهم في الدنيا والآخرة ، وكان قد تقدم ما لوح إلى أنهم نسبوهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى الشعر ، وصرح باستهزائهم بالوعد مع ما قبل ذلك من تكذيبهم وإجابتهم للمؤمنين من تسفيههم وتضليلهم ، سبب عن ذلك بعد ما نفى عنهم النصرة قوله تسلية لهصلى‌الله‌عليه‌وسلم :( فَلا يَحْزُنْكَ ) قراءة الجماعة بفتح الياء وضم الزاي ، ومعناه : يجعل فيك ، وقراءة نافع بضم الياء وكسر الزاي تدل على أن المنهي عنه إنما هو كثرة الحزن والاستغراق فيه ، لا ما يعرض من طبع البشر من أصله ، فإن معنى أحزن فلانا كذا ، أي جعله حزينا( قَوْلُهُمْ ) أي الذي قدمناه تلويحا وتصريحا وغير ذلك فيك وفينا ولما كان علم القادر بما يعمل عدوه سببا لأخذه ، علل ذلك بقوله مهددا بمظهر العظمة :( إِنَّا نَعْلَمُ ما ) أي كل ما( يُسِرُّونَ ) أي يجددون إسراره( وَما يُعْلِنُونَ ) أي فنحن نجعل ما يسببونه لأذاك سببا لأذاهم ونفعك إلى أن يصيروا في قبضتك وتحت قهرك وقدرتك.

( أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) )

ولما أثبت سبحانه بهذا الدليل قدرته على ما هدد به أولا من التحويل من حال إلى أخرى ، فثبتت بذلك قدرته على البعث ، وختم بإحاطة العلم الملزوم لتمام القدرة ، أتبع ذلك دليلا أبين من الأول فقال عاطفا على( أَلَمْ يَرَوْا ) :( أَوَلَمْ يَرَ ) أي يعلم علما هو في ظهوره كالمحسوس بالبصر.

ولما كان هذا المثل الذي قاله هذا الكافر لا يرضاه حمار لو نطق ، أشار إلى غباوته بالتعبير بالإنسان الذي هو ـ وإن كان أفطن المخلوقات لما ركب فيه سبحانه من

٢٨٤

العقل ـ تغلب عليه الإنس بنفسه حتى يصير مثلا في الغباوة فقال :( الْإِنْسانُ ) أي جنسه منهم ومن غيرهم وإن كان الذي نزلت فيه واحدا( أَنَّا خَلَقْناهُ ) بما لنا من العظمة( مِنْ نُطْفَةٍ ) أي شيء يسير حقير من ماء لا انتفاع به بعد إبداعنا أباه من تراب وأمه من لحم وعظام( فَإِذا هُوَ ) أي فتسبب عن خلقنا له من ذلك المفاجأة لحالة هي أبعد شيء من حالة النطفة وهي أنه( خَصِيمٌ ) أي بالغ الخصومة( مُبِينٌ ) أي في غاية البيان عما يريده حتى أنه ليجادل من أعطاه العقل والقدرة في قدرته ، أنشد الأستاذ أبو القاسم القشيري في ذلك :

أعلمه الرماية كل يوم

فلما اشتد ساعده رماني

ولما كان التقدير : فعبد ـ مع أنا تفردنا بالإنعام عليه ـ عيرنا وخاصم ـ بما خلقناه له من اللسان وآتيناه من البيان ـ رسلنا وجميع أهل ودنا ، عطف عليه قوله مقبحا إنكارهم البعث تقبيحا لا يرى أعجب منه ، ولا أبلغ ولا أدل على التمادي ، في الضلال والإفراط في الجحود وعقوق الأيادي :( وَضَرَبَ ) أي هذا الإنسان ؛ وسبب النزول أبي بن خلف الجمحي الذي قتله النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بأحد مبارزة(١) ، فهو المراد بهذا التبكيت بالذات وبالقصد الأول( لَنا ) أي على ما يعلم من عظمتنا( مَثَلاً ) أي آلهته التي عبدها لكونها لا تقدر على شيء مكابرا لعقله في أنه لا شيء يشبهنا( وَنَسِيَ ) أي هذا الذي تصدى على نهاية أصله لمخاصمة الجبار ، وأبرز صفحته لمجادلته ، والنسيان هنا يحتمل أن يكون بمعنى الذهول ، وأن يكون بمعنى الترك( خَلْقَهُ ) أي خلقنا لهذا المخاصم الدال على كمال قدرتنا ، وأن آلهته التي أشرك بها لا تقدر على شيء ، فافترق الحال الذي جمعه بالمثل أيّ افتراق ، وصارا مقولا له : يا قليل الفطنة! أفمن يخلق كمن لا يخلق؟ أفلا تذكرون؟ ثم استأنف الإخبار عن هذا المثل بالإخبار عن استحالته لأن يقدر أحد على إحياء الميت كما أن معبوداته لا تقدر على ذلك فقال :( قالَ ) أي على سبيل الإنكار :( مَنْ يُحْيِ. ) ولما كانت العظام أصلب شيء وأبعده عن قبول الحياة لا سيما إذا بليت وأرفتت قال :( الْعِظامَ وَهِيَ ) ولما أخبر عن المؤنث باسم لما بلي من العظام غير صفة ، لم يثبت تاء التأنيث فقال :( رَمِيمٌ ) أي صارت ترابا يمر مع الرياح.

( قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ

__________________

(١) أخرجه الحاكم ٢ / ٤٢٩ عن ابن عباس رضي الله عنهما وصححه ووافقه الذهبي وإسناده قوي جيد.

وأخرجه الواحدي في أسباب النزول ص ٢٧٤ عن أبي مالك ، وعزاه السيوطي لابن أبي حاتم.

٢٨٥

بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣) )

ولما كان موطنا يتشوف فيه السامع لهذا الكلام إلى جوابه ، استأنف قوله مخاطبا من لا يفهم هذه المجادلة حق فهمها غيره :( قُلْ ) أي لهذا الذي ضرب هذا المثل جهلا منه في قياسه من يقدر على كل شيء على من لا يقدر على شيء ، وأعاد فعل الإحياء نصا على المراد دفعا للتعنت ودلالة على الاهتمام فقال :( يُحْيِيهَا ) أي من بعد أن بليت ثاني مرة ، ولفت القول إلى وصف يدل على الحكم فقال :( الَّذِي أَنْشَأَها ) أي من العدم ثم أحياها( أَوَّلَ مَرَّةٍ ) أي فإن كل من قدر على إيجاد شيء أول مرة فهو قادر على إعادته ثاني مرة ، وهي شاهدة بأن الحياة تحل العظم فيتنجس بالموت مما يحكم بنجاسة ميتته( وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ ) أي صنع وتقدير ممكن أن يخلق من ذلك ومن غيره ابتداء وإعادة( عَلِيمٌ ) أي بالغ العلم ، فلا يخفى عليه أجزاء ميت أصلا وإن تفرقت في البر والبحر ، ولا شيء غير ذلك ، فالآية من بديع الاحتباك : الإحياء أولا دال على مثله ثانيا ، والإنشاء ثانيا دال على مثله أولا ، و( أَوَّلَ مَرَّةٍ ) في الثاني دال على «ثاني مرة» في الأول ، فهو على كل شيء قدير كما برهن عليه في سورة طه ، فهو يوجد المقتضيات لكل ممكن يريده ، ويرفع الموانع فيوجد في الحال من غير تخلف أصلا ، فقد بلغ هذا البيان في الدلالة على البعث الجسماني والروحاني معا النهاية التي ليس وراءها بيان ، بعد أن وطأ له في هذه السورة نفسها بما لا يحتمل طعنا بقوله :( فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ. )

ولما كان مآل هذا المثل الذي علق الإنكار فيه بالرميم استبعاد تمييز الشيء ـ إذا صار ترابا واختلط بالتراب ـ عن غيره من التراب ، وصف نفسه المقدس بإخراج الشيء الذي هو أخفى ما يكون من ضده ، وذلك بتمييز النار من الخشب الذي فيه الماء ظاهر بأيدي العجزة من خلقه ، فقال معيدا للموصول تنبيها على التذكير بالموصوف ليستحضر ما له من صفات الكمال فيبادر إلى الخضوع له من كان حيا :( الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ ) أي متاعا واستبصارا( مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ) الذي تشاهدون فيه الماء( ناراً ) بأن يأخذ أحدكم غصنين كالسواكين وهما أخضران يقطر منهما الماء فيسحق المرخ ـ وهو ذكر ـ على العفار ـ وهو أنثى ـ فتخرج النار ؛ قال أبو حيان : وعن ابن عباس رضي الله عنهما :

٢٨٦

ليس شجر إلا وفيه نار إلا العناب ـ انتهى. ولذلك قالوا في المثل المشهور : في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار( فَإِذا أَنْتُمْ ) أي فيتسبب عن ذلك مفاجأتكم لأنكم( مِنْهُ ) أي الشجر الموصوف بالخضرة بعينه( تُوقِدُونَ ) أي توجدون الإيقاد ويتجدد لكم ذلك مرة بعد أخرى ، ما هو بخيال ولا سحر بل حقيقة ثابتة بينة ، وكأنه قدم الجار لكثرة إيقادهم منه ، فعد إيقادهم من غيره لذلك ولعظمته عدما.

ولما كان ذلك من غير كلفة عليهم ، قدم الجار تخصيصا له وعدا لغيره كالمعدوم ، فالذي قدر على تمييز النار من الماء والخشب وخبء النار فيهما لا النار تعدو على الخشب فتحرقه ولا الماء يعدو على النار فيطفئها قادر على تمييز تراب العظام من تراب غيرها ، ونفخ الروح فيها كما نفخ روح النار في الحطب المضاد له بالمائية.

ولما كان التقدير : أليس الذي قدر على ذلك بقادر على ما يريد من إحياء العظام وغيرها ، عطف عليه ما هو أعظم شأنا منه تقريرا على الأدنى بالأعلى فقال :( أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ ) أي أوجد من العدم وقدر( السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ) أي على كبرهما وعظمتهما وعظيم ما فيهما من المنافع والمصانع والعجائب والبدائع ، وأثبت الجار تحقيقا للأمر وتأكيدا للتقرير فقال :( بِقادِرٍ ) أي بثابت له قدرة لا يساويها قدرة ، ومعنى قراءة رويس عن يعقوب بتحتانية مفتوحة وإسكان القاف من غير ألف ورفع الراء أنه يجدد تعليق القدرة على سبيل الاستمرار( عَلى أَنْ يَخْلُقَ ) ولفت الكلام إلى الغيبة إيذانا بأنهم صاروا بهذا الجدل أهلا لغاية الغضب فقال :( مِثْلَهُمْ ) أي مثل هؤلاء الأناسي أي يعيدهم بأعيانهم كما تقول : مثلك كذا أي أنت ، وعبر به إفهاما لتحقيرهم وأن إحياء العظام الميتة أكثر ما يكون خلقا جديدا ، بل ينقص عن الاختراع بأن له مادة موجودة ، وعبر بضمير الجمع لأنه أدل على القدرة ، قال الرازي : والقدرة عبارة عن المعنى الذي به يوجد الشيء مقدرا بتقدير الإرادة والعلم واقعا على وفقهما وإن كانت صفات الله تعالى أعلى من أن يطمحها نظر عقل ، وتلحقها العبارات اللغوية ، ولكن غاية القدرة البشرية واللغة العربية هذا.

ولما كان الجواب بعد ما مضى من الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة الاعتراف ، قال سبحانه مقررا لما بعد النفي إشارة إلى أنه تجب المبادرة إليه ، ولا يجوز التوقف فيه ومن توقف فهو معاند :( بَلى ) أي هو قادر على ذلك( وَهُوَ ) مع ذلك أي كونه عالما بالخلق( الْخَلَّاقُ ) البالغ في هذه الصفة مطلقا في تكثير الخلق وتكريره بالنسبة إلى كل شيء ما لا تحيط به الأوهام ، ولا تدركه العقول والأفهام ، ولم ينازع أحد في العلم بالجزئيات بعد كونها ، كما نازعوا في القدرة على إيجاد بعض الجزئيات ، فاكتفى فيه

٢٨٧

بصيغة فعيل فقيل :( الْعَلِيمُ ) أي البالغ في العلم الذي هو منشأ القدرة ، فلا يخفى عليه كلي ولا جزئي في ماض ولا حال ولا مستقبل شاهد أو غائب.

ولما تقرر ذلك ، أنتج قوله مؤكدا لأجل إنكارهم القدرة على البعث :( إِنَّما أَمْرُهُ ) أي شأنه ووصفه( إِذا أَرادَ شَيْئاً ) أي إيجاد شيء من جوهر أو عرض أيّ شيء كان( أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ ) أي أن يريده ؛ ثم عطف على جواب الشرط على قراءة ابن عامر والكسائي بالنصب ، واستأنف على قراءة غيره بالرفع بقوله :( فَيَكُونُ ) أي من غير مهلة أصلا على وفق ما أراد.

ولما كان ذلك ، تسبب عنه المبادرة إلى تنزيهه تعالى عما ضربوه له من الأمثال فلذلك قال :( فَسُبْحانَ ) أي تنزه عن كل شائبة نقص تبزها لا تبلغ أفهامكم كنهه ، وعدل عن الضمير إلى وصف يدل على غاية العظمة فقال :( الَّذِي بِيَدِهِ ) أي بقدرته وتصرفه خاصة لا بيد غيره( مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ) أي ملكه التام وملكه ظاهرا وباطنا.

ولما كان التقدير : فمنه تبدؤون ، عطف عليه قوله :( وَإِلَيْهِ ) أي لا إلى غيره من التراب أو غيره ، ولفت القول إلى خطابهم استصغارا لهم واحتقارا فقال :( تُرْجَعُونَ ) أي معنى في جميع أموركم وحسا بالبعث لينصف بينكم ، فيدخل بعضا النار وبعضا الجنة ، ونبهت قراءة الجماعة بالبناء للمفعول على غاية صغارهم بكون الرجوع قهرا وبأسهل أمر ، وزادت قراءة يعقوب بالبناء للفاعل بأن انقيادهم في الرجوع من شدة سهولته عليه كأنه ناشىء عن فعلهم بأنفسهم اختيارا منهم ، فثبت أنه سبحانه على كل شيء قدير ، فثبت قطعا أنه حكيم ، فثبت قطعا أنه لا إله إلا هو ، وأن كلامه حكيم ، وثبت بتمام قدرته أنه حليم لا يعجل على أحد بالعقاب ، فثبت أنه أرسل الرسل للبشارة بثوابه والنذارة من عقابه ، فثبت أنه أرسل هذا النبي الكريم لما أيده به من المعجزات ، وأظهره على يده من الأدلة الباهرات ، فرجع آخر السورة بكل من الرسالة وإحياء الموتى إلى أولها ، واتصل في كلا الأمرين مفصلها بموصلها ، والله الهادي إلى الصواب وإليه المرجع والمآب.

٢٨٨

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة الصافات

مكية ـ آياتها مائة واثنان وثمانون

( وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِراتِ زَجْراً (٢) فَالتَّالِياتِ ذِكْراً (٣) إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ (٤) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ (٥) إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ (٦) وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ (٧) )

مقصودها الاستدلال على آخر يس من التنزه عن النقائص اللازم منه رد العباد للفصل بينهم بالعدل اللازم منه الوحدانية ، وذلك هو المعنى ذلك أشار إليه وسمها بالصافات( وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ بِسْمِ اللهِ ) أي الذي له الكمال المطلق فلا يدنو من جنابه نقص( الرَّحْمنِ ) الذي منّ برحمة العدل في الدارين( الرَّحِيمِ ) الذي يمنّ على من يريد بالطاعة بالثواب والمتاب لإسقاط العقاب.

لما كان الانفراد بالملكوت لا يكون إلا مع الوحدانية بالذات ، وفي ذلك استحقاق الاختصاص بالإلهية ، وكان ذلك ـ مع أنه بحيث لا يخفى على ذي لب ـ عندهم في غاية البعد ، ولذلك لا يسلمون ما يتعلق بالملكوت وينكرونه غاية الإنكار ، ناسب أن يقسم عليه. ولما كان من البلاغة أن يناسب بين القسم والمقسم عليه ، وكان الاصطفاف دالّا على اتحاد القصد كما في صفوف القتال والصلاة ، وكان الملائكة لا قصد لهم إلا الله من غير عائق عن ذلك فكانوا أحق الخلق بالاصطفاف ، تارة للصلاة ، وتارة للتسبيح والتقديس ، وتارة لتدبير الأرزاق ، وتارة لتعذيب أهل الشقاق ـ إلى غير ذلك من الأمور التي لا تسعها الصدور ، وكانوا بعد زجرة الإماتة ثم زجرة الإحياء المصرح بهما في السورة الماضية ثم زجرتي الصعق والإفاقة الآتيتين في الزمر حين تشقق السماء بالغمام وتكون وردة كالدهان ، وتنفطر بسطوة المليك الديان ، ويتكرر ما فيها من أجرام ومعان ، تنزل ملائكة كل سماء فتصير صفا مستديرا ، ملائكة الأولى حول أهل الأرض ، وملائكة الثانية حول ملائكة الأولى وهكذا ، ثم يصيرون إذا قيل( يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ

٢٨٩

اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا ) [الرحمن : ٣٣] فماج العباد بعضهم في بعض من شدة الزحام ، وطول القيام ، كلما مالوا على جهة من جهاتهم زجروهم زجرا ردوهم به عن النفوذ ، وصدوهم عن النفور ، تالين من كلام الملك العلام ما يليق بذلك الوقت في ذلك المقام ، مع أن انتظام المدبرات الناشىء عن اصطفافهم في التدبير في طاعة الملك القدير دال على الوحدانية ، قال تعالى :( وَالصَّافَّاتِ ) أي الجماعات من الملائكة والمصلين والمجاهدين المكملين أنفسهم بالاصطفاف في الطاعة ، فهو صفة لموصوف محذوف مؤنث اللفظ ، وعدل عن أن يقول : «الصافين» القاصر على الذكور العقلاء ليشمل الجماعات من الملائكة والجن والإنس والطير والوحش وغيرها ، إشارة إلى أنه لا يؤلف بين شيء منها ليتحد قصده إلا واحد قهار ، وأنه ما اتحد قصد شيء منها إلا استوى صفة ، ولا اعتدل صفة إلا اتحد زجره وهو صياحه ، ولا اتحد زجره إلا اتحد ما يذكره بصوته ، ولا اتحد منه ذلك إلا نجح قصده واتضح رشده بدليل المشاهدة ، وأدلها أن الصحابة رضي الله عنهم لما اتحد قصدهم في إعلاء الدين وهم أضعف الأمم وأقلها عددا لم يقم لهم جمع من الناس الذين لا نسبة لهم إليهم في قوة ولا كثرة ، ولم ينقض صفهم ، وجرح القلوب وأبارها زجرهم ، وشرح الصدور وأنارها ذكرهم ، كما أشار إليه تعالى آخر هذه السورة بقوله( وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ ) وكذا غير الآدميين من الحيوانات كما يرى من الفار والجراد إذا أراد الله تعالى اتحاد قصده في شيء فإنه يغلب فيه من يغالبه ، ويقهر من يقاويه أو يقالبه ، فبان أن الخير كله في الوحدة وأنه لا صلاح بدونها ، فبان أن الإله لا يكون متكبرا بوجه من الوجوه ، فصح ما أريد بالقسم ، واتحد جدا بالمقسم عليه والتأم والتحم به أيّ التحام ، وانتظم معناهما كل الانتظام.

ولما كان التأكيد بالمصدر أدل على الوحدة المرادة قال :( صَفًّا ) وهو ترتيب الجمع على خط. ولما كان توحد القصد موجبا للقوة المهيئة للزجر ، وكان تكميل الغير مسببا عن تكميل النفس ومرتبا عليه ، وأشرف منه لو تجرد عن التكميل ، وكان التكميل إنما يتم أمره ويعظم أثره مع الهيبة «فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد»(١) قال عاطفا بالفاء :( فَالزَّاجِراتِ ) أي المنتهرات عقب الصف كل من خرج عن أمر الله( زَجْراً ) أي انتهارا بالمواعظ وغيرها تكميلا لغيرهم.

__________________

(١) هذا قطعة من حديث بدء الوحي الذي أخرجه البخاري ٤٩٥٦ و ٦٩٨٢ ومسلم ١٦٠ والطيالسي ١٤٦٧ وابن حبان ٣٣ وعبد الرزاق ٩٧١٩ والبغوي ٣٧٣٥ وغيرهم عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها.

٢٩٠

ولما كانت الإفاضة مسببة عن حسن التلقي المسبب عن تفريغ البال المسبب عن هيبة المفيد ، وكان فيض التلاوة أعظم الفيض قال :( فَالتَّالِياتِ ) أي التابعات استدلالا على قولهم وفعلهم وتمهيدا لعذرهم وتشريفا لقدرهم ، وتكميلا لغيرهم :( ذِكْراً ) أي موعظة وتشريفا وتذكيرا من ذكر ربهم إفاضة على غيرهم من روح العلم وإدغام التاء في الصاد والزاي والذال إشارة إلى أن ذلك مع هوله وعظمه قد يخفى عن غير من يريد الله إطلاعه عليه ، فقد قطعت الصيحة قلوب الكفرة من ثمود وغيرهم ، ولم تؤثر فيمن آمن منهم ، وقد كان جبريلعليه‌السلام ينزل على النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ما يأتي به من القرآن والصحابة رضي الله عنهم حوله لا يستمعون شيئا منه ـ والله الموفق( إِنَّ إِلهَكُمْ ) أي الذي اتخذتم من دونه آلهة( لَواحِدٌ ) أي فإن التفرق لا يأتي بخير ، لما يصحبه من العجز البعيد جدا عن الكمال الذي لا تكون الإلهية أصلا إلا معه ، فإليه لا إلى غيره ترجعون ليفصل بينكم فيما كنتم فيه تختلفون ، وهو الذي أنزل هذا الكتاب بعزته ورحمته وحرسه من اللبس وغيره بما سيذكر من كبريائه وعظمته ولو لم يكن واحدا لاختل أمر هذا الاصطفاف والزجر والتلاوة ، وما يترتب عليها ، فاختل نظام هذا الوجود الذي نشاهده كما نشاهد في أحوال الممالك عند اختلاف الملوك في تغيير العوائد ونسخ الشرائع التي كان من قبلها أطدها وجميع ما له من الآثار والخصائص ، ونحن نشاهد هذا الوجود على ما أحكمه سبحانه وتعالى لا يتغير شيء منه عن حاله الذي حده له ، فعلمنا أنه واحد لا محالة متفرد بالعظمة ، لا كفوء له من غير شك.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما تضمنت سورة يس من جليل التنبيه وعظيم الإرشاد وما يهتدي الموفق باعتبار بعضه ، ويشتغل المعتبر به في تحصيل مطلوبه وفرضه ، ويشهد بأن الملك بجملته لواحد ، وإن رغم أنف المعاند والجاحد ، أتبعها تعالى بالقسم على وحدانيته فقال تعالى( وَالصَّافَّاتِ ) ـ الآية إلى قوله تعالى( إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ ) إلى قوله( وَرَبُّ الْمَشارِقِ ) ثم عاد الكلام إلى التنبيه لعجيب مصنوعاته فقال تعالى( إِنَّا ) رأينا( السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ ) إلى قوله( شِهابٌ ثاقِبٌ ) ثم أتبع بذكر عناد من جحد مع بيان الأمر ووضوحه وضعف ما خلقوا منه( إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ ) ثم ذكر استبعادهم العودة الأخروية وعظيم حيرتهم وندمهم إذا شاهدوا ما به كذبوا ، والتحمت الآي إلى ذكر الرسل مع أممهم وجريهم في العناد والتوقف والتكذيب على سنن متقارب ، وأخذ كل بذنبه ، وتخليص رسل الله وحزبه ، وإبقاء جميل ذكرهم باصطفائهم وقربه ، ثم عاد الكلام إلى تعنيف المشركين وبيان إفك المعتدين إلى ختم السورة ـ انتهى.

٢٩١

ولما ثبت أنه واحد ، أنتج وصفه بقوله :( رَبُ ) أي موجد ومالك وملك ومدبر( السَّماواتِ ) أي الأجرام العالية( وَالْأَرْضِ ) أي الأجرام السافلة( وَما بَيْنَهُما ) أي من الفضاء المشحون من المرافق والمعاون بما تعجز عن عده القوى ، وهذا ـ مع كونه نتيجة ما مضى ـ يصلح أن يكون دليلا عليه لما أشار إليه من انتظام التدبير الذي لا يتهيأ مع التعدد كما أن المقسم به هنا إشارة إلى دليل الوحدانية أيضا بكونه على نظام واحد دائما في الطاعة التي أشير إليها بالصف والزجر والتلاوة ، فسبحان من جعل هذا القرآن معجز النظام ، بديع الشأن بعيد المرام.

ولما كان السياق للإفاضة بالتلاوة وغيرها ، وكانت جهة الشروق جهة الإفاضة بالتجلي الموجد للخفايا الموجب للتنزه عن النقائص ، وكان الجمع أليق بالاصطفاف الناظر إلى القهر بالائتلاف قال :( وَرَبُّ الْمَشارِقِ ) أي الثلاثمائة والستين التي تجلى عليكم كل يوم فيها الشمس والقمر وسائر الكواكب السيارة على كر الدهور والأعوام ، والشهور والأيام ، على نظام لا ينحل ، ومسير لا يتغير ولا يختل ، وذكرها يدل قطعا على المغارب لأنها تختلف بها ، وأعاد الصفة معها تنبيها على وضوح دلالتها بما فيها مما السياق له من الاصطفاف الدال على حسن الائتلاف ، وللدلالة على البعث بالآيات بعد الغياب.

ولما كانت المشارق تقتضي الفيض والإظهار ، أتبع ذلك نتيجته بما من شأنه الشروق والغروب ولو بمجرد الخفاء والظهور ، فقال مؤكدا مع لفت الكلام إلى التكلم في مظهر العظمة تنبيها على أن فعلهم فعل من ينكر ما للنجوم من الزينة وما تدل عليه من عظمته سبحانه وتعالى ، وفخم التعبير عن الزينة بتضعيف الفعل لمثل ذلك :( إِنَّا زَيَّنَّا ) أي بعظمتنا التي لا تدانى( السَّماءَ ) ولما كانوا لا يرون إلا ما يليهم من السماوات ، وكانت زينة النجوم ظاهرة فيها قال :( الدُّنْيا ) أي التي هي أدنى السماوات إليكم.

ولما أشير إلى أن الصف زينة في الباطن باتحاد القصد كما أنه زينة في الظاهر بحسن الشكل وبديع الرصف ، زيد في التنبيه على ذلك بإعادة ما فهم من «زينا» في قوله :( بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ ) أي بالزينة التي للنجوم النيرة البراقة المتوقدة الثابتة في محالها ـ قارة أو مارة ـ المرصعة في السماء ترصيع المسامير الزاهرة كزهر النور المبثوث في خضرة الرياض الناضرة ، فهي مع عدم التنوين والخفض إضافة بيانية كثوب خز ، ومن نوّن الزينة فإن خفض الكواكب فعلى البدل ، أي بالكواكب التي هي زينة ، وإن نصب فعلى المدح بتقدير أعني ، أو على أنه بدل اشتمال من السماء ، أي كواكبها ، إما

٢٩٢

بكونها فيما دونها من الجو فبظن أنها فيها ، أو بكونها فيها من جانبها الذي يلينا ، أو بكونها تشف عنها وإن كان بعضها فيما هو أعلى منها ، وزينتها انتظامها وارتسامها على هذا النظم البديع في أشكال متنوعة وصور مستبدعة ما بين صغار وكبار ، منها ثوابت ومنها سيارة وشوارق وغوارب ـ إلى غير ذلك من الهيئات التي لا تحصى ، ولا حد لها عند العباد العجزة فيستقصى.

ولما كان كون الشيء الواحد لأشياء متعددة أدل على القدرة وأظهر في العظمة ، قال دالّا بالعطف على غير معطوف عليه ظاهر على مقدر يدل على أن الزينة بالنجوم أمر مقصود لا اتفاقي :( وَحِفْظاً ) أي زيناها بها للزينة وللحفظ( مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ ) أي بعيد عن الخير محترق. ولما كان القصد التعميم في الحفظ عن كل عات سواء كان بالغا في العتو أو لا قال :( مارِدٍ ) أي مجرد عن الخير عات في كل شر سواء كان بالغا في ذلك أقصى الغايات أو كان في أدنى الدرجات كضارب وضراب.

( لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ (٨) دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ (٩) إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ (١٠) فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ (١١) بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢) وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ (١٣) )

ولما كان المراد في سورتي النساء والحج ذم الكفرة بفعل ما ليس في كونه شرا لبس ، وبوضع النفس باتباع ما لا شك في دناءته ببعده عن الخير بعد الإخفاء به ، عبر بالمريد للمبالغة ، وكما أنه حرس السماء المحسوسة بما ذكره سبحانه وتعالى فكذلك زينعزوجل قلوب الأولياء التي هي كالسماء لأراضي أجسامهم بنجوم المعارف ، فإذا مسهم طيف من الشيطان تذكروا فرشقته شهب أحوالهم ومعارفهم وأقوالهم. ولما تشوف السامع إلى معرفة هذا الحفظ وثمرته وبيان كيفيته ، استأنف قوله :( لا يَسَّمَّعُونَ ) أي الشياطين المفهومون من كل شيطان ، لا يتجدد لهم سمع أصلا ، قال ابن الجوزي : قال الفراء :( لا ) هنا كقوله «كذلك سلكنه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به» ويصلح في( لا ) على هذا المعنى الجزم ، والعرب تقول : ربطت في شيء لا ينفلت ـ انتهى. ويؤخذ من التسوير بكل ثم الجمع نظرا إلى المعنى ، والإفراد لضمير الخاطف وللخطفة أنهم معزولون عن السمع جمعهم ومفردهم من الجمع ، وأن الخطف يكون ـ إن اتفق ـ في الواحد لا الجمع ومن الواحد لا الجمع ، وللكلمة وما في حكمها لا أكثر ، وإليه يشير حديث الصحيح «تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني» وأكد بعدهم بإثبات حرف الغاية ، فقال مضمنا (سمع) بعد قصره معنى «انتهى» أو «أصغى» ليكون المعنى : لا ينتهي سمعهم أو تسمعهم أو إصغاؤهم( إِلَى الْمَلَإِ ) أي الجمع العظيم الشريف ،

٢٩٣

وأوضحت هذا المعنى قراءة من شدد السين والميم بمعنى يتسمعون ، أي بنوع حيلة ، تسمعا منتهيا إلى ذلك ، وهو يفهم أنهم يتسمعون ، ولكن لا ينتهي تسمعهم إلى ما ذكر ، بما أشار إليه الإدغام ، ويشير أيضا إلى أنهم يجتهدون في إخفاء أمرهم ، وأفرد الوصف دلالة أيضا على أن العطف يكون من واحد لا من جمع فقال :( الْأَعْلى ) أي مكانا ومكانة بحيث يملؤون العيون بهجة والصدور هيبة.

ولما كان التقدير : لأنهم يطردون طردا قويا ، دل عليه بالعاطف في قوله :( وَيُقْذَفُونَ ) أي الشياطين يرمون رميا وحيا شديدا يطردون به ، وبني للمفعول لأن النافع قذفهم لا تعيين قاذفهم ، مع أنه أدل على القدرة الإلهية عزت وجلت( مِنْ كُلِّ جانِبٍ ) أي من جوانب السماوات بالشهب إذا قصدوا السماع بالاستراق( دُحُوراً ) أي قذفا يردهم مطرودين صاغرين مبعدين ، فهو تأكيد للقذف بالمعنى أو مفعول له أو حال.

ولما كان هذا ربما كان سببا لأن يظن ظان أنهم غير مقدور عليهم في غير هذه الحالة بغير هذا النوع أخبر أنهم في قبضته ، وإنما جعل حالهم هذا فتنة لمن أراد من عباده ، فقال معبرا باللام التي يعبر بها غالبا عن النافع تهكما بهم :( وَلَهُمْ عَذابٌ ) أي في الدنيا بهذا وبغيره ، وفي الآخرة يوم الجمع الأكبر( واصِبٌ ) أي دائم ممرض موجع كثير الإيجاع مواظب على ذلك ثابت عليه وإن افترق الدوامان في الاتصال والعظم والشدة والألم.

ولما ثبت بهذا حراسة القرآن بقدرة الملك الديان عن لبس الجان ، وكان بعضهم مع هذا يسمع في بعض الأحايين ما أراد الله أن يسمعه ليجعله فتنة لمن أراد من عباده مع تميز القرآن بالإعجاز ، استثنى من فاعل( يَسَّمَّعُونَ ) قوله :( إِلَّا مَنْ خَطِفَ ) ودل على قلة ذلك بعد إفراد الضمير بقوله :( الْخَطْفَةَ ) أي اختلس الكلمة أو أكثر ، مرة من المرات منهم ، ودل على قوة انقضاض الكواكب في أثره بالهمزة في قوله :( فَأَتْبَعَهُ ) مع تعديه بدونها ، أي تبعه بغاية ما يكون من السرعة حتى كأنه يسوق نفسه ويتبعها له كأن الله سبحانه وعز شأنه هيأها لئلا تنقض إلا في أثر من سمع منهم حين سماعه سواء لا يتخلف( شِهابٌ ) أي شعلة النار من الكوكب أو غيره( ثاقِبٌ ) أي يثقب ما صادفه من جني وغيره وإن كان الجني من نار فإنه ليس نارا خالصة ، وعلى التنزل فربما كان الشيء الواحد أنواعا بعضها أقوى من بعض ، فيؤثر أقواه في أضعفه كالحديد ، وتارة يخطىء الجني وتارة يصيبه ، وإذا أصابه فتارة يحرقه فيتلفه وتارة يضعفه.

ولما كان المقصود من هذا الكتاب الأعظم بيان الأصول الأربعة : التوحيد والنبوة والمعاد وإثبات القضاء والقدر ، ودل سبحانه بهذه المذكورات على وجوده وكمال علمه

٢٩٤

وتمام قدرته على الأفعال الهائلة وبديع حكمته اللازم منه إثبات وحدانيته تفصيلا لبعض إجمال( أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ) فكان ما دونها من الأفعال أولى ، سبب عن ذلك لإثبات الحشر الذي أخبر به هذا القرآن الذي حرسه عن تلبيس الجان بزينة الكواكب التي أنشأ منها الشهب الثواقب قوله تهكما بهم :( فَاسْتَفْتِهِمْ ) أي سلهم أن يتفتوا بأن يبينوا لك ما تسألهم عنه من إنكارهم البعث ، وأصله من الفتوة وهي الكرم :( أَهُمْ أَشَدُّ ) أي أقوى وأشق وأصعب( خَلْقاً ) أي من جهة إحكام الصنعة وقوتها وعظمها( أَمْ مَنْ ) ولما كان المراد الإعلام بأنه لا شيء من الموجودات إلا وهو خلقه سبحانه ، عبر بما يدل على ذلك دون ذكرنا ، وليكون أعم ، وحذف المفعول لأنه مفهوم ، ولئلا يلبس إذا ذكر ضمير المستفتين ، فقال :( خَلَقْنا ) أي من هذه الأشياء التي عددناها من الحي وغيره من الجن الذين أعطيناهم قدرة التوصل إلى الفلك وغيرهم ، وعبر ب «من» تغليبا للعاقل من الملائكة وغيرهم مما بين السماوات والأرض.

ولما كان الجواب قطعا أن هذه المخلوقات أشد خلقا منهم وأنهم هم من أضعف الخلائق خلقا ، قال دالّا على إرادة التهكم بهم في السؤال ، مؤكدا إشارة إلى أن إنكارهم البعث لاستبعادهم تمييز التراب من التراب يلزم منه إنكار ابتداء الخلق على هذا الوجه :( إِنَّا خَلَقْناهُمْ ) أي على عظمتنا( مِنْ طِينٍ ) أي تراب رخو مهين( لازِبٍ ) أي شديد اختلاط بعضه ببعض فالتصق وضمر وتضايق وتلازم بعضه لبعض ، وقل واشتد ودخل بعض أجزائه في بعض ، وصلب وثبت فصار تمييز بعضه من بعض أصعب من تمييز بعض التراب المنتثر من بعض ، قال ابن الجوزي : قال ابن عباس رضي الله عنهما : هو الطين الحر الجيد اللزق. وإنما كانوا من طين لأن أباهم آدم كان منه من غير أب ولا أم ، فصاروا بهذا التقدير بعض الطين الذي هو بعض خلقه الذي عدده قبل ذلك سبحانه وتعالى ، ومن المعلوم أن حال الطين مباعدة لحالهم ، ولكنهم كانوا بقدرته سبحانه الذاتية التي لا يمتنع عليها مقدور ، ولا يعجزها مأمور ، فدل ابتداء خلقهم وخلق ما هو أشد منهم وأعظم على القدرة على إعادتهم قطعا بل بطريق الأولى من غير وجه ، وحسن هذا الاستقتاء كل الحسن ختم الكلام قبله بمن بلغوا السماء تكبرا وعلوا ، وهموا بما لم ينالوا تجبرا وعلوا ، وسلط عليهم ما يردهم مقهورين مبعدين مدحورين ، واستثنى منهم من( خَطِفَ ) ليعلم أنه غير محال ما تعلقت به منهم الآمال ، هذا مع ما ذكره في خلقهم من الطين اللازب الذي من شأنه الرسوب لثقله والسفول كما أن من شأن من ختم بهم ما قبله العلو لخفتهم والصعود.

ولما كان من المعلوم قطعا أن المراد بهذا الأمر بالاستفتاء إنما هو التبكيت لأن

٢٩٥

من المعلوم قطعا أن الجواب : ليسوا أشد خلقا من ذلك ، فليس بعثهم ممتنعا ، وليست غلبتهم لرسول الواحد القهار ـ الذي حكمه في هذا الوحي بإظهاره على الدين كله ـ بجائزة أصلا ، نقلا ولا عقلا ، بوجه من الوجوه ، فلا شبهة لهم في إنكاره ولا في ظنهم أنهم يغلبون رسولنا ، بل هم في محل عجب شديد في إنكاره وظنهم أنهم غالبون في الدنيا ، عبر عن ذلك بقوله ، مسندا العجب إلى أجلّ الموجودات أو أجلّ المخلوقات تعظيما له بمعنى أنه قول يستحق أن يقال فيه : إنه لا يدري ما الذي أوقع فيه وكان سببا لارتكابه ، فقال :( بَلْ عَجِبْتَ ) بضم التاء على قراءة حمزة والكسائي لفتا للقول من مظهر العظمة للتصريح بإسناد التعجب إليه سبحانه إشارة إلى تناهي هذا العجب إلى حد لا يوصف لإسناده إلى من هو منزه عنه ، وبفتحها عند الباقين أي من جرأتهم في إنكارهم البعث ولا سيما وقد دل عليه القرآن في هذه الأساليب الغريبة والوجوه البديعة العجيبة التي لا يشك فيها من له أدنى تصور ، وقد كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ظن كما هو اللائق أنه لا يسمع القرآن أحد إلا آمن به ، قال القشيري : وحقيقة التعجب تغير النفس بما خفي فيه السبب مما لم تجر العادة بحدوث مثله ، ومثل هذا حديث الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال لأم سليم وأبي طلحة رضي الله عنهما : ضحك ـ وفي رواية : عجب ـ الله من فعالكما الليلة(١) ، وحديث البخاريرحمه‌الله عن أبي هريرة رضي الله عنه أيضا : عجب ربنا من أقوام يقادون إلى الجنة في السلاسل(٢) . ومثله كثير ، والمعنى في الكل التنبيه على عظم الفعل وأنه خارق للعادة ، ويجوز أن يكون المعنى أنهم لم ينكروه لقلة الدلائل عليه ، بل قد أتى من دلائله ما يعجب إعجابا عظيما من كثرته وطول الأناة في مواترته( وَيَسْخَرُونَ ) أي حصل لك العجب والحال أنهم يجددون السخرية كلما جئتهم بحجة( وَإِذا ذُكِّرُوا ) أي وعظوا من أيّ واعظ كان بشيء هم به عارفون جدا يدلهم على البعث مثل ما يذكرون به من القدرة ، مع أنه لا يجوز في عقل عاقل منهم أن أحدا يدع من تحت يده بلا محاسبة( لا يَذْكُرُونَ ) أي لا يعملون بموجب التذكير.

( وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤) وَقالُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ (١٨) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩) )

__________________

(١) أخرجه البخاري ٣٧٩٨ و ٤٨٨٩ ومسلم ٢٠٥٤ والبيهقي ٤ / ١٨٥ وابن حبان ٥٢٨٦ والواحدي ص ٢٨١ عن أبي هريرة رضي الله عنه.

(٢) أخرجه البخاري ٣٠١٠ و ٢٦٧٧ وأحمد ٢ / ٣٠٢ و ٤٠٦ و ٤٥٧ وأبو داود ٢٦٧٧ وابن حبان ١٣٤ والبغوي ٢٧١١ عن أبي هريرة رضي الله عنه.

وفي الباب عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه ، وإسناده لا يصح انظر المسند ٥ / ٢٤٩.

٢٩٦

ولما ذكر إعراضهم عن المسموع ، أتبعه إعراضهم عن المرئي فقال :( وَإِذا رَأَوْا آيَةً ) أي علامة على صدق الرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم في ذلك وغيره( يَسْتَسْخِرُونَ ) أي يطلبون السخرية بها بأن يدعو بعضهم بعضا لذلك من شدة استهزائهم.

ولما كان إنكارهم للبعث ولو صدر منهم مرة واحدة في الشناعة والعظم والقباحة مثل تجديدهم للسخرية كلما سمعوا آية والمبالغة فيها لأن دلائله من الظهور والوضوح بمكان هو في غاية البعد عن الشكوك ، دل على ذلك بالتعبير بالماضي فقال :( وَقالُوا ) أي ما هو غاية في العجب :( إِنْ ) أي ما( هذا ) أي الذي أتانا به من أمر البعث وغيره مما شاهدناه أو أخبرنا به( إِلَّا سِحْرٌ ) أي خيال وأمور مموهة لا حقائق لها( مُبِينٌ ) أي ظاهر في نفسه ومظهر لسخريته ثم خصوا البعث بالإنكار إعلاما بأنه أعظم مقصود بالنسبة إلى السحر فقالوا مظهرين له في مظهر الإنكار :( أَإِذا مِتْنا ) وعطفوا عليه ما هو موجب عندهم لشدة الإنكار فقالوا :( وَكُنَّا ) أي كونا هو في غاية التمكن( تُراباً ) قدموه لأنه أدل على مرادهم لأنه أبعد عن الحياة( وَعِظاماً ) كأنهم جعلوا كل واحد من الموت والكون إلى الترابية المحضة والعظامية المحضة أو المختلطة منهما مانعا من البعث ، وهذا بعد اعترافهم أن ابتداء خلقهم كان من التراب مع أن هذا ظاهر جدا «ولكن عقول ضلها باريها» ثم كرروا الاستفهام الإنكاري على قراءة من قرأ به زيادة في الإنكار فقالوا :( أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ) .

ولما كان المعنى : أيثبت بعثنا ، عطفوا عليه قولهم مكررين للاستفهام الإنكاري تأكيدا لزيادة استبعادهم حتى أنهم قاطعون بأنه محال فقالوا قولا واهيا :( أَوَآباؤُنَا ) أي يثبت بعثنا وكذا آباؤنا ، وزادوا في الاستبعاد بقولهم :( الْأَوَّلُونَ ) أي الذين طال مكثهم في الأرض تحت أطباق الثرى وانمحقت أجزاؤهم بحيث لم يبق لهم أثر ما ، ومرت الدهور ولم يبعث أحد منهم يوما من الأيام ، يدلنا بعثه على ما يدعي من ذلك.

ولما بالغوا هذه المبالغات في إنكاره بعد قيام البراهين في هذه السورة وغيرها على جوازه بل وجوبه عادة ، أمره بأن يجيبهم بما يقابل ذلك فقال تعالى :( قُلْ نَعَمْ ) أي تبعثون على كل تقدير قدرتموه ، وذكر حالهم بقوله :( وَأَنْتُمْ داخِرُونَ ) أي مكرهون عليه صاغرون ذليلون حقيرون. ثم سبب عن الوعد بتحتم كونه ما يدل على أنه غاية في الهوان فقال :( فَإِنَّما ) أي يكون ذلك بسبب أنكم تزجرون فتقومون ، والزجرة التي يقومون بها إنما( هِيَ زَجْرَةٌ ) أي صيحة ، وأكد ما يفهمه من الوحدة لأجل إنكارهم تصريحا بذلك وتحقيرا لأمر البعث في جنب قدرته سبحانه وتعالى فقال :( واحِدَةٌ ) وهي الثانية التي كانت الإماتة لجميع الأحياء في آن واحد بمثلها ، وأصل الزجر الانتهار

٢٩٧

ويكون لحث أو منع ، وإنما يكون ذلك للمقدور عليه الذي فعل ما يغضب الزاجر ، فلذلك سمى الصيحة زجرة.

ولما كان هذا الكلام مؤذنا بالغضب ، حققه بصرف الكلام عن خطابهم جعلا لهم بمحل البعد وتعميما لغيرهم ، فقال معبرا بالفاء المسببة المعقبة وأداة المفاجأة :( فَإِذا هُمْ ) أي جميع الأموات بضمائرهم وظواهرهم القديم منهم والحديث أحياء( يَنْظُرُونَ ) أي في الحال من غير مهلة أصلا ، ولا فرق بين من صار كله ترابا ومن لم يتغير أصلا ، ومن هو بين ذلك ، ولعله خص النظر بالذكر لأنه لا يكون إلا مع كمال الحياة ، ولذلك قالصلى‌الله‌عليه‌وسلم : إذا قبض الروح تبعه البصر(١) . وأما السمع فقد يكون لغير الحي لأنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال في الكفار من قتلى بدر : ما أنتم بأسمع لما أقول منهم(٢) . وشاهدت أنا في بلاد العرقوب المجاورة لبانياس من بلاد الشام شجرة شوك يقال لها الغبيراء متى قيل عندها «هات لي المنجل لأقطع هذه الشجرة» أخذ ورقها في الحال في الذبول ـ فالله أعلم ما سبب ذلك.

( وَقالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠) هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١) احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (٢٤) ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٧) قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨) )

ولما حصل الغرض من تصوير حالهم بهذا الفعل المضارع ، عطف عليه بصيغة المضي التي معناها الاستقبال إعلاما بتحقق الأمر تحقق ما مضى وكان ، وتحققه مع القيام سواء من غير تخلف ولا تخلل زمان أصلا فقال :( وَقالُوا ) أي كل من جمعه البعث من الكفرة معلمين بما انكشف لهم من أنه لا ملازم لهم غير الويل :( يا وَيْلَنا ) أي يا من ليس لنا نديم غيره( هذا يَوْمُ الدِّينِ ) أي الجزاء لكل عامل.

ولما كان قولهم هذا إنما هو للتحسر على ما فاتهم من التصديق النافع به ، زادوا في ذلك بقولهم يخاطب بعضهم بعضا بدلا أو وصفا بعد وصف دالين بإعادة اسم الإشارة على ما داخلهم من الهول :( هذا يَوْمُ الْفَصْلِ ) أي الذي يفصل فيه بين

__________________

(١) أخرجه أحمد ٦ / ٢٩٧ ومسلم ٩٢٠ وأبو داود ٣١١٨ والنسائي في الفضائل ١٨٠ والطبراني ٢٣ / (٧١٢) وابن حبان ٧٠٤١ والبيهقي ٣ / ٣٨٤ عن أم سلمة رضي الله عنها.

(٢) أخرجه البخاري ٣٩٧٦ عن أبي طلحة رضي الله عنه.

وأخرجه أحمد ٣ / ١٠٤ و ١٨٢ و ٢٦٣ ومسلم ٢٨٧٤ وابن حبان ٦٤٩٨ عن أنس رضي الله عنه.

٢٩٨

الخصوم ؛ ثم زادوا تأسفا وتغمما وتلهفا بقولهم ، لافتين القول عن التكلم إلى الخطاب لأنه أدل على ذم بعضهم لبعض وأبعد عن الإنصاف بالاعتراف :( الَّذِي كُنْتُمْ ) أي يا دعاة الويل جبلة وطبعا( بِهِ تُكَذِّبُونَ ) وقدموا الجار إشارة إلى عظيم تكذيبهم به ، فبينما هم في هذا التأسف إذ برز النداء بما يهدىء قواهم ، ويقر قلوبهم وكلاهم ، لمن لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون من الملائكة الشداد الغلاظ بإذلالهم وإصغارهم ، ولبيان السرعة لذلك من غير تنفيس أسقط ما يدل على النداء من نحو قوله : فقيل للملائكة ، أو فقلنا ، أو فبرز النداء من جانب سلطاننا ـ ونحو هذا :( احْشُرُوا ) أي اجمعوا بكره وصغار وذل أيها الموكلون بالعباد من الأجناد ، وأظهر تعريفا بوصفهم الموجب لحتفهم فقال :( الَّذِينَ ظَلَمُوا ) أي بما كانوا فيه في الدنيا بوضع الأشياء في غير محالها من الخبط الذي لا يفعله إلا من هو في أشد الظلام( وَأَزْواجَهُمْ ) أي أتباعهم الذين استنوا بهم في ذلك الضرب من الظلم وأشباههم فيه من الجن وغيرهم ومن أعانهم ولو بشطر كلمة أو رضى فعلهم لتصير كل طائفة على حدة فيصير بعضهم يبكت بعضا وبعضهم يشتم بعضا( وَما كانُوا ) أي بما دعتهم إليه طباعاتهم المعوجة( يَعْبُدُونَ ) أي مواظبين على عبادته رجاء منفعته تحقيقا لخسارتهم بتحقق اعتمادهم على غير معتمد ، وهو يعم المعبود حقيقة أو مجازا بالتزيين (ومن سابقات له الحسنى) مستثنى بآية الأنبياء ، وأشار إلى سفول رتبة معبوداتهم وتسفيه آرائهم بانتحال الأذى بقوله صارفا الأسلوب من المتكلم ولو بمظهر العظمة إلى أعظم منه :( مِنْ دُونِ اللهِ ) أي الذي تفرد بنعوت العظمة وصفات الكمال ، والمراد الذين رضوا بعبادتهم لهم ولم ينكروا عليهم ذلك ويأمروهم بتوحيد الله.

ولما كانوا قد سلكوا في الدنيا طريق الشقاء المعنوية استحقوا أن يلزموا في القيامة سلوك طريقه الحسية ، فلذلك سبب عن الأمر بحشرهم قوله تهكما بهم وتحسيرا لهم :( فَاهْدُوهُمْ ) أي دلوهم دلالة لا يرتابون معها ليعرفوا ـ مع ما هم فيه من الإكراه على سلوكها ـ مآلهم ، فيكون ذلك أعظم في نكدهم ؛ قال الرازي : وأصل الهداية التقدم ، والعرب تسمي السابق هاديا ، يقال : أقبلت هوادي الخيل أي أعناقها ، والهادية : العصى ـ لأنها تتقدم ممسكها ، ونظر فلان هدى أمره أي جهته. ثم أشار إلى طول وقوفهم وسوء مقامهم بقوله بأداة الانتهاء :( إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ ) أي طريق النار الشديدة التوقد الواضح الذي لا لبس عندهم بأنه يشترطهم فيؤديهم إليها ، وخص هذا الاسم إعلاما بشديد توقدها وعظيم تأججها ، وبعد قعرها وضخامة غمرتها ، بتراكم بعضها فوق بعض وقوة اضطرامها ، وعلو شأنها واصطلامها ، وصلابة اضطرابها وتحرقها واشتمالها

٢٩٩

على داخليها وتضايقها ، وفيه تهكم بهم في كونهم على غير ما كانوا عليه في الدنيا من التناصر والتعاضد.

ولما كان المقصود من تعريفهم طريق النار أولا ازدياد الحسرة ، صرح بما أفهمه حرف الغاية من طول الحبس فقال :( وَقِفُوهُمْ ) أي احبسوهم واقفين بعد ترويعهم بتلك الهداية التي سببها الضلال ، فكانت ثمرتها الشقاوة ، وإيقافهم يكون عند الصراط ـ نقله البغوي عن المفسرين ، قال : لأن السؤال عند الصراط. ثم علل ذلك بقوله :( إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ) وجمع عليهم الهموم بهذه الكلمة لتذهب أوهامهم كل مذهب ، فلا تبقى حسرة إلا حضرتهم ، ولا مصيبة إلا علت قلوبهم فقهرتهم ، فإن المكلف كله ضعف وعورة ، فموقف السؤال عليه أعظم حسرة.

ولما أوقفوا هذا الموقف الذليل ، قد شغلهم ما دهمهم من الأسف عن القال والقيل ، نودوا من مقام السطوة ، وحجاب الجبروت والعزة ، زيادة في تأسيفهم وتوبيخهم وتعنيفهم لفتا عن سياق الغيبة إلى الخطاب دلالة على أعظم خيبة :( ما لَكُمْ ) أي أيّ شيء حصل لكم فشغلكم وألهاكم حال كونكم( لا تَناصَرُونَ ) أي ينصر بعضكم بعضا ، ويتسابقون في ذلك تسابق المتناظرين فيه أولي الجد والشكيمة والنخوة والحمية ولو بأدنى التناصر ـ بما يفهمه إسقاط التاء ، أو بعد تمكث وإعمال حيلة ـ بما أشارت إليه قراءة البزي عن ابن كثير بالمد والإدغام : أين قولكم في بدر «نحن جميع منتصر» معبرين بما دل على ثبات المناصرة.

ولما كان قد دهمهم من الأمر ما أوجب إبلاسهم ، وأحدّ إدراكهم وإحساسهم ، أشار إلى ذلك بإحلالهم في محل الغيبة المؤذنة بالإبعاد بأن قال مضربا عما تقديره : إنهم لا يتناصرون :( بَلْ هُمُ ) وزاد في تعظيم ذلك الوقت والتذكير به فقال :( الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ ) أي ثابت لهم استسلامهم ثباتا لا زوال له ، قد خذل بعضهم بعضا موجدين الإسلام أي الانقياد إيجاد من كأنه يطلبه ويعظم فيه رغبته رجاء أن يخفف ذلك عنهم.

ولما أخبر بأنهم سئلوا فلم يجيبوا ، كان ربما ظن أنهم أخرسوا فنبه على أنهم يتكلمون بما يزيد نكدهم ، فقال عاطفا على قوله( وَقالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ ) إشارة إلى إقبالهم على الخصام ، حين تمام القيام ، والأخذ في تحريك الأقدام ، بالسير على هيئة الاجتماع والازدحام ، إلى مواطن النكد والاغتمام ، ولم يعطفه بالفاء لأنه ليس مسببا عن القيام ، ولا عن الإيقاف للسؤال ، بخلاف ما يأتي عن أهل الجنة :( وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ )

٣٠٠