نظم الدّرر الجزء ٧

نظم الدّرر0%

نظم الدّرر مؤلف:
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 631

نظم الدّرر

مؤلف: برهان الدين البقاعي
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
تصنيف:

الصفحات: 631
المشاهدات: 155
تحميل: 18


توضيحات:

بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 631 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 155 / تحميل: 18
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 7

مؤلف:
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
العربية

يحب لذاته بل لفائدته ، وحفظ المروءة أعظم وأفضل وأقوى من التنعم بالأكل الكثير مثلا.

ولما أخبر ببخلهم لو سئلوا جميع أموالهم أو أكثرها ، دل عليه بمن يبخل منهم عما سأله منهم وهو جزء يسير جدا من أموالهم ، فقال منبها لهم على حسن تدبيره لهم وعفوه عنهم عند من جعل «ها» للتنبيه ، ومن جعل الهاء بدلا من همزة استفهام جعلها للتوبيخ والتقريع ، لأن من حق من دعاه مولاه أن يبادر للإجابة مسرورا فضلا أن يبخل ، وفي هاء التنبيه ولا سيما عند من يرى تكررها تأكيد لأجل استبعادهم أن أحدا يبخل عما يأمر الله به سبحانه :( ها أَنْتُمْ ) وحقر أمرهم أو أحضره في الذهن وصوره بقوله :( هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ ) أي إلى ربكم الذي لا يريد بدعائكم إلا نفعكم وأما هو فلا يلحقه نفع ولا ضر( لِتُنْفِقُوا ) شيئا يسيرا من الزكاة وهي ربع العشر ونحوه ، ومن نفقة الغزو وقد يحصل من الغنيمة أضعافها والحج وقد يحصل من المتجر أو أكثر ، وقد عم ذلك وغيره قوله :( فِي سَبِيلِ اللهِ ) أي الملك الأعظم الذي يرجى خيره ويخشى ضيره ، بخلاف من يكون وما يكون به اللهو واللعب.

ولما أخبر بدعائهم ، فصلهم فقال تعالى :( فَمِنْكُمْ ) أي أيها المدعون( مَنْ يَبْخَلُ ) وهو منكم لا شك فيه ، وحذف القسم الآخر وهو «ومنكم من يجود» لأن المراد الاستدلال على ما قبله من البخل. ولما كان بخله عمن أعطاه المال بجزء يسير منه إنما طلبه ليقع المطلوب منه فقط زاد العجب بقوله :( وَمَنْ ) أي والحال أنه من( يَبْخَلُ ) بذلك( فَإِنَّما يَبْخَلُ ) أي بماله بخلا صادرا( عَنْ نَفْسِهِ ) التي هي منبع الدنايا ، فلا تنفس ولا تنافس إلا في الشيء الخسيس ، فإن نفع ذلك الذي طلب منه فبخل به إنما هو له ، وأكده لأنه لا يكاد أحد يصدق أن عاقلا يتجاوز بماله عن نفع نفسه ، ولذا حذف «ومن يجد فإنما يجد على نفسه» لفهمه عن السياق واستغناء الدليل عنه ، هذا والأحسن أن يكون «يبخل» متضمنا «يمسك» ثم حذف «يمسك» ودل عليه بحال محذوفة دل عليها التعدية بعن.

ولما كان سؤال المال قد يوهم شيئا ، قال مزيلا له مقررا لأن بخل الإنسان إنما هو عن نفسه عطفا على ما تقديره : لأن ضرر بخله إنما يعود عليه وهو سبحانه لم يسألكم ذلك لحاجته إليه ولا إلى شيء منكم ، بل لحاجتكم إلى الثواب ، وهو سبحانه قد بنى أمور هذه الدار كما اقتضته الحكمة على الأسباب :( وَاللهُ ) أي الملك الأعظم الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال( الْغَنِيُ ) أي وحده( وَأَنْتُمُ ) أيها المكلفون خاصة( الْفُقَراءُ ) لأن العطاء ينفعكم والمنع يضركم. فمن افتقر منكم إلى فقير مثله وقع

١٨١

في الذل والهوان ، وقد جرت عادتكم أن يداخلكم من السرور ما لا يجد إذا طلب من أحد منكم أحد من الأجواد الأغنياء شيئا طمعا في جزائه ، فكونوا كذلك وأعظم إذا طلب منكم الغنى المطلق.

ولما كان التقدير : فإن تقبلوا بنولكم تفلحوا عطف عليه قوله مرهبا لأن الترهيب أردع :( وَإِنْ تَتَوَلَّوْا ) أي توقعوا التولي عنه تكلفوا أنفسكم ضد ما تدعو إليه الفطرة الأولى من السماح بذلك الجزاء اليسير جدا الموجب للثواب الخطير والفوز الدائم ، ومن الجهاد في سبيله ، والقيام بطاعته ، لكونه المحسن الذي لا محسن في الحقيقة غيره( يَسْتَبْدِلْ ) أي يوجد( قَوْماً ) فيهم قوة وكفاية لما يطلب منهم محاولته.

ولما كان ذلك مفهما أنهم غيرهم ، لكنه لا يمنع أن يكونوا ـ مع كونهم غير أعيانهم ـ من قومهم أو أن يشأ دونهم في الصفات وإن كانوا من غير قومهم ، نبه على أنهم يكونون من غير قومهم وعلى غير صفاتهم ، بل هم أعلى منهم درجة وأكرم خليقة وأحسن فعلا فقال تعالى :( غَيْرَكُمْ ) أي بدلا منكم وهو على غير صفة التولي.

ولما كان الناس متقاربين في الجبلات ، وكان المال محبوبا ، كان من المستبعد جدا أن يكون هذا البذل على غير ما هم عليه ، قال تعالى مشيرا إلى ذلك بحرف التراخي تأكيدا لما أفهمه ما قلته من التعبير ب «غير» وتثبيتا له :( ثُمَ ) أي بعد استبعاد من يستبعد وعلو الهمة في مجاوزة بجميع عقبات النفس والشيطان :( لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ ) في التولي عنه بترك شيء مما أمر به أو فعل شيء مما نهى عنه ، ومن قدر على الإيجاد قدر على الإعدام. بل هو أهون في مجاري العادات ، فقد ثبت أنه سبحانه لو شاء لانتصر من الكفار ، إما بإهلاكهم أو إما بناس غيركم بضرب رقابهم وأسرهم ، وغير ذلك من أمرهم ، وثبت بمواصلة ذم الكفار مع قدرته عليهم أنه أبطل أعمالهم ، فرجع بذلك أول السورة إلى آخرها ، وعانق موصلها ما ترى من مفصلها ، وعلم أن معنى هذا الآخر وذلك الأول أنه سبحانه لا بد من إذلاله للكافرين وإعزازه للمؤمنين لأنهم إن أقبلوا على ما يرضيه فجاهدوا نصرهم نصرا عزيزا بما ضمنه قوله تعالى( إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ ) وإن تتولوا أتى بقوم غيركم يقبلون عليه فيصدقهم وعده ، فصار خذلانهم أمرا متحتما ، وهو معنى أول سورة محمد ـ والله الموفق لما يريد من الصواب.

١٨٢

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة الفتح

مدنية ـ آياتها تسع وعشرون

مقصودها مدلول اسمها الذي يعم فتح مكة وما تقدمه من صلح الحديبية وفتح خيبر ونحوهما ، وما وقع تصديق الخبر به من غلب الروم على أهل فارس وما تفرغ من فتح مكة المشرفة من إسلام أهل جزيرة العرب وقتال أهل الردة وفتوح جميع البلاد الذي يجمعه كله إظهار الدين على الدين كله ، وهذا كله في غاية الظهور بما نطق به ابتداؤها وأثناؤها في مواضع منها( لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِ ) الآية وانتهاؤها ليظهر( عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ ) إلى قوله( لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ) أي بالفتح الأعظم وما دونه من الفتوحات( وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً ) كما كان في أولها للرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم ( وَأَجْراً عَظِيماً ) كذلك بسائر الفتوحات وما حوت من الغنائم للثواب الجزيل على ذلك في دار الجزاء( بِسْمِ اللهِ ) الملك الأعظم المحيط بكل شيء قدرة وعلما( الرَّحْمنِ ) الذي عم المكلفين بنعمة الوعد والوعيد( الرَّحِيمِ ) الذي اختص أهل حزبه لإقامة دينه الحق فأظهرهم على سائر العبيد.

( إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٢) وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْراً عَزِيزاً (٣) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً (٤) )

لما كانت تلك سورة الجهاد وكانت هذه سورة محمد بشارة للمجاهدين من أهل هذا الدين بالفوز والنصر والظفر على كل من كفر ، وهذا كما سيأتي من إيلاء سورة النصر لسورة الكافرون ، فأخبرت القتال عن الكافرين بإبطال الأعمال والتدمير وإهلاكهم بالقتال ، وإفساد جميع الأحوال ، وعن الذين آمنوا بما نزل على محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم بالهداية وإصلاح البال ، وختمها بالتحريض على مجاهدتهم بعد أن ضمن لمن نصره منهم النصر وتثبيت الأقدام ، وهدد من أعرض باستبدال غيره به ، وأن ذلك البدل لا يتولى عن العدو

١٨٣

ولا ينكل عنه ، فكان ذلك محتما لسفول الكفر وعلو الإيمان ، وذلك بعينه هو الفتح المبين ، فافتتح هذه بقوله على طريق النتيجة لذلك بقوله مؤكدا إعلاما بأنه لا بد منه وأنه مما ينبغي أن يؤكد لابتهاج النفوس الفاضلة به ، وتكذيب من في قلبه مرض وهم أغلب الناس في ذلك الوقت :( إِنَّا ) أي بما لنا من العظمة التي لا تثبت لها الجبال( فَتَحْنا ) أي أوقعنا الفتح المناسب لعظمتنا لكل متعلق بإتقان الأسباب المنتجة له من غير شك ، ولذلك عبر عنه بالماضي.

ولما كانت منفعة ذلك لهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لأن إعلاء كلمة الله يكون به فيعليه ويمتلىء الأرض من أمنه ، فلا يعمل منهم أحد حسنة إلا كان له مثل أجرها ويكونون على قصر زمنهم ثلثي أهل الجنة ، فيكون ذلك شرفا له ـ إلى غير ذلك من الأسرار ، التي يعيى دون أيسرها الكفار ، قال :( لَكَ ) أي بصلح الحديبية في ذي القعدة سنة ست من الهجرة التي نزلت هذه السورة في شأنه ، يصحبان في الرجوع منه إلى المدينة المشرفة ، قال الأزهري : لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية ، وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين فسمعوا كلامهم فرأوا ما لا أعدل منه ولا أحسن ، فاستولى الإسلام على قلوبهم وتمكن منهم فأسلم منهم في ثلاث سنين خلق كثير ، وكذا كان من الفتح تقوية أمرهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بالتصديق فيما أنزل عليه من سورة من غلبهم على أهل فارس في رواية من قال : إنه كان في زمن الحديبية ، ثم زاده تأكيدا بقوله :( فَتْحاً ) وزاد في إعظامه بقوله :( مُبِيناً ) أي لا لبس فيه على أحد ، بل يعلم كل ذي عقل به أنك ظاهر على جميع أهل الأرض لأنك كنت وحدك ، وكان عند أهل الكفر أنك في أيديهم ، وأن أمرك لا يعدو فمك ، فتبعك ناس ضعفاء فعذبوهم وكانوا معهم في أسوأ الأحوال ، وتقرر ذلك في أذهانهم مددا طوالا ثلاث عشرة سنة ، ثم انقذ الله أتباعك منهم بالهجرة إلى النجاشيرحمه‌الله تعالى أولا ، وإلى المدينة الشريفة ثانيا ، وهم مطمئنون بأنك أنت ـ وأنت رأسهم ـ لا ينتظم لهم بدونك أمر ، ولا يحصل لكسرهم ما لم تكن معهم جبر ، بأنك في قبضتهم لا خلاص لك أبدا منهم ولا انفكاك من بلدتهم ، فاستخرجك الله من عندهم بعد أن حماك على خلاف القياس وأنت بينهم من أن يقتلوك ، مع اجتهادهم في ذلك واستفراغهم قواهم في أذاك ، ثم بذلوا جهدهم في منعك من الهجرة فما قدروا ، ثم في ردك فما أطاقوا ولا فازوا ولا ظفروا. بل غلبوا وقهروا ، ثم أيدك بأنصار أبرار أخيار فكنتم على قلتكم كالليوث الكواسر والبحار الزواخر ، ما ملتم على جهة إلا غمرتموها ، وفزتم بالنصف من أربابها قتلتموها أو أسرتموها ولم تزالوا تزدادون وتقوون ، وهم ينقصون ويضعفون ، حتى أتيتموهم في بلادهم التي هم قاطعون بأنهم ملوكها ، يتعذر على غيرهم غلبهم عليها بل

١٨٤

سلوكها ، فما دافعوكم عن الدخول عليهم إلا بالراح ، وسألوكم في وضع الحرب للدعة والإصلاح ، فقد ظهرت أعلام الفتح أتم ظهور ، وعلم أرباب القلوب أنه لا بد أن تكون في امتطائكم الذرى وسموكم إلى رتب المعالي أمور وأيّ أمور ، وروى الإمام أحمد عن مجمع بن جارية الأنصاري رضي الله عنه قال : شهدنا الحديبية مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلما انصرفنا منها إذا الناس يهزون الأباعر فقال بعضهم : ما بال الناس؟ قالوا : أوحي إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قال : فخرجنا نوجف ، فوجدنا النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم واقفا على راحلته عند كراع الغميم ، فلما اجتمع عليه الناس قرأ( إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ) فقال عمر رضي الله عنه : أو فتح هو يا رسول الله؟ قال : نعم ، والذي نفسي بيده(١) .

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : ارتباط هذه السورة بالتي قبلها واضح من جهات ـ وقد يغمض بعضها ـ منها أن سورة القتال لما أمروا فيها بقتال عدوهم في قوله تعالى( فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ ) الآية ، وأشعروا بالمعونة عند وقوع الصدق في قوله( إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ ) استدعى ذلك تشوف النفوس إلى حال العاقبة فعرفوا ذلك في هذه السورة فقال تعالى( إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ) ـ الآيات ، فعرف تعالى نبيهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بعظيم صنعه له ، وأتبع ذلك بشارة المؤمنين العامة فقال( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ ) ـ الآيات ، والتحمت إلى التعريف بحال من نكث من مبايعتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وحكم المخلفين من الأعراب ، والحض على الجهاد ، وبيان حال ذوي الأعذار ، وعظيم نعمته سبحانه على أهل بيعته( لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ ) وأثابهم الفتح وأخذ المغانم وبشارتهم بفتح مكة( لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ ) إلى ما ذكر سبحانه من عظيم نعمته عليهم وذكرهم في التوراة والإنجيل ما تضمنت هذه السورة الكريمة ، ووجه آخر وهو أنه لما قال الله تعالى في آخر سورة القتال( فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ ) كان هذا إجمالا في عظيم ما منحهم وجليل ما أعطاهم ، فتضمنت سورة محمد تفسير هذا الإجمال وبسطه ، وهذا يستدعي من بسط الكلام ما لم تعتمده في هذا التعليق ، وهو بعد مفهوم مما سبق من الإشارات في الوجه الأول ، ووجه آخر مما يغمض وهو أن قوله تعالى( وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ ) إشارة إلى من يدخل في ملة الإسلام من الفرس وغيرهم عند تولي العرب ، وقد أشار أيضا إلى هذا قوله تعالى( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ) [المائدة : ٥٤] وأشار إلى ذلك عليه الصلاة

__________________

(١) أخرجه أحمد ١٥٠٤٤ والحاكم ٢ / ٤٥٩ عن مجمع بن جارية الأنصاري رضي الله تعالى عنه.

وفي إسناده يعقوب قال ابن حجر : مقبول ـ أي حيث يتابع ـ ولم يتابع.

١٨٥

والسّلام : ويل للعرب من شر قد اقترب ، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا(١) ـ وعقد السبابة بالإبهام ، أشار عليه الصلاة والسّلام إلى تولي العرب واستيلاء غيرهم الواقع في الآيتين ، وإنما أشار عليه الصلاة والسّلام بقوله «اليوم» إلى التقديم والتأخير ، وفرغ هذا الأمر إلى أيام أبي جعفر المنصور ، فغلبت الفرس والأكراد وأهل الصين وصين الصين ـ وهو ما يلي يأجوج ومأجوج ـ وكان فتحا وعزا وظهورا لكلمة الإسلام ، وغلب هؤلاء في الخطط والتدبير الإماري وسادوا غيرهم ، ولهذا جعلصلى‌الله‌عليه‌وسلم مجيئهم فتحا فقال : «فتح اليوم» ولو أراد غير هذا لم يعبر بفتح ، ألا ترى قول عمر لحذيفة رضي الله عنهما في حديث الفتن حين قال له «إن بينك وبينها بابا مغلقا» فقال عمر : أيفتح ذلك الباب أم يكسر؟ فقال : بل يكسر(٢) . ففرق بين الفتح والكسر ، وإنما أشار إلى قتل عمر رضي الله عنه ، ولذا قال عليه الصلاة والسّلام : «فتح» وقال : «من ردم يأجوج ومأجوج»(٣) وأراد من نحوهم وجهتهم وأقاليمهم ، لأن الفرس ومن أتى معهم هم أهل الجهات التي تلي الردم ، فعلى هذا يكون قوله تعالى :( وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ) إشارة إلى غلبة من ذكرنا وانتشارهم في الولايات والخطط الدينية والمناصب العلمية. ولما كان هذا قبل أن يوضح أمره يوهم نقصا وخطأ ، بين أنه تجديد فتح وإعزاز منه تعالى لكلمة الإسلام ، فقال تعالى :( إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ) الآيات ، ذكر القاضي أبو بكر بن العربي في تلخيض التلخيض علماء المالكية مشيرا إلى تفاوت درجاتهم ثم قال : وأمضاهم في النظر عزيمة وأقواهم فيه شكيمة أهل خراسان : العجم أنسابا وبلدانا ، والعرب عقائد وإيمانا ، الذين ينجز فيهم وعد الصادق المصدوق ، وملكهم الله مقاليد التحقيق حين أعرضت العرب عن العلوم وتولت عنها ، وأقبلت على الدنيا واستوثقت منها ، قال أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : يا رسول الله! من هؤلاء الذين قال الله( وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ ) فأشار عليه الصلاة والسّلام إلى سلمان وقال : لو كان الإيمان في الثريا لناله رجال من هؤلاء(٤) ـ انتهى.

ولما أخبر سبحانه بالفتح عقب سورة (الذين كفروا) بشارة بظهور أهل هذا الدين وإدبار الكافرين ـ كما سيأتي في إيلاء سورة النصر بسورة الكافرين ، لذلك علل الفتح

__________________

(١) أخرجه أحمد ٦ / ٤٢٨ والبخاري ٣٣٤٦ ومسلم ٢٨٨٠ وابن ماجة ٣٩٥٣ والترمذي ٢١٨٧ عن زينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها.

(٢) أخرج هذا الأثر الإمام البخاري ٧٠٩٦ ومسلم ١٤٤ عن حذيفة رضي الله تعالى عنه.

(٣) تقدم آنفا.

(٤) أخرجه أحمد ٢ / ٤١٧ والبخاري ٤٨٩٨ ومسلم ٢٥٤٦ والترمذي ٣٣١٠ و ٣٩٣٣ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.

١٨٦

بالمغفرة وما بعدها رمزا إلى وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ بروحي هو وأبي وأمي ـ وإيماء إلى أن المراد من إخراجه إلى دار الفناء إنما هو إظهار الدين القيم وإزهاق الباطل لتعلو درجته وتعظم رفعته ، فعند حصول الفتح تم المراد كما كانت سورة النصر الوالية للكافرين رامزة إلى ذلك كما هو مشهور ومذكور ومسطور ، فالفتح الذي هو أحد العلامات الثلاث المذكورة كما في سورة النصر على جميع المناوين ، الذي هو السبب الأعظم في ظهور دينه على الدين كله الذي هو العلامة العظمى على اقتراب أجله ـ نفسي فداؤه وإنسان عيني من كل سوء وقاؤه ـ فقال تعالى :( لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ) مشيرا بالانتقال من أسلوب العظمة بالنون إلى أسلوب الغيبة المشير إلى غاية الكبرياء بالإسناد إلى الاسم الأعظم إلى أن هذه المغفرة بحسب إحاطة هذا الاسم الجامع لجميع الأسماء الحسنى :( ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ ) أي الذي تقدم في القتال أمرك بالاستغفار له وهو مما ينتقل به من مقام كامل إلى مقام فوقه أكمل منه ، فتراه بالنسبة إلى أكملية المقام الثاني ذنبا ، وكذا قوله :( وَما تَأَخَّرَ ) قال الرازي : المغفرة المعتبرة لها درجات كما أن الذنوب لها درجات «حسنات الأبرار سيئات المقربين» انتهى. ويجوز أن يكون المراد : لتشاهد المغفرة بالنقلة إلينا بعد علم اليقين بعين اليقين وحق اليقين ، فالمعنى أن الله يتوفاهصلى‌الله‌عليه‌وسلم عقب الفتح ودخول جميع العرب الذين يفتتحون جميع البلاد ويهدي الله بهم سائر العباد في دينه ، ويأس الشيطان من أن يعبد في جزيرتهم إلا بالمحقرات لوجود المقصود من امتلاء الأكوان بحسناتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وعموم ما دل عليه اسمه المذكور في هاتين السورتين من حمده تعالى بكماله في ذاته وصفاته ببلوغ أتباعه إلى حد لا يحصرون فيه بعد ، ولا يقف لهم مخلوق على حد.

ولما كان تمام النعمة يتحقق بشيئين : إظهار الدين والتقلة إلى مرافقة النبيين ، قال تعالى مخبرا بالشيئين :( وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ) بنقلك من عالم الشهادة إلى عالم الغيب ، ومن عالم الكون والفساد إلى عالم الثبات والصلاح ، الذي هو أخص بحضرته وأولى برحمته وإظهار أصحابك من بعدك على جميع أهل الملل ، ويدحضون شبه الشيطان ، ويدمغون كل كفران ، وينشرون رايات الإيمان في جميع البلدان ، بعد إذلال أهل العدوان ، ومحو كل طغيان.

ولما كانت هدايتهم من هدايته ، أضافها سبحانه إليه إعلاما له أنها هداية تليق بجنابه الشريف سرورا له فقال :( وَيَهْدِيَكَ ) أي بهداية جميع قومك( صِراطاً مُسْتَقِيماً ) أي واضحا جليلا جليا موصلا إلى المراد من كتاب لا عوج فيه بوجه ، هداية تقتضي لزومه والثبات عليه( وَيَنْصُرَكَ اللهُ ) بنصرهم على ملوك الأمم وجلائهم

١٨٧

لسائر الغمم ، نصرا يليق إسناده إلى اسمه المحيط بسائر العظم( نَصْراً عَزِيزاً ) أي يغلب المنصور به كل من ناواه ولا يغلبه شيء مع دوامه فلا ذل بعده لأن الأمة التي تنصف به لا يظهر عليها أحد ، والدين الذي قضاه لأجله لا ينسخه شيء.

ولما كانصلى‌الله‌عليه‌وسلم قد أخبر المؤمنين برؤياه أنه يطوف بالكعبة الشريفة ، وعزم على العمرة عام الحديبية ، وخرجصلى‌الله‌عليه‌وسلم وخرج معه خلاصة أصحابه ألف وخمسمائة ، فكانوا موقنين أنهم يعتمرون في وجههم ذلك ، وقر ذلك في صدورهم وأشربته قلوبهم ، فصار نزعه منها أشق شيء يكون ، قصدهم المشركون بعد أن بركت ناقته وصالحهمصلى‌الله‌عليه‌وسلم على أن يرجع عنهم في ذلك العام ويعتمر في مثل ذلك الوقت من القابل ، وكان ذلك ـ بل أدنى منه ـ مزلزلا للاعتقاد مطرقا للشيطان الوسوسة في الدين ، وقد كان مثله في الإسراء ولم يكنصلى‌الله‌عليه‌وسلم أخبر بما يوهم في أمره فارتد ناس كثير بسببه ، قال تعالى دالا على النصر بتثبيت المؤمنين في هذا المحل الضنك إظهارا لتمام قدرته ولطيف حكمته :( هُوَ ) أي وحده( الَّذِي أَنْزَلَ ) في يوم الحديبية( السَّكِينَةَ ) أي الثبات على الدين( فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ ) أي الراسخين في الإيمان وهم أهل الحديبية بعد أن دهمهم فيها ما من شأنه أن يزعج النفوس ويزيغ القلوب من صد الكفار ورجوع الصحابة رضي الله تعالى عنهم دون مقصودهم ، فلم يرجع أحد منهم عن الإيمان بعد أن ماج الناس وزلزلوا حتى عمر رضي الله عنه ـ مع أنه الفاروق ومع وصفه في الكتب السالفة بأنه قرن من حديد ـ فما الظن بغيره في فلق نفسه وتزلزل قلبه ، وكان للصديق رضي الله عنه من القدم الثابت والأصل الراسخ ما علم به رضي الله عنه أنه لا يسابق ، ثم ثبتهم الله أجمعين ، قال الرازي : والسكينة الثقة بوعد الله ، والصبر على حكم الله ، بل السكينة ههنا معين بجمع فوزا وقوة وروحا ، يسكن إليه الخائف ويتسلى به الحزين ، وأثر هذه السكينة الوقار والخشوع وظهور الحزم في الأمور ـ انتهى. وكل من رسخ في الإيمان ، له في هذه الآية نصيب جناه دان.

ولما أخبر بما لا يقدر عليه غيره ، علله بقوله :( لِيَزْدادُوا ) أي بتصديق الرسول حين قال لهم : إنهم لا بد أن يدخلوا مكة ويطوفوا بالبيت العتيق ، وحلهم الله به من الشبهة بتذكرهم أنه لم يقل لهم : إنهم يدخلون العام( إِيماناً ) بهذا التصديق بالغيب من أن صلحهم للكفار ورجوعهم من غير بلوغ قصدهم هو عين الفتح لترتب الصلح عليه وترتب فشو الإسلام على الصلح كما كشف عنه الوجود بعد ذلك ليقيسوا عليه غيره من الأوامر( مَعَ إِيمانِهِمْ ) الثابت من قبل هذه الواقعة ، قال القشيريرحمه‌الله : بطلوع أقمار اليقين على نجوم علم اليقين ، ثم بطلوع شمس حق اليقين على بدر عين اليقين.

١٨٨

ولما كان ربما ظن شقي من أخذ الأمور بالتدريج شيئا في القدرة قال :( وَلِلَّهِ ) أي الذي أنزل السكينة عليهم ليكون نصرهم في هذه العمرة بالقوة ثم يكون عن قريب بالفعل والحال أنه له وحده( جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) أي جميعها ، ومنها السكينة ، يدبرهم بلطيف صنعه وعجيب تدبيره ، فلو شاء لنصر المؤمنين الآن بالفعل ، ودمر على أعدائهم بجنود من جنوده أو بغير سبب ، لكنه فعل ذلك ليكون النصر بكم ، فيعلو أمركم ويعظم أجركم ، ويظهر الصادق في نصره من الكاذب ، فإن الدار دار البلاء ، وبناء المسببات على الأسباب على وجه الأغلب فيه الحكمة ، لا القهر وظهور الكلمة ، فاسمه الباطن هو الظاهر في هذه الدار ، فلذلك ترى المسببات مستورات بأسبابها ، فلا يعلم الحقائق إلا البصراء ألا ترى أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لما نزلت عليه هذه السورة فتلاها عليهم قال بعض الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين : أي رسول الله وفتح هو؟ وقال بعضهم : لقد صدونا عن البيت وصدوا هدينا ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : بئس الكلام هذا ، بل هو أعظم الفتح ، أما رضيتم أن تطرقوهم في بلادهم فيدفعوكم عنها بالراح ويسألوكم التضير ويرغبوا إليكم في الأمان وقد رأوا منكم ما كرهوا وأظفركم الله عليهم وردكم سالمين مأجورين ، فهو أعظم الفتوح ، أنسيتم يوم أحد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم في أخراكم ، أنسيتم يوم الأحزاب إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنون(١) ، فقال المسلمون : صدق الله ورسوله فهو أعظم الفتوح. والله يا نبي الله ما فكرنا فيما فكرت فيه ولأنت أعلم بالله وأمره منا. وأنزل الله تأكيدا لأمر الرؤيا لمن أشكل عليهم حالها( لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ ) الآية ، فهذه الأشياء كلها كما ترى راجعة إلى الخفاء بالتعجب في أستار الأسباب ، فلا يبصرها إلا أرباب التدقيق في النظر في حكمة الله سبحانه.

ولما كان مبنى ما مضى كله على القدرة بأمور خفية يظهر منها من الضعف غير ما كشف عنه الزمان من القوة ، وكان تمام القدرة متوقفا على شمول العلم ، قال تعالى :( وَكانَ اللهُ ) أي الملك الأعظم أزلا وأبدا( عَلِيماً ) بالذوات والمعاني( حَكِيماً ) في إتقان ما يصنع ، فرده لهم عن هذه العمرة بعد أن دبر أمر الصلح ليأمن الناس فيداخل بعضهم بعضا لما علم من أنه لا يسمع القرآن أحد له عقل مستقيم ويرى ما عليه أهله من شدة الاستمساك به والبغض لما كانوا فيه من متابعة الآباء إلا بادر إلى المتابعة ودخل

__________________

(١) أخرجه البيهقي في الدلائل ٤ / ١٦٠ من عدة طرق عن عروة مرسلا ، وانظر الدر المنثور ٦ / ٥٨.

١٨٩

في الدين برغبة ، وأدخل سبحانه خزاعة في صلح النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وبني بكر وهم أعداؤهم في صلح قريش ليبغوا عليهم فتعينهم قريش الصلح بعد أن كثرت جنود الله وعز ناصر الدين ، فيفتح الله بهم مكة المشرفة ، فتنشر أعلام الدين ، وتخفق ألوية النصر المبين ، ويدخل الناس في الدين أفواجا ، فيظهر دين الإسلام على جميع الأديان.

( لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزاً عَظِيماً (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (٦) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً (٧) إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٨) )

ولما دل على الفتح بالنصر وما معه ، وعلل الدين بالسكينة ، علل علة الدليل وهي( لِيَزْدادُوا إِيماناً ) وعلل ما دل عليه ملك الجنود من تدبيرهم وتدبير الأكوان بهم بقوله تعالى زيادة في السكينة :( لِيُدْخِلَ ) أي بما أوقع في السكينة( الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ) الذين جبلهم جبلة خير بجهاد بعضهم ودخول بعضهم في الدين بجهاد المجاهدين ، ولو سلط على الكفار جنوده من أول الأمر فأهلكوهم أو دمر عليهم بغير واسطة لفات دخول أكثرهم الجنة ، وهم من آمن منهم بعد صلح الحديبية( جَنَّاتٍ ) أي بساتين لا يصل إلى عقولكم من وصفها إلا ما تعرفونه بعقولكم وإن كان الأمر أعظم من ذلك( تَجْرِي ) ودل وقرب وبعض بقوله :( مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ) فأي موضع أردت أن تجري منه نهرا قدرت على ذلك ، لأن الماء قريب من وجه الأرض مع صلابتها وحسنها. ولما كان الماء لا يطيب إلا بالقرار قال تعالى :( خالِدِينَ فِيها ) أي لا إلى آخر.

ولما كان السامع لهذا ربما ظن أن فعله ذلك باستحقاق ، قال إشارة إلى أنه لا سبب إلا رحمته :( وَيُكَفِّرَ ) أي يستر سترا بليغا شاملا( عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ ) التي ليس من الحكمة دخول الجنة دار القدس قبل تكفيرها ، بسبب ما كانوا متلبسين به منها من الكفر وغيره ، فكان ذلك التكفير سببا لدخولهم الجنة( وَكانَ ذلِكَ ) أي الأمر العظيم من الإدخال والتكفير المهيىء له ، وقدم الظرف تعظيما لها فقال تعالى :( عِنْدَ اللهِ ) أي الملك الأعظم ذي الجلال والإكرام( فَوْزاً عَظِيماً ) يملأ جميع الجهات.

ولما كان من أعظم الفوز إقرار العين بالانتقام من العدو وكان العدو المكاتم أشد من العدو المجاهر المراغم قال تعالى :( وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ ) أي يزيل كل ما لهم من

١٩٠

العذوبة( وَالْمُنافِقاتِ ) بما غاظهم من ازدياد الإيمان( وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ ) بصدهم الذي كان سببا للمقام الدحض الذي كان سببا لإنزال السكينة الذي كان سببا لقوة أهل الإسلام بما تأثر عنه من كثرة الداخلين فيه ، الذي كان سببا لتدمير أهل الكفران ، ثم بعد ذلك عذاب النيران.

ولما أخبر بعذابهم ، أتبعه وصفهم بما سبب لهم ذلك فقال تعالى :( الظَّانِّينَ بِاللهِ ) أي المحيط بجميع صفات الكمال( ظَنَّ السَّوْءِ ) من أنه لا يفي بوعده في أنه ينصر رسولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأتباعه المؤمنين أو أنه لا يبعثهم. أو أنه لا يعذبهم لمخالفة رسولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ومشاققة أتباعه. ولما أخبر سبحانه وتعالى بعذابهم فسره بقوله :( عَلَيْهِمْ ) أي في الدنيا والآخرة بما يخزيهم الله به من كثرة جنوده وغيظهم منهم وقهرهم بهم( دائِرَةُ السَّوْءِ ) التي دبروها وقدروها للمسلمين لا خلاص لهم منها ، فهم مخذولون في كل موطن خذلانا ظاهرا يدركه كل أحد ، وباطنا يدركه من أراد الله تعالى من أرباب البصائر كما اتفق في هذه العمرة ، والسوء ـ بالفتح والضم : ما يسوء كالكره إلا أنه غلب في أن يضاف إلى ما يراد ذمه ، والمضموم جار مجرى الشر الذي هو ضد الخير ـ قاله في الكشاف. ولما كان من دار عليه السوء قد لا يكون مغضوبا عليه ، قال :( وَغَضِبَ اللهُ ) أي الملك الأعظم بما له من صفات الجلال والجمال فاستعلى غضبه( عَلَيْهِمْ ، ) وهو عبارة عن أنه يعاملهم معاملة الغضبان بما لا طاقة لهم به. ولما كان الغضب قد لا يوجب الإهانة والإبعاد قال :( وَلَعَنَهُمْ ) أي طردهم طردا سفلوا به أسفل سافلين ، فبعدوا به عن كل خير.

ولما قرر ما لهم في الدارين ، وكان قد يظن أنه يخص الدنيا فلا يوجب عذاب الآخرة ، أتبعه بما يخصها فقال :( وَأَعَدَّ ) أي هيأ الآن( لَهُمْ جَهَنَّمَ ) تلقاهم بالعبوسة والغيظ والزفير والتجهم كما كانوا يتجهمون عباد الله مع ما فيها من العذاب بالحر والبرد والإحراق ، وغير ذلك من أنواع المشاق. ولما كان التقدير : فساءت معدا ، عطف عليه قوله :( وَساءَتْ مَصِيراً ) .

ولما كان هذا معلما بأن الكفار ـ مع ما يشاهد منهم من الكثرة الظاهرة والقوة المتضافرة المتوافرة ـ لا اعتبار لهم لأن البلاء محيط بهم في الدارين ، وكان ذلك أمرا يوجب تشعب الفكر في المؤثر فيهم ذلك ، عطف على ما تقديره إعلاما بأن التدبير على هذا الوجه لحكم ومصالح يكل عنها الوصف ، ودفعا لما قد يتوهمه من لم يرسخ إيمانه مما يجب التنزيه عنه : فلله القوة جميعا يفعل ما يشاء فيمن يشاء من غير سبب ترونه :( وَلِلَّهِ ) أي الملك الأعظم( جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) فهو يسلط ما يشاء منها على من يشاء.

١٩١

ولما كان ما ذكر من عذاب الأعداء وثواب الأولياء متوقفا على تمام العلم ونهاية القدرة التي يكون بها الانتقام والسطوة قال تعالى :( وَكانَ اللهُ ) الملك الذي لا أمر لأحد مع أزلا وأبدا( عَزِيزاً ) يغلب ولا يغلب( حَكِيماً ) يضع الشيء في أحكم مواضعه ، فلا يستطاع نقض شيء مما ينسب إليه سبحانه وتعالى.

ولما تبين أنه ليس لغيره مدخل في إيجاد النصر ، وكانت السورة من أولها حضرة مخاطبة وإقبال فلم يدع أمر إلى نداء بياء ولا غيرها. وكان كأنه قيل : فما فائدة الرسالة إلى الناس؟ أجيب بقوله تقريرا لما ختم به من صفتي العزة والحكمة.( إِنَّا ) بما لنا من العزة والحكمة( أَرْسَلْناكَ ) أي بما لنا من العظمة التي هي معنى العزة والحكمة إلى الخلق كافة( شاهِداً ) على أفعالهم من كفر وإيمان وطاعة وعصيان ، من كان بحضرتك فبنفسك ومن كان بعد موتك أو غائبا عنك فبكتابك ، مع ما أيدناك به من الحفظة من الملائكة.

ولما كانت البشارة محبوبة إلى النفوس رغبهم فيما عنده من الخيرات وحببهم فيه بصوغ اسم الفاعل منها مبالغة فيه فقال تعالى :( وَمُبَشِّراً ) أي لمن أطاع بأنواع البشائر. ولما كانت لنذارة كريهة جدا ، لا يقدم على إبلاغها إلا من كمل عرفانه بما فيها من المنافع الموجبة لتجشم مرارة الإقدام على الصدع بها ، أتى بصيغة المبالغة فقال تعالى :( وَنَذِيراً ) .

( لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٩) إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (١٠) )

ولما ذكر حال الرسالة ، ذكر علتها فقال :( لِتُؤْمِنُوا ) أي الذين حكمنا بإيمانهم ممن أرسلناك إليهم ـ هذا على قراءة ابن كثير وأبي عمرو بالغيب ، وعلى قراءة الباقين بالخطاب المعنى. أيها الرسول ومن قضينا بهداه من أمته ، مجددين لذلك في كل لحظة مستمرين عليه ، وكذا الأفعال بعده ، وذلك أعظم لطفا لما في الأنس بالخطاب من رجاء الاقتراب( بِاللهِ ) أي الذي لا يسوغ لأحد من خلقه ـ والكل خلقه ـ التوجه إلى غيره لاستجماعه لصفات الجلال والإكرام( وَرَسُولِهِ ) الذي أرسله من له كل شيء ملكا وملكا إلى جميع خلقه.

ولما كان الإيمان أمرا باطنا ، فلا يقبل عند الله إلا بدليل ، وكان الإيمان بالرسول إيمانا بمن أرسله ، والإيمان بالمرسل إيمانا بالرسول ، وحد الضمير فقال : ويعزروه

١٩٢

أي يعينوه ويقووه وينصروه على كل من ناواه ويمنعوه عن كل من يكيده ، مبالغين في ذلك باليد واللسان والسيف ، وغير ذلك من الشأن فيؤثروه على أنفسهم وغيرها ، تعظيما له وتفخيما ـ هذا حقيقة المادة ، وما خالفه فهو إما من باب الإزالة كالعزور بمعنى الديوث ، وإما من باب الأول كاللوم والضرب دون الحد ، فإنه يوجب للملوم والمضروب وتجنب ما نقم عليه فيعظم ، فهو من إطلاق الملزوم على اللازم ، وهو من وادي ما قيل :

عداي لهم فضل عليّ ومنة

فلا أذهب الرحمن عني الأعاديا

هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها

وهم نافسوني فاقتنيت المعاليا

ولما كان المعنى يحتمل الإزالة كما ذكر ، خلص المراد بقوله : ويوقروه أي يجتهدوا في حسن اتباعه في تبجيله وإجلاله بأن يحملوا عنه جميع الأثقال ، ليلزم السكينة باجتماع همه وكبر عزمه لزوال ما كان يشعب فكره من كل ما يهمه ويسبحوه أي ينزهوه عن كل وصمة من إخلاف الوعد بدخول مكة والطواف بالبيت الحرام ونحو ذلك ، ويعتقدوا فيه الكمال المطلق ، والأفعال الثلاثة يحتمل أن يراد بها الله تعالى ، لأن من سعى في قمع الكفار فقد فعل فعل المعزر الموقر ، فيكون إما عائدا على المذكور وإما أن يكون جعل الاسمين واحدا إشارة إلى اتحاد المسميين ، في الأمر فلما اتحد أمرها وحد الضمير إشارة إلى ذلك.

ولما كانت محبة الله ورسوله ترضى منها بدون النهاية قال كائنا عن ذلك :( بُكْرَةً وَأَصِيلاً ) أي وعشيا إيصانا لما بين النهار والليل بذلك.

ولما ذكر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم وما أرسله له ، وختم الآية بأنه لا يرضى من ذكره وذكر رسوله إلا بالمداومة بالفعل أو بالقوة مع توحيده الضمير إشارة إلى وحدة الإرادة والمحبة من الرسول والمرسل ، أوضح المراد بتوحيد الضمير بقوله مرغبا في اتباعه ومرهبا لأتباعه عن أدنى فترة أو توان فيما دخلوا فيه من الإيمان الذي هو علة الرسالة ، وما ذكره معه في جواب من يسأل : ما سبب توحيد الضمير والمذكور اثنان؟ مؤكدا لأجل ما غلب على الطباع البشرية من التقيد بالوهم والنكوص عما غاب ولا مرشد إليه سوى العقل :( إِنَّ الَّذِينَ ) .

ولما كان المضارع قد يراد به مطلق الوقوع لا بقيد زمن معين كما نقلته في أول سورة البقرة عن أبي حيان وغيره ، عبر به ترغيبا في تجديد مثل ذلك والاستمرار عليه فقال :( يُبايِعُونَكَ ) أي في بيعة الرضوان وقبلها وبعدها على ما جئت به من الرسالة التي مقصودها الأعظم النذارة التي مبناها على المخالفة التي تتقاضى الشدائد التي

١٩٣

عمادها الثبات والصبر ، وسميت «مبايعة» لأنهم بايعوا أنفسهم فيها من الله بالجنة وهذا معنى الإسلام ، فكل من أسلم فقد باع نفسه سبحانه منه( إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ ) [التوبة : ١١١] ، الآية.( إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ ) أي الملك الأعظم لأن عملك كله من قول وفعل له( وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ) [النجم : ٣].

ولما عظم بيعته بما رغب فيها ترغيبا مشعرا بالترهيب ، زادها تعظيما بما الترهيب فيه أظهر من الأول ، فقال مبينا للأول :( يَدُ اللهِ ) أي المتردي بالكبرياء. ولما كان منزها عما قد يتوهم من الجارحة مما فيه شائبة نقص ، أومأ إلى نفي ذلك بالفوقية مع ما فيه من الدلالة على تعظيم البيعة فقال :( فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ) أي في المبايعة عالية عليهم بالقدرة والقوة والقهر والعزة ، والتنزه عن كل شائبة نقص ، ولذلك كرر الاسم الأعظم في هذه ثلاث مرات إشارة إلى العظمة الفائتة للوصف والغيب العالي عن الإدراك ، ثم أعاد ذكره بالضمير إيذانا بالغيب المحض ، هذا هو المراد من تعظيم البيعة وإجلال الرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم مع العلم القطعي بتنزيه الله سبحانه عن كل شائبة نقص من حلول أو اتحاد كما هو واضح في مجاري عادات العرب ظاهر جدا في دأبهم في محاوراتهم ، لا يشك فيه منهم عاقل عالم أو جاهل أصلا ، فلعنة الله على من حمله على الظاهر من أهل العناد ببدعة الاتحاد على من تبعهم على ذلك من الرعاع الطغام الذين شاقوا الله ورسوله عليه الصلاة والسّلام ، وجميع الأئمة الأعلام ، وسائر أهل الإسلام : ورضوا لأنفسهم بأن يكونوا أتباع فرعون اللعين ، وناهيك به في ضلال مبين.

ولما كان كلام الله تعالى ـ وإن جرى مجرى الشرط والتهديد لا بد أن يقع منه شيء وإن قل ، وكان من سر التعبير بالمضارع «يبايعونك» الإشارة إلى نكث الجد بن قيس أصل بيعته على الإسلام فإنه اختبأ في الحديبية وقت البيعة في وقت من الأوقات ، فلم يبايع ، سبب عن ذلك وفصل ترغيبا وترهيبا ، فقال معبرا بالماضي إيذانا بأنه لا ينكث أحد من أهل هذه البيعة :( فَمَنْ نَكَثَ ) أي نقض في وقت من الأوقات فجعلها كالكساء الخلق والحبل البالي الذي ينقض( فَإِنَّما يَنْكُثُ ) وعبر بالمضارع إشارة إلى أن من فعل النكث فهو في كل لحظة ناكث نكثا جديدا( عَلى نَفْسِهِ ) لا على غيرها فإنه بمرأى من الله ومسمع وهو قادر عليه جدير بأن يعاقبه بعد ما عجل لنفسه من العار العظيم في الدنيا ويستحل به على نكثه عذابا أليما ، ولا يضر ذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم شيئا فإن الله ناصره لا محالة ، وكذا كل منكوث به إذا أراد الله نصرته فإن يده سبحانه فوق كل يد.

ولما أتم الترهيب لأنه مقامه للحث على الوفاء الذي به قيام الدين على أبلغ وجه ،

١٩٤

أتبعه على عادته الترغيب إتماما للحث فقال تعالى :( وَمَنْ أَوْفى ) أي فعل الإتمام والإكثار والإطالة( بِما عاهَدَ ) وقدم الظرف اهتماما به فقال :( عَلَيْهُ اللهَ ) أي الملك المحيط بكل شيء قدرة وعلما من هذه المبايعة وغيرها فإنما وفاؤه لنفسه( فَسَيُؤْتِيهِ ) أي بوعد لا خلف فيه( أَجْراً عَظِيماً ) لا يسع عقولكم شرح وصفه ، ومن قرأ بالنون أظهر ما ستر في الجلالة من التعظيم ، والآية من الاحتباك : ذكر أولا أن النكث عليه دليلا على أن الوفاء له ثانيا ، وإيتاء الأجر ثانيا دليلا على إحلال العقاب أولا وسره أنه بين أن ما يريده الناكث من الأذى لغيره إنما هو واقع به ، لأن ذلك أعظم في الترهيب عن النكث لما جبل الإنسان عليه من النفرة عن ضر نفسه وبعده عنه ، وذكر الأجر للموفي لأنه أعظم في الترغيب ، وسبب بيعة الرضوان هذه أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لما فهم من بروك ناقته في الحديبية الإشارة من الله سبحانه وتعالى إلى أنه لم يأذن في دخولهم البلد الحرام في هذه السفرة ، فمشى مع إرادته سبحانه وتعالى لأنه ليس فيها مخالفة لما أمر به سبحانه إلى أن وقع الصلح الذي كان الفتح هو بعينه ، وكان في غضون ذلك أن أرسل عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه إلى مكة المشرفة ليخبر قريشا أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يجىء لقتال وأنه لا يريد إلا الاعتمار ، فأرجف مرجفون بأنه قد قتل ، فعزم النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم على مناجزتهم فبايع الصحابة رضي الله عنهم على أن لا يفروا عنه ، فبايع كل من كان معه إلا جد بن قيس ، فإنه اختبأ تحت إبط بعيره فلم يبايع ، وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : كلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر.(١)

( سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١١) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً (١٢) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً (١٣) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٤) سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٥) )

__________________

(١) أخرجه الحاكم مختصرا ٤ / ٨٣ عن جابر رضي الله تعالى عنه ، وفيه السمّاك ضعيف. وفيه عنعنة أبي الزبير ، وهو مدلّس.

١٩٥

ولما ذكر سبحانه وتعالى أهل بيعة الرضوان ، وأضافهم إلى حضرة الرحمن ، تشوف السامع إلى الخبر عمن غاب عن ذلك الجناب ، وأبطأ عن حضرة تلك العمرة ، فاستؤنف الإخبار عما ينافقون به بقوله تعالى :( سَيَقُولُ ) أي بوعد لا خلف فيه ، وأكد أمر نفاقهم تنبيها على جلدهم فيه ووقاصهم به ولطف النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وشدة رحمته ورفقه وشفقته فقال :( لَكَ ) أي لأنهم يعلمون أنك ألطف الخلق عشرة وأعظمهم شفقة على عباد الله ، فهم يطمعون في قبولك من فاسد عذرهم ما لا يطمعون فيه من غيرك من خلص المؤمنين ، وغاب عنهم ـ لما عندهم من غلظ الأكباد أن الكذب بحضرتك في غاية القباحة لأنك أعظم الخلق وأفطنهم ، مع ما يأتيك من الأنباء عن علام الغيوب ، وحقر أمرهم بسلب العقل عنهم وجعلهم مفعولين لا فاعلين إشارة إلى أنهم طردوا عن هذا المقام ، لأنهم أشرار لئام ، فقال تعالى( الْمُخَلَّفُونَ ) أي الذين ـ خلفهم الله عنك ولم يرضهم لصحبتك في هذه العمرة ، فجعلهم كالشيء التافه الذي يخلفه الإنسان ، لأنه لا فائدة فيه فلا يؤبه له ولا يعبأ به ، وذلك أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لما أراد الاعتمار ندب أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين لذلك ، وندب من الأعراب الذين حول المدينة الشريفة من كان قد أقر بالإسلام ، فلم يرد الله حضورهم لأن إسلامهم لم يكن خالصا ، فلو حضروا لفسد بهم الحال ، وإن حفظ الله بحوله وقوته من الفساد ، أعقب ذلك فسادا آخر وهو أن يقال : إنه لم يكف عنهم الأعداء إلا الكثرة ، فتخلفوا لما علم الله في تخلفهم من الحكم.

ولما كان قد تخلف بالجسد من خلص الأنصار وغيرهم من كان حاضرا معهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بالقلب أخرجهم بقوله :( مِنَ الْأَعْرابِ ) أي أهل البادية كذبا وبهتانا جرأة على الله ورسوله( شَغَلَتْنا ) أي عن إجابتك في هذه العمرة( أَمْوالُنا وَأَهْلُونا ) أي لأنا لو تركناها ضاعت ، لأنه لم يكن لنا من يقوم بها وأنت قد نهيت عن إضاعة المال والتفريط في العيال ، ثم سببوا عن هذا القول المراد به السوء قولهم :( فَاسْتَغْفِرْ ) أي اطلب المغفرة( لَنا ) من الله إن كنا أخطأنا أو قصرنا.

ولما كان هذا ربما يغتر به من لا خبرة له ، رده تعالى بقوله منبها على أن من صدق مع الله لم يشغله عنه شاغل ، ومن شغله عنه شيء كان شوما عليه :( يَقُولُونَ ) وعبر بالمضارع إشارة إلى أن هذا ديدن لهم لا ينفكون عنه. ولما صح بعد ذلك إيمان ، لم يعبر بالأفواه دأبه ، في المنافقين ، بل قال :( بِأَلْسِنَتِهِمْ ) أي في الشغل والاستغفار ، وأكد ما أفهمه ذكر اللسان من أنه قول ظاهري نفيا للكلام الحقيقي الذي هو النفسي بكل اعتبار بقوله :( ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ) لأنهم لم يكن لهم شغل ولا كانت لهم نية في سؤال الاستغفار.

١٩٦

ولما كان فعلهم هذا من تخلفهم واعتلالهم وسؤالهم الاستغفار ظنا منهم أنهم يدفعون عن أنفسهم بذلك المكروه ويحصلون لها المحبوب وكان كأنه قيل : قد علم كذبهم ، فماذا يقال لهم؟ استأنف سبحانه الجواب بقوله :( قُلْ ) أي لهؤلاء الأغبياء واعظا لهم مسبببا عن مخادعتهم لمن لا يخفى عليه خافية إشارة إلى أن العاقل يقبح عليه أن يقدم على ما هو بحيث تخشى عاقبته :( فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ ) أيها المخادعون( مِنَ اللهِ ) أي الملك الذي لا أمر لأحد معه لأنه لا كفوء له( شَيْئاً ) يمنعكم منه( إِنْ أَرادَ بِكُمْ ) أي خاصة( ضَرًّا ) أي نوعا من أنواع الضرر عظيما أو حقيرا ، فأهلك الأموال والأهلين وأنتم محتاطون في حفظهما فلا ينفعها حضوركم أو أهلككم أنتم( أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً ) بحفظهما به مع غيبتكم فلا يضرها بعدكم عنها ، ويحفظكم في أنفسكم ، وقد علم من تصنيفه سبحانه حالهم إلى صنفين مع الإيهام أنه يكون لبعضهم الضر لأن منهم من ارتد في زمن الردة ، ولبعضهم النفع لأنه ثبت على الإسلام.

ولما كان التقدير قطعا : لا أحد يملك منه سبحانه لهم شيئا من ذلك بل هو قادر على كل ما يريد منه ، وفعلكم لما عندكم من الجلافة والغباوة والكثافة فعل من يظن أنه لا يقدر عليكم ولا يعلم كثيرا مما تعملون ، فيخفى عليه كذبكم ، وليس الأمر كما ظننتم فإنه لا يخفى عليه شيء من أعمالكم ، بنى عليه ما أرشد إلى تقديره فقال تعالى :( بَلْ كانَ اللهُ ) أي المحيط أزلا وأبدا بكل شيء قدرة علما( بِما تَعْمَلُونَ ) أي الجهلة( خَبِيراً ) أي يعلم بواطن أموركم هذه وغيرها كما يعلم ظواهرها.

ولما أضرب عن ظنهم أن كذبهم يخفى عليه بأمر عام ، وقدمه لأنه أعم نفعا بما فيه من الشمول ، أتبعه الإضراب عن مضمون كلامهم فقال :( بَلْ ) أي ليس تخلفكم لما أخبرتم به من الاشتغال بالأهل والأموال( ظَنَنْتُمْ ) وأنتم واقفون مع الظنون الظاهرة ، ليس لكم نفوذ إلى البواطن ، وأشار إلى تأكد ظنهم على زعمهم فقال :( أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ ) ولما كان الكلام فيما هو شأن الرسول من الانبعاث والمسير ، قال مشيرا إلى أن من أرسل رسولا إلى شيء وهو لا يقدر على نصره ليبلغ ذلك الشيء إلى الغاية التي أرادها منه كان عاجزا عما يريد :( الرَّسُولُ ) وعظم التابعين فقال :( وَالْمُؤْمِنُونَ ) معبرا بما يحق لهم من الوصف المفهم للرسوخ وأفهم تأكيد ذلك عندهم بقوله تعالى :( إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً ) أي لما في قلوبكم من عظمة المشركين وحقارة المؤمنين فحملكم ذلك على أن قلتم : ما هم في قريش إلا أكلة رأس.

ولما كان الإنسان قد يظن ما لا يجب ، قال مشيرا بالبناء للمفعول إلى أن ما حوته قلوبهم مما ينبغي أن ينزه سبحانه وتعالى عن نسبته إليه وإن كان هو الفاعل له في

١٩٧

الحقيقة :( وَزُيِّنَ ذلِكَ ) أي الأمر القبيح الذي خراب الدنيا( فِي قُلُوبِكُمْ ) حتى أحببتموه.

ولما علم أن ذلك سوء ، صرح به على وجه يعم غيره فقال :( وَظَنَنْتُمْ ) أي بذلك وغيره مما يترتب عليه من إظهار الكفر وما يتفرع عنه( ظَنَّ السَّوْءِ ) أي الذي لم يدع شيئا مما يكره غاية الكراهة إلا أحاط به. ولما انكشف جميع أمره كشف أثره فقال :( وَكُنْتُمْ ) أي بالنظر إلى جمعكم من حيث هو جمع في علمنا قبل ذلك بما جبلناكم عليه وعلى ما كشفه الحال عنه من له بصيرة( قَوْماً ) أي مع قوتكم على ما تحاولونه( بُوراً ) أي في غاية الهلاك والكساد والفساد ، وعدم الخير لأنكم جبلتم على ذلك الفساد ، فلا انفكاك لهم عنه ، وهذا كما مضى بالنظر إلى الجميع من حيث هو جمع لا بالنسبة إلى كل فرد فإنه قد أخلص منهم بعد ذلك كثير ، وثبتوا فلم يرتدوا.

ولما كان التقدير : ذلك لأنكم لم تؤمنوا ، فمن آمن منكم ومن غيركم وأخلص ، أبحناه جنة وحريرا ، عطف عليه قوله معمما :( وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ ) منكم ومن غيركم( بِاللهِ ) أي الذي لا موجود في الحقيقة سواه( وَرَسُولِهِ ) أي الذي أرسله لإظهار دينه وهو الحقيق بالإضافة إليه ، معبرا عنه بالاسم الأعظم ، وللزيادة في تعظيمه وتحقير شانئه وتوهية كيده التفت إلى مقام التكلم بمظهر العظمة فقال :( فَإِنَّا ) أي على ما لنا من العظمة( أَعْتَدْنا ) له أو لهم هكذا كان الأصل ، ولكنه قال معلقا للحكم بالوصف إيذانا بأن من لم يجمع الإيمان بهما فهو كافر ، وإن السعير لمن كان كفره راسخا فقال تعالى :( لِلْكافِرِينَ ) أي الذين لا يجمعون الإيمان بالمرسل والرسول فيكونون بذلك كفارا ، ويستمرون على وصف الكفر لأنهم جبلوا عليه( سَعِيراً ) أي نارا شديدة الإيقاد والتلهب ، فهي عظيمة الحر توجب الجنون وإيقاد الباطن بالجوع بحيث لا يشبع صاحبه والانتشار بكل شر ، فإن التنكير هنا للتهويل والتعظيم ، وهذه الآية مع ما أرشد السياق إلى عطفها عليه ممن يؤمن دالة ـ وإن كانت في سياق الشرط ـ على أن أكثرهم يخلص إيمانه بعد ذلك.

ولما انقضى حديث الجنود عامة ثم خاصة من المنتدبين والمخلصين وختم بعذاب الكافرين ، وكان المتصرف في الجنود ربما كان بعض خواص الملك ، فلا يكون تصرفه فيهم تاما ، وكان الملك قد لا يقدر على عذاب من أراد من جنوده ، وكان إذا قدر قد لا يقدر على العذاب بكل ما يريده من السعير الموصوف وغيره لعدم عموم ملكه قال تعالى عاطفا على آية الجنود :( وَلِلَّهِ ) أي الملك الأعظم وحده( مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) أي من الجنود وغيرها ، يدبر ذلك كله كيف يشاء لا راد لحكمه ولا معقب.

١٩٨

ولما لم يكن في هؤلاء من عذب بما عذب به الأمم الماضية من الريح وغيرها ، لم يذكر ما بين الخافقين ، وذكر نتيجة التفرد بالملك بما يقتضيه الحال من الترغيب والترهيب :( يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ ) أي لا اعتراض لأحد عليه بوجه ما( وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ ) أي لأنه لا يجب عليه شيء ولا يكافيه شيء ، وليس هو كالملوك الذين لا يتمكنون من مثل ذلك لكثرة الأكفاء المعارضين لهم في الجملة ، وعلم من هذا التقسيم المبهم أيضا أن منهم من يرتد فيعذبه ، ومنهم من يثبت على الإسلام فيغفر له لأنه لا يعذب بغير ذنب وإن كان له أن يفعل ذلك ، لأنه لا يسأل عما يفعل وملكه تام ، فتصرفه فيه عدل كيفما كان. ولما كان من يفعل الشيء في وقت قد لا يستمر على وصف القدرة عليه قال تعالى :( وَكانَ اللهُ ) أي المحيط بصفات الكمال أزلا وأبدا ، لم يتجدد له شيء لم يكن. ولما ابتدأ الآية بالمغفرة ترغيبا في التوبة ، ختم بذلك لأن المقام له ، وزاد الرحمة تشريفا لنبي المرحمة بالترغيب والدلالة على أن رحمته غلبت غضبه فقال :( غَفُوراً ) أي لذنوب المسيئين( رَحِيماً ) أي مكرما بعد الستر بما لا تسعه العقول ، وقدرته على الإنعام كقدرته على الانتقام. ولما ذم المخلفين بما منه ـ أي من الذم ـ أنهم هالكون بعد أن قدم أنه لعنهم ، وكان قد وعد سبحانه أهل الحديبية فتح خيبر جبرا لهم بما منعهم من الاستيلاء على مكة المشرفة لما له في ذلك من الحكم البالغة الدقيقة ، وختم بأنه نافذ الأمر ، وكان ذلك مستلزما لإحاطة العلم ، دل على كلا الأمرين بقوله استئنافا ، جوابا لمن كأنه قال : هل يغفر للمخلفين حتى يكونوا كأنهم ما تخلفوا؟ :( سَيَقُولُ ) أي بوعد لا خلف فيه.

ولما كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بحيث لا مطمع لأحد فى أن يظفر منه بشيء من خلاف لأمر الله ، أسقط ما عبر به في ذكرهم أولا من خطابه وقال :( الْمُخَلَّفُونَ ) أي لمن يطمعون فيه من الصحابة أن يسعى في تمكينهم من المسير في جيشهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لخفاء الحكم عليه ونحو ذلك ، ولم يقيدهم بالأعراب ليعم كل من كان يتخلف من غيرهم( إِذَا انْطَلَقْتُمْ ) بتمكين الله لكم( إِلى مَغانِمَ ) .

ولما أفهم اللفظ الأخذ ، والتعبير بصيغة منتهى الجموع كثرتها ، صرح بالأول رفعا للمجاز فقال :( لِتَأْخُذُوها ) أي من خيبر( ذَرُونا ) أي على أي حالة شئتم من الأحوال الدنية( نَتَّبِعْكُمْ ) ولما كان يلزم من تمكينهم من ذلك إخلاف وعد الله بأنها تخص أهل الحديبية ، وأنه طرد المنافقين وخيب قصدهم ، علل تعالى قولهم بقوله :( يُرِيدُونَ ) أي بذهابهم معكم( أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ ) أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما في الإخبار بلعنهم وإبارتهم ، وأن فتح خبير مختص بأهل الحديبية ، لا يشركهم فيه إلا من وافقهم

١٩٩

في النية والهجرة ، ليتوصلوا بذلك إلى تشكيك أهل الإسلام فيه ، والمراد أن فعلهم فعل من يريد ذلك ، ولا يبعد أن يكونوا صنفين : منهم من يريد ذلك ، ومنهم من لم يرده ولكن فعل من يريده.

ولما كان السامع جديرا بأن يسأل عما يقال لهم ، قال مخاطبا لأصدق الخلق عليه الصلاة والسّلام :( قُلْ ) أي يا حبيبي لهم إذا بلغك كلامهم أنت بنفسك ، فإن غيرك لا يقوم مقامك في هذا الأمر المهم ، قولا مؤكدا :( لَنْ تَتَّبِعُونا ) وإن اجتهدتم في ذلك ، وساقه مساق النفي وإن كان المراد به النهي ، لأنه مع كونه آكد يكون علما من أعلام النبوة ، وهو أزجر وأدل على الاستهانة.

ولما أذن هذا التأكيد أنه من عند من لا يخالف أصلا في مراده ، بينه تعالى بقوله :( كَذلِكُمْ ) أي مثل هذا القول البديع الشأن العلي الرتبة( قالَ اللهُ ) أي الذي لا يكون إلا ما يريد وليس هو كالملوك الذين لا قدرة لهم على الغفران لمن شاؤوا والعقاب لمن شاؤوا( مِنْ قَبْلُ ) هذا الوقت ، وهو الذي لا يمكن الخلف في قوله ، فإنه قضى أن لا يحضر «خيبر» المرادة بهذه الغنائم إلا من حضر الحديبية ، وأمر بذلك فكان ما قال بعد اجتهاد بعض المخلفين في إخلافه فإنهم غيّرهم الطمع بعد سماعهم قول الله هذا ، فطلبوا أن يخرجوا معهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فمنعوا فلم يحضرها غيرهم أحد ، وذلك أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم رجع من الحديبية في ذي الحجة سنة ست ، فأقام إلى أثناء محرم سنة سبع ، وخرج بأهل الحديبية إلى خيبر ففتحها الله عليه ، وأخذ جميع أموالها من المنقولات والعقارات ، وأتى إليهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو بها بعد فتحها ابن عمه جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وبعض من معهم من مهاجرة الحبشة ، فأشركهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم مع أهل الحديبية لأنهم لم يكونوا مخلفين بل كانوا متخلفين لعذر عدم الإدراك.

ولما كانوا منافقين لا يعتقدون شيئا من هذه الأقوال ، بل يظنون أنها حيل على التوصل إلى المرادات الدنيوية ، سبب عن قولهم له ذلك تنبيها على جلافتهم وفساد ظنونهم :( فَسَيَقُولُونَ ) : ليس الأمر كما ذكر مما ادعى أنه قول الله( بَلْ ) إنما ذلكم لأنكم( تَحْسُدُونَنا ) فلا تريدون أن يصل إلينا من مال الغنائم شيء. ولما كان التقدير : وليس الأمر كما زعموا ، رتب عليه قوله :( بَلْ كانُوا ) أي جبلة وطبعا( لا يَفْقَهُونَ ) أي لا يفهمون فهم الحاذق الماهر( إِلَّا قَلِيلاً ) في أمر دنياهم ، ومن ذلك إقرارهم بالإيمان لأجلها ، وأما أمور الآخرة فلا يفهمون منها شيئا.

( قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ

٢٠٠