• البداية
  • السابق
  • 668 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 105 / تحميل: 14
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 6

مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
العربية

العبادة قطعا فقال :( وَما بَيْنَهُمَا ) أي الخافقين من الفضاء والهواء وغيرهما من العناصر والنبات والحيوانات العقلاء وغيرها ، ربي كل شيء من ذلك إيجادا وإبقاء على ما يريد وإن كره ذلك المربوب ، فدل ذلك على قهره ، وتفرده في جميع أمره.

ولما كان السياق للإنذار ، كرر ما يدل على القهر فقال :( الْعَزِيزُ ) أي الذي يعز الوصول إليه ويغلب كل شيء ولا يغلبه شيء ، ولما ثبت أنه يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء ، وكانت دلالة الوصفين العظيمين على الوعيد أظهر من إشعارها بالوعد ، كان موضع قولهم : فما له لا يعجل بالهلاك لمن يخالفه فقال :( الْغَفَّارُ ) أي المكرر ستره لما يشاء من الذنوب حلما إلى وقت الماحي لها بالكلية بالنسبة إلى من يشاء من العباد كما فعل مع أكثر الصحابة رضي الله عنهم حيث غفر لهم ما اقترفوه قبل الإسلام.

ولما ثبت بهذا وحدانيته وقدرته ولم يزعهم ذلك عن ضلالهم ، ولا ردهم عن عتوهم ومحالهم ، مع كونه موجبا لأن يقبل كل أحد عليه ولا يعدل أبدا عنه ، قال آمرا له بما ينبههم على عظيم خطئهم :( قُلْ هُوَ ) أي هذا الأمر الذي تلوته عليكم من الأخبار عن الماضي والآتي من القيامة المشتملة على التخاصم المذكور وغيرها والأحكام والمواعظ ، فثبت بمضمونه الوحدانية ، وتحقق بإعجازه مع ثبوت الوحدانية وتمام القدرة وجميع صفات الكمال أنه كلام الله :( نَبَأٌ عَظِيمٌ ) أي خبر يفوت الوصف في الجلال والعظم بدلالة العبارة والصفة لا يعرض عن مثله إلا غافل لا وعي له ولا شيء من رأى.

ولما كانوا يدعون أنهم أعظم الناس إقبالا على الغرائب ، وتنقيبا عن الدقائق والجلائل من المناقب ، بكتهم بقوله واصفا له :( أَنْتُمْ عَنْهُ ) أي خاصة لا عن غيره والحال أن غيره من المهملات. ولما كان أكثرهم متهيئا للإسلام والرجوع عن الكفران لم يقل : مدبرون ، ولا «يعرضون» بل قال :( مُعْرِضُونَ ) أي ثابت لكم الإعراض في هذا الحين ، وقد كان ينبغي لكم الإقبال عليه خاصة والإعراض عن كل ما عداه لأن في ذلك السعادة الكاملة ، ولو أقبلتم عليه بالتدبر لعلمتم قطعا صدقي وأني ما أريد بكم إلا السعادة في الدنيا والآخرة ، فبادرتم الإقبال إليّ والقبول لما أقول.

ولما قصر نفسه الشريفة على الإنذار ، وكانوا ينازعون فيه وينسبونه إلى الكذب ، دل على صدقه وعلى عظم هذا النبأ بقوله :( ما كانَ لِي ) وأعرق في النفي بالتأكيد في قوله :( مِنْ عِلْمٍ ) أي من جهة أحد من الناس كما تعرفون ذلك من حالي له إحاطة ما( بِالْمَلَإِ ) أي الفريق المتصف بالشرف( الْأَعْلى ) وهم الملائكة أهل السماوات العلى وآدم وإبليس ، وكأن مخاطبة الله لهم كانت بواسطة ملك كما هو أليق بالكبرياء

٤٠١

والجلال ، فصح أن المقاولة بين الملأ( إِذْ ) أي حين. ولما أفرد وصف الملأ إيذانا بأنهم في الاتفاق في علو رتبة الطاعة كأنهم شيء واحد ، جمع لئلا يظن حقيقة الوحدة فقال :( يَخْتَصِمُونَ ) أي في شأن آدمعليه‌السلام ، أول خليفة في الأرض بل الخليفة المطلق ، لأن خلافة أولاده من خلافته ، وفي الكفارات الواقعة من بينه ، كما أنه ما كان لي من علم بأهل النار إذ يختصمون ، ولا بالخصم الذين دخلوا على داودعليه‌السلام الذي جعله الله تعالى خليفة في الأرض إذ يختصمون ، وقد علمت ذلك علما مطابقا للحق بشهادة الكتب القديمة وأنتم تعلمون أني لم أخالط عالما قط ، فهذا علم من أعلام النبوة واضح في أني لم أعلم ذلك إلا بالوحي لكوني رسول الله وعبر هنا بالمضارع ـ وإن كان قد وقع ومضى من أول الدهر ـ تذكيرا بذلك الحال وإعلاما بما هم فيه الآن من مثله في الدرجات ، كما سيأتي قريبا في الحديث القدسي ، وعبر في تخاصم أهل النار ـ وهو لم يأت ـ بالماضي تنبيها على أن وقوعه مما لا ريب فيه ، فكأنه وقع وفرغ منه لأنه قد فرغ من قضائه من لا يرد له قضاء ، لأنه الواحد فلا شريك له ولا منازع.

ولما كانوا ربما قالوا في تعنتهم : فلعله مثل ما أوحي إليك بعلم ما لم تكن تعلم ، يوحي إليك بالقدرة على ما لم تكن تقدر عليه ، فتعجل لنا الموت ثم البعث لنرى ما أخبرتنا به من التخاصم مصورا ، لعلنا نصدقك فيما أتيت به ، قال مجيبا لهم قاصرا للوحي على قصره على النذارة وهي إبلاغ ما أنزل إليه ، لا تعجيل شيء مما توعدوا به :( إِنْ ) أي ما( يُوحى ) أي في وقت من الأوقات ، وبناه للمفعول لأن ذلك كاف في تنبيههم على موضع الإشارة في أن دعواه إنما هي النبوة لا الإلهية( إِلَيَّ إِلَّا ) ولما كان الوحي قولا قرأ أبو جعفر بكسر( أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ ) أي قصري على النذارة لا أني أنجز ما يتوعد به الله ؛ فإنما مفعول يوحى القائم مقام الفاعل في القراءتين وإن اختلف التوجيهان فالتقدير على قراءة الجماعة بالفتح : إلا الإنذار أو إلا كوني نذيرا ، وعلى قراءة الكسر : إلا هذا القول وهو أني أقول لكم كذا( مُبِينٌ ) أي لا أدع لبسا فيما أبلغه بوجه من الوجوه.

( إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٧٤) )

ولما دل على أنه نذير ، وأزال ما ربما أوردوه عليه ، أتبعه ظرف اختصام الملأ الأعلى ، أو بدل «إذ» الأولى فقال :( إِذْ ) أي حين( قالَ ) ودل على أن هذا كله

٤٠٢

إحسان إليه وإنعام عليه بذكر الوصف الدال على ذلك ، ولفت القول عن التكلم إلى الخطاب لأنه أقعد في المدح وأدل على أنه كلام الله كما في قوله( قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ ) [البقرة : ٩٧] دليلا يوهم أنه ظرف ليوحى أو لنذير فقال :( رَبُّكَ ) أي المحسن إليك بجعلك خير المخلوقين وأكرمهم عليه فإنه أعطاك الكوثر ، وهو كل ما يمكن أن تحتاج إليه( لِلْمَلائِكَةِ ) وهم الملأ الأعلى وإبليس منهم لأنه كان إذ ذاك معهم وفي عدادهم. ولما كانوا عالمين بما دلهم عليه دليل من الله كما تقدم في سورة البقرة أن البشر يقع منه الفساد ، فكانوا يبعدون أن يخلق سبحانه من فيه فساد لأنه الحكيم الذي لا حكيم سواه ، أكد لهم سبحانه قوله :( إِنِّي خالِقٌ بَشَراً ) أي شخصا ظاهر البشرة لا ساتر له من ريش ولا شعر ولا غيرهما ليكون التأكيد دليلا على ما مضى من مراجعتهم لله تعالى التي أشار إليها بالاختصام ، وبين أصله بقوله معلقا بخالق أو بوصف بشر :( مِنْ طِينٍ ) اجعله خليفتي في الأرض وإن كان في ذلك فساد لأني أريد أن أظهر حلمي ورحمتي وعفوي وغير ذلك من صفاتي التي لا يحسن في الحكمة إظهارها إلا مع الذنوب «لو لم تذنبوا فتسغفروا لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم» قال القشيري : وإخباره للملائكة بذلك يدل على تفخيم شأن آدمعليه‌السلام لأنه خلق ما خلق من الكونين والجنة والنار والعرش والكرسي والملائكة ، ولم يقل في صفة شيء منها ما قال في صفة آدمعليه‌السلام وأولاده ، ولم يأمر بالسجود لشيء غيره.

ولما أخبرهم سبحانه بما يريد أن يفعل ، سبب عنه قوله :( فَإِذا سَوَّيْتُهُ ) أي هيأته بإتمام خلقه لما يراد منه من قبول الروح وما يترتب عليه( وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ) فصار حساسا متنفسا ، شبه سبحانه إفاضته الروح بما يتأثر عن نفخ الإنسان من لهب النيران ، وغير ذلك من التحريك والإسكان ، والزيادة والنقصان ، وأضافه سبحانه إليه تشريفا له ،( فَقَعُوا لَهُ ) أي خاصة( ساجِدِينَ ) أي اسجدوا له للتكرمة امتثالا لأمري سجودا هو بغاية ما يكون من الطواعية والاختيار والمحبة لتكونوا كأنكم وقعتم بغير اختيار ، ففعلوا ما أمرهم به سبحانه من غير توقف ، ولذلك ذكر فعلهم مع جواز تأنيثه فقال :( فَسَجَدَ ) أي عند ما نفخ فيه الروح( الْمَلائِكَةُ ) على ما أمرهم الله ، ولما كان إسناد الخبر إلى الجمع قد يراد به أكثرهم ، أكد بقوله :( كُلُّهُمْ ) إرادة لرفع المجاز.

ولما كان لا يقدح في ذلك واحد مثلا أو قليل لا يعبأ بهم لضعف أو نحوه ، رفع

٤٠٣

ذلك بقوله :( أَجْمَعُونَ ) مع إفادة أن السجود كان في آن واحد إعلاما بشدة انقيادهم ، وحسن تأهبهم للطاعة واستعدادهم ، ثم زاد في إيضاح العموم بالاستثناء الذي هو معياره فقال :( إِلَّا إِبْلِيسَ ) عبر عنه بهذا الاسم لكونه من الإبلاس وهو انقطاع الرجاء إشارة إلى أنه في أول خطاب الله له بالإنكار عليه كان على كيفية علم منها تأبد الغضب عليه وتحتم العقوبة له.

ولما عرف بالاستثناء أنه لم يسجد ، وكان مبنى السورة على استكبار الكفرة بكونهم في عزة وشقاق ، بين أن المانع له من السجود الكبر تنفيرا عنه مقتصرا في شرح الاختصام عليه وعلى ما يتصل به فقال :( اسْتَكْبَرَ ) أي طلب أن يكون أكبر من أن يؤمر بالسجود له وأوجد الكبر على أمر الله ، وكان من المستكبرين العريقين في هذا الوصف كما استكبرتم أيها الكفرة على رسولنا ، وسنرفع رسولناصلى‌الله‌عليه‌وسلم كما رفعنا آدم صفيناعليه‌السلام على من استكبر عن السجود له ، ونجعله خليفة هذا الوجود كما جعلنا آدمعليه‌السلام ، وأشرنا إلى ذلك في هذه السورة بافتتاحها بخليفة واختتامها بخليفة أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بذكر كل من أحوالهما.

ولما كان الفعل الماضي ربما أوهم أنه حدث فيه وصف لم يكن ، وكان التقدير : فكفر بذلك ، عطفا عليه بيانا لأنه جبل على الكفر ولم يحدث منه إلا ظهور ذلك للخلق قوله :( وَكانَ ) أي جبلة وطبعا( مِنَ الْكافِرِينَ ) أي عريقا في وصف الكفر الذي منشؤه الكبر على الحق المستلزم للذل للباطل ، فالآية من الاحتباك : ذكر فعل الاستكبار أولا ، دليلا على فعل الكفر ثانيا ووصف الكفر ثانيا دليلا على وصف الاستكبار أولا ، وسر ذلك أن ما ذكره أقعد في التحذير بأن من وقع منه كبر جره إلى الكفر.

( قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ (٧٥) قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦) قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨) قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) )

ولما كان من خالف أمر الملك جديرا بأن يحدث إليه أمر ينتقم به منه ، فتشوف السامع لما كان من الملك إليه ، استأنف البيان لذلك بقوله :( قالَ ) وبين أنه بمحل البعد بقوله :( يا ) وبين يأسه من الرحمة وأنه لا جواب له أصلا بتعبيره بقوله :( إِبْلِيسُ ما ) أي ، أي شيء( مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ ) وبين ما يوجب طاعته ولو أمر بتعظيم ما لا يعقل بقوله معبرا بأداة ما لا يعقل عمن كان عند السجود له عاقلا كامل العقل :( لِما خَلَقْتُ ) فأنا العالم به وبما يستحقه دون غيري ، وما أمرت بالسجود له إلا لحكمة في الأمر

٤٠٤

وابتلاء للغير ، وأكد بيان ذلك بذكر اليد وتثنيتها فقال :( بِيَدَيَ ) أي من غير توسط سبب من بين هذا النوع وما ذاك إلا لمزيد اختصاص ، والمراد باليد هنا صفة شريفة غير النعمة والقدرة معلومة له سبحانه ولمن تبحر في علمي اللغة والسنّة ، خص بها خلق آدمعليه‌السلام تشريفا له وفي تثنية اليد إشارة إلى أنه ربما أظهر فيه معاني الشمال وإن كان كل من يديه مباركا ، ثم قسم المانع إلى طلب العلو ووجود العلو مع الإنكار عليه في الاستناد إلى شيء منهما ، فقال في صيغة استفهام التقرير مع الإنكار والتقريع ، بيانا لأنه يلزمه لا محالة زيادة على ما كفر به أن يكون على أحد هذين الأمرين :( أَسْتَكْبَرْتَ ) أي طلبت أن تكون أعلى منه وأنت تعلم أنك دونه فأنت بذلك ظالم ، فكنت من المستكبرين العريقين في وصف الظلم ، فإن من اجترأ على أدناه أوشك أن يصل إلى أعلاه( أَمْ كُنْتَ ) أي مما لك من الجبلة الراسخة( مِنَ الْعالِينَ ) أي الكبراء المستحقين للكبر وأنا لا أعلم ذلك فنقصتك من منزلتك فكنت جائرا في أمري لك بما أمرتك به ، فلذلك علوت بنفسك فلم تسجد له ، هذا المراد لا ما يقوله بعض الملاحدة من أن العالين جماعة من الملائكة لم يسجدوا لأنهم لم يؤمروا لأن ذلك قدح في العموم المؤكد هذا التأكيد العظيم ، وفي تفسير العلماء له من غير شبهة ، والآية من الاحتباك ؛ دل فعل الاستكبار أولا على فعل العلو ثانيا ، ووصف العلو ثانيا على وصف الاستكبار أولا ، وسر ذلك أن إنكار الفعل المطلق مستلزم لإنكار المقيد لأنه المطلق بزيادة ، وإنكار الوصف مستلزم لإنكار الفعل لأنه جزوه مع أن إنكار الفعل من هذا مستلزم لإنكار الفعل من ذاك ، فيكون كل من الفعلين مدلولا على إنكاره مرتين : تارة بإنكار فعل عديله وأخرى بإنكار وصفه نفسه ، والوصفان كذلك ، وفعل الكبر أجدر بالإنكار من فعل العلو و «أم» معادلة لهمزة الاستفهام وإن حذفت من قراءة بعضهم لدلالة «أم» عليها وإن اختلف الفعل ، قال أبو حيان : قال سيبويه : تقول : أضربت زيدا أم قتلته ، فالبدء هنا بالفعل أحسن لأنك إنما تسأل عن أحدهما لا تدري أيهما كان ، ولا تسأل عن موضع أحدهما كأنك قلت : أي ذلك كان ـ انتهى.

ولما صدعه سبحانه بهذا الإنكار ، دل على إبلاسه بقوله مستأنفا :( قالَ ) مدعيا لأنه من العالين :( أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ) أي فلا حكمة في أمري بالسجود له ، ثم بين ما ادعاه بقوله :( خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ ) أي وهي في غاية القوة والإشراق( وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ) أي وهو في غاية الكدورة والضعف ، واستؤنف بيان ما حصل التشوف إليه من علم جوابه بقوله معرضا عن القدح في جوابه لظهور سقوطه بأن المخلوق المربوب لا اعتراض له على ربه بوجه :( قالَ فَاخْرُجْ ) أي بسبب تكبرك ونسبتك الحكيم الذي لا اعتراض عليه

٤٠٥

إلى الجور( مِنْها ) أي من الجنة محل الطهر عن الأدواء الظاهرة والباطنة ، ثم علل ذلك بقوله مؤكدا لأجل ادعاء أنه أهل لأقرب القرب :( فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ) أي مستحق للطرد والرجم وهو الرمي بالحجارة الذي هو للمبالغة في الطرد.

ولما كان الطرد قد يكون في وقت يسير ، بين أنه دائم بقوله ، مؤكدا إشارة إلى الإعلام بما في نفسه من مزيد الكبر :( وَإِنَّ عَلَيْكَ ) أي خاصة. ولما كان السياق هنا للتكلم في غير مظهر العظمة لم يأت بلام الكلام بخلاف الحجر فقال :( لَعْنَتِي ) أي إبعادي مع الطرد والخزي والهوان والذل مستعل ذلك عليك دائما قاهرا لك لا تقدر على الانفكاك عنه بوجه ، وأما غيرك فلا يتعين للعن بل يكون بين الرجاء والخوف لا علم للخلائق بأنه مقطوع بلعنه ما دام حيا إلا من أخبر عنه نبي من الأنبياء بذلك ، ثم غيى هذا اللعن بقوله :( إِلى يَوْمِ الدِّينِ ) أي فإذا جاء ذلك اليوم أخذ في المجازاة لكل عامل بما عمل ولم يبق لمذنب وقت يتدارك فيه ما فاته ، وحينئذ يعلم أهل الاستحقاق للعن كلهم ، ولم يبق علم ذلك خاصا بإبليس ، بل يقع العلم بجميع أهل اللعنة ، فالغاية لعلم الاختصاص باللعن لا للعن.

ولما كان ذلك ، تشوف السامع إلى ما كان منه فأخبر سبحانه به في سياق معلم أنه منعه التوفيق فلم يسأل التخفيف ولا عطف نحو التوبة ، بل أدركه الخذلان بالتمادي في الطغيان ، فطلب ما يزداد به لعنة من الإضلال والإعراق في الضلال ضد ما أنعم به على آدمعليه‌السلام ، فقال ذاكرا صفة الإحسان والتسبيب لسؤال الإنظار لما جرأه عليهما من ظاهر العبارة في أن اللعنة مغباة بيوم الدين :( قالَ رَبِ ) أي أيها المحسن إليّ بإيجادي وجعلي في عداد الملائكة الكرام( فَأَنْظِرْنِي ) أي بسبب ما عذبتني به من الطرد( إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) أي آدم وذريته الذين تبعثهم ببعث جميع الخلائق :( قالَ ) مؤكدا لأن مثل ذلك في خرقه للعادة لا يكاد يتصور :( فَإِنَّكَ ) أي بسبب هذا السؤال( مِنَ الْمُنْظَرِينَ ) وهذا يدل على أن مثل هذا الإنظار لغيره أيضا.

( إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١) قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥) قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦) إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨) )

ولما دبج في عبارته بما يقتضي السؤال في أن لا يموت ، فإن يوم البعث ظرف لفيض الحياة لا لغيضها ولبسطها لا لقبضها ، منعه ذلك بقوله :( إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ ) ولما

٤٠٦

كان تدبيجه في السؤال قد أفهم تجاهله بما هو أعلم الخلق به من تحتم الموت لكل من لم يكن في دار الخلد الذي أبلغ الله تعالى في الإعلام به ، قال :( الْمَعْلُومِ ) وهو الصعقة الأولى وما يتبعها.

ولما كانت هذه الإجابة سببا لأن يخضع وينيب شكرا عليها ، وأن يطغى ويتمرد ويخيب لأنها تسليط ، وتهيئة للشر ، فاستشرف السامع إلى معرفة ما يكون من هذين المسببين ، عرف أنه منعه الخذلان من اختيار الإحسان بقوله :( قالَ فَبِعِزَّتِكَ ) أي التي أبت أن يكون لغيرك فعل لا بغير ذلك ، ويجوز أن تكون الباء للقسم( لَأُغْوِيَنَّهُمْ ) أي ذرية آدمعليه‌السلام ( أَجْمَعِينَ ) قال القشيري : ولو عرف عزته لما أقسم بها على مخالفته.

ولما كان عالما بأن القادر ما خلق آدمعليه‌السلام وشرفه بما شرفه به ليشقي ذريته كلهم قال :( إِلَّا عِبادَكَ ) فأضافهم إليه سبحانه تنبيها على أن غيرهم قد انسلخوا من التشرف بعبوديته بالنسبة إلى من أطاعوه. ولما كان يمكن أن يكون المستثنى ، من غير البشر قيد بقوله :( مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) أي الذين أخصلهم الله تعالى لطاعته فأخلصوا قصدهم لها ، وعرف من الاستثناء أنهم قليل وأن الغواة هم الأصل.

ولما حصل التشوف إلى جوابه ، دل عليه بقوله :( قالَ فَالْحَقُ ) أي فبسبب إغوائك وغوايتهم أقول الحق( وَالْحَقَ ) أي لا غيره أبدا( أَقُولُ ) أي لا أقول إلا الحق ، فإن كل شيء قلته ثبت ، فلم يقدر أحد على نقضه ولا نقصه. ولما كانت إجابته بالإنظار ربما كانت سببا لطمعه في الخلاص ، قطع رجاءه بما أبرزه في أسلوب التأكيد من قوله جوابا لقسم مقدر وبيانا للحق ، وفي قراءة عاصم وحمزة برفع( فَالْحَقُ ) يكون هو المقسم به أي فالحق قسمي ، والجواب( لَأَمْلَأَنَ ) وما بينهما اعتراض مبين أن هذا مما لا يتخلف أصلا( جَهَنَّمَ ) أي النار العظيمة التي من شأنها تجهم من حكم بدخوله إياها( مِنْكَ ) أي نفسك وكل من كان على شاكلتك من جنسك من جميع الجن( وَمِمَّنْ. )

ولما كان الأغلب على سياقات هذه السورة سلامة العاقبة ، كان توحيد الضمير في (تبع) أولى ، وليفهم الحكم على كل فرد ثم الحكم على المجموع فقال :( تَبِعَكَ ) ولما كان ربما قال متعنت : إن المالىء لجهنم من غير البشر قال :( مِنْهُمْ ) أي الناس الذين طلبت الإمهال لأجلهم ، وأكد ضمير( مِنْكَ ) والموصول في( مِمَّنْ ) بقوله :( أَجْمَعِينَ ) لا تفاوت في ذلك بين أحد منكم ، وهذا الخصام الذي بين سبحانه أنه كان بين الملأ الأعلى كان سببا لهم إلى انكشاف علوم كثيرة منها أن السجود والتحيات

٤٠٧

والاستغفار والكفارات سبب الوصول إلى الله والقربات ، فصاروا بعد ذلك يختصمون فيها ، فكانت هذه القضية سببا لاطلاع النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم على أسرار الملك والملكوت ، وإلى ذلك الإشارة بالحديث الذي رواه أحمد والترمذي ـ وقال : حسن غريب ـ والدارمي والبغوي في تفسيره عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال :إني نعست فاستثقلت نوما فأتاني ربي ـ وفي رواية ؛ آت من ربي ـ في أحسن صورة ، فقال لي يا محمد ، قلت : لبيك ربي وسعديك ، قال : هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى ، فقلت : لا يا رب ـ وفي رواية : قلت : أنت أعلم أي رب مرتين ـ قال : فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي ـ أو قال : نحري ـ فعلمت ما في السماوات وما في الأرض ـ وفي رواية : ما بين المشرق والمغرب ـ وفي رواية الدارمي والبغوي : ثم تلا هذه الآية ( وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ) قال : يا محمد! هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى ، قلت : نعم ، في الدرجات والكفارات ، قال : وما هن؟ قلت : المكث في المساجد بعد الصلوات ، والمشي على الأقدام إلى الجماعات ، وإسباغ الوضوء في المكاره ـ وفي رواية : في السبرات ـ وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، قال : من فعل ذلك عاش بخير ومات بخير ، وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه ، وقال : يا محمد ، قلت : لبيك وسعديك ، قال : إذا صليت فقل «اللهم إني اسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تغفر لي وترحمني ، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون» قال : والدرجات إفشاء السّلام وإطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام (١) ، قال المنذري : الملأ الأعلى : الملائكة المقربون ، والسبرات ـ بفتح السين المهملة وسكون الباء الموحدة : جمع سبرة ، وهي شدة البرد ، وعزاه شيخنا في تخريج أحاديث الفردوس إلى أحمد والترمذي عن معاذ رضي الله عنه أيضا وقال : وفي الباب عن ثوبان رضي الله عنه عند أحمد بن منيع وعن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري وأبي رافع وأبي أمامة وأبي عبيدة وأسامة وجابر بن سمرة وجبير بن مطعم وأسامة بن عمير وأنس رضي الله عنهم عند أحمد ، فهذا اختصام سبب العلم بتفاصيله الاختصام الأول وهو ما في شأن آدمعليه‌السلام وذريته ، والعلم الموهوب لمحمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم بسبب السؤال عن هذا الاختصام كالعلم الموهوب لأبيه آدمعليه‌السلام بسبب ذلك الاختصام ، وهذا الاختصام ـ والله أعلم ـ هو اختلافهم في مقادير جزاء العاملين من الثواب المشار إليه

__________________

(١) أخرجه الترمذي ٣٢٣٣ وأحمد ١ / ٣٦٨ من حديث ابن عباس وإسناده على شرطهما إلا أن الترمذي أشار أنه ورد من طريق آخر وأن بين أبي قلابة وابن عباس واسطة وهو خالد بن اللجلاج ثم أسنده عنه ٣٢٣٤ لكن للحديث شواهد كثيرة كما ذكر الترمذي يتقوى بها.

٤٠٨

بالدرجات الحامل عليها العقل الداعي إلى أحسن تقويم ، والعقاب المشار إليه بالكفارات الداعي إلى أسبابها الوساوس الشيطانية الرادة إلى أسفل سافلين التي سأل إبليس الإنظار لأجلها ، وسبب اختلافهم في مقادير الجزاء اختلاف مقادير الأعمال الباطنة من صحة النيات وقوة العزائم وشدة المجاهدات ولينها على حسب دواعي الحظوظ والشهوات التي كان سبب علمهم بها الاختصام في أمر آدمعليه‌السلام وما نشأ عنه من تفصيله بأمور دقيقة المأخذ المظهرة لأن الفضل ليس بالأمور الظاهرة ، وإنما هو بما يهبه الله من الأمور الباطنة ، وسمي تقاولهم في ذلك اختصاما دلالة على عظمة ما تقاولوا فيه ، لأن الخصومة لا تكون إلا بسبب أمر نفيس ، فالمعنى أن الملائكة كل واحد منهم مشغول بما أقيم فيه من الخدمة ، فليس بينهم تقاول يكون بغاية الجد والرغبة كما هو شأن الخصام إلا في هذا لشدة عجبهم منه لما يعلمون من صعوبة هذه الأمور على الآدمي لما عنده من الشواغل والصوارف عنها بما وهبهم الله من العلم جزاء لانقيادهم للطاعة بالسجود بعد ذلك الخصام فنزوغ الآدمي عن صوارفه وحظوظه إلى ما للملائكة من الصفوف في الطاعة والإعراض أصلا عن المعصية غاية في العجب ، وعلمهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لما في السماوات وما في الأرض علم عام لما كان في حين الرؤيا ظهر له به ملكوتهما ، ونسبة ذلك كله إلى علم الله تعالى كالنسبة التي ذكرها الخضر لموسىعليهما‌السلام في نفرة العصفور من البحر ، والذي ذكره العلماء في ذلك أنه تقريب للإفهام فإنه لا نسبة في الحقيقة لعلم أحد من علمه تعالى ولا بنقص علمه أصلا سبحانه عما يلم بنقص أو يدني إلى وهن( قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً ) [الكهف : ١٠٩]( وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ ) [لقمان : ٢٧]( يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا ) [المائدة : ١٠٩] ويقال للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم في ناس اختلجوا دونه عن حوضه «إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك؟ فيقول : فسحقا سحقا »(١) .

ولما تم ما أراد من الدليل على أن ما ذكره لهم نبأ عظيم هم عنه معرضون بما أخبر به من الغيب مع ما له من الإعجاز ، فثبت بذلك ما اقتضى أنه صادق في نسبته إلى الله تعالى ، وختم بالتحذير من اتباع إبليس ، أمره بالبراءة من طريقه وأن ينفي عن نفسه ما قد يحمل على التقول بقوله :( قُلْ ) أي لأمتك :( ما أَسْئَلُكُمْ ) سؤالا مستعليا ، وعلق به لا «بأجر» قوله :( عَلَيْهِ ) أي على التبليغ والإنذار مما أنتم متعرضون له من الهلاك بالإعراض ، فأداة الاستعلاء للاحتراز عن سؤال المودة في القربى وحسن الاتباع

__________________

(١) أخرجه البخاري ٦٥٧٦ وأحمد ١ / ٤٥٥ و ٤٣٩ و ٤٥٣ عن ابن مسعود رضي الله عنه. وأخرجه مسلم ٢٤٩ والنسائي ١ / ٩٣ وابن خزيمة (٦) وابن حبان ١٠٤٦ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.

٤٠٩

فإنهما مسؤولان وهما روح الدين ، ولكن سؤالهما ليس مستعليا على الإبلاغ بحيث إنهما لو انتفيا انتفى ، وأعرق في النفي بقوله :( مِنْ أَجْرٍ ) أي فيكون لكم في الرد شبهة( وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ) أي المتحلين بما ليسوا من أهله من قول ولا فعل ، الذين يكلفون أنفسهم تزوير الكلام والتصنع فيه وترتيبه على طريق من الطرق بنظم أو نثر سجع أو خطب أو غير ذلك ، أو وضع أنفسهم في غير مواضعها ، كما فعل إبليس ، لست منهم بسبيل ولا أعد في عدادهم بوجه ، لا أفعل أفعالهم ولا أحبهم ولا أتعصب لهم ، فهو أبلغ من «وما أنا متكلفا» قد عرفتموني طول عمري كذلك ، ومن المعلوم أن ذلك لو كان في غريزتي لما كففت عنه طول زماني النمو من الصبي والشباب اللذين توجد فيهما الغرائز ولا توجد بعدهما ، فإذا ثبت أن ذلك لم يكن لي إذ ذاك ثبت أنه متعذر بعده ، لما تقرر من أنه لا توجد غريزة بعد الوقوف عن النمو في سن الثلاث والأربعين ، فإذا علم أني لست كذلك علم أني مأمور بما أنا فيه من القول والفعل ، فأنا من المكلفين لا المتكلفين ، فكل من قال أو فعل ما لم يؤمر به فهو متكلف ، وروى الثعلبي بسنده من حديث سلمة بن نفيل رضي الله عنه مرفوعا والبيهقي في الشعب من قول علي بن أرطاة وأبو نعيم في الحلية من قول وهب : علامة المتكلف ثلاث : ينازع من فوقه ، ويتعاطى ما لا ينال ، ويقول ما لا يعلم.

ولما أثبت المقتضيات لأنه من عند الله وأزال الموانع ، بين حقيقته التي لا يتعداها إلى ما نسبوه إليه بقوله :( إِنْ ) أي ما( هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ ) أي عظة وشرف( لِلْعالَمِينَ ) أي كلهم يفهم كل فرد منهم ما تحتمله قواه منه ذكيا كان أو غبيا على ما هو عليه من العلو

الذي لا يدانيه فيه كلام بخلاف الشعر والكهانة التي محطها السجع والكذب في الإخبار ببعض المغيبات ، فإنهما مع سفول رتبتهما لا يفهمهما من العالمين إلا ذاك وذاك.

ولما كان التقدير : أنا عالم بذلك ، عطف عليه قوله جوابا لقسم :( وَلَتَعْلَمُنَ ) أي أنتم أيضا( نَبَأَهُ ) أي صدقي في جميع ما أنبأتكم به فيه وعنه من الأخبار العظيمة وفيما أشار إليه افتتاح هؤلاء الأنبياء المذكورين في هذه السورة بخليفة وختامهم بخليفة من أن عزتكم تصير إلى ذل وشقاقكم يصير إلى مسالمة وألفة ، وكثرتكم تصير إلى قل ، وأن ما أنا فيه الآن يفضي بي إلى خلافة الله في أرضه ، وأن أوسط أمري يصير إلى مثل خلافة الأول في جميع جزيرة العرب التي هي أرض المسجد الأعظم الذي هو قبل المسجد الأقصى الذي هو محل خلافته ، ثم يزاد أمر خلافتي في سائر البلاد ولا يزال حتى يعم الأرض بطولها والعرض على يد ابنه عيسىعليه‌السلام خاتمة أكابر أتباعي وأنصاري

٤١٠

وأشياعي ، وترك الجار إعلاما باستغراق العلم لزمان البعد فقال :( بَعْدَ حِينٍ ) أي مبهم عندكم معلوم لي في الدنيا إذا ظهر عبادي عليكم وفي الآخرة مطلقا ، وإنما أخروا إلى هذا الحين ليبلغ في الإعذار إليهم فتنقطع حججهم وتتناهى ذنوبهم التي يستحقون الأخذ بها ، ولقد والله علموا ذلك ثم ندموا من مات منهم ومن عاش قبل مضي عشرين سنة من إعلاء كلمته وإظهار رسالته وإتمام دينه ، واستمر العلم لهم ولمن بعدهم بما بث فيه من العلوم ، وجمع فيه من شريف الرسوم ، وأظهر مما تقدم الوعد به فيه إلى هذا الزمان ، وإلى أن يفنى كل فان ، ثم يبعثوا إلى الجنان أو النيران ، فقد أثبتت هذه الآية من كون القرآن ذكرا ما أثبتته أول آية فيها على أتم وجه مع زيادة الوعيد ، فانعطف الآخر على الأول ، واتصل به أحسن اتصال وأجمل ، ونظر إلى أول الزمر أعظم نظر وأكمل ، فلله در هذا الانتظام ، فهو لعمري أضوأ من شمس الضحى وأتم من بدر التمام ، فسبحان من أنزله و ـ أجمله وفصله ، وفضله وشرفه وكرمه ـ والله أعلم.

٤١١

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة الزمر

مكية ـ آياتها خمس وسبعون

وتسمى تنزيل والغرف

مقصودها الدلالة على أنه سبحانه صادق الوعد ، وأنه غالب لكل شيء ، فلا يعجل لأنه لا يفوته شيء ، ويضع الأشياء في أوفق محالها يعرف ذلك أولو الألباب المميزون بين القشر واللباب ، وعلى ذلك دلت تسميتها «الزمر» لأنها إشارة إلى أنه أنزل كلّا من المحشورين داره المعدة له بعد الإعذار في الإنذار ، والحكم بينهم بما استحقته أعمالهم عدلا منه سبحانه في أهل النار ، وفضلا على المتقين الأبرار ، وكذا تسميتها (تنزيل) لمن تأمل آيتها ، وحقق عبارتها وإشارتها ، وكذا (الغرف) ، لأنها إشارة إلى حكمه سبحانه في الفريقين أهل الظلل النارية والغرف النورية ، تسمية للشيء بأشرف جزئيه ، فالقول فيها كالقول في الزمر سواء ، ويزيد أهل الغرف ختام آيتهم( وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ الْمِيعادَ بِسْمِ اللهِ ) الذي تمت كلمته فعز أمره( الرَّحْمنِ ) الذي وضع ، رحمته العامة أحكم وضع فدق لذي الأفهام سره( الرَّحِيمِ ) الذي خص أولياءه بالتوفيق لطاعته فعمهم بره.

( تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (٢) أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ (٣) )

لما تبين من التهديد في ص أنه سبحانه قادر على ما يريد ، ثم ختمها بأن القرآن ذكر للعالمين ، وأن كل ما فيه لا بد أن يرى لأنه واقع لا محالة لكن من غير عجلة ، فكانوا ربما قال متعنتهم : ما له إذا كان قادرا لا يعجل ما يريده بعد حين ، علل ذلك بأنه( تَنْزِيلُ ) أي بحسب التدريج لموافقة المصالح في أوقاتها وتقريبه للأفهام على ما له من العلو حتى صار ذكرا للعالمين ، ووضع موضع الضمير قوله :( الْكِتابِ ) للدلالة على

٤١٢

جمعه لكل صلاح ، أي لا بد أن يرى جميع ما فيه لأن الشأن العظيم إنزاله على سبيل التنجيم للتقريب في فهمه وإيقاع كل شيء منه في أحسن أوقاته من غير عجلة ولا توان ، ثم أخبر عن هذا التنزيل بقوله :( مِنَ اللهِ ) أي المتصف بجميع صفات الكمال( الْعَزِيزِ ) فلا يغلبه شيء وهو يغلب كل شيء( الْحَكِيمِ ) الذي يضع الأشياء في محالّها التي هي أوفق لها ، فلكونه منه لا من غيره كان ذكرا للعالمين ، صادقا في كل ما يخبر به ، حكيما في جميع أموره.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما بنيت سورة ص على ذكر المشركين وعنادهم وسوء ارتكابهم واتخاذهم الأنداد والشركاء ، ناسب ذلك ما افتتحت به سورة الزمر من الأمر بالإخلاص الذي هو نقيض حال من تقدم ، وذكر ما عنه يكون وهو الكتاب ، فقال تعالى( تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ ) وجاء قوله تعالى( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ) ـ الآية في معرض أن لو قيل : عليك بالإخلاص ودع من أشرك ولم يخلص ، فسترى حاله ، وهل ينفعهم اعتذارهم بقولهم( ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى ) وهؤلاء هم الذين بنيت سورة ص على ذكرهم ، ثم وبخهم الله تعالى وقرعهم فقال( لَوْ أَرادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى ) ـ الآية ، فنزه نفسه عن عظيم مرتكبهم بقوله سبحانه( هُوَ اللهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ) ثم ذكر بما فيه أعظم شاهد من خلق السماوات والأرض وتكوير الليل على النهار وتكوير النهار على الليل وذكر آيتي النهار والليل ثم خلق الكل من البشر من نفس واحدة ، وهي نفس آدمعليه‌السلام ، ولما حرك تعالى إلى الاعتبار بعظيم هذه الآيات وكانت أوضح شيء وأدل شاهد ، عقب ذلك بما يشير إلى معنى التعجب من توقفهم بعد وضوح الدلائل ، ثم بين تعالى أنه غني من الكل بقوله( إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ ) ثم قال( وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ ) فبين أن من اصطفاه وقربه واجتباه من العباد لا يرضى له بالكفر ، وحصل من ذلك مفهوم الكلام أن الواقع من الكفر إنما وقع بإرادته ورضاه لمن ابتلاه به ثم آنس من آمن ولم يتبع سبيل الشيطان وقبيلته من المشار إليهم في السورة قبل فقال تعالى( وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ ) [الإسراء : ٧]( وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها ) ثم تناسجت الآي والتحمت الجمل إلى خاتمة السورة ـ انتهى.

ولما أخبر أنه من عنده ، علل ذلك بما ثبت به جميع ما مضى من الخير ، فقال صارفا القول عن الغيبة منبها على زيادة عظمته بذكر إنزاله ثانيا ، مبرزا له في أسلوب العظمة مختبرا أنه خص به أعظم خلقه ، معبرا بالإنزال الظاهر في الكل تجوزا عن

٤١٣

الحكم الجازم الذي لا مرد له :( إِنَّا ) أي على ما لنا من العظمة( أَنْزَلْنا ) أي بما لنا من العظمة ، وقرن هذه العظمة بحرف الغاية المقتضي للواسطة إشارة إلى أن هذا كان في البداية بدلالة اتباعه بالأمر بالعبادة ، بخلاف ما يأتي في هذه السورة فإنه للنهاية بصيرورته خلقا لهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فكان بحرف الاستعلاء أنسب دلالة على أن ثقله الموجب لتفطر القدم وسبب اللمم خاص بهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ومن قرب منه ويسره وسهولته لأمته فقال :( إِلَيْكَ ) أي خاصة بواسطة الملك ، لا يقدر أحد من الخلق أن يدعي مشاركتك في شيء من ذلك ، فتكون دعواه موجبة لنوع من اللبس ، وأظهر موضع الإضمار تفخيما بالتنبيه على ما فيه من جمع الأصول والفروع واللطائف والمعارف( الْكِتابَ ) أي الجامع لكل خير مع البيان القاطع والحكم الجازم بالماضي والآتي والكائن ، متلبسا( بِالْحَقِ ) وهو مطابقة الواقع لجميع أخباره ، فالواقع تابع لأخباره ، لا يرى له خبر إلا طابقه مطابقة لاخفاء بشيء منها ، لا حلية له ولا لباس إلا الحق ، فلا دليل أدل على كونه من عنده من ذلك ، فليتبعوا خبره ، ولينظروا عينه وأثره.

ولما ثبت بهذا أنه خصه سبحانه بشيء عجز عنه كل أحد ، ثبت أنه سبحانه الإله وحده ، فتسبب عن ذلك قوله لفتا للقول عن مظهر العظمة إلى أعظم منه بلحظ جميع صفات الكمال لأجل العبادة تعظيما لقدرها لأنها المقصود بالذات :( فَاعْبُدِ اللهَ ) أي الحائز لجميع صفات الكمال حال كونك( مُخْلِصاً ) والإخلاص هو القصد إلى الله بالنية بلا علة( لَهُ ) أي وحده( الدِّينَ ) بمعانقة الأمر على غاية الخضوع لأنه خصك بهذا الأمر العظيم فهو أهل منك لذلك وخسأ عنك الأعداء ، فلا أحد منهم يقدر على الوصول إليك بما يوهن شيئا من أمرك فأخلص لتكون رأس المخلصين الذين تقدم آخر سورة ص أنه لا سبيل للشيطان عليهم وتقدم ذكر كثير من رؤوسهم ، ووقع الحث على الاقتداء بهم بما ذكر من أمداحهم لأجل صبرهم في إخلاصهم ، قال الرازي : قال الجنيد : الإخلاص أصل كل عمل وهو مربوط بأول الأعمال ، وهو تصفية النية ومنوط بأواخر الأعمال بأن لا يلتفت إليها ولا يتحدث بها ويضمر في جميع الأحوال ، وهو إفراد الله بالعمل ، وفي الخبر «أنا أغنى الشركاء عن الشرك».

ولما أمره سبحانه بهذا الأمر ، نادى باستحقاقه لذلك وأنه لم يطلب غير حقه ، وأن ذلك لا يتصور أن يكون لغيره ، فقال في جواب من كأنه قال : لم منعه من الالتفات إلى غيره؟ مناديا إشارة إلى أنه لا مكافىء له فلا يسع أحدا يبلغه هذا النداء إلا الخضوع طائعا أو كارها :( أَلا لِلَّهِ ) أي الملك الأعلى وحده( الدِّينُ الْخالِصُ ) لأنه له الأمر والخلق لا يشركه فيه أحد ، فكما تفرد بأن خلقك وخلق كل ما لك من شيء فكذلك

٤١٤

ينبغي أن تفرده بالطاعة ، ولأنه إذا عبده أحد مخلصا كفاه كل شيء ، وأما غيره فلو أخلص له أحد لم يمكن أن يكفيه شيئا من الأشياء فضلا عن كل شيء ، والدين الذي هو أهل للإخلاص هو الإسلام الذي كان في كل ملة المنبني على القواعد الخمس المثبتة بالإخلاص المحض الناشىء من المراقبة في الأوامر والنواهي وجميع ما يرضي الشارع للدين أو يسخطه ، فتكون جملته لله من غير شهوة ظاهرة أو باطنة في شهرة ولا غيرها ، وإنما استحقه سبحانه دون غيره لأنه هو الذي شرعه ولا أمر لأحد معه فكيف يشركه من لا أمر له بوجه من الوجوه ، وأما ما كان فيه أدنى شرك فهو رد على عامله والله غني حميد ، وهذه كما ترى مناداة لعمري تخضع لها الأعناق فتنكس الرؤوس ولا يوجد لها جواب إلا بنعم وعزته وأي وكبريائه وعظمته ، قال القشيري : وما للعبد فيه نصيب فهو عن الإخلاص بعيد اللهم إلا أن يكون بأمره فإنه إذا أمر العبد أن يحتسب الأجر على طاعته فأطاعه لا يخرج عن الاحتساب باحتسابه أمره فيه ، ولو لا هذا لما صح أن يكون في العالم مخلص ، قال ابن برجان : وذلك ـ أي ترك الإخلاص ـ كله مولد عن حب البقاء في الدنيا ونسيان لقاء الله تعالى ، ثم قال ما معناه : إن ذلك من الشرك ، وهو ثلاثة أنواع : شرك في الإلهية وهو أن يرى مع الله إلها آخر ، وهو شرك المجوس والمجسمة : والوثنية ، ويضاهيه غلط القدرية ، الثاني شرك في العبادة بالرياء وإضافة العمل إلى النفس ، والثالث الشرك الخفي وهو الشهوة الخفية ، وهو أن يخفي العمل ويخاف من إظهاره ويحب لو اطلع عليه ومدح بأسراره ، ومن أحسن العون على الإخلاص الحياء من الله أن تتزين لغيره بعمل ألهمك إياه وقواك عليه وخلت فيه وزعمت تطلب التقرب إليه فأتاك عدوه إبليس الذي عاداه فيك فتطيعه فيما يضرك ولا ينفعك ، فاستعن على عبادتك بالستر فاستر حسناتك كما تستر سيئاتك ، فإن عمل السر يزيد على عمل العلانية سبعين ضعفا ، وذلك كالشجرة إذا ظهرت عروقها ضعف شربها ، وأضر بها حرارة الهواء وبرده ، وتعرضت للآفات من قطع ويبس وغير ذلك ولم تحسن فروعها وخف ورقها فقل نفعها ، وإذا غاضت عروقها غابت عن الآفات وأمنت القطع من أيدي الناس ، فكثر شربها فجرى ماؤها فيها ، فتزايدت لذلك فروعها واخضر ورقها وكثر خيرها وطاب ثمرها لجانيها ، فكذلك العمل إذا كانت له أصول في القلب مستورة زكا في نفسه وطهر من الأدناس وكثر خيره وطاب ثوابه لعامله ، وإذا بدا لم يؤمن عليه من أبصار الناظرين ، وإذا خفي لم يبق ما يخاف منه إلا العجب ومحبة أن يطلع عليه ، وهي الشهوة الخفية ، ومن قولهم «من عرف الله بعد الضلالة وعرف الإخلاص بعد الرياء وأنزل الموت حق منزلته لم يغفل عن الموت والاستعداد له بما أمكنه» انتهى.

٤١٥

ولما أخبر سبحانه عما له وحده ، وكان محط أمر الإنسان بل جميع الحيوان على الهداية إلى مصالحه ليفعلها ومفاسده ليتركها ، وأرشد السياق إلى أن التقدير : فمن أخلص له الدين هداه في جميع أموره ، وإن اشتد الإشكال ، وتراكمت وجوه الضلال ، عطف عليه الإخبار عمن لزم الضلال ، والغي والمحال ، فقال محذرا من مثل حاله ، بما حكم عليه في مآله :( وَالَّذِينَ ) ولما كان الإنسان مفطورا على الخضوع للملك الديان ، ولا يلتفت إلى غيره إلا بمعالجة النفس بما لها من الهوى والطغيان ، عبر بصيغة الافتعال فقال :( اتَّخَذُوا ) أي عالجوا عقولهم حتى صرفوها عن الله فأخذوا ، ونبههم على خطئهم في رضاهم بالأدنى على الأعلى بقوله :( مِنْ دُونِهِ ) ومعلوم أن كل شيء دونه( أَوْلِياءَ ) أي يكلون إليهم أمورهم ، ويدخل فيهم الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله مع اعترافهم بأن الله تفرد بخلقهم ورزقهم.

ولما كان من العجب العجيب فعلهم ، هذا بين ما وجهوا به فعلهم ليكون آية بينة في أنه لا هدى لهم فقال :( ما ) أي قائلين لمن أخلصوا له الدين إذا أنكروا عليهم أن يتخذوا من دونه وليا : ما( نَعْبُدُهُمْ ) لشيء من الأشياء( إِلَّا لِيُقَرِّبُونا ) ونبه سبحانه على بعدهم عن الصواب بالتعبير بالاسم الأعظم مع حرف الغاية فقال :( إِلَى اللهِ ) الذي له معاقد العز ومجامع العظمة ، تقريبا عظيما على وجه التدريج ويزلفونا إليه( زُلْفى ) أي تقريبا حسنا سهلا بهجا زائدا ناميا متعاليا ، قال القشيري : ولم يقولوا هذا من قبل الله ولا بإذنه ، وإنما حكموا بذلك من ذات أنفسهم ، فرد الله عليهم ، وفي هذا إشارة إلى ما يفعله العبد من القرب بنشاط نفسه من غير أن يقتضيه حكم الوقت ، فكل ذلك اتباع هوى ـ انتهى ـ والآية من الاحتباك : ذكر فعل التقريب أولا دليلا على فعل الزلف ثانيا ، واسم الزلف ثانيا دليلا على الاسم من التقريب أولا ، وسره أنهم أرادوا بهذا الاعتذار المسكت عن قبيح صنيعهم ، فأتى سبحانه في حكايته عنهم بالتأكيد على أبلغ وجه لأن الدلالة على المعنى بلفظين أجدر في ثباته وتكثيره من لفظ واحد ، وبدأ ، بأرشق الفعلين وأشهرهما وأخفهما وأوضحهما ، وقد خسر لعمري غاية الخسارة قوم تمذهبوا بأقبح المذاهب وجعلوا عذرهم هذه الآية التي ذم الله المعتذر بها ، وعلى ذلك فقد راج اعتذارهم بها على كثير من العقول ، وهم أهل الاتحاد الذين لا أسخف من عقولهم ولا أجمد من أذهانهم.

ولما كان إنما محط دينهم الهوى ، وكان كل من تبع الهوى لا ينفك عن الاضطراب في نفسه ، فكيف إذا كان معه غيره فكيف إذا كانوا كثيرا فيكثر الخلاف والنزاع ، وإن لم يحصل ذلك بالفعل كان بالقوة ، ولذلك كان لكل قبيلة ممن يعبد

٤١٦

الأصنام صنم غير صنم الأخرى وكان بعض القبائل يعبد الشعرى ، وبعضهم يعبد الملائكة وبعضهم غير ذلك( إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ) [المؤمنون : ٥٣] نبه على ذلك مهددا لهم بقوله مخبرا مؤكدا لأجل إنكارهم :( إِنَّ اللهَ ) أي الذي له جميع صفات الكمال. ولما لم يقيد الحكم بالقيامة وكانوا معترفين بأن المصائب في الدنيا منه قال :( يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ) من غير تأكيد آخر أي بين جميع المخالفين في الأديان وغيرها من المتخذين للأولياء من دونه ومن المخلصين وغيرهم فلا بد أن ينصر أهل الحق على جميع أهل الباطل.

ولما كانوا أوزاعا أكثر قبائلهم على خلاف ما يعتقده غيرها ، قال :( فِي ما ) أي في الدين الذي والأمر الذي. ولما كان تحكيمهم للهوى موفرا لدواعيهم على الاختلاف ، وكان الاتخاذ الذي يبنى الكلام عليه له نظر عظيم إلى علاج الباطن بخلاف سورة يونس أثبت الضمير هنا فقال :( هُمْ ) أي بضمائرهم( فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) أي ليس لهم أصل يضبطهم ، فهم لا يرجعون إلا إلى الخلف كيف ما تقلبوا لأنهم مظروفون لذلك العمل الذي مبناه الهوى الذي هو منشأ الاختلاف ، فكيف إذا انضم إلى ذلك خلاف المخلصين وإنكارهم عليهم الذي أرشد إليه اعتذارهم ، فظهر من هذا أن اختلاف الأئمة في فهم كتاب الله وسنة رسولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لقواعد استنبطوها من ذلك لا يخرجون عنها ليس خلافا بل وفاق لوحدة ما يرجعون إليه من الأصل الصحيح الثابت عن الله ، ومن هذا إنكار النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم على عمر وأبي وغيرهما رضي الله عنهم لما أنكر كل منهم على من خالفه في القراءة وقال : إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فلا تختلفوا(١) ، فلا فرق بين أن يستند كل من الأمرين إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم نقلا أو اجتهادا لأنه في قوة الاتفاق لوحدة مرجعه ـ والله الموفق ، ويجوز أن يكون الضمير في «بينهم» لهم ولمعبوداتهم فإنهم ليس منهم معبود صامت ولا ناطق إلا وهو صارخ بلسان حاله إن لم ينطق لسان قاله بأنه مقهور مربوب عابد لا معبود ، فهم مع من يعبدهم في غاية الخلاف.

ولما كان من الأمر الواضح أن الدين لا يكون صالحا إلا إن انتظم بنظام غير مختل ، وكان الدين إذا كان معوجا داعيا إلى التفرق مناديا على نفسه بالانخلاع عنه والبعد منه فكان الحال مقتضيا للتعجب ممن تدين به ، فضلا عمن يدوم عليه ، فضلا

__________________

(١) أخرجه البخاري ٢٤١٩ ومسلم ٨١٨ وأحمد ١ / ٢٤ والنسائي ٢ / ١٥٠ وابن حبان ٧٤١ والبغوي ١٢٢٦ والطيالسي ٢ / ٥ وابن أبي شيبة ١٠ / ٥١٧ والطبري ١ / ١٣ عن عمر رضي الله تعالى عنه.

وفي الباب عن أبيّ وابن مسعود وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهم.

٤١٧

عمن لا ينتبه عند التنبيه ، فضلا عمن يقاتل دون ذلك ، أجاب من كأنه قال : ما سبب عكوفهم على هذا الضلال الذي أوجب لهم قطعا الاختلاف بالفعل أو بالقوة ، فقال مؤكدا تكذيبا لمن ينكر ما تضمنه هذا الإخبار وإن ظهر لبعض العمى غير ذلك مما يبدو من الكذبة والكفرة من أعمال مزينة وأفكار دقيقة فتظن هدى وإنما هي استدراج. ولما أرشد السياق إلى أن المعنى : لأنهم غير مهتدين لأن الله لم يخلق الهداية في قلوبهم ، نسق به قوله :( إِنَّ اللهَ ) أي الملك القادر القاهر الحكيم. ولما كان الأصل : لا يهديهم ، وأراد سبحانه التعميم وتعليق الحكم بالوصف تنفيرا عنه قال :( لا يَهْدِي ) أي لا يخلق الهداية في قلب( مَنْ هُوَ ) أي لضميره( كاذِبٌ ) أي مرتكب الكذب عريق فيه حتى أداه كذبه إلى أن يقول على ملك الملوك أن شيئا يقرب إليه بغير إذنه ، ويخضع بالعبادة التي هي نهاية التعظيم ، فهي لا تليق بغير من ينعم غاية الإنعام لمن لا يملك ضرا ولا نفعا ، ولم يعبر في الكذب بصيغة مبالغة لأن الذين السياق لهم لم يقع منهم كذب إلا في ادعائهم أنهم يقربونهم.

ولما كان من كفر في حين من الدهر قد ضاعف كفره لكثرة ما على الوحدانية من الدلائل وما لله عليه من الإحسان ، وكان هؤلاء الذين لهم السياق قد كفروا بتأهيلهم لشركائهم للعبادة ولعبادتهم بالفعل ولا دعائهم فيهم التقريب قال( كَفَّارٌ ) بصيغة المبالغة ، والأحسن أن يقال : إن المبالغة لإفهام أن الذي لا يهديه إنما هو من ختم عليه سبحانه الموت على ذلك ، قال القشيري : والإشارة إلى تهديد من يتعرض لغير مقامه ويدعي شيئا ليس بصادق فيه فالله لا يهديه قط إلى ما فيه سداده ورشده ، وعقوبته أن يحرمه ذلك الشيء الذي تصدى له بدعواه قبل تحققه بوجوده وذوقه.

( لَوْ أَرادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٤) خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥) خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦) )

ولما أخبر سبحانه بالحكم بينهم ، فكان ذلك مع تضمنه التهديد وافيا بنفي الشريك ، كافيا في ذلك لأن المحكوم فيه لا يجوز أن يكون قسيما للحاكم ، فلم يبق في شيء من ذلك شبهة إلا عند ادعاء الولدية ، قال نافيا لها على سبيل الاستئناف جوابا لمن

٤١٨

يقول : فما حال من يتولى الولد؟ ـ قال القشيري : والمحال يذكر على جهة الإبعاد أن لو كان كيف حكمه ـ :( لَوْ أَرادَ اللهُ ) أي الذي له الإحاطة بصفات الكمال( أَنْ يَتَّخِذَ ) أي يتكلف كما هو دأبكم ، ولا يسوغ في عقل أن الإله يكون متكلفا( وَلَداً ) أي كما زعم من زعم ذلك ، ولما كان الولد لا يراد إلا أن يكون خيارا ، وكان الله قادرا على كل شيء ، عدل عن أن يقول (لأتخذ) إلى قوله :( لَاصْطَفى ) أي اختار على سبيل التبني( مِمَّا يَخْلُقُ ) أي يبدعه في أسرع من الطرف ، وعبر بالأداة التي أكثر استعمالها فيما لا يعقل إشارة إلى أنه قادر على جعل أقل الأشياء أجلّها على سبيل التكرار والاستمرار ـ كما أشار إليه التعبير بالمضارع فقال :( ما يَشاءُ ) أي مما يقوم مقام الولد فإنه لا يحتاج إلى التطوير في إتيان الولد إلا من لا يقدر على الإبداع بغير ذلك.

ولما كان لا يرضى إلا بأكمل الأولاد وهم الأبناء ، لكنه لم يرد ذلك فلم يكن ، فهذا أقصى ما يمكن أن يجوز في العقل أن يخلق خلقا شريفا ويسميه ولدا إشارة إلى شدة إكرامه له وتشريفه إياه ، أو يقربه غاية التقريب كما فعل بالملائكة وعيسىعليهم‌السلام ، فكان ذلك سببا لغلطكم فيهم حتى دعيتم أنهم أولاد ثم زعمتم أنهم بنات ، فكنتم كاذبين من جهتين ، هذا غاية الإمكان ، وأما أنه يجوز عليه التوليد فلا ، بل هو مما يحيله العقل ، لأن ذلك لا يكون إلا لمحتاج ، والإله لا يتصور في عقل أن يكون محتاجا أصلا ، قال ابن برجان ما معناه : كان معهود الولادة على وجهين ، فولد منسوب إلى والده بنوة وولادة ورحما ، فهذا ليس له في الوجود العلي وجود ، ولا في الإمكان تمكن ، ولا في الفعل مساغ بوجه من الوجوه ، وولد بمعنى التبني والاتخاذ ، وقد كانت العرب وغيرها من الأمم يفعلونه حتى نسخه القرآن ، فلا يبعد أن تكون هذه العبارة كانت جائزة في الكتب قبلنا ، فلما أعضل بهم الداء وألحدوا في ذلك عن سواء القصد الذي هو الاصطفاء إلى بنوة الولادة أضلهم الله وأعمى أبصارهم وسد السبيل عن العبادة عن ذلك ، وكشف معنى الاصطفاء ، وأظهر معنى الولاية ، ونسخ ذلك بهذا ، لأن هذا لا يداخله لبس ، وذلك كله لبيان كمال هذه الأمة وعلوها في كل أمر.

ولما كانت نسبة الولد إليه كنسبة الشريك أو أشنع ، وانتفى الأمران بما تقدم من الدليل بالحكم باعترافهم بأن حكمه سبحانه نافذ في كل شيء لشهادة الوجود ، ولقيام الأدلة على عدم الحاجة إلى شيء أصلا فضلا عن الولد ، نزه نفسه بما يليق بجلاله من التنزيه في هذا المقام ، فقال :( سُبْحانَهُ ) أي له التنزيه التام عن كل نقيصة ، ثم أقام الدليل على هذا التنزيه المقتضي لتفرده فقال :( هُوَ ) أي الفاعل لهذا الفعال ، والقائل لهذه الأقوال ، ظاهرا وباطنا( اللهُ ) أي الجامع لجميع صفات الكمال ، ثم ذكر من

٤١٩

الأوصاف ما هو كالعلة لذلك فقال :( الْواحِدُ ) أي الذي لا ينقسم أصلا ، ولا يكون له مثلا فلا يكون له صاحبة ولا ولد ، لأنه لو كان شيء من ذلك لما كان لا مجانسا ولا جنس له ولا شبه بوجه من الوجوه( الْقَهَّارُ ) أي الذي له هذه الصفة ، فكل شيء تحت قهره آلهتهم وغيرها على سبيل التكرار والاستمرار ، فصح من غير شك أنه لا يحتاج إلى شيء أصلا ، وجعل ما لا حاجة إليه ولا داعي يبعث عليه عبث ينزه عنه العاقل فكيف من له الكمال كله.

ولما أثبت هذه الصفات التي نفت أن يكون له شريك أو ولد ، وأثبتت له الكمال المطلق ، دل عليها بقوله :( خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ) أي أبدعهما من العدم( بِالْحَقِ ) أي خلقا متلبسا بالأمر الثابت الذي ليس بخيال ولا سحر ، على وجه لا نقص فيه بوجه ، ولا تفاوت ولا خلل يقول أحد فيه أنه مناف للحكمة ولما كان من أدل الأشياء على صفتي الوحدانية والقهر ، وتمام القدرة وكمال الأمر ، بعد إيجاد الخافقين اختلاف الملوين ، وكان التكوير ـ وهو إدارة الشيء على الشيء بسرعة وإحاطته به بحيث يعلو عليه ويغلبه ويغطيه ـ أدل على صفة القهر من الإيلاج ، قال مبينا لوقت إيجاد الملوين :( يُكَوِّرُ ) أي خلقهما أي صورهما في حال كونه يلف ويلوي ويدير فيغطي مع السرعة والعلو والغلة تكويرا كثيرا متجددا مستمرا إلى أجله( اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ ) بأن يستره به فلا يدع له أثرا ، ولعظمة هذا الصنع أعاد العامل فقال :( وَيُكَوِّرُ النَّهارَ ) عاليا تكويره وتغطيته( عَلَى اللَّيْلِ ) فيذهبه كذلك ويدخل في هذا الزيادة في كل منهما بما ينقص من الآخر لأنه إذا ذهب أحدهما وأتى الآخر مكانه ، فكأن الآتي لف على الذاهب وألبسه كما يلف اللباس على اللابس ، أو أنه شبه الذاهب في خفائه بالآتي بشيء ظاهر لف عليه ما غيبه عن مطامح الأبصار ، أو أن كلّا منهما لما كان يكر على الآخر كرورا متتابعا شبه ذلك بتتابع أكوار العمامة بعضها على بعض ، فتغيب ما تحتها.

ولما كانت الظلمة سابقة على الضياء ، وكان الليل إنما هو ظلمة يسبقها ضياء بطلوع الشمس ، رتب سبحانه هذا الترتيب على حسب الإيجاد ، ولذلك قدم آية النهار فقال معبرا بالماضي بخلقه الآيتين مسخرتين على منهاج معلوم لكل منها لا يتعداه ، وحد محدود لا يتخطاه( وَسَخَّرَ ) أي ذلل وأكره وقهر وكلف لما يريد من غير نفع للمسخر( الشَّمْسَ ) أي التي محت ما كان من الظلام فأوجبت اسم النهار( وَالْقَمَرَ ) أي آية الليل. ولما أخبر بقهرهما ، بين ما صرفهما فيه ، فقال بيانا لهذا التسخير :( كُلٌ ) أي منهما( يَجْرِي ) أي بقضائنا الذي لا مرد له ، وهذا آية لاختلاف أحوال العبد لأن خلقه جامع ، فيختلف في القبض والبسط والجمع والفرق والأخذ والرد والصحو

٤٢٠