ولما كان عدم نصرهم بعد التولية مستبعدا أيضا لما لهم من كثرة الإمداد وقوة الحمية ، قال معبرا بأداة البعد :(
ثُمَ
)
أي بعد طول الزمان وكثرة الأعوان(
لا يَجِدُونَ
)
في وقت من الأوقات(
وَلِيًّا
)
أي يفعل معهم فعل القريب من الحياطة والشفقة والحراسة من عظيم ما يحصل من رعب تلك التولية(
وَلا نَصِيراً
)
.
ولما كانت هذه عادة جارية قديمة مع أولياء الله تعالى حيثما كانوا من الرسل وأتباعهم ، وأن جندنا لهم الغالبون ، قال تعالى :(
سُنَّةَ اللهِ
)
أي سن المحيط بهذا الخلق في هذا الزمان وما بعده كما كان محيطا بالخلق في قديم الدهر ، ولذلك قال :(
الَّتِي قَدْ خَلَتْ
)
أي سنة مؤكدة لا تتغير ، وأكد الجار لأجل أن القتال ما وقع في الزمان الماضي إلا بعد نزول التوراة فقال :(
مِنْ قَبْلُ
)
وأما قبل ذلك فإنما كان يحصل الهلاك بأمر من عند الله بغير أيدي المؤمنين(
وَلَنْ تَجِدَ
)
أيها السامع(
لِسُنَّةِ اللهِ
)
الذي لا يخلف قولا لأنه محيط بجميع صفات الكمال(
تَبْدِيلاً
)
أي تغيرا من مغير ما ، يغيرها بما يكون بدلها.
ولما تقرر أن الكفار مغلوبون وإن قاتلوا ، وكان ذلك من خوارق العادات مع كثرتهم دائما وقلة المؤمنين حتى يأتي أمر الله موقعا للعلم القطعي بأنه ما دبره إلا الواحد القهار القادر المختار ، عطف عليه عجبا آخر وهو عدم تغير أهل مكة في هذه العمرة للقتال بعد تعاهدهم وتعاقدهم عليه مع ما لهم من قوة العزائم وشدة الشكائم ، فقال عاطفا على ما تقديره : هو الذي سن هذه السنة العامة :(
وَهُوَ الَّذِي كَفَ
)
أي وحده من غير معين له على ذلك(
أَيْدِيَهُمْ
)
أي الذين كفروا من أهل مكة وغيرهم ، فإن الكل شرع واحد(
عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ
)
أيها المؤمنون(
عَنْهُمْ
)
.
ولما كان الكفار لو بسطوا أيديهم مع ما حتمه الله وسنه من تولية الكفار دخلوا مكة قال :(
بِبَطْنِ مَكَّةَ
)
أي كائنا كل منكم ومنهم في داخل مكة هم حالا وأنتم مآلا ، وعن القفال أنه قال : يجوز أن يراد به الحديبية لأنها من الحرم ـ انتهى. وعبر بالميم دون الباء كما في آل عمران إشارة إلى أنه فعل هنا ما اقتضاه مدلول هذا الاسم من الجمع والنقض والتنقية ، فسبب لهم أسباب الاجتماع والتنقية من الذنوب ـ بما أشارت إليه آية العمرة حالا وآيات الفتح مآلا ، ووفى بما يدل عليه اسمها من الأهل على خلاف القياس.
ولما كان هذا ليس مستغرقا لجميع الزمان الآتي ، بل لا بد أن يبسط أيدي المؤمنين بها يوم الفتح ، أدخل الجار فقال تعالى :(
مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ
)
أي أوجد فوزكم بكل ما طلبتم منهم وجعل لكم الطول والعز(
عَلَيْهِمْ
)
وذلك فيما رواه أصحاب