نظم الدّرر الجزء ٧

نظم الدّرر0%

نظم الدّرر مؤلف:
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 631

نظم الدّرر

مؤلف: برهان الدين البقاعي
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
تصنيف:

الصفحات: 631
المشاهدات: 148
تحميل: 18


توضيحات:

بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 631 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 148 / تحميل: 18
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 7

مؤلف:
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
العربية

ربيعة أنك خير أهل الأرض مع أنه ليس لهؤلاء النفر من جبلاتهم إلا النفرة والاجتنان وهو الاختفاء والستر فجعلناهم ألفين لك ظاهرين عندك لتبلغهم ما أرسلناك به فإنا أرسلناك إلى جميع الخلائق ، وهذا جبر لك وبشارة بإيمان النافرين من الإنس كما أيدناك منهم بعد نفرة أهل الطائف بعداس ، ثم وصفهم بقوله :( يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ ) أي يطلبون سماع الذكر الجامع لكل خير ، الفارق بين كل ملبس وأنت في صلاة الفجر في نخلة تصلي بأصحابك ، ودل على قرب زمن الصرف من زمن الحضور بتعبيره سبحانه بالفاء في قوله تعالى مفصلا لحالهم :( فَلَمَّا حَضَرُوهُ ) أي صاروا بحيث يسمعونه( قالُوا ) أي قال بعضهم ورضي الآخرون :( أَنْصِتُوا ) أي اسكتوا وميلوا بكلياتكم واستمعوا حفظا للأدب على بساط الخدمة ، وفيه تأدب مع العلم في تعلمه وأيضا مع معلمه ، قال القشيري : فأهل الحضور صفتهم الذبول والسكون والهيبة والوقار ، والثوران والانزعاج يدل على غيبة أو قلة تيقظ ونقصان من الاطلاع ، ودل على أن ما استمعوه كان يسيرا وزمنه قصيرا ، وعلى تفصيل حالهم بعد انقضائه بالفاء في قوله تعالى :( فَلَمَّا ) أي فأنصتوا فحين( قُضِيَ ) أي حصل الفراغ من قراءته الدالة على عظمته من أيّ قارىء كان( وَلَّوْا ) أي أوقعوا التولية ـ أي القرب ـ بتوجيه الوجوه والهمم والعزائم( إِلى قَوْمِهِمْ ) الذين فيهم قوة القيام بما يحاولونه ، ودل على حسن تقبلهم لما سمعوه ورسوخهم في اعتقاده بقوله تعالى :( مُنْذِرِينَ ) أي مخوفين لهم ومحذرين عواقب الضلال بأمر من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : جعلهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم رسلا إلى قومهم.

( قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٢) )

ولما كان كأنه قيل : ما قالوا لهم في إنذارهم؟ قيل :( قالُوا ) أي لقومهم حين أقبلوا عليهم :( يا قَوْمَنا ) مترققين لهم ومشفقين بهم بذكر ما يدل على أنهم منهم يهمهم ما يهمهم ويكربهم ما يكربهم كما قيل :

وإن أخاك الحق من كان معك

ومن يضر نفسه لينفعك

ولما كانوا ـ بنزول ما في أسفار الأنبياء من بني إسرائيل والزبور والإنجيل خالية من الأحكام والحدود إلا يسيرا من ذلك في الإنجيل ـ قاطعين أو كالقاطعين بأنه لا ينزل

١٤١

كتاب يناظر التوراة في الأحكام والحدود وغيرها ، فكان قومهم ربما توقفوا في الإخبار بإنزال ما هو أشرف من ذلك ، أكدوا قولهم :( إِنَّا سَمِعْنا ) أي بيننا وبين القارىء واسطة ، وأشاروا إلى أنه لم ينزل بعد التوراة شيء جامع لجميع ما يراد منه ، مغن عن جميع الكتب غير هذا ، وبذلك عرفوا أنه ناسخ لجميع الشرائع فقالوا على سبيل التبيين لما سمعوا :( كِتاباً ) أي ذكرا جامعا ، لا كما نزل بعد التوراة على بني إسرائيل( أُنْزِلَ ) أي ممن لا منزل في الحقيقة غيره ، وهو مالك الملك وملك الملوك لأن عليه من رونق الكتب الإلهية ما يوجب القطع لسامعه بأنه منها فكيف إذا انضم إلى ذلك الإعجاز ، وعلموا قطعا بعربيته أنه عربي وبأنهم كانوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها ويسمعون قراءة الناس لما يحدثونه من الحكم والخطب والكهانة والرسائل والأشعار ، وبأنه مباين لجميع ذلك أنه قريب العهد بالنزول من محل العظمة ، فقالوا مثبتين للجار :( مِنْ بَعْدِ مُوسى ) عليه الصلاة والسّلام ، فلم يعتدوا بما أنزل بين هذا الكتاب وبين التوراة من الإنجيل وما قبله ، لأنه لا يساوي التوراة في الجمع ، ولا يعشر هذا الكتاب في الأحكام والحكم واللطائف والمواعظ مع ما زاد به من الإعجاز وغيره.

ولما أخبروا بأنه منزل ، أتبعوه ما يشهد له بالصحة فقالوا :( مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ) أي من جميع كتب بني إسرائيل الإنجيل وما قبله ؛ ثم بينوا تصديقه بقولهم :( يَهْدِي إِلَى الْحَقِ ) أي الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع فلا يقدر أحد على إزالة شيء مما يخبر به ، الكامل في جميع ذلك( وَإِلى طَرِيقٍ ) موصل إلى المقصود الأعظم وهو الإيمان بمنزله( مُسْتَقِيمٍ ) فهو يوصل بغاية ما يمكن من السرعة ، لا يمكن أن يكون فيه عوج ، فيقدر السالك فيه على أن يختصر طريقا يكون وترا لما تقوس منه.

ولما أخبروهم بالكتاب وبينوا أنه من عند الله وأنه أقرب موصل إليه ، فكان قومهم جديرين بأن يقولوا : فما الذي ينبغي أن نفعل؟ أجابوهم بقوله :( يا قَوْمَنا ) الذين لهم قوة العلم والعمل( أَجِيبُوا داعِيَ اللهِ ) أي الملك الأعظم المحيط بصفات الجلال والجمال والكمال ، فإن دعوة هذا الداعي عامة لجميع الخلق ، فالإجابة واجبة على كل من بلغه أمره.

ولما كان المجيب قد يجيب في شيء دون شيء كما كان أبو طالب عم النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، عطفوا في خطابهم لهم في الدعوة أن قالوا :( وَآمِنُوا بِهِ ) أي أوقعوا التصديق بسبب الداعي لا بسبب آخر ، فإن المفعول معه مفعول مع من أرسله وهو الله الذي جلت قدرته وآمنوه من كل تكذيب ، أو الضمير للمضاف إليه وهو الله بدليل قولهم :( يَغْفِرْ لَكُمْ : ) فإنه يستر ويسامح( مِنْ ذُنُوبِكُمْ ) أي الشرك وما شابهه مما هو حق لله

١٤٢

تعالى أي وذلك الستر لا يكون إلا إذا حصل منكم الإجابة التامة والتصديق التام وأدخلوا «من» إعلاما بأن مظالم العباد لا تغفر إلا بإرضاء أهلها وكذا ما يجازى به صاحبه في الدنيا بالعقوبات والنكبات والهموم ونحوها مما أشار إليه قوله تعالى( وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ ) [الشورى : ٣٠]( وَيُجِرْكُمْ ) أي يمنعكم «إذا أجبتم» منع الجار لجاره لكونكم بالتحيز إلى داعيه صرتم من حزبه( مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ) واقتصارهم على المغفرة تذكير بذنوبهم لأن مقصودهم الإنذار لا ينافي صريح قوله في هذه السورة( وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ) [الأنعام : ١٣٢] في إثبات الثواب ، ونقله أبو حيان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لهم ثواب وعليهم عقاب يلتقون في الجنة ويزدحمون على أبوابها.

ولما فرغوا من التعريف بالحق والدلالة عليه والدعاء إليه والإنذار بالرفق بما أفهم كلامهم من أنهم إن لم يجيبوا انتقم منهم بالعذاب الأليم ، أتبعوه ما هو أغلظ إنذارا منه فقالوا :( وَمَنْ لا يُجِبْ ) أي لا يتجدد منه أن يجيب( داعِيَ اللهِ ) أي الملك الأعظم المحيط بكل شيء الذي لا كفوء له ولا طاقة لأحد بسخطه فعم بدعوة هذا الرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم جميع الخلق.

ولما دل الكتاب والسنة كما قدمته في سورتي الأنعام والفرقان على عموم الرسالة ، وكان التارك لإجابة من عمت رسالته عاصيا مستحقا للعذاب ، عبر عن عذابه ، بما دل على تحتمه فقال تعالى :( فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ ) أي لما يقضي به عليه( فِي الْأَرْضِ ) فإنه آية سلك فيها فهو في ملكه وملكه وقدرته محيطة به( وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ ) أي الله الذي لا يجير إلا هو( أَوْلِياءُ ) يفعلون لأجله ما يفعل القريب مع قريبه من الذب عنه والاستشفاع له والافتداء والمناصبة لأجله.

ولما انتفى عنه الخلاص من كل وجه ، وكان ذلك لا يختلف سواء كان العاصي واحدا أو أكثر ، أنتج قوله سبحانه وتعالى معبرا بالجمع لأنه أدل على القدرة ودلالة على أن العصاة كثيرة لملاءمة المعاصي لأكثر الطبائع :( أُولئِكَ ) أي البعيدون من كل خير( فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) أي ظاهر في نفسه أنه ضلال ، مظهر لكل أحد قبح إحاطتهم به ، قال القشيري : ويقال : الإجابة على ضربين : إجابة الله ، وإجابة الداعي ، فإجابة الداعي بشهود الواسطة وهو الرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وإجابة الله بالجهر إذا بلغت المدعو رسالتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم على لسان السفير ، وبالسر إذا حصلت التعريفات من الواردات على القلب ، فمستجيب بنفسه ، ومستجيب بقلبه ، ومستجيب بروحه ، ومستجيب بسره ، ومن توقف عن دعاء الداعي إياه هجر فيما كان يخاطب به.

١٤٣

( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤) فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ (٣٥) )

ولما أتم سبحانه وتعالى ما اقتضاه مقصود هذه السورة من أصول الدين وفروعه والتحذير من سطواته بذكر بعض مثلاته ، وختم بضلال من لم يجب الداعي ، نبه على أن أوضح الأدلة على إحاطته بالجلال والجمال وقدرته على الأجل المسمى الذي خلق الخلق لأجله ما جلى به مطلع السورة من إبداع الخافقين وما فيهما من الآيات الظاهرة للأذن والعين ، فقال مبكتا لهم على ضلالهم عن إجابة الداعي ومنكرا عليهم وموبخا لهم مرشدا بالعطف على غير مذكور إلى أن التقدير : ألم ير هؤلاء الضلال ما نصبنا في هذه السورة من أعلام الدلائل وواضح الرسائل في المقاصد والوسائل ، عاطفا عليه قوله تعالى ردا لمقطع السورة بتقرير المعاد على مطلعها المقرر للبدء بخلق الكونين بالحق :( أَوَلَمْ يَرَوْا ) أي يعلموا علما هو في الوضوح كالرؤية( أَنَّ اللهَ ) ودل على هذا الاسم الأعظم بقوله :( الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ ) على ما احتوت عليه مما يعجز الوصف من العبر( وَالْأَرْضَ ) على ما اشتملت عليه من الآيات المدركة بالعيان والخبر( وَلَمْ يَعْيَ ) أي يعجز ، يقال : عيي بالأمر ـ إذا لم يهتد لوجه مراده أو عجز عنه ولم يطق إحكامه ، قال الزجاج : يقال : عييت بالأمر ـ إذا لم تعرف وجهه ، وأعييت : تعبت ، وفي القاموس : وأعيى بالأمر : كل( بِخَلْقِهِنَ ) أي بسببه فإنه لو حصل له شيء من ذلك لأدى إلى نقصان فيهما أو في إحداهما ، وأكد الإنكار المتضمن للنفي بزيادة الجار في حيز «أن» فقال تعالى :( بِقادِرٍ ) أي قدرة عظيمة تامة بليغة( عَلى أَنْ يُحْيِيَ ) أي على سبيل التجديد مستمرا( الْمَوْتى ) والأمر فيهم لكونه إعادة ولكونهم جزاء يسيرا منها ذكر اختراعه أصغر شأنا وأسهل صنعا.

ولما كان هذا الاستفهام الإنكاري في معنى النفي ، أجابه بقوله تعالى( بَلى ) قد علموا أنه قادر على ذلك علما هو في إتقانه كالرؤية بالبصر لأنهم يعلمون أنه المخترع لذلك ، وأن الإعادة أهون من الابتداء في مجاري عاداتهم ، ولكنهم عن ذلك ، غافلون لأنهم عنه معرضون. ولما كانوا مع هذه الأدلة الواضحة التي هي أعظم من المشاهدة بالبصر ينكرون ما دلت عليه هذه الصنعة من إحاطة القدرة ، علل ذلك مؤكدا له بقوله مقررا للقدرة على وجه عام يدخل فيه البعث الذي ذكر أول السورة أنه ما خلق هذا

١٤٤

الخلق إلا لأجله ليختم بما بدأ به( إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ) أي هو أهل لأن تتعلق القدرة به( قَدِيرٌ ) .

ولما ثبت البعث بما قام من الدلائل ذكر ببعض ما يحصل في يومه من الأهوال تحذيرا منه ، فقال عاطفا على ما تقديره : اذكر لهم هذا القياس الناطق بالمراد وما مضى في هذه السورة من الزواجر( وَيَوْمَ ) أي واذكر يوم( يُعْرَضُ ) بأيسر أمر من أوامرنا( الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي ستروا بغفلتهم وتماديهم عليها هذه الأدلة الظاهرة( عَلَى النَّارِ ) عرض الجند على الملك فيسمعوا من تغيظها وزفيرها ويروا من لهيبها واضطرامها وسعيرها ما لو قدر أن أحدا يموت من ذلك لماتوا من معاينته وهائل رؤيته.

ولما كان كأنه قيل : ماذا يصنع بهم في حال عرضهم؟ قيل : يقال على سبيل التبكيت والتقريع والتوبيخ :( أَلَيْسَ هذا ) أي الأمر العظيم الذي كنتم به توعدون ولرسلنا في أخبارهم تكذبون( بِالْحَقِ ) أي الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع ، فلا قدرة لكم على صليه أمر هو خيال وسحر ، فلا تبالون بوروده.

ولما اشتد تشوف السامع العالم بما كانوا يبدون من الشماخة والعتو إلى جوابهم ، قال في جوابه مستأنفا :( قالُوا ) أي مصدقين حيث لا ينفع التصديق :( بَلى ) وما كفاهم البدار إلى تكذيب أنفسهم حتى أقسموا عليه لأن حالهم كان مباعدا للإقرار ، وذكروا صفة الإحسان زيادة في الخضوع والإذعان( وَرَبِّنا ) أي إنه لحق هو من أثبت الأشياء ، وليس فيه شيء مما يقارب السحر ، ثم استأنف جواب من سأل عن جوابه لهم بقوله تعالى :( قالَ ) مبكتا لهم بيانا لذلهم موضع كبرهم الذي كان في الدنيا مسببا عن تصديقهم هذا الذي أوقعوه في غير موضعه وجعلوه في دار العمل التي مبناها على الإيمان بالغيب تكذيبا معبرا بما يفهم غاية الاستهانة لهم :( فَذُوقُوا الْعَذابَ ) أي باشروه مباشرة الذائق باللسان ، ثم صرح بالسبب فقال :( بِما كُنْتُمْ ) أي خلقا وخلقا مستمرا دائما أبدا( تَكْفُرُونَ ) في دار العمل.

ولما علم بما قام من الأدلة وانتصب من القواطع أن هذا مآلهم ، سبب عنه قوله ردا على ما بعد خلق الخافقين في مطلعها من أمر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم ونسبتهم له إلى الافتراء وما بعده :( فَاصْبِرْ ) أي على مشاق ما ترى في تبليغ الرسالة ، قال القشيري : والصبر هو الوقوف بحكم الله والثبات من غير بث ولا استكراه.( كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ ) أي الجد في الأمر والحزم في الجد والإرادة المقطوع بها والثبات الذي لا محيد عنه ، الذين مضوا في أمر الله مضيا كأنهم أقسموا عليه فصاروا كالأسد في جبلته والرجل الشديد

١٤٥

الشجاع المحفوف بقبيلته ، قال الرازي في اللوامع : فارقت نفوسهم الشهوات والمنى فبذلوا نفوسهم لله صدقا لاتفاق النفس القلب على البذل.

ولما تشوف السامع إلى بيانهم قال :( مِنَ الرُّسُلِ ) عليهم الصلاة والسّلام ، وقيل وهو ظاهر جدا : أن «من» للتبعيض ، والمراد بهم أصحاب الشرائع الذين اجتهدوا في تأسيس قواعدها وتثبيت معاقدها ، ومشاهيرهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وقد نظمهم بعضهم في قوله :

أولو العزم نوح والخليل بن آزر

وموسى وعيسى والحبيب محمد

والخلاف في تعيينهم كثير منتشر هذا القول أشهر ما فيه ، وكله مبني على أن «من» للتبعيض وهو الظاهر ، والقول بأنهم جميع الرسل ـ قال ابن الجوزي ـ قاله ابن زيد واختاره ابن الأنباري وقال : «من» للتجنيس لا للتبعيض ، وفي قول أنهم جميع الأنبياء إلا يونس عليه الصلاة والسّلام ـ قال ابن الجوزي : حكاه الثعلبي.

ولما أمره بالصبر الذي من أعلى الفضائل ، نهاه عن العجلة التي هي من أمهات الرذائل ، ليصح التحلي بفضيلة الصبر الضامنة للفوز والنصر فقال :( وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ ) أي تطلب العجلة وتوجدها بأن تفعل شيئا مما يسوءهم في غير حينه الأليق به. ولما كان ما أمر به ونهى عنه في غاية الصعوبة ، سهله بقوله مستأنفا :( كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ) أي في الدنيا عند الموت مثلا أو في الآخرة وقت العرض والحساب والهول الأعظم الأكبر الذي تقدمت الإشارة إليه جدا والتحذير منه لأهل المعاصي والبشارة فيه لأهل الطاعة ، فأما هذه الطائفة فإذا رأوا( ما يُوعَدُونَ ) من ظهور الدين في الدنيا والبعث في الآخرة ، وبناه للمفعول لأن المنكىء هو الإيعاد لا كونه من معين( لَمْ يَلْبَثُوا ) أي في الدنيا حيث كانوا عالين( إِلَّا ساعَةً. )

ولما كانت الساعة قد يراد بها الجنس وقد تطلق على الزمن الطويل ، حقق أمرها وحقرها بقوله :( مِنْ نَهارٍ ) ولما تكفل ما ذكر في هذه السورة من الحجج الظاهرة والبراهين الباهرة ببيان ما هو مقصودها بحيث لم يبق فيه لبس ، وكان مقصودها آئلا إلى سورة إبراهيم عليه الصلاة والسّلام ، وهو التوحيد اللازم منه إحاطة العلم بكل شيء وشمول القدرة لكل شيء ختمت بما ختمت به إبراهيم إلا أن لحواميم لبابا ، حذف المبتدأ ومتعلق الخبر وقيل :( بَلاغٌ ) أي هذا الذي ذكر هنا هو من الظهور وانتشار النور بحيث يرد المنذرين ويوصلهم إلى رضى العزيز الحكيم الكافل بالنور الدائم والنعيم المقيم ، ومن لم يوصله فذلك الذي حكم العزيز بشقائه فلا حيلة لغيره في شفائه من عظيم دائه ، ولذلك سبب عن كونه بلاغا قوله زيادة على ختام إبراهيم ما يناسب

١٤٦

مطلعها :( فَهَلْ يُهْلَكُ ) بني للمفعول من أهلك ، لأن المحذور الهلاك وإن لم يعين المهلك ، وللدلالة على أن إهلاكهم عليه سبحانه وتعالى يسير جدا( إِلَّا الْقَوْمُ ) الذين فيهم أهلية القيام بما يحاولونه من اللدد( الْفاسِقُونَ ) أي العريقون في إدامة الخروج من محيط ما يدعو إليه هادي العقل والفطرة الأولى من الطاعة الآتي بها النقل إلى مضل المعصية الناهي عنها النقل والعقل ، وأما الذين فسقوا والذين يفسقون فإن هادي هذه السورة يردهم ويوصلهم إلى المقصود ، فهذا الآخر نتيجة قوله أولها( وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ ) وذكر اليوم الموعود هو الأجل الذي أوجد الخافقان لأجله وبسببه والدلالة على القدرة بخلقهما من غير إعياء هو ذكره أولهما أنهما ما خلقا إلا بالحق ، وذكر البلاغ هو تنزيل الكتاب من الله وحكمه على العريق بالفسق بالهلاك مع الهادي الشفيق ولغيره بالنجاة بعد انسيابه في الفسق مع التكرر هو من ثمرات العزة والحكمة ، فقد التحم هذا الآخر بذاك الأول أيّ التحام ، واتصل بمعناه اتصال الجوهر النفيس في متين النظام ، والتأم بأول التي تليها أحسن التئام فسبحان من جعله أشرف الكلام ، لكونه صفة الملك العلام ، منزلا على خاتم الرسل الكرام ، ورسول ـ الملك العلام ـ صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأهل بيته الكرام وسلم تسليما كثيرا.

١٤٧

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة محمد

مدنية ـ آياتها ثمان وثلاثون

وتسمى القتال وتسمى أيضا الذين كفروا

( الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ (٢) ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ (٣) )

مقصودها التقدم إلى المؤمنين في حفظ حظيرة الدين بإدامة الجهاد للكفار ، حتى يلزموهم الصغار ، أو يبطلوا ضلالهم كما أضل الله أعمالهم ، لا سيما أهل الردة الذين فسقوا عن محيط الدين إلى أودية الضلال المبين ، والتزام هذا الخلق الشريف إلى أن تضع الحرب أوزارها بإسلام أهل الأرض كلهم بنزول عيسى عليه الصلاة والسّلام ، وعلى ذلك دل اسمها( الَّذِينَ كَفَرُوا ) لأن من المعلوم أن من صدك عن سبيلك قاتلته وأنك إن لم تقاتله كنت مثله ، واسمها محمد واضح في ذلك لأن الجهاد كان خلقه عليه أفضل الصلاة والسّلام إلى أن توفاه الله تعالى وهو نبي الرحمة بالملحمة لأنه لا يكون حمد وثم نوع ذم كما تقدم تحقيقه في سورة فاطر وفي سبإ وفي الفاتحة ، ومتى كان كف عن أعداء الله كان الذم ، وأوضح أسمائها في هذا المقصد القتال ، فإن من المعلوم أنه لأهل الضلال( بِسْمِ اللهِ ) الملك الأعظم الذي أقام جنده للذب عن حماه( الرَّحْمنِ ) الذي عمت رحمته تارة بالبيان وأخرى بالسيف والسنان( الرَّحِيمِ ) الذي خص حزبه بالحفظ في طريق الجنان.

لما أقام سبحانه الأدلة في الحواميم حتى صارت كالشمس ، لا يزيغ عنها إلا هالك ، وختم بأنه لا يهلك بعد هذه الأدلة إلا القوم الفاسقون ، افتتح هذه بالتعريف بهم فقال سبحانه وتعالى :( الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي ستروا أنوار الأدلة فضلوا على علم( وَصَدُّوا ) أي امتنعوا بأنفسهم ومنعوا غيرهم لعراقتهم في الكفر( عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) أي الطريق الرحب المستقيم الذي شرعه الملك الأعظم( أَضَلَ ) أي أبطل إبطالا عظيما يزيل العين والأثر

١٤٨

( أَعْمالَهُمْ ) التي هي أرواحهم المعنوية وهي كل شيء يقصدون به نفع أنفسهم من جلب نفع أو دفع ضر بعد أن وفر سيئاتهم وأفسد بالهم ، ومن جملة أعمالهم ما يكيدونكم به لأنها إذا ضلت عما قصدوا بها بجعله سبحانه لها ضالة ضائعة هلكت من جهة أنها ذهبت في المهالك ومن جهة أنها ذهبت في غير الجهة التي قصدت لها فبطلت منفعتها المقصودة منها فصارت هي باطلة فأذهبوا أنتم أرواحهم الحسية بأن تبطلوا صورهم وأشباحهم بأن تقطعوا أوصالهم وأنتم في غاية الاجتراء عليهم ، فإن ربهم الذي أوجدهم قد أبطلهم وأذن لكم في إبطالهم ، فإنه قد علم أنه لا صلاح لهم والمؤذي طبعا يقتل شرعا ، فمن قدرتم على قتله فهو محكوم بكفره ، محتوم بخيبته وخسره.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما انبنت سورة الأحقاف على ما ذكر من مآل من كذب وافترى وكفر وفجر ، وافتتحت السورة بإعراضهم ، ختمت بما قد تكرر من تقريعهم وتوبيخهم ، فقال تعالى : ا( لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى ) أي لو اعتبروا بالبداءة لتيسر عليهم أمر العودة ، ثم ذكر عرضهم على النار إلى قوله( فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ ) فلما ختم بذكر هلاكهم ، افتتح السورة الأخرى بعاجل ذلك اللاحق لهم في دنياهم فقال تعالى :( فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ ، فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ) الآية بعد ابتداء السورة بقوله( الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ ) فنبه على أن أصل محنتهم إنما هو بما أراده تعالى بهم في سابق علمه ليعلم المؤمنون أن الهدى والضلال بيده ، فنبه على الطريقين بقوله( أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ ) وقوله في الآخر( كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ ) ثم بين أنه تعالى لو شاء لانتصر منهم ولكن أمر المؤمنين بقتالهم ابتلاء واختبارا ، ثم حض المؤمنين على ما أمرهم به من ذلك فقال :( إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ ) ثم التحمت الآي ـ انتهى.

ولما ذكر أهل الكفر معبرا عنهم بأدنى طبقاتهم ليشمل من فوقهم ، ذكر أضدادهم كذلك ليعم من كان منهم من جميع الفرق فقال تعالى :( وَالَّذِينَ آمَنُوا ) أي أقروا بالإيمان باللسان( وَعَمِلُوا ) تصديقا لدعواهم ذلك( الصَّالِحاتِ ) أي الأعمال الكاملة في الصلاح بتأسيسها على الإيمان. ولما كان هذا الوصف لا يخص أتباع محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، خصهم بقوله تعالى :( وَآمَنُوا ) أي مع ذلك. ولما كان بعضهم كحيي بن أخطب ومن نحا نحوه قد طعن في القرآن بنزوله منجما مع أن التوراة ما نزلت إلا كذلك ، وليس أحد منهم يقدر أن ينكره قال :( بِما نُزِّلَ ) أي ممن لا منزل إلا هو منجما مفرقا ليجددوا بعد الإيمان به إجمالا الإيمان بكل نجم منه( عَلى مُحَمَّدٍ ) النبي الأمي العربي القرشي المكي ثم المدني الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيلصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولما كان هذا

١٤٩

معلما بأن كل إيمان لم يقترن بالإيمان بهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يعتد به ، اعترض بين المبتدأ وجوابه بما يفهم علته حثا عليه وتأكيدا له فقال تعالى :( وَهُوَ ) أي هذا الذي نزل عليهصلى‌الله‌عليه‌وسلم مختص بأنه( الْحَقُ ) أي الكامل في الحقية لأن ينسخ ولا ينسخ كائنا( مِنْ رَبِّهِمْ ) المحسن إليهم بإرساله ، أما إحسانه إلى أمته فواضح ، وأما سائر الأمم فبكونه هو الشافع فيهم الشفاعة العظمى يوم القيامة ، وأمته هي الشاهدة لهم.

ولما ثبت بهذا أنهم أحق الناس بالحق ، بين ما أثمر لهم ذلك دالا على أنه لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره ، فلا يسع الخلق إلا العفو لأنهم وإن اجتهدوا في الإصلاح بدا لهم لنقصانهم من سيئات أو هفوات فقال تعالى :( كَفَّرَ ) أي غطى تغطية عظيمة( عَنْهُمْ ) في الدارين بتوبتهم وإيمانهم لأن التوبة تجب ما كان قبلها كالإيمان( سَيِّئاتِهِمْ ) أي الأعمال السيئة التي لحقتهم قبل ذلك بما يظهر لهم من المحاسن وهدى أعمالهم. ولما كان من يعمل سوءا يخاف عاقبته فيتفرق فكره ، إذ لا عيشة لخائف قال تعالى :( وَأَصْلَحَ بالَهُمْ ) أي موضع سرهم وفكرهم بالأمن والتوفيق والسداد وقوة الفهم والرشاد لما يوفقهم له من محاسن الأعمال ويطيب به اسمهم في الدارين ، قال ابن برجان : وإذا أصلح ذلك من العبد صلح ما يدخل إليه وما يخرج عنه وما يثبت فيه ، وإذا فسد فبالضد من ذلك ، ولذلك إذا اشتغل البال لم ينتفع من صفات الباطن بشيء ، وقد علم أن الآية من الاحتباك : ذكر ضلال الكفار أولا دليلا على إرادة الهدى للمؤمنين ثانيا ، وإصلاح البال ثانيا دليلا على حذف إفساده أولا.

ولما كان الجزاء من جنس العمل ، علل ما تقدم من فعله بالفريقين بقوله :( ذلِكَ ) أي الأمر العظيم الذي ذكر هنا من جزاء الطائفتين( بِأَنَ ) أي بسبب أن( الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي ستروا مرائي عقولهم( اتَّبَعُوا ) أي بغاية جهدهم ومعالجتهم لما قادتهم إليه فطرهم الأولى( الْباطِلَ ) من العمل الذي لا حقيقة له في الخارج يطابقه ، وذلك هو الابتداع والميل مع الهوى إيثارا للحظوظ فضلوا( وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ) أي ولو كانوا في أقل درجات الإيمان( اتَّبَعُوا ) أي بغاية جهدهم متابعين لما تدعو إليه الفطرة الأولى مخالفين لنوازع الشهوات ودواعي الحظوظ على كثرتها وقوتها( الْحَقَ ) أي الذي له واقع يطابقه وذلك هو الحكمة وهي العمل بموافقة العلم وهو معرفة المعلوم على ما هو عليه( مِنْ رَبِّهِمْ ) الذي أحسن إليهم بإيجادهم وما سببه من حسن اعتقادهم فاهتدوا.

ولما علم من هذا أن باطن حال الذين كفروا الباطل ، وباطن حال الذين آمنوا الحق ، وتقدم في البقرة أن المثل هو ما يتحصل في باطن الإدراك من حقائق الأشياء المحسوسة ، فيكون ألطف من الشيء المحسوس ، وأن ذلك هو وجه الشبه ، علم أن مثل كل من الفريقين ما علم من باطن حاله فمثل الأول الباطل ومثل الثاني الحق ،

١٥٠

فلذلك قال سبحانه استئنافا جوابا لمن كأنه قال لما أدركه من دهش العقل لما راعه من علو هذا المقال : هل يضرب مثل مثل هذا :( كَذلِكَ ) أي مثل هذا الضرب العظيم الشأن( يَضْرِبُ اللهُ ) أي الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال( لِلنَّاسِ ) أي كل من فيه قوة الاضطراب والحركة( أَمْثالَهُمْ ) أي أمثال أنفسهم وأمثال الفريقين المتقدمين أو أمثال جميع الأشياء التي يحتاجون إلى بيان أمثالها مبينا لها مثل هذا البيان ليأخذ كل واحد من ذلك جزاء حاله ، فقد علم من هذا المثل أن من اتبع الباطل أضل الله عمله ووفر سيئاته وأفسد باله ، ومن اتبع الحق عمل به ضد ذلك كائنا من كان ، وهو غاية الحث على طلب العلم في كتاب الله وسنة رسولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم والعمل بهما.

( فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ (٥) )

ولما تحرر أن الكفار أحق الخلق بالعدم لأن الباطل مثلهم وحقيقة حالهم ، سبب عنه قوله :( فَإِذا لَقِيتُمُ ) أي أيها المؤمنون( الَّذِينَ كَفَرُوا ) ولو بأدنى أنواع الكفر في أيّ مكان كان وأيّ زمان اتفق. ولما كان المراد القتل المجهر بغاية التحقق ، عبر عنه مؤكدا له من الاختصار بذكر المصدر الدال على الفعل مصورا له بأشنع صوره مع ما فيه من الغلظة على الكفار والاستهانة بهم فقال تعالى :( فَضَرْبَ الرِّقابِ ) أي عقبوا لقيكم لهم من غير مهلة بأن تضربوا رقابهم ضربا بالصدق في الضرب بما يزهق أرواحهم ، فإن ذلك انتهاز للفرصة وعمل بالأحوط ، وكذلك النفس التي هي أعدى العدو إذا ظفرت بها وجب عليك أن لا تدع لها بقية ، قال القشيري : فالحية إذا بقيت منها بقية فوضعت عليها إصبع ثبت فيها سمها.

ولما كان التقدير : ولا يزال ذلك فعلكم ، غياه بقوله :( حَتَّى ) وبشرهم بالتعبير بأداة التحقق فقال تعالى :( إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ ) أي أغلظتم القتل فيهم وأكثرتموه بحيث صاروا لا حراك بهم كالذي ثخن فأفرط ثخنه ؛ فجعل ذلك شرطا للأسر كما قال تعالى و( ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ) [الأنفال : ٦٧] ثم قال تعالى مبينا لما بعد الثخن :( فَشُدُّوا ) أي لأنه لا مانع لكم الآن من الأسر( الْوَثاقَ ) أي الرباط الذي يستوثق به من الأسر بالربط على أيديهم مجموعة إلى أعناقهم ـ مجاز عن الأسر بغاية الاستيلاء والقهر.

ولما كان الإمام مخيرا في أسراهم بين أربعة أشياء : القتل والإطلاق مجانا والإطلاق بالفدية وهي شيء يأخذه عوضا عن رقابهم والاسترقاق ، عبر عن ذلك بقوله

١٥١

مفصلا :( فَإِمَّا مَنًّا ) أي أن ينعموا عليهم إنعاما( بَعْدُ ) أي في جميع أزمان ما بعد الأسر باستبقائهم ثم بعد الإنعام باستبقائهم إما أن يكون ذلك مع الاسترقاق أو مع الإطلاق ثم الإطلاق إما مجانا( وَإِمَّا فِداءً ) بمال أو بأسرى من المسلمين ونحو ذلك ، فأفهم التعبير بالمن الذي معناه الإنعام أن الإبقاء غير واجب بكل جائز ، ودخل في الإبقاء ثلاث صور : الاسترقاق والإطلاق مجانا وبالفداء فصرح سبحانه وتعالى بالفداء الذي معناه الأخذ على وجه أنه قسيم للمن ، فعلم أن المراد به الإبقاء مع عدم الأخذ فدخل فيه الإطلاق مجانا وهو واضح والاسترقاق لأنه إنعام بالنسبة إلى القتل ، وأفهم التعبير بالمن الذي معناه الإنعام من المنان الذي هو اسمه تعالى ومعناه المعطي ابتداء جواز القتل لأن الإنعام مخير فيه لا واجب لأنه لو كان واجبا كان حقا لا نعمة ، فقد دخلت السور الأربع في التعبير بهاتين الكلمتين ـ والله الهادي ، وكل هذا على ما يراه الإمام أو نائبه مصلحة ، قال القشيري : كذلك حال المجاهدة مع النفس إذا كان في إغفاء ساعة وإفطار يوم ترويح للنفس من الكد وقوة على الجهد فيما يستقبل من الأمر على ما يحصل به الاستصواب من شيخ المريد وفتوى لسان الوقت أو فراسة صاحب المجاهدة ـ انتهى. وقد أفهم هذا السياق أن هذا الحكم ثابت غير منسوخ والأمر بالقتل وحده في غيرها من الآيات عام غير مخصوص بما أفهمته الغاية من أن التقدير : والجهاد على هذه الصفة باق وماض مع كل أمير برا كان أو فاجرا ، لا يزال طائفة من الأمة قائمين به ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله ، وهو ـ والله أعلم ـ المراد بقوله تعالى :( حَتَّى ) أي افعلوا ما أمرتكم به على ما جددت لكم إلى أن( تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ) وهي أثقالها أي الآلات التي تثقل القائمين بها من النفقات والسلاح والكراع ونحوه ، وذلك لا يكون وفي الأرض كافر ، وذلك على زمن عيسى عليه الصلاة والسّلام حين تخرج الأرض بركاتها ، وتكون الملة واحدة وهي الإسلام لله رب العالمين ، فيتخذ الناس حديد السلاح سككا ومناجل وفؤوسا ينتفعون بها في معاشهم كما ورد في الحديث : الجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال ـ رواه في الفردوس عن أنس رضي الله عنه الجهاد واجب عليكم مع كل بر وفاجر(١) رواه أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه(٢) .

__________________

(١) أخرجه أيضا أبو داود عن أنس رضي الله تعالى عنه بنحو هذا برقم ٢٥٣٢ وفيه ابن أبي شيبة مجهول ، والحديث معلول أيضا فالرجل المذكور لم يسمع من الصحابة.

(٢) أخرجه أبو داود ٢٥٣٣ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ، وفي إسناده ضعف ، العلاء فيه ضعف ، وكان اختلط ، وفيه انقطاع مكحول لم يسمع من أبي هريرة.

١٥٢

ولما كانت الحرب كريهة إلى النفوس شديدة المشقة ، أكد أمرها بما معناه : إن هذا أمر قد فرغ منه ، فقال تعالى :( ذلِكَ ) أي الأمر العظيم العالي الحسن النافع الموجب لكل خير. ولما كان هذا ربما أوهم أن التأكيد في هذا الأمر لكون الحال لا يمكن انتظامه إلا به ، أتبعه ما يزيل هذا الإيهام فقال :( وَلَوْ ) ولما كان لو عبر بالماضي أفاد أنه كان ولم يبق ، عبر بالمضارع الدال على الحال وما بعده فقال :( يَشاءُ اللهُ ) أي الملك الأعظم الذي له جميع صفات الكمال والقدرة على ما يمكن( لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ ) أي بنفسه من غير أحد انتصارا عظيما بأن لا يبقى منهم أحدا( وَلكِنْ ) أوجب ذلك عليكم( لِيَبْلُوَا. )

ولما كان الابتلاء ليس خاصا بفريق منهم بل عاما للفريقين لأنه يكشف عن أهل المحاسن وأهل المساوىء من كل منهم ، قال تعالى :( بَعْضَكُمْ ) من الفرقة المؤمنين بالإنكار عليهم من الفرقة الطاغين حتى يكون لهم بذلك اليد البيضاء( بِبَعْضٍ ) أي يفعل في ذلك فعل المختبر ليترتب عليه الجزاء على حسب ما تألفونه من العوائد.

ولما أفهم هذا أن الابتلاء بين فريقين بالجهاد ، قال عاطفا على ما تقديره : فالذين قاتلوا أو قتلوا في سبيل الشيطان أضل أعمالهم :( وَالَّذِينَ قُتِلُوا ) وفي قراءة البصريين وحفص( قُتِلُوا ) وهي أكثر ترغيبا والأولى أعظم ترجية( فِي سَبِيلِ اللهِ ) أي لأجل تسهيل طريق الملك الأعظم المتصف بجميع صفات الكمال.

ولما كان في سياق الترغيب ، قرن الخبر بالفاء إعلاما بأن أعمالهم سببه فقال تعالى :( فَلَنْ يُضِلَ ) أي يضيع ويبطل( أَعْمالَهُمْ ) لكونها غير تابعة لدليل بل يبصرهم بالأدلة ويوفقهم لاتباعها ، وهو معنى قوله تعالى تعليلا :( سَيَهْدِيهِمْ ) أي في الدارين بوعد لا خلف فيه بعد المجاهدة إلى كل ما ينفعهم مجددا ذلك على سبيل الاستمرار( وَيُصْلِحُ بالَهُمْ ) أي موضع فكرهم فيجعله مهيأ لكل خير بعيدا عن كل شر آمنا من المخاوف مطمئنا بالإيمان بما فيه من السكينة ، فإذا قتل أحد في سبيله تولى سبحانه وتعالى ورثته بأحسن من تولي المقتول لو كان حيا.

( وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ (٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (٨) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٩) )

ولما كان هذا ثوابا عظيما ونوالا جسيما ، أتبعه ثوابا أعظم منه فقال تعالى :( وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ ) أي دار القرار الكاملة في النعيم ، وأجاب من كأنه يسأل عن كيفية

١٥٣

إدخالهم إياها وكيفيتها عند ذلك بقوله تعالى :( عَرَّفَها لَهُمْ ) أي بتعريف الأعمال الموصلة إليها والتوفيق لهم إليها في الدنيا وأيضا بالتبصير بالمنازل في الآخرة حتى أن أحدهم يصير أعرف بمنزله فيها منه بمنزله في الدنيا ، وطيب رائحتها وجعل موضعها عاليا وجدرانها عالية وهي ذات أغراف وشرف ، وفي هذه الآية بشرى عظيمة لمن جاهد ساعة ما بأن الله يميته على الإسلام المستلزم لئلا يضيع له عمل ، ويؤيده ما رواه الطبراني في الكبير عن فضالة بن عبيد الأنصاري رضي الله عنه قال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول :للإسلام ثلاث أبيات : سفلى وعليا وغرفة ، فأما السفلى فالإسلام دخل فيه عامة المسلمين فلا تسأل أحدا منهم إلا قال : أنا مسلم ، وأما العليا فتفاضل أعمالهم بعض المسلمين أفضل من بعض ، وأما الغرفة العليا فالجهاد في سبيل الله لا ينالها إلا أفضلهم (١) .

ولما ذكر القتال ، تشوف السامع إلى حال المقاتل من النصر والخذلان فأجاب بما يعرف بشرط النصر فقال :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) أي أقروا بذلك وإن كان في أدنى الدرجات بما أشعرت به أداة البعد والصلة بالماضي( إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ ) أي يتجدد لكم نية مستمرة وفعل دائم على نصرة دين الملك الأعظم بإيضاح أدلته وتبيينها وتوهية شبه أهل الباطل وقتالهم ، ويكون ذلك خالصا له لا لغيره من النيات الفاسدة المعلولد بطلب الدنيا أو الشهرة بالشجاعة والعلم وطيب الذكر والغضب للأهل وغير ذلك( يَنْصُرْكُمْ ) فإنه الناصر لا غيره من عدد أو عدد فيقمع أعداء الدين بأيديكم.

ولما كان النصر قد يكون مع العجز والكسل والجبن والفشل بين أنه يحميهم من ذلك فقال :( وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ ) أي تثبيتا عظيما بأن يملأ قلوبكم سكينة واطمئنانا وأبدانكم قوة وشجاعة في حال القتل ووقت البحث والجدال ، وعند مباشرة جميع الأعمال ، فتكونوا عالين قاهرين في غاية ما يكون من طيب النفوس وانشراح الصدور ثقة بالله واعتزازا به وإن تمالأ عليكم أهل الأرض.

ولما ذكر أهل الإيمان ، بين ما لأهل الكفران ، فقال سبحانه :( وَالَّذِينَ كَفَرُوا ) أي ستروا ما دل عليه العقل وقادت إليه الفطر الأولى ، وبين أن سوء أعمالهم أسباب وبالهم بالفاء. فقال مؤكدا بجعل الخبر مفعولا مطلقا لأجل استبعادهم بما لهم من القوة

__________________

(١) أخرجه الطبراني في الكبير ١٨ / ٣١٨ عن فضالة بن عبيد قال الهيثمي في المجمع ٥ / ٤٩٩ : فيه أبو عبد الملك لم أعرفه عن القاسم ، وبقية رجاله ثقات. قلت : أبو عبد الملك هو علي بن يزيد قال البخاري : منكر الحديث ، وقال النسائي : ليس بثقة ، وضعّفه أيضا أبو زرعة والدارقطني ، وهو مترجم في الميزان ٣ / ١٦١.

١٥٤

بكثرة العدد والملاءة بالعدد :( فَتَعْساً ) أي فقد عثروا فيقال لهم ما يقال للعاثر الذي يراد أنه لا يقوم : تعسا لا قيام معه ، كما يقال لمن عثر وأريد قيامه : تعسا لك ، والمراد بالتعس الانحطاط والسفول والهوان والقلق. ولما كان كأنه قيل : لمن هذا؟ قيل :( لَهُمْ ) فلا يكادون يثبتون في قتال لمن صلحت منه الأعمال.

ولما كان الإنسان قد يعثر ويقع ويقال له : تعسا ، ويقوم بعد ذلك ، ولا يبطل عمله ، بين أن قوله ليس كذلك ، بل مهما قاله كان لا يتخلف أصلا ، فقال معبرا بالماضي إشارة إلى التحتم فيه ، وأما الاستقبال فربما تاب على بعضهم فيه عاطفا على ما تقديره فقال تعالى لهم ذلك :( وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ ) وإن كانت ظاهرة الإيقان لأجل تضييع الأساس بالإيمان.

ولما بين ما صنع بهم ليجترىء به حزبه عليهم ، بين سببه ليجتنب فقال :( ذلِكَ ) الأمر البعيد من الخير( بِأَنَّهُمْ ) أي بسبب أنهم( كَرِهُوا ) بغضوا وخالفوا وأنكروا( ما أَنْزَلَ اللهُ ) أي الملك الأعظم الذي لا نعمة إلا منه ، والذي أنزله من القرآن والسنة هو روح الوجود الذي لا يعاندونه ، فلما كرهوا الروح الأعظم بطلت أرواحهم فتبعتها أشباحهم ، وهو معنى قوله مسببا بيانا لمعنى إضلال أعمالهم :( فَأَحْبَطَ ) أي أبطل إبطالا لا صلاح معه( أَعْمالَهُمْ ) بسبب أنهم أفسدوها بنياتهم فصارت وإن كانت صورها صالحة ليس لها أرواح ، لكونها واقعة على غير ما أمر به الله الذي لا أمر إلا له ولا يقبل من العمل إلا ما حده ورسمه ، وهذا وعيد للأمة بأنها إن تخلت عن نصر الله والجهاد في سبيله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكلها سبحانه إلى نفسها وتخلى عن نصرها وسلط عليها عدوها ، ولقد وجد بعض ذلك من تسلط الفسقة لما وجد التهاون في بعض ذلك والتواكل فيه.

( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها (١٠) ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ (١١) إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ (١٢) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ (١٣) أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٤) )

ولما كان لا يستهين بهذه القضايا ويجترىء مثل هذه البلايا إلا من أمن العقوبة ، ولا يأمن العقوبة إلا من أعرض عن الله سبحانه وتعالى ، وكان يكفي في الصد عن الأمرين وقائعه تعالى بالأمم الخالية لأجل تكذيب رسله ومناصبة أوليائه والاعتداء على

١٥٥

حدوده ، قال منكرا عليهم وموبخا لهم تقدما إليهم بالتحذير من بطشه وسطوته وشديد أخذه وعقوبته ، مسببا عن كراهيتهم المذكورة وما تأثر عنها من العداوة لأهل الله :( أَفَلَمْ يَسِيرُوا ) أي بسبب تصحيح أعمالهم وبنائها على أساس( فِي الْأَرْضِ ) أي التي فيها آثار الوقائع فإنها هي الأرض في الحقيقة لما لها من زيادة التعريف بالله( فَيَنْظُرُوا ) عقب سيرهم وبسبه. ولما كانت وقائعه خالعة للقلوب بما فيها من الأمور الباهرة الناطقة بها ألسنة الأحوال بعد التنبيه بالمقال ، ساق ذلك بسوقه في أسلوب الاستفهام مساقا منبها على أنه من العظمة بحيث يفرغ الزمان للعناية بالسؤال عنه فقال :( كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ ) أي آخر أمر( الَّذِينَ ) ولما كان يمكنهم معرفة ذلك من جميع المهلكين ، نبه بإثبات الجار على أنهم بعضهم بل بعض المكذبين للرسل ، وهم الذين سمعوا أخبارهم ورأوا ديارهم بعاد وثمود ومدين وسا وقوم لوط فقال تعالى :( مِنْ قَبْلِهِمْ ) ولما كان كأنه قيل : ما لهم؟ قال :( دَمَّرَ اللهُ ) أي أوقع الملك الأعظم الهلاك العظيم الداخل بغير إذن ، الهاجم بغتة( عَلَيْهِمْ ) بما علم أهاليهم وأحوالهم وكل من رضي فعالهم أو مقالهم ، وعدل عن أن يقول : «ولهؤلاء» إلى قوله :( وَلِلْكافِرِينَ ) تعميما وتعليقا للحكم بالوصف وهو العراقة في الكفر ، فكان فيه بشارة بأن بعضهم سينجيه الله تعالى من أسباب الهلاك لكونه ليس عريقا في الكفر ، لأنه لم يطبع عليه( أَمْثالُها ) أي أمثال هذه العاقبة.

ولما بين أنه يعلي أولياءه ويذل أعداءه ، بين علته فقال :( ذلِكَ ) أي الأمر العظيم الذي فعله بالفريقين( بِأَنَّ اللهَ ) أي بسبب أن الملك الأعظم المحيط بصفات الكمال( مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا ) أي القريب من المصدقين به المرضين له ، فهو يفعل معهم بما له من الجلال والجمال ما يفعل القريب بقريبه الحبيب له ، قال القشيري : ويصح أن يقال :

أرجى آية في كتاب الله هذه الآية لأنه لم يقل : الزهاد والعباد وأصحاب الأوراد والاجتهاد. يعني بل ذكر أدنى أسنان أهل الإيمان.( وَأَنَّ الْكافِرِينَ ) أي العريقين في هذا الوصف( لا مَوْلى لَهُمْ ) بهذا المعنى ، لأنهم بعيدون من الله الذي لا يعبد على الحقيقة إلا هو ، فلا ينفعهم قرب قريب أصلا وإن كان الله مولاهم بغير هذا المعنى بل بمعنى أنه سيدهم ومالكهم ، وفيه إيماء إلى أنه سبحانه وتعالى ولي من لم يكن عريقا في الكفر فيخرجه من الظلمات إلى النور.

ولما تشوف السامع إلى تعرف تمام آثار الولاية ، قال شافيا لعيّ سؤالهم مؤكدا لأجل كثرة المكذبين :( إِنَّ اللهَ ) أي الذي له جميع الكمال( يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا ) أي أوقعوا التصديق( وَعَمِلُوا ) تصديقا لما ادعوا أنهم أوقعوه( الصَّالِحاتِ ) فتمتعوا بما

١٥٦

رزقهم الله من الملاذ لا على وجه أنها ملاذ بل على وجه أنها مأذون فيها ، وهي بلاغ إلى الآخرة وأكلوا لا للترفه بل لتقوية البدن على ما أمروا به تقوتا لا تمتعا( جَنَّاتٍ ) أي بساتين عظيمة الشأن موصوفة بأنها( تَجْرِي ) وبين قرب الماء من وجهها بقوله :( مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ) أي فهي دائمة النمو والبهجة والنضارة والثمرة لأن أصول أشجارها ربى وهي بحيث متى أثرت بقعة منها أدنى إثارة جرى منها نهر ، فأنساهم دخولها غصص ما كانوا فيه في الدنيا من نكد العيش ومعاناة الشدائد ، وضموا نعيمها إلى ما كانوا فيه في الدنيا من نعيم الوصلة بالله ثم لا يحصل لهم كدر ما أصلا ، وهي مأواهم لا يبغون عنها حولا ، وهذا في نظير ما زوي عنهم من الدنيا وضيق فيها عيشهم نفاسة منهم عنها حتى فرغهم لخدمته وألزمهم حضرته حبا لهم وتشريفا لمقاديرهم( وَالَّذِينَ كَفَرُوا ) أي غطوا ما دل عليه العقل فعملوا لأجل كفرهم الأعمال الفاسدة المبعدة عن جناب الله( يَتَمَتَّعُونَ ) أي في الدنيا بالملاذ لكونها ملاذ كما تتمتع الأنعام ، ناسين ما أمر الله معرضين عن لقائه بل عن الموت أصلا بل يكون ذكر الموت حاثا لهم على الانهماك في اللذات مسابقة له جهلا منهم بالله( وَيَأْكُلُونَ ) على سبيل الاستمرار( كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ ) أكل التذاذ ومرح من أيّ موضع كان وكيف كان الأكل في سبعة أمعاء ، أي في جميع بطونهم من غير تمييز للحرام من غيره لأن الله تعالى أعطاهم الدنيا ووسع عليهم فيها وفرغهم لها حتى شغلهم عنه هوانا بهم وبغضا لهم لأنه علم حالهم قبل أن يوجدهم فيدخلهم نارا وقودها الناس والحجارة( وَالنَّارُ ) أي والحال أن ذات الحرارة العظمى والإحراق الخارج عن الحد( مَثْوىً ) أي منزل ومقام( لَهُمْ ) تنسيهم أول انغماسهم فيها كل نعيم كانوا فيه ثم لا يصير لهم نعيم ما أصلا ، بل لا ينفك عنهم العذاب وقتا ما ، فالآية من الاحتباك ، ذكر الأعمال الصالحة ودخول الجنات أولا دليلا على حذف الفاسدة ودخول النار ثانيا ، والتمتع والمثوى ثانيا دليلا على حذف التعلل والمأوى أولا ، فهو احتباك في احتباك واشتباك مقارن لاشتباك.

ولما وعد سبحانه أنه ينصر من ينصره لأنه مولاه ويدخله دار نعمته ، ويخذل من يعانده لأنه عاداه إلى أن يدخله دار شقوته ، كان التقدير دليلا على ذلك : فكأين من قوم هم أضعف من الذين اتبعوك نصرناهم على من كذبهم ، فلا خاذل لهم ، فعطف عليه قوله :( وَكَأَيِّنْ ) ولما كانت قوة قريش في الحقيقة ببلدهم ، وكان الإسناد إليها أدل على تمالؤ أهلها وشدة اتفاقهم حتى كأنهم كالشيء الواحد قال :( مِنْ قَرْيَةٍ ) أي كذبت رسولها( هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً ) وأكثر عدة( مِنْ قَرْيَتِكَ ) ولما كان إنزال هذه بعد الهجرة ، عين فقال :( الَّتِي أَخْرَجَتْكَ ) أي أخرجك أهلها متفقين في أسباب الإخراج من أنواع الأذى

١٥٧

على كلمة واحدة حتى كأن قلوبهم قلب واحد فكأنها هي المخرجة ـ وهي مكة ـ كذبوك وآذوك حتى أخرجناك من عندهم لننصرك عليهم بمن أيدناك بهم من قريتك هذه التي آوتك من الأنصار نصرا جاريا على ما تألفونه وتعتادونه( أَهْلَكْناهُمْ ) بعذاب الاستئصال كما اقتضت عظمتنا ، وحكى حالهم الماضية بقوله :( فَلا ناصِرَ لَهُمْ ) .

ولما كان هذا دليلا شهوديا بعد الأدلة العقلية على ما تقدم الوعد به ، سبب عنه الإنكار عليهم فقال :( أَفَمَنْ كانَ ) أي في جميع أحواله( عَلى بَيِّنَةٍ ) أي حالة ظاهرة البيان في أنها حق( مِنْ رَبِّهِ ) المربي المدبر له المحسن إليه بما يقيم من الأدلة التي تعجز الخلائق أجمع عن أن يأتوا بواحد منها فبصر سوء عمله وأريه على حقيقته فرآه سيئا فاجتنبه مخالفا لهواه ، قال القشيري : العلماء في ضياء برهانهم والعارفون في ضياء بيانهم.( كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ ) بتزيين الشيطان بتسليطنا له عليه وخلقنا للآثار بأيسر أمر( سُوءُ عَمَلِهِ ) من شرك أو معصية دونه.

ولما كان التقدير : فرآه حسنا فعمله ملازما له ، فكان على عمى وضلال ، وكان قد أفرد الضمير لقبول «من» له من جهة لفظها ، جمع ردا على معناها بتعميم القبح مثنى وفرادى ، وإشارة إلى أن القبيح يكون أولا قليلا جدا ، فمتى غفل عنه فلم تحسم مادته دب وانتشر فقال عاطفا على ما قدرته :( وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ ) فلا شبهة لهم في شيء من أعمالهم السيئة فضلا عن دليل ، والآية من الاحتباك ذكر البينة أولا دليلا على ضدها ثانيا ، والتزيين واتباع الهوى ثانيا دليلا على ضدهما أولا ، وسره أنه ذكر الأصل الجامع للخير ترغيبا والأصل الجامع للشر ترهيبا.

( مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ (١٥) )

ولما تكرر ذكر الجنة والنار في هذه السورة إلى أن ختم بهذه الآية التي قسم الناس فيها إلى أولياء مهتدين وأعداء ضالين معتدين ، فهدى سياقها إلى أن التقدير : أفمن كان على بينة من ربه أحياه الحياة الطيبة في الدارين ، ومن تبع هواه أرداه فيهما ، أتبعه وصف الجنة التي هي دار أوليائه قادهم إليها الهدى ، والنار التي هي دار أعدائه ساقهم إليها الضلال المحتم للردى ، فقال :( مَثَلُ الْجَنَّةِ ) أي البساتين العظيمة التي تستر داخلها من كثرة أشجارها.

ولما تكرر وعده سبحانه للذين آمنوا بالجنة بالاسم الأعظم الجامع وبعضها

١٥٨

بالضمير العائد إليه ، صار الوعد بها في غاية التحقق فعبر عنه هنا بالماضي المبني للمفعول إشارة إلى أنه أمر قد تحقق بأسهل أمر ، وفرغ منه إلى أن صار حاضرا لا مانع منه إلا الوصف الذي علق به الوعد ووصفها بصفات تفيد القطع بأنه لا يقدر عليها إلا الله فصار مجرد ذكرها والإخبار به عنها بصيغة المجهول أعلى لأمره فقال :( الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ) أي الذين حملتهم تقواهم بعد الوقوف عن كل فعل لم يدل عليه دليل على أن استمعوا منك فانتفعوا بما دللتهم عليه من أمور الدين حتى انقسم الناس إلى ثلاثة أقسام : مقبل عليه بكليته فهو متبع ، ومعرض عنه جملة ، ومستمع غير منتفع.

ولما كان التقدير : مثل بستان عظيم لا يسقط ورقه ولا ينقطع ثمره ولا يتفطن نعيمه لما فيه من الأنهار المتنوعة ، وكان ما هو بهذه الصفة إنما هو موهوم لنا لا معلوم ، طواه وذكر ما دل عليه من صفة الجنة الموعودة المعلومة بوعد الصادق الذي ثبت صدقه بالمعجزات فقال استئنافا :( فِيها ) أي الجنة الموعودة. ولما كان ما يعهدونه من الجنان لا يحتمل أكثر من ثلاثة أنهار ، عبر بالجمع الذي يستعار للكثرة إذا دلت قرينة ، وهي هنا المدح والامتنان ، فقال :( أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ ) ولما كان ماء الدنيا مختلف الطعوم على ثلاثة : حلو وعذب وملح ، مع اتحاد الأرض ببساطتها وشدة اتصالها للدلالة على أن فاعل ذلك قادر مختار ، وقد يكون آسنا أي متغيرا عن الماء الذي يشرب بريح منتنة من أصل خلقه أو من عارض عرض له من منبعه أو مجراه قال :( غَيْرِ آسِنٍ ) أي ثابت له في وقت ما شيء من الطعم أو الريح أو اللون بوجه من الوجوه وإن طالت إقامته وإن أضيف إليه غيره فإنه لا يقبل التغير بوجه.

ولما كان أكثر شرابهم بعد الماء اللبن ، ثنى به فقال سبحانه :( وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ ) ولما كان التغير غير محمود ، وكانوا يعهدون في الدنيا أن اللبن كله على جميع أنواعه طيب حال نزوله من الضرع مع اختلاف ذوات الدر في الأشكال والأنواع والمقادير والأمزجة ، ومع انفصال كل واحدة منها من الأخرى ، وأنه إنما يتغير بعد حلبه ، عبر بما ينفي التغير في الماضي فقال :( لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ ) أي بنفسه عن أصل خلقته وإن أقام مدى الدهر ، وهذا يفهم أنهم لو أرادوا تغييره لشهوة اشتهوها تغير ، وأنه مع طيبه على أنواع كثيرة كما كان في الدنيا متنوعا.

ولما كان أكثر ما بعد اللبن الخمر قال :( وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ ) ولما كانت الخمر يكثر طعمها ، وإنما يشربها شاربوها لأثرها ، وأنه متى تغير طعمها زال اسمها ، عرف أن كل ما في خمر الجنة في غاية الحسن غير متعرض لطعم فقال :( لَذَّةٍ ) أي ثابتة لها اللذة ودائمة حال شربها وبعده( لِلشَّارِبِينَ ) في طيب الطعم وحسن العاقبة.

١٥٩

ولما كان العسل أعزها وأقلها ، أخره وإن كان أجلها فقال :( وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ ) ولما كان عسل الدنيا لا يوجد إلا مخلوطا بالشمع وغيره من القذى قال :( مُصَفًّى ) أي هو صاف صفاء ما اجتهد في تصفيته من ذلك ، وهذا الوصف ثابت له دائما لا انفكاك له عنه في وقت ما ، فقد حصل بهذا غاية التشويق إلى الجنة بالتمثيل بما يستلذ به من أشربة الدنيا لأنه غاية ما نعلم من ذلك مجردا عما ينقصه أو ينغصه مع الوصف بالغزارة والاستمرار قال البغوي : قال كعب الأحبار : نهر دجلة نهر ماء أهل الجنة ، ونهر الفرات نهر لبنهم ، ونهر مصر نهر خمرهم ، ونهر سيحان نهر عسلهم. وهذه الأنهار الأربعة تخرج من نهر الكوثر. وقال ابن عبد الحكم في فتوح مصر : حدثنا عثمان بن صالح ثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما سأل كعب الأحبار رضي الله عنه : هل تجد لهذا النيل في كتاب الله تعالى خبرا؟ قال : أي والذي فلق البحر لموسى ، إني لأجده في كتاب الله أن اللهعزوجل يوحي إليه في كل عام مرتين ، يوحي إليه عند جريه أن الله يأمرك أن تجري ، فيجري ما كتب الله له ثم يوحي إليه بعد ذلك : يا نيل غر حميدا(١) . حدثنا عبد الله بن صالح حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن كعب الأحبار أنه كان يقول : أربعة أنهار من الجنة وضعها اللهعزوجل في الدنيا. فالنيل نهر العسل في الجنة ، والفرات نهر الخمر في الجنة. وسيحان نهر الماء في الجنة. وجيحان نهر اللبن في الجنة(٢) . حدثنا سعيد بن أبي مريم حدثنا الليث بن سعد وعبد الله بن لهيعة قالا حدثنا يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن أبي جنادة الكناني أنه سمع كعبا يقول : النيل في الآخرة عسلا أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى اللهعزوجل ، ودجلة في الآخرةلبنا أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى اللهعزوجل ، والفرات خمرا أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى اللهعزوجل ، وجيحان ماء أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى الله(٣) وأصل هذا كله ما في الصحيح في صفة الجنة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : سيحان وجيحان والنيل والفرات من أنهار الجنة(٤) : وقال أبو حيان في حكمة ترتيبها غير ما تقدم : إنه بدىء بالماء الذي لا يستغنى عنه في المشروبات ، ثم باللبن إذ كان يجري مجرى المطعومات

__________________

(١) أخرجه في الفتوح ١٤٩ وفيه ابن لهيعة ضعيف مختلط ، وفيه انقطاع ، يزيد لم يسمع من معاوية رضي الله عنه.

(٢) إسناده لا بأس به إن شاء الله رجاله ثقات إلا عبد الله بن صالح كاتب الليث فيه غفلة ، وهو صالح الأمر.

(٣) إسناده واه لو لا أن أبا جنادة متهم بالكذب نسأل الله السلامة ، انظر الميزان ١ / ٥٥٤.

(٤) أخرجه أحمد ٧٨٢٦ و ٩٣٨٢ ومسلم ٢٨٣٩ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.

١٦٠