• البداية
  • السابق
  • 668 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 107 / تحميل: 14
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 6

مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
العربية

مع كثرتهم إلى حد لا يحصيه إلا الله ، لا يملؤون ما حوله ، حال كونهم( يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ ) وصرف القول إلى وصف الإحسان مدحا لهم بالتشمير لشكر المنعم وتدريبا لغيرهم فقال :( رَبِّهِمْ ) أي يبالغون في التنزيه عن النقص بأن يتوهم متوهم أنه محتاج إلى عرش أو غيره ، وأن يحويه مكان متلبسين بإثبات الكمال للمحسن إليهم بإلزامهم بالعبادة من غير شاغل يشغلهم ، ولا منازع من شهوة أو حظ يغفلهم ، تلذذا بذكره وتشرفا بتقديسه ، ولأن حقه إظهار تعظيمه على الدوام كما أنه متصل الإنعام.

ولما تقدم ذكر الحكم بين أهل الشهوات بما برز عليهم من الشهادات ، ذكر هنا الحكم بينهم وبين الملائكة الذين فاوضوا في أصل خلقهم بقولهم( أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ ) الآية فقال :( وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ) أي بين أهل الشهوات وأهل العصمة والثبات. ولما كان السياق عاما في الترغيب والترهيب عدلا وفضلا ، بخلاف سياق سورة يونسعليه‌السلام ، قال :( بِالْحَقِ ) بأن طوبق بما أنزلنا فيهم في الكتب التي وضعناها لحسابهم الواقع ، فمن طغى منهم أسكناه لظى بعدلنا ، ومن اتقى نعمناه في جنة المأوى بفضلنا ، لجهادهم ما فيهم من الشهوات حتى ثبتوا على الطاعات ، مع ما ينزعهم من الطبائع إلى الجهالات ، وأما الملائكة فأبقيناهم على حالهم في العبادات :( وَقِيلَ ) أي من كل قائل : آخر الأمور كلها( الْحَمْدُ ) أي الإحاطة بجميع أوصاف الكمال ، وعدل بالقول إلى ما هو حق بهذا المقام فقال :( لِلَّهِ ) ذي الجلال والإكرام ، علمنا ذلك في هذا اليوم عين اليقين كما كنا في الدنيا نعلمه علم اليقين.

ولما كان ذلك اليوم أحق الأيام بمعرفة شمول الربوبية لاجتماع الخلائق وانفتاح البصائر وسعة الضمائر ، قال واصفا له سبحانه بأقرب الصفات إلى الاسم الأعظم :( رَبِّ الْعالَمِينَ ) أي الذي ابتدأهم ، أولا من العدم وأقامهم ثانيا بما رباهم به من التدبير ، وأعادهم ثالثا بعد إفنائهم بأكمل قضاء وتقدير ، وأبقاهم رابعا لا إلى خير ، فقد حقق وعده كما أنزل في كتابه وصدق وعيده لأعدائه كما قال في كتابه ، فتحقق أنه تنزيله ، فقد ختم الأمر بإثبات الكمال باسم الحمد عند دخول الجنان والنيران كما ابتدأ به عند ابتداء الخلق في أول الإنعام ، فله الإحاطة بالكمال في أن الأمر كما قال كتابه على كل حال ، فقد انطبق آخرها على أولها بأن الكتاب تنزيله لمطابقة كل ما فيه للواقع عند ما يأتي تأويله ، وبأن الكتاب الحامل على التقوى المسببة للجنة أنزل للإبقاء الأول ، فمن أتبعه كان له سببا للإبقاء الثاني ، وهذا الآخر هو عين أول سورة غافر فسبحان من أنزله معجزا نظامه ، فائتا القوى أول كل شيء منه وختامه ، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وأهل بيته الطيبين الطاهرين وصحابته أجمعين.

٤٨١

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة غافر

مكية ـ آياتها خمس وثمانون

وتسمى سورة المؤمن والطول

( حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ (٤) )

مقصودها الاستدلال على آخر التي قبلها من تصنيف الناس في الآخرة إلى صنفين ، وتوفية كل ما يستحقه على سبيل العدل ، بأن فاعل ذلك له العزة الكاملة والعلم الشامل ، وقد بين ما يغضبه وما يرضيه غاية البيان على وجه الحكمة ، فمن لم يسلم أمره كله إليه وجادل في آياته الدالة على القيامة أو غيرها بقوله أو فعله فإنه يخزيه فيعذبه ويرديه ، وعلى ذلك دلت تسميتها بغافر ، فإنه لا يقدر على غفران ما يشاء لمن يشاء إلا كامل العزة ، ولا يعلم جميع الذنوب ليسمى غافرا لها إلا بالغ العلم ، وكذا في جميع الأوصاف التي في الآية من المثاب والعقاب ، وكذا الطول فإنه لا يقدر على التطول المطلق إلا من كان كذلك ، فإن من كان ناقص العزة فهو قابل لأن يمنعه من بعض التطولات مانع ، ولن يكون ذلك إلا بنقصان العلم ، وكذا الدلالة بتسميتها بالمؤمن فإن قصته تدل على هذا المقصد ولا سيما أمر القيامة الذي هو جل المقصود والمدار الأعظم لمعرفة المعبود( بِسْمِ اللهِ ) الملك الأعظم الذي يعطي كلا من عباده ما يستحقه ، فلا يقدر أحد أن يناقض في شيء من ذلك ولا يعارض( الرَّحْمنِ ) الذي عمهم برحمته في الدنيا بالخلق والرزق والبيان الذي لا خفاء معه( الرَّحِيمِ ) الذي يخص برحمته من يشاء من عباده فيجعله حكيما ، وفي تلك الأرض وملكوت السماء عظيما( حم ) أي هذه حكمة محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم التي خصه بها الرحمن الرحيم الحميد المجيد مما له من صفة الكمال.

لما كان ختام التي قبلها إثبات الكمال لله بصدقه في وعده ووعيده بإنزال كل فريق

٤٨٢

في داره التي أعدها له ، ثبت أن الكتاب الذي فيه ذلك منه ، وأنه تام العزة كامل العلم جامع لجميع صفات الكمال فقال :( تَنْزِيلُ الْكِتابِ ) أي الجامع من الحدود والأحكام والمعارف والاكرام لكل ما يحتاج إليه بإنزاله بالتدريج على حسب المصالح والتقريب للأفهام الجامدة القاصرة ، والتدريب للألباب السائرة في جو المعاني والطائرة( مِنَ اللهِ ) أي الجامع لجميع صفات الكمال. ولما كان النظر هنا من بين جميع الصفات إلى العزة والعلم أكثر ، لأجل أن المقام لإثبات الصدق وعدا ووعيدا قال :( الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ) .

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما افتتح سبحانه سورة الزمر بالإخلاص وذكر سببه والحامل بإذن الله عليه وهو الكتاب ، وأعقب ذلك بالتعريض بذكر من بنيت على وصفهم سورة ص وتتابعت الآي في ذلك الغرض إلى توبيخهم بما ضربه سبحانه من المثل الموضح في قوله( ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ ) ووصف الشركاء بالمشاكسة إذ بذلك الغرض يتضح عدم استمرار مراد لأحدهم ، وذكر قبح اعتذار لهم بقولهم( ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى ) [الزمر : ٣] ثم أعقب تعالى بالإعلام بقهره وعزته حتى لا يتخبل مخذول شذوذ أمر عن يده وقهره ، فقال الله تعالى( أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ) ـ إلى قوله :( أَلَيْسَ اللهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ ) [الزمر : ٣٧] ثم أتبع ذلك بحال أندادهم من أنها لا تضر ولا تنفع فقال( قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ ) [الزمر : ٣٨] ثم أتبع هذا بما يناسبه من شواهد عزته فقال( قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً ) [الزمر : ٤٤]( قُلِ اللهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ * لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) ثم عنفهم وقرّعهم بجهلهم فقال تعالى( أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ ) ثم قال تعالى( وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ) ثم اتبع تعالى ـ ذلك بذكر آثار العزة والقهر فذكر النفخ في الصور للصعق ثم نفخة القيام والجزاء ومصير الفريقين ، فتبارك المتفرد بالعزة والقهر ، فلما انطوت هذه الآي من آثار عزته وقهره على ما أشير إلى بعضه ، أعقب ذلك بقوله سبحانه وتعالى :( حم تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ) فذكر من أسمائه سبحانه هذين الاسمين العظيمين تنبيها على انفراده بموجبهما وأنه العزيز الحق القاهر للخلق لعلمه تعالى بأوجه الحكمة التي خفيت عن الخلق ما أخر الجزاء الحتم للدار الآخرة ، وجعل الدنيا دار ابتلاء واختبار ، مع قهره للكل في الدارين معا ، وكونهم غير خارجين عن ملكه وقهره ، ثم قال تعالى( غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ ) تأنيسا لمن

٤٨٣

استجاب بحمده ، وأناب بلطفه ، وجريا على حكم سبقية الرحمة وتغليبها ، ثم قال( شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ ) ليأخذ المؤمن بلازم عبوديته من الخوف والرجاء ، واكتنف قوله( شَدِيدِ الْعِقابِ ) بقوله( غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ ) وقوله( ذِي الطَّوْلِ ) وأشار سبحانه بقوله ـ( فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ ) ـ إلى قوله قبل( وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ ) وكأنه في تقدير : إذا كانت العاقبة لك ولأتباعك فلا عليك من تقلبهم في البلاد ، ثم بين تعالى أن حالهم في هذا كحال الأمم قبلهم ، وجدالهم في الآيات كجدالهم ، وأن ذلك لما حق عليهم من كلمة العذاب ، وسبق لهم في أم الكتاب ـ انتهى.

ولما تقدم آخر تلك أن كلمة العذاب حقت على الكافرين ، فكان ذلك ربما أيأس من تلبس بكفر من الفلاح ، وأوهمه أن انسلاخه من الكفر غير ممكن ، وكان الغفران ـ وهو محو الذنب عينا وأثرا ـ مترتبا على العلم به ، وكان التمكن من الغفران وما رتب عليه من الأوصاف نتيجة العزة ، دل عليهما مستعطفا لكل عاص ومقصر بقوله :( غافِرِ الذَّنْبِ ) أي بتوبة وغير توبة إن شاء ، وهذا الوصف له دائما فهو معرفة. قال السمين : نص سيبويه على أن كل ما إضافته غير محضة جاز أن تجعل محضة وتوصف بها المعارف إلا الصفة المشبهة ، ولم يستثن الكوفيون شيئا.

ولما أفهم تقديمه على التوبة أنه غير متوقف عليها فيما عدا الشرك ، وكان المشركون يقولون : قد أشركنا وقتلنا وبالغنا في المعاصي فلا يقبل رجوعنا فلا فائدة لنا في إسلامنا ، رغبهم في التوبة بذكرها وبالعطف بالواو الدالة على تمكن الوصف إعلاما بأنه سبحانه لا يتعاظمه ذنب فقال :( وَقابِلِ التَّوْبِ ) وجرد المصدر ليفهم أن أدنى ما يطلق عليه الاسم كاف وجعله اسم جنس كأخواته أنسب من جعله بينها جمعا كتمر وتمرة. ولما كان الاقتصار على الترغيب بما أطمع عذر المتمادي من سطوته ، فقال معريا عن الواو لئلا يؤنس ما يشعر به كل من العطف والصفة المشبهة من التمكن ، وذلك إعلاما بخفي لطفه في أن رحمته سبقت غضبه ، وأنه لو أبدى كل ما عنده من العزة لأهلك كل من عليها كما أشير إليه بالمفاعلة في( وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ) [النحل : ٦١] فإن الفعل إذا كان بين اثنين كان أبلغ :( شَدِيدِ الْعِقابِ ) على أن تنكيره وإبهامه ـ كما قال الزمخشري ـ للدلالة على فرط الشدة وعلى ما لا شيء أدهى منه وأمر ، لزيادة الإنذار وهي أخفى من دلالة الواو لو أوتي بها.

ولما أتم الترغيب بالعفو والترهيب من الأخذ ، أتبعه التشويق إلى الفضل ، فقال معريا عن الواو لأن المقام لا يقتضي المبالغة ، والحذف غير مخل بالغرض فإن دليل العقل قائم على كمال صفاته سبحانه :( ذِي الطَّوْلِ ) أي سعة الفضل والإنعام والقدرة

٤٨٤

والغنى والسعة والمنة ، لا يماثله في شيء من ذلك أحد ولا يدانيه ، ثم علل تمكنه في كل شيء من ذلك بوحدانيته فقال :( لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) ولما أنتج هذا كله تفرده ، أنتج قطعا قوله :( إِلَيْهِ ) أي وحده( الْمَصِيرُ ) أي في المعنى في الدنيا ، وفي الحس والمعنى في الآخرة ، ليظهر كل من هذه الصفات ظهورا تاما ، بحيث لا يبقى في شيء من ذلك لبس ، فإنه لا يصح في الحكمة أن يبغي أحد على العباد ثم يموت في عزة من غير نقمة فيضيع ذلك المبغي عليه ، لأن هذا أمر لا يرضى أقل الناس أن يكون بين عبيده.

ولما تبين ما للقرآن من البيان الجامع بحسب نزوله جوابا لما يعرض لهم من الشبه ، فدل بإزاحته كل علة على ما وصف سبحانه به نفسه المقدس من العزة والعلم بيانا لا خفاء في شيء منه ، أنتج قوله ذما لمن يريد إبطاله وإخفاءه :( ما يُجادِلُ ) أي يخاصم ويماري ويريد أن يفتل الأمور إلى مراده( فِي آياتِ ) وأظهر موضع الإضمار تعظيما للآيات فقال :( اللهِ ) أي في إبطال أنوار الملك الأعظم المحيط بصفات الكمال الدالة كالشمس على أنه إليه المصير ، بأن يغش نفسه بالشك في ذلك لشبه يميل معها ، أو غيره بالتشكيك له ، أو في شيء غير ذلك مما أخبر به تعالى( إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي غطوا مرائي عقولهم وأنوار بصائرهم لبسا على أنفسهم وتلبيسا على غيرهم.

ولما ثبت أن الحشر لابد منه ، وأن الله تعالى قادر كل قدرة لأنه لا شريك له وهو محيط بجميع أوصاف الكمال ، تسبب عن ذلك قوله :( فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ ) أي تنقلهم بالتجارات والفوائد والجيوش والعساكر وإقبال الدنيا عليهم( فِي الْبِلادِ ) فإنه لا يكون التفعل بالقلب إلا عن قهر وغلبة ، فتظن لإمهالنا إياهم أنهم على حق ، أو أن أحدا يحميهم علينا ، فلابد من صيرورتهم عن قريب إلينا صاغرين داخرين ، وتأخيرهم إنما هو ليبلغ الكتاب أجله.

( كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (٥) وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ (٦) الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (٧) )

. ولما نهى عن الاغترار بما لا قوة لاحد على صرفه عن نفسه إلا بتأييد من الله ، علله بما يحقق معنى النهي من أن التقلب وما يثمره لا يصح أن يكون معتمدا ليزهد فيه كل من سمع هاتين الآيتين ، فقال مشيرا بتأنيث الفعل إلى ضعفهم عن المقاومة ،

٤٨٥

وتلاشيهم عند المصادمة ، وإن كانوا في غاية القوة بالنسبة إلى أبناء جنسهم :( كَذَّبَتْ ) ولما كان تكذيبهم عظيما وكان زمانه قديما وما قبله من الزمان قليلا بالنسبة إلى ما بعده وطال البلاء بهم ، جعل مستغرقا بجميع الزمان ، فقال من غير خافض :( قَبْلَهُمْ ) ولما كان الناس على زمن نوحعليه‌السلام حزبا واحدا مجتمعين على أمر واحد ولسان جامع ، وحدهم فقال :( قَوْمُ نُوحٍ ) أي وقد كانوا في غاية القوة والقدرة على القيام بما يحاولونه وكانوا حزبا واحدا لم يفرقهم شيء. ولما كان الناس من بعدهم قد كثروا وفرقهم اختلاف الألسنة والأديان ، وكان للاجمال من الروع في بعض المواطن ما ليس للتفصيل قال :( وَالْأَحْزابُ ) أي الأمم المتفرقة الذين لا يحصون عددا ، ودل على قرب زمان الكفر من الإنجاء من الغرق بقوله :( مِنْ بَعْدِهِمْ ) .

ولما كان التكذيب وحده كافيا في الأذى ، دل على أنهم زادوا عليه بالمبالغة في المناصبة بالمعاندة ، وقدم قصد الإهلاك لأنه أول ما يريده العدو فإن عجز عنه نزل إلى ما دونه فقال :( وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ ) أي من الأحزاب المذكورين( بِرَسُولِهِمْ ) أي الذي أرسلناه إليهم. ولما كان الأخذ يعبر به عن الغلبة والقهر والاستصغار مع الغضب قال :( لِيَأْخُذُوهُ ) ولما كان سوق الكلام هكذا دالا على أنهم عجزوا عن الأخذ ، ذكر أنهم بذلوا جهدهم في المغالبة بغيره ، فقال حاذفا للمفعول تعميما :( وَجادَلُوا بِالْباطِلِ ) أي الأمر الذي لا حقيقة له ، وليس له من ذاته إلا الزوال ، كما تفعل قريش ومن انضوى إليهم من العرب ، ثم بين علة مجادلتهم فقال :( لِيُدْحِضُوا ) أي ليزلقوا فيزيلوا( بِهِ الْحَقَ ) أي الثابت ثباتا لا حيلة في إزالته.

ولما كان من المعلوم لكل ذي لب أن فاعل ذلك مغلوب ، وأن فعله مسبب لغضب المرسل عليه ، قال صارفا القول إلى المتكلم دفعا للالباس ، وإشارة إلى شدة الغضب وجرده عن مظهر العظمة استصغارا لهم :( فَأَخَذْتُهُمْ ) أي أهلكتهم وهم صاغرون غضبا عليهم وإهانة لهم. ولما كان أخذه عظيما ، دل على عظمته بأنه أهل لأن يسأل عن حاله لزيادة عظمتها في قوة بطشها وسرعة إهلاكها وخرقها للعوائد فقال :( فَكَيْفَ كانَ عِقابِ ) ومن نظر ديارهم وتقرى آثارهم وقف على بعض ما أشرنا إليه ونبهنا عليه ، وحذف ياء المتكلم إشارة إلى أن أدنى شيء من عذابه بأدنى نسبة كاف في المراد وإن كان المعذب جميع العباد.

ولما كان التقدير : فحقت عليهم كلمة الله لأخذهم على هذا الجدال إنهم أصحاب النار التي جادلوا فيها ، عطف عليه قوله :( وَكَذلِكَ ) أي ومثل ما حقت عليهم كلمتنا بالأخذ ، فلم يقدروا على التفصي من حقوقها( حَقَّتْ ) بالأخذ والنكال( كَلِمَةُ )

٤٨٦

وصرف الكلام إلى صفة الإحسان تلطفا بهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وبشارة له بالرفق بقومه فقال :( رَبِّكَ ) أي المحسن إليك بجميع أنواع الإحسان فهو لا يدع أعداءك.

ولما كان السياق للمجادلة بالباطل وهي فتل الخصم عن اعتقاده الحق ، وذلك تغطية للدليل الحق وتلبيس ، كان الحال أحق بالتعبير بالكفر الذي معناه التغطية فلذا قال تعالى :( عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي أوقعوا الكفر وقتا ما كلهم سواء هؤلاء العرب وغيرهم ، لأن علة الإهلاك واحدة ، وهي التكذيب الدال على أن من تلبس به مخلوق للنار ، ثم أبدل من «الكلمة» فقال :( أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ ) أي من كفر في حين من الأحيان فهو مستحق للنار في الأخرى كما أنه مستحق للأخذ في الدنيا لا يبالي الله به بالة ، فمن تداركته الرحمة بالتوبة نجا ، ومن أوبقته اللعنة بالإصرار هلك.

ولما بين عداوة الكفار للأنبياء عليهم الصلاة والسّلام وأتباعهم رضي الله عنهم بقوله : و( ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللهِ ) ما بعده ، وكان ذلك أمرا غائظا محزنا موجعا ، وختم ذلك ببيان حقوق كلمة العذاب عليهم تسلية لمن عادوهم فيه سبحانه ، زاد في تسليتهم شرحا لصدورهم وتثبيتا لقلوبهم ببيان ولاية الملائكة المقربين لهم مع كونهم أخص الخلق بحضرته سبحانه وأقربهم من محل أنسه وموطن قدسه وبيان حقوق رحمته للذين آمنوا بدعاء أهل حضرته لهم فقال ، أو يقال : إنه لما بين حقوق كلمة العذاب ، كان كأنه قيل : فكيف النجاة؟ قيل : بايقاع الإيمان بالتوبة عن الكفران ليكون موقعه أهلا للشفاعة فيه من أهل الحضرة العلية ، فيغفر له إن تاب ما قدم من الكفر ، فقال مظهرا لشرف الإيمان وفضله :( الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ ) وهم المقربون وهم أربعة كما يذكر إن شاء الله تعالى في الحاقه ، فإذا كانت القيامة كانوا ثمانية ، وهل هم أشخاص أو صفوف فيه كلام يذكر إن شاء الله تعالى( وَمَنْ حَوْلَهُ ) وهم جميع الملائكة وغيرهم ممن ربما أراد الله كونه محيطا به كما تقدم في التي قبلها( وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ ) أي طائفين به ، فأفادت هذه العبارة النص على الجميع مع تصوير العظمة.

ولما كان ربما وقع في وهم أنه سبحانه محتاج إلى حملهم لعرشه أو إلى عرشه أو إلى شيء ، نبه بالتسبيح على أنه غنيّ عن كل شيء وأن المراد بالعرش والحملة ونحو ذلك إظهار عظته لنا في مثل محسوسة لطفا منه بنا تنزلا إلى ما تسعه عقولنا وتحمله أفهامنا ، فقال مخبرا عن المبتدأ وما عطف عليه :( يُسَبِّحُونَ ) أي ينزهون أي يوقعون تنزيهه سبحانه عن كل شائبة نقص ملتبسين( بِحَمْدِ ) وصرف القول إلى ضميرهم إعلاما بأن الكل عبيده من العلويين والسفليين القريب والبعيد ، وكائنون تحت تصرفه وقهره ، وإحسانه وجبره ، فقال :( رَبِّهِمْ ) أي باحاطة المحسن إليهم بأوصاف الكمال.

٤٨٧

ولما كان تعالى باطنا لا يحيط أحد به علما ، أشار إلى أنهم مع أنهم أهل الحضرة هم من وراء حجاب الكبر وأردية العظمة ، لا فرق بينهم في ذلك وبين من هو في الأرض السفلى بقوله :( وَيُؤْمِنُونَ بِهِ ) لأن الإيمان إنما يكون بالغيب. ولما كانوا لقربهم أشد الخلق خوفا لأنه على قدر القرب من تلك الحضرات يكون الخوف ، فهم أشد خوفا من أهل السماء السابعة ، وأهل السماء السابعة أشد خوفا من أهل السماء السادسة وهكذا ، وكانوا قد علموا من تعظيم الله تعالى للنوع الإنساني ما لم يعلمه غيرهم لأمره سبحانه لهم بتعظيمه بما اختص به سبحانه من السجود ، وكان من أقرب ما يتقرب به إلى الملك التقرب إلى أهل وده ، نبه سبحانه على ذلك كله بقوله :( وَيَسْتَغْفِرُونَ ) أي يطلبون محو الذنوب أعيانا وآثارا.

ولما كان الاشتراك في الإيمان أشد من الاتحاد في النسب ، قال دالا على أن الاتصاف بذلك يجب أن يكون أدعى شيء إلى النصيحة وأبعثه على إمحاض الشفقة :( لِلَّذِينَ آمَنُوا ) أي أوقعوا هذه الحقيقة لما بينهم من أخوة الإيمان ومجانسته وإن اختلف جنسهم في حقيقة التركيب وإن وقع منهم بعد ذلك خلل يحق عليهم الكلمة لو لا العفو( وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ * وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ ) «لن يدخل أحد الجنة بعمله». ولما ذكر استغفارهم بين عبارتهم عنه بقوله :( رَبَّنا ) أي أيها المحسن إلينا بالإيمان وغيره. ولما كان المراد بيان اتساع رحمته سبحانه وعلمه ، وكان ذلك أمرا لا يحتمله العقول ، عدل إلى أسلوب التمييز تنبيها على ذلك مع ما فيه من هز السامع وتشويقه بالإبهام إلى الإعلام فقال :( وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ ) ثم بين جهة التوسع بقوله تميزا محولا عن الفاعل :( رَحْمَةً ) أي رحمتك أي بإيجاده من العدم فما فوق ذلك( وَعِلْماً ) أي وأحاط بهم علمك ، فمن أكرمته فعن علم بما جبلته عليه مما يقتضي إهانة أو إكراما.

ولما كان له سبحانه أن يفعل ما يشاء من تعذيب الطائع وتنعيم العاصي وغير ذلك ، قالوا منبهين على ذلك :( فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا ) أي رجعوا إليك عن ذنوبهم برحمتك لهم بأن تمحو أعيانها وآثارها ، فلا عقاب ولا عتاب ولا ذكر لها( وَاتَّبَعُوا ) أي كلفوا أنفسهم على ما لها من العوج أن لزموا( سَبِيلَكَ ) المستقيم الذي لا لبس فيه. ولما كان الغفران قد يكون لبعض الذنوب ، وكان سبحانه له أن يعذب من لا ذنب له ، وأن يعذب من غفر ذنبه قالوا :( وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ ) أي اجعل بينهم وبينه وقاية بأن تلزمهم الاستقامة وتتم نعمتك عليهم ، فإنك وعدت من كان كذلك بذلك ، ولا يبدل القول لديك ، وإن كان يجوز أن تفعل ما تشاء.

٤٨٨

( رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ (١٠) قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١) ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً وَما يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَنْ يُنِيبُ (١٣) )

ولما كانت النجاة من العذاب لا تستلزم الثواب ، قالوا مكررين صفة الإحسان زيادة في الرقة في طلب الامتنان :( رَبَّنا ) أي أيها المحسن إلينا بتوفيق أحبابنا الذين لذذونا بالمشاركة في عبادك بالجنان واللسان والأركان( وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ) أي إقامة لا عناد فيها. ولما كانوا عالمين بأنه سبحانه لا يجب عليه لأحد شيء ولا يقبح منه شيء ، نبهوا على ذلك بقولهم :( الَّتِي وَعَدْتَهُمْ ) مع الزيادة في التملق واللطافة في الحث وإدخالهم لأجل استعمالك إياهم الصالحات.

ولما كان الإنسان لا يطيب له نعيم دون أن يشاركه فيه أحبابه الذين كانوا يشاركونه في العبادة قالوا مقدمين أحق الناس بالإجلال :( وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ ) ثم أتبعوهم ألصقهم بالبال فقالوا :( وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ. ) ولما كان فاعل هذا منا ربما نسب إلى ذل أو سفه ، وربما عجز عن الغفران لشخص لكثرة المعارضين ، عللوا بقولهم مؤكدين لأجل نسبة الكفار العز إلى غيره ، ومن ذلك تسميتهم العزى :( إِنَّكَ أَنْتَ ) أي وحدك( الْعَزِيزُ ) فأنت تغفر لمن شئت غير منسوب إلى وهن( الْحَكِيمُ ) فكل فعل لك في أتم مواضعه فلذلك لا يتهيأ لأحد نقضه ولا نقصه.

ولما كان الإنسان قد يغفر له ويكرم ، وفيه من الأخلاق ما ربما حمله على بعض الأفعال الناقصة دعوا لهم بالكمال فقالوا :( وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ ) أي بأن تجعل بينهم وبينها وقاية بأن تطهرهم من الأخلاق الحاملة عليها بتطهير القلوب بنزع كل ما يكره منها أو بأن يغفرها لهم ولا يجازيهم عليها ، وعظموا هذه الطهارة ترغيبا في حمل النفس في هذه الدار على لزومها بقمع النفوس وإماتة الحظوظ بقولهم :( وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ ) أي جزاءها كلها( يَوْمَئِذٍ ) أي يوم إذ تدخل فريقا الجنة وفريقا النار المسببة عن السيئات أو إذ تزلف الجنة للمتقين وتبرز الجحيم للغاوين :( فَقَدْ رَحِمْتَهُ ) أي الرحمة الكاملة التي لا يستحق غيرها أن يسمى معها رحمة ، فإن تمام النعيم لا يكون إلا بها لزوال التحاسد

٤٨٩

والتباغض والنجاة من النار باجتناب السيئات ولذلك قالوا :( وَذلِكَ ) أي الأمر العظيم جدا( هُوَ ) أي وحده( الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) فالآية من الاحتباك : ذكر إدخال الجنات أولا دليلا على حذف النجاة من النار ثانيا ، ووقاية السيئات ثانيا دليلا على التوفيق للصالحات أولا ، وسر ذلك التشويق إلى المحبوب ـ وهو الجنان ـ بعمل المحبوب ـ وهو الصالح ـ والتنفير من النيران باجتناب الممقوت من الأعمال ، وهو السيء ، فذكر المسبب أولا وحذف السبب لأنه لا سبب في الحقيقة إلا الرحمة ، وذكر السبب ثانيا في إدخال النار وحذف المسبب.

ولما أتم حال الذين آمنوا ، فتشوفت النفس إلى معرفة ما لأضدادهم ، قال مستأنفا مؤكدا لإنكارهم هذه المناداة بانكار يومها :( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي أوقعوا الكفر ولو لحظة( يُنادَوْنَ ) أي يوم القيامة بنداء يناديهم به من أراد الله من جنوده أو في هذه الدار بلسان الحال بهذا الكلام. ولما كان عندهم ـ لكونهم في هذه الدار أرفع نعما ـ أنهم آثر عند الله من فقراء المؤمنين ، أكد قوله :( لَمَقْتُ اللهِ ) أي الملك الأعظم إياكم بخذلانكم( أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ ) وقوله :( أَنْفُسَكُمْ ) مثل قوله تعالى :( انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ ) جاز على سبيل الإشارة إلى تنزه الحضرة المقدسة عما لزم فعلهم من المقت ، فإن من دعا إلى أحد فأعرض عنه إلى غيره كان إعراضه مقتا للمعرض عنه ، وهذا المقت منهم الموجب لمقت الله لهم موصل لهم إلى عذاب يمقتون به أنفسهم ، والمقت أشد البغض ؛ ثم ذكر ظرف مقتهم العائد وباله عليهم بقوله :( إِذْ ) أي حين ، وأشار إلى أن الإيمان لظهور دلائله ينبغي أن يقبل من أي داع كان ، فبنى الفعل لما لم يسم فاعله فقال :( تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ ) أي بالله وما جاء من عنده( فَتَكْفُرُونَ ) أي فتوقعون الكفر الذي هو تغطية الآيات موضع إظهارها والإذعان بها ، وهذا أعظم العقاب عند أولي الألباب ، لأن من علم أن مولاه عليه غضبان علم أنه لا ينفعه بكاء ولا يغني عنه شفاعة ولا حيلة في خلاصه بوجه.

ولما كان من أعظم ذنوبهم إنكار البعث ، وكانوا قد استقروا العوائد ، وسبروا ما جرت به الأقدار في الدهور والمدائد ، من أن كل ثان لا بد له من ثالث ، وكان الإحياء لا يطلق عرفا إلا من كان عن موت ، حكى سبحانه جوابهم بقوله الذي محطه الإقرار بالبعث والترفق بالاعتراف بالذنب حيث لا ينفع لفوات شرطه وهو الغيب :( قالُوا رَبَّنا ) أي أيها المحسن إلينا بما تقدم في دار الدنيا( أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ ) قيل : واحدة عند انقضاء الآجال في الحياة الدنيا وأخرى بالصعق بعد البعث أو الإرقاد بعد سؤال القبر ، والصحيح أن تفسيرها آية البقرة( كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَ

٤٩٠

يُحْيِيكُمْ ) [آية : ٢٨] وأما الصعق فليس بموت ، وما في القبر فليس بحياة حتى يكون عنه موت ، وإنما هو إقدار على الكلام كما أقدر سبحانه الحصى على التسبيح والحجر على التسليم ، والضب على الشهادتين ، والفرس حين قال لها فارسها ثبي إطلال على قولها وثبا وسورة البقرة( وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ) واحدة في البطن ، وأخرى بالبعث بعد الموت ، أو واحدة بالبعث وأخرى بالإقامة من الصعق ، أو الإقامة في القبر ، فشاهدنا قدرتك على البعث( فَاعْتَرَفْنا ) أي فتسبب عن ذلك أنّا اعترفنا بعد تكرر الإحياء( بِذُنُوبِنا ) الحاصلة بسبب إنكار البعث لأن من لم يخش العاقبة بالغ في متابعة الهوى ، فذلك توبة لنا( فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ ) أي من النار ولو على أدنى أنواع الخروج بالرجوع إلى الدنيا فنعمل صالحا( مِنْ سَبِيلٍ ) فنسلكه فنخرج ثم تكون لنا موتة ثالثة وإحياءة ثالثة إلى الجنة التي جعلتها جزاء من أقر بالبعث.

ولما كان الجواب قطعا : لا سبيل إلى ذلك ، علله بقوله :( ذلِكُمْ ) أي القضاء النافذ العظيم العالي بتخليدكم في النار مقتا منه لكم( بِأَنَّهُ ) أي كان بسبب أنه( إِذا دُعِيَ اللهُ ) أي وجدت ولو مرة واحدة دعوة الملك الأعظم من أي داع كان( وَحْدَهُ ) أي محكوما له بالوحدة أو منفردا من غير شريك( كَفَرْتُمْ ) أي هذا طبعكم دائما رجعتم إلى الدنيا أولا( وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ ) أي يوقع الإشراك به ويجدد ولو بعدد الأنفاس من أي مشرك كان( تُؤْمِنُوا ) أي بالشركاء وتجددوا ذلك غير متحاشين من تجديد الكفر وهذا مفهم لأن حب الله للانسان أكبر من حبه له الدال عليه توفيقه له في أنه إذا ذكر الله وحده آمن ، وإن ذكر معه غيره على طريقة تؤل إلى الشركة كفر بذلك الغير وجعل الأمر لله وحده( فَالْحُكْمُ ) أي فتسبب عن القطع بأن لا رجعة ، وأن الكفار ما ضروا إلا أنفسهم مع ادعائهم العقول الراجحة ونفوذ ذلك أن كل حكم( لِلَّهِ ) أي المحيط بصفات الكمال خاص به لا دخل للعوائد في أحكامه بل مهما شاء فعل إجراء على العوائد أو خرقا لها( الْعَلِيِ ) أي وحده عن أن يكون له شريك ، فكذب قول أبي سفيان يوم أحد «اعل هبل» وقول ابن عربي أحد أتباع فرعون أكذب وأقبح وأبطل حيث قال : العلي علا عن من وما ثم إلا هو ، فعليه الخزي واللعنة وعلى من قال بقوله وعلى من توقف في لعنه.

ولما كانت النفوس لا تنقاد غاية الانقياد للحاكم إلا مع العظمة الزائدة والقدم في المجد ، قال معبرا بما يجمع العظمة والقدم :( الْكَبِيرِ ) الذي لا يليق الكبر إلا له ، وكبر كل متكبر وكبر كل كبير متضائل تحت دائرة كبره وكبره ، وعذابه مناسب لكبريائه فما أسفه من شقي بالكبراء فإنهم يلجئون أنفسهم إلى أن يقولوا ما لا يجديهم( رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا ) : ولما قصر الحكم عليه دل على ذلك بقوله ذاكرا من آيات

٤٩١

الآفاق العلوية ما يرد الموفق عن غيه :( هُوَ ) أي وحده( الَّذِي يُرِيكُمْ ) أي بالبصر والبصيرة( آياتِهِ ) أي علاماته الدالة على تفرده بصفات الكمال تكميلا لنفوسكم ، فينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بإعادة ما تحطم فيها من الحبوب فتفتتت بعد موتها بصيرورة ذلك الحب ترابا لا تميز له عن ترابها ، فيتذكر به البعث لمن انمحق فصار ترابا وضل في تراب الأرض حتى لا تميز له عنه من طبعه الإنابة ، وهو الرجوع عما هو عليه من الجهل إلى الدليل بما ركز في فطرته من العلم ، وذلك هو معنى قوله :( وَيُنَزِّلُ لَكُمْ ) أي خاصا بنفعكم أو ضركم( مِنَ السَّماءِ ) أي جهة العلو الدالة على قهر ما نزل منها بإمساكه إلى حين الحكم بنزوله( رِزْقاً ) لإقامة أبدانكم من الثمار والأقوات بانزال الماء فهو سبحانه يدلكم عليه ويتحبب إليكم لتنفعوا أنفسكم وأنتم تتبغضون إليه وتتعامون عنه لتضروها( وَما يَتَذَكَّرُ ) ذلك تذكرا تاما ـ بما أشار إليه الإظهار ـ فيقيس عليه بعث من أكلته الهوام ، وانمحق باقيه في الأرض( إِلَّا مَنْ يُنِيبُ ) أي له أهلية التجديد في كل وقت للرجوع إلى الدليل بأن يكون حنيفا ميالا للطافته مع الدليل حيثما مال. ما هو بحلف جامد على ما الفه ، لا يحول عنه أصلا ، لا يصغي إلى قال ولا قيل ، ولو قام على خطابه كل دليل.

( فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (١٤) رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (١٦) الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٧) )

ولما كان كل من الناس يدعي أنه لا يعدل عن الدليل ، وكان كل أحد مأمورا بالنظر في الدليل مأمورا بالإنابة لما دل عليه من التوجه إلى الله وحده ، كان ذلك سببا في معرفة الكل التوحيد الموجب لاعتقاد القدرة التامة الموجب لاعتقاد البعث ، فكان سببا لإخلاصهم ، فقال تعالى مسببا عنه :( فَادْعُوا ) وصرح بالاسم الأعظم تدريبا للمخلصين على كيفية الإخلاص فقال :( اللهَ ) أي المتوحد بصفات الكمال دعاء خضوع وتعبد بعد الإنابة بعد النظر في الدليل( مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) أي الأفعال التي يقع الجزاء عليها ، فمن كان يصدق بالجزاء وبأن ربه غني لا يقبل إلا خالصا اجتهد في تصفية أعماله ، فيأتي بها في غاية الخلوص عن كل ما يمكن أن يكدر من غير شائبة شرك جلي أو خفي كما أن معبوده واحد من غير شائبة نقص.

ولما كانت مخالفة الجنس شديدة لما تدعو إليه من المخاصمة الموجبة للمشاققة

٤٩٢

الموجبة لاستطابة الموت قال تعالى :( وَلَوْ كَرِهَ ) أي الدعاء منكم( الْكافِرُونَ ) أي الساترون لأنوار عقولهم ، والإخلاص أن يفعل العباد لربهم مثل ما فعل لهم فلا يفعلوا فعلا من أمر أو نهي إلا لوجهه خاصة من غير غرض لأنفسهم بجلب شيء من نفع أو ضر ، وذلك لأنه سبحانه فعل لهم كل إحسان من الخلق والرزق لأنفسهم خاصة لا لغرض يعود عليه ـ سبحانه وما أعز شأنه ـ بنفع ولا ضر ، فلا يكون شكرهم له إلا بما تقدم ، لكنه لما علم سبحانه أن هذا غير مقدور لهم إلا بغاية الجهد بل لا يقدر عليه إلا الأفراد ، خفف عنهم سبحانه بأن أباح لهم العمل لأجل الرجاء في ثوابه والخوف من عقابه ، ولم يجعل ذلك قادحا في الإخلاص ، قال الاستاذ أبو القاسم القشيري : ولو لا إذنه في ذلك لما كان في العالم مخلص.

ولما كان الإخلاص لا يتأتى إلا ممن رفعه إشراق الروح عن كدورات الأجسام ، وطارت به أنوارها عن حضيض ظلمات الجهل إلى عرش العرفان ، فصار إذ كان الملك الديان سمعه الذي يسمع به ، بمعنى أنه لا يفعل بشيء من هذه الجوارح إلا ما أمره به سبحانه يتصرف في الأكوان بإذن الفتاح العليم تكسب القلوب من ضياء أنواره ويحيى ميت الهمم بصافي أسراره ، نبه سبحانه على ذلك حثا عليه وتشويقا إليه بقوله ممثلا بما يفهمه العباد مخبرا عن مبتدأ محذوف تقديره : هو( رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ) أي فلا يصل إلى حضرته الشماء إلا من علا في معارج العبادات ومدارج الكمالات.

ولما كنا لا نعرف ملكا إلا بغلبته على سرير الملك ، وكانت درج كل ملك ما يتوصل بها إلى عرشه ، أشار سبحانه بجمع القلة إلى السماوات التي هي دون عرشه سبحانه ، ثم أشار إلى أن الدرج إليه لا تحصى بوجه ، لأنا لو أنفقنا عمر الدنيا في اصطناع درج للتوصل إلى السماء الدنيا ما وصلنا ، فكيف بما فوقها فكيف وعلوه سبحانه ليس هو بمسافة بل علو عظمة ونفوذ كلمة تنقطع دونها الآمال وتفنى الأيام والليال ، والكاشف لذلك أتم كشف تعبيره في( سَأَلَ ) بصيغة منتهى الجموع( الْمَعارِجِ ) ـ ثم قال ممثلا لنا بما نعرف :( ذُو الْعَرْشِ ) أي الكامل الذي لا عرش في الحقيقة إلا هو ، فهو محيط لجميع الأكوان ومادة لكل جماد وحيوان ، وعال بجلاله وعظمه عن كل ما يخطر في الأذهان.

ولما كان الملوك يلقون أوامرهم من مراتب عظمائهم إلى من أخلصوا في ودادهم قال :( يُلْقِي الرُّوحَ ) أي الذي تحيى به الأرواح حياة الأشباح بالأرواح( مِنْ أَمْرِهِ ) أي من كلامه ، ولا شك أن الذي يلقي ليس الكلام النفسي وإنما هو ما يدل عليه ، وهو الذي يقبل النزول والتلاوة والكتابة ونحو ذلك. ولما كان أمره عاليا على كل أمر ، أشار

٤٩٣

إلى ذلك بأداة الاستعلاء فقال :( عَلى مَنْ يَشاءُ ) ولما كان ما رأوه من الملوك لا يتمكنون من رفع كل من أرادوا من رقيقهم ، نبه على عظمته بقوله :( مِنْ عِبادِهِ ) وأشار بذلك مع الإشارة إلى أنه مطلق الأمر لا يسوغ لأحد الاعتراض عليه ، ولو اعترض كان اعتراضه أقل من أن يلتفت إليه أو يعول بحال عليه إلى توهية قولهم أو( أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا ) [ص : ٨] بأنهعليه‌السلام المخلص في عباده لم يمل إلى شيء من أوثانهم ساعة ما ولا صرف لحظة عن الإله الحق طرفة عين ، فلذلك اختصه من بينهم بهذا الروح الذي لا روح في الوجود سواه ، فمن أقبل عليه وأخلص في تلاوته والعمل بما يدعو إليه والبعد عما ينهى عنه صار ذا روح موات يحيي الأموات ويزري بالنيرات. قال الرازي : قال ابن عطاء : حياة القلب على حسب ما ألقي إليه من الروح ، فمنهم من ألقي إليه روح الرسالة ، ومنهم من ألقي إليه روح النبوة ، ومنهم من ألقي إليه روح الصديقية والكشف والمشاهدة ، ومنهم من ألقي إليه روح العلم والمعرفة ، ومنهم من ألقي إليه روح العبادة والخدمة ، ومنهم من ألقي إليه روح الحياة فقط ، ليس له علم بالله ولا مقام مع الله ، فهو ميت في الباطن ، وله الحياة البهيمية التي يهتدي بها إلى المعاش دون المعاد ـ انتهى. وبالجملة فكل من هذه الأرواح منطق لمن ألقي عليه مطلق للسانه ببديع بيانه وإن اختلف نطقهم في بيانهم ، وتصرفهم في عظيم شأنهم.

ولما بين سر اختصاصه بالإرسال لهذا النبي الكريم ، أتبع ذلك بما يزيده بيانا من ثمرة الإرسال فقال :( لِيُنْذِرَ ) أي الذي اختصه سبحانه بروحه ، وعبر بما يقتضيه تصنيف الناس الذي هو مقصود السورة من الاجتماع ، وأزال وهم من قد يستحيل لقاء سبحانه لرفعة درجاته وسفول درجات غيره( يَوْمَ التَّلاقِ ) أي الذي لا يستحق أن يوصف بالتلاقي على الحقيقة غيره لكونه يلتقي فيه الأولون والآخرون وأهل السماوات والأرض ولا حيلة لأحد منهم في فراق غريمه بغير فصل على وجه العدل ، وإلى هذا المعنى أشارت قراءة ابن كثير باثبات الياء في الحالين وهو واضح جدا في إفراد حزبي الأسعدين والأخسرين فإنه تلاق لا آخر له ، وأشارت قراءة الجمهور بالحذف في الحالين إلى تلاقي هذين الجزئين : أحدهما بالآخر فإنه ـ والله أعلم ـ قل ما يكون حتى يفترقا بالأمر بكل إلى داره : الأسعدين بغير حساب ، والأخسرين لا يقام لهم وزن ، وأشار الإثبات في الوقف دون الوصل إلى الأمر الوسط وهي لمن بقي فإن لقاءهم يمتد إلى حين القصاص لبعضهم من بعض.

ولما أفهم ذلك عدم الحجاب من بيوت أو جبال ، أو أشجار أو تلال ، أو غير ذلك من سائر ذوات الظلال ، نبه عليه في قوله معيدا ذكر اليوم لأنه أهول له :( يَوْمَ هُمْ ) أي بظواهرهم وبواطنهم( بارِزُونَ ) أي بروزا لا ساتر فيه أصلا.

٤٩٤

ولما كان من المعلوم عندهم إنما لا ساتر له معلوم ، أجرهم على ما يعهدون ، وعبر بعبارة تعم ذلك فقال مستأنفا في جواب من ظن أنه قد يخفي عليه شيء عند الساتر معظما الأمر بإظهار الاسم الأعظم :( لا يَخْفى عَلَى اللهِ ) أي المحيط علما وقدرة( مِنْهُمْ شَيْءٌ ) أي من ذواتهم ولا معانيهم سواء ظهروا أو استتروا في هذا اليوم وفي غيره.

ولما كان من العادة المستمرة أن الملك العظيم إذا أرسل جيشه إلى من طال تمردهم عليه وعنادهم له فظفروا بهم وأحضروهم إليه أن يناديهم مناديه وهم وقوف بين يديه قد أخرستهم هيبته وأذلتهم عظمته بلسان قاله أو لسان حاله بما يبكهم به ويوبخهم ويؤسفهم على ما مضى من عصيانهم ويندمهم قال :( لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ) أي يا من كانوا يعملون أعمال من يظن أنه لا يقدر عليه أحد ، فيجيبون بلسان الحال أو المقال كما قال بعض من قال :

سكت الدهر طويلا عنهم

قد أبكاهم دما حين نطق

( لِلَّهِ ) أي الذي له جميع صفات الكمال ، ثم دل على ذلك بقوله :( الْواحِدِ ) أي الذي لا يمكن أن يكون له ثان بشركة ولا قسمة ولا غيرها( الْقَهَّارِ ) أي الذي يقهر من يشاء متكررا وصفه بذلك دائما أبدا لما ثبت من غناه المطلق بوحدانيته الحقيقية.

ولما أخبر عن إذعان كل نفس بانقطاع الأسباب ، أخبرهم بما يزيد رعبهم ، ويبعث رغبهم ورهبهم ، وهو نتيجة تفرده بالملك فقال :( الْيَوْمَ تُجْزى ) أي تقضى وتكافأ ، بناه للمفعول لأن المرغب المرهب نفس الجزاء ولبيان سهولته عليه سبحانه( كُلُّ نَفْسٍ ) لا تترك نفس واحدة لأن العلم قد شملهم والقدرة قد أحاطت بهم وعمتهم ، والحكمة قد منعت من إهمال أحد منهم.

ولما كان السياق للملك والقهر يقتضي الجزاء واعتماد الكسب الذي هو محط التكليف بالأمر والنهي ويقتضي النظر في الأسباب ، لأن ذلك شأن الملك ، قال معبرا بالباء والكسب :( بِما ) أي بسبب ما( كَسَبَتْ ) أي عملت ، وهي تظن أنه يفيدها سواء بسواء بالكيل الذي كالت يكال لها.

ولما كانت السببية مفهمة للعدل ، فإن الزيادة تكون بغير سبب ، قال معللا نافيا مثل ما كانوا يتعاطونه من ظلم بعضهم لبعض في الدنيا :( لا ظُلْمَ ) أي بوجه من الوجوه( الْيَوْمَ ) ولما كان استيفاء الخلائق بالمجازاة أمرا لا يمكن في العادة ضبطه ، ولا يتأتى حفظه وربطه ، فكيف إذا قصدت المساواة في مثاقيل الدر فما دونها :

٤٩٥

بميزان قسط لا يخيس شعيرة

له شاهد من نفسه غير عائل

ضاقت النفوس من خوف الطول ، فخفف عنها بقوله معلما أن أموره على غير ما يعهدونه ، ولذلك أكد وعظم باظهار الاسم الأعظم :( إِنَّ اللهَ ) أي التام القدرة الشامل العلم( سَرِيعُ الْحِسابِ ) أي بليغ السرعة فيه ، لا يشغله حساب أحد عن حساب غيره في وقت حساب ذلك الغير ، ولا يشغله شأن عن شأن لأنه لا يحتاج إلى تكلف عد ، ولا يفتقر إلى مراجعة كتاب ، ولا شيء ، فكان في ذلك ترجية للفريقين وتخويف ، لأن الظالم يخشى إسراع الأخذ بالعذاب ، والمؤمن يرجو إسراع البسط بالثواب.

( وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ (١٨) يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩) وَاللهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٢٠) )

ولما تم هذا على هذا الوجه المهول ، وكان يوم القيامة له أسماء تدل على أهواله باعتبار مواقفه وأحواله ، منها يوم البعث وهو ظاهر ، ومنها يوم التلاق لما تقدم ، ومنها يوم التغابن لغبن أكثر من فيه خسارته ، ومنها يوم الآزفة لقربه وسرعة أخذه ، وكان كأنه قيل خطابا للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : وأنت ممن ألقينا إليك هذا الروح الأعظم من أمرنا فأنذرهم ما مضى من يوم التلاقي وما عقبناه به ، عطف عليه قوله زيادة في بيان هوله إعلاما بأنه مع ثبوته وثبوت التلاقي فيه قريب تحذيرا من تزيين إبليس للشهوات وتقريره بالتسويف بالتوبة :( وَأَنْذِرْهُمْ ) أي هؤلاء المعرضين إعراض من لا يجوز الممكن( يَوْمَ الْآزِفَةِ ) أي الحالة الدائبة العاجلة السريعة جدا مع الضيق في الوقت وسوء العيش لأكثر الناس ، وهي القيامة ، كرر ذكرها وذكر الإنذار منها تصريحا وتلويحا تهويلا لها وتعظيما لشأنها.

ولما ذكر اليوم ، هول أمره بما يحصل فيه من المشاق فقال :( إِذِ الْقُلُوبُ ) أي من كل من حضره. ولما كان هذا الرعب على وجه غريب باطن ، عبر ب «لدى» فقال :( لَدَى الْحَناجِرِ ) أي حناجر المجموعين فيه إلا من شاء الله ، وهي جمع حنجور وهي الحلقوم وزنا ومعنى ، يعني أنها زالت عن أماكنها صاعدة من كثرة الرعب حتى كادت تخرج وصارت مواضعها من الأفئدة هواء ، وكانت الأفئدة معترضة كالشجا لا هي ترجع إلى مقارها فيستريحوا ولا تخرج فيموتوا.

ولما كان الحديث ـ وإن كان في الظاهر عن القلوب ـ إنما هو عن أصحابها ، جمع على طريقة جمع العقلاء ، وزاده حسنا أن القلوب محل الكظم ، وبها صلاح الجملة وفسادها ، وقد أسند إليها ما يسند للعقلاء فقال :( كاظِمِينَ ) أي ممتلئين خوفا ورعبا

٤٩٦

وحزنا ، ساكتين مكروبين ، قد انسدت مجاري أنفاسهم وأخذ بجميع إحساسهم. ولما كان من المعلوم أن ذلك الكرب إنما هو للخوف من ديان ذلك اليوم ، وكان من المعهود أن الصداقات تنفع في مثل ذلك اليوم والشفاعات ، قال مستأنفا :( ما لِلظَّالِمِينَ ) أي العريقين في الظلم منهم( مِنْ حَمِيمٍ ) أي قريب صادق في مودتهم مهتم بأمورهم مزيل لكروبهم ، قال ابن برجان : والحميم : الماء الحار الناهي في الحرارة ، سمي القريب به لأنه يحمي لقريبه غضبا ، والغضب حرارة تعرض في القلب تخرج إلى الوجه فيحمر وتنتفخ الأوداج فيستشيط غيظا( وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ ) أي ليس لهم شفيع أصلا لأن الشفيع يعلم أنه لو شفع ما أطيع فهو لا ينفع ، وقد يشفع في بعضهم بعض المقربين لعلامة فيهم يحصل بها اشتباه يظن بهم أنهم ممن يستحق الشفاعة فينبه على أنهم ليسوا بذلك ، فيبرأ منهم.

ولما كانت الشفاعة إنما تقع وتنفع بشرط براءة المشفوع له من الذنب إما بالاعتراف بما نسب إليه والإقلاع عنه ، وإما بالاعتذار عنه ، وكان ذلك إنما يجري عند المخلوقين على الظاهر ، ولذلك كانوا ربما وقع لهم الغلط فيمن لو علموا باطنه لما قبلوا الشفاعة فيه ، علل تعالى ما تقدم بعلمه أن المشفوع له ليس بأهل لقبول الشفاعة فيه لإحاطة علمه فقال :( يَعْلَمُ خائِنَةَ ) ولما كان السياق هنا للابلاغ في أن علمه تعالى محيط بكل كلي وجزئي ، فكان من المعلوم أن الحال يقتضي جمع الكثرة ، وأنه ما عدل عنه إلى جمع القلة إلا للاشارة إلى أن علمه تعالى بالكثير كعلمه بالقليل الكل ، عليه هين ، فالكثير عنده في ذلك قليل فلذا قال :( الْأَعْيُنِ ) أي خيانتها التي هي أخفى ما يقع من أفعال الظاهر ، جعل الخيانة مبالغة في الوصف وهي الإشارة بالعين ، قال أبو حيان : من كسر وغمز ونظر يفهم منه ما يراد ـ انتهى. وذلك يفعل بفعل ما يخالف الظاهر ، ولما ذكر أخفى أفعال الظاهر ، أتبعه أخفى ما في الباطن فقال :( وَما تُخْفِي الصُّدُورُ ) أي عن المشفوع عنده وغير ذلك.

ولما كان العفو عن الظالم الذي لا يرجع عن ظلمه نقصا ، لكونه لا حكمة فيه ، عبر بالاسم الأعظم في جملة حالية فقال :( وَاللهُ ) أي والحال أن المتصف بجميع صفات الكمال( يَقْضِي بِالْحَقِ ) أي الثابت الذي لا يصح أصلا نفيه ، فلو قضى فيمن يعلم أنه ليس بأهل للشفاعة فيه بقبول الشفاعة لنفى الحق وأثبت الباطل ، فخالف ذلك الكمال( وَالَّذِينَ يَدْعُونَ ) أي الظالمون ـ على قراءة الجماعة ، وأيها الظالمون ـ على قراءة نافع وابن عامر بخلاف عن ابن ذكوان بالخطاب للمواجهة بالإزراء. ولما كانت المراتب دون عظمته سبحانه لا تنحصر ولا يحتوي عليها كلها شيء ، أثبت الجار فقال :

٤٩٧

( مِنْ دُونِهِ ) أي سواه ، ومن المعلوم أنهم خلقه فهم دون رتبته لأنهم في قهره( لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ ) من الأشياء أصلا ، فضلا عن أن يقضوا بما يعارض حكمه ، فلا مانع له من القضاء بالحق ، فلا مقتضى لقبول الشفاعة فيمن يعلم عراقته في الظلم أنه لا ينفك عنه.

ولما أخبر أنه لا فعل لشركائهم ، وأن الأمر له وحده ، علل ذلك بقوله مرهبا من الخيانة وغيرها من الشر ، مرغبا في كل خير ، مؤكدا لأجل أن أفعالهم تقتضي إنكار ذلك :( إِنَّ اللهَ ) عبر به لأن السياق لتحقير شركائهم وبيان أنها في غاية النقصان( هُوَ ) أي وحده. ولما ذكر ما هو غيب ، وصفه بأظهر ظاهر فقال :( السَّمِيعُ ) أي لكل ما يمكن أن يسمع( الْبَصِيرُ ) أي بالبصر والعلم لكل ما يمكن أن يبصر ويعلم ، فلا إدراك لشركائهم أصلا ولا لشيء غيره بالحقيقة ، ومن لا إدراك له لا قضاء له ، فثبت أن الأمر له وحده ، فما تنفعهم شفاعة الشافعين ولا تقبل فيهم من أحد شفاعة بعد الشفاعة العامة التي هي خاصة بنبيناصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وهي المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون ، فإن كل أحد يحجم عنها حتى يصل الأمر إليهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فيقول : أنا لها أنا لها ، ثم يذهب إلى المكان الذي أذن له فيشفع ، فيشفعه الله تعالى فيفصل سبحانه بين الخلائق ليذهب كل أحد إلى داره : جنته أو ناره ، روى الشيخان : البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : كنا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في دعوة فرفع إليه الذراع ، وكانت تعجبه ، فنهش منها نهشة ، فقال : «أنا سيد الناس يوم القيامة ، هل تدرون مم ذاك ، يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد فيبصرهم الناظر ، ويسمعهم الداعي ، وتدنو منهم الشمس ، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحملون ، فيقول الناس : ألا ترون إلى ما أنتم فيه وإلى ما بلغكم؟ ألا تنظرون إلى من يشفع لكم إلى ربكم ، فيقول بعض الناس لبعض : أبوكم آدم فذكر سؤالهم أكابر الأنبياء ، وكل واحد منهم يحيل على الذي بعده إلى أن يقول عيسى عليه‌السلام : اذهبوا إلى محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ،فيقول النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم حين يأتونه : أنا لها ، فينطلق فيسجد تحت العرش »(١) ـ وهو مروي عن غير أبي هريرة عن أنس وغيره من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، ولكن لم أر فيه التصريح بالشفاعة العامة بعد رفع رأسهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من السجود إلا فيما رواه البخاري في الزكاة من صحيحه في باب «من سأل الناس تكثرا» عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إن الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأذن فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد

__________________

(١) صحيح. أخرجه البخاري ٣٣٤٠ و ٣٣٦١ و ٤٧١٢ ومسلم ١٩٤ والترمذي ٢٤٣٤ وابن حبان ٦٤٦٥ وابن خزيمة في التوحيد ص ٢٤٢ من حديث أبي هريرة.

٤٩٨

فيشفع ليقضي بين الخلق فيمشي حتى يأخذ بحلقة الباب ، فيومئذ يبعثه الله مقاما محمودا يحمده أهل الجمع كلهم »(١) ، وكذا فيما رواه أبو يعلى في مسنده فقال : حدثنا عمرو بن الضحاك بن مخلد ثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد ثنا أبو رافع إسماعيل بن رافع عن محمد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي عن رجل من الأنصار عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : حدثنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو في طائفة من أصحابه فقال : «إن الله تبارك وتعالى لما فرغ من خلق السماوات والأرض خلق الصور فذكر النفخ فيه للموت ثم للبعث ، ثم ذكر الحشر ـ وهو حديث طويل جدا إلى أن قال : ثم يقفون موقفا واحدا مقدار سبعين عاما لا ينظر إليكم ولا يقضى بينكم ، فتبكون حتى تنقطع الدموع ، ثم تدمعون دما وتعرقون إلى أن يبلغ ذلك منكم أن يلجمكم أو يبلغ الأذقان ، فتضجون وتقولون : من يشفع لنا إلى ربنا يقضى بيننا ، فتقولون : من أحق بذلك من أبيكم آدم ، خلقه الله بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وكلمه قبلا ، فتأتون آدم فتطلبون ذلك إليه فيأبى فيقول : ما أنا بصاحب ذلك ، ثم يستقربون الأنبياء نبيا نبيا كلما جاؤوا نبيا أبى عليهم ، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم :حتى تأتوني ، فأنطلق حتى آتي الفحص فأخر ساجدا ، فقال أبو هريرة : يا رسول الله! ما الفحص؟ قال :قدام العرش ـ حتى يبعث الله إليّ ملكا فيأخذ بعضدي فيرفعني فيقول لي : يا محمد! فأقول : نعم يا رب! فيقول : ما شأنك ـ وهو أعلم ، فأقول : يا رب وعدتني فشفعني في خلقك فاقض بينهم ، قال : قد شفعتك أنا آتيكم فأقضي بينكم ، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : فأرجع فأقف مع الناس فبينما نحن وقوف سمعنا حسا من السماء شديدا فنزل أهل السماء الدنيا مثل من في الأرض من الجن والإنس حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم ، وأخذوا مصافهم ، وقلنا لهم :أفيكم ربنا؟ قالوا : لا ، وهو آت ثم ينزل أهل السماء الثانية بمثل من نزل من الملائكة ، ومثل الجن والإنس ، حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم ، وأخذوا مصافهم وقلنا لهم : أفيكم ربنا؟ قالوا : لا ، وهو آت ، ثم ينزلون على قدر ذلك من التضعيف حتى ينزل الجبار تبارك وتعالى في ظلل من الغمام ، والملائكة تحمل عرشه يومئذ ثمانية ، وهو اليوم على أربعة ـ إلى أن قال : فيضع الله كرسيه حيث شاء من أرضه ، ثم يهتف بصوته فيقول : يا معشر الجن والإنس! إني قد أنصت لكم من يوم خلقتكم إلى يومكم هذا أسمع قولكم ، وأبصر أعمالكم ، فانصتوا لي فإنما هي أعمالكم وصحفكم تقرأ عليكم ، فمن وجد خيرا فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ، ثم يأمر الله جهنم فيخرج منها عنق ساطع مظلم ، ثم يقول الله عزوجل ( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي

__________________

(١) صحيح. أخرجه البخاري ١٤٧٥ و ٤٧١٨ من حديث ابن عمر.

٤٩٩

آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ) ـأو بها تكذبون ـ شك أبو عاصم ،( وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ) [يس : ٦١]فتمس النار الناس وتجثو الأمم وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها فيقضي بين خلقه ـ فذكره وهو طويل جدا ، ثم ذكر الصراط وبعض الشفاعات الخاصة في أهل الجنة ، فذكر دخولهم الجنة ثم إنهم يشفعون في بعض أهل النار إلى أن قال :ثم يأذن الله في الشفاعة ، فلا يبقى نبي ولا شهيد ، إلا شفع ـ إلى أن قال : ثم يقول الله عزوجل :بقيت أنا وأنا أرحم الراحمين. فيدخل الله يده في جهنم فيخرج منها ما لا يحصيه غيره (١) ». وروى ابن حبان في صحيحه ـ قال المنذري : ولا أعلم في إسناده مطعنا ـ عن حذيفة رضي الله عنه عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : قال : «يقول إبراهيم عليه‌السلام يوم القيامة : يا رباه ، فيقول الرب جل وعلا : يا لبيكاه ، فيقول إبراهيم : يا رب حرقت بني ـ فيقول الله : أخرجوا من النار من كان في قلبه ذرة أو شعيرة من الإيمان (٢) » ، وروى الحاكم وقال : صحيح على شرط مسلم وأحمد بن منيع : «يلقى رجل أباه يوم القيامة فيقول : يا أبة! أي ابن كنت لك؟ فيقول : خير ابن ، فيقول : هل أنت مطيعي اليوم ، فيقول : نعم ، فيقول خذ بازرتي ، فيأخذ بازرته ، ثم ينطلق حتى يأتي الله وهو يعرض بعض الخلق ، فيقول : يا عبدي! ادخل من أي أبواب الجنة شئت ، فيقول : أي ربي ، وأبي معي فإنك وعدتني أن لن تخزيني ، فيعرض عنه ويقضي بين الخلق ويعرضهم ثم ينظر إليه فيقول : يا ابن آدم ، ادخل من أي أبواب الجنة شئت ، فيقول : أي ربي وأبي معي فإنك قد وعدتني أن لن تخزيني ، قال : فيمسخ الله أباه ضبعا أمذر أو أمجر ـ شك أبو جعفر أحد رواة ابن منيع ـ فيأخذ بأنفه فيقول : أبوك هو ، فيقول : ما هو بأبي ، فيهوي في النار (٣) » ، وهو في البخاري في أحاديث الأنبياء وتفسير الشعراء بلفظ : «يلقى إبراهيم عليه‌السلام أباه آذر يوم القيامة وعلى وجه آذر قترة وغبرة ، فيقول له إبراهيم عليه‌السلام :ألم أقل لك : لا تعصني ، فيقول له أبوه : فاليوم لا أعصيك ، فيقول إبراهيم : يا رب إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون فأي خزي أخزى من أبي الأبعد ، فيقول الله تعالى : إني حرمت الجنة على الكافرين ، ثم يقال لإبراهيم عليه‌السلام :انظر ما تحت رجلك فينظر فإذا هو بذيخ ـ

__________________

(١) بحثت عنه في مسند أبي يعلى في أحاديث أبي هريرة فلم أجده فلعله في المسند الكبير وأحاديث الشفاعة كثيرة جدا انظر مجمع الزوائد ١٠ / ٣٧١.

(٢) صحيح. أخرجه ابن حبان ٧٣٧٨ من حديث حذيفة بإسناد جيد وله شواهد كثيرة.

(٣) جيد. أخرجه الحاكم ٤ / ٥٨٩ من حديث أبي هريرة صححه الحاكم ، ووافقه الذهبي ويشهد له ما بعده.

٥٠٠