• البداية
  • السابق
  • 668 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 102 / تحميل: 14
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 6

مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
العربية

من الأمرين أنجى ناسا وغفر لهم كقوم يونس عليه الصلاة والسّلام ، وعاقب آخرين ، وسيفعل في قومك من كل من الأمرين ما هو الأليق بالرحمة بإرسالك ، كما أشار إليه ابتداؤه بالمغفرة ، فالآية نحو : إن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ، ولعله لم يصرح هنا تعظيما للقرآن الذي الكلام بسببه.

ولما افتتحت السورة بأنه أنزل على أحسن الوجوه وأجملها وأعلاها وأبينها وأكملها من التفصيل والجمع والبيان بهذا اللسان العظيم الشأن ، فقالوا فيه ما وقعت هذه التسلية لأجله من قولهم( قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ ) إلى آخره ، وكان ربما قال قائل ؛ لو كان بلسان غير العرب ، وأعطى هذا النبي فهمه والقدرة على تبيينه لكان أقوى في الإعجاز وأجدر بالاتباع ، أخبر أن الأمر ليس كذلك ، لأنهم لم يقولوا : هذا الشك حصل لهم في أمره ، بل عنادا ، والمعاند لا يرده شيء ، فقال على سبيل التأكيد ، معلما بأن الأمر على غير ما ظنه هذا الظان ، وقال الأصبهاني : إنه جواب عن قولهم( وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ. ) والأحسن عندي أن يكون عطفا على( فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا ) وبناه للمفعول لأنه بلسانهم فلم يحتج إلى تعيين المفصل ، فيكون التقدير : فقد جعلناه عربيا معجزا ، وهم أهل العلم باللسان ، فأعرضوا عنه وقالوا فيه ما تقدم ، ولفت القول عن وصف الإحسان الذي اقتضى أن يكون عربيا إلى مظهر العظمة الذي هو محط إظهار الاقتدار وإنفاذ الكلمة( وَلَوْ جَعَلْناهُ ) أي هذا الذكر بما لنا من العظمة والقدرة( قُرْآناً ) أي على ما هو عليه من الجمع( أَعْجَمِيًّا ) أي لا يفصح وهو مع ذلك على وجه يناسب عظمتنا ليشهد كل أحد أنه معجز للعجم كما أن هذا معجز للعرب وأعطيناك فهمه والقدرة على إفهامهم إياه( لَقالُوا ) أي هؤلاء المتعنتون فيه كما يقولون في هذا بغيا وتعنتا :( لَوْ لا ) أي هلا ولم لا( فُصِّلَتْ آياتُهُ ) أي بينت على طريقة نفهمها بلا كلفة ولا مبين ، حال كونه قرآنا عربيا كما قدمنا أول السورة.

ولما تبين بشاهد الوجود أنهم قالوا في العربي الصرف وبشهادة الحكيم الودود ، وأنهم يقولون في الأعجمي الصرف ، لم يبق إلا المختلط منهما المنقسم إليهما ، فقال مستأنفا منكرا عليهم للعلم بأن ذلك منهم مجرد لدد لا طلبا للوقوف على سبيل الرشد :( أَعْجَمِيٌ ) أي أمطلوبكم أو مطلوبنا ـ على قراءة الخبر من غير استفهام ـ أعجمي( وَعَرَبِيٌ ) مفصل باللسانين ، والأعجمي كما قاله الرازي في اللوامع : الذي لا يفصح ولو كان عربيا والعجمي من العجم ولو تفاصح بالعربية.

ولما كان من الجائز أن يقولوا : نعم ، ذلك مطلوبنا ، وكان نزولا من الرتبة العليا إلى ما دونها مع أنه لا يجيب إلى المقترحات إلا مريد للعذاب ، أو عاجز عن إنفاذ ما

٥٨١

نريد ، بين أن مراده نافذ من غير هذا فقال :( قُلْ هُوَ ) أي هذا القرآن على ما هو عليه من العلو الذي لا يمكن أن يكون شيء يناظره( لِلَّذِينَ آمَنُوا ) أي أردنا وقوع الإيمان منهم( هُدىً ) بيان لكل مطلوب( وَشِفاءٌ ) لما في صدورهم من داء الكفر والهواء والإفك فآذانهم به سميعة ، وقلوبهم له واعية ، وهو لهم بصائر ، قال القشيري ، فهو شفاء للعلماء حيث استراحوا عن كد الفكرة وتحير الخواطر وشفاء لضيق صدور المريدين بما فيه من التنعم بقراءته والتلذذ بالتفكر فيه ، ولقلوب المحبين من لواعج الاشتياق بما فيه من لطائف المواعيد ، ولقلوب العارفين بما يتوالى عليها من أنوار التحقيق وآثار خطاب الرب العزيز( وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ) أي أردنا أنه لا يتجدد منهم إيمان( فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ ) أي ثقل مذهب للسمع مصم ، فهم لذلك لا يسمعون سماعا ينفعهم لأنهم بادروا إلى رده أول ما سمعوه وتكبروا عليه فصاروا لا يقدرون على تأمله فهزهم الكسل وأصمهم الفشل فعز عليهم فهمه( وَهُوَ عَلَيْهِمْ ) أي خاصة( عَمًى ) مستعل على أبصارهم وبصائرهم لازم لهم ، فهم لا يعونه حق الوعي ، ولا يبصرون الداعي به حق الإبصار ، فلهم به ضلال وداء ، فلذلك قالوا( وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ ) وذلك لما يحصل لهم من الشبه التي هيئت قلوبهم لقبولها ، أو يتمادى بهم في الأوهام التي لا يألفون سوى فروعها وأصولها ، فقد بان أن سبب الوقر في آذانهم الحكم بعدم إيمانهم للحكم بإشقائهم ، فالآية من الاحتباك : ذكر الهدى والشفاء أولا دليلا على الضلال والداء ثانيا ، والوقر والعمى ثانيا دليلا على السمع والبصائر أولا ، وسر ذلك أنه ذكر أمدح صفات المؤمنين وأذم صفات الكافرين ، لأنه لا أحقر من أصم أعمى.

ولما بان بهذا بعدهم عن عليائه وطردهم عن فنائه قال :( أُولئِكَ ) أي البعداء البغضاء مثالهم مثال من( يُنادَوْنَ ) أي يناديهم من يريد نداءهم غير الله( مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ ) فهم بحيث لا يتأبى سماعهم ، وأما الأولون فهم ينادون بما هيئوا له من القبول من مكان قريب ، فهذه هي القدرة الباهرة ، وذلك أن شيئا واحدا يكون لناس في غاية القرب والناس معهم في مكانهم في أنهى البعد.

ولما كان التقدير : فلقد آتيناك الكتاب على هذه الصفة من العظمة ، فاختلفت فيه أمتك على ما أعلمناك به أول البقرة من انقسام الناس فعاقبنا الذين تكبروا عليه أن ختمنا على مشاعرهم ، عطف عليه مسليا قوله مؤكدا لمن يقول من أهل الكتاب إضلالا : لو كان نبيا ما اختلف الناس عليه ونحو ذلك مما يلبس به :( وَلَقَدْ آتَيْنا ) أي على ما لنا من العظمة( مُوسَى الْكِتابَ ) أي الجامع لما فيه هداهم( فَاخْتُلِفَ ) أي وقع الاختلاف( فِيهِ ) أي من أمته كما وقع في هذا الكتاب لأن الله تعالى خلق الخلق للاختلاف مع ما

٥٨٢

ركب فيهم من العقول الداعية إلى الاتفاق( وَلَوْ لا كَلِمَةٌ ) أي إرادة( سَبَقَتْ ) في الأزل ، ولفت القول إلى صفة الإحسان ترضية بالقدر وتسلية ، وزاد ذلك بإفراده بالإضافة فقال :( مِنْ رَبِّكَ ) أي المحسن إليك بتوفيق الصالح لاتباعك وخذلان الطالح بالطرد عنك لإراحتك منه من غير ضرر لدينك وبإهمال كل إلى أجل معلوم ثم إمهال الكل إلى يوم الفصل الأعظم من غير استئصال بعذاب كما صنعنا بغيرهم من الأمم( لَقُضِيَ ) أي وقع القضاء الفيصل( بَيْنَهُمْ ) المختلفين بإنصاف المظلوم من ظالمه الآن. ولما علم بهذا وغيره أن يوم القيامة قد قدره وجعله موعدا من لا يبدل القول لديه ، فاتضح أنه لا بد منه ولا محيد عنه وهم يجادلون فيه ، قال مؤكدا :( إِنَّهُمْ لَفِي شَكٍ ) أي محيط بهم( مِنْهُ ) أي القضاء يوم الفصل( مُرِيبٍ ) أي موقع في الريب وهو التهمة والاضطراب بحيث لا يقدرون على التخلص من دائرته أصلا.

( مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦) إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنَّاكَ ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧) وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨) )

ولما تقرر بما مضى أن المطيع ناج ، وتحرر أن العاصي هالك كانت النتيجة من غير تردد :( مَنْ عَمِلَ صالِحاً ) كائنا من كان من ذكر أو أنثى( فَلِنَفْسِهِ ) أي فنفع عمله لها ببركتها به لا يتعداها ، والنفس فقيرة إلى التزكية بالأعمال الصالحة لأنها محل النقائص ، فلذا عبر بها ، وكان قياس العبارة في جانب الصلاح. «ومن عمل سيئا» فأفاد العدول إلى ما عبر به مع ذكر العمل أولا الذي مبناه العلم إن الصالح تتوقف صحته على نيته ، وأن السيء يؤاخذ به عامله في الجملة من الله أو الناس ولو وقع خطأ فلذا قال :( وَمَنْ أَساءَ ) أي في عمله( فَعَلَيْها ) أي على نفسه خاصة ليس على غيره منه شيء.

ولما كان لمقصد السورة نظر كبير إلى الرحمة ، كرر سبحانه وصف الربوبية فيها كثيرا ، فقال عاطفا على ما تقديره : فما ربك بتارك جزاء أحد أصلا خيرا كان أو شرا :( وَما رَبُّكَ ) أي المحسن إليك بارسالك لتتميم مكارم الأخلاق. ولما كان لا يصح أصلا ولا يتصور أن ينسب إليه سبحانه ظلم ، عبر للدلالة على ذلك بنكرة في سياق النفي دالة على النسبة مقرونة بالجار فقال :( بِظَلَّامٍ ) أي بذي ظلم( لِلْعَبِيدِ ) أي الجنس فلا يتصور أن يقع منه ظلم لأحد منهم أصلا لأن له الغنى المطلق والحكمة البالغة ، وعبر ب «عبيد» دون عباد لأنه موضع إشفاق وإعلام بضعف وعدم قدرة على

٥٨٣

انتصار وعناد يدل على طاعة وعدم حقارة بل إكرام هذا أغلب الاستعمال ، ولعل حكمة التعبير بصيغة المبالغة الإشارة إلى أنه لو ترك الحكم والأخذ للمظلوم من الظالم ، لكان بليغ الظلم من جهة ترك الحكمة التي هي وضع الأشياء في أتقن محالها ثم من جهة وضع الشيء وهو العفو عن المسيء وترك الانتصار للمظلوم في غير موضعه ، ومن جهة التسوية بين المحسن والمسيء ، وذلك أشد في تهديد الظالم لأن الحكيم لا يخالف الحكمة فكيف إذا كانت المخالفة في غاية البعد عنها ـ هذا مع أن التعبير بها لا يضر لأنها موضوعة أيضا للنسبة إلى أصل المعنى مطلقا ولأن نفي مطلق الظلم مصرح به في آيات أخرى.

ولما تضمنت الآية السالفة الجزاء على كل جليل وحقير ، وقليل وكثير ، والبراءة من الظلم ، كما قال تعالى( وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ ) [آل عمران : ٢٥]( وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ ) وأشير إلى التوعد بالجزاء في يوم الفصل لأنا نشاهد أكثر الخلق يموت من غير جزاء ، وكان من عادتهم السؤال عن علم ذلك اليوم ، وكان ترك الجزاء إنما يكون للعجز ، والظلم إنما يكون للجهل ، لأنه وضع الأشياء في غير محالها فعل الماشي في الظلام ، دل على تعاليه عن كل منهما بتمام العلم المستلزم لشمول القدرة على وجه فيه جوابهم عن السؤال عن علم الوقت الذي تقوم فيه الساعة الذي كان سببا لنزول هذه الآية ـ كما ذكره ابن الجوزي ـ بقوله على سبيل التعليل :( إِلَيْهِ ) أي إلى المحسن إليك لا إلى غيره( يُرَدُّ ) من كل راد( عِلْمُ السَّاعَةِ ) أي التي لا ساعة في الحقيقة غيرها ، لما لها من الأمور التي لا نسبة لغيرها بها ، فهي الحاضرة لذلك في جميع الأذهان ، وإنما يكون الجزاء على الإساءة والإحسان فيها حتى يظهر لكل أحد ظهورا بينا لكل أحد أنه لا ظلم أصلا ، فلا يمكن أن يسأل أحد سواه عنها ويخبر عنها بما يغنى في تعيين وقتها وكيفيتها وصنعتها ، وكلما انتقل السائل من مسؤول إلى أعلم منه وجده كالذي قبله حتى يصل الأمر إلى الله تعالى ، والعالم منهم هو الذي يقول : الله أعلم ، فاستئثاره بعلمها دال على تناهي علمه ، وحجبه له عن كل من دونه دال على تمام قدرته ، واجتماع الأمرين مستلزم لبعده عن الظلم ، وأنه لا يصح اتصافه به ، فلا بد من إقامته لها ليوفي كل ذي حق حقه ، ويأخذ لكل مظلوم ظلامته غير متعتع.

ولما كانوا ينازعون في وقوعها فضلا عن العلم بها ، عدها أمرا محققا مفروغا منه وذكر ما يدل على شمول علمه لكل حادث في وقته دليلا على علمه بما يعين وقت الساعة ، وذلك على وجه يدل على قدرته عليها وعلى كل مقدور بما لا نزاع لهم فيه من

٥٨٤

ثمرات النبات والحيوان التي هي خبء في ذوات ما هي خارجة منه ، فهي كخروج الناس بعد موتهم من خبء الأرض ، فقال مقدما للرزق على الخلق كما هو الأليق ، عطفا على ما تقديره : فما يعلمها ولا يعلمها إلا هو :( وَما تَخْرُجُ ) أي في وقت من الأوقات الماضية والكائنة والآية ، فإن «ما» النافية لا تدخل إلا على معناه الحلول ، فالمراد مجرد تصوير إن كان زمانه قد مضى أو لم يأت ، وأكد النفي بالجار فقال :( مِنْ ثَمَراتٍ ) أي صغيرة أو كبيرة صلحة أو فاسدة من الفواكه والحبوب وغيرها ؛ والإفراد في قراءة الجماعة للجنس الصالح للقليل والكثير ، نبهت قراءة نافع وابن عامر وحفص عن عاصم بالجمع على كثرة الأنواع( مِنْ أَكْمامِها ) جمع كم وكمامة بالكسر فيهما وهو وعاء الطلع وغطاء النور ، وكل ما غطى على وجه الإحاطة شيئا من شابه أن يخرج فهوكم ، ومنه قيل للقلنسوة : كمة ، ولكم القميص ونحوه : كم ، أي إلا بعلمه( وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى ) خداجا أو تماما ، ناقصا أو تاما ، وكذا النفي باعادة النافي ليشمل كلا على حياله ، وعبر ب «لا» لأن الوضع ليس كالحمل يقع في لحظة بل يطول زمان انتظاره فقال :( وَلا تَضَعُ ) حملا حيا أو ميتا( إِلَّا ) حال كونه ملتبسا( بِعِلْمِهِ ) ولا علم لأحد غيره بذلك ، ومن ادعى علما به فليخبر بأن ثمرة الحديقة الفلانية والبستان الفلاني والبلد الفلاني تخرج في الوقت الفلاني أو لا تخرج العام شيئا أصلا ، والمرأة الفلانية تحمل في الوقت الفلاني وتضع في وقت كذا أو لا تحمل العام شيئا ، ومن المعلوم أنه لا يحيط بهذا علما إلا الله سبحانه وتعالى.

ولما ثبت بهذا علمه صريحا وقدرته لزوما وعجز من سواه وجهله ، وتقرر بذلك أمر الساعة من أنه قادر عليها بما أقام من الأدلة ، وأنه لا بد من كونها لما وعد به من تكوينها لينصف لمظلوم من ظالمه لأنه حكيم ولا يظلم أحدا وإن كانوا في إيجادها ينازعون ، وله ينكرون قال تعالى مصورا ما تضمنه ما سبق من جهلهم ، ومقررا بعض أحوال القيامة ، عاطفا على ما أرشد السياق إلى تقديره من نحو : فهو على كل شيء قدير لأنه على كل شيء شهيد وهم بخلاف ذلك ، مقررا قدرته تصريحا وعجز ما ادعوا من الشركاء :( وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ ) أي المشركين بعد بعثهم من القبور ، للفصل بينهم في سائر الأمور فيقول المحسن إليك بأنواع الإحسان الذي منه إنصاف المظلوم من ظالمه على سبيل التوبيخ والتقريع والتنديم :( أَيْنَ شُرَكائِي ) أي الذين زعمتم أنهم يشفعون لكم في هذا اليوم ويحمونكم من العقاب واللوم ، والعامل في الظرف( قالُوا ) أي المشركون :( آذَنَّاكَ ) أي أعلمناك سابقا بألسنة أحوالنا والآن بألسنة مقالنا ، وفي كلتا الحالتين أنت سامع لذلك لأنك سامع لكل ما يمكن أن يسمع وإن لم يسمعه غيرك ،

٥٨٥

ولذا عبروا بما منه الإذن( ما مِنَّا ) وأكدوا النفي بإدخال الجار في المبتدأ المؤخر فقالوا :( مِنْ شَهِيدٍ ) أي حي دائما حاضر دون غيبة ، مطلع على ما يريد من غير خفاء بحيث لا يغيب عن علمه شيء فيخبر بما يخبر به على سبيل القطع والشهادة ، فآل الأمر إلى أن المعنى : لا نعلم أي ما كنا نسميهم شركاء لأنه ما منا من هو محيط العلم.

ولما قرر جهلهم ، أتبعه عجزهم فقال :( وَضَلَ ) أي ذهب وشذ وغاب وخفي( عَنْهُمْ ) ولما كانت معبوداتهم إما ممن لا يعقل كالأصنام وإما في عداد ذلك لكونهم لا فعل لهم في الحقيقة ، عبر عنهم بأداة ما لا يعقل فقال :( ما كانُوا ) أي دائما( يَدْعُونَ ) في كل حين على وجه العبادة.

ولما كان دعاؤهم لهم غير مستغرق لزمان القبل ، أدخل الجار فقال :( مِنْ قَبْلُ ) فهم لا يرونه فضلا عن أنهم يجدون نفعه ويلقونه ، وكأنهم كانوا لما هم عريقون فيه من الجهل وسوء الطبع يتوقعون أن يظفروا بهم فيشفعوا لهم ، فلذلك عبر بالظن في قوله :( وَظَنُّوا ) أي في ذلك الحال( ما لَهُمْ ) وأبلغ في النفي بإدخال الجار على المبتدأ المؤخر فقال( مِنْ مَحِيصٍ ) أي مهرب وملجأ ومعدل.

( لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٠) وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ (٥١) )

ولما دل أتباعهم للظن حتى في ذلك اليوم الذي تنكشف فيه الأمور ، وتظهر عظائم المقدور ، وإلقاؤهم بأيديهم فيه على أنهم في غاية العراقة في الجهل والرسوخ في العجز ، أتبع ذلك الدليل على أن ذلك طبع هذا النوع فلا يزال متبدل الأحوال متغير المناهج ، إن أحس بخير انتفخ عظمه وتطاول كبرا ، وإن مس ببلاء تضاءل ذلا وأمتلأ ضعفا وعجزا ، وذلك ضد مقصود السورة الذي هو العلم ، بيانا لأن حال هذا النوع بعيد من العلم ، عريق الصفات في الجهل والشر إلا من عصمه الله فقال تعالى :( لا يَسْأَمُ ) أي يمل ويضجر( الْإِنْسانُ ) أي من الأنس بنفسه الناظر في أعطافه ، الذي لم يتأهل للمعارف الإلهية والطرق الشرعية( مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ ) أي من طلبه طلبا عظيما ، وذلك دال مع شرهه على جهله ، فإنه لو كان عالما بأن الخير يأتيه أو لا يأتيه لخفف عن نفسه من جهده في الدعاء( وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ ) [الأعراف : ١٨٨]( وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ ) أي هذا النوع قليله وكثيره بغتة من جهة لا يتوقعها

٥٨٦

( فَيَؤُسٌ ) أي عريق في اليأس ، وهو انقطاع الرجاء والأمل والحزن العظيم والقطع بلزوم تلك الحالة بحيث صار قدوة في ذلك( قَنُوطٌ ) أي مقيم في دارة انقطاع الأمل والخواطر الرديئة ، فهو تأكيد للمعنى على أحسن وجه وأتمه ، وهذا هو ما طبع عليه الجنس ، فمن أراد الله به منهم خيرا عصمه ، ومن أراد به شرا أجراه مع الطبع فكان كافرا ، لأنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ، قال أبو حيان : واليأس من صفة القلب ، وهو أن ينقطع رجاؤه من الخير ، والقنوط أن يظهر عليه آثار اليأس فيتضاءل وينكسر ، وبدأ بصفة القلب لأنها هي المؤثرة فيما يظهر على الصورة من الانكسار.

ولما دل ذلك على عظيم جهله وغلبة أفكاره الرديئة على عقله ، أتبعه تأكيدا لذلك ما يدل على أن حاله بعد هذا اليأس الذي قطع فيه بلزوم الشر وامتناع حصول الخير أنه لو عاودته النعمة بغتة من وجه لا يرجوه ، وليس له دليل ما على دوامها وانصرامها لعاد إلى البطر والكبر والأشر ، ونسي ما كان فيه من الشدة ، فقال مسندا إلى نفسه الخير بعد أن ذكر الشر ، ولم يسنده إليه تعليما للأدب معبرا بمظهر العظمة تنبيها على أن ذلك من جليل التدبير( وَلَئِنْ أَذَقْناهُ ) أي الإنسان الذي غلبت عليه حالة الأنس بنفسه حتى أسفلته عن أبناء جنسه إلى رتبة الحيوانات العجم بل دونها.

ولما أخبر آخر الآية السالفة عن حاله عند الشر ، قدم هنا ضده على صلته اهتماما به بخلاف ما في سورة هودعليه‌السلام فقال :( رَحْمَةً مِنَّا ) أي نعمة عظيمة دلت على إكرامه من جهة لا يرجوها ، وهو من فائدة التعبير بأداة الشك ، ودل بإثبات الجار على انفصالها عن الضر مع قرب زمانها منه ليكون قد جمع مباشرة الأحوال الثلاث : الانتقام والإكرام وما بينهما من الوسط الذي بين حالتي الرضا والسخط ؛ ثم شرع بيان ذلك فقال :( مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ ) أي محنة وشدة عظيمة( مَسَّتْهُ ) فطال بروكها عليه ، وأجاب القسم لتقدمه على الشرط بقوله :( لَيَقُولَنَ ) بمجرد ذوق تلك الرحمة على أنها ربما كانت بلاء عظيما لكونها استدراجا إلى الهلاك :( هذا ) أي الأمر العظيم( لِي ) أي مختص بي لما لي من الفضل ، لا مشاركة لأحد معي فيه مع أنه ثابت لا يتغير انتقالا من حالة اليأس إلى حالة الأمن والبطر والكبر والأشر على قرب الزمن من ذوق المحن وينسى أنها من فضل الله ليقيدها بشكرها ، ويطردها بكفرها( وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ ) أي القيامة التي هي لعظمها المستحقة أن تختص باسم الساعة( قائِمَةً ) أي ثابتا قيامها ، فقطع الرجاء منها سواء عبر عن ذلك بلسان قاله أو بلسان حاله ، لكونه يفعل أفعال الشاك فيها كما كان قطع الرجاء من الخير عند مباشرته للشر لكنه هنا قال على سبيل التقدير والفرض ، لدفع من يعظه محققا لدوام نعمته :( وَلَئِنْ رُجِعْتُ ) أي على سبيل

٥٨٧

الفرض بقسر قاسر ما( إِلى رَبِّي ) أي الذي أحسن إليّ بهذا الخير الذي أنا فيه( إِنَّ لِي عِنْدَهُ ) وأكد للرد على من يعظه بأنه يعذب إن لم يحسن قلبه وقالبه( لَلْحُسْنى ) أي الحالة والرتبة البالغة في الحسن حدا لا يوصف لأني أهل لذلك ، والدليل على تأهلي له ما أنا فيه الآن من الخير ، ونسي ما يشاهده غالبا من أن كثيرا من النعم يكون للاستدراج ، ومن أن كثيرا من الناس يكون في غاية النعمة فيصبح وقد أحاطت به كل نقمة ، فهو بين أمنيتين في الدنيا بقوله هذا ، وفي الآخرة يقول : يا ليتني كنت ترابا ، فلا يزال في المحال ـ نعوذ بالله من سوء الحال.

ولما كان هذا هو الكفر الصراح لنسيان نعمة المنعم وجعله الإنعام من الواجب اللازم وشكه فيما أخبر سبحانه على ألسنة جميع الرسل أنه محط حكمته ، سبب عنه سبحانه قوله ، مؤكدا في نظير تأكيد هذا الناسي :( فَلَنُنَبِّئَنَ ) أي تنبئة عظيمة بخير الوصف فيها مستقصاة على سبيل العدل ، وجعل موضع الضمير الوصف تصريحا بالعموم وبيانا للعلة الموجبة فقال :( الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي ستروا ما دلت عليه العقول ، وأوجبته صرائح النقول ، من إقامة الساعة لإظهار جلاله وجماله ، ومن أنه تعالى يحل بالإنسان السراء والضراء ليخافه ويرجوه ويشكره ويدعوه( بِما عَمِلُوا ) لا ندع منه قليلا ولا كثيرا صغيرا ولا كبيرا ، فليرون عيانا ضد ما ظنوه في الدنيا من أن لهم الحسنى( وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً ) [الفرقان : ٢٣]( وَلَنُذِيقَنَّهُمْ ) بعد إقامة الحجة عليهم بموازين القسط الوافية لمثاقيل الذر( مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ ) لا يدع جهة من أجسامهم ولا قواهم إلا أحاط بها ولا تقوى على دفعه قواهم.

ولما بين جهل الإنسان في حالات مخصوصة باليأس عند مس الشر ، والأمن عند ذوق النعمة بعد الضر ، بين حاله عند النعمة مطلقا ودعاءه عند الشر وإن كان قانطا تكريرا لتقلب أحواله وتناقض أقواله وأفعاله تصريفا لذلك على وجوه شتى ليكون داعيا له إلى عدم الأنفة من الرجوع عن الكفر إلى الإيمان ، ومسقطا عنه خوف الشبه بذلك والنسبة إلى الخفة وعدم الثبات ، فقال معبرا بأداة التحقيق دلالة على غلبة نعمه تعالى في الدنيا لنقمه ، ودلالة على حالة الإنسان عند مس النعمة من جهة يتوقعها بعد بيان حاله عند مسها بغتة من غير توقع تأكيدا لبيان جهله حيث جعل ظرف النعمة ظرفا للإعراض من غير خوف من نزعها على قرب عهده بالضر :( وَإِذا أَنْعَمْنا ) مما لنا من العظمة والإحسان( عَلَى الْإِنْسانِ ) أي الواقف مع نفسه نعمة تليق بعظمتنا ، فمسه الخير ، ولم يعبر في هذا الجانب بما عبر به في الذي بعده إيذانا بأن المعرض مسيء لمجرد الإعراض لا المبالغة فيه فقال :( أَعْرَضَ ) أي انحرف عن سواء القصد إلينا عنا في

٥٨٨

جميع مدة النعمة ـ بما أفهمه الظرف ، فلم يقيد تلك النعمة بالشكر بعد ما رأى من حلالنا ، قاطعا بأن تلك النعمة خير محض ظاهرا وباطنا فهو يستديمها ، وربما كانت بلاء استدراجا وامتحانا( وَنَأى ) أي أبعد إبعادا شديدا بحيث جعل بيننا وبينه حجابا عظيما حال كونه مال( بِجانِبِهِ ) أي بشقه كناية عن تكبره وبأوه وإعجابه بنفسه وزهوه وتصويرا له بمن كلمته فازور عنك والتوى ، وأبعد في ضلاله وغوى.

ولما تقدم حال الإنسان عند مس الشر بغتة ، بين حاله عند مسه وهو يتوقعه ، فقال معبرا في جانب الشر بأداة التحقيق على غير عادة القرآن في الأغلب ، ليدل على أنه لزيادة جهله على الحد يلزم الكبر وإن كان يتوقع الشر ولا يزال حاله حال الآمن إلى أن يخالطه وحينئذ تنحل عراه وتضمحل قواه :( وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ ) أي هذا النوع قليله وكثيره لانتقامنا منه ، فالآية من الاحتباك : ذكر الإنعام أولا دليل الانتقام ثانيا وذكر الشر ثانيا دليل الخير أولا ، وسره تعليم الأدب بنسبة الإنعام دون الشر إليه وإن كان الكل منه.

ولما كان تعظيم العرض دالا على عظمة الطول ، قال معبرا بما يدل على الملازمة والدوام :( فَذُو دُعاءٍ ) أي في كشفه ، وربما كان نعمة باطنة وهو لا يشعر ولا يدعو إلا عند المس ، وقد كان ينبغي له أن يشرع في الدعاء عند التوقع بل قبله تعرفا إلى الله تعالى في الرخاء ليعرفه في الشدة وهو خلق شريف لا يعرفه إلا أفراد خصهم الله بلطفه ، فدل تركه له على عدم شكره لما مضى وخفة عقله لما يأتي ومفاجأته للزوم الدعاء عند المس على عدم صبره وتلاشي جلده وقلة حيائه( عَرِيضٍ ) أي مديد العرض جدا ، وأما طوله فلا تسأل عنه ، وهذا كناية عن النهاية في الكثرة.

( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٢) سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤) )

ولما ذكر سبحانه من أحوالهم المندرجة في أحوال هذا النوع كله ما هو مكشوف بشاهد الوجود من أنه لا ثبات لهم لا سيما عند الشدائد إعلاما بالعراقة في الجهل والعجز ، دل على الأمرين معا بما لا يمكن عاقلا دفعه من أنهم لا يجوزون الممكن فيعدون له ما يمنعه على تقدير وقوعه ، فأمرهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يذكر ذلك إيذانا بالإعراض عنهم دليلا على تناهي الغضب فقال :( قُلْ أَرَأَيْتُمْ ) أي أخبروني( إِنْ كانَ ) أي هذا القرآن الذي نصبتم لمغالبته حتى بالإعراض عن السماع باللغو حال قراءته من الصفير والتصفيق

٥٨٩

وغير ذلك ، وليس ذلك منكم صادرا عن حجة قاطعة في أمره أتم معها على يقين بل هو عن خفة وعدم تأمل منكم أنه( مِنْ عِنْدِ اللهِ ) الذي له الإحاطة بجميع صفات الجلال والجمال فهو لا يغالب.

ولما كان الكفر به على هذا التقدير في غاية البعد ، وكان مقصود السورة دائرا على العلم ، نبه على ذلك بأداة التراخي مع الدلالة على أن ذلك ما كان منهم إلا بعد تأمل طويل ، فكانوا معاندين حتى نزلوا بالصفير والتصفيق عن أعلى رتب الكلام إلى أصوات الحيوانات العجم فقال :( ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ ) أي بعد إمعان النظر فيه والتحقق لأنه حق ، فكنتم بذلك في شقاق هو في غاية البعد من الملاءمة لمن لم يزل يستعطفكم بجميل أفعاله ، ويردكم بجليل أقواله وآمن به غيركم لأنه من عند الله( مَنْ أَضَلُ ) منكم ـ هكذا كان الأصل ولكنه قال :( مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ ) أي لأولياء الله( بَعِيدٍ ) تنبيها على أنهم صاروا كذلك ، وأن من صار كذلك فقد عرض نفسه لسطوات الله وتعالى التي من واقعته هلك لا محالة ، ومن أهدى ممن هو في إسلام قريب وهو الذي آمن لأنه سالم الله الذي من سالمه سالمه كل شيء ، فنجا من كل خطر ـ فالآية من الاحتباك : ذكر الكفر أولا دليلا على الإيمان ثانيا ، والضلال ثانيا دليلا على الهدى أولا ، وسره أن ذكر المضار أصدع للقلب فهو أنفع في الوعظ.

ولما كان هذا محزنا للشفوق عليهم لإفهامه لشدة بعدهم عن الرجوع ، قال منبها على أنه إذا أراد سبحانه قرب ذلك منهم غاية القرب لافتا القول إلى مظهر العظمة إيذانا بسهولة ذلك عليه :( سَنُرِيهِمْ ) أي عن قرب بوعد لا خلف فيه( آياتِنا ) أي على ما لها من العظمة( فِي الْآفاقِ ) أي النواحي ، جمع أفق كعنق وأعناق ، أبدلت الهمزة الثانية ألفا لسكونها بعد مثلها ، أي وما ظهر من نواحي الفلك أو مهب الرياح ، وذلك بما يفتح الله من البلاد بغلب أهلها بوقائع كل واحد منها علم من أعلام النبوة ، وشاهد عظيم كاف في صحة الرسالة ، تصديقا لوعده سبحانه وما أهلك من أهلها لنصر أنبيائه ورسله وبما فيها من عجائب الصنع وغرائب الآثار والوضع باختلاف الأحكام مع اتفاق جواهرها في التجانس ـ وغير ذلك من الآيات المشاهدة بالبصر اللاتي يشرحها بآيات السمع.

ولما كان الإيمان بالغيب هو المعتبر ، وكل ما كان أقرب إليه كان أقرب إلى الكمال ، وكانت آيات الآفاق أقرب إلى ذلك ، بدأ بها ، ثم قال :( وَفِي أَنْفُسِهِمْ ) أي من فتح مكة وما أصابهم من سني الجوع وقصة أبي بصير ونحو ذلك ، وتفصل لهم مع ذلك ما في الآدمي نفسه من بدائع الآيات وعجائب الخلق وغرائب الصنعة وما فيه من أمارات الحدوث واختلاف الأوصاف وغير ذلك من الشواهد المطابقة لما تضربه من الأمثال

٥٩٠

والدلائل المعقولة عند اعتبار الأقوال والأفعال ، وبما في بلاد العرب من الآيات المرئية من نفي الشرك بعد إسراعهم إليه وإطباقهم عليه وإثبات التوحيد عن جميعهم بعد إبعادهم عنه وقتالهم الداعي إليه ، وقد بين سبحانه في هذه من آيات الآفاق في آية( أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ) وما شاكلها ، وفي الأنفس في آيات( فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ ) ونحوها ، وآيات( لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ ) إلى آخرها الدالة على أن الإنسان مبني أمره على الجهل والعجز ، فأكثر ما يتصوره ليس كما تصوره ، فعليه أن يتأمل كتاب ربه ويتدبره ـ والله أعلم ، قال الرازي في اللوامع : الاستدلال بالأفعال على فاعلها واضح وطريق لائح ، والأفعال على قسمين أحدهما الآفاق وهو جملة العالم ، والثاني النفوس ، فإن من عرف نفسه عرف ربه ، أي من عرف روحه وكونها جوهرا متصرفا في البدن تصرف التدبير وعلم صفاتها من أنها باقية بغير البدن لا يحتاج في قوامها إلى البدن ، بل البدن محتاج إليها وأنها محل المعرفة فمن عرف أمثال هذه المعارف عرف ربه وصفاته من وحدانيته وعلمه وقدرته وإرادته وتصرفه في جملة العالم يعني وأن وجوده تعالى مباين وجود غيره.

ولما كان التقدير : ولا نزال نواتر ذلك شيئا في أثر شيء ، عطف عليه قوله :( حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ ) غاية البيان بنفسه من غير إعمال فكر( أَنَّهُ ) أي القرآن( الْحَقُ ) الكامل في الحقية الذي تطابقه الوقائع وتصادقه الأحوال العارضة والصنائع ، فيجتمعوا عليه ويقبلوا بكل قلوبهم إليه ، فلا يأباه في جزيرة العرب إنسان ، ولا يختلف فيه منهم اثنان ، ثم ينبثون في أرجاء الأرض بطولها والعرض فيظهر بهم على سائر الأديان ، ويبيد على أيديهم أهل الكفران ، في سائر البلدان ، ويزول كل طغيان ، فيكون ظهورهم في هذا الوقت وضعف المؤمنين بعد أن كان سببا لازديادهم من الكفر عظة لهم ولكل من يأتي بعدهم يوجب الثبات في محال الزلزال علما بأن الله أجرى عادته أن يكون للباطل ريح تخفق ثم تسكن ، ودولة تظهر ثم تضمحل ، وصولة تجول ثم تحول.

ولما كان هذا القول منبها على أن في الآفاق والأنفس من الآيات المرئية التي يقرأها أولو الأبصار بالبصائر ، ويتأملها أهل الاعتبار بأعين السرائر ، أمرا لا يحيط به الوصف ، فكان حاديا على تجريد الأفكار للنظر والاعتبار ، والوقوف على بعض ما في ذلك من لطائف الأسرار ، كان كأنه قيل : ألم يروا بعقولهم ما في ذلك من الأدلة على أن القرآن من عند الله فيكفيهم عن شهادة شيء خارج عن أنفسهم ، عطف عليه قوله :( أَوَلَمْ يَكْفِ ) وأكد بإدخال الجار ، وحقق الفاعل فقال مؤكدا بالباء ومحققا أنه الفاعل

٥٩١

صارفا القول إلى وصف الإحسان إيذانا بالرفق بهم بردّهم إليه دون ارتكابهم ما يوجب نكالهم وإهلاكهم واستئصالهم :( بِرَبِّكَ ) أي المحسن إليك بهذا البيان المعجز للإنس والجان شهادة بأنه من عنده( أَنَّهُ ) أي أولم يكف شهادة ربك لأنه( عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) لا يغيب عنه شيء من الأشياء ، لا هذا القرآن ولا غيره ، وقد شهد لك فيه بإعجازه لجميع الخلق بكل ما تضمنته آياته ، ونطقت به كلماته ، ففيه أعظم بشارة بتمام أمر الدين وظهوره على المعتدين ، وذلك لأن كل أحد يجد في نفسه أنه إذا أراد ثبوت حق ينكره من هو عليه ولصاحب الحق من الشهود ما يتحقق قولهم فيه ووصوله بهم إليه أنه يكون مطمئنا لا ينزعج بالجحد علما منه بأن حقه لا بد أن يظهر ويخزي معانده ويقهر ، وفي هذا تأديب لكل من كان على حق ولا يجد من يساعده على ظهوره فإن الله شاهده فلا بد أن يظهر أمره فتوكل على الله إنك على الحق المبين.

ولما لم يبق بعد هذا لمتعنت مقال ، ولا شبهة أصلا لضال ، كان موضع المناداة على من استمر على عناده بقوله مؤكدا لادعائهم إنهم على جلية من أمرهم ،( أَلا إِنَّهُمْ ) أي الكفرة( فِي مِرْيَةٍ ) أي جحد وجدال وشك وضلال عن العبث( مِنْ لِقاءِ ) وصرف القول إلى إضافة وصف الإحسان إليهم إشارة إلى أنه لا بد من كمال تربيتهم بالبعث لأنه أحكم الحاكمين فقال :( رَبِّهِمْ ) أي المحسن إليهم بأن خلقهم ورزقهم للحساب والجزاء بالثواب والعقاب كما هو شأن كل حكيم فيمن تحت أمره.

ولما كانوا مظهرين الشك في القدرة على البعث ، قرره إيمانهم معترفون به من قدرته على كل شيء من البعث وغيره فقال :( أَلا إِنَّهُ ) أي هذا المحسن إليهم( بِكُلِّ شَيْءٍ ) أي من الأشياء جملها وتفاصيلها كلياتها وجزئياتها أصولها وفروعها غيبتها وشهادتها ملكها وملكوتها( مُحِيطٌ ) قدرة وعلما من كثير الأشياء وقليلها كليها وجزئيها ، فعما قليل يجمعهم على الحق ويبدلهم بالمرية إذعانا وبالشك يقينا وبرهانا ، فرحمته عامة لجميع أهل الوجود وخاصة لمن منّ عليه بالإيمان الموصل إلى راحة الأمان ، فكيف يتصور في عقل أن يترك البعث ليوم الفصل الذي هو مدار الحكمة ، ومحط إظهار النعمة والنقمة ، وقد علم بذلك انطباق آخرها المادح للكتاب المقرر للبعث والحساب على أولها المفصل للقرآن المفيض لقسمي الرحمة : العامة والخاصة لأهل الأكوان ، على ما اقتضاه العدل والإحسان ، بالبشارة لأهل الإيمان ، والنذارة لأهل الطغيان ـ والله الهادي وعليه التكلان.

٥٩٢

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة الشورى

مكية ـ آياتها ثلاث وخمسون

وتسمى حم عسق

( حم (١) عسق (٢) كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلا إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥) )

مقصودها الاجتماع على الدين الذي أساسه الإيمان ، وأم دعائمه الصلاة ، وروح أمره الألفة بالمشاورة المقتضية لكون أهل الدين كلهم في سواء كما أنهم في العبودية لشارعه سواء ، وأعظم نافع في ذلك الإنفاق والمؤاساة فيما في اليد ، والعفو والصفح عن المسيء ، والإذعان للحق في الخضوع للآمر الحق وإن صعب وشق ، وذلك كله الداعي إليه هذا الكتاب الذي هو روح جسد هذا الدين المعبر عما دعا إليه من محاسن الأعمال ، وشرائف الخلال بالصراط المستقيم ، وإلى ذلك لوح آخر السورة الماضية( حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ ) وصرح ما في هذه من قوله : (أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه إلا المودة في القربى)( اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ) وتسميتها بالشورى واضح المطابقة لذلك لما في الانتهاء وكذلك بالأحرف المتقطعة فإنها جامعة للمخارج الثلاثة : الحلق والشفة واللسان ، وكذا جمعها لصنفي المنقوطة والعاطلة ، ووصفي المجهورة والمهموسة ، وهي واسطة جامعة بين حروف أم الكتاب الذكر الأول ، وحروف القرآن العظيم ، وهذا المقصود هو غاية المقصود من أختها سورة مريم الموافقة لها في الابتداء بالتساوي في عدد الحروف المقطعة ، وفي الانتهاء من حيث أن من اختص بمصير الأمور ، كان المختص بالقدرة على إهلاك القرون ، وذلك لأن مقصودها اتصافه تعالى بشمول الرحمة بإفاضة جميع النعم على جميع خلقه ، وغاية

٥٩٣

هذا الاجتماع على الدين ، ولما توافقتا في المقصود وفي الابتداء والانتهاء ، واختصت الشورى بأن حروفها اثنان ، دل سبحانه بذلك أرباب البصائر على أنه إشارة إلى أن الدين قسمان : أصول وفروع ، دلت مريم على الأصول( ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ ) تمترون [مريم : ٣٤] ، وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم ،( هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ) [مريم : ٦٥] والشورى على مجموع الدين أصولا وفروعا( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ) الآية ، هذا موافقة البداية ، وأما موافقة النهاية فهو أنهما ختمتا بكلمتين : أول كل منهما آخر الأخرى وآخر كل أول الأخرى إيذانا بأن السورتين دائرة واحدة محيطة بالدين متصلة لا انفصام لها ، وذلك أن آخر مريم أول الشورى وآخر الشورى أول مريم( فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ ، ) الآية هو( كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ ) إلى آخرها هو( ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ) ـ إلى آخر القصة في الدعاء بارث الحكمة والنبوة الذي روحه الوحي والله الهادي ، وكذا تسميتها ببعضها بدلالة الجزء على الكل( بِسْمِ اللهِ ) الذي أحاط بصفات الكمال ، فنفذ أمره ، فاستجاب له كل شيء طوعا أو كرها( الرَّحْمنِ ) الذي عمت رحمته فهيأت عباده لقبول أمره( الرَّحِيمِ ) الذي خص أولياءه بما ترتضيه الإلهية من رحمته ، فجمع كلمتهم على دينه عقدا وفعلا ومآلا( حم عسق ) هذه الحروف يجوز أن تكون إشارة إلى كلمات منتظمة من كلام عظيم يشير إلى أن معنى هذا الجمع يجوز أن يقال : حكمة محمد علت وعمت فعفت سقام القلوب ، وقسمت حروفها قسمين موافقة لبقية أخواتها وبعدها آيتين ، ولم تقسم( كهيعص ) لأنها آية واحدة ولا أخت لها ولم تقسم( المص ) مثلا وإن كان لها أخوات لأنها آية واحدة ، ولم يعد في شيء من القرآن حرف واحد آية ، ويجوز أن يعتبر مفردة فتكون إشارة إلى أسرار تملأ الأقطار ، وتشرح الصدور والأفكار ، فإن نظرت إلى مخارجها وجدتها قد حصل الابتداء فيها بأدنى وسط الحلق إلى اللسان باسم الحاء ، وثنى بأوسط حروف الشفه وهي الميم ، وحصل الرجوع إلى وسط الحلق بأقصاه من اللسان في اسم العين ، وهو جامع للحلق واللسان ، وقصد رابعا إلى اللسان بالسين التي هي من أدناه إلى الشفتين وهو رأسه ولها التصاق بالشفتين واتصال بأعلى الفم ، ففيها بهذا الاعتبار جمع ، ثم جعل بعد هذا الظهور بطونا إلى أصل اللسان ، وهو أقصاه من الشفة بالقاف ، ولاسم هذا الحرف جمع بالابتداء بأصل اللسان مع سقف الحلق والاختتام بالشفة العليا والثنيتين السفليين ، ففي هذه الحروف ثلاثة وهي أكثرها لها نظر بما فيها من الجمع إلى مقصود السورة ، وقد

٥٩٤

اتسق الابتداء فيها فيما كان من حرفين جمعهما مخرج بالأعلى ثم بالأدنى إشارة إلى أنه يكون لأهل هذا الدين بعد الظهور بطون كما كان في أول الإسلام حيث حصر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأقاربه في الشعب ، وذلك أيضا إشارة إلى أنه من تحلية الظاهر ينتقل إلى تصفية الباطن من زين ظاهره بجمع الأعمال الصالحة صحح الله باطنه بالمراقبة الخالصة الناصحة على أن في هذا التدلي بشرى بأن الحال الثاني يكون أعلى من الأول ، كما كان عند الظهور من الشعب بما حصل من نقض الصحيفة الظالمة الذي كان الضيق سببا له ، لأن الثاني من مراتب هذه الحروف أقوى صفة مما هو أعلى منه مخرجا ، فإن الحاء لها من الصفات الهمس والرخاوة والاستفال والانفتاح والميم له من الصفات الجهر والانفتاح والاستفال وبين الشدة والرخاوة ، والعين لها من الصفات ما للميم سواء ، والسين لها من الصفات ماللحاء ، وتزيد بالصفير ، والقاف له من الصفات الجهر والشدة والانفتاح والاستعلاء والقلقلة فالحرف الأول أكثر صفاته الضعف ، ويزيد بالإمالة التي قرأ بها كثير من القراء ، والثاني والثالث على السواء ، وهما إلى القوة أرجح قليلا ، وذلك كما تقدم من وسط الحال عند الخروج من الشعب ، والرابع فيه قوة وضعف وضعفه أكثر ، فإن فيه للضعف ثلاث صفات وللقوة صفتين ، وذلك كما كان حال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم عند آخر أمره بمكة المشرفة حين مات الوزيران خديجة رضي الله عنها وأبو طالب لكن ربما كانت الصفتان القويتان عاليتين على الصفات الضعيفة بما فيهما بالانتشار بالصفير والجمع الذي مضت الإشارة إليه من الإشارة إلى ضخامة تكون باجتماع أنصار كما وقع من بيعة الأنصار ، والخامس وهو الأخير كله قوة كما وقع بعد الهجرة عند اجتماع الكلمة وظهور العظمة ، كما قالصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «فلما هاجرنا انتصفنا من القوم وكانت سجال الحرب بيننا وبينهم(١) » ثم تكاملت القوة عند تكامل الاجتماع بعد قتال أهل الردة بعد موتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لا جرم انتشر أهل هذا الدين في الأرض يمينا وشمالا ، فما قام لهم مخالف ، ولا وافقتهم أمة من الأمم على ضعف حالهم وقلتهم وقوة غيرهم وكثرتهم إلا دمروا عليهم فجعلوهم كأمس الدار ، وقد جمعت هذه الحروف كما مضى وصفي المجهورة والمهموسة كانت المجهورة أغلبها إشارة إلى ظهور هذا الدين على كل دين كما حققه شاهد الوجود ، وصنفي المنقوطة والعاطلة ، وكانت كلها عاطلة إلا حرفا واحدا ، إشارة إلى أن أحسن أحوال المؤمن أن يكون أغلب أحواله محوا لا يرى له صفة من الصفات بل يعد في زمرة الأموات وإلى أن المتحلي بالأعمال الصالحة الخالصة من أهل القلوب من أرباب هذا الدين قليل جدا ، وكان المنقوط آخرها إشارة إلى أن نهاية المراتب عند أهل الحق

__________________

(١) ورد في الأصل لفظ : «أقلت» والتصويب من الترمذي وابن ماجة.

٥٩٥

الجمع بعد المحو والفرق وكان حرف الشفة من بين حروفها الميم ، وهي ذات الدائرة المستوية الاستدارة إشارة إلى أن لأهل هذا الدين من الاجتماع فيه والانطباق عليه والإطافة به والإسراع إليه ما ليس لغيرهم ، وإلى أن هم من القدم الراسخ في القول المقتطع من الفم المختتم بالشفتين ما لا يبلغه غيرهم بحيث إنه لا نهاية له مع حسن استنارته بتناسب استدارته ، ثم إنك إذا بلغت نهاية الجمع في هذه الأحرف بأن جمعت أعداد مسمياتها وهو مائتان وثمانية وسبعون وفي السنة الموافقة لهذا العدد كانت ولادتي ، فكان الابتداء في هذا الكتاب الديني حينئذ بالقوة القريبة من الفعل ، وسنة ابتدائي فيه بالفعل وهي سنة إحدى وستين في شعبان كان سني إذا ذاك قد شارف أربعا وخمسين سنة ، وهو موافق لعدد حرفي (دن) أمرا من الدين الذي هو مقصود السورة ، فكأنه أمر إذ ذاك بالشروع في الكتاب ليحصل مقصودها ، وسنة وصولي إلى هذه السورة وهي سنة إحدى وسبعين في شعبان منها كان سني قد شارف أربعا وستين سنة ، وهو موافق لعدد أحرف (دين) الذي هو مقصود السورة ، فأنا أرجو بهذا الاتفاق الغريب أن يكون ذلك مشيرا إلى أن الله تعالى يجمع بكتابي هذا الذي خصني بإلهامه وادخر لي المنحة بحله وإبرامه ، واعتناقه والتزامه ، أهل هذا الدين القيم جمعا عظيما جليلا جسيما ، يظهر له أثر بالغ في اجتماعهم وحسن تأسيهم برؤوس نقلته وأتباعه ، ومن الآثار الجليلة في لحظها للجمع أنه لما كان مقصود سورة مريم عليهاالسّلام بيان اتصاف الرحمن ، المنزل لهذا القرآن ، بشمول الرحمة لجميع الأكوان ، وكانت هذه السورة لرحمة خاصة من آثار تلك الرحمة العامة ، وهي الاجتماع على هذا الدين المراد ظهوره وعلوه على كل دين وقهره لكل أمر ، فكان لذلك محيطا قاهرا لحظ كل قاهر وظالم ، وكانت هذه الرحمة الخاصة ـ لنسبتها إلى الخلق ـ ثانية لتلك العامة ومنشعبة منها ، كانت لكونها من أوصاف الخلق بمنزلة اليسار ، وتلك لكونها من صفة الحق بمنزلة اليمين ، لذلك ـ والله أعلم ـ قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في كتاب له في الحرف : ولما كان ذلك ـ أي هذا الاسم المجتمع من هذه الأحرف المقطعة ـ أول هذه السورة مما ينسب إلى أمر الشمال كان متى وضع على أصابع اليسار ثم وضعت على هانجة ظلم أو جور استولى عليه بحكم إحاطة حكمة الله ، وكانت خمسها مضافة إلى خمس( كهيعص ) المستولية على حكمة اليمين محيطا ذلك بالعشر المحيط بكل الحكمة التي مسندها الياء الذي هو أول العشر ومحل الاستواء بما هو عائد وحدة الألف ـ انتهى.

ولما كانت هذه الحروف ـ والله أعلم ـ مشيرة إلى الاجتماع كما أشار إليه آخر السورة الماضية ، قال الله سبحانه وتعالى :( كَذلِكَ ) أي مثل هذا الإيحاء العظيم الشأن

٥٩٦

الذي أخبرك به ربك صريحا أول «فصلت» من أن الإله إله واحد وآخرها من أنه ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك ، ومن أنه يجمع لك أمتك على هذا الدين بما يتبين لهم أن هذا القرآن هو الحق بما يريهم من الآيات البينات والدلالات الواضحات في الآفاق وفي أنفسهم وبشهادته سبحانه باعجاز القرآن لجميع الإنس والجان ولا سيما إذا أقدم ضال على معارضته كمسيلمة فإنه يتبين لهم الأمر بذلك غاية البيان «وبضدها تتبين الأشياء» ورمز لك به سبحانه تلويحا أول هذه السورة بهذه الأحرف المقطعة التي هي أعلى وأغلى من الجواهر المرصعة ـ إلى مثل ذلك ، فهما نوعان من الوحي : صريح وعبارة ، وتلويح وإشارة.

ولما كان المقصود الإفهام لأن الإيحاء منه سبحانه عادة مستمرة إلى جميع أنبيائه ورسله والبشارة لهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بتجديده له ، مدة حياته تثبيتا لفؤاده ، ودلالة على دوام وداده ، عبر بالمضارع الدال على التجدد والاستمرار ، وتقدم في أول البقرة نقلا عن أبي حيان ومن قبله الزمخشري وغيره أنه قد لا يلاحظ منه زمن معين ، بل يراد مطلق الوجود فقال :( يُوحِي إِلَيْكَ ) أي سابقا ولا حقا ما دمت حيا لا يقطع ذلك عنك أصلا توديعا ولا قلى بما يريد من أمره مما يعلي لك مقدارك ، وينشر أنوارك ويعلي منارك.

ولما كان الاهتمام بالوحي لمعرفة أنه حق ـ كما أشارت إليه قراءة ابن كثير بالبناء للمفعول ـ والموحي إليه لمعرفة أنه رسول حقا وكان المراد بالمضارع مجرد إيقاع مدلوله لا يفيد الاستقبال صح أن يتعلق به قوله مقدما على الفاعل :( وَإِلَى الَّذِينَ ) والقائم مقام الفاعل في قراءة ابن كثير ضمير يعود على «كذلك».

ولما كان الرسل بعض من تقدم في بعض أزمنة القبل ، ادخل الجار فقال :( مِنْ قَبْلِكَ ) أي من الرسل الكرام والأنبياء الأعلام ، بأن أمتك أكثر الأمم وأنك أشرف الأنبياء ، وأخذ على كل منهم العهد باتباعك ، وأن يكون من أنصارك وأشياعك. ولما قدم ما هو الأهم من الوحي والموحى إليه ، أتى بفاعل( يُوحِي ) في قراءة العامة فقال :( اللهُ ) أي الذي له الإحاطة بأوصاف الكمال وهو مرفوع عند ابن كثير بفعل مضمر تقديره الذي يوحيه. ولما كان نفوذ الأمر دائرا على العزة والحكمة قال :( الْعَزِيزُ ) أي الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء( الْحَكِيمُ ) الذي يضع ما يصنعه في أتقن محاله ، فلأجل ذلك لا يقدر أحد على نقض ما أبرمه ، ولا نقص ما أحكمه.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما تضمنت سورة غافر ما تقدم من بيان حالي المعاندين والجاحدين ، وأعقبت بسورة السجدة بيانا أن حال كفار العرب في ذلك كحال من تقدمهم وإيضاحا لأنه الكتاب العزيز وعظيم برهانه ، ومع ذلك فلم يجد على من

٥٩٧

قضى عليه تعالى بالكفر ، اتبعت السورتان بما اشتملت عليه سورة الشورى من أن ذلك كله إنما جرى على ما سبق في علمه تعالى بحكم المشيئة الأزلية( فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَلَوْ لا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا ) فتأمل هذه وما التحم بها مما لم يجر في السورة المتقدمة منه إلا النادر ، ومحكم ما استجره ، وبناء هذه السورة على ذلك ومدار آيها ، يلح لك وجه اتصالها بما قبلها والتحامها بما جاورها.

ولما ختمت سورة السجدة بقوله تعالى( أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ ) أعقبها سبحانه بتنزيهه وتعاليه عن ريبهم وشكهم ، فقال تعالى( تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَ ) كما أعقب بمثله في قوله تعالى( وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً ) إذ( تَكادُ السَّماواتُ ) يتفطرون منه ولما تكرر في سورة حم السجدة ذكر تكبر المشركين وبعد انقيادهم في قوله تعالى( فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ ) إلى ما ذكر تعالى من حالهم المنبئة عن بعد استجابتهم فقال تعالى في سورة شورى( كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ) ـ انتهى.

ولما أخبر سبحانه أنه صاحب الوحي بالشرائع دائما قديما وحديثا ، علل ذلك بأنه صاحب الملك العام فقال :( لَهُ ما فِي السَّماواتِ ) أي من الذوات والمعاني( وَما فِي الْأَرْضِ ) كذلك. ولما كان العلو مستلزما للقدرة قال :( وَهُوَ الْعَلِيُ ) أي على العرش الذي السماوات فيه علو رتبة وعظمة ومكانة لا مكان وملابسة ، فاستلزم ذلك أن تكون له السماوات كلها والأراضي كلها مع ما فيها( الْعَظِيمُ ) أي فلا يتصور شيء في وهم ولا يتخيل في عقل إلا وهو أعظم منه بالقهر والملك ، فلذلك يوحي إلى من يشاء بما يشاء من إقرار وتبديل ، لا اعتراض لأحد عليه.

ولما كان السياق مفهما عظيم ملكه سبحانه وقدرته بكثرة ما في الأكوان من الأجسام والمعاني التي هي لفظاعتها لا تحتمل ، قال مبينا لذلك :( تَكادُ السَّماواتُ ) أي على عظم خلقهن ووثاقة إبداعهن ، وفلقهن بما أعلم به الواقع ، ونبه عليه بتذكير( تَكادُ ) في قراءة نافع والكسائي( يَتَفَطَّرْنَ ) أي يتشققن ويتفرط أجزاؤهن مطلق انفطار في قراءة من قرأ بالنون وخفف وهم هنا أبو عمرو ويعقوب وشعبة عن عاصم ، وتفطرا شديدا في قراءة الباقين بالتاء المثناة من فوق مفتوحة وتشديد الطاء ، مبتدئا ذلك( مِنْ

٥٩٨

فَوْقِهِنَ ) الذي جرت العادة أن يكون أصلب مما تحته ، فانفطار غيره من باب الأولى ، وابتداء الانفطار من ثم لأن جهة الفوق أجدر بتجلي ما يشق حمله من عظيم العظمة والجلال والكبرياء والعزة التي منها ما يحمل من الملائكة الذين لا تسع عقولهم وصفهم على ما عليه من كل واحد منهم من عظم الخلق في الهيئة والطول والمتانة والكبر إلى غير ذلك مما لا يحيط به علما إلا الذي يراهم بحيث إنّ أحدهم إذا أشير له إلى الأرض حملها كما قالصلى‌الله‌عليه‌وسلم «أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا فيه ملك قائم يصلي»(١) ومن غير ذلك من العظمة والكبرياء والجبروت والعلاء ، أو يكون انفطارهن من عظيم شناعة الكفر بالذي خلق الأرض في يومين وجعلهم له أندادا كما قال في السورة المناظرة لهذه سورة مريم( تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً ) [آية : ٩٠] ونقص ما في هذه عن تلك لأنه لم يذكر هنا الولد ، وهذا كناية عن التخويف بالعذاب لأن من المعلوم أن العالي إذا انفطر تهيأ للسقوط ، فإذا سقط أهلك من تحته فكيف إذا كان من العلو والعظم وثقل الجسم على صفة لا يحيط بها إلا بارئها ، فذكر الفوق تصوير لما يترتب على هذا الانفطار من البلايا الكبار ، وعلى هذا يحسن أن يعود الضمير على الأراضي التي كفروا بفاطرها.

ولما بين أن سبب كيدودة انفطارهن جلالة العظمة التي منها كثرة الملائكة وشناعة الكفر ، بين لها سببا آخر وهو عظم قولهم ، فقال :( وَالْمَلائِكَةُ ) أي والحال أنهم ، وعدل عن التأنيث مراعاة للفظ إلى التذكير وضمير الجمع ، إشارة إلى قوة التسبيح وكثرة المسبحين فقال :( يُسَبِّحُونَ ) أي يوقعون التنزيه والتقديس لله سبحانه وتعالى ملتبسين( بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ) أي بإثبات الكمال للمحسن إليهم تسبيحا يليق بما لهم ـ بما أشارت إليه الإضافة دائما لا يفترون ، فلهم بذلك زجل وأصوات لا تحملها العقول ، ولا تثبت لها الجبال ، فلا تستبعدن ذلك ، فكم من صاعقة سمعتها من السحاب فرجت لها الأرض فتصدعت لها الأبنية المتينة والجبال الصلاب ، ولفت القول إلى صفة الإحسان لمدح الملائكة بالإشارة إلى أنهم عرفوا إحسان المحسن وعملوا في الشكر بما اقتضاه إحسانه فصار تعريضا بذم الكفرة بما غطوا من إحسانه ، وتذرعوا من كفرانه.

ولما كانوا لما عندهم من العلم بجلال الله سبحانه يستحيون منه سبحانه كما يفعل أهل الأرض ويقولون ما لا يليق بحضرته الشماء وجنابه الأسمى ، وكانوا يعلمون مما

__________________

(١) حسن. أخرجه الترمذي ٢٣١٢ وابن ماجة ٤١٩٠ وأحمد ٥ / ١٧٣ من حديث أبي ذر بأتم منه وصدره : «إني أرى ما لا ترون ...». وقال الترمذي : حسن غريب ا ه. إسناده حسن لأجل إبراهيم ابن مهاجر فإنه صدوق فيه لين وهو من رجال مسلم.

٥٩٩

جادلهم سبحانه عنهم أن له بهم عناية ، فكانوا يرون أن الأقرب إلى رضاه الاستغفار لهم ، فلذلك عبر عنهم سبحانه بقوله حاذفا ما أوجبه السياق في( غافِرِ ) من ذكر الإيمان ، إشارة إلى أن أقرب الخلق من العرش كأبعد الناس في الإيمان المشروط بالغيب إبلاغا في التنزيه لأنه لا مقتضى له هنا :( وَيَسْتَغْفِرُونَ ) أي وهم مع التسبيح يطلبون الغفران( لِمَنْ فِي الْأَرْضِ ) لما يرون من شدة تقصيرهم في الوفاء بحق تلك العظمة التي لا تضاهى ، أما للمؤمن فمطلقا ، وأما للكافر فبتأخير المعالجة ، وكذا لبقية الحيوانات ، وذلك لما يهولهم مما يشاهدونه من عظمة ذي الكبرياء وجلالة ذي الجبروت. قال ابن برجان : لم يشأ الله جل ذكره كون شيء إلا قيض ملائكة من عباده يشفعون في كونه ، وكذلك في إبقاء ما شاء إبقاءه وإعدام ما شاء إعدامه ، وهذه أصول الشفاعة فلا تكن من الممترين ، وألطف من ذلك أن تكون كيدودة انفطارهن في حال تسبيح الملائكة واستغفارهم لما يرين من فوقهن من العظمة ، ومن تحتهن من ذنوب الثقلين ، فلو لا ذكرهم لتفطرن وحضر العذاب ، فعوجل الخلق بالهلاك ، وقامت القيامة ، وقضي الأمر ، وإذا كانت كيدودة الانفطار مع هذا التنزيه والاستغفار ، فما ظنك بما يكون لو عرى الأمر عنه وخلا منه ، ولذلك ذكر العموم هنا ولم يخص المؤمنين بالاستغفار كما في( غافِرِ ) لما اقتضاه السياق هنا من العموم ، ولأن مقصود غافر تصنيف الناس في الآخرة صنفين ، وتوفية كل ما يستحقه فناسب ذلك إفراد الذين تلبسوا بالإيمان ، ومقصود هذه الجمع على الدين في الدنيا فناسب الدعاء للكل ليجازى كل بما يستحقه من إطلاق المغفرة في الدارين للمؤمن وتقييدها بالتأخير في الدنيا للكافر.

ولما كانت أفعال أهل الأرض وأقوالهم عظيمة المخالفة لما يرضيه سبحانه فهم يستحقون المعاجلة بسببها ، أجاب من كأنه قال : هذا يستجاب لهم في المؤمنين ، فكيف يستجاب لهم في الكافرين ليجمع الكلام التهييب والتهويل في أوله والبشارة واللطف والتيسير في آخره ، فقال لافتا القول عن صفة الإحسان إلى الاسم الأعظم تعريفا بعظيم الأمر حملا على لزوم الحمد وإدامة الشكر :( أَلا إِنَّ اللهَ ) أي الذي له الإحاطة بصفات الكمال ، فله جميع العظمة ، وأكد لأن ذلك لعظمه لا يكاد يصدق( هُوَ ) أي وحده ، ورتب وصفيه سبحانه على أعلى وجوه البلاغة فبدأ بما أفهم إجابة الملائكة وأتبعه الإعلام بمزيد الإكرام فقال :( الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) أي العام الستر والإكرام على الوجه الأبلغ أما لأهل الإيمان فواضح دنيا وآخرة ، وأما لأهل الكفران ففي الدنيا فهو يرزقهم ويعافيهم ويملي لهم( وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ ) [فاطر : ٤٥] وأما غير الله فلا يغفر لأهل معصيته ، ولو أراد ذلك ما تمكن.

٦٠٠