نظم الدّرر الجزء ٧

نظم الدّرر0%

نظم الدّرر مؤلف:
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 631

نظم الدّرر

مؤلف: برهان الدين البقاعي
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
تصنيف:

الصفحات: 631
المشاهدات: 150
تحميل: 18


توضيحات:

بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 631 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 150 / تحميل: 18
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 7

مؤلف:
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
العربية

تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٦) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً (١٧) )

ولما كان ذلك يوقع في نفس السامع السؤال عن هذا الطرد : هل يستمر؟ أجيب بأنهم سيمتحنون بأمر شاق يحدثه الله للتمييز بين الخلص وغيرهم ، فقال مكررا لوصفهم بالتخلف إعلاما بأنهم في الحقيقة ما تخلفوا ، بل منعوا طردا لهم وإبعادا معذبا لهم بما خلفهم عن اتباع النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم في هذه العمرة من الخوف من قتال قريش لشدة بأسهم كما أثاب المحبين لهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بضد ما عزموا عليه من القتال إلى النصر أو الموت من كف أيديهم عنهم بما جعله الله سببا للفتح الأعظم والتفرغ لفتح خيبر وأخذ غنائمها الكثيرة من غير كبير كلفة( قُلْ ) يا أعظم الخلق( لِلْمُخَلَّفِينَ ) وزاد في ذمهم بنسبتهم إلى الجلافة فقال :( مِنَ الْأَعْرابِ ) أي أهل غلظ الأكباد ، ويجوز أن يكون هذا القيد للاحتراز عن المخلفين من أهل المدينة فيكون إشارة إلى أن الأعراب ينقسمون عند هذا الدعاء إلى مطيع وعاص ـ كما أشار إليه تقسيمه سبحانه لهم ـ وأن المخلفين من أهل المدينة لمثل ما اعتل به الأعراب لا مطمع في صلاحهم :( سَتُدْعَوْنَ ) بوعد لا خلف فيه بإخبار محيط العلم والقدرة دعوة محيطة ونفيرا عاما لما أفهمه الإسناد إلى جميعهم من داع صحت إمامته فوجبت طاعته ، ودل على بعدهم من أرضهم بقوله تعالى :( إِلى قَوْمٍ ) .

ولما أفهم التعبير بذلك أن لهم قوة وشدة على ما يحاولونه ، أوضح المعنى بقوله :( أُولِي بَأْسٍ ) أي شدة في الحرب وشجاعة مع مكر ودهاء( شَدِيدٍ. ) ولما كان المعنى كأنه قيل : لماذا؟ قال تعالى :( تُقاتِلُونَهُمْ ) أي بأمر إمامكم( أَوْ يُسْلِمُونَ ) أي يدعوكم إليهم ليكون أحد الأمرين المظهرين لأن كلمة الله هي العليا : المقاتلة منكم أو الإسلام منهم ، فإن لم يسلموا كان القتال لا غير ، وإن أسلموا لم يكن قتال ، لأن الإمام لا غرض له إلا إعلاء كلمة الله ، ولا يكون شيء غير هذين الأمرين من إبقاء بجزية أو مصالحة أو متاركة إلى مدة ، ونحو ذلك ، وهذا الداعي هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، والقوم بنو حنيفة وغيرهم من أهل الردة الذين كان الدعاء لهم أول خلافة الصديق رضي الله عنه ، وأما قول من قال : إنهم ثقيف ، فضعيف ، لأن الدعاء لم يكن إليهم إنما كان المقصود بالذات فتح مكة ، وكان أمر هوازن وثقيف وغيرهما تبعا له في غزوته ، لم يكن بينهم شيء ، وأيضا فإن ثقيف لما عسر أمرهم تركهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى أسلموا بعد ذلك ، وترك أيضا فلّال هوازن فلم يتبعهم ولم يؤمر باتباعهم ، فظاهر الآية أنه إذا انتشب القتال لم يترك إلا أن حصل الإسلام ، والقول بأنهم فارس والروم ضعيف أيضا ، فإن

٢٠١

كلّا منهم تقبل منه الجزية ، وتأويله بأنه إسلام لغوي لا داع له مع إمكان الحقيقة ، وقد كان ما أشار إليه التقسيم فإنهم لما دعوا إليهم انقسموا إلى مجيب وهم الأكثر ، وقد آتاهم الله الأجر الحسن في الدنيا بالغنيمة والذكر الجميل وهو المرجو في الآخرة ، ومرتد وهم قليل وقد أذاقهم الله العذاب الأليم في الدنيا بالقتل على أقبح حال ، وهو يذيقهم في الآخرة أعظم النكال ، وأما قتال غير العرب فأطاع فيه الكل ولم يحصل فيه ما أشير إليه من التقسيم ، فتحقق بهذا أنهم أهل الردة ـ والله الموفق ، ولذلك سبب عن دعوة الحق قوله مرددا القول في حالهم مبهما له إشارة إلى أنهم عند الدعاء ينقسمون إلى مقبل ومتول :( فَإِنْ تُطِيعُوا ) أي توقعوا الطاعة للداعي إلى ذلك ، وهو أبو بكر رضي الله عنه( يُؤْتِكُمُ اللهُ ) أي الذي له الإحاطة والقدرة على الإعطاء والمنع ، لا راد لأمره( أَجْراً حَسَناً ) دنيا وأخرى ، جعل الله طاعة أبي بكر رضي الله عنه في هذا الأمر بالخصوص كطاعة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم الذي طاعته طاعة الله ، جزاء له على خصوصه في مزيد تسليمه لما فعله النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم من الصلح وثباته بما أجاب به عمر رضي الله عنهما بمثل جواب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم من غير أن يكون حاضرا له كما هو معلوم من السيرة.

ولما كانت مخالفة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم ومن يقوم مقامه لا تكون إلا عن منازعة في الفطرة الأولى ومعالجة لها ، عبر بالتفعل فقال :( وَإِنْ تَتَوَلَّوْا ) عن قبول دعوته عصيانا( كَما تَوَلَّيْتُمْ ) أي عالجتم أنفسكم وكلفتموها التولي بالتخلف عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم ( مِنْ قَبْلُ ) أي بعض الأزمان التي تقدمت على هذا الدعاء ، وذلك في الحديبية( يُعَذِّبْكُمْ ) أي يخالطكم بعقوبة تزيل العذوبة في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما( عَذاباً أَلِيماً ) لأجل تكرر ذلك منكم.

ولما توعد المتخلفين بتخلفهم عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ثم توعدهم في التقاعد عن هذا الإمام القائم بعده بالحق ، وكان أهل الأعذار لا يتيسر لهم ما أريد بهذا الدعاء ، وكان الدين مبنيا على الحنيفية السمحة ، استأنف قوله تعالى مسكنا لما استثاره الوعيد من روعهم :( لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى ) أي في تخلفه عن الدعاء إلى الخروج مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أو مع غيره من أئمة الدعاء( حَرَجٌ ) أي ميل بثقل الإثم لأجل أن عماه موهن لسعيه وجميع بطشه ، ولأجل تأكيد المعنى تسكينا لما ثار من روع المؤمن كرر النافي والحرج في كل جملة مستقلة تأكيدا لهذا الأمر فقال :( وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ ) وإن كان نقصه أدنى من نقص العمى( حَرَجٌ ) وجعل كل جملة مستقلة تأكيدا لهذا الحكم.

ولما ذكر هذين الأثرين الخاصين المزيد ضررهما في العاقة عن كمال الجهاد ، عم بقوله :( وَلا عَلَى الْمَرِيضِ ) أي بأيّ مرض( حَرَجٌ ) فلم يخرج أهل هذه الأعذار الذين

٢٠٢

لم يمنعهم إلا إعذارهم عن أهل الحديبية ، وأطلق الحرج المنفي ليقبل التقدير بالتخلف ولا حاجة لأن حضورهم لا يخلو عن نفع في الجهاد ، وذكر هكذا دون أسلوب الاستثناء إيذانا بأنهم لم يدخلوا في الوعيد أصلا حتى يخرجوا منه.

ولما بشر المطيعين لتلك الدعوة وتوعد القاعدين عنها وعذر المعذورين ، وكانت إجابة المعذورين جائزة ، بل أرفع من قعودهم ، ولذلك لم ينف إجابتهم إنما نفى الحرج ، قال معمما عاطفا على ما تقديره : فمن تخلف منهم فتخلفه مباح له :( وَمَنْ يُطِعِ اللهَ ) أي المحيط بجميع صفات الكمال المفيض من آثار صفاته على من يشاء ولو كان ضعيفا ، المانع منها من يشاء وإن كان قويا( وَرَسُولَهُ ) من المعذورين وغيرهم فيما ندبا إليه من أي طاعة كانت إجابته( يُدْخِلْهُ ) أي الله الملك الأعظم جزاء له( جَنَّاتٍ تَجْرِي ) ونبه على قرب منال الماء بإثبات الجار في قوله :( مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ) أي ففي أي موضع أردت أجريت نهرا( وَمَنْ يَتَوَلَ ) أي كائنا من كان من المخاطبين الآن وغيرهم ، عن طاعة من الطاعات التي أمرا بها من أي طاعة كانت( يُعَذِّبْهُ ) أي على توليه في الدارين أو إحداهما( عَذاباً أَلِيماً ) وقراءة أهل المدينة والشام ندخله ونعذبه بالنون أظهر في إرادة العظمة لأجل تعظيم النعمة والنقمة.

( لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (١٨) وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٩) وَعَدَكُمُ اللهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٢٠) وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللهُ بِها وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (٢١) )

ولما وعد المطيع وأوعد العاصي ، وكانت النفوس إلى الوعد أشد التفاتا ، دل عليه بثواب عظيم منه أمر محسوس يعظم جذبه للنفوس القاصرة عن النفوذ في عالم الغيب ، فقال مؤكدا لأن أعظم المراد به المذبذبون ، مفتتحا بقد لأن السياق موجب للتوقع لما جرى من السنة الإلهية أنها إذا شوقت إلى شيء دلت عليه بمشهود يقرب الغائب الموعود :( لَقَدْ رَضِيَ اللهُ ) أي الذي له الجلال والجمال( عَنِ الْمُؤْمِنِينَ ) أي الراسخين في الإيمان ، أي فعل معهم فعل الراضي بما جعل لهم من الفتح وما قدر له من الثواب ، وأفهم ذلك أنه لم يرض عن الكافرين فخذلهم في الدنيا مع ما أعد لهم في الآخرة ، فالآيات تقرير لما ذكر من جزاء الفريقين بأمور مشاهدة.

ولما ذكر الرضى ، ذكر وقته للدلالة على سببه فقال :( إِذْ ) أي حين ، وصور

٢٠٣

حالهم إعلاما بأنها سارة معجبة شديدة الرسوخ في الرضى فقال :( يُبايِعُونَكَ ) في عمرة الحديبية لما صد المشركون عن الوصول إلى البيت ، فبعثت عثمان رضي الله عنه إليهم ليخبرهم بأنك لم تجىء لقتال وإنما جئت للعمرة ، فبلغك أنهم قتلوه فندبت إلى البيعة لمناجزتهم فبايعك كل من كان معك على أن لا يفروا لتناجز بهم القوم ؛ وزاد الأمر بيانا وقيده تفضيلا لأهل البيعة بقوله :( تَحْتَ الشَّجَرَةِ ) واللام للعهد الذهني ، وكانت شجرة في الموضع الذي كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم نازلا به في الحديبية ، ولأجل هذا الرضى سميت بيعة الرضوان ، وروى البغوي من طريق الثعلبي عن جابر رضي الله عنه أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة(١) .

ولما دل على إخلاصهم بما وصفهم ، سبب عنه قوله :( فَعَلِمَ ) أي لما له من الإحاطة( ما فِي قُلُوبِهِمْ ) أي من مطابقته لما قالوا بألسنتهم في البيعة ، وأن ما حصل لبعضهم من الاضطراب في قبول الصلح والكآبة منه إنما هو لمحبة الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وإيثار ما يريد من إعلاء دينه وإظهاره لا عن شك في الدين ، وسبب عن هذا العلم ترغيبا في مثل هذا المحدث عنهم قوله :( فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ ) أي بثبات القلوب وطمأنينتها في كل حالة ترضي الله ورسوله ، ودل على عظمها بحيث إنها تغلب الخوف وإن عظم بقوله :( عَلَيْهِمْ ) فأثر ذلك أنهم لم يخافوا عاقبة القتال لما ندبوا إليه وإن كانوا في كثرة الكفار كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود ، لا أثر الصلح بما يتراءى فيه من الضعف وغيره من مخايل النقص في قلوبهم في ذلك المقام الدحض والموطن الضنك إلا ريثما رأوا صدق عزيمة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم ومضي أمره في ذلك بما يفعل ويقول.

ولما ذكر منّه سبحانه وتعالى عليهم بما هو الأصل الذي لا يبنى إلا عليه ، أتبعه آثاره فقال :( وَأَثابَهُمْ ) أي أعطاهم جزاء لهم على ما وهبهم من الطاعة والسكينة فيها جزاء ، مقبلا عليهم ، يملأ مواضع احتياجهم ، هو أهل لأن يقصده الإنسان ويتردد في طلبه لما له من الإقبال والمكنة والشمول( فَتْحاً ) بما أوقع سبحانه من الصلح المترتب على تعجيز قريش عن القتال( قَرِيباً ) بترك القتال الموجب بعد راحتهم وقوتهم وجمومهم لاختلاط بعض الناس ببعض فيدخل في الدين من كان مباعدا له لما يرى من محاسنه ، فسيكون الفتح الأعظم فتح المكة المشرفة الذي هو سبب لفتح جميع البلاد.

__________________

(١) أخرجه أبو داود ٤٦٥٣ والترمذي ٣٨٦٠ وابن حبان ٤٨٠٢ وأحمد ٣ / ٣٥٠ من حديث جابر ، وإسناده صحيح رجاله ثقات.

ـ وله شاهد من حديث أم مبشر أخرجه مسلم ٢٤٩٦ وابن ماجة ٤٢٨١ وأحمد ٦ / ٢٨٥ ولفظه : «لا يدخل النار رجل شهد بدرا والحديبية».

٢٠٤

ولما ذكر الفتح ذكر بعض ثمرته فقال :( وَمَغانِمَ ) فنبه بصيغة منتهى الجموع إلى أنها عظيمة ، ثم صرح بذلك في قوله :( كَثِيرَةً ) ولما كان الشيء ربما أطلق على ما هو بالقوة دون الفعل ، أزال ذلك بقوله تعالى( يَأْخُذُونَها ) وهي خيبر. ولما كان ذلك مستبعدا لكثرة الكفار وقلة المؤمنين ، بين سببه فقال عاطفا على ما تقديره : بعزة الله وحكمته :( وَكانَ اللهُ ) أي الذي لا كفوء له( عَزِيزاً ) أي يغلب ولا يغلب( حَكِيماً ) يتقن ما يريد فلا ينقض.

ولما قرب ذلك وتأكد وتحرر وتقرر ، أقبل سبحانه وتعالى عليهم بالخطاب تأكيدا لمسامعهم فقال مزيلا لكل احتمال يتردد في خواطر المخلفين :( وَعَدَكُمُ اللهُ ) أي الملك الأعظم( مَغانِمَ ) وحقق معناها بقوله :( كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها ) أي فيما يأتي من بلدان شتى لا تدخل تحت حصر ، ثم سبب عن هذا الوعد قوله :( فَعَجَّلَ لَكُمْ ) أي منها( هذِهِ ) أي القضية التي أوقعها بينكم وبين قريش من وضع الحرب عشر سنين ، ومن أنكم تأتون في العام المقبل في مثل هذا الشهر معتمرين فإنها سبب ذلك كله ، عزاه أبو حيان لابن عباس رضي الله عنهما وهو في غاية الظهور ، ويمكن أن يكون المعنى : التي فتحها عليكم من خيبر من سبيها وأموالها المنقولات وغيرها( وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ ) أي من أهل خيبر وحلفائهم أسد وغطفان أن يعينوا أهل خيبر أو يغيروا على عيالاتكم بعد ما وهموا بذلك بعد ما كف أيدي قريش ومن دخل في عهدهم بالصلح( عَنْكُمْ ) على ما أنتم فيه من القلة والضعف.

ولما كان التقدير : رحمة لكم على طاعتكم لله ورسوله وجزاء لتقوى أيديكم ، وتروا أسباب الفتح القريبة بما يدخل من الناس في دينكم عند المخاطبة بسبب الإيمان ، عطف عليه قوله :( وَلِتَكُونَ ) أي هذه الأسباب من الفتح والإسلام( آيَةً ) أي علامة هي في غاية الوضوح( لِلْمُؤْمِنِينَ ) أي منكم على دخول المسجد الحرام آمنين في العمرة ثم في الفتح ومنكم ومن غيركم من الراسخين في الإيمان إلى يوم القيامة على جميع ما يخبر الله به على ما وقع التدريب عليه في هذا التدبير الذي دبره لكم من أنه لطيف يوصل إلى الأشياء العظيمة بأضداد أسبابها فيما يرى الناس فلا يرتاع مؤمن لكثرة المخالفين وقوة المنابذين أبدا ، فإن سبب كون الله مع العبد هو الاتباع بالإحسان الذي عماده الرسوخ في الإيمان الذي علق الحكم به ، فحيث ما وجد عليه وجد المعلق وهو النصر بأسباب جلية أو خفية( وَيَهْدِيَكُمْ ) في نحو هذا الأمر الذي دهمكم فأزعجكم بالثبات عند سماع الموعد والوعيد والثقة بمضمونه لأنه قادر حكيم ، فهو لا يخلف الميعاد بأن يهديكم( صِراطاً مُسْتَقِيماً ) أي طريقا واسعا واضحا موصلا إلى الكرامة من

٢٠٥

غير شك ، وهذا من أعلام النبوة فإنه لم يزغ أحد من المخاطبين بهذه الآية وهم أهل الحديبية وكأنه والله أعلم لذلك لم يقل : ويهديهم ـ بالغيب على ما اقتضاه السياق لئلا يغم غيرهم ممن يظهر صدقه في الإيمان ثم يزيغ ، ولذا أكثر تفاصيل هذه السورة من أعلام النبوة ، فإنه وقع الإخبار به قبل وقوعه. ولما سرهم سبحانه بما بشرهم به من كون القضية فتحا ومن غنائم خيبر ، أتبع ذلك البشارة دالا على أنها لا مطمع لهم في حوزه ولا علاجه لو لا معونته فقال :( وَأُخْرى ) أي ووعدكم مغانم كثيرة غير هذه وهي ـ والله أعلم ـ مغانم هوازن التي لم يحصل قبلها ما يقاربها. ولما كان في علمه سبحانه وتعالى أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم مقرون فيها إلا من لا يمكنه في العادة أن يهزمهم ليحوي الغنائم ، فكان ما في علمه تعالى لتحققه كالذي وقع وانقضى ، قال تعالى :( لَمْ تَقْدِرُوا ) أي بما علمتم من قراركم( عَلَيْها ) ولما توقع السامع بعد علمه بعجزهم عنها الإخبار عن السبب الموصل إلى أخذها بما تقرر عند من صدق الوعد بها ، قال مفتتحا بحرف التوقع :( قَدْ أَحاطَ اللهُ ) أي المحيط بكل شيء علما وقدرة( بِها ) فكانت بمنزلة ما أدير عليه سور مانع من أن يغلب منها شيء عن حوزتكم أو يقدر غيركم أن يأخذ منها شيئا ، ولذلك وللتعميم ختم الآية بقوله :( وَكانَ اللهُ ) أي المحيط بجميع صفات الكمال أزلا وأبدا( عَلى كُلِّ شَيْءٍ ) منها ومن غيرها( قَدِيراً ) بالغ القدرة لأنه بكل شيء عليم.

( وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٢٢) سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً (٢٣) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (٢٤) هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (٢٥) )

ولما قدم سبحانه أنه كف أيدي الناس عنكم أجمعين ، ذكر حكمهم لو وقع قتال ، فقال مقررا لقدرته عاطفا على نحو : فلو أراد لمكنكم من الاعتمار ، مؤكدا لأجل استبعاد من يستبعد ذلك من الأعراب وغيرهم :( وَلَوْ قاتَلَكُمُ ) أي في هذا الوجه( الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي أوقعوا هذا الوصف من الناس عموما الراسخ فيه ومن دونه ، وهم أهل مكة ومن لاقهم ، وكانوا قد اجتمعوا وجمعوا الأحابيش ومن أطاعهم وقدموا خالد بن الوليد طليعة لهم إلى كراع الغميم ، ولم يكن أسلم بعد( لَوَلَّوُا ) أي بغاية جهدهم( الْأَدْبارَ ) منهزمين.

٢٠٦

ولما كان عدم نصرهم بعد التولية مستبعدا أيضا لما لهم من كثرة الإمداد وقوة الحمية ، قال معبرا بأداة البعد :( ثُمَ ) أي بعد طول الزمان وكثرة الأعوان( لا يَجِدُونَ ) في وقت من الأوقات( وَلِيًّا ) أي يفعل معهم فعل القريب من الحياطة والشفقة والحراسة من عظيم ما يحصل من رعب تلك التولية( وَلا نَصِيراً ) .

ولما كانت هذه عادة جارية قديمة مع أولياء الله تعالى حيثما كانوا من الرسل وأتباعهم ، وأن جندنا لهم الغالبون ، قال تعالى :( سُنَّةَ اللهِ ) أي سن المحيط بهذا الخلق في هذا الزمان وما بعده كما كان محيطا بالخلق في قديم الدهر ، ولذلك قال :( الَّتِي قَدْ خَلَتْ ) أي سنة مؤكدة لا تتغير ، وأكد الجار لأجل أن القتال ما وقع في الزمان الماضي إلا بعد نزول التوراة فقال :( مِنْ قَبْلُ ) وأما قبل ذلك فإنما كان يحصل الهلاك بأمر من عند الله بغير أيدي المؤمنين( وَلَنْ تَجِدَ ) أيها السامع( لِسُنَّةِ اللهِ ) الذي لا يخلف قولا لأنه محيط بجميع صفات الكمال( تَبْدِيلاً ) أي تغيرا من مغير ما ، يغيرها بما يكون بدلها.

ولما تقرر أن الكفار مغلوبون وإن قاتلوا ، وكان ذلك من خوارق العادات مع كثرتهم دائما وقلة المؤمنين حتى يأتي أمر الله موقعا للعلم القطعي بأنه ما دبره إلا الواحد القهار القادر المختار ، عطف عليه عجبا آخر وهو عدم تغير أهل مكة في هذه العمرة للقتال بعد تعاهدهم وتعاقدهم عليه مع ما لهم من قوة العزائم وشدة الشكائم ، فقال عاطفا على ما تقديره : هو الذي سن هذه السنة العامة :( وَهُوَ الَّذِي كَفَ ) أي وحده من غير معين له على ذلك( أَيْدِيَهُمْ ) أي الذين كفروا من أهل مكة وغيرهم ، فإن الكل شرع واحد( عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ ) أيها المؤمنون( عَنْهُمْ ) .

ولما كان الكفار لو بسطوا أيديهم مع ما حتمه الله وسنه من تولية الكفار دخلوا مكة قال :( بِبَطْنِ مَكَّةَ ) أي كائنا كل منكم ومنهم في داخل مكة هم حالا وأنتم مآلا ، وعن القفال أنه قال : يجوز أن يراد به الحديبية لأنها من الحرم ـ انتهى. وعبر بالميم دون الباء كما في آل عمران إشارة إلى أنه فعل هنا ما اقتضاه مدلول هذا الاسم من الجمع والنقض والتنقية ، فسبب لهم أسباب الاجتماع والتنقية من الذنوب ـ بما أشارت إليه آية العمرة حالا وآيات الفتح مآلا ، ووفى بما يدل عليه اسمها من الأهل على خلاف القياس.

ولما كان هذا ليس مستغرقا لجميع الزمان الآتي ، بل لا بد أن يبسط أيدي المؤمنين بها يوم الفتح ، أدخل الجار فقال تعالى :( مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ ) أي أوجد فوزكم بكل ما طلبتم منهم وجعل لكم الطول والعز( عَلَيْهِمْ ) وذلك فيما رواه أصحاب

٢٠٧

السير قالوا : ودعا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم خراش بن أمية الخزاعي رضي الله عنه فبعثه إلى قريش بمكة وحمله على بعير له فقال له التغلب : ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له فعقروا جمل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأرادوا قتله ، فمنعه الأحابيش فخلوا سبيله حتى أتى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وبعثت قريش أربعين رجلا منهم أو خمسين وأمروهم أن يطوفوا بعسكر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ليصيبوا لهم من أصحابه أحدا فأخذوا أخذا فأتى بهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فعفا عنهم وخلى سبيلهم ، وقد كانوا رموا في عسكره بالحجارة والنبل ، ثم ذكروا إرسالهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لعثمان رضي الله عنه إلى مكة ثم إرسال قريش لسهيل بن عمرو في الصلح ، وروى مسلم في صحيحه عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال : لما اصطلحنا واختلط بعضنا ببعض أتيت شجرة فاضطجعت في أصلها فأتاني أربعة من المشركين من أهل مكة ، فجعلوا يقعون في النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فأبغضتهم ، فتحولت إلى شجرة أخرى ، وعلقوا سلاحهم واضطجعوا ، فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي : يا آل المهاجرين : قتل ابن زنيم ، فاخترطت سيفي ثم شددت على أولئك الأربعة وهم رقود فأخذت سلاحهم ، فجعلته ضغثا في يدي ، ثم قلت والذي كرم وجه محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم ! لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وجاء عمي عامر رضي الله عنه برجل من العبلات يقال له مكرز يقوده إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم على فرس مجفف في سبعين من المشركين ، فنظر إليهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : دعوهم يكن لهم بدء الفجور وثناه ، فعفا عنهم فأنزل الله تعالى( وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ ) الآية ـ(١) انتهى. وروى مسلم والنسائي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من قبل التنعيم متسلحين ، يريدون غرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأصحابه رضي الله عنهم ، وفي رواية النسائي : قالوا : نأخذ محمدا ـصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأصحابه ، فأخذهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم سلما فاستحياهم فأنزل اللهعزوجل ( وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ) الآية(٢) .

ولما كان هذا ونحوه من عنف أهل مكة وغلظتهم وصلابتهم وشدتهم ورفق النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ولينه لهم مما أحزن أغلب الصحابة رضي الله تعالى عنهم قال تعالى يسليهم :( وَكانَ اللهُ ) أي المحيط بالجلال والإكرام( بِما ) يعملون أي الكفار ـ على قراءة أبي عمرو بالغيب ، وأنتم ـ على قراءة الباقين بالخطاب في ذلك الوقت وفيما بعده كما كان قبله( بَصِيراً ) أي محيط العلم ببواطن ذلك كما هو محيط بظواهره فهو يجريه في

__________________

(١) أخرجه مسلم ١٨٠٧ من حديث سلمة بن الأكوع.

(٢) أخرجه مسلم ١٨٠٨ وأحمد ١١٨١٨ و ١١٨٤٥ من حديث أنس.

٢٠٨

هذه الدار التي ربط فيها المسببات بأسبابها على أوثق الأسباب في نصركم وغلبكم لهم وقسركم ، وستعلمون ما دبره من دخولكم مكة المشرفة آمنين لا تخافون في عمرة القضاء صلحا ثم في الفتح بجحفل جرار قد نيطت أظفار المنايا بأسنة رماحه ، وعادت كؤوس الحمام طوعا لبيض صفاحه ، فيؤمن أكثر أهل مكة وغيرهم ممن هو الآن جاهد عليكم ، ويصيرون أحب الناس فيكم يقدمون أنفسهم في جهاد الكفار دونكم ، فيفتح الله بكم البلاد ، ويظهركم ـ وهو أعظم المحامين عنكم ـ على سائر العباد.

ولما كان ما مضى من وصفهم على وجه يشمل غيرهم من جميع الكفار ، عينهم مبينا لسبب كفهم عنهم مع استحقاقهم في ذلك الوقت للبوار والنكال والدمار فقال :( هُمُ ) أي أهل مكة ومن لافهم( الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي أوغلوا في هذا الوصف بجميع بواطنهم وتمام ظواهرهم( وَصَدُّوكُمْ ) زيادة على كفرهم في عمرة الحديبية هذه( عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) أي مكة ، ونفس المسجد الحرام ، والكعبة ، للإخلال بما أنتم فيه من شعائر الإحرام بالعمرة( وَالْهَدْيَ ) أي وصدوا ما أهديتموه إلى مكة المشرفة لتذبحوه بها وتفرقوه على الفقراء ، ومنه أربعون ، وفي رواية : سبعون بدنة ، كان أهداها النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ( مَعْكُوفاً ) أي حال كونه مجموعا محبوسا مع رعيكم له وإصلاحه لما أهدى لأجله( أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ) أي الموضع الذي هو أولى المواضع لنحره ، وهو الذي إذا أطلق انصرف الذهن إليه ، وهو في العمرة المروة ، ويجوز الذبح في الحج والعمرة في أي موضع كان من الحرم ، فالموضع الذي نحر فيه النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم في هذه المرة عند الإحصار ليس محله المطلق.

ولما كان التقدير : فلو لا ما أشار إليه من ربط المسببات بأسبابها لسلطكم عليهم فغلبتموهم على المسجد وأتممتم عمرتكم على ما أردتم ، ثم عطف عليه أمرا أخص منه فقال :( وَلَوْ لا رِجالٌ ) أي مقيمون بين أظهر الكفار بمكة( مُؤْمِنُونَ ) أي عريقون في الإيمان فكانوا لذلك أهلا للوصف بالرجولية( وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ ) أي كذلك حبس الكل عن الهجرة العذر لأن الكفار لكثرتهم استضعفوهم فمنعوهم الهجرة ، على أن ذلك شامل لمن جبله الله على الخير وعلم منه الإيمان وإن كان في ذلك الوقت مشركا( لَمْ تَعْلَمُوهُمْ ) أي لم يحط علمكم بهم من جميع الوجوه لتميزوهم بأعيانهم عن المشركين لأنهم ليس لهم قوة التمييز منهم بأنفسهم وأنتم لا تعرفون أماكنهم لتعاملوهم بما هم له أهل ولا سيما في حال الحرب والطعن والضرب ، ثم أبدل من «الرجال والنساء» قوله :( أَنْ تَطَؤُهُمْ ) أي تؤذوهم بالقتل أو ما يقاربه من الجراح والضرب والنهب ونحوه من الوطء الذي هو الإيقاع بالحرب منه قولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «آخر وطأة وطئها الله بوج» يكون ذلك

٢٠٩

الأذى منكم لهم على ظن أنهم مشركون أذى الدائس لمدوس وتضغطوهم وتأخذوهم أخذا شديدا بقهر وغلبة تصيرون به لا تردون يد لامس ولا تقدرون على مدافعة( فَتُصِيبَكُمْ ) أي فيتسبب عن هذا الوطء أن يصيبكم( مِنْهُمْ ) أي من جهتهم وبسببهم( مَعَرَّةٌ ) أي مكروه وأذى هو كالحرب في انتشاره وأذاه ، وإثم وخيانة بقتال دون إذن خاص ، وبعدم الإمعان في البحث ، وغرم وكفارة ودية وتأسف وتعيير ممن لا علم له ، ثم علق بالوطء المسبب عنه إصابة المعرة إتماما للمعنى قوله :( بِغَيْرِ عِلْمٍ ) أي بأنهم من المؤمنين.

ولما دل السياق على أن جواب «لو لا» محذوف تقديره : لسلطكم عليهم وما كف أيديكم عنهم ، ولكنه علم ذلك ، وعلم أنه سيؤمن ناس من المشركين فمن عليكم بأن رفع حرج إصابتهم بغير علم عنكم ، وسبب لكم أسباب الفتح الذي كان يتوقع بسبب تسليطكم عليهم بأمر سهل ، وكف أيديكم ولم يسلطكم عليهم( لِيُدْخِلَ اللهُ ) أي الذي له جميع صفات الكمال( فِي رَحْمَتِهِ ) أي إكرامه وإنعامه( مَنْ يَشاءُ ) من المشركين بأن يعطفهم إلى الإسلام ، ومن المؤمنين بأن يستنقذهم منهم على أرفق وجه. ولما كان ذلك ، أنتج قوله تعالى :( لَوْ تَزَيَّلُوا ) أي تفرقوا فزال أحد الفريقين عن الآخر زوالا عظيما بحيث لا يختلط صنف بغيره فيؤمن وطء المؤمنين له بغير علم( لَعَذَّبْنَا ) أي بأيديكم بتسليطنا أو بمجرد أيدنا من غير واسطة( الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي أوقعوا ستر الإيمان.

ولما كان هذا عاما لجميع من اتصف بالكفر من أهل الأرض ، صرح بما دل عليه السياق فقال :( مِنْهُمْ ) أي الفريقين وهم الصادون( عَذاباً أَلِيماً ) أي شديد الإيجاع بأيديكم أو من عندنا لنوصلكم إلى قصدكم من الاعتمار والظهور على الكفار ، ففيه اعتذار وتدريب على تأدب بعضهم مع بعض ، وفي الإشارة إلى بيان سر من أسرار منع الله تعالى لهم من التسليط عليهم حث للعبد على أن لا يتهم الله في قضائه فربما عسر عليه أمرا يظهر له أن السعادة كانت فيه وفي باطنه سم قاتل ، فيكون منع الله له منه رحمة في الباطن وإن كان نقمة في الظاهر ، فألزم التسليم مع الاجتهاد في الخير والحرص عليه والندم على فواته وإياك والاعتراض ، وفي الآية أيضا أن الله تعالى قد يدفع عن الكافر لأجل المؤمن.

( إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وَكانَ اللهُ

٢١٠

بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٢٦) لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً (٢٧) )

ولما بين شرط استحقاقهم للعذاب ، بين وقته ، وفيه بيان لعلته ، فقال :( إِذْ ) أي حين( جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي ستروا ما تراءى من الحق في مرأى عقولهم( فِي قُلُوبِهِمُ ) أي قلوب أنفسهم( الْحَمِيَّةَ ) أي المنع الشديد والأنفة والإباء الذي هو في شدة حره ونفوذه في أشد الأجسام كالسم والنار. ولما كان مثل هذه الحمية قد تكون موجبة للرحمة بأن تكون لله ، قال مبينا معظما لجرمها :( حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ ) التي مدارها مطلق المنع أي سواء كان بحق أو بباطل ، فتمنع من الإذعان للحق ، ومبناها التشفي على مقتضى الغضب لغير الله فتوجب تخطي حدود الشرع ، ولذلك أنفوا من دخول المسلمين مكة المشرفة لزيارة البيت العتيق الذي الناس فيه سواء ، ومن الإقرار بالبسملة ، فأنتجت لهم هذه الحمية أن تكبروا عن كلمة التقوى وطاشوا وخفوا إلى الشرك الذي هو أبطل الباطل.

ولما كانت هذه الحمية مع الكثرة موجبة ولا بد ذل من تصوب إليه ولا سيما إن كان قليلا ، بين دلالة على أن الأمر تابع لمشيئته لا لجاري العادة أنه تأثر عنها ضد ما تقتضيه عادة ، فقال مسببا عن هذه الحمية :( فَأَنْزَلَ اللهُ ) أي الذي لا يغلبه شيء وهو يغلب كل شيء بسبب حميتهم( سَكِينَتَهُ ) أي الشيء اللائق إضافته إليه سبحانه من الفهم عن الله والروح الموجب لسكون القلب المؤثر للإقدام على العدو والنصر عليه ، إنزالا كائنا( عَلى رَسُولِهِ ) صلى‌الله‌عليه‌وسلم الذي عظمته من عظمته ، ففهم عن الله مراده في هذه القضية فجرى على أتم ما يرضيه( وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) رضي الله تعالى عنهم العريقين في الإيمان لأنهم أتباع رسولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأنصار دينه فألزمهم قبول أمره الذي فهمه عن الله وخفي عن أكثرهم حتى فهمتموهصلى‌الله‌عليه‌وسلم عند نزول سورة محمد وحماهم عن همزات الشياطين ، ولم يدخلهم ما دخل الكفار من الحمية ليقاتلوا غضبا لأنفسهم فيتعدوا حدود الشرع( وَأَلْزَمَهُمْ ) أي المؤمنين إلزام إكرام أو تشريف ، لا إلزام إهانة وتعنيف( كَلِمَةَ التَّقْوى ) وهي كل قول أو فعل ناشىء عن التقوى وإعلاء كلمة الإخلاص المتقدم في سورة القتال وهي لا إله إلا الله التي هي أحق الحق ، يقتضي التحقق بمدلولها من أنه لا فاعل إلا الله الثبات على كل ما أخبر به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من التوحيد والبسملة والرسالة مع تغيير الكتابة بكل منهما لأجل الكفار في ذلك المقام الدحض الذي لا يكاد يثبت فيه قدم ، وأضافها إلى التقوى التي هي اتخاذ ساتر يقي حر النار فجعلها وصفا لازما لهم غير منفك عنهم

٢١١

لأنها سببها الحامل عليها ، ويجمع الحامل على التقوى اعتقاد الوحدانية وهي لا إله إلا الله فإنها كلمة ـ كما قال الرازي ـ أولها نفي الشرك وآخرها تعلق بالإلهية ، وهذا من أعلام النبوة ، فإن أهل الحديبية الذين ألزموا هذه الكلمة ماتوا كلهم على الإسلام( وَكانُوا ) أي جبلة وطبعا. ولما كان من الكفار من يستحقها في علم الله فيصير مؤمنا ، عبر بأفعل التفضيل فقال تعالى :( أَحَقَّ بِها ) أي كلمة التقوى من الكفار والأعراب وغيرهم من جميع الخلق ، ولمثل هذا التعميم أطلق الأمر بحذف المفضل عليه. ولما كان الأحق بالشيء قد لا يكون أهله من أول الأمر قال تعالى :( وَأَهْلَها ) أي ولاتها والملازمون لها ملازمة العشير بعشيره والدائنون لها والآلفون لها. ولما كان الحكم بذلك لا يكون إلا لعالم قال عاطفا على ما تقديره : لما علم الله من صلاح قلوبهم وصفائها :( وَكانَ اللهُ ) أي المحيط بالكائنات كلها علما وقدرة( بِكُلِّ شَيْءٍ ) من ذلك وغيره( عَلِيماً ) أي محيط العلم الدقيق والجلي ، والآية من الاحتباك : ذكر حمية الجاهلية أولا دليلا على ضدها ثانيا ، وكلمة التقوى ثانيا دليلا على ضدها أولا ، وسره أنه ذكر مجمع الشر أولا ترهيبا منه ومجمع الخير ثانيا ترغيبا فيه. ولما قرر سبحانه وتعالى علمه بالعواقب لإحاطة علمه ووجه أسباب كفه أيدي الفريقين وبين ما فيه من المصالح وما في التسليط من المفاسد من قتل من حكم بإيمانه من المشركين وإصابة من لا يعلم من المؤمنين ـ وغير ذلك إلى أن ختم بإحاطة علمه المستلزم لشمول قدرته ، أنتج ذلك قوله لمن توقع الإخبار عن الرؤيا التي أقلقهم أمرها وكاد بعضهم أن يزلزله ذكرها على سبيل التأكيد :( لَقَدْ ) .

ولما كان للنظر إلى الرؤيا اعتباران : أحدهما من جهة الواقع وهو غيب عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين ، والآخر من جهة الإخبار وهو مع الرؤيا شهادة بالنسبة إليه سبحانه وتعالى ، عبر بالصدق والحق فقال تعالى :( صَدَقَ اللهُ ) أي الملك الذي لا كفوء له المحيط بجميع صفات الكمال( رَسُولَهُ ) صلى‌الله‌عليه‌وسلم الذي هو أعز الخلائق عنده وهو غني عن الإخبار عما لا يكون أنه يكون ، فكيف إذا كان المخبر رسوله( الرُّؤْيا ) التي هي من الوحي لأنه سبحانه يرى الواقع ويعلم مطابقتها في أنكم تدخلون المسجد الحرام آمنين يحلق بعض ويقصر آخرون ، متلبسا خبره ورؤيا رسولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ( بِالْحَقِ ) لأن مضمون الخبر إذا وقع فطبق بين الواقع وبينه ، كان الواقع يطابقه لا يخرم شيء منه عن شيء منه ، والحاصل أنك إذا نسبتها للواقع طابقته فكان صدقا ، وإذا نسبت الواقع إليها طابقها فكانت حقا.

ولما أقسم لأجل التأكيد لمن كاد يتزلزل ، أجابه بقوله مؤكدا بما يفهم القسم أيضا

٢١٢

إشارة إلى عظم الزلزال :( لَتَدْخُلُنَ ) أي بعد هذا دخولا قد تحتم أمره( الْمَسْجِدَ ) أي الذي يطاف فيه بالكعبة ولا يكون دخوله إلا بدخول الحرم( الْحَرامَ ) أي الذي أجاره الله من امتهان الجبابرة ومنعه من كل ظالم.

ولما كان لا يجب عليه سبحانه وتعالى شيء وإن وعد به ، أشار إلى ذلك بقوله تأديبا لهم أن يقول أحد منهم بعد ذلك : ألم يقل أننا ندخل البيت ونحو ذلك ، ولغيرهم أن يقول : نحن ندخل :( إِنْ شاءَ اللهُ ) أي الذي له الإحاطة بصفات الكمال ، حال كونكم( آمِنِينَ ) لا تخشون إلا الله منقسمين بحسب التحليق والتقصير إلى قسمين( مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ ) ولعله أشار بصيغة التفعيل إلى أن فاعل الحلق كثير ، وكذا( وَمُقَصِّرِينَ ) غير أن التقديم يفهم أن الأول أكثر.

ولما كان الدخول حال الأمن لا يستلزم الأمن بعده قال تعالى :( لا تَخافُونَ ) أي لا يتجدد لكم خوف بعد ذلك إلى أن تدخلوا عليهم عام الفتح قاهرين لهم بالنصر. ولما كان من المعلوم أن سبب هذا الإخبار إحاطة العلم ، فكان التقدير : هذا أمر حق يوثق به غاية الوثوق لأنه إخبار عالم الغيب والشهادة ، صدق سبحانه فيه ، وما ردكم عنه هذه الكرة على هذا الوجه إلا لأمور دبرها وشؤون أحكمها وقدرها ، قال عاطفا على( صَدَقَ ) مسببا عنه أو معللا :( فَعَلِمَ ) أي بسبب ، أو لأنه علم من أسباب الفتح وموانعه وبنائه على الحكمة( ما لَمْ تَعْلَمُوا ) أي أيها الأولياء( فَجَعَلَ ) أي بسبب إحاطة علمه( مِنْ دُونِ ) أي أدنى رتبة من( ذلِكَ ) أي الدخول العظيم في هذا العام( فَتْحاً قَرِيباً ) يقويكم به من فتح خيبر ووضع الحرب بين العرب بهذا الصلح ، واختلاط بعض الناس بسبب ذلك ببعض ، الموجب لإسلام بشر كثير تتقوون بهم ، فتكون تلك الكثرة والقوة سبب هيبة الكفار المانعة لهم من القتال ، فتقل القتلى رفقا بأهل حرم الله تعالى إكراما لهذا النبي الكريمصلى‌الله‌عليه‌وسلم عن إغارة قومه وإصابة من عنده من المسلمين المستضعفين من غير علم.

( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً (٢٨) )

ولما أخبر بهذه الأمور الجليلة الدقيقة المبنية على إحاطة العلم ، عللها سبحانه وبين الصدق فيها بقوله تعالى :( هُوَ ) أي وحده( الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ ) أي الذي لا رسول أحق منه بإضافته إليه ـصلى‌الله‌عليه‌وسلم ( بِالْهُدى ) الكامل الذي يقتضي أن يستقيم به أكثر الناس ، ولو أنه أخبر بشيء يكون فيه أدنى مقال لم يكن الإرسال بالهدى( وَدِينِ الْحَقِ )

٢١٣

أي الأمر الثابت الكامل في الثبات الذي يطابقه الواقع( لِيُظْهِرَهُ ) أي دينه( عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ) دين أهل مكة والعرب عباد الأصنام ، الذي يقتضي إظهاره عليه دخوله إليها آمنا ، وإظهاره على من سواهم من أهل الأديان الباطلة بأيدي صحابته الأبرار والتابعين لهم بإحسان إظهارا يتكامل بنزول عيسى عليه الصلاة والسّلام مع الرفق بالخلق والرحمة لهم ، فلا يقتل إلا من لا صلاح له أصلا ، وعلى قدر الجبروت يحصل القهر ، فلأجل ذلك هو يدبر أمره بمثل هذه الأمور التي توجب نصره وتعلي قدره مع الرفق بقومه وجميل الصنع لأتباعه ، فلا بد أن تروا من فتوح أكثر البلاد وقهر الملوك الشداد ما تعرفون به قدرة الله سبحانه وتعالى.

ولما كان في سياق إحاطة العلم ، وكان التقدير : شهد ربه سبحانه بتصديقه في كل ما قاله بإظهار المعجزات على يده ، بنى عليه قوله تعالى( وَكَفى بِاللهِ ) أي الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال( شَهِيداً ) أي ذا رؤية وخبرة بطية كل شيء ودخلته لما له الغنى في أمره ، ولا شهيد في الحقيقة إلا هو سبحانه لأنه لا إحاطة وخبرة ورقبة إلا له سبحانه ، وهو يشهد بكل ما أخبر به رسولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في هذه الصورة خصوصا وفي غيرها عموما.

( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (٢٩) )

ولما ختم سبحانه بإحاطة العلم بالخفايا والظواهر في الإخبار بالرسالة ، عينها في قوله جوابا لمن يقول : من الرسول المنوه باسمه :( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ ) أي الملك الذي لا كفوء له ، فهو الرسول الذي لا رسول يساويه لأنه رسول إلى جميع الخلق ممن أدرك زمانه بالفعل في الدنيا ومن تقدمه بالقوة فيها وبالفعل في الآخرة يوم يكون الكل تحت لوائه ، وقد أخذ على الأنبياء كلهم الميثاق بأن يؤمنوا به إن أدركوه ، وأخذ ذلك الأنبياء على أممهم ، لا يكتب الرحمة التي وسعت كل شيء إلا لمن وقع العلم بالمحيط بأنه يؤمن به. فما عمل عامل عملا صالحا إلا كان له مثل أجره ، تقدم ذلك العامل أو تأخر ، كان من أهل السماء أو من أهل الأرض ، وهذا أمر لا يحصيه إلا الله سبحانه وتعالى ، وأشار بذلك إلى هذا الاسم بخصوصه في سورة محمد إلى أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم هو الختام ـ بما أشارت إليه الميم التي مخرجها ختام المخارج ، وهي محيطة بما أشارت إليه

٢١٤

صورته ، وكررت في الاسم بعده غاية التأكيد ، وهو ثلاث ـ كما أشار إليه اسمه : أحمد ـ إلى أنه مع كونه خاتما فهو فاتح بما أشار إليه قولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «كنت أولهم خلقا وآخرهم بعثا» واختصت به سورة الصف ليعادل ذلك بتصريح المبشر به عليه الصلاة والسّلام بالبعدية في قوله( بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ) [الصف : ٦] وأشارت الميم أوله أيضا إلى بعثه عند الأربعين ، وما بقي من حروفه وهي حمد يفيد له كمال الحمد بالفعل في السنة الثانية والخمسين من عمره وهي الثانية عشرة من نبوته ببيعة الأنصار رضي الله عنهم ، وقد أشارت هذه السورة إلى كلمة الإخلاص تلويحا مما ذكرت من كلمة الرسالة تصريحا وبطنت سطوة الإلهية وظهرت الرحمة المحمدية ـ كما أشارت القتال إلى الرسالة تلويحا وصرحت بسطوة الإلهية بكلمة الإخلاص والناشئة عن القتال تصريحا ، وقد تقدم في القتال نبذة من أسرار الكلمتين. ولما ذكر الرسول ذكر المرسل إليهم فقال تعالى :( وَالَّذِينَ مَعَهُ ) أي بمعية الصحبة من أصحابه وحسن التبعية من التابعين لهم بإحسان. ولما كان شرف القوم شرفا لرئيسهم ، مدحهم بما يشمله فقال تعالى :( أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ ) فهم لا تأخذهم بهم رأفة بل هم معهم كالأسد على فريسته ، لأن الله أمرهم بالغلظة عليهم( رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ) كالوالد مع الولد ، لأن الله تعالى أمرهم باللين للمؤمنين ، ولا مؤمن في زمانهم إلا من كان من أهل دينهم ، فهو يحبهم ويحبونه بشهادة آية المائدة.

ولما كان هذا بخلاف ما وصفت به الأمم الماضية من أنهم ما اختلفوا إلا من بعدما جاءهم العلم بغيا بينهم ، فكان عجبا ، بين الحامل عليه بقوله :( تَراهُمْ ) أي أيها الناظر لهم( رُكَّعاً سُجَّداً ) أي دائمي الخضوع فأكثر أوقاتهم صلاة قد غلبت صفة الملائكة على صفاتهم الحيوانية ، فكانت الصلاة آمرة لهم بالخير مصفية عن كل نقص وضير.

ولما كانت الصلاة مما يدخله الرياء ، بين إخلاصهم بقوله :( يَبْتَغُونَ ) أي يطلبون بذلك وغيره من جميع أحوالهم بغاية جهدهم تغليبا لعقولهم على شهواتهم وحظوظهم( فَضْلاً ) أي زيادة من الخير( مِنَ اللهِ ) أي الذي له الإحاطة بصفات الكمال والجمال الذي أعطاهم ملكة الغلظة على الكفار بما وهبهم من جلاله والرقة على أوليائه بما أعطاهم من رحمته التي هيأهم بها للإحسان إلى عياله فنزعوا الهوى من صدورهم فصاروا يرونه وحده سيدهم المحسن إليهم لا يرون سيدا غيره ، ولا محسن سواه. ولما ذكر عبادتهم وطلبهم الزيادة منها ومن غيرها من فضل الله الذي لا يوصل إلى عبادته إلا بمعونته ، أتبعه المطلوب الأعلى فقال :( وَرِضْواناً ) أي رضاء منه عظيما.

٢١٥

ولما ذكر كثرة عبادتهم وأتبعها إخلاصهم فيها اهتماما به لأنه لا يقبل عملا بدونه ، دل على كثرتها بقوله :( سِيماهُمْ ) أي علامتهم التي لا تفارقهم( فِي وُجُوهِهِمْ ) ثم بين العلامة بقوله :( مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) فهي نور يوم القيامة ـ رواه الطبراني(١) عن أبي عن كعب رضي الله عنه عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ هذا مع ما لهم من مثل ذلك في الدنيا من أثر الخشوع والهيبة بحيث إنه إذا رئي أحدهم أورث لرائيه ذكر الله ، وإذا قرأ أورثت قراءته حزنا وخشوعا وإخباتا وخضوعا ، وإن كان رث الحال رديء الهيئة ، ولا يظن أن من السيما ما يصنعه بعض المرائين من هيئة أثر سجود في جبهته ، فإذا ذلك من سيما الخوارج ، وفي نهاية ابن الأثير في تفسير الثفن : ومنه حديث أبي الدرداء رضي الله عنه : رأى رجلا بين عينيه مثل ثفنة العنز ، فقال : لو لم يكن هذا لكان خيرا ـ يعني كان على جبهته أثر السجود ، وإنما كرهها خوفا من الرياء بها ، وقد روى صاحب الفردوس عن أنس رضي الله عنه عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال : إني لأبغض الرجل وأكرهه إذا رأيت بين عينيه أثر السجود.

ولما أتم وصفهم بهذا الأمر الذي لا يقدر عليه أحد إلا من صفاه الله من جميع حظوظه وشهواته ، أشار إلى علوه فقال :( ذلِكَ ) أي هذا الوصف العالي جدا البديع المثال البعيد المنال( مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ ) فإنه قال فيها : أتانا ربنا من سببنا وشرق لنا من جبل ساعير ، وظهر لنا من جبل فاران ، معه ربوات الأطهار على يمينه ، أعطاهم وحببهم إلى الشعوب وبارك على جميع أطهاره وهم يتبعون آثارك. فظهوره من فاران صريح في نبوة محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم فإنه لم يأت منها ـ وهي جبال مكة باتفاقهم ـ بعد نزول التوراة بالنبوة غيرهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وربوات الأطهار إشارة إلى كثرة أمته ، وأنهم في الطهارة كالملائكة ، وأيد ذلك جعلهم من أهل اليمين ، ووصفهم بالتحبيب إلى الشعوب ، فكل ذلك دال على ما وصفوا به منا من شهادة الوجود ـ هذا مع ما وجدته في التوراة بعد تبديلهم لما بدلوا منها وإخفائهم كما قال الله تعالى لكثير ، وروى أصحاب فتوح البلاد في فتح بيت المقدس عن كعب الأحبار أن سبب إسلامه أن أباه كان أخبره أنه ذخر عنه ورقتين جعلهما في كوة وطين عليهما ، وأمره أن يعمل بهما بعد موته ، قال : فلما مات فتحت عنهما فإذا فيهما : محمد رسول الله خاتم النبيين لا نبي بعده مولده بمكة ومهاجره بطيبة ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ، ولا يجزي السيئة بالسيئة ، ولكن يجزي بالسيئة الحسنة ويعفو ويغفر ويصفح ، وإن أمته الحمادون الذين يحمدون الله على كل

__________________

(١) أخرجه الطبراني في الصغير ٦١٩ من حديث أبيّ قال الهيثمي في المجمع ٧ / ١٠٧ : فيه روّاد بن الجرّاح وثقه ابن حبان وضعفه الدارقطني وغيره.

٢١٦

شيء وعلى كل حال ، ويذلل ألسنتهم بالتكبير ، وينصر الله نبيهم على كل من ناواه ، يغسلون فروجهم بالماء ، ويؤثرون على أواسطهم ، وأناجيلهم في صدورهم ، يأكلون قربانهم في بطونهم ويؤجرون عليها ، تراحمهم بينهم تراحم بين الأم والأب ، وهم أول من يدخل الجنة يوم القيامة من الأمم ، هم السابقون المقربون والشافعون والمشفع لهم. وأصله في الصحيح عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما وفي الدارمي عن كعب هذا ، ولأصحاب الفتوح عن سمرة بن حوشب عن كعب قال : قلت لعمر رضي الله عنه وهو بالشام عند انصرافه : يا أمير المؤمنين! إنه مكتوب في كتاب الله «إن هذه البلاد التي كان فيها بنو إسرائيل وكانوا أهلها مفتوحة على رجل من الصالحين ، رحيم بالمؤمنين شديد على الكافرين ، سره مثل علانيته ، وعلانيته مثل سره ، وقوله لا يخالف فعله ، والقريب والبعيد عنده في الحق سواء ، أتباعه رهبان بالليل أسد بالنهار ، متراحمون متباذلون» فقال عمر : ثكلتك أمك أحق ما تقول؟ قلت : أي والذي أنزل التوراة على موسى والذي يسمع ما نقول! إنه لحق ، فقال عمر : فالحمد لله الذي أعزنا وشرفنا وأكرمنا ورحمنا بمحمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم ورحمته التي وسعت كل شيء ـ هذا على أن المراد بالمثل الوصف ، ويمكن أن يكون على حقيقته ، ويكون الذي في التوراة ما ترجمته «هم على أعدائهم كقرن الحديد وفيما بينهم في النفع والتواصل كالماء والصعيد ، ولربهم كخامة الزرع مع الريح والصديق النصيح ، وفي الإقبال على الآخرة كالمسافر الشاحب والباكي الناحب» فعبر عنه في كتابنا بما ذكر.

ولما ذكر مثلهم في الكتاب الأول ، أتبعه الكتاب الثاني الذي هو ناسخ ليعلم أنه قد أخذ على كل ناسخ لشريعته أن يصفهم لأمته ليتبعوهم إذا دعوهم فقال :( وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ ) أي الذي نسخ الله به بعض أحكام التوراة( كَزَرْعٍ ) أي مثل زرع( أَخْرَجَ شَطْأَهُ ) أي فراخه وورقه وما خرج حول أصوله ، فكان ذلك كله مثله.

ولما ذكر هذا الإخراج سبب عنه قوله( فَآزَرَهُ ) أي فأحاط به الشطأ ، فقواه وطهره من غير نبتة نبتت عنه فتضعفه وساواه وحاذاه وعاونه ، ويظهر أن قراءة الهمزة بالمد على المفاعلة أبلغ من قراءة ابن عامر بالقصر ، لأن الفعل إذا كان بين اثنين يتجاذبانه كان الاجتهاد فيه أكثر ، ثم سبب عن المؤازرة قوله :( فَاسْتَغْلَظَ ) أي فطلب المذكور من الزرع والشطأ الغلظ وأوجده فتسبب عن ذلك اعتداله( فَاسْتَوى ) أي وجد فيه القيام العدل وجودا عظيما كأنه كان بغاية الاجتهاد والمعالجة( عَلى سُوقِهِ ) أي قصبه ، جمع ساق ، وهو ما قام عليه الشيء ، حال كون هذا المذكور من الزرع والشطأ( يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ ) ويجوز كونه استئنافا للتعجب منه والمبالغة في مدحه وإظهار السرور في أمره ،

٢١٧

وإذا أعجبهم وهم في غاية العناية بأمره والتفقد لحاله والملابسة له ومعرفة معانيه كان لغيرهم أشد إعجابا ، ومثل لأنهم يكونون قليلين ثم يكثرون مع البهجة في عين الناظر لما لهم من الرونق الذي منشؤه نور الإيمان وثبات الطمأنينة والإيقان وشدة الموافقة من بعضهم لبعض ، ونفي المخالف لهم وإبعاده ، وقد تقدم في هذا الكتاب في آخر المائدة أمثال ضربت في الإنجيل بالزرع أقربها إلى هذا مثل حبة الخردل فراجعه.

ولما أنهى سبحانه مثلهم ، ذكر الثمرة في جعلهم كذلك فقال :( لِيَغِيظَ ) معلقا له بما يؤخذ من معنى الكلام وهو جعلهم كذلك لأجل أن يغيظ( بِهِمُ ) أي غيظا شديدا بالغ القوة والإحكام( الْكُفَّارِ ) وذلك أنهم لما كانوا أول الأمر قليلا ، كان الكفار طامعين في أن لا يتم لهم أمر ، فكلما ازدادوا كثرة مع تمادي الزمان زاد غيظ الكفار منهم ، فكيف إذا رأوا مع الزيادة والقوة منهم حسنا ونضارة ورونقا وبهجة ، فهو في الغيظ مما لو كانوا في أول الأمر كثيرا لأنه كان يكون دفعه ويقصر زمنه ، فمن أبغض صحابيا خيف عليه الكفر لأنهم أول مراد بالآية ، وغيرهم بالقصد الثاني وبالتبع ، ومن أبغضهم كلهم كان كافرا ، وإذا حملناه على غيرهم كان دليلا على أن كل من خالف الإجماع كفر ـ قاله القشيري.

ولما ثم مثلهم وعلة جعلهم كذلك ، بشرهم فقال في موضع وعدهم لتعليق الوعد بالوصف على عادة القرآن ترغيبا في التمسك به وترهيبا من مجانبته :( وَعَدَ اللهُ ) أي الملك الأعظم( الَّذِينَ آمَنُوا ) ولما كان الكلام في الذين معهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكانت المعية ظاهرة في الاتحاد في الدين لم تكن شاملة للمنافقين ، فلم يكن الاهتمام بالتقييد بمنهم هنا كالاهتمام به في سورة النور ، فأخره وقدم العمل لأن العناية به هنا أكثر ، لأنه من سيماهم المذكورة فقال :( وَعَمِلُوا ) أي تصديقا لدعواهم الكون معه في الدين( الصَّالِحاتِ ) ولما كان قوله «معه» يعم كما مضى من بعد الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، وكان الخلل فيمن بعدهم كثيرا ، قيد بقوله :( مِنْهُمْ ) أي من الذين معهصلى‌الله‌عليه‌وسلم سواء كانوا من أصل الزرع أو فراخه التي أخرجها وهم التابعون لهم بإحسان.

ولما كان الإنسان وإن اجتهد مقصرا عن بلوغ ما يحق له من العبادة ، أشار إلى ذلك بقوله :( مَغْفِرَةً ) أي لما يقع منهم من الهفوات أو الذنوب والسيئات( وَأَجْراً عَظِيماً ) بعد ذلك الستر ، وقد جمعت هذه الآية الخاتمة لهذه السورة جميع حروف المعجم بشارة تلويحية مع ما فيها من البشائر التصريحية باجتماع أمرهم وعلو نصرهم ، وذلك أنه لما كانت هذه العمرة قد حصل لهم فيها كسر لرجوعهم قبل وصولهم إلى قصدهم من الدخول إلى مكة المشرفة والطواف بالبيت العتيق ، ولم يكن ذلك بسبب

٢١٨

خلل أتى من قبلهم كما كان في غزوة أحد على ما مضى من بيانه في آل عمران التي هي سورة التوحيد الذي كلمته كلمة التقوى عند الآية الثانية لهذه ، بشرهم سبحانه بما في هذه السورة من البشائر الظاهرة تصريحا وبما في هذه الآية الخاتمة من جمعها لجميع حروف المعجم تلويحا إلى أن أمرهم لا بد من تمامه ، واشتداد سلكه وانبرامه ، واتساق شأنه وانتظامه ، وخفوق ألويته وأعلامه ، وافتتحها بميم «محمد» وهي مضمومة ، وختمها بميم «عظيما» المنصوبة إشارة بما للميم من الختام بمخرجها إلى أن تمام الأمر قد دنا جدا إبانه ، وحضر زمانه ، وبما في أولها من الضم إلى رفعة دائمة في حمد كثير ، وبما في آخرها من النصب إلى تمام الفتح وانتشاره ، وقربه واشتهاره ، على وجه عظيم ، وشرف في علو جسيم ، وأومأ تدويرها إلى أنه أمر لا انتهاء له ، بل كلما ختم ابتدأ ، وقد ظهر من هذا وما في صريح الآية من القوة المعزة للمؤمنين المذلة للكافرين رد مقطعها على مطلعها بالفتح للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم والتسكين العظيم لأصحابه رضي الله عنهم ، والرحمة والمغفرة والفوز العظيم لجميع أتباعه وأنصاره وأشياعه رضي الله تعالى عنهم أجمعين ، وجعلنا بمنه وكرمه منهم ، وهذا آخر القسم الأول من القرآن ، وهو المطول ، وقد ختم ـ كما ترى ـ بسورتين هما في الحقيقة للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وحاصلهما الفتح له بالسيف والنصر على من قاتله ظاهرا كما ختم الثاني المفصل بسورتين هما نصرة لهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بالحال على من قصده بالضر باطنا ـ والله الهادي للصواب وإليه المرجع والمآب وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه.

٢١٩

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة الحجرات

مدنية ـ آياتها ثمان عشر

مقصودها الإرشاد إلى مكارم الأخلاق بتوقير النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بالأدب معه في نفسه وفي أمته ، وحفظ ذلك من إجلاله بالظاهر ليكون دليلا على الباطن فيسمى إيمانا ، كما أن الإيمان بالله يشترط فيه فعل الأعمال الظاهرة والإذعان لفعلها بشرائطها وأركانها وحدودها لتكون بينة على الباطن وحجة شاهدة له( الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ) [العنكبوت : ٢] فحاصل مقصودها مراقبة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم في الأدب معه لأنها أول المفصل الذي هو ملخص القرآن كما كان مقصود الفاتحة التي هي أول القرآن مراقبة الله ، وابتدىء ثاني المفصل بحرف من الحروف المقطعة كما ابتدىء ثاني ما عداه بالحروف المقطعة ، واسمها الحجرات واضح الدلالة على ذلك بما دلت عليه آيته( بِسْمِ اللهِ ) الملك الجبار المتكبر الذي من أخل بتعظيم رسولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يرض عنه عملا( الرَّحْمنِ ) الذي من عموم رحمته إقامة الآداب للتوصل إلى حسن المآب( الرَّحِيمِ ) الذي خص أولي الألباب الإقبال على ما يوجب لهم جميل الثواب.

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣) )

ولما نوه سبحانه في القتال بذكر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وصرح في ابتدائها باسمه الشريف وسمى السورة به ، وملأ سورة محمد بتعظيمه ، وختمها باسمه ، ومدح أتباعه لأجله ، افتتح هذه باشتراط الأدب معه في القول والفعل للعد من حزبه والفوز بقربه ، ومدار ذلك معالي الأخلاق ، وهي إما مع الله سبحانه وتعالى أو مع رسولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أو مع غيرهما وإن كان كل قسم لا يخلو عن لحظ الآخر ، وغيرهما إما أن يكون داخلا مع المؤمنين

٢٢٠