• البداية
  • السابق
  • 668 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 112 / تحميل: 14
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 6

مؤلف:
الناشر: دار الكتب العلميّة
العربية

الكثرة والنعمة ، فأذاقهم الجدب سنين متوالية ، وفرق شملهم وقتلهم وأسرهم بأيدي المؤمنين إلى غير ذلك بما أراد سبحانه ؛ ثم أكد الإرادة لما قبل الآخرة وحققها بقوله ، معبرا بما يصلح للغيرية والسفول :( دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ ) أي الذي مر ذكره في الآخرة( لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) أي ليكون حالهم حال من يرجى رجوعه عن فسقه عند من ينظره ، وقد كان ذلك ، رجع كثير منهم خوفا من السيف ، فلما رأوا محاسن الإسلام كانوا من أشد الناس فيه رغبة وله حبا.

( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ (٢٣) وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ (٢٤) )

. ولما كان التقدير : يرجعون عن ظلمهم فإنهم ظالمون ، عطف عليه قوله :( وَمَنْ أَظْلَمُ ) منهم هكذا كان الأصل ولكنه أظهر الوصف الذي صاروا أظلم فقال :( مِمَّنْ ذُكِّرَ ) أي من أيّ مذكر كان وصرف القول إلى صفة الإحسان استعطافا وتنبيها على وجوب الشكر فقال :( بِآياتِ رَبِّهِ ) أي الذي لا نعمة عنده إلا منه.

ولما بلغت هذه الآيات من الوضوح أقصى الغايات ، فكان الإعراض عنها مستبعدا بعده ، عبر عنه بأداة البعد لذلك فقال :( ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها ) ضد ما عمله الذين لم يتمالكوا أن خروا سجدا ، ويجوز ـ وهو أحسن ـ أن يكون «ثم» على بابها للتراخي ، ليكون المعنى أن من وقع له التذكير بها في وقت ما ، فأخذ يتأمل فيها ثم أعرض عنها بعد ذلك ولو بألف عام فهو أظلم الظالمين ، ويدخل فيه ما دون ذلك عن باب الأولى لأنه أجدر بعدم النسيان ، فهي أبلغ من التعبير بالفاء كما في سورة الكهف ، ويكون عدل إلى الفاء هناك شرحا لما يكون من حالهم ، عند بيان سؤالهم ، الذي جعلوا بأنه آية الصدق ، والعجز عنه آية الكذب.

ولما كان الحال مقتضيا للسؤال عن جزائهم ، وكان قد فرد الضمير باعتبار لفظ «من» تنبيها على قباحة الظلم من كل فرد ، قال جامعا لأن إهانة الجمع دالة على إهانة الواحد من باب الأولى ، مؤكدا لأن إقدامهم على التكذيب كالإنكار لأن تجاوزوا عليه ، صارفا وجه الكلام عن صفة الإحسان إيذانا بالغضب :( إِنَّا ) منهم ، هكذا كان الأصلي ، ولكنه أظهر الوصف نصا في التعميم وتعليقا للحكم به معينا لنوع ظلمهم تبشيعا له فقال :( مِنَ الْمُجْرِمِينَ ) أي القاطعين لما يستحق الوصل خاصة( مُنْتَقِمُونَ )

٦١

وعبر بصيغة العظمة تنبيها على أن الذي يحصل لهم من العذاب لا يدخل تحت الوصف على جرد العداد في الظالمين ، فكيف وقد كانوا أظلم الظالمين؟ والجملة الاسمية تدل على دوام ذلك عليهم في الدنيا إما باطنا بالاستدراج بالنعم ، وإما ظاهرا بإحلال النقم ، وفي الآخرة بدوام العذاب على مر الآباد.

ولما كان مقصود السورة نفي الريب عن تنزيل هذا الكتاب المبين في أنه من عند رب العالمين ، ودل على أن الإعراض عنه إنما هو ظلم وعناد بما ختمه بالتهديد على الإعراض عن الآيات بالانتقام ، وكان قد انتقم سبحانه ممن استخف بموسىعليه‌السلام قبل إنزال الكتاب عليه وبعد إنزاله ، وكان أول من أنزل عليه كتاب من بني إسرائيل بعد فترة كبيرة من الأنبياء بينه وبين يوسفعليهما‌السلام وآمن به جميعهم وألفهم الله به وأنقذهم من أسر القبط على يده ، ذكر بحاله تسلية وتأسية لمن أقبل وتهديدا لمن أعرض ، وبشارة بإيمان العرب كلهم وتأليفهم به وخلاص أهل اليمن منهم من أسر الفرس بسببه ، فقال مؤكدا تنبيها لمن يظن أن العظيم لا يرد شيء من أمره :( وَلَقَدْ آتَيْنا ) على ما لنا من العظمة( مُوسَى الْكِتابَ ) أي الجامع للأحكام وهو التوراة.

ولما كان ذلك مما لا ريب فيه أيضا ، وكان قومه قد تركوا اتباع كثير منه لا سيما فيما قصّ من صفات نبيناصلى‌الله‌عليه‌وسلم وفيما أمر فيه باتباعه ، وكان هذا إعراضا منهم مثل إعراض الشاك في الشيء ، وكانوا في زمن موسىعليه‌السلام أيضا يخالفون أوامره وقتا بعد وقت وحينا إثر حين ، تسبب عن الإيتاء المذكور قوله تعريضا بهم وإعلاما بأن العظيم قد يرد رد بعض أوامره لحكمة دبرها :( فَلا تَكُنْ ) أي كونا راسخا ـ بما أشار إليه فعل الكون وإثبات نونه ، فيفهم العفو عن حديث النفس الواقع من الأمة على ما بينهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ( فِي مِرْيَةٍ ) أي شك( مِنْ لِقائِهِ ) أي لا تفعل في ذلك فعل الشاك في لقاء موسىعليه‌السلام للكتاب منا وتلقيه له بالرضا والقبول والتسليم ، كما فعل المدعون لاتباعه والعمل بكتابه في الإعراض عما دعاهم إليه من دين الإسلام ، أو لا تفعل فعل الشاك في لقائك الكتاب منا وإن نسبوك إلى الافتراء وإن تأخر بعض ما يخبر به فسيكون هدى لمن بقي منهم ، وعذابا للماضين ، ولا يبقى خبر ما أخبر به أنه كائن إلا كان طبق ما أخبر به ، فإنك لتلقاه من لدن حكيم عليم ، وقد صبر موسىعليه‌السلام في تلقي كتابه ودعائه حتى مات على أحسن الأحوال ، أو يكون المعنى : ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف عليه فيه فما شك أحد من الثابتين في إيتائنا إياه الكتاب لأجل إعراض من أعرض ، ولا زلزلة أدبار من أدبر ، وانتقمنا ممن أعرض عنه فلا يكن أحد ممن آمن بك في شك من إيتائنا الكتاب لك لإعراض من أعرض ، فسنهلك من حكمنا بشقائه انتقاما منه ، ونسعد الباقين به.

٦٢

ولما أشار إلى إعراضهم عنه وإعراض العرب عن كتابهم ، ذكر أن الكل فعلوا بذلك الضلال ضد ما أنزل له الكتاب ، فقال ممتنا على بني إسرائيل ومبشرا للعرب :

( وَجَعَلْناهُ ) أي كتاب موسىعليه‌السلام جعلا يليق بعظمتنا( هُدىً ) أي بيانا عظيما( لِبَنِي إِسْرائِيلَ ) وأشار إلى اختلافهم فيه بقوله :( وَجَعَلْنا مِنْهُمْ ) أي من أنبيائهم وأحبارهم بعظمتنا ، مع ما في طبع الإنسان من اتباع الهوى( أَئِمَّةً يَهْدُونَ ) أي يوقعون البيان ويعملون على حسبه( بِأَمْرِنا ) أي بما أنزلنا فيه من الأوامر ؛ ثم ذكر علة جعله ذلك لهم بقوله :( لَمَّا صَبَرُوا ) أي بسبب صبرهم ولأجله ـ على قراءة حمزة والكسائي بالكسر والتخفيف ـ أو حين صبرهم على قبول أوامرنا على قراءة الباقين بالفتح والتشديد ، وإن كان الصبر أيضا إنما هو بتوفيق الله لهم( وَكانُوا بِآياتِنا ) لما لها من العظمة( يُوقِنُونَ ) لا يرتابون في شيء منها ولا يفعلون فعل الشاك فيه بالإعراض ، وكان ذلك لهم جبلة جبلناهم عليها.

( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٢٥) أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ (٢٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ (٢٧) )

ولما أفهم قوله «منهم» أنه كان منهم من يضل عن أمر الله ويصد عنه ، جاء قوله تسلية للمؤمنين وتوعدا للكافرين ، استئنافا مؤكدا تنبيها لمن يظن أنه لا بعث ، ولفت القول إلى صفة الإحسان إشارة إلى ما يظهر من شرفهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في ذلك اليوم من المقام المحمود وغيره :( إِنَّ رَبَّكَ ) أي المحسن إليك بإرسالك ليعظم ثوابك ويعلي ما بك( هُوَ ) أي وحده( يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ ) أي من الهادين والمضلين والضالين( يَوْمَ الْقِيامَةِ ) بالقضاء الحق ، فيعلى أمر المظلوم ويردي كيد الظالم( فِيما كانُوا ) جبلة ، طبعا( فِيهِ ) أي خاصة( يَخْتَلِفُونَ ) أي يجددون الاختلاف فيه على سبيل الاستمرار حسب ما طبعوا عليه ، لا يخفى عليه شيء منه ، وأما غير ما اختلفوا فيه فالحكم فيه لهم أو عليهم لا بينهم ، وما اختلفوا فيه لا على وجه القصد فيقع في محل العفو.

ولما كان قد تقدم عن الكفار في هذه السورة قولان : أحدهما في التكذيب بالقرآن ، والثاني في إنكار البعث ، ودل سبحانه على فسادهما إلى أن ختم بذكر الآيات والبعث والفصل بين المحق والمبطل ، أتبعه استفهامين إنكاريين منشورين على القولين ، وختمت آية كل منهما بآخر ، فتصير الاستفهامات أربعة ، وفي مدخول الأول الفصل بين

٦٣

الفريقين في الدنيا ، فقال مهددا :( أَوَلَمْ ) أي أيقولون عنادا لرسولنا : افتراه ولم( يَهْدِ ) أي يبين ـ كما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما( لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا ) أي كثرة من أهلكناه.

ولما كان قرب شيء في الزمان أو المكان أدل ، بين قربهم بإدخال الجار فقال :( مِنْ قَبْلِهِمْ ) أي لأجل معاندة الرسل( مِنَ الْقُرُونِ ) الماضين من المعرضين عن الآيات ، ونجينا من آمن بها ، وربما كان قرب المكان منزلا منزلة قرب الزمان لكثرة التذكير بالآثار ، والتردد خلال الديار.

ولما كان انهماكهم في الدنيا الزائلة قد شغلهم عن التفكر فيما ينفعهم عن المواعظ بالأفعال والأقوال ، أشار إلى ذلك بتصوير اطلاعهم على ما لهم من الأحوال ، بقوله :( يَمْشُونَ ) أي إنهم ليسوا بأهل للتفكر إلا حال المشي( فِي مَسْكَنِهِمْ ) لشدة ارتباطهم مع المحسوسات ، وذلك كمساكن عاد وثمود وقوم لوط ونحوهم. ولما كان في هذا أتم عبرة وأعظم عظة ، قال منبها عليه مؤكدا تنبيها على أن من لم يعتبر منكر لما فيه من العبر :( إِنَّ فِي ذلِكَ ) أي الأمر العظيم( لَآياتٍ ) أي دلالات ظاهرات جدا ، مرئيات في الديار وغيرها من الآثار ، ومسموعات في الأخبار.

ولما كان السماع هو الركن الأعظم ، وكان إهلاك القرون إنما وصل إليهم بالسماع ، قال منكرا :( أَفَلا يَسْمَعُونَ ) أي إن أحوالهم لا يحتاج من ذكرت له في الرجوع عن الغيّ إلى غير سماعها ، فإن لم يرجع فهو ممن لا سمع له( أَوَلَمْ ) أي أيقولون في إنكار البعث : إذا ضللنا في الأرض ، ولم( يَرَوْا أَنَّا ) بما لنا من العظمة( نَسُوقُ الْماءَ ) من السماء أو الأرض( إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ ) أي التي جرز نباتها أي قطع باليبس والتهشم ، أي بأيدي الناس فصارت ملساء لا نبت فيها ، وفي البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما : إنها التي لا تمطر إلا مطرا لا يغني عنها شيئا ، قالوا : ولا يقال للتي لا تنبت كالسباخ : جزر ، ويدل عليه قوله :( فَنُخْرِجُ بِهِ ) من أعماق الأرض( زَرْعاً ) أي نبتا لا ساق له باختلاط الماء بالتراب الذي كان زرعا قبل هذا ، وأشار إلى أنه حقيقة ، لا مرية فيه ، وليس هو بتخييل كما تفعل السحرة ، بقوله مذكرا بنعمة الإبقاء بعد الإيجاد :( تَأْكُلُ مِنْهُ ) أي من حبه وورقه وتبنه وحشيشه( أَنْعامُهُمْ ) وقدمها لموقع الامتنان بها لأن بها قوامهم في معايشهم وأبدانهم ، ولأن السياق لمطلق إخراج الزرع ، وأول صلاحه إنما هو لأكل الأنعام بخلاف ما في سورة عبس ، فإن السياق لطعام الإنسان الذي هو نهاية الزرع حيث قال :( فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ ) [عبس : ٢٤] ثم

٦٤

قال( فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا ) [عبس : ٢٧] وذكر من طعامه من العنب وغيره ما لا يصلح للأنعام( وَأَنْفُسُهُمْ ) أي من حبه ، وأصله إذا كان بقلا.

ولما كانت هذه الآية مبصرة ، وكانت في وضوحها في الدلالة على البعث لا يحتاج الجاهل به في الإقرار سوى رؤيتها قل :( أَفَلا يُبْصِرُونَ ) إشارة إلى أن من رآها ونبه على ما فيها من الدلالة وأصر على الإنكار لا بصر له ولا بصيرة.

( وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٨) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠) )

ولما كانت هذه الآية أدل دليل ـ كما مضى ـ على البعث ، وكان يوما يظهر فيه عز الأولياء وذل الأعداء ، أتبعها قوله تعجيبا منهم عطفا على( يَقُولُونَ افْتَراهُ ) ونحوها :

( وَيَقُولُونَ ) أي مع هذا البيان الذي لا لبس معه استهزاء :( مَتى هذَا الْفَتْحُ ) أي النصر والقضاء والفصل الذي يفتح المنغلق يوم الحشر( إِنْ كُنْتُمْ ) أي كونا راسخا( صادِقِينَ ) أي عريقين في الصدق بالإخبار بأنه لا بد من كونه لنؤمن إذا رأيناه.

ولما أسفر حالهم بهذا السؤال الذي محصله الاستعجال على وجه الاستهزاء عن أنهم لا يزدادون مع البيان إلا عنادا ، أمرهم بجواب فيه أبلغ تهديد ، فقال فاعلا فعل القادر في الإعراض عن إجابتهم عن تعيين اليوم إلى ذكر حاله :( قُلْ ) أي لهؤلاء اللد الجهلة :( يَوْمَ الْفَتْحِ ) أي الذي يستهزئون به ، وهو يوم القيامة ـ تبادرون إلى الإيمان بعد الانسلاخ مما أنتم فيه من الشماخة والكبر ، فلا ينفعكم بعد العيان وهو معنى( لا ) ينفعكم ـ هكذا كان الأصل ، ولكنه أظهر الوصف تعميما وتعليقا للحكم به فقال :( يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي غطوا آيات ربهم التي لا خفاء بها سواء في ذلك أنتم وغيركم ممن اتصف بهذا الوصف( إِيمانُهُمْ ) لأنه ليس إيمانا بالغيب ، ولكنه ساقه هكذا سوق ما هو معلوم( وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ) أي يمهلون في إيقاع العذاب بهم لحظة ما من منظر ما.

ولما كانت نتيجة سماعهم لهذه الأدلة استهزاءهم حتى بسؤالهم عن يوم الفتح ، وأجابهم سبحانه عن تعيينه بذكر حاله ، وكانصلى‌الله‌عليه‌وسلم لشدة حرصه على نفعهم ربما أحب إعلامهم بما طلبوا وإن كان يعلم أن ذلك منهم استهزاء رجاء أن ينفعهم نفعا ما ، سبب سبحانه عن إعراضه عن إجابتهم ، أمره لهذا الداعي الرفيق والهادي الشفيق بالإعراض عنهم أيضا ، فقال مسليا له مهددا لهم :( فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ) أي غير مبال بهم وإن اشتد أذاهم( وَانْتَظِرْ ) أي ما نفعل بهم مما فيه إظهار أمرك وإعلاء دينك ، ولما كان الحال مقتضيا لتردد السامع في حالهم هل هو الانتظار ، أجيب على سبيل التأكيد بقوله :( إِنَّهُمْ

٦٥

مُنْتَظِرُونَ ) أي ما يفعل بك وما يكون من عاقبة أمرك فيما تتوعدهم به وفي غيره ، وقد انطبق آخرها على أولها بالإنذار بهذا الكتاب ، وأعلم بجلالته وجزالته وشدته وشجاعته أنه ليس فيه نوع ارتياب ، وأيضا فأولها في التكذيب بتنزيله ، وآخرها في الاستهزاء بتأويله ،( يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ ) [الأعراف : ٥٣] ـ الآية ، وأيضا فالأول في التكذيب بإنزال الروح المعنوي ، والآخر في التكذيب بإعادة الروح العيني الحسي الذي ابتدأه أول مرة والله الهادي إلى الصواب.

٦٦

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة الأحزاب

مدنية ـ آياتها ثلاث وسبعون

( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (١) وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٢) )

مقصودها الحث على الصدق في الإخلاص في التوجه إلى الخالق من غير مراعاة بوجه ما للخلائق ، لأنه عليم بما يصلحهم ، حكيم فيما يفعله ، فهو يعلي من يشاء وإن كان ضعيفا ، ويردي من يريد وإن كان قويا ، فلا يهتمن الماضي لأمره برجاء لأحد منهم في بره ، ولا خوف منه في عظيم شره وخفي مكره ، واسمها واضح في ذلك بتأمل القصة التي أشار إليها ودل عليها( بِسْمِ اللهِ ) الذي مهما أراد كان( الرَّحْمنِ ) الذي سرت رحمته خلال الوجود ، فشملت كل موجود ، بالكرم والجود( الرَّحِيمِ ) لمن توكل عليه بالعطف إليه.

لما ختمت التي قبلها بالإعراض عن الكافرين ، وانتظار ما يحكم به فيهم رب العالمين ، بعد تحقيق أن تنزيل الكتاب من عند المدبر لهذا الخلق كله ، والنهي عن الشك في لقائه ، افتتح هذه بالأمر بأساس ذلك. والنهي عن طاعة المخالفين مجاهرين كانوا أو مساترين ، والأمر باتباع الوحي الذي أعظمه الكتاب تنبيها على أن الإعراض إنما يكون طاعة لله مع مراعاة تقواه فقال :( يا أَيُّهَا النَّبِيُ ) عبر بأداة التوسط إيماء إلى أن وقت نزول السورة ـ وهو آخر سنة خمس ، غب وقعة الأحزاب ـ أوسط مدة ما بعد الهجرة إلاحة إلى أنه لم يبق من أمد كمال النصرة التي اقتضاها وصف النبوة الدال على الرفعة إلا القليل وعبر به لاقتضاء مقصود السورة مقام النبوة الذي هو بين الرب وعبده في تقريبه وإعلائه إلى جنابه إذا قرىء بغير همز ، وإن قرىء به كان اللحظ إلى إنبائه بالخفي وتفصيله للجلي ، وقال الحرالي في كتاب له في أصول الدين : حقيقة النبوة ورود غيب ظاهر أي من الحق بالوحي لخاص من الخلق ، خفي عن العامة منهم ، ثم قد يختص مقصد ذلك الوارد المقيم لذلك الواحد بذاته ، فيكون نبيا غير رسول ، وقد يرد عليه عند

٦٧

تمام أمره في ذاته موارد إقامة غيره فيصير رسولا. والرتبة الأولى كثيرة الوقوع في الخلق ، وهي النبوة ، والثانية قليلة الوقوع ، فالرسل معشار معشار الأنبياء ، وللنبوة اشتقاقان : أحدهما من النبأ وهو الخبر ، وذلك لمن اصطفي من البشر لرتبة السماع والإنباء فنبىء ونبأ غيره من غير أن يكون عنده حقيقة ما نبيء به ولا ما نبأ فيكون حامل علم ، والاشتقاق الثاني من النبوة وهي الارتفاع والعلو ، وذلك لمن أعلى عن رتبة النبأ إلى رتبة العلم. فكان مطلعا على علم ما ورد عليه من الغيب على حقيقته وكماله ، فمن علا عن الحظ المتنزل العقلي إلى رتبة سماع ، كان نبيئا بالهمز ، ومن علا عن ذلك إلى رتبة علم بحقيقة ذلك كان نبيا غير مهموز ، فآدمعليه‌السلام مثلا في علم الأسماء نبي بغير همز ، وفي ما وراءه نبيء بهمز ، وكذلك إبراهيمعليه‌السلام فيما أرى من الملكوت نبي غير مهموز ، وفيما وراءه نبىء بهمز ـ انتهى. ولم يناده سبحانه باسمه تشريفا لقدره ، وإعلاء لمحله ، وحيث سماه باسمه في الأخبار فللتشريف من جهة أخرى ، وهي تعيينه وتخصيصه إزالة للبس عنه ، وقطعا لشبه التعنت.

ولما ناداه سبحانه بهذا الاسم الشريف المقتضي للانبساط ، أمره بالخوف فقال :( اتَّقِ اللهَ ) أي زد من التقوى يا أعلى الخلائق بمقدار ما تقدر عليه لذي الجلال كله والإكرام ، لئلا تلتفت إلى شيء سواه ، فإنه أهل لأن يرهب لما له من خلال الجلال ، والعظمة والكمال.

ولما وجه إليه الأمر بخشية الولي الودود ، أتبعه النهي عن الالتفات نحو العدو والحسود. فقال :( وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ ) أي الممانعين( وَالْمُنْفِقِينَ ) أي المصانعين في شيء من الأشياء لم يتقدم إليك الخالق فيه بأمر وإن لاح لائح خوف أو برق بارق رجاء ، ولا سيما سؤالنا في شيء مما يقترحونه رجاء إيمانهم مثل أن تعين لهم وقت الساعة التي يكون فيها الفتح ، فإنهم إنما يطلبون ذلك استهزاء ، قال أبو حيان : وسبب نزولها أنه روي أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لما قدم المدينة كان يحب إسلام اليهود ، فتابعه ناس منهم على النفاق ، وكان يلين لهم جانبه ، وكانوا يظهرون النصائح من طرق المخادعة ، فنزلت تحذيرا له منهم ، وتنبيها على عداوتهم ـ انتهى ثم علل الأمر والنهي بما يزيل الهموم ويوجب الإقبال عليهما واللزوم ، فقال ملوحا إلى أن لهم أغوارا في مكرهم ربما خفيت عليهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأكد ترغيبا في الإقبال على معلوله بغاية الاهتمام :( إِنَّ اللهَ ) أي بعظيم كماله وعز جلاله( كانَ ) أزلا وأبدا( عَلِيماً ) شامل العلم( حَكِيماً ) بالغ الحكمة فهو لم يأمرك بأمر إلا وقد علم ما يترتب عليه ، وأحكم إصلاح الحال فيه.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في برهانه : افتتحها سبحانه بأمر نبيه باتقائه ، ونهيه

٦٨

عن الصغو إلى الكافرين والمنافقين ، واتباعه ما يوحي إليه ، تنزيها لقدره عن محنة من سبق له الامتحان ممن قدم ذكره في سورة السجدة ، وأمرا له بالتسليم لخالقه والتوكل عليه( وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ) ولما تحصل من السورتين قبل ما تعقب العالم من الخوف أشد لغيبة العلم بالخواتم وما جرى في السورتين من الإشارة إلى السوابق( وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ) [السجدة : ١٣] كان ذلك مظنة لتأنيس نبي اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وصالحي أتباعه ، ولهذا أعقب سورة السجدة بهذه السورة المضمنة من التأنيس والبشارة ما يجري على المعهود من لطفه تعالى وسعة رحمته ، فافتتح سبحانه السورة بخطاب نبيهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بالتقوى ، وإعلامه بما قد أعطاه قبل من سلوك سبيل النجاة وإن ورد على طريقة الأمر ليشعره باستقامة سبيله ، وإيضاح دليله ، وخاطبه بلفظ النبوة لأنه أمر عقب تخويف وإنذار وإن كانعليه‌السلام قد نزه الله قدره عن أن يكون منه خلاف التقوى ، وعصمه من كل ما ينافر نزاهة حاله وعلي منصبه ، ولكن طريقة خطابه تعالى للعباد أنه تعالى متى جرد ذكرهم للمدح من غير أمر ولا نهي فهو موضع ذكرهم بالأخص الأمدح من محمود صفاتهم ، ومنه( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ ) [الفتح : ٢٩] ـ الآيات ، فذكرهصلى‌الله‌عليه‌وسلم باسم الرسالة ، ومهما كان الأمر والنهي ، عدل في الغالب إلى الأعم ، ومنه( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ ) [الأنفال : ٦٥]( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ) [الطلاق : ١]( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ ) [التحريم : ١]( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ ) [التوبة : ٧٣]( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ ) [الممتحنة : ١٢] وقد تبين في غير هذا ، وأن ما ورد على خلاف هذا القانون فلسبب خاص استدعى العدول عن المطرد كقوله :( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) [المائدة : ٦٧] فوجه هذا أن قوله سبحانه( وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ ) موقعه شديد ، فعودل بذكرهصلى‌الله‌عليه‌وسلم باسم الرسالة لضرب من التلطف ، فهو من باب( عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ) [التوبة : ٤٣] وفيه بعض غموض ، وأيضا فإنه لما قيل له «بلغ» طابق هذا ذكره بالرسالة ، فإن المبلغ رسول ، والرسول مبلغ ، ولا يلزم النبي أن يبلغ إلا أن يرسل ، وأما قوله تعالى :( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ) [المائدة : ٤١] فأمره وإن كان نهيا أوضح من الأول ، لأنه تسلية لهعليه‌السلام وتأنيس وأمر بالصبر والرفق بنفسه ، فبابه راجع إلى ما يرد مدحا مجردا عن الطلب ، وعلى ما أشير إليه يخرج ما ورد من هذا. ولما افتتحت هذه السورة بما حاصله ما قدمناه من إعلامهعليه‌السلام من هذا الأمر بعلي حاله ومزية قدره ، ناسب ذلك ما احتوت عليه السورة من باب التنزيه في مواضع منها إعلامه تعالى بأن أزواج نبيهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أمهات للمؤمنين فنزهن عن أن يكون

٦٩

حكمهن حكم غيرهن من النساء مزية لهن وتخصيصا وإجلالا لنبيهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ومنها قوله تعالى :( وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ ) ـ الآية ، فنزههم عن تطرق سوء أو دخول ارتياب على مصون معتقداتهم وجليل إيمانهم( قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ ، وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَتَسْلِيماً ) والآية بعد كذلك ، وهي قوله تعالى :( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ) ـ الآية ، ومنها( يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَ ) فتزههن سبحانه وبين شرفهن على من عداهن ، ومنها تنزيه أهل البيت وتكرمتهم( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ) الآية ، ومنها الأمر بالحجاب( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَ ) فنزه المؤمنات عن حالة الجاهلية من التبرج وعدم الحجاب ، وصانهن عن التبذل والامتهان ، ومنها قوله تعالى :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى ) فوصاهم جل وتعالى ونزههم بما نهاهم عنه أن يتشبهوا بمن استحق اللعن والغضب في سوء أدبهم وعظيم مرتكبهم ، إلى ما تضمنت السورة من هذا القبيل ، ثم أتبع سبحانه ما تقدم بالبشارة العامة واللطف الشامل كقوله تعالى :( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَداعِياً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً ) ثم قال تعالى :( وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللهِ فَضْلاً كَبِيراً ) وقوله تعالى :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً ) ـ إلى قوله تعالى :( أَجْراً كَرِيماً ) وقوله تعالى( إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) وقوله تعالى :( إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ ) ـ إلى قوله :( وَأَجْراً عَظِيماً ) وقوله تعالى :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ) ـ إلى قوله :( عَظِيماً ) وقوله تعالى :( وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ) إلى قوله :( وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً ) وقوله تعالى مثنيا على المؤمنين بوفائهم وصدقهم( وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ ) ـ إلى قوله :( وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) وقوله سبحانه تعظيما لحرمة نبيهصلى‌الله‌عليه‌وسلم والمؤمنين( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ ) ـ إلى قوله :( وَإِثْماً مُبِيناً ) وفي هذه الآيات من تأنيس المؤمنين وبشارتهم وتعظيم حرمتهم ما يكسر سورة الخوف الحاصل من سورتي لقمان والسجدة ويسكن روعهم تأنيسا لا رفعا ، ومن هذا القبيل أيضا ما تضمنت السورة من تعداد نعمه تعالى عليهم وتحسين خلاصهم كقوله تعالى :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ ) ـ إلى قوله :( هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالاً شَدِيداً ) وقوله تعالى :( وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ ) إلى قوله :( وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً ) وختم السورة بذكر التوبة والمغفرة أوضح شاهد لما تمهد من دليل قصدها

٧٠

وبيانها على ما وضح والحمد لله ولما كان حاصلها رحمة ولطفا ونعمة ، لا يقدر عظيم قدرها ، وينقطع العالم دون الوفاء بشكرها ، أعقب بما ينبغي من الحمد يعني أول سبأ ـ انتهى.

ولما كان ذلك مفهما لمخالفة كل ما يدعو إليه كافر. وكان الكافر ربما دعا إلى شيء من مكارم الأخلاق ، قيده بقوله :( وَاتَّبِعْ ) أي بغاية جهدك.

ولما اشتدت العناية هنا بالوحي ، وكان الموحي معلوما من آيات كثيرة ، بني للمفعول قوله :( ما يُوحى ) أي يلقى إلقاء خفيا كما يفعل المحب مع حبيبه( إِلَيْكَ ) وأتى موضع الضمير بظاهر يدل على الإحسان في التربية لينوي على امتثال ما أمرت به الآية السالفة فقال :( مِنْ رَبِّكَ ) أي المحسن إليك بصلاح جميع أمرك ، فمهما أمرك به فافعله لربك لا لهم ، ومهما نهاك عنه فكذلك ، سواء كان إقبالا عليهم أو إعراضا عنهم أو غير ذلك.

ولما أمره باتباع الوحي ، رغبة فيه بالتعليل بأوضح من التعليل الأول في أن مكرهم خفي ، فقال مذكرا بالاسم الأعظم بجميع ما يدل عليه من الأسماء الحسنى زيادة في التقوية على الامتثال ، مؤكدا للترغيب كما تقدم ، وإشارة إلى أنه مما يستبعده بعض المخاطبين في قراءة الخطاب لغير أبي عمرو :( إِنَّ اللهَ ) أي بعظمته وكماله( كانَ ) دائما( بِما تَعْمَلُونَ ) أي الفريقان من المكايد وإن دق( خَبِيراً ) فلا تهتم بشأنهم ، فإنه سبحانه كافيكه وإن تعاظم ، وعلى قراءة أبي عمرو بالغيب يكون هذا التعليل حثا على الإخلاص ، وتحقيقا لأنه قادر على الإصلاح وإن أعيى الخلاص ، ونفيا لما قد يعتري النفوس من الزلزال ، في أوقات الاختلال.

( وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً (٣) ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاَّئِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (٥) )

ولما كان الآدمي موضع الحاجة إلى تعظيم الترجية قال :( وَتَوَكَّلْ ) أي دع الاعتماد على التدبير في أمورك واعتمد فيها( عَلَى اللهِ ) المحيط علما وقدرة ، ولتكرير هذا الاسم الأعظم الجامع لجميع معاني الأسماء في هذا المقام شأن لا يخفى كما أشير إليه.

٧١

ولما كان التقدير : فإنه يكفيك في جميع ذلك ، عطف عليه قوله :( وَكَفى بِاللهِ ) أي الذي له الأمر كله على الإطلاق( وَكِيلاً ) أي إنه لا أكفى منه لكل من وكله في أمره ، فلا تلتفت في شيء من أمرك إلى شيء غيره لأنه ليس لك قلبان تصرف كلّا منهما إلى واحد.

ولما كان النازع إلى جهتين والمعالج لأمرين متباينين كأنه يتصرف بقلبين ، أكد أمر الإخلاص في جعل الهم هما واحدا فيما يكون من أمور الدين والدنيا ، وفي المظاهرة والتبني وكل ما شابههما بضرب المثل بالقلبين ـ كما قال الزهري ، فقال معللا لما قبله بما فيه من الإشارة إلى أن الآدمي مع قطع النظر عن رتبة النبوة موضع لخفاء الأمور عليه :( ما جَعَلَ اللهُ ) أي الذي له الحكمة البالغة ، والعظمة الباهرة ، وليس الجعل إلا له ولا أمر لغيره( لِرَجُلٍ ) أي لأحد من بني آدم الذين هم أشرف الخلائق من نبي ولا غيره ، وعبر بالرجل لأنه أقوى جسما وفهما فيفهم غيره من باب الأولى ؛ وأشار إلى التأكيد بقوله :( مِنْ قَلْبَيْنِ ) وأكد الحقيقة وقررها ، وجلاها وصورها لما قد يظن الإنسان من أنه يقدر على صرف النفس إلى الأمور المتخالفة كما يفعل المنافق بقوله :( فِي جَوْفِهِ ) أي حتى يتمكن من أن ينزع بكل قلب إلى جهة غير الجهة التي نزع إليها القلب الآخر لأن ذلك مودّ إلى خراب البدن لأن القلب مدبره بإذن الله تعالى ، واستقلال كل بالتدبير يؤدي إلى الفساد كما مضى في دليل التمانع سواء ؛ قال الرازي في اللوامع : القلب كالمرآة مهما حوذي به جانب القدس أعرض عن جانب الحس ، ومهما حوذى به جانب الحس أعرض عن جانب القدس ، فلا يجتمع الإقبال على الله وعلى ما سواه ـ انتهى. وحاصل ذلك أنه تمهيد لأن التوزع والشرك لا خير فيه ، وأن مدبر الملك واحد كما أن مدبر البدن قلب واحد ، فلا التفات إلى غيره ، وأن الدين ليس بالتشهي وجعل الجاعلين ، وإنما هو بجعله سبحانه ، فإنه العالم بالأمور على ما هي عليه.

ولما كان كل من المظاهرة والتبني نازعا إلى جهتين متنافيتين ، وكان أهل الجاهلية يعدون الظهار طلاقا مؤبدا لا رجعة فيه ـ كما نقله ابن الملقن في عمدة المنهاج عن صاحب الحاوي ، وكان المخاطبون قد أعلاهم الوعظ السابق إلى التأهل للخطاب ، لفت سبحانه القول إليه على قراءة الغيب في «يعملون» لأبي عمرو فقال :( وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ ) أي بما أباح لكم من الاستمتاع بهن من جهة الزوجية ؛ ثم أشار إلى الجهة الأخرى بقوله :( اللَّائِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَ ) أي كما يقول الإنسان للواحدة منهن : أنت عليّ كظهر أمي( أُمَّهاتِكُمْ ) بما حرم عليكم من الاستمتاع بهن حتى تجعلوا ذلك على التأبيد وترتبوا على ذلك أحكام الأمهات كلها ، لأنه لا يكون لرجل أمان ، ولو جعل ذلك

٧٢

لضاق الأمر ، واتسع الخرق ، وامتنع الرتق( وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ ) بما جعل لهم من النسبة والانتساب إلى غيركم( أَبْناءَكُمْ ) بما جعلتم لهم من الانتساب إليكم ليحل لهم إرثكم ، وتحرم عليكم حلائلهم وغير ذلك من أحكام الأبناء ، ولا يكون لابن أبوان ، ولو جعل ذلك لضاعت الأنساب ، وعم الارتياب ، وانقلب كثير من الحقائق أيّ انقلاب ، فانفتح بذلك من الفساد أبواب أيّ أبواب ، فليس زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي الذي تبنيته ابنا لك أيها النبي بتبنيك له جزاء له باختياره لك على أبيه وأهله ، وهذا توطئة لما يأتي من قصة زواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لزينب بنت جحش مطلقة زيد مولى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فإنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لما تزوجها قال المنافقون كما حكاه البغوي وغيره : تزوج محمد امرأة ابنه وهو ينهى الناس عن ذلك ، فأنزل الله هذه الآية(١) ، وبين أن التبني إنما هو مجاز ، وأن المحرم إنما هو زوجة الابن الحقيقي وما ألحق به من الرضاع ، وذلك أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان تبنى زيدا لقصة مذكورة في السيرة ، روى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أن زيد بن حارثة رضي الله عنه مولى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن( ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ ) (٢) . ولما أبطل هذا سبحانه ، استأنف الإخبار عما مضى من عملهم فيه فقال :( ذلِكُمْ ) أي القول البعيد عن الحقيقة ، وأكد هذا بقوله :( قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ ) أي لا حقيقة له وراء القول وتحريك الفم من غير مطابقة قلوبكم ، فإن كل من يقول ذلك لا يعتقده ، لأن من كان له فم كان محتاجا ، ومن كان محتاجا كان معرضا للنقائص كان معرضا للأوهام ، ومن غلبت ، عليه الأوهام كان في كلامه الباطل( وَاللهُ ) أي المحيط علمه وقدرته وله جميع صفات الكمال( يَقُولُ الْحَقَ ) أي الكامل في حقيته ، الثابت الذي يوافق ظاهره باطنه ، فلا قدرة لأحد على نقضه فإن أخبر عن شيء فهو كما قال ، ليس بين الخبر والواقع من ذلك المخبر عنه شيء من المخالفة ، وإن أتى بقياس فرع على أصل لم يستطع أحد إبداء فرق ، فإن أقواله سبحانه سابقة على الواقع لأنها مصدرة فيها بكون ، فإذا قال قولا وجد مضمونه مطابقا لذلك القول ، فإذا طبقت بينهما كانا سواء ، فكان ذلك المضمون ثابتا كما كان ذلك الواقع ثابتا ، فكان حقا ، هكذا أقواله على الدوام ، لأنه منزه سبحانه عن النقائص فلا جارحة ثم ليكون بينها وبين معد القول مخالفة من فم أو غيره وعن كل ما يقتضي حاجة ، فالآية من الاحتباك : ذكر الفم أولا دليلا على نفيه ثانيا والحق ثانيا دليلا على ضده الباطل أولا ، وسرّ ذلك أنه ذكر ما

__________________

(١) ذكره البغوي في تفسيره ٣ / ٤٣٦ بلا سند وبدون عزو لأحد وذكره الواحدي ٦٩٠ بلا إسناد.

(٢) أخرجه البخاري ٤٧٨٢ ومسلم ٢٤٢٥ والترمذي ٣٢٠٩ و ٣٨١٤ والنسائي في التفسير ٤١٦ والواحدي ٦٩١ من حديث ابن عمر.

٧٣

يدل على النقص في حقنا ، وعلى الكمال في حقه ، ودل على التنزيه بالإشارة ليبين فهم الفهماء وعلم العلماء( وَهُوَ ) أي وحده من حيث قوله الحق( يَهْدِي السَّبِيلَ ) أي الكامل الذي من شأنه أن يوصل إلى المطلوب إن ضل أحد في فعل أو قول ، فلا تعولوا على سواء ولا تلتفتوا أصلا إلى غيره.

ولما كان كأنه قيل : فما تقول؟ اهدنا إلى سبيل الحق في ذلك ، أرشد إلى أمر التبني إشارة إلى أنه هو المقصود في هذه السورة لما يأتي بعد من آثاره التي هي المقصودة بالذات بقوله :( ادْعُوهُمْ ) أي الأدعياء( لِآبائِهِمْ ) أي إن علموا ولدا قالوا : زيد بن حارثة ؛ ثم علله بقوله :( هُوَ ) أي هذا الدعاء( أَقْسَطُ ) أي أقرب إلى العدل من التبني وإن كان إنما هو لمزيد الشفقة على المتبني والإحسان إليه( عِنْدَ اللهِ ) أي الجامع لجميع صفات الكمال ، فلا ينبغي أن يفعل في ملكه إلا ما هو أقرب إلى الكمال ، وفي هذا بالنسبة إلى ما مضى بعض التنفيس عنهم ، وإشارة إلى أن ذلك التغليظ بالنسبة إلى مجموع القولين المتقدمين.

ولما كانوا قد يكونون مجهولين ، تسبب عنه قوله :( فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ ) لجهل أصلي أو طارىء( فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ ) إن كانوا دخلوا في دينكم( وَمَوالِيكُمْ ) أي أرقاؤكم مع بقاء الرق أو مع العتق على كلتا الحالتين ، ولذا قالوا : سالم مولى أبي حذيفة. ولما نزل هذا قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم فالجنة عليه حرام» ـ أخرجه الشيخان عن سعد بن أبي وقاص وأبي بكرة رضي الله عنهما.

ولما كانت عادتهم الخوف مما سبق من أحوالهم على النهي لشدة ورعهم ، أخبرهم أنه تعالى أسقط عنهم ذلك لكونه خطأ ، وساقه على وجه يعم ما بعد النهي أيضا فقال :( وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ ) أي إثم وميل واعوجاج ، وعبر بالظرف ليعيد أن الخطأ لا إثم فيه بوجه ، ولو عبر بالباء لظن أن فيه إثما ، ولكنه عفا عنه فقال :( فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ ) أي من الدعاء بالبنوة والمظاهرة أو في شيء قبل النهي أو بعده ، ودل قوله :( وَلكِنْ ما ) أي الإثم فيما( تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ) على زوال الحرج أيضا فيما وقع بعد النهي على سبيل النسيان أو سبق اللسان ، ودل تأنيث الفعل على أنه لا يتعمده بعد البيان الشافي إلا قلب فيه رخاوة الأنوثة ، ودل جمع الكثرة على عموم الإثم إن لم ينه المتعمد.

ولما كان هذا الكرم خاصا بما تقدمه ، عم سبحانه بقوله :( وَكانَ اللهُ ) أي لكونه لا أعظم منه ولا أكرم منه( غَفُوراً رَحِيماً ) أي من صفته الستر البليغ على المذنب النائب ، والهداية العظيمة للضال الآئب ، والإكرام بإيتاء الرغائب.

٧٤

( النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً (٦) وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (٧) لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً (٨) )

ولما نهى سبحانه عن التبني ، وكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قد تبنى زيد بن حارثة مولاه لما اختاره على أبيه وأمه ، علل سبحانه النهي فيه بالخصوص بقوله دالا على أن الأمر أعظم من ذلك :( النَّبِيُ ) أي الذي ينبئه الله بدقائق الأحوال في بدائع الأقوال ، ويرفعه دائما في مراقي الكمال ، ولا يريد أن يشغله بولد ولا مال( أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ ) أي الراسخين في الإيمان ، فغيرهم أولى في كل شيء من أمور الدين والدنيا لما حازه من الحضرة الربانية( مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) فضلا عن آبائهم في نفوذ حكمه فيهم ووجوب طاعته عليهم ، لأنه لا يدعوهم إلا إلى العقل والحكمة ، ولا يأمرهم إلا بما ينجيهم ، وأنفسهم إنما تدعوهم إلى الهوى والفتنة فتأمرهم بما يرديهم ، فهو يتصرف فيهم تصرف الآباء بل الملوك بل أعظم بهذا السبب الرباني ، فأيّ حاجة له إلى السبب الجسماني( وَأَزْواجُهُ ) أي اللاتي دخل بهن لما لهن من حرمته( أُمَّهاتُهُمْ ) أي المؤمنين من الرجال خاصة دون النساء ، لأنه لا محذور من جهة النساء ، وذلك في الحرمة والإكرام ، والتعظيم والاحترام ، وتحريم النكاح دون جواز الخلوة والنظر وغيرهما من الأحكام ، لا فرق بينهن وبين الأمهات في ذلك أصلا ، فلا يحل انتهاك حرمتهن بوجه ولا الدنو من جنابهن بنوع نقص ، لأن حق النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم على أمته أعظم من حق الوالد على ولده ، وهو حي في قبره وهذا أمر جعله الله وهو الذي إذا جعل شيئا كان ، لأن الأمر أمره والخلق خلقه ، وهو العالم بما يصلحهم وما يفسدهم( أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) [الملك : ١٤] روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال : «ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة ، اقرؤوا إن شئتم( النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) فأيما مؤمن ترك مالا فلترثه عصبته من كانوا ، فإن ترك دينا أو ضياعا فليأتني وأنا مولاه ».

ولما رد الله سبحانه الأشياء إلى أصولها ، ونهى عن التشتت والتشعب ، وكان من ذلك أمر التبني ، وكان من المتفرع عليه الميراث بما كان قديما من الهجرة والنصرة والأخوة التي قررها النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لما كان الأمر محتاجا إليها ، وكان ذلك قد نسخ بالآية التي في آخر الأنفال ، وهي قبل هذه السورة ترتيبا ونزولا ، وكان ما ذكر هنا فردا داخلا

٧٥

في عموم العبارة في تلك الآية ، أعادها منا تأكيدا وتنصيصا على هذا الفرد للاهتمام به مع ما فيها من تفصيل وزيادة فقال :( وَأُولُوا الْأَرْحامِ ) أي القرابات بأنواع النسب من النبوة وغيرها( بَعْضُهُمْ أَوْلى ) بحق القرابة( بِبَعْضٍ ) في جميع المنافع العامة للدعوة والإرث والنصرة والصلة( فِي كِتابِ اللهِ ) أي قضاء الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد معه ، وحكمه كما تقدم في كتابكم هذا ، وكما أشار إليه الحديث الماضي آنفا.

ولما بين أنهم أولى بسبب القرابة ، بين المفصل عليه فقال :( مِنْ ) أي هم أولى بسبب القرابة من( الْمُؤْمِنِينَ ) الأنصار من غير قرابة مرجحة( وَالْمُهاجِرِينَ ) المؤمنين من غير قرابة كذلك ، ولما كان المعنى : أولى في كل نفع ، استثنى منه على قاعدة الاستثناء من أعم العام قوله ، لافتا النظم إلى أسلوب الخطاب ليأخذ المخاطبون منه أنهم متصفون بالرسوخ في الإيمان الذي مضى ما دل عليه في آية الأولوية من التعبير بالوصف ، فيحثهم ذلك على فعل المعروف :( إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا ) أي حال كونكم موصلين ومسندين( إِلى أَوْلِيائِكُمْ ) بالرق أو التبني أو الحلف في الصحة مطلقا وفي المرض من الثلث تنجيرا أو وصية( مَعْرُوفاً ) تنفعونهم به ، فيكون حينئذ ذلك الولي مستحقا لذلك ، ولا يكون ذو الرحم أولى منه ، بل لا وصية لوارث.

ولما أخبر أن هذا الحكم في كتاب الله ، أعاد التنبيه على ذلك تأكيدا قلعا لهذا الحكم الذي تقرر في الأذهان بتقريره سبحانه فيما مضى فقال مستأنفا :( كانَ ذلِكَ ) أي الحكم العظيم( فِي الْكِتابِ ) أي القرآن في آخر سورة الأنفال( مَسْطُوراً ) بعبارة تعمه ، قال الأصبهاني : وقيل : في التوراة ، لأن في التوراة : إذا نزل رجل بقوم من أهل دينه فعليهم أن يكرموه ويواسوه ، وميراثه لذوي قرابته ، فالآية من الاحتباك : أثبت وصف الإيمان أولا دليلا على حذفه ثانيا ووصف الهجرة ثانيا دليلا على حذف النصرة أولا.

ولما كان نقض العوائد وتغيير المألوفات مما يشق كثيرا على النفوس ، ويفرق المجتمعين ، ويقطع بين المتواصلين ، ويباعد بين المتقاربين ، قال مذكرا لهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بما أخذ على من قبله من نسخ أديانهم بدينه ، وتغيير مألوفاتهم بإلفه ، ومن نصيحة قومهم بإبلاغهم كل ما أرسلوا به ، صارفا القول إلى مظهر العظمة لأنه أدعى إلى قبول الأوامر :( وَإِذْ ) فعلم أن التقدير : اذكر ذلك ـ أي ما سطرناه لك قبل هذا في كتابك ، واذكر إذ( أَخَذْنا ) بعظمتنا( مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ ) في تبليغ الرسالة في المنشط والمكره ، وفي تصديق بعضهم لبعض ، وفي اتباعك فيما أخبرناك به في قولنا( لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ ) [آل عمران : ٨١] وقولهم : أقررنا.

٧٦

ولما ذكره ما أخذ على جميع الأنبياء من العهد في تغيير مألوفاتهم إلى ما يأمرهم سبحانه به من إبلاغ ما يوحى إليهم والعمل بمقتضاه ، ذكره ما أخذ عليه من العهد في التبليغ فقال :( وَمِنْكَ ) أي في قولنا في هذه السورة اتق الله( وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ ) وفي المائدة( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) [المائدة : ٦٧] فلا تهتم بمراعاة عدو ولا خليل حقير ولا جليل ، ولما أتم المراد إجمالا وعموما ، وخصهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من ذلك العموم مبتدئا به بيانا لتشريفه ولأنه المقصود بالذات بالأمر بالتقوى واتباع الوحي لأجل التبني وغيره ، أتبعه بقية أولي العزم الذين هم أصحاب الكتب ومشاهير أرباب الشرائع ، تأكيدا للأمر وتعظيما للمقام ، لأن من علم له شركا في أمر اجتهد في سبقه فيه ، ورتبهم على ترتيبهم في الزمان لأنه لم يقصد المفاضلة بينهم ، بل التآسية بالمتقدمين والمتأخرين فقال :( وَمِنْ نُوحٍ ) أول الرسل إلى المخالفين( وَإِبْراهِيمَ ) أبي الأنبياء( وَمُوسى ) أول أصحاب الكتب من أنبياء بني إسرائيل( وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ) ختامهم ، نسبه إلى أمه مناداة على من ضلّ فيه بالتوبيخ والتسجيل بالفضيحة ؛ ثم زاد في تأكيد الأمر وتعظيمه تعظيما للموثق فيه ، وإشارة إلى مشقته ، فقال مؤكدا بإعادة العامل ومظهر العظمة لصعوبة الرجوع عن المألوف :( وَأَخَذْنا مِنْهُمْ ) أي بعظمتنا في ذلك( مِيثاقاً غَلِيظاً ) استعارة من وصف الأجرام العظام كناية عن أنه لا يمكن قطعه لمن أراد الوصلة بنا.

ولما كان الأخذ على النبيين في ذلك أخذا على أممهم ، وكان الكفر معذبا عليه من غير شرط ، والطاعة مثابا عليها بشرط الإخلاص علله ، معبرا بما هو مقصود السورة فقال ملتفتا إلى مقام الغيبة لتعظيم الهيبة لأن الخطاب إذا طال استأنس المخاطب :( لِيَسْئَلَ ) أي يوم القيامة( الصَّادِقِينَ ) أي في الوفاء بالعهد( عَنْ صِدْقِهِمْ ) هل هو لله خالصا أو لا ، تشريفا لهم وإهانة وتبكيتا للكاذبين ، ويسأل الكافرين عن كفرهم ما الذي حملهم عليه ، والحال أنه أعد للصادقين ثوابا عظيم( وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ ) أي الساترين لإشراق أنوار الميثاق( عَذاباً أَلِيماً ) فالآية ، من محاسن رياض الاحتباك ، وإنما صرح بسؤال الصادق بشارة له بتشريفه في ذلك الموقف العظيم ، وطوى سؤال الكفار إشارة إلى استهانتهم بفضيحة الكذب( وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) [المجادلة : ١٤]( فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ ) [المجادلة : ١٨] وذكر ما هو أنكى لهم.

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (٩) إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا (١٠) )

٧٧

ولما أكد سبحانه وجوب الصدع بكل أمره وإن عظمت مشقته وزادت حرقته من غير ركون إلى مؤالف موافق ، ولا اهتمام بمخالف مشاقق ، اعتمادا على تدبيره ، وعظيم أمره في تقديره ، ذكرهم بدليل شهودي هو أعظم وقائعهم في حروبهم ، وأشد ما دهمتهم من كروبهم ، فقال معلما أن المقصود بالذات بما مضى من الأوامر الأمة ـ وإنما وجه الأمر إلى الإمام ليكون أدعى لهم إلى الامتثال فإن الأمر للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم تكويني بمنزلة ما يقول الله تعالى له (كن) فحقيقته الإرادة لا الأمر ، والأمر للذين آمنوا تكليفي. وقد يراد منهم ما يؤمرون به وقد لا يراد ، وللناس احتجاجي أي تقام به عليهم الحجة ، ومن المحقق أن بعضهم يراد منه خلاف المأمور به :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) أي أقروا بالإيمان ، عبر به ليعم المنافقين( اذْكُرُوا ) ورغبهم في الشكر بذكر الإحسان والتصريح بالاسم الأعظم فقال :( نِعْمَةَ اللهِ ) عبر بها لأنها المقصودة بالذات والمراد إنعام الملك الأعلى الذي لا كفوء له( عَلَيْكُمْ ) أي لتشكروه عليها بالنفوذ لأمره غير ملتفتين إلى خلاف أحد كائنا من كان ، فإن الله كافيكم كل ما تخافون ثم ذكر لهم وقت تلك النعمة زيادة في تصويرها ليذكر لهم ما كان فيه منها فقال :( إِذْ ) أي حين( جاءَتْكُمْ ) أي في غزوة الخندق حين اجتمعت عليكم الأحزاب وكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ضربه حين سمع بهم بمشورة سلمان الفارسي رضي الله عنه على جانبي سلع من شماليه ، وخطه وقطع لكل عشرة رجال أربعين ذراعا ، وكانوا ثلاثة آلاف ، فكان الخندق اثني عشر ألف ذراع( جُنُودٌ ) وهم الأحزاب من قريش ومن انضم إليه من الأحابيش في أربعة آلاف يقودهم أبو سفيان ابن حرب ، ومن انضم من قبائل العرب من بني سليم يقودهم أبو الأعور ، ومن بني عامر يقودهم عامر بن الطفيل ، ومن غطفان يقودهم عيينة بن حصن ، ومن بني أسد يقودهم طليحة بن خويلد ، ومن أسباط بني إسرائيل من اليهود ومن بني النضير ورؤسائهم حيي بن أخطب وابنا أبي الحقيق ، وهم الذين جمعوا الأحزاب بسبب إجلاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لبني النضير من المدينة الشريفة ، وأفسدوا أيضا بني قريظة ، وكانوا بالمدينة الشريفة وسيدهم كعب بن أسد ، فكان الجميع اثني عشر ألفا ، وكانوا واثقين في زعمهم بأنهم لا يرجعون وقد بقي للإسلام باقية ، ولا يكون لأحد من أهله منهم واقية.

ولما كان مجيء الجنود مرهبا ، سبب عنه عوده إلى مظهر العظمة فقال :( فَأَرْسَلْنا ) أي تسبب عن ذلك أنا لما رأينا عجزكم عن مقابلتهم ومقاومتهم في مقاتلتهم ألهمناكم عمل الخندق ليمنعهم من سهولة الوصول إليكم ، ثم لما طال مقامهم أرسلنا بما لنا من العظمة( عَلَيْهِمْ ) أي خاصة( رِيحاً ) وهي ربح الصبا ، فأطفأت نيرانهم. وأكفأت قدورهم وجفانهم ، وسفت التراب في وجوههم ، ورمتهم بالحجارة وهدت

٧٨

خيامهم ، وأوهنت ببردها عظامهم ، وأجالت خيلهم( وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها ) يصح أن تكون الرؤية بصرية وقلبية ، منها من البشر نعيم بن مسعود الغطفاني رضي الله عنه هداه الله للإسلام ، فأتى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وقال : إنه لم يعلم أحد بإسلامي ، فمرني يا رسول الله بأمرك! فقال : «إنما أنت فينا رجل واحد والحرب خدعة ، فخذل عنا مهما استطعت» فأخلف بين اليهود وبين العرب بأن قال لليهود وكانوا أصحابه : إن هؤلاء ـ يعني العرب ـ إن رأوا فرصة انتهزوها وإلا انشمروا إلى بلادهم راجعين. وليس حالكم كحالهم ، البلد بلدكم وبه أموالكم ونساؤكم وأبناؤكم ، فلا تقاتلوا معهم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم ليكونوا عندكم حتى تناجزوا الرجل ، فإنه ليس لكم بعد طاقة إذا انفرد بكم ، فقالوا : أشرت بالرأي ، فقال : فاكتموا عني ، وقال لقريش : قد علمتم صحبتي لكم وفراقي لمحمد ، وقد سمعت أمرا ما أظن أنكم تتهمونني فيه ، فقالوا : ما أنت عندنا بمتهم ، قال : فاكتموا عني ، قالوا : نفعل ، قال : إن اليهود قد ندموا على نقض ما بينهم وبين محمد وأرسلوا إليه : إنا قد ندمنا فهل ينفعنا عندك أن نأخذ لك من القوم جماعة من أشرافهم تضرب أعناقهم ، ونكون معك على بقيتهم ، حتى تفرغ منهم لتكف عنا. وتعيد لنا الأمان ، قال : نعم ، فإن أرسلوا إليكم فلا تدفعوا إليهم رجلا واحدا ، ثم أتى غطفان فقال : إنكم أصلي وعشيرتي وأحب الناس إليّ ، قالوا : صدقت ، ثم قال لهم مثل ما قال لقريش واستكتمهم ، فأرسلت إليهم قريظة يطلبون منهم رهنا فقالوا : صدق نعيم ، وأبوا أن يدفعوا إليهم أحدا ، فقالت قريظة : صدق نعيم ، فتخاذلوا واختلفت كلمتهم ، فانكسرت شوكتهم ، وبردت حدتهم(١) ، ومنها من الملائكة جبرائيلعليه‌السلام ومن أراد الله منهم ـ على جميعهم أفضل الصلاة والسّلام ، والتحية والإكرام ، فكبروا في نواحي عسكرهم ، وزلزلوا بهم ، وبثوا الرعب في قلوبهم ، فماجت خيولهم ، واضمحل قالهم وقيلهم ، فكان في ذلك رحيلهم ، بعد نحو أربعين يوما أو بضع وعشرين ـ على ما قيل.

ولما أجمل سبحانه القصة على طولها في بعض هذه الآية ، فصلها فقال ذاكرا الاسم الأعظم إشارة إلى أن ما وقع فيها كان معتنى به اعتناء من بذل جميع الجهد وإن كان الكل عليه سبحانه يسيرا :( وَكانَ اللهُ ) الذي له جميع صفات الكمال والجلال والجمال( بِما ) يعملون أي الأحزاب من التحزب والتجمع والتألب والمكر والقصد

__________________

(١) ذكره ابن هشام في السيرة النبوية ٣ / ١٥٤ مطولا في باب قصة نعيم وخداعه للمشركين ا ه وقوله «الحرب خدعة» أخرجه البخاري ٣٠٣٠ ومسلم ١٧٣٩ وأبوا داود ٢٦٣٦ والترمذي ١٦٧٥ وابن حبان ٤٧٦٣ من حديث جابر.

٧٩

السيىء ـ على قراءة البصري ، وأنتم أيها المسلمون من حفر الخندق وغيره من الصدق في الإيمان وغيره ـ على قراءة الباقين( بَصِيراً ) بالغ الإبصار والعلم ، فدبر في هذه الحرب ما كان المسلمون به الأعلين ولم ينفع أهل الشرك قوتهم ، ولا أغنت عنهم كثرتهم ، ولا ضر المؤمنين قلتهم ، وجعلنا ذلك سببا لإغنائهم بأموال بني قريظة ونسائهم وأبنائهم وشفاء لأدوائهم بإراقة دمائهم ـ كما سيأتي ؛ ثم ذكرهم الشدة التي حصلت بتمالئهم فقال مبدلا من( إِذْ ) الأولى :( إِذْ جاؤُكُمْ ) أي الجنود المذكورون بادئا بالأقرب إليهم ، لأن الأقرب أبصر بالعورة وأخبر بالمضرة.

ولما كان من المعلوم أنهم لم يطبقوا ما علا وما سفل ، أدخل أداة التبعيض فقال :( مِنْ فَوْقِكُمْ ) يعني بني قريظة وأسد وغطفان من ناحية مصب السيول من المشرق ، وأضاف الفوق إلى ضميرهم لأن العيال كانوا في الآكام ، وهي بين بني قريظة وبين من في الخندق ، فصاروا فوق العيال والرجال.

ولما كان المراد الفوقية من جهة علو الأرض ، أوضحها بقوله :( وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ ) دون أن يقول : أسفلكم ، وأفاد ذلك أيضا أن من في الأسفل إنما أحاطوا ببعض جهة الرجال فقط ، ولم يقل «ومن تحتكم» لئلا يظن أنه فوق الرؤوس وتحت الأرجل ، ولم يقل في الأول «من أعلى منكم» لئلا يكون فيه وصف للكفرة بالعلو ، وأسفل الأرض المدينة من ناحية المغرب يعني قريشا ، ومن لافّها من كنانة فإن طريقهم من تلك الجهة.

ولما ذكرهم بالمجيء الذي هو سبب الخوف ، ذكرهم بالخوف بذكر ظرفه أيضا مفخما لأمره بالغطف فقال :( وَإِذْ ) أي واذكروا حين ، وأنث الفعل وما عطف عليه لأن التذكير الذي يدور معناه على القوة والعلو والصلابة ينافي الزيغ فقال :( زاغَتِ الْأَبْصارُ ) أي مالت عن سداد القصد فعل الواله الجزع بما حصل من الغفلة الناشئة عن الدهشة الحاصلة من الرعب ، وقطع ذلك عن الإضافة إلى كاف الخطاب إبقاء عليهم وتعليما للأدب في المخاطبة ، وكذا( وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ ) كناية عن شدة الرعب والخفقان ، ويجوز ـ وهو الأقرب ـ أن يكون ذلك حقيقة بجذب الطحال والرئة لها عند ذلك بانتفاخهما إلى أعلى الصدر ، ومنه قولهم للجبان : انتفخ منخره أي رئته( الْحَناجِرَ ) جمع حنجرة ، وهي منتهى الحلقوم ، ومن هذا قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فيما رواه أحمد وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه «شر ما في الإنسان جبن خالع»(١) أي يخلع القلب من مكانه ، وجمع الكثرة إشارة إلى أن ذلك عمهم أو كاد.

__________________

(١) أخرجه أحمد ٢ / ٣٠٢ ـ ٣٢٠ وأبو داود ٢٥١١ وابن أبي شيبة ٩ / ٩٨ وابن حبان ٣٢٥٠ والبخاري في التاريخ ٦ / ٨ ـ ٩ والبيهقي ٩ / ١٧٠ وأحمد ٢ / ٣٢٠ من حديث أبي هريرة وإسناده جيد.

٨٠