• البداية
  • السابق
  • 668 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 96 / تحميل: 14
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 6

مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
العربية

يُونُسَ ) أي أحد أنبياء بني إسرائيل وهو يونس بن متىعليه‌السلام ، حكى البغوي في قصة إلياسعليه‌السلام أنه لما أرسله الله تعالى إلى سبطه من بني إسرائيل الذين كانوا في مدينة بعلبك ، فكذبوه وأراد ملكهم قتله فاختفى في تلك الجبال ، اشتاق إلى الناس فنزل فمكث عند امرأة من بني إسرائيل وهي أم يونس بن متىعليه‌السلام ، وكان يونس إذ ذاك رضيعا ثم رجع إلى الجبال فمات يونسعليه‌السلام ، فأتت أمه إلى تلك الجبال ، فما زالت تطوف حتى ظفرت بإلياسعليه‌السلام ، فسألته أن يدعو لابنها فيحييه الله ، فقال لها : إني لم أومر بهذا ، وإنما أنا عبد مأمور ، فجزعت فزاد جزعها وتضرعها إليه ، فرق لها ورحمها وسار معها فوصل إلى بيتها بعد أربعة عشر يوما من حين مات ، وهو مسجى في ناحية البيت ، فدعا الله فأحياه لها ، وعاد إلياسعليه‌السلام إلى جبله( لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ) .

ولما كان من أعظم المقاصد التسلية على استكبارهم عن كلمة التوحيد وقولهم : إنه شاعر مجنون ، ذكر من أمر يونسعليه‌السلام ما يعرف منه صعوبة أمر الرسالة وشدة خطبها وثقل أمرها وشدة عنايته سبحانه بالرسلعليهم‌السلام وأنه ما اختارهم إلا عن علم فهو لا يقولهم وإن اجتهدوا في دفع الرسالة ليزدادوا ثباتا لأعبائها وقوة في القيام بشائها فقال :( إِذْ أَبَقَ ) أي هرب حين أرسل من سيده الذي شرفه الله بالرسالة ضعفا عن حملها لأن الاباق الهرب من السيد إلى حيث يظن أنه يخفى عليه( إِلَى الْفُلْكِ ) أي البيت الذي يسافر فيه على ظهر البحر. ولما كان فعله على صورة فعل المشاحن وكان قصده الإيغال في البعد والإسراع في النقلة قال :( الْمَشْحُونِ ) أي الموقر ملأ ، فلا سعة فيه لشيء آخر يكون فيه ، فليس لأهله حاجة في الإقامة لحظة واحدة لانتظار شيء من الأشياء فحين وضع رجله فيه ساروا ، فاضطرب عليهم الأمر وعظم الزلزال حتى أشرف مركبهم على الغرق على هيئة عرفوا بها أن ذلك لعبد أبق من سيده ، فإن عند أهل البحر أن السفينة لا يستقيم سيرها وفيها آبق ـ نقله الكرماني وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما ، فسبب لهم ذلك المساهمة أي المقارعة كما هو رسمهم في مثل ذلك الأمر فاستهموا فساهم ، أي قارع يونسعليه‌السلام معهم ؛ قال البغوي : والمساهمة إلقاء السهام على جهة القرعة. ولما آل وقوع القرعة عليه إلى رميه من السفينة من محل علو إلى أسفل ، عبر عن ذلك بما يدل على الزلق الذي يكون من علو إلى سفل فقال مسببا عن المساهمة :( فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ ) أي الموقعين في الدحض ، وهو الزلق ، فنزل عن مكان الظفر بأن وقعت القرعة عليه فرموه في البحر( فَالْتَقَمَهُ ) أي ابتلعه كما تبتلع اللقمة( الْحُوتُ ) أي المعروف من جهة أنه لا حوت أكبر منه ، فكأنه لا حوت غيره( وَهُوَ ) أي والحال أن يونسعليه‌السلام ( مُلِيمٌ ) أي داخل في الملامة.

٣٤١

( فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (١٤٨) )

ولما وقع له ما وقع فتجرد عن نفسه وغيرها تجردا لم يكن لأحد مثل مجموعه لا جرم ، زاد في التجرد بالفناء في مقام الوحدانية فلازم التنزيه حتى أنجاه الله تعالى ، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى :( فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ ) أي خلقا وخلقا( مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ) أي العريقين في هذا المقام ، وهو ما يصح إطلاق التسبيح في اللغة عليه من التنزيه بالقلب واللسان والأركان بالصلاة وغيرها لأن خلقه مطابق لما هيىء له من خلقه ، فهو لازم لذلك في وقت الرخاء والدعة والخفض والسعة ، فكيف به في حال الشدة ، وحمله ابن عباس رضي الله عنهما على الصلاة( لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ ) أي حيّا أو بأن يكون غذاء له فتختلط أجزاؤه بأجزائه( إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) أي هو والحوت وغيرهما من الخلائق ، وعبر بالجمع لإفادة عموم البعث ، ولو أفرد لم يفد بعث الحيوانات العجم ، ولو ثنى لظن أن ذلك له وللحوت خاصة لمعنى يخصهما فلا يفيد بعث غيرهما ، وقيل : للبث حيّا في بطنه ، وفي الآية إشارة إلى حديث «تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة» وحث على الذكر وتعظيم لشأنه.

ولما كان التقدير : ولكنه لما كان ذكارا لله في حال الرخاء ذكرناه في حال الشدة ، فأنجيناه من بطنه ، وأخرجناه منه سالما ، وكان ذلك أمرا باهرا للعقل ، أبرزه في مظهر العظمة فقال :( فَنَبَذْناهُ ) أي ألقيناه من بطن الحوت إلقاء لم يكن لأحد غيره ، وكان ذلك علينا يسيرا( بِالْعَراءِ ) أي المكان القفر الواسع الخالي عن ساتر من نبت أو غيره ، وذلك بساحل الموصل ، وقال أبو حيان : قذفه في نصيبين من ناحية الموصل.( وَهُوَ سَقِيمٌ ) أي عليل جدا مما ناله من جوف الحوت بحيث إنه كان كالطفل ساعة يولد وهو إذ ذاك محمود غير مذموم بنعمة الله التي تداركته ، فكان مجتبى ومن الصالحين( وَأَنْبَتْنا ) أي بعظمتنا في ذلك المكان الذي لا مقتضى للنبات مطلقا فيه فضلا عما لا ينبت إلا بالماء الكثير.

ولما كان سقمه متناهيا بالغا إلى حد يجل عن الوصف ، نبه عليه بأداة الاستعلاء فقال :( عَلَيْهِ ) أي ورفعناها حال إنباتنا إياها فوقه لتظله كما يظل البيت الإنسان. ولما كان الدباء من النجم ، وكان قد أعظمها سبحانه لأجله ، عبر عنها بما له ساق فقال :( شَجَرَةً ) ولما كانت هذه العبارة مفهمة لأنها مما له ساق ، نص على خرق العادة بقوله :( مِنْ يَقْطِينٍ ) أي من الأشجار التي تلزم الأرض وتقطن فيها وتصلح لأن

٣٤٢

يأوي إليها ويقطن عندها حتى يصلح حاله ، فإنه تعالى عظمها وأخرجها عن عادة أمثالها حتى صارت عليه كالعريش ، واليقطين : كل ما يمتد وينبسط على وجه الأرض ولا يبقى على الشتاء ولا يقوم على ساق كالبطيخ والقثاء ، والمراد به هنا ـ كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما شجرة القرع لعظم ورقها وبرد ظلها ونعومة ملمسها وأن الذباب لا يقربها ، قال أبو حيان : وماء ورقه إذا رش به مكان لا يقربه ذباب أصلا ، وقال غيره : فيه ملاءمة لجسد الإنسان حتى لو ذهبت عظمة من رأسه فوضع مكانها قطعة من جلد القرع نبت عليها اللحم وسد مسده ، وهو من قطن بالمكان ـ إذا أقام به إقامة زائل لا ثابت.

ولما كان النظر إلى الترجية أعظم ، ختم بها إشارة إلى أنه لا يميتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى يقر عينه بأمته كثرة وطواعية ونعمة فقال :( وَأَرْسَلْناهُ ) أي بعظمتنا التي لا يقوم لها شيء. ولما لم يتعلق الغرض بتعيين المرسل إليهم ، وهل هم الذين أبق عنهم أولا؟ قال :( إِلى مِائَةِ أَلْفٍ ) والجمهور على أنهم الذين أرسل إليهم أولا ـ قاله أبو حيان. ولما كان العدد الكثير لا يمكن ناظره الوقوع فيه على حقيقة عدده ، بل يصير ـ وإن كان أثبت الناس نظرا ـ يقول : هم كذا يزيدون قليلا أو ينقصونه ، وتارة يجزم بأنهم لا ينقصون عن كذا ، وأما الزيادة فممكنة ، وتارة يغلب على ظنه الزيادة ، وهو المراد هنا ، قال :( أَوْ يَزِيدُونَ ) لأن الترجية في كثرة الأتباع أقر للعين وأسر للقلب ، وإفهاما لأن الزيادة واقعة ، وهؤلاء المرسل إليهم هم أهل نينوى وهم من غير قومه ، فإن حدود أرض بني إسرائيل الفرات ، ونينوى من شرقي الفرات بعيدة عنه جدا. ولما تسبب عن إتيانه إليهم انشراح صدره بعد ما كان حصل له من الضيق الذي أوجب له ما تقدم قال :( فَآمَنُوا ) أي تجريدا لأنفسهم من الحظوظ النفسانية ولحوقا بالصفات الملكية. ولما كان إيمانهم سبب رفع العذاب الذي كان أوجبه لهم كفرهم قال :( فَمَتَّعْناهُمْ ) أي ونحن على ما نحن عليه من العظمة لم ينقص ذلك من عظمتنا شيئا ولا زاد فيها( إِلى حِينٍ ) أي إلى انقضاء آجالهم التي ضربناها لهم في الأزل.

ذكر قصة يونسعليه‌السلام من سفر الأنبياء

قال مترجمه : نبدأ بمعونة الله وقوته بكتب نبوة يونان بن متى النبي : كانت كلمة الرب على يونان بن متى ، يقول له : قم فانطلق إلى نينوى المدينة العظيمة وناد فيها بأن شرارتكم قد صعدت قدامي ، وقام يونان ليفر إلى ترسيس من قدام الرب ، وهبط إلى يافا ووجد سفينة تريد تدخل إلى ترسيس فأعطى الملاح أجرة ونزلها ليدخل معهم إلى

٣٤٣

ترسيس هاربا من قدام الرب ، والرب طرح ريحا عظيمة في البحر ، فكان في البحر موج عظيم ، والسفينة كانت تتمايل لتنكسر ، وفرق الملاحون وجأر كل إنسان إلى إلهه ، وطرحوا متاع السفينة في البحر ليخففوا عنهم ، بحق هبط يونان إلى أسفل السفينة ونام فدنا منه سيد الملاحين وقال له : لما ذا أنت نائم؟ قم فادع إلهك لعل الله يخلصنا ولا نهلك ، وقال الرجل لصاحبه : تعالوا نقترع ونعلم هذا الشر من قبل من جاء علينا؟ فاقترعوا فجاءت القرعة على يونان ، فقالوا له : أخبرنا ما هذا الشر؟ وما ذا هو عملك ، ومن أين أنت ، ومن أيّ شعب أنت ، وأيتها أرضك؟ فقال لهم يونان : أنا عبراني ولله رب السماء أخشى الذي خلق البر والبحر ، ففرق أولئك القوم فرقا شديدا ، فقالوا له : ماذا صنعت؟ لأن أولئك الناس علموا أنه من قدام إلهه هرب ، فلما أخبرهم قالوا : ما نصنع بك حتى يسكن عنا البحر لأن البحر هو ذا منطلق يزخر علينا؟ قال لهم يونان : خذوني فاطرحوني في البحر فيسكن عنكم البحر لأني أعلم أن هذا الموج العظيم من أجلي هاج عليكم ، فجهد أولئك الناس أن يرجعوا إلى الساحل ، فلم يجدوا إلى ذلك سبيلا ، لأن البحر كان ذاهبا يزخر عليهم ، ودعوا إلى الرب وقالوا : أيها الرب لا يحسب علينا دم زكي ، ولا نهلك بنفس هذا الرجل من أجل أنك أنت الرب ، وكل ما شئت تصنع ، فأخذوا يونان وطرحوه في البحر ، فاستقر البحر من أمواجه ، وفرق أولئك الناس من قدام الرب فرقا شديدا ، وذبحوا ذبائح للرب ونذروا له النذور ، وهيأ الرب سمكة عظيمة فابتلعت يونان ، وكان يونان في أمعاء السمكة ثلاثة أيام وثلاث ليالي وقال : دعوت الرب في حزني فأجابني ، ومن بطن الجحيم تضرعت إليه ، وسمع صوتي وطرحني في الغوط في قلب البحر ، والأنهار أحاطت بي ، وكل أمواجك وأهياجك عليّ جازت ، أنا بحق قلت : إني قد تباعدت من قدام عينيك ، من الآن أترى أعود فأنظر إلى هيكلك المقدس ، وقد أحاطت بي المياه حتى نفسي والأهوال أحاطت بي ، وفي أسفل البحر احتبس رأسي ، وإلى أسافل الجبال هبطت ، والأرض أطبقت أغلاقها في وجهي إلى الدهر ، إذا اغتمت نفسي للرب ذكرت ودخلت صلاتي قدامك إلى هيكلك المقدس ، فكل الذين يحفظون الأنساك البطالة رحمتهم فتركوا ، أنا بحق بصوت الشكر أقرب لك وأذبح ، والذي نذرته أو فيه للرب! فأمر الرب السمكة فقذفت يونان في اليبس ، وأتى كلام الرب إليه المرة الثانية ، وقال له : قم يا يونان فانطلق إلى نينوى المدينة العظيمة وناد فيها بالنداء الذي أقوله لك ، فقام يونان وانطلق إلى نينوى مثل كلمة الرب ، ونينوى كانت مدينة عظيمة للرب مسيرة ثلاثة أيام ، وتبدّأ يونان أن يدخل إلى نينوى مسيرة يوم واحد ونادى وقال : من الآن وإلى أربعين يوما نينوى تنقلب ، فآمن

٣٤٤

أهل نينوى لله وفرضوا الصوم ولبسوا المسوح من عظمائهم حتى صغائرهم ، وانتهت الكلمة إلى ملك نينوى فقام عن كرسيه ونزع تاجه ، واكتسى مسح شعر ، وجلس على الرماد ، ونادى في نينوى وقال الملك وأشرافه : وكل الناس والغدائر والثيران والغنم فلا يذوقون شيئا من الطعام ولا يرعون ، وماء فلا يشربون ، ولكن فليلبس الناس والغدائر ويدعو الله بالتضرع ، ويرجع كل إنسان عن طريقة السوء ، وعن الاختطاف الذي في يده ، وقالوا : من ذا الذي يعلم أن الله يقبل منا ويترحم علينا ويرد عنا غضبه ورجزه لكيلا نهلك ، ونظر الله إلى أعمالهم أنهم قد تابوا عن طرقهم السوء فرد عنهم غضب رجزه ولم يبدهم ، وحزن يونان حزنا شديدا ، وتكره من ذلك جدا ، وصلى قدام الرب وقال : أيها الرب! ألم تكن هذه كلمتي ، وأنا بعد في بلادي ولذلك سبقت وفررت إلى ترسيس ، قد عرفت بحق أنك الرحمن الإله الرؤوف ، طويل صبرك وكثيرة نعمتك ، وترد السوء الآن يا رب! انزع نفسي مني لأن الموت أنفع لي من الحياة ، فقال له : جدا حزنت يا يونان ، وخرج يونان من المدينة واتخذ له ثمة مظلة وجلس تحتها في الظل لينظر ما الذي يعرض للمدينة ، وأمر الله الرب أصل القرع ، ونبت وارتفع على رأس يونان ، فكان ظل على رأسه فتفرج من شدته وفرح فرحا كثيرا يونان بأصل القرع.

وفي اليوم الآخر أمر الله الرب دودة في مطلع الصبح فضربت أصل القرع وقرضته ، فلما طلعت الشمس أمر الله الرب ريح السموم فيبست أصل القرع ، وحميت الشمس في رأس يونان ، واغتم وسال الموت لنفسه وقال : إنك يا رب تقدر تنزع نفسي مني ، لأني لم أكن أخبر من إياي ، وقال الرب ليونان : جدّا حزنت على أصل القرع ، فقال يونان : جدّا أحزن حتى الموت ، قال له الرب : أنت أشفقت على أصل القرع الذي لم تعن به ولم تربه ، الذي في ليلة نبت ، وفي ليلة يبس ، فكيف لا أشفق أنا على نينوى المدينة العظيمة التي فيها أكثر من اثنتي عشرة ربوة من الناس الذين لا يدرون ما بين يمينهم من شمالهم وكثرة من الغدائر ـ انتهى. ولعل أصل القرع المذكور هنا كان نبت عليه حين خرج من بطن الحوت ، فلما اتفق له ما ذكر هنا رجع إليه وقد زاد عظمه فبنى تحته عريشا وجلس تحته ، فكان منه ما كان ، فلا يكون حينئذ ما هنا مخالفا لما ذكر أهل الأخبار في هذه القصة ـ والله الموفق.

( فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ (١٥٠) أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا

٣٤٥

بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٥٧) )

ولما كان الذي سبق ادعاؤه أمرين أحدهما أن هؤلاء المنذرين يسارعون في اقتفاء آثار آبائهم في الضلال ، والثاني أن أكثر الأولين ضلوا ، وسيقت دليلا شهوديا على الثاني هذه القصص الست التي ما اهتدى من أهلها أمة بكمالها إلا قوم يونسعليه‌السلام ، كان ذلك سببا للأمر بإقامة الدليل على ضلال هؤلاء تبعا لآبائهم بأمر ليس في بيان الضلال أوضح منه ، فقال متهكما بهم مخصصا الأمر بهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إشارة إلى عظم هذه النتيجة وأنه لا يفهمها حق فهمها سواهصلى‌الله‌عليه‌وسلم :( فَاسْتَفْتِهِمْ ) أي فاطلب من هؤلاء الذين يعرضون عن دعوتك إلى أباطيلهم أن يجيبوك فتوة منهم وكرما : بأي دليل وبأي حجة حكموا بما يقولونه تبعا لآبائهم في الملائكة الذين تقدم في فاطر أنهم رسل الله ، وفي يس أنهم في غاية الشدة بحيث إن عذاب الأمة الكثيرة يكفي فيه واحد منهم ، وبحيث إن صيحة واحدة من أحدهم يميت الأحياء كلهم ، وصيحة أخرى يحيي الأموات كلهم ، هذا إلى ما أفادته هذه السورة لهم من الصف والزجر والتلاوة حين ابتدأت بالإقسام بهم لأن لمقصودها نظرا عظيما إلى أحوالهم في تجردهم وتقديسهم ، ويلزم من هذا الاستفتاء تنزيههم وتنزيه الذي خلقهم وذلك مقصود السورة ، ولفت الكلام عن مظهر العظمة إلى ما هو دليل عليها فإن الرسول دال على قدر من أرسله فقال :( أَلِرَبِّكَ ) أي خاصة وهو الملك الأعلى الذي رباك وأحسن إليك بهدايتك والهداية بك وغير ذلك من أمرك حتى كنت أكمل الخلق وأعلاهم في كل أمر يكون به الكمال والقرب من الله فاصطفاك لرسالته ، ففي إفراد الضمير إشارة إلى أنه لا يختار إلا الأكمل الأشرف الأفضل.

ولما كان المراد تبكيتهم بكونهم جعلوا الأخس لله ، وكانت الإناث أضعف من الذكور ، ولكنها قد تطلق الأنوثة على غير الحيوان ، وكانت الإناث في بعض الأجناس كالأسحار أشرف ، عدل عن التعبير بالإناث وعبر بما ينص على المراد فقال :( الْبَناتُ ) أي دون البنين ، وهم ـ مع أنهم مربوبون مقهورون ـ يأنفون منهم غاية الأنفة( وَلَهُمُ ) أي دونه( الْبَنُونَ ) مع أن الرب الذي خصوه بأدنى القبيلين تارة يخلق الذكر من تراب ويربيه أحسن تربية ، وأخرى من غيره أو يخرجه من بطن حوت أو غمرات نار أو غير ذلك ، فبأي وسيلة ادعوا له ولدا والولد لا يكون إلا بالتدريج في أطوار الخلق من النطفة إلى ما فوقها ، ولا يرضى بذلك إلا عاجز فكيف بادعاء أدنى الصنفين من الولد ، سبحان ربك رب العزة.

ولما كان دعواهم لأنوثة الملائكة متضمنة لادعاء العلم باختصاصه عند دعوى الولدية بأدنى القبيلتين أو ادعاء العلم بأنه خلقهم إناثا بمشاهدة منهم أو كتاب منه إليهم ،

٣٤٦

وأما العقل فإنه لا مدخل له في ذلك ، قال معلما بأنهم أهل لأن يبكتوا ويستهزأ بهم لأنه لا علم عندهم بإحدى الطريقين ، ولا يقدرون أن يدعوا ذلك لئلا يفتضحوا فضيحة لا تنجبر أصلا ، عائدا إلى التصريح بمظهر العظمة إشارة إلى أن من شأنها كثافة الحجاب :( أَمْ خَلَقْنَا ) أي على ما لنا من العظمة التي إن لم يقتض اختيار الأكمل لم يقتض الاختصاص بالأدون لأنها منافية بكل اعتبار للدناءة( الْمَلائِكَةَ ) أي الذين حكموا عليهم بالأنوثة ، وهم من أعظم رسلنا وأجل خواصنا ولم يروا منهم أحدا ولا سبيل لهم إلى العلم بأحوالهم باعترافهم بذلك ، ولما تعين أن المراد بالأنوثة الخساسة ، وكان في بعض الإناث قوة الذكور ، عبر بالأنوثة إلزاما لهم في حكمهم ذلك بخساستين فقال :( إِناثاً وَهُمْ ) أي والحال أن هؤلاء الذين ينسبون إلى الله ما لا يليق به( شاهِدُونَ ) أي ثابت لهم شهود ذلك لا يغيبون عنه ، فإنا كل يوم نجدد منهم من شئنا ، قال الرازي : وكل واحد من الملائكة نوع برأسه ، أما الآدميون فكلهم نوع واحد ، وهو ناقص في ابتداء الفطرة مستكمل ، وله درجات في الترقي إلى أن يبلغ مقام المشاهدة ، وهو أن تتجلى له حلية الحق الأول من ذاته وصفاته وترتيب أفعاله علما لا ينفصل عنه ولا يغيب فيترقى في إدراكه عن المحسوسات والخيالات ، ويترقى فعله عن أن يكون لمقتضى الغضب أو الشهوة ، وبهذا يقرب من الله تعالى ـ انتهى.

ولما اشتد تشوف السامع إلى أن يعلم حقيقة قولهم الذي تسبب عنها هذا الاستفتاء ، أعلم سبحانه بذلك في قوله مؤكدا إشارة إلى أنه قول يكاد أن لا يقر أحد أنه قاله ، معجبا منهم فيه مناديا عليهم بما أبان من فضيحتهم بما قدم من استفتائهم :( أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ ) أي من أجل أن صرفهم الأمور عن وجوهها عادتهم( لَيَقُولُونَ ) أي قولا هم مستمرون عليه وإن كانوا لا يقدرون على إبرازه في مقام المناظرة ، وعدل عن مظهر العظمة إلى اسم الجلالة العلم على الذات الجامعة لجميع الصفات إشارة إلى أن كل صفة من صفاته ونعت من نعوته يأبى الولدية فقال :( وَلَدَ اللهُ ) أي وجد له ـ وهو المحيط بصفات الكمال ـ ولد وهم على صفة الأنوثة أي أتى بالولد ، فولد فعل ماض والجلالة فاعل ، وقرىء شاذا برفع «ولد» على أنه خبر مبتدأ محذوف ، وجر الجلالة بالإضافة ، والولد فعل بمعنى مفعول كالقبض ، فلذلك يخبر به عن المفرد وغيره والمؤنث وغيره.

ولما أتى سبحانه بالاسم الأعظم إشارة إلى عظيم تعاليه عن ذلك ، صرح به في قوله دالّا على الثبوت مؤكدا لأجل دعواهم أنهم صادقون :( وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ) ودل على كذبهم أيضا بإنكاره موبخا لهم في أسلوب الخطاب زيادة في الإغضاب في قوله :

٣٤٧

( أَصْطَفَى ) بهمزة الاستفهام الإنكاري ، ومن أسقطها فهي عنده مقدرة مرادة ، أي أخبروني هل اختار هذا السيد الذي أنتم مقرون بتمام علمه وشمول قدرته وعلو سؤدده ما تسترذلونه. ولما كان التعبير بالبنت أكره إليهم من التعبير بالأنثى ، والتعبير بالابن أحب إليهم من التعبير بالذكور وأنص على المراد لأن الذكر مشترك بين معان ، قال :( الْبَناتِ ) اللاتي تستنكفون أنتم من لحوقهن بكم ، وتستحيون من نسبتهن إليكم ، حتى أن بعضكم ليصل في إبعادهن إلى الوأد( عَلَى الْبَنِينَ ) فكان حينئذ نظره لنفسه دون نظر أقلكم فضلا عن أجلكم ، ولذلك عظم حسنا وتناهى بلاغة قوله :( ما ) أي يا معاشر العرب المدعين لصحة العقول وسداد الأنظار والفهوم! أيّ شيء( لَكُمْ ) من الخير في هذا المقال؟ ثم زاد في التقريع عليه بقوله معجبا منهم :( كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) أي في كل ما سألناكم عنه بمثل هذه الأحكام التي لا تصدر عمن له أدنى مسكة من عقله ، وعبر بالحكم لاشتهاره فيما يبت فيأبى النقص ، فكان التعبير به أعظم في تقريعهم حيث أطلقوه على ما لا أوهى منه.

ولما كان هذا شديد المنافاة للعقول ، عظيم البعد عن الطباع ، حسن جدا قوله أيضا مبكتا :( أَفَلا تَذَكَّرُونَ ) أي أدنى تذكر بما أشارت إليه قراءة من خفف بما جمعت من التخفيف والحذف ، فإن الأمر في غاية الظهور لما في عقولكم وطباعكم من أنكم لا ترضون لأنفسكم أخس المنازل ، فكيف يختاره لنفسه ربكم الذي بيده كل شيء؟ وإنه لا يكون الولد مطلقا إلا ممن له جنس ، فيكون محتاجا إلى جنسه ، والمحتاج لا يكون إلها بوجه ، وأشارت قراءة الجماعة بالتشديد والإدغام إلى أن الأمر يحتاج إلى مزيد تذكر بما أشار إليه التشديد مع دقة بما أشار إليه الإدغام لأجل حل شبهة من يرى أفعال من يحيي الموءودة فيظن أن ذلك رغبة منهم في الإناث ، وليس ذلك إلا رغبة في دفع فساد القتل ورحمة للضعيف ، ولم يقرأ بالفك إشارة إلى أن الأمر غني عن الدرجة العليا في التأمل.

ولما قررهم على شهود ذلك بما تضمن إبطاله عقلا ، فلم يبق من طرق الأدلة إلا السمع ، عادل به قوله :( أَمْ لَكُمْ ) أي على ادعاء ذلك( سُلْطانٌ ) أي دليل سمعي بخبر سماوي قاهر ، وأشار إلى أنه لا يتكلم في أحوال الملوك إلا بأمر واضح بقوله :( مُبِينٌ ) .

ولما كان المراد بهذا ـ ولا بد ـ البرهان السمعي ، بينه بما سبب عنه من قوله :( فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ ) أي الذي أتاكم بذلك السلطان من الملك في أنه اختار لنفسه ذلك ، ودل على كذبهم تلويحا بعد أن أتى به تصريحا وهو أنكى ما يكون بالإتيان بأداة الشك

٣٤٨

في قوله :( إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) وهذه الآيات صادرة عن سخط عظيم وإنكار فظيع ، والأساليب التي وردت عليها ناطقة بتسفيه أحلام المدعي لذلك وبجهل نفوسهم ، واستركاك عقولهم ، مع استهزاء وتهكم وتعجيب من أن يخطر مثل ذلك على بال فضلا عن أن يتخذ معتقدا ، ويتظاهر به مذهبا.

( وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلاَّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠) فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ (١٦١) ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ (١٦٢) إِلاَّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ (١٦٣) وَما مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) )

ولما تم إظهار ضلالهم ، بكتهم في أسلوب آخر معرضا عن خطابهم تخويفا من إحلال عذابهم فقال :( وَجَعَلُوا ) أي بعض العرب منابذين لما مضى بيانه من الأدلة( بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ ) أي الجن الذين هم شر الطوائف ، وأنثهم إشارة إلى تحقيرهم عن هذا الأمر الذي أهلوهم له( نَسَباً ) بأن قالوا : إنه ـ جلت سبحات وجهه وعظم تعالى جده ـ تزوج بنات سروات الجن ، فأولد منهم الملائكة ، ومن المعلوم أن أحدا لا يتزوج إلا من يجانسه ، فأبعدوا غاية البعد لأنه لا مجانس له. ولما كان النسيب يكرم ولا يهان قال مؤنثا لضميرهم زيادة في تحقيرهم :( وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ ) أي مطلقا السروات منهم والأسافل( إِنَّهُمْ ) أي الجن كلهم( لَمُحْضَرُونَ ) أي إليه بالبعث كرها ليعاملوا بالعدل مع بقية الخلائق يوم فصل القضاء ، والتجلي في مظاهر العز والعظمة والكبرياء ، فهم أقل من أن يدعى لهم ذلك.

ولما ذكر ذلك اليوم الأعظم الذي يظهر فيه لكل أحد معاقد الصفات ، وتتلاشى عند تلك المظاهر أعيان الكائنات ، وتنمحي لدى تلك النعوت آثار الفانيات ، وكان ذكره على وجه مبين بعد الجن عن المناسبة ، كان مجزأ للتنزيه وموضعا بعد تلك الضلالات للتقديس نتيجة لذلك ، فقال مصرحا باسم التسبيح الجامع لجميع أنواعه ، والجلالة إشارة إلى عظم المقام :( سُبْحانَ اللهِ ) أي تنزه الذي له جميع العظمة تنزها يفوت الحصر( عَمَّا يَصِفُونَ ) أي عما يصفه به جميع الخلائق الذين يجمعهم الإحضار ذلك اليوم ، أو الكفار الذين ادعوا له الولد وجعلوا الملائكة من الولد( إِلَّا عِبادَ اللهِ ) أي الذين يصلحون للإضافة إلى الاسم الأعظم من حيث إطلاقه على الذات الأعظم ، ولذلك أظهر ولم يضمر ، لأن الضمير يعود على عين الماضي ، فربما أوهم تقييده بما ذكر في الأول فيفهم تقييد تشريفهم بالتسبيح( الْمُخْلَصِينَ ) من جميع الخلائق أو من العرب وهم من أسلم منهم بعد نزول هذه السورة فإنهم لا يصفونه إلا بما أذن لهم فيه

٣٤٩

ولأجل أن هذه السورة سورة المتجردين عن علائق العوائق عن السير إليه ، كرر وصف الإخلاص فيها كثيرا.

ولما نزه نفسه المقدس سبحانه عن كل نقص ، دل على ذلك بأنهم وجميع ما يعبدونه من دونه لا يقدرون على شيء لم يقدره ، فقال مسببا عن التنزيه مؤكدا تكذيبا لمن يظن أن غير الله يملك شيئا مواجها لهم بالخطاب لأنه أنكى وأجدر بالإغضاب :( فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ) أي من الأصنام وغيرها من كل من زعمتموه إلها. وابتدأ الخبر عن «أن» فصدره بالنافي فقال :( ما ) وغلب المخاطبين المعبر عنهم بكاف الخطاب على من عطف عليهم وهم معبوداتهم تنبيها على أنهم عدم كما حقرهم بالتعبير عنهم بما دون «من» فقال مخاطبا :( أَنْتُمْ عَلَيْهِ ) أي على الله خاصة( بِفاتِنِينَ ) أي بمغيرين أحدا من الناس بالإضلال( إِلَّا مَنْ هُوَ ) أي في حكمه وتقديره( صالِ الْجَحِيمِ ) أي معذب بعذابه لحكمه عليه بالشقاوة فعلم أنكم لا تقدرون أن تغيروا عليه إلا من غيره هو فبحكمه ضل لا بكم ، نعوذ بك منك ، لا مهرب منك إلا إليك ، والمراد بتقديم الجار أن غيره قد يقدر على أن يفسد عليه من لا يريد فساده ويعجز عن رد المفسد ، فالتعبير بأداة الاستعلاء تهكم بهم بمعنى أنه ليس في أيديكم من الإضلال إلا هذا الذي جعله لكم من التسبب ، فإن كان عندكم غلبة فسموه بها ، وتوحيد الضمير على لفظ «من» في الموضعين للإشارة إلى أن الميت على الشرك بعد بعث النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم من العرب قليل ، وقرىء شاذا «صالوا» دفعا لظن أنه واحد.

ولما كان من المعلوم أن هذا الاستفتاء من النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وقع امتثالا للأمر المصدر به ، وبطل بهذه الجملة قدرتهم وقدرة معبوداتهم التي يدعون لها بعض القدرة ، قال مؤكدا لذلك ومبطلا لقدرة المخلصين أيضا عطفا على( فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ) :( وَما مِنَّا ) أي نحن وأنتم ومعبوداتكم وغير ذلك ، أحد( إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ ) قد قدره الله تعالى في الأزل ، ثم أعلم الملائكة بما أراد منه فلا يقدر أحد من الخلق على أن يتجاوز ما أقامه فيه سبحانه نوع مجاوزة ، فلكل من الملائكة مقام معروف لا يتعداه ، والأولياء لهم مقام مستور بينهم وبين الله لا يطلع عليه أحد ، والأنبياء عليهم الصلاة والسّلام لهم مقام مشهور مؤيد بالمعجزات الظاهرة ، لأنهم للخلق قدوة ، فأمرهم على الشهرة ، وأمر الأولياء على السترة ـ قاله القشيري ، وغير المذكورين من أهل السعادة لهم مقام في الشقاوة معلوم عند الله تعالى وعند من أطلعه عليه من عباده.

( وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦) وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ

٣٥٠

الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠) وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) )

ولما سلب عن الكل كل شيء من القدرة إلا ما وهبهم ، وكان الكفار يدعون أنهم يعبدون الله تعالى وينزهونه وأن الإشراك لا يقدح في ذلك ، بين أن المخلصين خصوا دونهم بمواقف الصفاء ، ومقامات الصدق والوفاء ، لأن طاعتهم أبطلها إشراكهم ، فقال مؤكدا ومخصصا :( وَإِنَّا ) أي يا معشر المخلصين( لَنَحْنُ ) أي دونكم( الصَّافُّونَ ) أي أنفسنا في الصلاة والجهاد وأجنحتنا في الهواء فيما أرسلنا به وغير ذلك لاجتماع قلوبنا على الطاعة( وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ ) أي المنزهون له سبحانه عن كل نقص مما ادعيتموه من البنات ويجوز أن يكون المعنى : لنا هذا الفعل ، وهو الصف والتسبيح ، ولا ينوي له مفعول البتة.

ولما بين ضلالهم وهداهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وهدى من اتبعه ـ بما أشار إليه بصفة الربوبية التي أضافها إليه في قوله( أَلِرَبِّكَ ) أعلم بأنهم زادوا على عيب الضلال في نفسه عيب الإخلاف للوعد والنقض لما أكدوه من العهد ، فقال مؤكدا إشارة إلى أنه لا يكاد يصدق أن عاقلا يؤكد على نفسه في أمر ثم يخلفه جوابا لمن يقول : هل نزهوه كما نزهه المخلصون :( وَإِنْ ) أي فعلوا ذلك من الضلال بالشبه التي افتضحت بما كشفناه من ستورها ولم ينزهوا كما نزه المخلصون والحال أنهم( كانُوا ) قبل هذا( لَيَقُولُونَ ) أي قولا لا يزالون يجددونه مع ما فيه من التأكيد( لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً ) أي على أيّ حال كان من أحواله من كتاب أو غيره( مِنَ الْأَوَّلِينَ ) أي من الرسل الماضين( لَكُنَّا عِبادَ اللهِ ) أي بحيث أنا نصير أهلا للإضافة إلى المحيط بصفات الكمال( الْمُخْلَصِينَ ) أي في العبادة له بلا شائبة من شرك أصلا.

ولما كان هذا الذكر ـ الذي أتاهم مع كونه أعظم ذكر أتى مصدقا لكتب الأولين وكان الرسول الآتي به أعظم الرسل ، فكان لذلك هو عين ما عقدوا عليه مع زيادة الشرف ـ سببا لكفرهم قال :( فَكَفَرُوا بِهِ ) أي فتسبب عما عاهدوا عليه أنهم كفروا بذلك الذكر مع زيادته في الشرف على ما طلبوا بالإعجاز وغيره فتسبب عن ذلك تهديدهم ممن أخلفوا وعده ، ونقضوا مع التأكيد عهده ، فقال :( فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) أي بوعيد ليس هو من جنس كلامهم ، بل هو مما لا خلف فيه بوجه. ولما كان التقدير كما أرشد إليه سياق التهديد : فلقد سبقت كلمتنا على من خالف رسلنا بالخذلان المهين ، عطف عليه قوله :( وَلَقَدْ سَبَقَتْ ) أي في الأزل( كَلِمَتُنا ) أي على ما لنا من العظمة( لِعِبادِنَا ) أي الذين أخلصوا لنا العبادة في كل حركة وسكون( الْمُرْسَلِينَ ) الذين زدناهم على شرف الإخلاص في العبودية شرف الرسالة.

٣٥١

( إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (١٧٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥) أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) )

ولما آذنت اللام بعلوهم ، أوضح ذلك ببيان ما سماه كلمة لانتظامه في معنى واحد بقوله :( إِنَّهُمْ ) وزاد في تأكيده في نظير ما عند الكفرة على ما تدل عليه أعمالهم أنه في غاية البعد فقال :( لَهُمُ ) أي خاصة( الْمَنْصُورُونَ ) أي الثابت نصرهم في الجدال والجلاد وإن وقع للكفار عليهم في الثاني ظهور ما. ولما خص بذلك المرسلين ، عم فقال :( وَإِنَّ جُنْدَنا ) أي من المرسلين وأتباعهم ، ولما كان مدلول الجند في اللغة العسكر والأعوان والمدينة وصنفا من الخلق على حدة ، قال جامعا على المعنى دون اللفظ نصا على المراد :( لَهُمُ ) أي لا غيرهم( الْغالِبُونَ ) أي وإن رئي أنهم مغلوبون لأن العاقبة لهم إن لم يكن في هذه الدار فهو في دار القرار ، وقد جمع لهذا النبي الكريم فيهما ، وسمى هذا كله كلمة لانتظامه معنى واحدا ، ولا يضر انهزام في بعض المواطن من بعضهم ولا وهن قد يقع ، وكفى دليلا على هذا سيرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم والخلفاء الثلاثة بعده رضي الله عنهم.

ولما ثبت لا محالة بهذا أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم هو المنصور لأنه من المرسلين ومن جند الله ، بل هو أعلاهم ، سبب عن ذلك قوله :( فَتَوَلَ ) أي فكلف نفسك الإعراض( عَنْهُمْ ) أي عن ردهم عن الضلال قسرا( حَتَّى حِينٍ ) أي مبهم ، وهو الوقت الذي عيناه لنصرك في الأزل( وَأَبْصِرْهُمْ ) أي ببصرك وبصيرتك عند الحين الذي ضربناه لك وقبله : كيف تؤديهم أحوالهم وتقلباتهم كلما تقلبوا إلى سفول.

ولما كانوا قبل الإسلام عميا صمّا لأنهم لا يصدقون وعدا ولا وعيدا ، ولا يفكرون في عاقبة ، حذف المفعول من فعلهم فقال متوعدا محققا بالتسويف لا مبعدا :( فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ) أي يحصل لهم الإبصار الذي لا غلط فيه بالعين والقلب بعد ما هم فيه من العمى ، وهذا الحين واضح في يوم بدر وما كان من أمثاله قبل الفتح ، فإنهم كان لهم في تلك الأوقات نوع من القوة ، فلذلك أثبتهم نوع إثبات في أبصرهم.

ولما كانت عادتهم الاستعجال بما يهددون به استهزاء كلما ورد عليهم تهديد ، سبب عن ذلك الإنكار عليهم على وجه هو تهديد آخر لهم فقال :( أَفَبِعَذابِنا ) أي على ما علم له من العظمة بإضافته إلينا( يَسْتَعْجِلُونَ ) أي يطلبون أن يعجل لهم فيأتيهم قبل أوانه الذي ضربناه له. ولما علم من هذا أنه لا بشرى لهم يوم حلوله ، ولا قرار عند نزوله ، صرح بذلك في قوله :( فَإِذا ) أي هددناهم وأنكرنا عليهم بسبب أنه إذا( نَزَلَ

٣٥٢

بِساحَتِهِمْ ) أي غلب عليها لأن ذلك شأن النازل بالشيء من غير إذن صاحبه ولا يغلب عليها إلا وقد غلب على أهلها فبرك عليهم بروكا لا يقدرون معه على البروز إلى تلك الساحة وهي الفناء الخالي من الأبنية كأنه متحدث القوم وموضع راحتهم في أي وقت كان بروكه من ليل أو نهار ، ولكنه لما كانت عادتهم الإغارة صباحا ، قال على سبيل التمثيل مشيرا بالفاء إلى أنه السبب لا غيره( فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ ) أي الذين هم أهل للتخويف من هؤلاء وغيرهم ، وهذا التهديد لا يصلح لأن ينطبق على يوم الفتح ، ولقد صار من لم يتأهل لغير الإنذار فيه في غاية السوء ، وهم الذين قتلهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم في ذلك اليوم ، ومنهم من تعلق بأستار الكعبة فلم يفده ذلك ، ولكنهم كانوا قليلا ، والباقون إن كان ذلك الصباح على ما ساءهم منظره فلقد سرهم لعمر الله مخبره.

ولما كانصلى‌الله‌عليه‌وسلم نبي الرحمة لا يستأصل قومه بعذاب ، قال دالّا على ذلك بتكرير الأمر تأكيدا للتسلية ، ووعد النصرة مع ما فيه من زيادة المعنى على الأول ، عاطفا على «تولّ» الأولى :( وَتَوَلَ ) أي كلف نفسك الصبر عليهم في ذلك اليوم الذي ينزل بهم العذاب الثاني والإعراض( عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ ) وكذا فعلصلى‌الله‌عليه‌وسلم فإنه حل بساحتهم يوم الفتح صباحا ، فلم يقدروا على مدافعة.

( وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩) سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٢) )

ولما كابر بعضهم ودافع ، لم يكن بأسرع من أن ولوا وطلبوا السلامة بالدخول فيما جعلهصلى‌الله‌عليه‌وسلم علما على التأمين ، وقال حماس بن قيس أخو بني بكر لما دخل بيته لامرأته : أغلقي عليّ الباب ، فعيرته بالهزيمة بعد أن كانت تنهاه عن منابذة المسلمين فلا ينتهي ويقول لها : لا بد ، أن أخدمك بعضهم :

إنك لو شهدت يوم الحندمه

إذ فر صفوان وفر عكرمه

واستقبلتنا بالسيوف المسلمه

يقطعن كل ساعد وجمجمه

ضربا فلا يسمع إلا غمغمه

لهم نهيت خلقنا وهمهمه

لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه

ولما كان هذا منطبقا على يوم الفتح ، وكان ذلك اليوم قد أحل الكفار محلّا صاروا به بحيث لا اعتبار لهم قال :( وَأَبْصِرْ ) مسقطا ضميرهم ، أي أبصر ما تريد من شؤونك التي يهمك النظر فيها ، وأما هم فصاروا بحيث لا يبالي بهم ولا يفكر في أمرهم ولا يلتفت إليهم ، فإنا أبدلنا من عزتهم ذلّا ، ومن كثرتهم قلّا ، وجردنا تلك الأراضي

٣٥٣

من قاذورات الشرك ، وأحللنا بها طهارة التنزيه وأقداس التحميد ، وكذا كان ، فإنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال لهم وهو على درج الكعبة وهم تحته كالغنم المجموعة في اليوم المطير بعد أن قال «لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده » :ما تظنون أني فاعل بكم يا معاشر قريش ؟ قالوا : خيرا ، أخ كريم وابن أخ كريم ، قال :اذهبوا فأنتم الطلقاء ، وقال له صفوان بن أمية : اجعلني بالخيار شهرين ، قال :أنت بالخيار أربعة أشهر (١) ، ولم يكلف أحدا منهم الإسلام حتى أسلموا بعد ذلك طوعا من عند آخرهم. ولما حاصر الطائف فعسرت عليه انصرف عنها ، فما لبثوا أن أرسلوا إليه رسلهم وأسلموا فحسن إسلامهم ولم يرتد أحد منهم في الردة ، وهذا من معنى( فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ) .

ولما تقرر له سبحانه من العظمة ما ذكر ، فكان الأمر أمره والخلق خلقه ، ثبت تنزهه عن كل نقص واتصافه بكل كمال ، فلذلك كانت نتيجة ذلك الختم بمجامع التنزيه والتحميد فقال :( سُبْحانَ رَبِّكَ ) أي المحسن إليك بإرسالك وإقامة الدليل الظاهر المحرر على صدقك بكل ما يكون من أحوال أعدائك من كلام أو سكوت ، وتأييدك بكل قوة وإلباسك كل هيبة( رَبِّ الْعِزَّةِ ) أي التي هو مختص بها بما أفهمته الإضافة وأفاده شاهد الوجود وحاكم العقل ، وقد علم بما ذكر في هذه السورة أنها تغلب كل شيء ولا يغلبها شيء ، وفي إضافة الرب إليه وإلى العزة إشارة إلى اختصاصهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وكل من وافقه في أمره عن جميع الخلق بالعزة وإن رئي في ظاهر الأمر غير ذلك( عَمَّا يَصِفُونَ ) مما يقتضي النقائص لما ثبت من ضلالهم وبعدهم عن الحق.

ولما قدم السّلام على من شاء تخصيصه في هذه السورة من رسله عمهم فقال عاطفا على( سُبْحانَ ) :( وَسَلامٌ ) أي تنزه له وسلامة وشرف وفخر وعلا( عَلَى الْمُرْسَلِينَ ) أي الواصفين له بما هو له أهل ، الذين اصطفاهم ، الصافين صفّا ، الزاجرين زجرا ، التالين ذكرا ، من البشر والملائكة المذكورين في هذه السورة وغيرهم لأجل ما حكم لهم به سبحانه في الأزل من العز والنصر( وَالْحَمْدُ ) أي الإحاطة بأوصاف الكمال( لِلَّهِ ) أي الجامع لجميع الأسماء الحسنى التي دل عليها مجموع خلقه ، وإلى ذلك أشار بقوله :( رَبِّ الْعالَمِينَ ) فهو حينئذ الواحد المتعال ، الذي تنزه

__________________

(١) أخرج القسم الأول منه أبو داود ٤٥٤٨ و ٤٥٤٧ والنسائي ٨ / ٤١ وابن ماجه ٢٦٢٧ وابن حبان ٦٠١١ والدارقطني ٣ / ١٠٤ ـ ١٠٥ والبيهقي ٨ / ٤٥ عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما وإسناده حسن وهيب ثقة تغير بآخره لكن تابعه حماد بن زيد وعقبة صدوق والحديث له شواهد أيضا.

٣٥٤

عن الأكفاء والأمثال ، والنظراء والأشكال ، في كل شيء من الأقوال والأفعال ، والشؤون والأحوال ، ولقد توافق آخرها ـ كما ترى ـ وأولها ، وتعانق مفصلها وموصلها ـ والله الهادي إلى الصواب.

٣٥٥

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة ص

مكية ـ آياتها ثمان وثمانون

المقصود منها بيان ما ذكر في آخر الصافات من أن جند الله هم الغالبون ـ وإن رئي أنهم ضعفاء ، وإن تأخر نصرهم ـ غلبة آخرها سلامة للفريقين ، لأنه سبحانه واحد لكونه محيطا بصفات الكمال كما أفهمه آخر الصافات من التنزيه والحمد وما معهما ، وعلى ذلك دلت تسميتها بحرف «ص» لأن مخرجه من طرف اللسان ، وبين أصول الثنيتين السفليتين ، وله من الصفات الهمس والرخاوة والإطباق والاستعلاء والصفير ، فكان دالّا على ذلك لأن مخرجه أمكن مخارج الحروف وأوسعها وأخفها وأرشقها وأغلبها ، ولأن ما له من الصفات العالية أكثر من ضدها وأفخم وأعلى وأضخم ، ولذلك ذكر من فيها من الأنبياء الذين لم يكن على أيديهم إهلاك ، بل ابتلوا وعرفوا وسلمهم الله من أعدائهم من الجن والإنس ، وإلى ذلك الإشارة بما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما وعن غيره من أن معناه : الله صادق فيما وعد ، أو صدق محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أو صاد محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم قلوب الخلق واستمالها ، وبه قرأ أبو عمرو في رواية شاذة على أنه فعل ماض من الصيد ، وقرأ الحسن وغيره بكسر الصاد على أنه أمر من المصاداة وهي المعارضة أي عارض بما أنزلناه إليك الخلائق وجادلهم به فإنك تغلبهم لأن الصدق سيف الله في أرضه ، ما وضعه على شيء إلا قطعه ، وقد انبسط هذا الصدق الذي أشار إليه الصاد على كل صدق في الوجود فاستمال كل من فيه نوع من الصدق ، ولهذا قال في السورة التي بعدها( وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ) [الزمر : ٣٣] فذكر هؤلاء الأنبياءعليهم‌السلام شاهد وجودي على ما هو معنى الصاد عند العلماء الربانيين من أنه مطابقة ما بين الخلق والأمر ، وتسمى سورة داودعليه‌السلام ـ كما قاله ابن الجوزيرحمه‌الله ـ وحالهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أدل أحوال من فيها من الأنبياء على هذا المقصود ، لما كان فيه من الضعف أولا والملك آخرا( بِسْمِ اللهِ ) الذي يعز من انتمى إليه وإن كان ضعيفا لأنه العزيز( الرَّحْمنِ ) الذي له القدرة التامة على أن يرحم بالضراء كما يرحم بالسراء( الرَّحِيمِ ) الذي أكرم أهل وده ، بالإعانة على لزوم شكره وحمده.

٣٥٦

( ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ (٣) وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ (٤) )

ولما نزه ربنا سبحانه نفسه الأقدس في ختام تلك عن كل شائبة نقص ، وأثبت له كل كمال ناصا على العزة ، وأوجب للمرسلين السلامة ، افتتح هذه بالإشارة إلى دليل ذلك بخذلان من ينازع فيه فقال :( ص ) أي إن أمرك ـ يا من أمرناه باستفتاء العصاة آخر الصفت وبشرناه بالنصر ـ مهيأ مع الضعف الذي أنتم به الآن والرخاوة والإطباق ، وعلو وانتشار يملأ الآفاق( وَالْقُرْآنِ ) أي الجامع ـ مع البيان لكل خير ـ لأتباع لا يحصيهم العد ، ولا يحيط بهم الحد. ولما كان القسم لا يليق ولا يحسن إلا بما يعتقد المقسم له شرفه قال :( ذِي الذِّكْرِ ) أي الموعظة والتذكير بما يعرف ، والعلو والشرف والصدق الذي لا ريب فيه عند كل أحد ، فكل من سمعه اعتقد شرفه وصدق الآتي به ليملأن شرفه المنزل عليه الأقطار ، وليزيدن على كل مقدار ، كما تقدمت الدلالة عليه بالحرف الأول ، والذين كفروا وإن أظهروا الشك في ذلك وانتقصوه قولا فإنهم لا ينتقصونه علما( بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا ) بما يظهرون من تكذيبه( فِي عِزَّةٍ ) أي عسر وصعوبة ومغالبة بحمية الجاهلية مظروفون لها ، فهي معمية لهم عن الحق لإحاطتها بهم ، وأنثها إشارة إلى ضعفها ، وبشارة بسرعة زوالها وانقلابها إلى ذل( وَشِقاقٍ ) أي إعراض وامتناع واستكبار عن قبول الصدق من لساني الحال الذي أفصح به الوجود ، والقال الذي صرح به الذكر فهداهم إلى ما هو في فطرهم وجبلاتهم بأرشق عبارة وأوضح إشارة لو كانوا يعقلون ، فأعرضوا عن تدبره عنادا منهم لا اعتقادا فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيت الله يجحدون ، وتنكيرهما للتعظيم ، قال الرازي : حذف الجواب ليذهب فيه القلب كل مذهب ليكون أغزر وبحوره أزخر ـ انتهى.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما ذكر تعالى حال الأمم السالفة مع أنبيائهم في العتو والتكذيب ، وأن ذلك أعقبهم الأخذ الوبيل والطويل ، كان هذا مظنة لتذكير حال مشركي العرب وبيان سوء مرتكبهم وأنهم قد سبقوا إلى ذلك الارتكاب ، فحل بالمعاند سوء العذاب ، فبسط حال هؤلاء وسوء مقالهم ليعلم أنه لا فرق بينهم وبين مكذبي الأمم السالفة في استحقاق العذاب وسوء الانقلاب ، وقد وقع التصريح بذلك في قوله تعالى( كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ ) إلى قوله :( إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ ) ولما أتبع سبحانه هذا بذكر استعجالهم في قوله( عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ ) أتبع ذلك بأمر نبيهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بالصبر فقال( اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ) ثم آنسه بذكر

٣٥٧

الأنبياء وحال المقربين الأصفياء( وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ ) ـ انتهى.

ولما كان للعلم الذي أراد الله إظهاره في هذا الوجود طريقان : حال ومقال ، فأما الحال فهو ما تنطق به أحوال الموجودات التي أبدعها سبحانه في هذا الكون من علوم يدرك منها من أراد الله ما أراد ، وأما المقال فهو هذا الذكر الذي هو ترجمة عن جميع الوجود ، وكان سبحانه قد قدم الذكر لأنه أبين وأظهر ، وأخبر أنهم أعرضوا عنه وشاققوه ، وكان من شاقق الملك استحق الهلاك ، وكان ما أبدوه من المغالبة أمرا غائظا للمؤمنين ، أتبعه ما يصلح لتخويف الكافرين وترجية المؤمنين مما أفصح به لسان الحال من إهلاك المنذرين ، وهو أبين ما يكون من دلالاته ، وأظهر ما يوجد من آياته ، فقال استئنافا :( كَمْ أَهْلَكْنا ) وكأن المنادين بما يذكر كانوا بعض المهلكين ، وكانوا أقرب المهلكين إليهم في الزمان ، فأدخل الجار لذلك ، فقال دالّا على ابتداء الإهلاك :( مِنْ قَبْلِهِمْ ) وأكد كثرتهم بقوله مميزا :( مِنْ قَرْنٍ ) أي كانوا في شقاق مثل شقاقهم ، لأنهم كانوا في نهاية الصلابة والحدة والمنعة ـ بما دل عليه «قرن». ولما تسبب عن مسهم بالعذاب دلهم قال جامعا على معنى «قرن» لأنه أدل على عظمة الإهلاك :( فَنادَوْا ) أي بما كان يقال لهم : إنه سبب للنجاة من الإيمان والتوبة ، واستعانوا بمن ينقذهم ، أو فعلوا النداء ذعرا ودهشة من غير قصد منادي ، فيكون الفعل لازما ، وقال الكلبي : كانوا إذا قاتلوا فاضطروا تنادوا «مناص» أي عليكم بالفرار ، فأجيبوا بأنه لا فرار لهم.

ولما قرر سبحانه في غير موضع أن التوبة لا تنفع إلا عند التمكن والاختيار لا عند الغلبة والاضطراب ، قال تعالى مؤكدا لهذا المعنى في جملة حالية بزيادة التاء التي أصلها هاء في «لا» أو في «حين» كما أكدوا بزيادتها في رب وثم ، والهاء في أراق والتاء في مثال والان فقالوا : ربت وثمت وأهراق وتمثال وتالان( وَلاتَ ) أي وليس الحين( حِينَ مَناصٍ ) أي فرارا بتحرك بتقدم ولا تأخر ، بحركة قوية ولا ضعيفة ، فضلا عن نجاة ، قال ابن برجان : والنوص يعبر به تارة عن التقدم وتارة عن التأخر وهو كالجماح والنفار من الفرس ، ونوص حمار الوحش رفعه رأسه كأنه نافر جامح.

ولما كان جعل المنذر منهم ليس محلّا للعجب فعدوه عجبا لما ظهر من تقسيمهم القول فيه ، عجب منهم في قوله :( وَعَجِبُوا أَنْ ) أي لأجل أن( جاءَهُمْ ) ولما كان تعجبهم من مطلق نذارته لا مبالغته فيها أتى باسم الفاعل دون فعيل فقال :( مُنْذِرٌ مِنْهُمْ ) أي من البشر ثم من العرب ثم من قريش ولم يكن من الملائكة مثلا وكان ينبغي لهم أن لا يعجبوا من ذلك فإن كون النذير بما يحل من المصائب من القوم المنذرين ـ مع كونه

٣٥٨

أشرف لهم ـ أقعد في النذارة لأنهم أعرف به وبما هو منطو عليه من صدق وشفقة وغير ذلك ، وهو الذي جرت به العوائد في القديم والحديث لكونهم إليه أميل ، فهم لكلامه أقبل.

ولما كانوا أعرف الناس بهذا النذيرصلى‌الله‌عليه‌وسلم في أنه أصدقهم لهجة وأعلاهم همة وأنه منفي عنه كل نقيصة ووصمة ، زاد في التعجيب بأن قال معبرا بالواو دون الفاء لأن وصفهم له بالسحر ليس شبيه هذا العجب :( وَقالَ ) ولما كانوا يسترون الحق مع معرفتهم إياه فهم جاحدون لا جاهلون ، ومعاندون لا غافلون ، أظهر موضع الإضمار إشارة إلى ذلك وإيذانا بشديد غضبه في قوله :( الْكافِرُونَ هذا ) أي النذير.

ولما كان ما يبديه من الخوارق إعجازا فعلا وقولا يجذب القلوب ، وكان أقرب ما يقدحون به فيه السحر قذفوه به ولم يعبروا بصيغة مبالغة لئلا يكون ذلك إيضاحا جاذبا للقلوب إليه فقالوا :( ساحِرٌ ) أي لأنه يفرق بما أتى به بين المرء وزوجه ، فاعترفوا ـ مع نسبتهم له إلى السحر وهم يعلمون أنهم كاذبون في ذلك ـ أن ما أتى به فوق ما لهم من القوى( كَذَّابٌ ) أي في ادعائه أن ما سحر به حق ليس هو كسحر السحرة ، وأتوا بوقاحة بصيغة المبالغة وقد كانوا قبل ذلك يسمونه الأمين وهم يعلمون أنه لم يتجدد له شيء إلا إتيانه بأصدق الصدق وأحق الحق مع ترقيه في معارج الكمال من غير خفاء على أحد له أدنى تأمل.

( أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ (٦) ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اخْتِلاقٌ (٧) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ (٨) )

ولما ذكر قولهم الناشىء عن عجبهم ، ذكر سببه ليعلم أن حالهم هو الذي يعجب منه لا حال من أنذرهم بقوله حاكيا قولهم إنكارا لمضمون ما دخل عليه :( أَجَعَلَ ) أي صير بسبب ما يزعم أنه يوحى إليه( الْآلِهَةَ ) أي التي نعبدها( إِلهاً واحِداً ) ولما كان الكلام في الإلهية التي هي أعظم أصول الدين ، وكان هوصلى‌الله‌عليه‌وسلم وكل من تبعه بل وكل منصف ينكرون أن يكون هذا عجبا ، بل العجب كل العجب ممن يقبل عقله أن يكون الإله أكثر من واحد ، أكدوا قولهم لذلك وإعلاما لضعفائهم تثبيتا لهم بأنهم على غاية الثقة والاعتقاد لما يقولون ، لم يزلزلهم ما رأوا من منذرهم من الأحوال الغريبة الدالة ولا بد على صدقه ، فسموها سحرا لعجزهم عنها :( إِنَّ هذا ) أي القول بالوحدانية( لَشَيْءٌ عُجابٌ ) أي في غاية العجب ـ بما دلت عليه الضمة والصيغة ، ولذلك قرىء

٣٥٩

شاذا بتشديد الجيم ، وهي أبلغ قال الاستاذ أبو القاسم القشيري : فلا هم عرفوا الإله ولا معنى الإلهية ، فإن الإلهية هي القدرة على الاختراع ، وتقدير القادرين على الاختراع غير صحيح لما يجب من وجود التمانع بينهما وجوازه ، وذلك يمنع من كمالهما ، ولو لم يكونا كاملي الوصف لم يكونا إلهين ، وكل أمر جر ثبوته سقوطه فهو باطل مطرح ـ انتهى. وستأتي الإشارة إلى الرد عليهم بقوله :( الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ ) ثم بقوله :( وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ) .

ولما كان العجب فكيف بالعجاب جديرا بأن يلزم صاحبه ليزداد الناظر عجبا ، بين أنهم فعلوا خلاف ذلك تصديقا لما نسبهم إليه من الشقاق فقال :( وَانْطَلَقَ ) ولما كان ما فعلوه لا يفعله عاقل ، فربما ظن السامع أن المنطلق منهم أسقاط من الناس من غيرهم قال :( الْمَلَأُ ) أي الأشراف ، وقال :( مِنْهُمْ ) أي لا من غيرهم فكيف بالأسقاط منهم وكيف بغيرهم ، ثم حقق الانطلاق مضمنا له القول لأنه من لوازمه بقوله :( أَنِ امْشُوا ) أي قائلا كل منهم لذلك آمرا لنفسه ولصاحبه بالجد في المفارقة حالا ومقالا ، وإذا وقف على «أن» ابتدىء بكسر الهمزة لأن أصله : امشيوا فالثالث مكسور كما أنه لو قيل لامرأة : اغزي يبتدأ بالضم لأن الأصل : اغزوي كاخرجي( وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ ) أي لزوم عبادتها وعدم الالتفات إلى ما سواها ، قال القشيري : وإذا تواصى الكفار فيما بينهم بالصبر على آلهتهم فالمؤمنون أولى بالصبر على عبادة معبودهم والاستقامة في دينهم.

ولما كان كل منهم قد أخذ ما سمعه من النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قلبه وسلب لبه ، على ما أشار إليه «ذي الذكر بل» فهو خائف من صاحبه أن يكون قد استحال عن اعتقاد التعدد بما يعرف من تزحزحه في نفسه ، أكدوا قولهم :( إِنَّ هذا ) أي الصبر على عبادة الآلهة( لَشَيْءٌ يُرادُ ) أي هو أهل للإرادة فهو أهل لئلا ينفك عنه ، أو الذي يدعو إليه شيء يريده هو ولا نعلم نحن ما هو على ما نحن عليه من الحذق ، فهو شيء لا يعلم في نفسه.

ولما كان كأنه قيل : فما حال ما يقوله؟ قالوا جوابا واقفا مع التقليد والعادة التي وجدوا عليها أسلافهم :( ما سَمِعْنا بِهذا ) أي الذي تذكره من الوحدانية( فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ ) وتقييدهم لها يدل على أنهم عالمون به في الملة الأولى ، وأنهم عارفون بأن إبراهيمعليه‌السلام ومن وجد من أولاده الذين هم آباؤهم إلى عمرو بن لحي كانوا بعيدين من الشرك ملازمين للتوحيد وأنه لا شبهة لهم إلا كونه سبحانه لم يغير عليهم في هذه المدد الطوال ، وكانوا أيضا يعرفون البعث ولكنهم تناسوه ، ذكر ابن الفرات في تأريخه يوم حليمة من أيام العرب وقال : إن حجر بن عمرو آكل المرار سار إلى بني أسد

٣٦٠