نظم الدّرر الجزء ٧

نظم الدّرر0%

نظم الدّرر مؤلف:
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 631

نظم الدّرر

مؤلف: برهان الدين البقاعي
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
تصنيف:

الصفحات: 631
المشاهدات: 153
تحميل: 18


توضيحات:

بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 631 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 153 / تحميل: 18
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 7

مؤلف:
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
العربية

يتجدد لهم نوع إغناء مبتدىء( مِنَ اللهِ ) المحيط بكل شيء قدرة وعلما واصل إليه ، وكل ما لا يكون ذا وصلة به فهو عدم( شَيْئاً ) من إغناء إن تبعتهم كما أنهم لن يقدروا لك على شيء من أذى إن خالفتهم وناصبتهم.

ولما كان التقدير : فإنهم ظلمة لا يضعون شيئا في موضعه ، ومن اتبعهم فهو منهم قال تعالى عاطفا عليه :( وَإِنَ ) وكان الأصل : وإنهم ولكنه أظهر للاعلام بوصفهم فقال :( الظَّالِمِينَ ) أي العريقين في هذا الوصف الذميم( بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ) فلا ولاية ـ أي قرب ـ بينهم وبين الحكيم أصلا لتباعد ما بين الوصفين فكانت أعمالهم كلها باطلة لبنائها على غير أساس خلافا لمن يظن بها غير ذلك تقيدا بالأمور الظاهرة في هذه الدار( وَاللهُ ) أي الذي له جميع صفات الجلال والجمال والعز والكمال( وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ ) الذين همهم الأعظم الاتصاف بالحكمة باتخاذ الوقايات المنجية لهم من سخط الله ولا ولاية بينه وبين الظالمين.

( هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٢١) وَخَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٢) )

ولما أوصل سبحانه إلى هذا الحد من البيان ، الفائت لقوى الإنسان ، قال مترجما عنه :( هذا ) أي الوحي المنزل. ولما كان في عظم بيانه وإزالة اللبس عن كل ملبس دق أو جل بحيث لا يلحقه شيء من خفاء ، جعله نفس البصيرة ، مجموعة جمع كثرة بصيغة منتهى الجموع كما جعله روحا فقال :( بَصائِرُ لِلنَّاسِ ) أي الذين هم في أدنى المراتب ، يبصرهم بما يضرهم وما ينفعهم ، فما ظنك بمن فوقهم من الذين آمنوا ثم الذين يؤمنون ومن فوقهم.

ولما بين ما هو لأهل السفول ، بين ما هو لأهل العلو فقال تعالى :( وَهُدىً ) أي قائد إلى كل خير ، مانع من كل زيغ( وَرَحْمَةٌ ) أي كرامة وفوز ونعمة( لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) أي ناس فيهم قوة القيام بالوصول إلى العلم الثابت وتجديد الترقي في درجاته إلى ما لا نهاية له أبدا. ولما كان التقدير بعد هذا البيان الذي لم يدع لبسا في أمر الحساب بما حده من الملك الذي يوجب ما له من العظمة والحكمة أن يحاسب عبيده لثواب المحسن وعقاب المسيء : أعلم هؤلاء المخاطبون ـ لأنهم لا يعدون أن يكونوا من الناس أو من الذين يوقنون بهذه البصائر لما لهم من حسن الغرائز المعلية لهم عن حضيض الحيوان إلى أوج الإنسان أنا نفرق بين المسيئين الذين بعضهم أولياء بعض وبين

١٠١

المحسنين الذين نحن أولياؤهم ، عطف عليه سبحانه وتعالى قوله :( أَمْ ) قال الأصبهاني : قال الإمام : كلمة وضعت للاستفهام عن شيء حال كونه معطوفا على آخر سواء كان المعطوف مذكورا أو مضمرا ـ انتهى. وكان الأصل : حسبوا ، ولكنه عدل عنه للتنبيه على أن ارتكاب السوء معم للبصيرة مضعف للعقل كما أفاده التعبير بالحسبان كما تقدم بيانه في البقرة فقال :( حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا ) أي فعلوا بغاية جهدهم ونزوع شهواتهم( السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ ) مع ما لنا من العظمة المانعة من الظلم المقتضية للحكمة( كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا ) تصديقا لإقرارهم ظاهرا وباطنا وسرا وعلانية( الصَّالِحاتِ ) بأن نتركهم بلا حساب للفصل بين المحسن والمسيء.

ولما كانت المماثلة مجملة ، بينها استئنافا بقوله مقدما ما هو عين المقصود من الجملة الأولى :( سَواءً ) أي مستو استواء عظيما( مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ) أي حياتهم وموتهم وزمان ذلك ومكانه في الارتفاع والسفول واللذة والكدر وغير ذلك من الأعيان والمعاني. ولما كان هذا مما لا يرضاه أحد لمن تحت يده ولا لغيره ، قال معبرا بمجمع الذم :( ساءَ ما يَحْكُمُونَ ) أي بلغ حكمهم هذا في نفسه ولا سيما وهم بإصرارهم عليه في تجديد له كل ساعة أقصى نهايات السوء ، فهو مما يتعجب منه ، لأنه لا يدري الحامل عليه ، وذلك أنهم نسبوا الحكيم الذي لا حكيم في الحقيقة غيره إلى ما لا يفعله أقل الناس فيمن تحت يده.

ولما أنكر التسوية وذمهم على الحكم بها ، أتبع ذلك الدليل القطعي على أن الفريقين لا يستويان وإلا لما كان الخالق لهذا الوجود عزيزا ولا حكيما ، فقال دالا على إنكار التسوية وسوء حكمهم بها ، عاطفا على ما تقديره : فقد خلق الله الناس كلهم بالحق وهو الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع ، وهو ثبات أعمال المحسنين وبطلان أفعال المسيئين ، عطف عليه قوله :( وَخَلَقَ اللهُ ) أي الذي له جميع أوصاف الكمال ولا يصح ولا يتصور أن يلحقه نوع نقص( السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ) اللتين هما ظرف لكم وابتدئت السورة بالتنبيه على آياتهما ، خلقا ملتبسا( بِالْحَقِ ) فلا يطابق الواقع فيهما أبدا شيئا باطلا ، فمتى وجد سبب الشيء وانتفى مانعه وجد ، ومتى وجد مانع الشيء وانتفى سببه انتفى ، لا يتخلف ذلك أصلا ، ولذلك جملة ما وقع من خلقهما طابقه الواقع الذي هو قدرة الله وعلمه وحكمته وجميع ما له من صفات الكمال التي دل خلقهما عليها ، فإذا كان الظرف على هذا الإحكام فما الظن بالمظروف الذي ما خلق الظرف إلا من أجله ، هل يمكن في الحكمة أن يكون على غير ذلك فيكون الواقع الذي هو تفضيل المحسن على المسيء غير مطابق لأحوالهم ، ومن جملة المظروف ما بينهما فلذا لم يذكر هنا ، ولو كان ذلك من غير بعث ومجازاة بحسب الأعمال لما كان هذا الخلق العظيم بالحق بل بالباطل الذي تعالى عنه الحكيم فكيف وهو أحكم الحاكمين.

١٠٢

ولما كان التقدير : ليكون كل مسبب مطابقا لأسبابه ، عطف عليه قوله :( وَلِتُجْزى ) بأيسر أمر( كُلُّ نَفْسٍ ) أي منكم ومن غيركم( بِما ) أي بسبب الأمر الذي. ولما كان السياق للعموم ، وكان المؤمن لا يجزى إلا بما عمله على عمد منه وقصد ليكتب في أعماله ، عبر بالكسب الذي هو أخص من العمل فقال :( كَسَبَتْ ) أي كسبها من خير أو شر ، فيكون ما وقع الوعد به مطابقا لكسبها( وَهُمْ ) أي والحال أنهم( لا يُظْلَمُونَ ) أي لا يوجد من موجد ما في وقت من الأوقات جزاء لهم في غير موضعه ، وهذا على ما جرت به عوائدكم في العدل والفضل ، ولو وجد منه سبحانه غير ذلك لم يكن ظلما منه لأنه المالك المطلق والملك الأعظم ، فلو عذب أهل سماواته وأهل أرضه كلهم لكان غير ظالم لهم في نفس الأمر ، فهذا الخطاب إنما هو على ما نتعارفه من إقامة الحجة بمخالفة الأمر.

( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٣) )

ولما بين غاية البيان أنه الإله وحده بما له من الإحاطة بجميع صفات الكمال ، وأنه لا بد من جمعه الخلائق ليوم الفصل للحكم بينهم بما له من الحكمة والقدرة ، وحقر الهوى ونهى عن اتباعه ، وكانوا هم قد عظموه بحيث جعلوه معبودا ، فلزم من ذلك تحقيرهم الإله ، ولم يرجعوا عن ضلالهم ، تسبب عن ذلك التعجيب ممن يظن أنه يقدر على رد أحد منهم عن غيه بشيء من الأشياء فقال :( أَفَرَأَيْتَ ) أي أعلمت علما هو في تيقنه كالمحسوس بحاسة البصر التي هي أثبت الحواس( مَنِ اتَّخَذَ ) أي بغاية جهده واجتهاده( إِلهَهُ هَواهُ ) أي حول وصف الإله حتى صار هوى لنفسه ، فهو تابع لهواه ليس غير ، فهو في أودية الضلال يهيم على غير سنن فهو معرّض لكل بلاء ، فخسر أكثر من ربحه لكونه بلا دليل ، والدليل على أنهم لا يعبدون إلا مجرد الهوى ما رواه البخاري في وفد بني حنيفة من المغازي من صحيحه عن أبي رجاء العطاردي وهو مخضرم ثقة أدرك الجاهلية ومات سنة خمس ومائة عن مائة وعشرين سنة ، قال : كنا نعبد الحجر ، فإذا وجدنا حجرا أحسن منه ألقيناه وأخذنا الآخر ، فإذا لم نجد حجرا جمعنا جثوة من تراب ثم جئنا بالشاة فحلبنا عليه ثم طفنا به(١) ـ انتهى. ومع ذلك فكيفما قلبت أمرهم وجدته شعبة يسيرة من كفر الاتحادية ، وكل متشبثات قريش التي عابهم الله بها تشبثت بها الاتحادية حتى قولهم( ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى )

__________________

(١) البخاري ٤٣٧٦.

١٠٣

[الزمر : ٣] ولو قدم الهوى لكان المعنى أنه حول وصفه إلى الألوهية فاضمحل الهوى ، ولم يبق إلا ما ينسب إلى الإلهية كما اضمحل الطين في : اتحدت الطين حرقا ، فصار المعنى أن العابد لا يتحرك إلا بحسب ما يأمره به الإله ويصير التركيب يفيد تعظيمه بغلبة الإثبات وإذهاب الهوى غاية الإذهاب ، ولو كان التقديم في هذا بحسب السياق من غير اختلاف المعنى لقدم هنا الهوى لأن السياق والسباق له وقد تقدم في سورة الفرقان ما ينفع هنا ومفعول «رأى» الثاني مقدر يدل عليه قوله آخر الكلام( فَمَنْ يَهْدِيهِ ) تقديره : أيمكن أحدا غير الله هدايته ما دام هواه موجودا ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : ما ذكر الله هوى في القرآن إلا ذمه ـ انتهى. ومعناه أنه يهوي بصاحبه في الهواء الممدود وهو الفضاء ، أي ينزل به عن درجة عليا إلى ما دونها. فهو في سفول ما دام تابعا له لأنه بحيث لا قرار ولا تمكن ، فلذلك هو يوجب الهوان ، قال الأصبهاني : سئل ابن المقفع عن الهوى ، فقال : هوان سرقت نونه ، فنظمه من قال :

نون الهوان من الهوى مسروقة

وأسير كل هوى أسير هوان

وقال آخر ولم يخطىء المعنى وأجاد :

إن الهوى لهو الهوان بعينه

فإذا هويت فقد لقيت هوانا

( وَأَضَلَّهُ اللهُ ) أي بما له من الإحاطة( عَلى عِلْمٍ ) منه بما فطر عليه من أنه لا يكون أثر بلا مؤثر ، ومن أنه لا يكون منفردا بالملك إلا وهو مستحق للتفرد بالعبادة ، وهو أنه لم يخلق الكون إلا حكيم ، وأن الحكيم لا يدع من تحت يده يبغي بعضهم على بعض من غير فصل بينهم لا سيما وقد وعد بذلك ولا سيما والوعد بذلك في أساليب الإعجاز التي هم أعرف الناس بها ، أو على علم من المضل بأن الضال مستحق لذلك لأنه جبله جبلة شر.

ولما كان الضال أحوج إلى سماع صوت الهادي منه إلى غيره ، وكان من لا ينتفع بما هو له في حكم العادم له قال :( وَخَتَمَ ) أي زيادة على الإضلال الحاضر( عَلى سَمْعِهِ ) فلا فهم له في الآيات المسموعة. ولما كان الأصم قد يفهم بالإشارة قال :( وَقَلْبِهِ ) أي فهو لا يعي ما من حقه وعيه. ولما كان المجنون الأصم قد يبصر مضاره ومنافعه فيباشرها مباشرة البهائم قال :( وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً ) فصار لا يبصر الآيات المرئية ، وترتيبها هكذا لأنها في سياق الإضلال كما تقدم في البقرة.

ولما صار هذا الإنسان الذي صار لا يسمع الهادي فيقصده ولا يعي المعاني لينتفع بما تقدم له علمه ، ولا يبصر حق البصر ليهتدي ببصره دون رتبة الحيوان ، قال تعالى منكرا مسببا للإنكار عما تقدمه :( فَمَنْ يَهْدِيهِ ) وأشار إلى قدرة الله عليه بقوله :( مِنْ

١٠٤

بَعْدِ اللهِ ) أي إضلال الذي له الإحاطة بكل شيء. ولما كان من المعلوم قطعا أنه لا هادي له غيره ، سبب عنه الإنكار لعدم التذكر حثا على التذكر فقال مشيرا بإدغام تاء التفعل إلى عدم الاحتياج بسبب وضوحه إلى كثير تذكر :( أَفَلا تَذَكَّرُونَ ) أي يكون لكم نوع تذكر فتذكرون أنهم لا يسمعون الآيات المتلوة ولا يعتبرون بالآيات المرئية مع ما لكل منهما من الظهور ، وأن من كان هذا حاله فلا سبيل لمخلوق مثله إلى هدايته.

( وَقالُوا ما هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (٢٤) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥) قُلِ اللهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢٦) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧) )

ولما كان التقدير للدلالة على الختم على مشاعرهم ، فقد قالوا مع اعترافهم بتفرده تعالى بخلقهم ورزقهم وخلق جميع الموجودات في إنكار الوحدانية : إن له شركاء ، عطف عليه قوله :( وَقالُوا ) أي في إنكارهم البعث مع اعترافهم بأنه قادر على كل شيء ومعرفتهم أنه قد وعد بذلك في الأساليب المعجزة وأنه لا يليق بحكيم أصلا أن يدع من تحت يده يتهارجون من غير حكم بينهم :( ما هِيَ ) أي الحياة( إِلَّا حَياتُنَا ) أي أيها الناس( الدُّنْيا ) أي هذه التي نحن فيها مع أن تذكر مدلول هذا الوصف الذي هو أمر نسي لا يعقل إلا بالإضافة إلى حياة أخرى بعدى كاف في إثبات البعث.

ولما أثبتوا بادعائهم الباطل هذه الحياة أتبعوها حالها فقالوا :( نَمُوتُ وَنَحْيا ) أي تنزع الروح من بعض فيموت ، وتنفخ في بعض آخر فيحيى ، وليس وراء الموت حياة أخرى للذي مات ، فقد أسلخوا أنفسهم بهذا القول من الإنسانية إلى البهيمية لوقوفهم مع الجزئيات. ولما كان هلاكهم في زعمهم لا آخر له ، عدوا الحياة في جنبه عدما فلم يذكروها وقالوا بجهلهم :( وَما يُهْلِكُنا ) أي بعد هذه الحياة( إِلَّا الدَّهْرُ ) أي الزمان الطويل بغلبته علينا بتجدد إقباله وتجدد إدبارنا بنزول الأمور المكروهة بنا ، من دهره ـ إذا غلبه. ولما أسند إليهم هذا القول الواهي ، بين حالهم عند قوله فقال تعالى :( وَما ) أي قالوه والحال أنه ما( لَهُمْ بِذلِكَ ) أي القول البعيد من الصواب وهو أنه لا حياة بعد هذه ، وأن الهلاك منسوب إلى الدهر على أنه مؤثر بنفسه ، وأعرق في النفي فقال :( مِنْ عِلْمٍ ) أي كثير ولا قليل( إِنْ ) أي ما( هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ) بقرينة أن الإنسان كلما تقدم في السن ضعف ، وأنه لم يرجع أحد من الموتى.

ولما كان هذا من قولهم عجبا ، زاده عجبا بحالهم عند سماعهم للبراهين القطعية ،

١٠٥

فقال عاطفا على( قالُوا ) :( وَإِذا تُتْلى ) أي تتابع بالقراءة من أيّ تال كان( عَلَيْهِمْ آياتُنا ) أي على ما لها من العظمة في نفسها وبالإضافة إلينا حال كونها( بَيِّناتٍ ) أي في غاية المكنة في الدلالة على البعث ، فلا عذر لهم في ردها( ما كانَ ) أي بوجه من وجوه الكون( حُجَّتَهُمْ ) أي قولهم الذي ساقوه مساق الحجة ، وهو لا يستحق أن يسمى شبهة( إِلَّا أَنْ قالُوا ) قولا ذميما ولم ينظروا إلى مبدئهم( ائْتُوا ) أيها التالون للحجج البينة من النبي ـصلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ وأتباعه الذين اهتدوا بهداه( بِآبائِنا ) الموتى ، وحاصل هذا أنه ما كان لهم حجة إلا أن أتوا بكلام معناه : ليس لنا حجة لأنه ليس فيه شبهة فضلا عن حجة ، وما كفاهم مناداتهم على أنفسهم بالجهل حتى عرضوا لأهل البينات بالكذب فقالوا :( إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) أي عريقين في الكون في أهل الصدق الراسخين فيه من أنه سبحانه وتعالى يبعث الخلق بعد موتهم ، وذلك استبعاد منهم لأن يقدر على جمع الجسم بعد ما يلي ، وهم يقرون بأنه الذي خلق ذلك الجسم ابتداء ، ومن المعلوم قطعا أن من قدر على إنشاء شيء من العدم قدر على إعادته بطريق الأولى.

ولما كان سبحانه وتعالى إنما يقبل الإيمان عند إمكان تصوره ، وذلك إذا كان بالغيب لم يجبهم إلى إحياء آبائهم إكراما لهذه الأمة لشرف نبيها عليه أفضل الصلاة والسّلام لأن سنته الإلهية جرت بأن من لم يؤمن بعد كشف الأمر بإيجاد الآيات المقترحات أهلكه كما فعل بالأمم الماضية ، فرفعهم عن الحس إلى التدريب على الحجج العقلية فقال آمرا لهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بالجواب بقوله تعالى :( قُلِ اللهُ ) أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما وحكمة( يُحْيِيكُمْ ) أي يجدد هذا تجديدا لا يحصى كما أنتم به مقرون إحياء لأجساد يخترعها من غير أن يكون لها أصل في الحياة( ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ) بأن يجمع أرواحكم من أجسادكم فيستلها منها لا يدع «شيئا» منها في شيء من الجسد وما ذلك على الله بعزيز فإذا هو كما كان قبل الإحياء كما تشاهدون ، ومن قدر على هذا الإبداء على هذا الوجه من التكرر ثم على تمييز ما بث من الروح في حال سلها من تلك الأعضاء الظاهرة عادة مستمرة كان المخبر عنه بأنه يجمع الخلق بعد موتهم من العريقين في الصدق ، فلذلك قال من غير تأكيد :( ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ ) أي بعد التمزق فيعيد فيكم أرواحكم كما كانت بعد طول مدة الرقاد ، منتهين( إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ) أي القيام الأعظم لكونه عاما لجميع الخلائق الذين أماتهم.

ولما صح بهذا الدليل القطعي المدعى ، أنتج قوله :( لا رَيْبَ ) أي شك بوجه من الوجوه( فِيهِ ) بل هو معلوم علما قطعيا ضروريا( وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ ) بما لهم من السفول بما ركبنا فيهم من الحظوظ والشهوات التي غلبت على غريزة العقل فردوا بها

١٠٦

أسفل سافلين في حد النوس وهو التردد لم يرتقوا إلى سن الإيمان( لا يَعْلَمُونَ ) أي لا يتجدد لهم علم لما لهم من النوس والتردد والسفول عن أوج العقل إلى حضيض الجهل ، فهم واقفون مع المحسوسات ، لا يلوح لهم ذلك مع ما له من الظهور لتظهر قدرتنا ويتحقق اسمنا الباطن كما تحقق الظاهر عند من هديناه لعلم ذلك.

ولما دل على قدرته على الإعادة بهذا الدليل الخاص الذي تقديره : فالله الذي ابتدأ خلقكم من الأرض على هذا الوجه قادر على إعادتكم ، عطف عليه دليلا آخر جامعا فقال تعالى :( وَلِلَّهِ ) أي الملك الأعظم وحده( مُلْكُ السَّماواتِ ) كلها( وَالْأَرْضِ ) التي ابتدأكم منها ، ومن تصرف في ملكه بشيء من الأشياء ، كان قادرا على مثله ما دام ملكا.

ولما كان التقدير : له ملك ذلك أبدا ، فهو يفعل فيه اليوم ما تشاهدون مع رفع هذا وخفض هذا ، فلو أن الناس سلموا لقضائه لوصلوا إلى جميع ما وصلوا إليه بالبغي والعدوان ، فإنه لا يخرج شيء عن أمره ولكن أكثر الناس اليوم في ريبهم يترددون ، بنى عليه قوله تعالى :( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ ) أي توجد وتتحقق تحقق القائم الذي هو على كمال تمكنه وتمام أمره الناهض بأعباء ما يريد ، وكرر سبحانه للتهويل والتأكيد قوله :( يَوْمَئِذٍ ) أي إذ تقوم يخسرون ـ هكذا كان الأصل ، ولكنه قال للتعميم والتعليق بالوصف :( يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ ) أي الداخلون في الباطل العريقون في الاتصاف به ، الذين كانوا لا يرضون بقضائي فيستعجلون فيتوصلون إلى مراداتهم بما لم آمر به ، ولا يزالون يبغون إلى أن يأتي الوقت الذي قدرت وصولهم إليها فيه ، فيصلون ويظنون أنهم وصلوا بسعيهم ، وأنهم لو تركوا لما كان لهم ذلك فيخسرون لأجل سعيهم بما جعلت لهم من الاختيار بمرادي فيهم على خلاف أمري ، خسارة مستمرة التجدد لا انفكاك لهم عنها ويفوز المحقون.

( وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ (٣١) وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلاَّ ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢) )

ولما كان ذلك من شأن اليوم مهولا ، عم في الهول بقوله مصورا لحاله :( وَتَرى ) أي في ذلك اليوم( كُلَّ أُمَّةٍ ) من الأمم الخاسرة فيها والفائزة( جاثِيَةً ) أي مجتمعة لا

١٠٧

يخلطها غيرها ، وهي مع ذلك باركة على الركب رعبا واستيفازا لما لعلها تؤمر به ، جلسة المخاصم بين يدي الحاكم ، ينتظروا القضاء الحاتم ، والأمر الجازم اللازم ، لشدة ما يظهر لها من هول ذلك اليوم. ولما كان كأن قيل : هم مستوفزون ، قال :( كُلَّ أُمَّةٍ ) أي من الجاثين( تُدْعى إِلى كِتابِهَا ) أي الذي أنزل إليها وتعبدها الله به والذي نسخته الحفظة من أعمالها ليطبق أحدهما بالآخر ، فمن وافق كتابه ما أمر به من كتاب ربه نجا ، ومن خالفه هلك ، ويقال لهم حال الدعاء :( الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ) على وفق الحكمة بأيسر أمر( ما ) أي عين الذي( كُنْتُمْ ) بما هو لكم كالجبلات( تَعْمَلُونَ ) أي مصرين عليه غير راجعين عنه من خير أو شر.

ولما أخبر بالجزاء ، بين كيفية ما به يطبق بين كتاب الإنزال وكتاب الأعمال ، فما حكم به كتاب الإنزال أنفذه الكبير المتعال ، فقال مشيرا إلى كتاب الإنزال بأداة القريب لقربه وسهولة فهمه :( هذا كِتابُنا ) أي الذي أنزلناه على ألسنة رسلنا( يَنْطِقُ ) أي يشهد شهادة هي في بيانها كالنطق( عَلَيْكُمْ بِالْحَقِ ) أي الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع من أعمالكم ، ذلك بأن يقول : من عمل كذا فهو كافر ، ومن عمل كذا فهو عاص ، ومن عمل كذا فهو مطيع ، فيطبق ذلك على ما عملتموه فإذا الذي أخبر به الكتاب مطابق لأعمالكم لا زيادة فيه ولا نقص ، كل كلي ينطبق على جزئيه سواء بسواء كما نعطيكم علم ذلك في ذلك اليوم ، فينكشف أمر جبلاتكم وما وقع منكم من جزئيات الأفعال لا يشذ عنه منه ذرة ، وتعلمون أن هذا الواقع منكم مطابق لما أخبر به الكتاب الذي أنزلناه ، فهو حق لأن الواقع طابقه ، هذا نطقه عليكم ، وأما نطقه لكم فالفضل : الحسنة بعشر أمثالها إلى ما فوق ذلك.

ولما كانت العادة جارية في الدنيا بإقامة الحقوق بكتابة الوثائق ، وكانوا كأنهم يقولون : من يحفظ أعمالنا على كثرتها مع طول المدة وبعد الزمان ، وكانوا ينكرون أمر الحفظة وغيره مما أتت به الرسل ، أكد قوله مجيبا بما يقرب إلى عقل من يسأل عن ذلك :( إِنَّا ) على ما لنا من القدرة والعظمة الغنية عن الكتابة( كُنَّا ) على الدوام( نَسْتَنْسِخُ ) أي نأمر ملائكتنا بنسخ أي نقل( ما كُنْتُمْ ) طبعا لكم وخلقا( تَعْمَلُونَ ) قولا وفعلا ونية ، فإن كان المراد بالنسخ مطلق النقل فهو واضح ، وإن كان النقل من أصل فهو إشارة إلى لوح الجبلات المشار إليه بكنتم أو من اللوح المحفوظ ليطابق به ما يفعله العامل ، ومن المشهور بين الناس أن كل أحد يسطر في جبينه ما يلقاه من خير أو شر.

ولما صرح بالمبطلين حسب ما اقتضاه الحال كما تقدم ، وأشار إلى المحقين ،

١٠٨

صرح بما لوح إليه من أمر المحقين وعطف عليهم أضدادهم ، فقال بادئا بهم على طريق النشر المشوش مفصلا :( فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا ) أي من الأمم الجاثية( وَعَمِلُوا ) تصديقا لدعواهم الإيمان( الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ ) أي في ذلك اليوم الذي ذكرنا عظمته وشدة هوله( رَبُّهُمْ ) الذي أحسن إليهم بالتوفيق بالأعمال الصالحة المرضية الموصلة( فِي رَحْمَتِهِ ) أي تقريبه وإكرامه بجليل الثواب وحسن المآب ، وتقول لهم الملائكة تشريفا : سلام عليكم أيها المؤمنون ، ودل على عظيم الرحمة بقوله :( ذلِكَ ) أي الإحسان العالي المنزلة( هُوَ ) أي لا غيره( الْفَوْزُ ) .

ولما كان السياق لغباوتهم وخفاء الأشياء عليهم قال تعالى :( الْمُبِينُ ) الذي لا يخفى على أحد شيء من أمره ، لأنه لا يشوبه كدر أصلا ولا نقص ، بخلاف ما كان من أسبابه في الدنيا ، فإنها ـ مع كونها كانت فوزا ـ كانت خفية جدا على غير الموقنين( وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي ستروا ما جلته لهم مرائي عقولهم وفطرهم الأولى من الحق الذي أمر الله به ولو عملوا جميع الصالحات غير الإيمان ، فيدخلهم الملك الأعظم في لعنته.

ولما كان هذا الستر سببا واضحا في تبكيتهم قال :( أَفَلَمْ ) أي فيقال لهم : ألم يأتكم رسلي ، وأخلق لكم عقولا تدلكم على الصواب من التفكر في الآيات المرئية من المعجزات التي أتوكم بها وأنزل عليكم بواسطتهم آيات مسموعة فلم( تَكُنْ آياتِي ) على ما لها من عظمة الإضافة إليّ وعظمة الإتيان إليكم على ألسنة رسلي الذين هم أشرف خلقي.

ولما كانت هذه الآيات توجب الإيمان لما لها من العظمة بمجرد تلاوتها ، بني للمفعول قوله :( تُتْلى ) أي تواصل قراءتها من أيّ تال كان ، فكيف إذا كانت بواسطة الرسل ، تلاوة مستعلية( عَلَيْكُمْ ) لا تقدرون على رفع شيء منها بشيء يرضاه منصف( فَاسْتَكْبَرْتُمْ ) أي فتسبب عن تلاوتها التي من شأنها إيراث الخشوع والإخبات والخضوع أن طلبتم الكبر لأنفسكم وأوجدتموه على رسلي وآياتي( وَكُنْتُمْ ) خلقا لازما( قَوْماً ) أي ذوي قيام وقدرة على ما تحاولونه( مُجْرِمِينَ ) أي عريقين في قطع ما يستحق الوصل ، وذلك هو الخسران المبين ، والآية من الاحتباك : ذكر الإدخال في الرحمة أولا دليلا على الإدخال في اللعنة ثانيا ، وذكر التبكيت ثانيا دليلا على التشريف أولا ، وسره أن ما ذكره أدل على شرف الولي وحقارة العدو( وَإِذا ) أي وكنتم إذا( قِيلَ ) من أيّ قائل كان ولو على سبيل التأكيد :( إِنَّ وَعْدَ اللهِ ) الذي كل أحد يعلم أنه محيط بصفات الكمال( حَقٌ ) أي ثابت لا محيد عنه يطابقه الواقع من البعث وغيره لأن أقل الملوك لا يرضى بأن يخلف وعده فكيف به سبحانه وتعالى فكيف إذا كان الإخلاف

١٠٩

فيه مناقضا للحكمة( وَالسَّاعَةُ ) التي هي مما وعد به وهي محط الحكمة فهي أعظم ما تعلق به الوعد( لا رَيْبَ فِيها ) بوجه من الوجوه لأنها محل إظهار الملك لما له من الجلال والجمال أتم إظهار( قُلْتُمْ ) راضين لأنفسكم بحضيض الجهل :( ما نَدْرِي ) أي الآن دراية علم ولو بذلنا جهدنا في محاولة الوصول إليه( مَا السَّاعَةُ ) أي نعرف حقيقتها فضلا عما تخبروننا به من أحوالها.

ولما كان أمرها مركوزا في الفطر لا يحتاج إلى كبير نظر ، بما يعلم كل أحد من تمام قدرة الله تعالى ، فمتى نبه عليها نوع تنبيه سبق إلى القلب علمها ، سموا ذلك ظنا عنادا واستكبارا ، فقالوا مستأنفين في جواب من كأنه يقول : أفلم تفدكم تلاوة هذه الآيات البينات علما بها :( إِنَ ) أي ما( نَظُنُ ) أي نعتقد ما تخبروننا به عنها( إِلَّا ظَنًّا ) وأما وصوله إلى درجة العلم فلا. ولما كان المحصور لا بد وأن يكون أخص من المحصور فيه كان الظن الأول بمعنى الاعتقاد ، ولعله عبر عنه بلفظ الظن تأكيدا لمعنى الحصر ، ولذلك عطفوا عليه ـ تصريحا بالمراد لأن الظن قد يطلق على العلم ـ قولهم :( وَما نَحْنُ ) وأكدوا النفي فقالوا :( بِمُسْتَيْقِنِينَ ) أي بموجود عندنا اليقين في أمرها ولا بطالبين له ـ هذا مع ما تشاهدونه من الآيات في الآفاق وفي أنفسكم وما يبث من دابة وما ينبهكم على ذلك من الآيات المسموعة ، وهذا لا ينافي آية( إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا ) لأن آخرها مثبت للظن ، فكأنهم كانوا تارة يقوى عندهم ما في جبلاتهم وفطرهم الأولى من أمرها فيظنونها ، وتارة تقوى عليهم الحظوظ مع ما يقترن بها من الشبه المبنية على الجهل فيظنون عدمها فيقطعون به لما للنفس إليه من الميل ، أو كانوا فرقتين ـ والله أعلم.

( وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٣) وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٣٤) ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللهِ هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥) )

ولما وصلوا إلى حد عظيم من العناد ، التفت إلى أسلوب الغيبة إعراضا عنهم إيذانا بشديد الغضب فقال تعالى :( وَبَدا ) أي ولم يزالوا يقولون ذلك إلى أن بدت لهم الساعة بما فيها من الأوجال ، والزلازل والأهوال ، وظهر( لَهُمْ ) غاية الظهور( سَيِّئاتُ ما ) ولما كان السياق للكفرة ، وكانوا مؤاخذين بجميع أعمالهم فإنه ليس لهم أساس صالح يكون سببا لتكفير شيء مما تقلبوا فيه ولم يقتض السياق خصوصا مثل الزمر ، عبر بالعمل الذي هو أعم من الكسب فقال :( عَمِلُوا ) فتمثلت لهم وعرفوا مقدار جزائها واطلعوا على جميع ما يلزم على ذلك( وَحاقَ بِهِمْ ) أي أحاط على حال القهر والغلبة ،

١١٠

قال أبو حيان : ولا يستعمل إلا في المكروه.( ما كانُوا ) جبلة وخلقا( بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ) أي يوجدون الهزء به على غاية الشهوة واللذة إيجاد من هو طالب لذلك( وَقِيلَ ) أي لهم على قطع الأحوال وأشدها قولا لا معقب له ، فكأنه بلسان كل قائل :( الْيَوْمَ نَنْساكُمْ ) أي نفعل معكم بالترك من جميع ما يصلحكم فعل المنسي الذي نقطع عنه جميع إحساننا فيأتيه كل شر( كَما نَسِيتُمْ ) وأضاف المصدر إلى ظرفه لما فيه من الرشاقة والبلاغة فقال تعالى :( لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا ) أي الذي عملتم في أمره عمل الناسي له ، ومن نسي لقاء اليوم نسيء لقاء الكائن فيه بطريق الأولى ، وقد عابهم الله سبحانه تعالى بذلك أشد العيب لأن ما عملوه ليس من فعل الحزمة أن يتركوا ما ضرره محتمل لا يعتدون له ، وإنما هذا فعل الحمق الذين هم عندهم أسقاط لا عبرة بهم ولا وزن لهم ، وعبر بالنسيان لأن علمه مركوز في طبائعهم ، وعبر في فعله بالمضارع ليدل على الاستمرار ، وفي فعلهم بالماضي ليدل على أن من وقع منه ذلك وقتا ما وإن قل كان على خطر عظيم بتعريض نفسه لاستمرار الإعراض عنه.

ولما كان تركه على هذا الحال يلزم منه استمرار العذاب ، صرح به إيضاحا له لئلا يظن غير ذلك ، فقال مبينا لحالهم :( وَمَأْواكُمُ النَّارُ ) ليس لكم براح عنها أصلا ، لأن أعمالكم أدخلتكموها ، ولا يخرج منها إلا من أذنا في إخراجه ، نحن قد جعلناكم في عداد المنسي فلا يكون من قبلنا لكم فرج( وَما لَكُمْ ) في نفس الأمر سواء أفكرتم وأنتم مكذبون في مدافعة هذا اليوم أو تركتموه ترك المنسي( مِنْ ناصِرِينَ ) ينقذونكم من ذلك بشفاعة ولا مقاهرة.

ولما ذكر جزاءهم على ما هو الحق المساوي لأعمالهم طبق الفعل بالفعل ، علله بما لزم على أعمالهم فقال :( ذلِكُمْ ) أي العذاب العظيم( بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ ) أي بتكليف منكم لأنفسكم وقسر على خلاف ما أدى إليه العقل ، وجاءت به الرسل ، وساعدت عليه الفطر الأول( آياتِ اللهِ ) أي الملك الأعظم الذي لا شيء أعظم منه( هُزُواً ) أي جعلتموها عين ما أنزلت للإبعاد منه( وَغَرَّتْكُمُ ) لضعف عقولكم( الْحَياةُ الدُّنْيا ) أي الدنية فآثرتموها لكونها حاضرة وأنتم كالبهائم لا يعدو نظركم المحسوس فقلتم : لا حياة غيرها ولا بعث ولا حساب ، ولو تعقلتم وصفكم لها لأداكم إلى الإقرار بالأخرى.

ولما أوصلهم إلى هذا الحد من الإهانة ، سبب عنه زيادة في إهانتهم وتلذيذا لأوليائه الذين عادوهم فيه وإشماتا لهم بهم :( فَالْيَوْمَ ) بعد إيوائهم فيها( لا يُخْرَجُونَ ) بمخرج ما( مِنْها ) لأن الله لا يخرجهم ولا يقدر غيره على ذلك( وَلا هُمْ ) خاصة( يُسْتَعْتَبُونَ ) أي يطلب من طالب ما منهم الإعتاب ، وهو الاعتذار بما يثبت لهم

١١١

العذر ويزيل عنهم العتب الموجب للغضب بعمل من الأعمال الصالحات لأنهم في دار الجزاء لا دار العمل.

( فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧) )

ولما أثبت سبحانه بعده بإثبات الآيات المرئية والمسموعة وإعزاز أوليائه وإدلال أعدائه من غير مبالاة بشيء ولا عجز عن شيء مع الإحاطة التامة بكل شيء قدرة وعلما ، تسبب عن ذلك حتما قوله تعالى :( فَلِلَّهِ ) أي الذي له الأمر كله( الْحَمْدُ ) أي الإحاطة بجميع صفات الكمال. ولما أبان سبحانه أن ذلك ثابت له لذاته لا لشيء آخر ، أثبت أنه له بالإحسان والتدبير فقال تعالى :( رَبِّ السَّماواتِ ) أي ذات العلو والاتساع والبركات. ولما كان السياق لإثبات الاختصاص بالكمال ، وكانوا قد جعلوا له سبحانه ما دل على أنهم لا شبهة لهم في عبادتهم بحصر أمرهم في الهوى ، أعاد ذكر الرب تأكيدا وإعلاما أن له في كل واحد من الخافقين أسرارا غير ما له في الآخر ، فالتربية متفاوتة بحسب ذلك ، وأثبت العاطف إعلاما بأن كمال قدرته في ربوبيته للأعلى والأسفل على حد سواء دفعا لتوهم أن حكمه في الأعلى أمكن لتوهم الاحتياج إلى مسافة فقال تعالى :( وَرَبِّ الْأَرْضِ ) أي ذات القبول للواردات.

ولما خص الخافقين تنبيها على الاعتبار بما فيهما من الآيات لظهورها ، عم تنبيها على أن له وراء ذلك من الخلائق ما لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى فقال مسقطا العاطف لعدم الاحتياج إليه بعد إثبات استواء الكونين الأعلى والأسفل في حكمه من حيث العلم والقدرة للتنزه عن المسافة ، وذلك لا يخرج عنه شيء من الخلق لأنه إما أن يكون علويا أو سفليا( رَبِّ الْعالَمِينَ ) فجمع ما مفرده يدل على جميع الحوادث لأن العالم ما سوى الله. تنبيها على أصنافه وتصريحا بها وإعلاما بأنه أريد به مدلوله المطابقي لا البعض بدلالة التضمن ، وأعاد ذكر الرب تنبيها على أن حفظه للخلق وتربيته لهم ذو ألوان بحسب شؤون الخلق ، فحفظه لهذا الجزء على وجه يغاير حفظه لجزء آخر ، وحفظه للكل من حيث هو كل على وجه يغاير حفظه لكل جزء على حدته ، مع أن الكل بالنسبة إلى تمام القدرة على حد سواء.

ولما أفاد ذلك غناه الغنى المطلق وسيادته وأنه لا كفوء له ، عطف عليه بعض اللوازم لذلك تنبيها على مزيد الاعتناء به لدفع ما يتوهمونه من ادعاء الشركة التي لا يرضونها لأنفسهم فقال :( وَلَهُ ) أي وحده( الْكِبْرِياءُ ) أي الكبر الأعظم الذي لا نهاية

١١٢

له :( فِي السَّماواتِ ) كلها( وَالْأَرْضِ ) جميعها اللتين فيهما آيات للمؤمنين ، روى مسلم وأبو داود وابن ماجة عن أبي هريرة ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : يقول اللهعزوجل : الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدا منهما أدخلته النار ، وفي رواية : عذبته ، وفي رواية : قصمته(١) .( وَهُوَ ) وحده( الْعَزِيزُ ) الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء( الْحَكِيمُ ) الذي يضع الأشياء في أتقن مواضعها ولا يضع شيئا إلا كذلك كما أحكم أمره ونهيه وجميع شرعه ، وأحكم نظم هذا القرآن جملا وآيات ، وفواصل وغايات ، بعد أن حرر معانيه وتنزيله جوابا لما كانوا يعتنون به ، فصار معجزا في نظمه ومعناه وإنزاله طبق أجوبة الوقائع على ما اقتضاه الحال ، فانطبق آخرها على أولها بالصفتين المذكورتين ، وبالحث على الاعتبار بآيات الخافقين ، والتصريح بما لزم ذلك من الكبرياء المقتضية لإذلال الأعداء وإعزاز الأولياء ـ والله الهادي إلى الصواب وإليه المرجع والمآب ـ والله أعلم بمراده.

__________________

(١) تقدم قبل قليل.

١١٣

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة الأحقاف

مكية ـ آياتها خمس وثلاثون

( حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣) )

مقصودها إنذار الكافرين بالدلالة على صدق الوعد في قيام الساعة اللازم للعزة والحكمة الكاشف لهما أتم كشف بما وقع الصدق في الوعد به من إهلاك المكذبين بما يضاد حال بلادهم وأنه لا يمنع من شيء من ذلك مانع لأن فاعل ذلك لا شريك له فهو المستحق للإفراد بالعبادة ، وعلى ذلك دلت تسميتها بالأحقاف الدالة على هدوء الريح وسكون الجو بما دلت عليه قصة قوم هود عليه الصلاة والسّلام من التوحيد وإنذارهم بالعذاب دنيا وأخرى ومن إهلاكهم وعدم إغناء ما عبدوه عنهم ولا يصح تسميتها بهود ولا تسمية هود بالأحقاف لما ذكر من المقصود بكل منهما( بِسْمِ اللهِ ) الذي لا يذل من والى ولا يعز من عادى( الرَّحْمنِ ) الذي سبقت رحمته غضبه بزواجر الإنذار( الرَّحِيمِ ) الذي خص حزبه بعمل الأبرار للفوز في دار القرار بدخول الجنة والنجاة من النار( حم ) حكمة محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم التي هي النهاية في الصواب والسداد أحكمها الذي أحاطت قدرته فهو لا يخلف الميعاد.

ولما بنيت الجاثية على النظر في آيات الخافقين خطابا لأهل الإيمان استدلالا على يوم الفصل المدلول عليه في الدخان بآية( وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ) [الأنبياء : ١٦] والتي بعدها ، فأنتجت العلم بأن الكبرياء لخالقهما بما يشاهد من قهره للملوك فمن سواهم بالموت وما دونه من غير مبالاة بأحد وبينت ـ بما أفهمه الملك والكبرياء والحكمة لأن عادة من كان بهذا الوصف ألا يكون كلامه إلا بحسب الحاجة ـ أن الكتاب منزل نجوما لبيان ما يحاولون به مدحض لحجتهم هادم لعزتهم بحكمته وعزته ، فثبت الحشر وحق النشر ، وختم بصفتي العزة والحكمة ، ذكر بما ثبت من ذلك كله تأكيدا لأمر البعث وتحقيقا لليوم الآخر على وجه مبين أن الخلق كله آيات وحكم

١١٤

واعتبارات لأنه أثبت أنه كله حق ، ونفى عنه كل باطل ، فقال خطابا لأهل الأوثان من سائر الأديان الصابية والمجوس وغيرهم الذين افتتحت السورة بهم وختمت بالفسق الجامع لهم الموجب لكفرهم :( تَنْزِيلُ الْكِتابِ ) أي الجامع لجميع الخيرات بالتدريج على حسب المصالح( مِنَ اللهِ ) أي الجبار المتكبر المختص بصفات الكمال الذي هو الحمد بما دلت عليه ربوبيته ، وختم بقوله :( الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ) تقريرا لأنه لم يضع شيئا إلا في أوفق محاله ، وأنه الخالق للشر كما أنه الخالق للخير ولجميع الأفعال وأنه يعز أولياءه ويذل أعداءه ويحكم أمر دينه فيظهره على الدين كله من غير أن يقدر أحد على معارضته في شيء منه فصارت آية الجاثية مقدمة لهذه وهذه نتيجة.

ولما ثبت في الجاثية مضمون قوله تعالى في الدخان( وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ) بما ذكر فيهما من الآيات والمنافع والحكم ، أثبت هنا مضمون ما بعد ذلك بزيادة الأجل فقال دالا على عزته وحكمته :( ما خَلَقْنَا ) أي على ما لنا من العظمة الموجبة للتفرد بالكبرياء( السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ) على ما فيهما من الآيات التي فصل بعضها في الجاثية. ولما كان من المقاصد هنا الرد على المجوس وغيرهم ممن ثبت خلقا لغير الله قال :( وَما بَيْنَهُما ) أي من الهواء المشحون بالمنافع وكل خير وكل شر من أفعال العباد وغيرهم ، وقال ابن برجان في تفسيره : جميع الوجود أوله وآخره نسخة لأم الكتاب والسماوات والأرض إشارة إلى بعض الوجود ، وبعضه يعطي من الدلالة على المطلوب ما يعطيه الكل بوجه ما ، غير أن علا أصح دلالة وأقرب شهادة وأبين إشارة ، وما صغر من الموجودات دلالته مجملة يحتاج المستعرض فيه إلى التثبت وتدقيق النظر والبحث ـ انتهى.( إِلَّا بِالْحَقِ ) أي الأمر الثابت من القدرة التامة والتصرف المطلق ، فخلق الباطل بالحق لأنه تصرف في ملكه الذي لا شائبة لغيره فيه للابتلاء والاختبار للمجازاة بالعدل والمن بالفضل إلى غير ذلك من الحكم التي لا يعلمها سواه ، وفي خلق ذلك على هذا الوجه أعظم دلالة على وجود الحق سبحانه ، وأنه واحد لا شريك له ، ودل على قهره بقوله :( وَأَجَلٍ مُسَمًّى ) أي لبعث الناس إلى دار القرار لفصل أهل الجنة من أهل النار ، وفناء الخافقين وما نشأ عنهما من الليل والنهار.

ولما كان التقدير : وأمرنا الناس بالعمل في ذلك الأجل بطاعتنا ووعدناهم عليها جنان النعيم ، فالذين آمنوا على ما أنذروا مقبلون ، ومن غوائله مشفقون ، فهم بطاعتنا عاملون ، عطف عليه ما السياق له من قوله :( وَالَّذِينَ كَفَرُوا ) أي ستروا من أعلام الدلائل ما لو خلوا أنفسهم وما فطرناها عليه لعلموه فهم لذلك( عَمَّا أُنْذِرُوا ) ممن هم

١١٥

عارفون بأن إنذاره لا يتخلف( مُعْرِضُونَ ) ومن غوائله آمنون ، فهم بما يغضبنا فاعلون ، شهدت عندهم شواهد الوجود فما سمعوا لها ولا أصغوا إليها وأنذرتهم الرسل والكتب من عند الله فأعرضوا عنها واشمأزوا منها.

( قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤) وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ (٥) وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ (٦) )

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبيررحمه‌الله تعالى : لما قدم ذكر الكتاب وعظيم الرحمة به وجليل بيانه ، وأردف ذلك بما تضمنته سورة الشريعة من توبيخ من كذب به وقطع تعلقهم وأنه سبحانه وتعالى قد نصب من دلائل السماوات والأرض إلى ما ذكر في صدر السورة ما كل قسم منها كاف في الدلالة وقائم بالحجة ، ومع ذلك فلم يجر عليهم التمادي على ضلالهم والانهماك في سوء حالهم وسيىء محالهم ، أردفت بسورة الأحقاف تسجيلا بسوء مرتكبهم وإعلاما باليم منقلبهم فقال تعالى( ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى ) ولو اعتبروا بعظيم ارتباط ذلك الحق وإحكامه وإتقانه لعلموا أنه لم يوجد عبثا ، ولكنهم عموا عن الآيات وتنكبوا عن انتهاج الدلالات( وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ ) ثم أخذ سبحانه وتعالى في تعنيفهم وتقريعهم في عبادة ما لا يضر ولا ينفع فقال( أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ) ـ إلى قوله :( وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ ) ثم ذكر عنادهم عند سماع الآيات فقال :( وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ) الآيات ، ثم التحم الكلام وتناسج إلى آخر السورة ـ انتهى.

ولما قرر سبحانه الأصل الدال على التوحيد وإثبات العدل والرحمة بالبعث للفصل ، وكانوا يقولون : إنهم أعقل الناس ، وكان العاقل لا يأمن غوائل الإنذار إلا أن أعد لها ما يتحقق دفعه لها وكان لا يقدر على دفع المتوعد إلا من يساويه أو يزيد عليه بشركة أو غيرها ، وكانوا يدعون في أصنامهم أنها شركاء ، بنى على ذلك الأصل تفاريعه ، وبدأ بإبطال متمسكهم فقال سبحانه وتعالى آمرا لهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بأن ينبههم على سفههم بأنهم أعرضوا عما قد يضرهم من غير احتراز منه دالا على عدم إلهية ما دعوه آلهة بعدم الدليل على إلهيتها من عقل أو نقل ، لأن منصب الإلهية لا يمكن أن يثبت وله من الشرف ما هو معلوم بغير دليل قاطع :( قُلْ ) أي لهؤلاء المعرضين أنفسهم لغاية الخطر منكرا عليهم تبكيتا وتوبيخا :( أَرَأَيْتُمْ ) أي أخبروني بعد تأمل ورؤية باطنة( ما تَدْعُونَ )

١١٦

أي دعاء عبادة ، ونبه على سفولهم بقوله تعالى :( مِنْ دُونِ اللهِ ) أي الملك الأعظم الذي كل شيء دونه ، فلا كفوء له.

ولما كان من المعلوم أن الاستفهام عن رؤية ما مشاهدتهم له معلومة لا يصح إلا بتأويل أنه عن بعض الأحوال ، وكان التقدير : أهم شركاء في الأرض ، استأنف قوله :( أَرُونِي ما ) وأكد الكلام بقوله سبحانه وتعالى :( ما ذا خَلَقُوا ) أي اخترعوه( مِنَ الْأَرْضِ ) ليصح ادعاء أنهم شركاء فيها باختراع ذلك الجزء. ولما كان معنى الكلام وترجمته : أروني أهم شركاء في الأرض؟ عادله بقوله :( أَمْ لَهُمْ ) أي الذين تدعونهم( شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ) أي نوع من أنواع الشركة : تدبير ـ كما يقول أهل الطبائع ، أو خلق أو غيره ، أروني ذلك الذي خلقوه منها ليصح ادعاؤكم فيهم واعتمادكم عليهم بسببه.

فالآية من الاحتباك : ذكر الخلق أولا دليلا على حذفه ثانيا ، والشركة ثانيا دليلا على حذفها أولا.

ولما كان الدليل أحد شيئين : سمع وعقل ، قال تعالى :( ائْتُونِي ) أي حجة على دعواكم في هذه الأصنام أنها خلقت شيئا ، أو أنها تستحق أن تعبد( بِكِتابٍ ) أي واحد يصح التمسك به ، لا أكلفكم إلى الإتيان بأكثر من كتاب واحد. ولما كانت الكتب متعددة ولم يكن كتاب قبل القرآن عاما لجميع ما سلف من الزمان ، أدخل الجار فقال تعالى :( مِنْ قَبْلِ هذا ) أي الذي نزل عليّ كالتوراة والإنجيل والزبور ، وهذا من أعلام النبوة فإنها كلها شاهدة بالوحدانية ، لو أتى بها آت لشهدت عليه.

ولما ذكر الأعلى الذي لا يجب التكليف إلا به ، وهو النقل القاطع ، سهل عليهم فنزل إلى ما دونه الذي منه العقل ، وأقنع منه ببقية واحدة ولو كانت أثرا لا عينا فقال :( أَوْ أَثارَةٍ ) أي بقية رسم صالح للاحتجاج ، قال ابن برجان : وهي البقية من أثر كل شيء يرى بعد ذهابه وحال رؤيته بأثرها خلف عن سلف يتحدثون بها في آثارهم ، قال البغوي : وأصل الكلمة من الأثر وهو الرواية.( مِنْ عِلْمٍ ) أي قطعي بضرورة أو تجربة أو مشاهدة أو غيره ولو ظنا يدل على ما ادعيتم فيهم من الشركة. ولما كان لهم من النفرة من الكذب واستشناعه واستبشاعه واستفظاظه ما ليس لأمة من الأمم ، أشار إلى تقريعهم بالكذب إن لم يقيموا دليلا على دعواهم بقوله تعالى :( إِنْ كُنْتُمْ ) أي بما هو لكم كالجبلة( صادِقِينَ ) أي عريقين في الصدق على ما تدعون لأنفسكم.

ولما أبطل سبحانه وتعالى قولهم في الأصنام بعدم قدرتها على إتيان شيء من ذلك لأنها من جملة مخلوقات في الأصل ، أتبعه إبطاله بعدم علمها ليعلم قطعا أنهم أضل الناس حيث ارتبطوا في أجل الأشياء ـ وهو أصول الدين ـ بما لا دليل عليه أصلا ،

١١٧

فقال تعالى منكرا أن يكون أحد أضل منهم ، عاطفا على ما هدى السياق حتما إلى تقديره وهو : فمن أضل ممن يدعي شيئا من الأشياء وإن قل بلا دليل :( وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ ) يدعي أعظم الأشياء بغير دليل ما عقلي ولا نقلي ، فهو( يَدْعُوا ) ما لا قدرة له ولا علم ، وما انتفت قدرته وعلمه لم تصح عبادته ببديهة العقل ، وأرشد إلى سفولها بقوله تعالى :( مِنْ دُونِ اللهِ ) أي من أدنى رتبة من رتب الذي له جميع صفات الجلال والجمال والكمال ، فهو سبحانه يعلم كل شيء ويقدر على كل شيء بحيث يجيب الدعاء ويكشف البلاء ويحقق الرجاء إذا شاء ، ويدبر عبده لما يعلم من سره وعلنه بما لا يقدر هو على تدبير نفسه به ، ويريد العبد في كثير من الأشياء ما لو وكل العبد فيه إلى نفسه وأجيب إلى طلبته كان فيه حتفه ، فيدبره سبحانه بما تشتد كراهيته له فيكشف الحال عن أنه لم يكن له فرج إلا فيه( مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ ) أي لا يوجد الإجابة ولا يطلب إيجادها من الأصنام وغيرها لأنه لا أهلية له لذلك.

ولما كان أقل الاستجابة مطلق الكلام ، وكانوا في الآخرة يكلمونهم في الجملة وإن كان بما يضرهم ، غيى هذا النفي بوقت لا ينفع فيه استجابة أصلا ولا يغني أحد عن أحد أبدا فقال تعالى :( إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ) أي الذي صرفنا لهم من أدلته ما هو أوضح من الشمس ولا يزيدهم ذلك إلا إنكارا وركونا إلى ما لا دليل عليه أصلا وهم يدعون الهداية ويعيبون أشد عيب الغواية. ولما كان من لا يستجيب قد يكون له علم بطاعة الإنسان له ترجى معه إجابته يوما ما ، نفى ذلك بقوله زيادة في عيبهم في دعاء ما لا رجاء في نفعه :( وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ ) أي دعاء المشركين إياهم( غافِلُونَ ) أي لهم هذا الوصف ثابت لا ينفكون عنه ، لا يعلمون من يدعوهم ولا من لا يدعوهم ، وعبر بالغفلة التي هي من أوصاف العقلاء للجماد تغليبا إن كان المراد أعم من الأصنام وغيرها ممن عبدوه من عقلاء الإنس والجن وغيرهم واتصافا إن كان المراد الأصنام خاصة ، أو تهكما كأنه قيل : هم علماء فإنكم أجل مقاما من أن تعبدوا ما لا يعقل ، وإنما عدم استجابتهم لكم دائما غفلة دائمة كما تقول لمن كتب كتابا كله فاسد : أنت عالم لكنك كنت ناعسا ـ ونحو هذا.

ولما غيى سبحانه بيوم القيامة فأفهم أنهم يستجيبون لهم فيه ، بين ما يحاورونهم به إذ ذاك فقال :( وَإِذا حُشِرَ ) أي جمع بكره على أيسر وجه وأسهل أمر( النَّاسُ ) أي كل من يصح منه النوس ـ أي التحرك ـ يوم القيامة( كانُوا ) أي المدعوون( لَهُمْ ) أي للداعين( أَعْداءً ) ويعطيهم الله قوة الكلام فيخاطبونهم بكل ما يخاطب به العدو عدوه( وَكانُوا ) أي المعبودون( بِعِبادَتِهِمْ ) أي الداعين ، وهم المشركون ـ إياهم( كافِرِينَ )

١١٨

لأنهم كانوا عنها غافلين كما قال سبحانه وتعالى في سورة يونس عليه الصلاة والسّلام( وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ ) [يونس : ٢٨].

( وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٨) قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩) )

ولما بين أنهم في غاية السفه في عبادة ما لا دليل بوجه على عبادته ، أتبعه بيان أنهم في غاية الغباوة بإنكار ما لا شيء أبين منه ، فقال عاطفا على( وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ : وَإِذا تُتْلى ) أي تقرأ من أي قارىء كان على وجه المتابعة( عَلَيْهِمْ آياتُنا ) أي التي لا أعظم منها في أنفسها وبإضافتها إلينا( بَيِّناتٍ ) لا شيء أبين منها قالوا ـ هكذا كان الأصل ولكنه بين الوصف الحامل لهم على القول فقال :( قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي ستروا تلك الأنوار التي أبرزتها تلك التلاوة لها ـ هكذا كان الأصل ولكنه قال :( لِلْحَقِ ) أي لأجله( لَمَّا ) أي حين( جاءَهُمْ ) بيانها لأنها مع بيانها لا شيء أثبت منها وأنهم بادروا أول سماعهم لها إلى إنكارها دون تفكر :( هذا ) أي الذي تلي( سِحْرٌ ) أي خيال لا حقيقة له( مُبِينٌ ) أي ظاهر في أنه خيال ، فدل قولهم هذا ـ بمبادرتهم إليه من غير تأمل أصلا ، وبكونه أبعد الأشياء عن حقيقة ما قيل فيه ـ على أنهم أكثر الناس عنادا وأجرؤهم على الكذب وهم يدعون أنهم أعرق الناس في الإنصاف وألزمهم للصدق.

ولما دلت هذه الآيات بعظيم حججها وزخار ما أغرق من لججها ، على أن ما يدينون به أوهى من الخيال ، وأن هذا الكتاب في صدقه وكل شيء من أمره أثبت من الجبال ، فكانوا أجدر الخلق بأن يقولوا : رجعنا عما كنا فيه وآمنا ، كان موضع أن يقال :

هل أقروا بأنك صادق في نسبة هذا الكتاب إلى الله ، فعادله بقوله دليلا عليه :( أَمْ يَقُولُونَ ) مجددين لذلك متابعين له( افْتَراهُ ) أي تعمد كذبه ، فيكون ذلك من قولهم عجبا لأنه قول مقرون بما يكذبه ويبطله كما يأتي في تقريره.

ولما كان كأنه قيل : إنهم ليقولون ذلك ، وقد قرحوا القلوب به فماذا يردهم عنه؟

قيل :( قُلْ ) ما هو أشد عليهم من وقع النبل ، وهو ما يرد ما رموك به عليهم بحجة هي أجلى من الشمس في الظهيرة صحوا ليس دونها سحاب. ولما كان من عادة الملوك أنه

١١٩

متى كذب عليهم أحد عاجلوه بالعقوبة قال :( إِنِ افْتَرَيْتُهُ ) أي تعمدت كذبه على زعمكم وأنا إنما أريد به نصيحتكم ، فالذي أفتريه عليه وأنسبه إليه يعاقبني على ذلك ولا يتركني أصلا ، وذلك هو معنى قوله :( فَلا تَمْلِكُونَ ) أي أيها المنصوحون في وقت من الأوقات بوجه من الوجوه( لِي مِنَ اللهِ ) أي الملك الأعظم العزيز المتكبر الحكيم( شَيْئاً ) مما يرد عني انتقامه مني لأن الملك لا يترك من كذب عليه مطلق كذب ، فكيف بمن يتعمد الكذب عليه في الرسالة بأمور عظيمة ويلازمه مساء وصباحا غدوا ورواحا ، فأي حامل لي حينئذ على افترائه ، والمقصود به لا ينفعني ، والمكذوب عليه لا يتركني ؛ ثم علل ما أفاده الكلام من وجوب الانتقام بقوله :( هُوَ أَعْلَمُ ) أي منكم ومن كل أحد( بِما تُفِيضُونَ فِيهِ ) من نسبتي إلى الكذب ، فلو أنه كما تقولون ما ناظرني فضلا عن أنه يؤيدني وينصرني ، وفيه على ذلك تهديد لهم وتسلية له وتفريج عنه.

ولما كان الإملاء وحده ليس قاطعا في ذلك وإن كان ظاهرا فيه ، فكان لا بد في دعوى الصدق من دليل قاطع وبرهان ساطع ، وكانت شهادة الملك الذي الكلام فيه أعظم الأدلة لأنه الأعلم ، ومدار الشهادة العلم ، فأنتج الكلام قطعا قوله :( كَفى ) وأكد الكلام بما قرن بالفاعل من حرف الجر تحقيقا للفعل ونفيا للمجاز فقال :( بِهِ شَهِيداً ) أي شاهدا بليغ الشهادة لأنه الأعلم بجميع أحوالنا( بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ) يشهد بنفسه الأقدس للصادق منا وعلى الكاذب ، وقد شهد بصدقي بعجزكم عن معارضة شيء من هذا الكتاب الذي أتيت به فثبت بذلك أنه كلامه لأني لا أقدر وحدي على ما لا تقدرون عليه فرادى ولا مجتمعين وأنتم عرب مثلي ، بل وأنا أمي وفيكم أنتم الكتبة والذين خالطوا العلماء وسمعوا أحاديث الأمم وضربوا ـ بعد بلاد العجم ـ في بلاد العرب ، فظهر بذلك ظهور الشمس أنكم كاذبون( وَهُوَ الْغَفُورُ ) الذي من شأنه أن يمحو الذنوب كلها أعيانها وآثارها فلا يعاقب عليها ولا يعاتب( الرَّحِيمُ ) الذي يكرم بعد المغفرة ويفضل بالتوفيق لما يرضيه ، ففي هذا الختام ترغيب للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم في الصفح عنهم فيما نسبوه إليه في افتتاحها من الافتراء ، وندب إلى الإحسان إليهم ، وترغيب لهم في التوبة ، ومنع من أن يقولوا : فلم لا يعاجلنا بالعقوبة على نسبتنا لك إلى الكذب إن كنت صادقا بأنه يجوز أن يمهل الكاذب ، وأما أنه يؤيده بما يشد به كذبه اللازم منه أنه يزيد فيه فلا يجوز ، لأن ذلك قادح في الحكمة وفي الكبرياء وفي الملك.

ولما كان من أعظم الضلال أن ينسب الإنسان إلى الكذب من غير دليل في شيء لم يبتدعه ، بل تقدمه بمثله ناس قد ثبت صدقهم في مثل ذلك ومضت عليه الأزمان وتقرر غاية التقرر في القلوب والأذهان ، قال تعالى :( قُلْ ) أي لهؤلاء الذين نسبوك إلى

١٢٠