نظم الدّرر الجزء ٧

نظم الدّرر0%

نظم الدّرر مؤلف:
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 631

نظم الدّرر

مؤلف: برهان الدين البقاعي
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
تصنيف:

الصفحات: 631
المشاهدات: 133
تحميل: 18


توضيحات:

بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 631 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 133 / تحميل: 18
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 7

مؤلف:
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
العربية

عظمها وكثرة ما فيها ومن فيها. ولما كان في سياق الرد عليهم والتبكيت لهم كان موضع التأكيد فقال :( وَما فِي الْأَرْضِ ) كذلك.

ولما كان المقام للتعميم ، أظهر ولم يضمر لئلا يوهم الاختصاص بما ذكر من الخلق فقال :( وَاللهُ ) أي الذي له الإحاطة الكاملة( بِكُلِّ شَيْءٍ ) أي مما ذكر ومما لم يذكر( عَلِيمٌ ) .

ولما كان قولهم هذا صورته صورة المنة ، قال مترجما له مبكتا لهم عليه معبرا بالمضارع تصويرا لحاله في شناعته :( يَمُنُّونَ عَلَيْكَ ) أي يذكرون ذكر من اصطنع عندك صنيعة وأسدى إليك نعمة ، إنما فعلها لحاجتك إليها لا لقصد الثواب عليها ، لأن المن هو القطع ـ قال في الكشاف : لأنه إنما يسديها إليه ليقطع بها حاجته لا غير ، من غير أن يعمد لطلب مثوبة ، ثم يقال : من عليه ضيعة ـ إذا اعتده عليه منة وإنعاما. ولما كان الإسلام ظاهرا في الدين الذي هو الانقياد بالظاهر مع إذعان الباطن لم يعبر به ، وقال :( أَنْ أَسْلَمُوا ) أي أوقعوا الانقياد للأحكام في الظاهر.

ولما كان المن هو القطع من العطاء الذي لا يراد عليه جزاء ، قال :( قُلْ ) أي في جواب قولهم هذا :( لا تَمُنُّوا ) معبرا بما من المن إشارة إلى أن الإسلام لا يطلب جزاؤه إلا من الله ، فلا ينبغي عده صنيعة على أحد ، فإن ذلك يفسده( عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ ) لو فرض أنكم كنتم مسلمين أي متدينين بدين الإسلام الذي هو انقياد الظاهر مع إذعان الباطن ، أي لا تذكروه على وجه الامتنان أصلا ، فالفعل وهو( تَمُنُّوا ) مضمن «تذكروا» نفسه لا معناه كما تقدم في( وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ بَلِ اللهُ ) أي الملك الأعظم الذي له المنة على كل موجود ولا منة عليه بوجه( يَمُنُّ عَلَيْكُمْ ) أي يذكر أنه أسدى إليكم نعمه ظاهرة وباطنة منها ما هو( أَنْ ) أي بأن( هَداكُمْ لِلْإِيمانِ ) أي بينه لكم أو وفقكم للاهتداء وهو تصديق الباطن مع الانقياد بالظاهر ، والتعبير عن هذا بالمن أحق مواضعه ، فإنه سبحانه غير محتاج إلى عمل فإنه لا نفع يلحقه ولا ضر ، وإنما طلب الأعمال لنفع العاملين أنفسهم ، ومن عليهم بأن أرسل رسولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فبين لهم فكذبوه بأجمعهم ، فلم يزل يقويه حتى أظهر فيه آية مجده وأظهر دينه على الدين كله ، ودخل فيه الناس طوعا وكرها على وجوه من المجد يعرفها من استحضر السيرة ولا سيما من عرف أمر بني أسد وغطفان الذين نزلت فيهم هذه الآيات ، وكيف كان حالهم في غزوة خيبر وغيره.

ولما كان المراد بهذا تجهيلهم وتعليمهم حقائق الأمور ، لا الشهادة لهم بالهداية ، قال منبها على ذلك :( إِنْ كُنْتُمْ ) أي كونا أنتم عريقون فيه( صادِقِينَ ) في ادعائكم

٢٤١

ذلك ، فإنه على تقدير الصدق إنما هو بتوفيق الله وهو الذي خلق لكم قدرة الطاعة ، فهو الفاعل في الحقيقة فله المنة عليكم ، قال الأستاذ أبو القاسم القشيري : من لاحظ شيئا من أعماله وأحواله فإن رآها دون نفسه كان شركا ، وإن رآها لنفسه كان مكرا ، فكيف يمن العبد بما هو شرك أو مكر ، والذي يجب عليه قبول المنة كيف يرى لنفسه على غيره منة ، هذا لعمري فضيحة ، والمنة تكدر الصنيعة ، إذا كانت من المخلوقين ، وبالمنة تطيب النعمة إذا كانت من قبل الله.

ولما نفى عنهم ما هو باطن ، وختم جدالهم سبحانه بهذه الشرطية ، فكان ربما توهم قاصر النظر جامد الفكر عدم العلم بما هو عليه ، أزال ذلك على وجه عام ، وأكده لذلك فقال :( إِنَّ اللهَ ) أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما( يَعْلَمُ ) أي بطريق ثبوت الصفة وتجريد التعلق واستمراره كلما تجدد محدث أو كان بحيث يتجدد( غَيْبَ السَّماواتِ ) أي كلها( وَالْأَرْضِ ) كذلك.

ولما أريد التعميم من غير تقييد بالخافقين أظهر ولم يضمر قوله :( وَاللهُ ) أي الذي له الإحاطة بذلك وبغيره مما لا تعلمون( بَصِيرٌ ) أي عالم أتم العلم ظاهرا وباطنا( بِما تَعْمَلُونَ ) من ظاهر إسلامكم وباطن إيمانكم في الماضي والحاضر والآتي سواء كان ظاهرا أو باطنا سواء كان قد حدث فصار بحيث تعلمونه أنتم أو كان مغروزا في جبلاتكم وهو خفي عنكم ـ هذا على قراءة الخطاب التفات إليهم لاستنقاذ من توهم منهم هذا التوهم ، وهي أبلغ ، وعلى قراءة ابن كثير بالغيب يكون على الأسلوب الأول مما أمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بإبلاغه لهم ، فهو سبحانه عالم بمن انطوى ضميره على الإيمان ، ومن هو متكيف بالكفران ، ومن يموت على ما هو عليه ، ومن يتحول حاله بإبعاد عنه أو جذب إليه ، قال القشيريرحمه‌الله تعالى : ومن وقف ههنا تكدر عليه العيش إذ ليس يدري ما غيبه فيه ، وفي المعنى قال :

أبكي وهل تدرين ما يبكيني

أبكي حذارا أن تفارقيني

وتقطعي حبلي وتهجريني

انتهى. وفي ذلك أعظم زجر وترهيب لمن قدم بين يدي الله ورسوله ولو أن تقدمه في سره. فإنه لا تهديد أبلغ من إحاطة العلم ، فكأنه قيل : لا تقدموا بين يديه فإن الله محيط العلم فهو يعلم سركم وجهركم ، فقد رجع هذا الآخر إلى الأول ، والتف به التفاف الأصل بالموصل.

٢٤٢

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة ق

مكية ـ آياتها خمس واربعون

وتسمى الباسقات

ومقصودها تصديق النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم في الرسالة التي معظمها الإنذار وأعظمه الإعلام بيوم الخروج بالدلالة على ذلك بعد الآيات المسموعة الغنية بإعجازها عن تأييد بالآيات المرئية الدالة قطعا على الإحاطة بجميع صفات الكمال ، وأحسن من هذا أن يقال : مقصودها الدلالة على إحاطة القدرة التي هي نتيجة ما ختمت به الحجرات من إحاطة العلم لبيان أنه لا بد من البعث ليوم الوعيد ، فتكتنف هذه الإحاطة بما يحصل من الفضل بين العباد بالعدل لأن ذلك هو سر الملك الذي هو سر الوجود وذلك هو نتيجة مقصود البقرة ، والذي تكفل بالدلالة على هذا كله ما شوهد من إحاطة مجد القرآن بإعجازه في بلوغه في كل من جميع المعاني وعلو التراكيب وجلالة المفردات وتلازم الحروف وتناسب النظم ورشاقة الجمع وحلاوة التفصيل إلى حد لا تطيقه القوى ، ومن إحاطة أوصاف الرسول الذي اختاره سبحانه لإبلاغ هذا الكتاب في الخلق ، وما شوهد من إحاطة القدرة بما هدى إليه القرآن من آيات الإيجاد والإعدام ، وعلى كل من الاحتمالين دل اسمها «ق» لما في آياته من إثبات المجد بهذا الكتاب ، والمجد هو الشرف والكرم والرفعة والعلو ، وذلك لا يكون إلا والآتي به كذلك ، وهو ملازم لصدقه في جميع ما أتى به ، وللقاف وحدها أتم دلالة على ذلك ، أولا بمخرجها فإنه من أصل اللسان مما يلي الحلق ويحاذيه من الحنك الأعلى ، فإن ذلك إشارة إلى أن مقصود السورة الأصل والعلو ، وكل منها دال على الصدق دلالة قوية ، فإن الأصل في وضع الخبر الصدق ، ودلالته على الكذب وضعية لا عقلية ، وهي أيضا محيطة باسمها أو مسماها بالمخارج الثلاث ، والإحاطة بالحق لا تكون إلا مع العلو ، وهو لا يكون إلا مع الصدق ، ولإحاطتها سمي بها الجبل المحيط بالأرض ، هذا بمخرجها ، وأما صفتها فإنها عظيمة في ذلك فإن لها الجهر والشدة والانفتاح والاستعلاء والقلقلة ، وكل منها ظاهر الدلالة على ذلك جدا ، وأدل ما فيها من المخلوقات على هذا المقصد النخل ، لما

٢٤٣

انفردت به عما شاركها من النبات بالإحاطة بالطول وكثرة المنافع ، فإنها جامعة للتفكه بالقلب ثم الطلع ثم البسر ثم الرطب وبالاقتيات بالتمر وبالخشب والحطب والقطا والخوص النافع للافتراش والليف النافع للحبال ، ودون ذلك وأعلاه من الخلال ، هذا مع كثرة ملابسة العرب الذين هم أول مدعو بهذا الكتاب الذكر لها ومعرفتهم بخواصها ، وأدل ما فيها الطول مع أنه ليس لعروقها من الامتداد في الأرض والتمكن ما لغيرها ، ومثل ذلك غير كاف في العادة في الإمساك عن السقوط وكثرة الحمل وعظم الأقناء وتناضد الثمر ، ولذلك سميت سورة الباسقات لا النخل( بِسْمِ اللهِ ) الذي من إحاطة حمده بيانه ما لنبيهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من إحاطة الحمد ، ولقدرته سبحانه من الإحاطة التي ليس لها حد( الرَّحْمنِ ) الذي عم خلقه برحمته حين أرسل إليهم محمداصلى‌الله‌عليه‌وسلم بشرائعه ، فهو أصدق العباد ، وأظهر بعظيم معجزاته أن قدرته ما لها من نفاد( الرَّحِيمِ ) الذي خص بالفوز في دار القرار أهل الرغاد.

( ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣) قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ (٤) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥) أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ (٦) )

لما ختم سبحانه الحجرات بإحاطة العلم قال أول هذه :( ق ) إشارة إلى أنه هو سبحانه وحده المحيط علما وقدرة بما له من العلو والشدة والقوة والقيومية والقهر ونافذ القضاء والفتح لما أراد من المغلقات ، بما أشارت إليه القاف بصفاتها وأظهرته بمخرجها المحيط بما جمعه مسماها من المخارج الثلاث : الحلق واللسان والشفاه.

وقد قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في سر افتتاح المفصل بهذا الحرف فقال في آخر كتابه في هذا الحرف : اعلم أن القرآن منزل مثاني ، ضمن ما عدا المفصل منه الذي هو من قاف إلى آخر الكتاب العزيز وفاتحة ما يختص بأولي العلم والفقه من مبسوطات الحكم ومحكمات الأحكام ومطولات الأقاصيص ، ومتشابه الآيات ، والسور المفتتحة بالحروف الكلية للإحاطة لغيبية المتهجى المسندة إلى آحاد الأعداد ، فلعلو رتبة إيراده وطوله ثنى الحق سبحانه الخطاب وانتظمه في سور كثيرة العدد يسيرة عدد الآي قصيرة مقدارها ، ذكر فيها من أطراف القصص والمواعظ والأحكام والثناء وأمر الجزاء ما يليق بسماع العامة ليسهل عليهم سماعه وليأخذوا بحظ مما أخذه الخاصة وليكرر على أسماعهم في قراءة الأئمة له في الصلوات المفروضة التي لا مندوحة لهم عنها ما يكون

٢٤٤

لهم خلفا مما يعولهم من مضمون سائر السور المطولات ، فكان أحق ما افتتح به مفصلهم حرف ق الذي هو وتر الآحاد ، والظاهر منها مضمون ما يحتوي عليه مما افتتح بألف لام ميم ، وكذلك كانصلى‌الله‌عليه‌وسلم يكثر أن يقرأ في خطبة يوم الجمعة(١) إليهم لأنها صلاة جامعة الظاهر بفاتحة المفصل الخاص بهم ، وفي مضمونها من معنى القدرة والقهر المحتاج إليه في إقامة أمر العامة ما فيه كفاية ، وشفعت بسورة المطهرة فخصوا بما فيه القهر والإنابة ، واختصرت سورة نون من مقتضى العلم بما هو محيط بأمر العامة المنتهي إلى غاية الذكر الشامل للعالمين.

ولما كان جميع السور المفتتحة بالحروف المتضمنة للمراتب التسع ، والعاشر الجامع قواما وإحاطة في جميع القرآن ، لذلك كانت سورة قاف وسورة ن قواما خاصا وإحاطة خاصة بما يخص العامة من القرآن الذين يجمعهم الأرض بما أحاط بظاهرها من صورة جبل قاف ، وما أحاط بباطنها من صورة حيوان «نون» الذي تمام أمرهم بما بين مددي إقامتهما ولهذه السورة المفتتحة بالحروف ظهر اختصاص القرآن وتميزه عن سائر الكتب لتضمنها الإحاطة التي لا تكون إلا بما للخاتم الجامع ، واقترن بها من التفضيل في سورها ما يليق بإحاطتها ، ولإحاطة معانيها وإتمامها كان كل ما فسرت به من معنى يرجع إلى مقتضاها ، فهو صحيح في إحاطتها ومنزلها من أسماء الله وترتبها في جميع العوالم ، فلا يخطىء فيها مفسر لذلك لأنه كلما قصد وجها من التفسير لم يخرج عن إحاطة ما تقتضيه ، ومهما فسرت به من أنها من أسماء الله تعالى أو من أسماء الملائكة أو من أسماء الأنبياء أو من مثل الأشياء ، وصور الموجودات أو من أنها أقسام أقسم بها ، أو فواتح عرفت بها السور ، أو أعداد تدل على حوادث وحظوظ من ظاهر الأمر أو باطنه على اختلاف رتب وأحوال مما أعطيه محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم من مقدار أمد الخلافة والملك والسلطنة وما ينتهي إليه أمره من ظهور الهداية ونحو ذلك مما يحيط بأمد يومه إلى غير ذلك ، وكل داخل في إحاطتها ، ولذلك أيضا لا تختص بمحل مخصوص تلزمه علامة إعراب مخصوصة فمهما قدر في مواقعها من هذه السورة جرا أو نصبا أو رفعا ، فتداخل في إحاطة رتبتها ولم يلزمها معنى خاص ولا إعراب خاص لما لم يكن لها انتظام ، لأنها مستقلات محيطات ، وإنما ينتظم ما يتم معنى ـ كل واحد من المنتظمين بحصول الانتظام ، وذلك يختص من الكلم بما يقصر عن إحاطة مضمون الحروف حتى أنه متى وقع استقلال وإحاطة في كلمة لم يقع فيها انتظام.

__________________

(١) أخرجه أحمد ٦ / ٤٣٦ و ٤٦٣ ونسبه المجد في المنتقى إلى مسلم وأبي داود ٣ / ٢٦٦ وأخرجه النسائي ١٥٧ / ٢ في الصلاة لا الخطبة وذلك كله عن أم هشام رضي الله تعالى عنها.

وأخرجه النسائي ٢ / ١٥٧ عن قطبة بن مالك رضي الله تعالى عنه.

٢٤٥

ولما أشار سبحانه إلى هذه الإحاطة بالقاف ، أقسم على ذلك قسما هو في نفسه دال عليه فقال :( وَالْقُرْآنِ ) أي الكتاب الجامع الفارق( الْمَجِيدِ ) الذي له العلو والشرف والكرم والعظمة على كل كلام ، والجواب أنهم ليعلمون ما أشارت إليه القاف من قوتي وعظمتي وإحاطة علمي وقدرتي ، وما اشتمل عليه القرآن من المجد بإعجازه واشتماله على جميع العظمة ، ولم ينكروا شيئا من ذلك بقلوبهم ، ومجيد القرآن كما تقدم في أثناء الفاتحة ما جربت أحكامه من بين عاجل ما شهد وآجل ما علم بعلم ما شهد ، وكان معلوما بالتجربة المتيقنة بما تواتر من القصص الماضي ، وما شهد من الأثر الحاضر وما يتجدد مع الأوقات من أمثاله وأشباهه ، وإذا تأملت السورة وجدت آيها منزلة على جميع ذلك ، فإنه سبحانه ذكرهم فيها ما يعلمون من خلق السماوات والأرض وما فيهما ومن مصارع الأولين وكذا السورة الماضية ولا سيما آخرها المشير إلى أنه أدخل على الناس الإيمان برجل واحد غلبهم بمجده وإعجازه لمجد منزله بقدرته وإحاطة علمه ـ والله الهادي ، ومن أحاط علما بمعانيه وعمل ما فيه مجد عند الله وعند الناس.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما كانت سورة الفتح قد انطوت على جملة من الألطاف التي خص الله بها عباده المؤمنين كذكره تعالى أخوتهم وأمرهم بالتثبت عند غائلة معتد فاسق( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ ) الآية ، وأمرهم بغض الأصوات عند نبيهم وأن لا يقدموا بين يديه ولا يعاملوه في الجهر بالقول كمعاملة بعضهم بعضا ، وأمرهم باجتناب كثير من الظن ونهيهم عن التجسس والغيبة ، وأمرهم بالتواضع في قوله( يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى ) وأخبرهم تعالى أن استجابتهم وامتثالهم هذه الأوامر ليست بحولهم ، ولكن بفضله وإنعامه ، فقال :( وَلكِنَّ اللهَ حَبَّبَ ) إليك( الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ ) الآيتين ، ثم أعقب ذلك بقوله( يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ) الآية ، ليبين أن ذلك كله بيده ومن عنده ، أراهم سبحانه حال من قضى عليه الكفر ولم يحبب إليه الإيمان ولا زينه في قلبه ، بل جعله في طرف من حال من أمر ونهى في سورة الفتح مع المساواة في الخلق وتماثل الأدوات فقال تعالى :( وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ ) الآيات ، ثم ذكر سبحانه وتعالى وضوح الأدلة( أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ ) الآيات ، ثم ذكر حال غيرهم ممن كان على رأيهم( كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ ) ليتذكر بمجموع هذا من قدم ذكره بحاله وأمره ونهيه في سورة الفتح ، ويتأدب المؤمن بآداب الله ويعلم أن ما أصابه من الخير فإنما هو من فضل ربه وإحسانه ، ثم التحمت الآي إلى قوله خاتمة السورة( نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ ) الآيات ـ انتهى.

٢٤٦

ولما كان هذا ظاهرا على ما هدى إليه السياق ، بنى عليه قوله دلالة أخرى على شمول علمه :( بَلْ ) أي أن تكذيبهم ليس لإنكار شيء من مجده ولا لإنكار صدقك الذي هو من مجده بل لأنهم( عَجِبُوا ) أي الكفار ، وأضمرهم قبل الذكر إشارة إلى أنه إذا ذكر شيئا خارجا عن سنن الاستقامة انصرف إليهم ، والعجب من تغير النفس لأمر خارج عن العادة.

ولما كان المقام لتخويف من قدم بين يدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أو منّ عليه بالإسلام أو غيره ، أو لتخويف من أنكر البعث ، اقتصر على النذارة فقال :( أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ ) أنذرهم حق الإنذار من عذاب الله عند البعث الذي هو محط الحكمة ، وعجب منهم هذا العجب بقوله :( مِنْهُمْ ) لأن العادة عندهم وعند جميع الناس أنه إذا كان النذير منهم لم يداخلهم في إنذاره شك بوجه من الوجوه ، وهؤلاء خالفوا عادة الناس في تعجبهم من كون النذير ـ وهو أحدهم ـ خص بالرسالة دونهم ، ولم يدركوا وجه الخصوصية لكونه مثلهم ، فكذلك أنكروا رسالته وفضل كتابه بألسنتهم نفاسة وحسدا لأنهم كانوا معترفين بخصائصه التي رفعه الله تعالى عليهم بها قبل الرسالة فحطهم عجبهم ذلك إلى الحضيض من دركات السفه وخفة الأحلام ، لأنهم عجبوا أن كان الرسول بشرا وأوجبوا أن يكون الإله حجرا ، وعجبوا من أن يعادوا من تراب ، وتثبت له الحياة ، ولم يعجبوا أن يبتدؤوا من تراب ولم يكن له أصل في الحياة ، ولذلك سبب عنه قوله :( فَقالَ ) أي بسبب إنذاره بالبعث وعقبه( الْكافِرُونَ ) فأظهر في موضع الإنذار إيذانا بأنهم لم يخف عليهم شيء من أمره ، ولكنهم ستروا تعديا بمرأى عقولهم الدالة على جميع أمره دلالة ظاهرة ، وعبر بما دل على النذارة لأنها المقصود الأعظم من هذه السورة ، وجميع سياق الحجرات ظاهر فيها :( هذا ) أي كون النذير منا خصص بالرسالة من دوننا ، وكون ما أنذر به هو البعث بعد الموت( شَيْءٌ عَجِيبٌ ) أي بليغ في الخروج عن عادة أشكاله ، وقد كذبوا في ذلك ، أما من جهة النذير فإن أكثر الرسل من الطوائف الذين أرسلوا إليهم ، وقليل منهم من كان غريبا ممن أرسل إليه ، وأما من جهة البعث فإن أكثر ما في الكون مثل ذلك من إعادة كل من الملوين بعد ذهابه وإحياء الأرض من بعد موتها وابتداء الإحياء لجميع موات الحيوان وإخراج النبات والأشجار والثمار وغير ذلك مما هو ظاهر جدا.

ولما كان المتعجب منه مجملا ، أوضحه بقوله حكاية عنهم مبالغين في الإنكار ، بافتتاح إنكارهم باستفهام إنكاري :( إِذا مِتْنا ) ففارقت أرواحنا أشباحنا( وَكُنَّا تُراباً ) لا فرق بينه وبين تراب الأرض. ولما كان العامل في الظرف ما تقديره : نرجع؟ دل عليه

٢٤٧

بقوله والإشارة بأداة البعد إلى عظيم استبعادهم :( ذلِكَ ) أي الأمر الذي هو في تمييز ترابنا من بقية التراب في غاية البعد ، وهو مضمون الخبر برجوعنا( رَجْعٌ ) أي رد إلى ما كنا عليه( بَعِيدٌ ) جدا لأنه لا يمكن تمييز ترابنا من بقية التراب. ولما كان السياق لإحاطة العلم بما نعلم وما لا نعلم ، توقع السامع الجواب عن هذا الجهل ، فقال مزيلا لسببه ، مفتتحا بحرف التوقع :( قَدْ ) أي بل نحن على ذلك في غاية القدرة لأنا قد( عَلِمْنا ) بما لنا من العظمة( ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ ) أي من أجزائهم المتخللة من أبدانهم بعد الموت وقبله ، فإنه لو زاد الإنسان بكل طعام يأكله ولم ينقص صار كالجبل بل نحن دائما في إيجاد وإعدام تلك الأجزاء ، وذلك فرع العلم بها كل جزء في وقته الذي كان نقصه فيه قل ذلك الجزء أو جل ، ولم يكن شيء من ذلك إلا بأعيننا بما لنا من القيومية والخبرة النافذة في البواطن فضلا عن الظواهر والحفظ ، الذي لا يصوب إلى جنابه عي ولا غفلة ولا غير ، ولكنه عبر بمن لأن الأرض لا تأكل عجب الذنب ، فإنه كالبزر لأجسام بني آدم.

ولما كانت العادة جارية عند جميع الناس بأن ما كتب حفظ ، أجرى الأمر على ما جرت به عوائدهم فقال مشيرا بنون العظمة إلى غناه عن الكتاب :( وَعِنْدَنا ) أي على ما لنا من الجلال الغني عن كل شيء( كِتابٌ ) أي جامع لكل شيء( حَفِيظٌ ) أي بالغ في الحفظ لا يشذ عنه شيء من الأشياء دق أو جل ، فكيف يستبعدون على عظمتنا أن لا نقدر على تمييز ترابهم من تراب الأرض ولم يختلط في علمنا شيء من جزء منه بشيء من جزء آخر فضلا عن أن يختلط شيء منه بشيء آخر من تراب الأرض أو غيرها.

ولما كان التقدير : وهم لا ينكرون ذلك من عظمتنا لأنهم معترفون بأنا خلقنا السماوات والأرض وخلقناهم من تراب وإنا نحن ننزل الماء فينبت النبات ، أضرب عنه بقوله :( بَلْ ) الذين( كَذَّبُوا بِالْحَقِ ) أي الأمر الثابت الذي لا أثبت منه( لَمَّا ) أي حين( جاءَهُمْ ) لما ثار عندهم من أجل تعجبهم من إرسال رسولهم من حظوظ النفوس وغلبهم من الهوى ، حسدا منهم من غير تأمل لما قالوه ولا تدبر ، ولا نظر فيه ولا تفكر ، فلذلك قالوا ما لا يعقل من أن من قدر على إيجاد شيء من العدم وإبدائه لا يقدر على إعادته بعد إعدامه وإفنائه.

ولما تسبب عن انتسابهم في هذا القول الواهي وارتهانهم في عهدته اضطرابهم في الرأي : هل يرجعون فينسبوا إلى الجهل والطيش والسفه والرعونة أم يدومون عليه فيؤدي ذلك مع كفرهم بالذي خلقهم إلى أعظم من ذلك من القتال والقتل ، والنسبة إلى الطيش والجهل ، قال معبرا عن هذا المعنى :( فَهُمْ ) أي لأجل مبادرتهم إلى هذا القول

٢٤٨

السفساف( فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ ) أي مضطرب جدا مختلط ، من المرج وهو اختلاط النبت بالأنواع المختلفة ، فهم تارة يقولون : سحر ، وتارة كهانة ، وتارة شعر ، وتارة كذب ، وتارة غير ذلك ، والاضطراب موجب للاختلاف ، وذلك أدل دليل على الإبطال كما أن الثبات والخلوص موجب للاتفاق ، وذلك أدل دليل على الحقية ، قال الحسن : ما ترك قوم الحق إلا مرج أمرهم ـ وكذا قال قتادة ، وزاد : والتبس عليهم دينهم.

ولما أخبرهم أنهم قالوا عن غير تأمل أنكر عليهم ذلك موبخا لهم دالّا على صحة ما أنكروه وفساد إنكارهم بقوله ، مسببا عن عجلتهم إلى الباطل ،( أَفَلَمْ يَنْظُرُوا ) أي بعين البصر والبصيرة( إِلَى السَّماءِ ) أي المحيطة بهم وبالأرض التي هم عليها. ولما كان هذا اللفظ يطلق على كل ما علا من سقف وسحاب وغيره وإن كان ظاهرا في السقف المكوكب حققه بقوله :( فَوْقَهُمْ ) فإن غيرها إنما هو فوق ناس منهم لا فوق الكل. ولما كان أمرها عجبا ، فهو أهل لأن يسأل عن كيفيته دل عليه بأداة الاستفهام فقال :( كَيْفَ بَنَيْناها ) أي أوجدناها على ما لنا من المجد والعزة مبنية كالخيمة إلا أنها من غير عمد( وَزَيَّنَّاها ) أي بما فيها من الكواكب الصغار والكبار السيارة والثابتة( وَما ) أي والحال أنه ما( لَها ) وأكد النفي بقوله :( مِنْ فُرُوجٍ ) أي فتوق وطاقات وشقوق ، بل هي ملساء متلاصقة الأجزاء ، فإن كانت هذه الزينة من تحتها فالذي أوقع ذلك على هذا الإحكام الذي يشاهدونه بما فيه من المنافع والستر الذي لا يختل على مر الجديدين ، فهو من القدرة بحيث لا يعجزه شيء ، وإن كانت الزينة من فوقها فكذلك ، وإن كان بعضها من فوق وبعضها من تحت فالأمر عظيم ، وهذا يدل على أن السماء كرة مجوفة الوسط مقببة كالبيضة ، فإن نفي الفروج فيها على هذا الوجه المؤكد يدل على ذلك دلالة ظاهرة ، وأفرد السماء ولم يجمع لأن بناءها على ما ذكر وإن كانت واحدة يدل على كمال القدرة ، فإن البناء المجوف لا يمكن بانيه إكمال بنائه من غير أن يكون له فروج ، وإن اختل ذلك كان موضع الوصل ظاهرا للرائين ما فيه من فتور وشقوق وقصور وما يشبه ذاك ، ولم يمكنه مع ذلك الخروج منه ، إن كان داخله فلم يقدر على حفظ خارجه ، وإن كان خارجه لم يتمكن من حفظ داخله ، وهذا الكون محفوظ من ظاهره وباطنه ، فعلم أن صانعه منزه عن الاتصاف بما تحيط به العقول بكونه داخل العلم أو خارجه أو متصلا به أو منفصلا عنه ، أو محتاجا في الصنعة إلى إله أو في الحفظ إلى ظهير أو معين ، وجمع الفرج للدلالة على إرادة الجنس بالسماء بعد ما أفاده إفراد لفظها ، فيدل الجمع مع إرادة الجنس على التوزيع ، مع الإفهام إل أن الباني لو احتاج في هذا الخلق الواسع الأطراف المتباعد الأكناف إلى فرج واحد لاحتاج إلى فروج كثيرة. فإن

٢٤٩

هذا الجرم الكبير لا يكفي فيه فرج واحد لمن يحتاج إلى الحركة ، فنزل كلام العليم الخبير على مثل هذه المعاني ، ولا يظن أنه غيرت فيه صنعة من الصنع لأجل الفاصلة فقط ، فإن ذلك لا يكون إلا من محتاج ، والله متعال عن ذلك ، ويجوز ـ وهو أحسن ـ أن يراد بالفروج قابلية الإنبات لتكون ـ مثل الأرض ـ يتخللها المياه فيمتد فيها عروق الأشجار والنبات وتظهر منها ، وأن يراد بها الخلل كقوله تعالى( ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ ) [الملك : ٣] أي خلل واختلاف وفساد ، وهو لا ينفي الأبواب والمصاعد ـ والله أعلم.

( وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ (١١) )

ولما دل سبحانه على تمام قدرته وكمال علمه وغير ذلك من صفات الكمال بآية السماء ، أتبع ذلك الدلالة على أنه لا يقال فيه داخل العالم ولا خارجه لأنه متصل به ولا منفصل عنه ، نبه على ذلك بالدلالة على آية الأرض ، وأخرها لأن السماء أدل على المجد الذي هذا سياقه ، لأنها أعجب صنعة وأعلى علوّا وأجل مقدارا وأعظم أثرا ، وأن الأرض لكثرة الملابسة لها والاجتناء من ثمارها يغفل الإنسان عن دلالتها ، بما له في ذلك من الصنائع والمنافع ، فقال :( وَالْأَرْضَ ) أي المحيطة بهم( مَدَدْناها ) أي جعلناها بما لنا من العظمة مبسوطة لا مسنمة. ولما كان الممدود يتكفأ ، قال :( وَأَلْقَيْنا ) بعظمتنا( فِيها رَواسِيَ ) أي جبالا ثوابت كانت سببا لثباتها ، وخالفت عادة المراسي في أنها من فوق ، والمراسي تعالجونها أنتم من تحت.

ولما كان سكانها لا غنى لهم عن الرزق ، قال ممتنا عليهم :( وَأَنْبَتْنا ) بما لنا من العظمة( فِيها ) وعظم قدرتها بالتبعيض فقال :( مِنْ كُلِّ زَوْجٍ ) أي صنف من النبات تزاوجه أشكاله بأرزاقكم كلها( بَهِيجٍ ) أي هو في غاية الرونق والإعجاب ، فكان ـ مع كونه رزقا ـ متنزها.

ولما ذكر هذه الصنائع الباهرة ، عللها بقوله :( تَبْصِرَةً ) أي جعلنا هذه الأشياء كلها ، أي لأجل أن تنظروها بأبصاركم ، ثم تتفكروا ببصائركم ، فتعبروا منها إلى صانعها ، فتعلموا ما له من العظمة( وَذِكْرى ) أي ولتتذكروا بها تذكرا عظيما ، بما لكم من القوى والقدر فتعلموا بعجزكم عن كل شيء من ذلك أن صانعها لا يعجزه شيء ، وأنه محيط بجميع صفات الكمال ، لو ألم بجنابه شائبة من شوائب النقص لما فاض عنه هذا الصنع الغريب البديع.

٢٥٠

ولما كان من لا ينتفع بالشيء كأنه عادم لذلك الشيء ، قصر الأمر على المنتفع فقال :( لِكُلِّ عَبْدٍ ) يتذكر بما له من النقص وبما دل عليه هذا الصنع من الكمال أنه عبد مربوب لصانعه. ولما كان الإنسان لما له من النقصان لا يزال كلما أعلاه عقله أسفله طبعه ، فكان ربما ظن أنه لا يقبل إذا رجع ، رغبة في الرجوع بقوله :( مُنِيبٍ ) أي رجاع عما حطه عنه طبعه إلى ما يعليه إليه عقله ، فيرجع من شهود هذه الأفعال إلى شهود هذه الصفات إلى علم الذات.

ولما كان إنزال الماء أبهر الآيات وأدلها على أنه أجلّ من أن يقال : إنه داخل العالم أو خارجه ، أو متصل به أو منفصل عنه ، مع أن به تكوّن النبات وحصول الأقوات وبه حياة كل شيء ، أفرده تنبيها على ذلك فقال :( وَنَزَّلْنا ) أي شيئا فشيئا في أوقات على سبيل التقاطر وبما يناسب عظمتنا التي لا تضاهى بغيب ، لما له من النقل والنبوع والنفوذ فنزل دفعة واحدة فأهلك ما نزل عليه فزالت المفقرة وعادت المنفعة مضرة( مِنَ السَّماءِ ) أي المحل العالي الذي لا يمسك فيه الماء عن دوام التقاطر إلا بقاهر( ماءً مُبارَكاً ) أي نافعا جدا ثابتا لا خيالا محيطا بجميع منافعكم.

ولما كان الماء سببا في تكون الأشياء ، وكان ذلك سببا في انعقاده حتى يصير خشبا وحبا وعنبا ، وغير ذلك عجبا ، قال :( فَأَنْبَتْنا ) معبرا بنون العظمة( بِهِ جَنَّاتٍ ) من الثمر والشجر والزرع وغيره مما تجمعه البساتين فتجنّ ـ أي تستر ـ الداخل فيها. ولما كان القصب الذي يحصد فيكون حبه قوتا للحيوان وساقه للبهائم ، خصه بقوله :( وَحَبَّ الْحَصِيدِ ) أي النجم الذي من شأنه أن يحصد من البر والشعير ونحوهما ، وأومأ بالتقييد إلى أن هذه الحبوب أشرف من حب اللآلىء الذي ينبته الله من المطر لأنها لقيام النبتة؟ وتلك للزينة ، ولما كان النخل من أعجبه ما يتكون منه مع ما له من المنافع التي لا يساويه فيها شجر ، والطباق للزرع بالطول والقصر والاتساق بالاقتيات للآدميين والبهائم ، قال :( وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ ) أي عاليات طويلات على جميع الأشجار المثمرة ذوات أثمار طيبة( لَها ) مع يبس ساقها( طَلْعٌ نَضِيدٌ ) أي مصفوف متراكم بعضه فوق بعض ، وهو حشو طلعه ، والطلع ذلك الخارج من أعلى النخلة كأنه فعلان مطبقان ، والحمل النضيد بينهما ، والطرف محدد ، أو الطلع ما يبدو من ثمر النخل أول ظهورها ، وذلك القشر يسمى الكفرى لتغطيته إياه على أحكم ما يكون وأوثق ، والطلع يشبه ما للناقة المبسق من اللبا المتكون في ضرعها قبل النتاج ، ثم يصير بعد اتحاده في البياض وهو طلع إلى الافتراق حال الينوع إلى أحمر وأصفر وأخضر وغير ذلك من الألوان الغريبة ، والأوصاف العجيبة ، وهي محيطة المنافع بالتفكه على عدة أنواع والاقتيات وغير ذلك ، وطلعها مخالف لعادة أكثر الأشجار فإن ثمارها مفردة ، كل حبة منفردة عن أختها.

٢٥١

ولما ذكر سبحانه بعض ما له في الماء من العظمة ، ذكر له علة هي غاية في المنة على الخلق فقال :( رِزْقاً لِلْعِبادِ ) أي أنبتنا به ذلك لأجل أنه بعض ما جعلناه رزقهم.

ولما كان ذلك أعظم مذكر للبصراء بالبعث ولجميع صفات الكمال ، أتبعه ما له من التذكير بالبعث بخصوصه فقال :( وَأَحْيَيْنا بِهِ ) أي الماء بعظمتنا( بَلْدَةً ) وسمها بالتاء إشارة إلى أنها في غاية الضعف والحاجة إلى الثبات والخلو عنه ، وذكر قوله :( مَيْتاً ) للزيادة في تقرير تمكن الحاجة فيها. ولما كان هذا خاصة من أوضح أدلة البعث ، قال على سبيل النتيجة :( كَذلِكَ ) أي مثل هذا الإخراج العظيم( الْخُرُوجُ ) الذي هو لعظمته كأنه مختص بهذا المعنى ، وهو بعث الموتى من قبورهم على ما كانوا عليه في الدنيا ، لا فرق بين خروج النبات بعد ما تهشم في الأرض وصار ترابا كما كان من بين أصفره وأبيضه وأحمره وأخضره وأزرقه إلى غير ذلك ، وبين إخراج ما تفتت من الموتى كما كانوا في الدنيا ، قال أبو حيان : ذكر تعالى في السماء ثلاثة : البناء والتزيين ونفي الفروج ، وفي الأرض ثلاثة : المد وإلقاء الرواسي والإنبات ، قابل المد بالبناء لأن المد وضع والبناء رفع ، وإلقاء الرواسي بالتزيين بالكواكب لارتكاز كل واحد منها ـ أي على سطح ما هو فيه ، والإنبات المترتب على الشق بانتفاء الفروج ، فلا شق فيها ، ونبه فيما تعلق به الإنبات على ما يقطف كل سنة ويبقى أصله ، وما يزرع كل سنة أو سنتين ويقطف كل سنة ، وعلى ما اختلط من جنسين ، فبعض الثمار فاكهة لا قوت ، وأكثر الزرع قوت والثمر فاكهة وقوت.

( كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤) أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) )

ولما وصل الأمر إلى حد لا خفاء معه ، فصح أنهم يعلمون ذلك ولم يحملهم على التصريح بالتكذيب به إلا المبادرة إلى ذلك بغلبة الهوى من غير تأمل لعاقبته ، فصار من باب لزوم الغلط ، وكان السياق لإنكار البعث الذي جاء به منذر من القوم المنذرين ، كان كأنه قيل : إن إنكار هؤلاء أعجب ، فهل وقع هذا لأحد قط ، فقال تعالى مسليا لهذا النبي الكريم لأن المصيبة إذا عمت هانت ، مبينا لمجد القرآن ولمجد آياته تحقيقا للإنذار وتحذيرا به لا للنصيحة :( كَذَّبَتْ ) وسم الفعل بالتاء إشارة إلى هوانهم في جنب هذا المجد ولما كان هؤلاء الأحزاب المذكورون لقوتهم وكثرتهم كأنهم أهل المجد قاطبة قد استغرقوا زمانها ومكانها ، أسقط الجارّ فقال :( قَبْلَهُمْ ) .

٢٥٢

ولما لم تكن لهم شهرة يعرفون بها قال :( قَوْمُ نُوحٍ ) وأشار إلى عظيم التسلية بأنهم جاءهم منذر منهم ، وكانوا في القوة في القيام فيما يحاولونه والكثرة بحيث لا يسع الأفهام جميع أوصافهم ، فآذوا رسولهم وطال أذاهم قريبا من عشرة قرون ولما كان آخر أمرهم أنه التقى عليهم الماءان : ماء السماء ، وطلع إليهم ماء الأرض فأغرقهم ، أتبعهم من طائفتهم قصتهم بأن نزل بهم الماء فأوبقهم لما بين حاليهم من الطباق دلالة على عظيم القدرة والفعل بالاختيار فقال :( وَأَصْحابُ الرَّسِ ) أي البئر التي تقوضت بهم فخسفت مع ما حولها فذهبت بهم وبكل ما لهم كما ذكرت قصتهم في الفرقان. ولما كانت آية قوم صالح من أعظم الدلالات على القدرة على البعث ، وكان إهلاكهم مناسبا لإهلاك من قبلهم ، أما لأصحاب الرس فكان بالرجفة التي هي على مبدأ الخسف ، وأما لقوم نوح فلأن الرجفة تأثرت عن الصيحة التي حملتها الريح التي من شأنها حمل السحاب الحامل للماء ، أتبعهم بهم ، وكانوا أصحاب بئر ولم يخسف بهم فقال :( وَثَمُودُ ) ولما اتفق قوم هودعليه‌السلام والقبط بالإهلاك بالريح التي أثرت بها صيحة ثمود ، أولئك مع الحجارة والرمل وهؤلاء بالماء الذي فرقه الله بالريح عند ضرب العصي ، وكان لكل منهما من ضخامة الملك وعز السلطان ما هو مشهور قدم أشدهما أبدانا وأوسعهما ملكا لأن إهلاكهم كان أدل دليل على القدرة وأقرب شبها بهلاك ثمود فقال :( وَعادٌ ) وعطف عليه أقرب الطائفتين شبها بالهلاك بقوم نوح وأصحاب الرس فقال :( وَفِرْعَوْنُ ) نص عليه لأنه ليس في مادة هذا الغرق كافر غيره ، والنص عليه يفهم غيره ، وما تقدم في غير هذه السورة غير مرة من وصفه بأنه ملك قاهر وأنه استخفهم فأطاعوه فيعلم كفرهم طاعة له ، وأنه ليوافق ما قبله وما بعده. ولما كان السياق للعزة والشقاق ، فلم يدع داع إلى إثبات ذي الأوتاد. ولما كان هلاك المؤتفكات جامعا في الشبه بهلاك جميع من تقدم بالخسف وغمرة الماء بعد القلب في الهواء ، أتبعهم بهم معبرا عنهم بأخصر من تسميه قبائلهم أو مدنهم لأنها عدة مدن ، وعبر بالأخوة دون القوم لأن السياق لتكذيب من هو منهم لأنه أدخل في التسلية فقال :( وَإِخْوانُ لُوطٍ ) أي أصهاره الذين جبروا بينهم وبينه مع المصاهرة بالمناصرة لملوكهم ورعاياهم على من ناواهم بنفسه وعمه إبراهيمعليهما‌السلام كما مضى بيانه في البقرة ما صار كالأخوة ، ومع ذلك عاملوه بما اشتق من لفظ هذا الجمع من الجناية له ولأنفسهم وغيرهم.

ولما كان الشجر مظنة الهواء البارد والروح ، وكان أصحابه قد عذبوا بضد ذلك قال :( وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ ) لمشاركتهم لهم في العذاب بالنار ، وأولئك بحجارة الكبريت النازلة من العلو وهؤلاء بالنار النازلة من ظلمة السحاب ، وعبر عنهم بالواحدة والمراد

٢٥٣

الغيضة إشارة إلى أنها من شدة التفافها كالشجرة الواحدة. ولما كان( تُبَّعٍ ) مع كونه من قومه ملكا قاهرا ، وخالفوه مع ذلك ، وكان لقومه نار في بلادهم يتحاكمون إليها فتأكل الظالم ، ختم بهم فقال :( وَقَوْمُ تُبَّعٍ ) مع كونه مالكا ، وهو يدعوهم إلى الله ، فلا يظن أن التكذيب مخصوص بمن كان قويا لمن كان مستضعفا ، بل هو واقع بمن شئنا من قوي وضعيف ، لا يخرج شيء عن مرادنا.

ولما لم يكن هنا ما يقتضي التأكيد مما مر بيانه في ص قال معريا منه :( كُلٌ ) أي من هذه الفرق( كَذَّبَ الرُّسُلَ ) أي كلهم بتكذيب رسولهم ، فإن الكل متساوون فيما يوجب الإيمان من إظهار العجز والدعاء إلى الله( فَحَقَ ) فتسبب عن تكذيبهم لهم أنه ثبت عليهم ووجب( وَعِيدِ ) أي أي الذي كانوا يكذبون به عند إنذارهم لهم إياه ، فعجلنا لهم منه في الدنيا ما حكمنا به عليهم في الأزل فأهلكناهم إهلاكا عاما كإهلاك نفس واحدة على أنحاء مختلفة كما هو مشهور عند من له بأمثاله عناية وأتبعناه ما هو في البرزخ وأخرنا ما هو في القيامة إلى البعث ، بإهلاكنا لهم على تنائي ديارهم وتباعد أعصارهم وكثرة أعدادهم أن لنا الإحاطة البالغة فتسلّ بإخوانك المرسلين وتأسّ بهم ، ولتحذر قومك ما حل بمن كذبهم إن أصروا.

ولما ذكر سبحانه التسلية بتكذيب هذه الأحزاب بعد ذكر تكذيب قريش وإقامة الأدلة القاطعة على ما كذبوا به وبطلان تكذيبهم ، وختم بحقوق الوعيد الذي شوهدت أوائله بإهلاكهم ، فثبت صدق الرسل وثبتت القدرة على كل ما يريد سبحانه بهذا الخلق من الإيجاد والإعدام أنكر عليهم التكذيب ووبخهم عليه تقريرا لحقوق الوعيد ، فقال مسببا عن تكذيبهم بعد ما ذكر أنه خلق جميع الوجود :( أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ ) أي حصل لنا على ما لنا من العظمة الإعياء ، وهو العجز بسبب الخلق في شيء من إيجاده وإعدامه( الْأَوَّلِ ) أي من السماوات والأرض وما بينهما حين ابتدأناه اختراعا من العدم ، ومن خلق الإنسان وسائر الحيوان مجددا ، ثم في كل أوان من الأطوار المشاهدة على هذه التدريجات المعتادة بعد أن خلقنا أصله على ذلك الوجه مما ليس له أصل في الحياة ، وفي إعدامه بعد خلقه جملة كهذه الأمم أو تدريجا كغيرهم ليظنوا بسبب العجز بالخلق الأول الذي هو أصعب في مجاري العادات من الإعادة أنا نعجز عن الإعادة ثانيا ، يقال : عيي بالأمر ـ إذا لم يهتد لأمره أو لوجه مراده أو عجز عنه ، ولم يطق إحكامه.

ولما كان التقدير قطعا بما دلت عليه همزة الإنكار : لم نعي بذلك بل أوجدناه على غاية الإحكام للظرف والمظروف وهم يعلمون ذلك ولا ينكرونه ويقرون بتمام القدرة عليه ، وفي طيه الاعتراف بالبعث وهم لا يشعرون ، أضرب عنه لقولهم الذي

٢٥٤

يخل باعتقادهم إياه فقال :( بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ ) أي خلط شديد وشبهة موجبة للتكلم بكلام مختلط لا يعقل له معنى ، بل السكوت عنه أجمل ، قال علي رضي الله عنه : يا جار ، إنه لملبوس عليك ، اعرف بالحق تعرف أهله. ولبس الشيطان عليهم تسويله لهم أن البعث خارج عن العادة فتركوا لذلك القياس الصحيح والحكم بطريق الأولى( مِنْ ) أجل( خَلْقٍ جَدِيدٍ ) أي الإعادة. ولما ذكر خلق الخافقين ، أتبعه خلق ما هو جامع لجميع ما هو فيها فقال :( وَلَقَدْ ) أي والحال أنا قد( خَلَقْنَا ) بما لنا من العظمة( الْإِنْسانَ ) وهو أعجب خلقا وأجمع من جميع ما مضى ذكره بما فيه من الأنس والطغيان ، والذكر والنسيان ، والجهل والعرفان ، والطاعة والعصيان ، وغير ذلك من عجيب الشأن ، ووكلنا به من جنودنا من يحفظه فيضبط حركاته وسكناته وجميع أحواله( وَنَعْلَمُ ) أي والحال أننا نعلم بما لنا من الإحاطة( ما تُوَسْوِسُ ) أي تكلم على وجه الخفاء ،( بِهِ ) الآن وفيما بعد ذلك مما لم ينقدح بعد من خزائن الغيب إلى سر النفس كما علمنا ما تكلم( نَفْسُهُ ) وهي الخواطر التي تعترض له حتى أنه هو ربما عجز عن ضبطها ، فنحن نعلم أن قلوبهم عالمة بقدرتنا على أكمل ما نريد وبصحة القرآن وإعجازه وصدق الرسول بهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وامتيازه ، وإنما حملهم الحسد والنفاسة والكبر والرئاسة على الإنكار باللسان حتى صار ذلك لهم خلقا وتمادوا فيه حتى غطى على عقولهم ، فصاروا في لبس محيط بهم من جميع الجوانب.

ولما كان العالم بالشيء كلما كان قريبا منه كان علمه به أثبت وأمكن ، قال ممثلا لعلمه ومصورا له بما نعلم أنه موجبه :( وَنَحْنُ ) بما لنا من العظمة( أَقْرَبُ إِلَيْهِ ) قرب علم وشهود من غير مسافة( مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) لأن أبعاضه وأجزاءه تحجب بعضها بعضا ، ولا يحجب علم الله شيء ، والمراد به الجنس ، والوريدان عرقان كالحبلين مكتنفان لصفحتي العنق في مقدمها متصلات من الرأس إلى الوتين وهو عرق القلب ، وهذا مثل في فرط القرب ، وإضافته مثل مسجد الجامع ، وقد مضى في تفسير سورة المائدة عند قوله( وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) [المائدة : ٦٧] ما ينفع هنا ، قال القشيري : وفي هذه الآية هيبة وفزع وخوف لقوم ، وروح وأنس وسكون قلب لقوم.

( إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ (١٧) ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨) وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩) )

ولما كان سبحانه قد وكل بنا حفظة تحفظ أعمالنا وتضبط أقوالنا وأحوالنا ، فكان المعروف لنا أن سبب الاستحفاظ خوف الغفلة والنسيان ، قدم سبحانه الإخبار بكمال علمه فأمن ذلك المحذور ، علق بأقرب أو نعلم قوله تأكيدا لما علم من إحاطة علمه من

٢٥٥

عدم حاجته ، وتخويفا بما هو أقرب إلى مألوفاتنا( إِذْ ) أي حين( يَتَلَقَّى ) أي بغاية الاجتهاد والمراقبة والمراعاة من كل إنسان خلقناه وأبرزناه إلى هذا الوجود( الْمُتَلَقِّيانِ ) وما أدراك ما هما؟ ملكان عظيمان حال كونهما( عَنِ الْيَمِينِ ) لكل إنسان قعيد منهما( وَعَنِ الشِّمالِ ) كذلك( قَعِيدٌ ) أي رصد وحبس مقاعد لذلك الإنسان بأبلغ المقاعدة ونحن أقرب منهما وأعلم علما ، وإنما استحفظناهما لإقامة الحجة بهما على مجاري عاداتكم وغير ذلك من الحكم.

ولما كانت الأفعال اللسانية والقلبية والبدنية ناشئة عن كلام النفس ، فكان الكلام جامعا ، قال مبينا لإحاطة علمه بإحاطة من أقامه لحفظ هذا الخلق الجامع في جواب من كأنه قال : ما يفعل المتلقيان :( ما يَلْفِظُ ) أي يرمي ويخرج المكلف من فيه ، وعم في النفي بقوله :( مِنْ قَوْلٍ ) أي مما تقدم النهي عنه في الحجرات من الغيبة وما قبلها وغير ذلك قل أو جل( إِلَّا لَدَيْهِ ) أي الإنسان أو القول على هيئة من القدرة والعظمة هي من أغرب المستغرب( رَقِيبٌ ) من حفظتنا شديد المراعاة له في كل من أحواله( عَتِيدٌ ) أي حاضر مراقب غير غافل بوجه ، روى البغوي بسنده من طريق الثعلبي عن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «كاتب الحسنات على يمين الرجل ، وكاتب السيئات على يسار الرجل ، وكاتب الحسنات أمير على كاتب السيئات ، فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرا ، وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال : دعه سبع ساعات لعله يسبح أو يستغفر»(١) .

ولما كان مثل إرسال الخافقين ثم الموت ثم النفخ بإرسال الملك في الدنيا إلى الناس لعرضهم فيصير الإنسان منهم ساعيا في التزين للملك بما يعجبه في مقصود ذلك العرض في الأجل الذي ضربه لهم ، فإذا جاء ذلك الوقت الذي هو كالموت أخذته الرسل فباءوا به كما يفعل حال الموت بالميت ومن أحضروه منهم حبسوه على باب الملك لتكامل المعروضين ، فإذا كمل جمعهم وأمر بقيامهم للعرض زعق لهم المنادي بالبوق الذي يسمى النفير وهو كالصور ، فلهذا قال تعالى مبينا لإحاطة قدرته بجميع خلقه عاطفا على ما تقديره : فاضطرب ذلك الإنسان الموكل به في الوقت المأمور بالتردد فيه بما يرضي الله بالقول والفعل على حسب إرادته سبحانه سواء كان موافقا للأمر أو مخالفا إلى أن آن أوان الرحيل معبرا بالماضي تنبيها على أن الموت مع أنه لا بد منه قريب جدا :( وَجاءَتْ ) أي أتت وحضرت( سَكْرَةُ الْمَوْتِ ) أي حالته عند النزع

__________________

(١) سبق أن خرّجته ، وهو حديث ثابت.

٢٥٦

وشدته وغمرته ، يصير الميت بها كالسكران ، لا يعي وتخرج بها أحواله وأفعاله وأقواله عن قانون الاعتدال ، مجيئا متلبسا( بِالْحَقِ ) أي الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع فلا حيلة في الاحتراس منه من بطلان الحواس وكشف الغطاء عن أحوال البرزخ من فتنة السؤال وضيق المجال أو سعة الحال ، وقيل للميت بلسان الحال إن لم يكن بلسان القال :( ذلِكَ ) أي هذا الأمر العظيم العالي الرتبة الذي يحق لكل أحد الاعتداد له بغاية الجد( ما ) أي الأمر الذي( كُنْتَ ) جبلة وطبعا. ولما كانت نفرته منه وهربه من وقوعه بحفظ الصحة ودواء الأدواء في الغاية ، كان كأنه لا ينفر إلا منه ، فأشار إلى ذلك بتقديم الجارّ فقال :( مِنْهُ تَحِيدُ ) أي تميل وتنفر وتروع وتهرب.

( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠) وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢) وَقالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ (٢٦) )

ولما كان التقدير : فأخذ ذلك الإنسان بالقهر من بين الأهل والإخوان ، والعشائر والجيران ، وضم إلى عسكر الموتى وهم بالبرزخ نزول ، ولانتظار بقيتهم حلول ، ولم يزالوا كذلك حتى تكامل القادمون عليهم والواصلون إليهم ، عطف عليه قوله مبنيا لإحاطة من عالم الملكوت والعز والجبروت :( وَنُفِخَ ) أي بأدنى إشارة وأيسر أمر( فِي الصُّورِ ) وهو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيلعليه‌السلام للموت العام والبعث العام عند التكامل ، وانقطاع أوان التعامل ، وهو بحيث لا يعلم قدر عظمه واتساعه إلا الله تعالى ، وهو عليه الصلاة والسّلام التقم الصور من حين بعث النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وحنى جبهته وأصغى سمعه ينتظر متى يؤمر(١) ، فيا لها من عظمة ما أغفلنا عنها ، وأنسانا لها ، وآمننا منها ، والمراد بهذه نفخة البعث.

ولما كان ذلك الأثر عن النفخ هو سر الوجود ، وأشار إلى عظمته بقوله :( ذلِكَ ) أي الوقت الكبير العظيم الأهوال والزلازل والأوجال( يَوْمُ الْوَعِيدِ ) أي الذي يقع فيه ما وقع الإيعاد به.

__________________

(١) نعم كذا أخرج أحمد ١ / ٣٢٦ و ٤ / ٣٧٤ والحاكم ٤ / ٥٥٩ عن ابن عباس رضي الله عنهما وأخرج أحمد ٣ / ٧ و ٧٣ والترمذي ٢٤٣١ و ٣٢٤٣ وأبو نعيم في الحلية ٥ / ١٠٥ وأبو يعلى ١ / ٧١ والحاكم ٤ / ٥٥٩ والحميدي ٧٥٤ وابن المبارك في الزهد ١٥٩٧ وابن حبان ٨٢٣ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، وهو حديث حسن. وله شاهد عند الطبراني ٥٠٧٢ والخطيب في تاريخه ٥ / ١٥٣ وأبي نعيم عن زيد بن أرقم ، وأنس ، وجابر رضي الله عنهم.

٢٥٧

ولما كان التقدير : فكان من تلك النفخة صيحة هائلة ورجة شاملة ، فقام الناس عامة من قبورهم ، وحصل ما في صدورهم ، عطف عليه قوله بيانا لإحاطة العرض :( وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ ) أي مكلفة كائنا( مَعَها سائِقٌ ) يسوقها إلى ما هي كارهة للغاية لعلمه بما قدمت من النقائص( وَشَهِيدٌ ) يشهد عليها بما عملت ، والظاهر من هذا أن السائق لا تعلق له بالشهادة أصلا ، لئلا تقول تلك النفس : إنه خصم ، والخصم لا تقبل شهادته ، ويقال حينئذ للمفرط في الأعمال في أسلوب التأكيد جريا على ما كان يستحقه إنكاره في الدنيا ، وتنبيها على أنه لعظمه مما يحق تأكيده :( لَقَدْ كُنْتَ ) أي كونا كأنه جبلة لك( فِي غَفْلَةٍ ) أي عظيمة محيطة بك ناشئة لك( مِنْ هذا ) أي من تصور هذا اليوم على ما هو عليه من انقطاع الأسباب ، والجزاء بالثواب أو العقاب لأنه على شدة جلائه خفي على من اتبع الشهوات( فَكَشَفْنا ) بعظمتنا بالموت ثم بالبعث( عَنْكَ غِطاءَكَ ) الذي كان يحجبك عن رؤيته من الغفلة بالآمال في الجاه والأموال وسائر الحظوظ والشهوات ، تحقيقا لما له سبحانه من الإحاطة بالتقدير والتعجيز ، وعن الواسطي : من كشف عنه غطاء الغفلة أبصر الأشياء كلها في أسر القدرة وانكشف له حقائق الأشياء بأسرها ، وهذا عبارة عن العلم بأحوال القيامة.

ولما تسبب عن هذا الكشف الانكشاف التام ، عبر عنه بقوله :( فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ ) أي بعد البعث( حَدِيدٌ ) أي في غاية الحدة والنفوذ ، فلذا تقر بما كنت تنكر.

ولما أخبر تعالى بما تقوله له الملائكة أو من أراد من جنوده ، وكان قد أخبر أن معبوداتهم من الأصنام والشياطين وغيرها تكون عليهم يوم القيامة ضدا ، أخبر بما يقول القرين من السائق والشهيد والشيطان الذي تقدم حديثه في الزخرف ، فقال عاطفا على القول المقدر قبل «لقد» معبرا بصيغة المضي تأكيدا لمضمونه وتحقيقا :( وَقالَ قَرِينُهُ ) أي الشيطان الذي سلط على إغوائه واستدراجه إلى ما يريد. نقله الكرماني عن ابن عباس رضي الله عنهما( هذا ) أي الإنسان الذي قرنتني به. ولما كان الأمر في كل من الطائع والعاصي في غاية العجب ، لأن الطائع ينابذ هواه فيكون ملكيا مجردا من حظوظه ونوازع نفوسه وما بنيت عليه من النقائص والشهوات ، والعاصي طوع يدي الشيطان ، يصرفه في أغراضه كيف يشاء ، فيطيعه بغاية الشهوة مع علمه بعداوته ، وأن طاعته لا تكون إلا بمخالفة أمر الله الولي الودود ، وكان العاصي أكثر كثرة يكون الطائع فيها بالنسبة إليه كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود ، وكان ذلك منابذا للعقل ، أشار إلى هذه المنابذة بأداة من لا يعقل وإلى جميع ما في أمره من العجب بلدى فقال :( ما لَدَيَ ) أي الأمر الذي عندي من الأمر المستغرب جدا لكون المطيع عصاني ، وهو

٢٥٨

مطبوع على النقائص والحظوظ التي يرى أنها حياته ولذته وراحته ، والعاصي أطاعني وهو يعلم بعقله أني شر محض ، وترك الخير المحض وهو عالم بأن في ذلك هلاكه( عَتِيدٌ ) أي حاضر مهيأ لما يراد منه.

ولما كانت العادة جارية بأن من أحضر إليه شيء تبادر إلى أمره بقول أو فعل ، وصل بذلك ما هو نتيجته ، وبدأ بالعاصي لأن المقام له ، فقال ما يدل على أنه لا وزن له ، فلا وقفة في عذابه بحسابه ولا غيره ، مؤكدا خطابا للمؤكد بالإلقاء أو خطابا للسائق والشهيد ، أو السائق وحده مثنيا لضميره تثنية للأمر كأنه قال : ألق ألق ـ تأكيدا له وتهويلا :( أَلْقِيا ) أي اطرحا دفعا من غير شفقة ، وقيل : بل هو تثنية وأصل ذلك أن الرفقة أدنى ما يكون ثلاثة ، فجرى كلام الواحد على صاحبه ، ألا ترى أن الشعراء أكثر شيء قيلا : يا صاحبيّ يا خليليّ ، والسر فيه إذا كان المخاطب واحدا إفهامه أنه يراد منه الفعل بجد عظيم تكون قوته فيه معادلة لقوة اثنين( فِي جَهَنَّمَ ) أي النار التي تلقى الملقى فيها بما كان يعامل به عباد الله من الكبر والعبوسة والتكره والتعصب. ولما كان المقصود تعليل إلقائه بوصف يعم غيره ليكون لطفا لمن أراد الله عصمته ممن سمع هذا المقال وحجة على من أراد الله إهانته :( كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ) أي مبالغ في ستر الحق والمعاداة لأهله من غير حجة حمية وأنفة نظرا إلى استحسان ما عنده والثبات عليه تجبرا وتكبرا على ما عند غيره ازدراء له كائنا من كان( مَنَّاعٍ ) أي كثير المنع( لِلْخَيْرِ ) من المال وغيره من كل معروف يتعلق بالمال والقال والفعال( مُعْتَدٍ ) متجاوز للحدود( مُرِيبٍ ) أي داخل في الريب وهو الشك والتهمة في أمر الدين ، وموقع غيره فيه ، ثم أبدل من «كل» قوله بيانا لمبالغته في الكفر الذي أوجب له كل شر( الَّذِي جَعَلَ ) كفرا مضاعفا وعنادا ومنعا للخير الذي يجب عليه في قلبه ولسانه وبدنه ، وتجاوزا للحدود دخولا في الشك وإدخالا لغيره فيه( مَعَ اللهِ ) أي الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال ، فليس أمره خفيا عن كل ذي عقل( إِلهاً ) .

ولما كان ربما تعنت متعنت فنزل الآية على من يدعو الله بغير هذا الاسم الأعظم ، صرح بالمراد بقوله :( آخَرَ ) وزاد الكلام أنه مأخوذ من التأخر الناظر إلى الرداءة والسقوط عن عين الاعتبار بالكلية.

ولما كان هذا قد جحد الحق الواجب لله لذاته مع قطع النظر عن كل شيء ثم ما يجب له من جهة ربوبيته وإنعامه على كل موجود ، ثم من جهة إدامة إحسانه مع المعصية بالحلم ، وعاند في ذلك وفي إثباته للغير ما لا يصح له بوجه من الوجوه ، سبب عن وصفه قوله :( فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ ) أي الذي يزيل كل عذوبة( الشَّدِيدِ ) .

٢٥٩

( قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٢٧) قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) )

ولما كان القرين قد قال ما تقدم مريدا به ـ جهلا منه ـ الخلاص من العذاب بإظهار أنه ليس بأوصاف هذه النفس ، بل من كبار المؤمنين ، فأجيب مقاله بإلقاء تلك النفس معللا للأمر بإلقائها بما شمل هذا القرين ، فتشوف السامع إلى ما يكون من حاله ، وكانت العادة جارية أن من تكلم في شخص بما فيه مثله ولا سيما إن كان هو السبب فيه أو كان قد تكلم ذلك الشخص فيه ، فكان قياس ذلك يقتضي ولا بد أن تقول تلك النفس القول فيها ، وهذا عند الأمر بإلقائها : ربنا هو أطغاني ، أجاب تعالى عن هذا التشوف بقوله :( قالَ قَرِينُهُ ) مناديا بإسقاط الأداة دأب أهل القرب إيهاما أنه منهم :( رَبَّنا ) أيها المحسن إلينا أيتها الخلائق كلهم( ما أَطْغَيْتُهُ ) أي ما أوقعته فيما كان فيه من الطغيان ، فإنه لا سلطان لي عليه وأنت أعلم بذلك( وَلكِنْ كانَ ) بجبلته وطبعه( فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ) محيط به من جميع جوانبه لا يمكن رجوعه معه ، فلذلك كان يبادر إلى كل ما يغضب الله ، وإن حركته إليه أن فإنه لا يحتاج إلى أدنى تحريك فيثور له ثورة من هو مجبول مركوز في طباعه.

ولما كان كأنه قيل : بم يجاب عن هذا؟ وهل يقبل منه؟ قيل : لا( قالَ ) أي الملك المحيط علما وقدرة الذي حكم عليهم في الأزل :( لا تَخْتَصِمُوا ) أي لا توقعوا الخصومة بهذا الجد والاجتهاد( لَدَيَ ) أي في دار الجزاء بهذه الحضرة التي هي فوق ما كنتم تدركونه من الأخبار عنها بكثير ، وأعجب بما يدرك حق الإدراك ، فقد أتم انكشاف ما كان يستغربه الخاصة بل خاصة الخاصة ، ففات بانكشافها نفع إيمان جديد( وَقَدْ ) أي والحال أنه قد( قَدَّمْتُ ) أي تقدمت ، أي أمرت وأوصيت قبل هذا الوقت موصلا ومنهيا( إِلَيْكُمْ ) أي كل ما ينبغي تقديمه حتى لم يبق لبس ولا تركت لأحد حجة بوجه ، وجعلت ذلك رفقا بكم ملتبسا( بِالْوَعِيدِ ) أي التهديد وهو التخويف العظيم على جميع ما ارتكبتموه من الكفران والعدوان في الوقت الذي كانت فيه هذه الحضرة التي هي غيب الغيب ومستورة بستائر الكبرياء والعظمة وبل كان ما دونها من الغيب مستورا ، فكان الإيمان به نافعا.

ولما كانت الأوقات كلها عنده سبحانه حاضرة ، عبر سبحانه في تعليل ذلك ب «ما» التي هي للحاضر دون «لا» التي للمستقبل فقال :( ما يُبَدَّلُ ) أي يغير من مغير ما كان

٢٦٠