نظم الدّرر الجزء ٧

نظم الدّرر0%

نظم الدّرر مؤلف:
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 631

نظم الدّرر

مؤلف: برهان الدين البقاعي
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
تصنيف:

الصفحات: 631
المشاهدات: 132
تحميل: 18


توضيحات:

بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 631 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 132 / تحميل: 18
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 7

مؤلف:
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
العربية

ولما كان من المعلوم أن القوم يكونون تارة في مدر وتارة في شعر ، وعلم من الآيات السالفة أن العذاب مختص بذوي الإسراف ، سبب عن ذلك مفصلا لخبرهم قوله تعالى معلما أنهم في مدر :( فَأَخْرَجْنا ) بما لنا من العظمة بعد أن ذهبت رسلنا إليهم ووقعت بينهم وبين لوطعليهم‌السلام محاولات معروفة لم تدع الحال هنا إلى ذكرها ، والملائكة سبب عذابهم ، وأهل القرية المحاولون في أمرهم لا يعرفون ذلك ، وهذه العبارة إن كانت إخبارا لنا كانت خبرا عما وقع لنعتبر به ، وإن كانت لإبراهيمعليه‌السلام كان معناها أن الحكم الأعظم وقع بإخراجهم بشارة له بنجاتهم( مَنْ كانَ فِيها ) أي قراها. ولما كان القلب عماد البدن الذي به صلاحه أو فساده ، فكان عمله أفضل الأعمال لأنه به يكون استسلام الأعضاء أو جماحها ، بدأ به فقال :( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) أي المصدقين بقلوبهم لأنا لا نسويهم بالمجرمين فخلصناهم من العذاب على قلتهم وضعفهم وقوة المخالفين وكثرتهم ، وسبب عن التعبس والستر والتعرض للظواهر والبواطن قوله :( فَما وَجَدْنا ) أسند الأمر إليه تشريفا لرسله إعلاما بأن فعلهم فعله( فِيها غَيْرَ بَيْتٍ ) واحد وهو بيت لوط ابن أخي إبراهيمعليه‌السلام ، وقيل : كان عدة الناجين منهم ثلاثة عشر ، ولما كان الإسلام قد تطلق على الظاهر فقط وإن كان المراد هنا الأخص أخره فقال :( مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) أي العريقين في الإسلام الظاهر والباطن لله من غير اعتراض أصلا وهم إبراهيم وآلهعليهم‌السلام فإنهم أول من وجد منه الإسلام الأتم ، وتسموا به كما مضى في البقرة وسموا به أتباعهم ، فكان هذا البيت الواحد صادقا عليه الإيمان الذي هو التصديق والإسلام الذي هو الانقياد ، قال البغوي : وصفهم الله تعالى بالإيمان والإسلام جميعا لأنه ما آمن مؤمن إلا وهو مسلم. يعني لما بينها من التلازم وإن اختلف المفهومان ، وقال الأصبهاني : وقيل : كان لوط وأهل بيته الذين نجوا ثلاثة عشر.

ولما وكان إبقاء آثار المهلكين أدل على قدرة من أهلكهم قال :( وَتَرَكْنا ) أي بما لنا من العظمة( فِيها ) أي تلك القرى بما أوقعنا بها من العذاب الذي كان مبدؤه أنسب شيء بفعل الذاريات من السحاب فإنا قلعنا قراهم كلها وصعدت في الجو كالغمام إلى عنان السماء ولم يشعر أحد من أهلها بشيء من ذلك ثم قلبت وأتبعت الحجارة ثم خسف بها وغمرت بالماء الذي لا يشبه شيئا من مياه الأرض كما أن خباثتهم لم تشبه خباثة أحد ممن تقدمهم من أهل الأرض( آيَةً ) أي علامة عظيمة على قدرتنا على ما نريد( لِلَّذِينَ يَخافُونَ ) كما تقدم آخر ق أنهم المقصودون في الحقيقة بالإنذار لأنهم المنتفعون به دون من قسا قلبه ولم يعتبر( الْعَذابَ الْأَلِيمَ ) أي أن يحل بهم كما حل

٢٨١

بهذه القرى في الدنيا من رفع الملائكة لهم في الهواء الذاري إلى عنان السماء وقلبهم وإتباعهم الحجارة المحرقة ، وغمرهم بالماء المناسب لفعلهم بنتنه وعدم نفعه ، وما ادخر لهم في الآخرة أعظم.

( وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠) وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢)وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤) فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ (٤٥) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (٤٦) )

ولما قدم سبحانه أحق القصص الدالة على قسمه وما أقسم عليه بما فيها من خفاء الأسباب مع وجودها ، ثم ما فيها من إنزال ما به الوعيد من السماء بالنار والماء الذي أشير إليه بالمقسمات ، مع الفرق بين المسلم والمجرم ، أتبعها قصة من أيده بحاملات فيها مطر وبرد ونار مضطرمة ، كما مضى بيانه في الأعراف ، ثم بعد ذلك بريح فرقت البحر ونشفت أرضه ودخله فرعون والقبط ، وهو واضح الأمر في أنه سبب لهلاكهم وهم لا يشعرون به ، فقال عاطفا على المقدر في قصة إبراهيمعليه‌السلام أو الظاهر في( وَفِي الْأَرْضِ ) أو على «في» التي في قوله( وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ ) وهذا أقرب من غيره وأولى :( وَفِي مُوسى ) أي في قصته وأمره آية على ذلك عظيمة( إِذْ أَرْسَلْناهُ ) بعظمتنا( إِلى فِرْعَوْنَ ) الذي كان قد أساء إلى إبراهيمعليه‌السلام بعد عظيم إحسانهم إليه وإلى جميع قومه بما أحسن إليهم يوسفعليه‌السلام ( بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ) أي معجزات ظاهرة في نفسه منادية من شدة ظهورها بأنها معجزة ، فكان فيها دلالة واضحة على صدق وعيده ومع ذلك فلم ينفعهم علمها ولذلك سبب عنه وعقب به قوله :( فَتَوَلَّى ) أي كلف نفسه الإعراض بعد ما دعاه علمها إلى الإقبال إليها ، وأشار إلى توليه بقوله :( بِرُكْنِهِ ) أي بسبب ما يركن إليه من القوة في نفسه وبأعوانه وجنوده أو بجميع جنوده ـ كناية عن المبالغة في الإعراض ،( وَقالَ ) معلما بعجزه عما أتاه به وهو لا يشعر :( ساحِرٌ ) ثم ناقض كمناقضتكم فقال بجهله عما يلزم على قوله :( أَوْ مَجْنُونٌ ) أي لاجترائه عليّ مع ما لي من عظيم الملك بمثل هذا الذي يدعو إليه ويتهدد عليه.

ولما وقعت التسلية بهذا للأولياء ، قال تعالى محذرا للأعداء :( فَأَخَذْناهُ ) أي أخذ غضب وقهر بعظمتنا بما استدرجناه به وأوهناه به من العذاب الذي منه سحاب حامل ماء

٢٨٢

وبردا ونارا وصواعق( وَجُنُودَهُ ) أي كلهم( فَنَبَذْناهُمْ ) أي طرحناهم طرح مستهين بهم مستخف لهم كما تطرح الحصيات( فِي الْيَمِ ) أي البحر الذي هو أهل لأن يقصد بعد أن سلطنا الريح فغرقته لما ضربه موسىعليه‌السلام بعصاه ونشفت أرضه ، فأيبست ما أبرزت فيه من الطرق لنجاة أوليائنا وهلاك أعدائنا( وَهُوَ ) أي والحال أن فرعون( مُلِيمٌ ) أي آت بما هو بالغ في استحقاقه الملامة ، ويجوز أن يكون حالا من( الْيَمِ ) بمعنى أنه فعل بهم فعل اللائم من ألامه ـ إذا بالغ في عذله ، وصار ذا لائمة أي لهم ، من ألام ـ لازما ، وأن يكون مخففا من لأم المهموز فيكون المعنى : فهو مصلح أي فاعل فعل المصلحين في إنجاء الأولياء وإغراق الأعداء بالالتئام والانطباق عليهم ، قال في القاموس : اللوم العدل ، لام لوما وألامه ولومه للمبالغة ، وألام : أتى ما يلام عليه أو صار ذا لائمة ، ولأمه بالهمز كمنعه : نسبه إلى اللوم ، والسهم : أصلحه كألامه ولأمه فالتأم ، ولا يضر يونسعليه‌السلام أن يعبر في حقه بنحو هذه العبارة ، فإن أسباب اللوم تختلف كما أن أسباب المعاصي تختلف في قوله( وَعَصَوْا رُسُلَهُ ) [هود : ٥٩]( وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ ) [طه : ١٢١] وبحسب ذلك يكون اختلاف نفس اللوم ونفس المعاصي.

ولما أتم قصة من جمع له السحاب والماء والنار والريح ، أتبعها قصة من أتاهم بريح ذارية لم يوجد قط مثلها ، وكان أصلها موجودا بين ظهرانيهم وهم لا يشعرون به ، بل قاربت الوصول إليهم وهم يظنونها مما ينفعهم :( وَفِي عادٍ ) أي آية عظيمة( إِذْ ) أي حين( أَرْسَلْنا ) بعظمتنا( عَلَيْهِمُ ) إرسال علو وأخذ( الرِّيحَ ) فأتتهم تحمل سحابة سوداء وهي تذرو الرمل وترمي بالحجارة على كيفية لا تطاق( الْعَقِيمَ ) أي التي لا ثمرة لها فلا تلقح شجرا ولا تنشىء سحابا ولا تحمل مطرا ولا رحمة فيها ولا بركة فلذلك أهلكهم هلاك الاستئصال ، ثم بين عقمها وإعقامها بقوله :( ما تَذَرُ ) أي تترك على حال ردية ، وأعرق في النفي فقال :( مِنْ شَيْءٍ ) ولما كان إهلاكها إنما هو بالفاعل المختار ، نبه على ذلك بأداة الاستعلاء فقال :( أَتَتْ عَلَيْهِ ) أي إتيان إرادة مرسلها ، استعلاها على ظاهره وباطنه ، وأما من أريدت رحمته كهودعليه‌السلام ومن معه رضي الله عنهم فكان لهم روحا وراحة لا عليهم( إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ ) أي الشيء البالي الذي ذهلته الأيام والليالي ، فصيره البلى إلى حالة الرماد ، وهو في كلامهم ما يبس من نبات الأرض ودثر ـ قاله ابن جريج ، وخرج بالتعبير ب «تذر» هودعليه‌السلام ومن معه من المؤمنين رضي الله عنهم أجمعين ، فإنهم تركتهم على حالة حسنة لم يمسهم منها سوء كما أشير إلى مثل ذلك بأداة الاستعلاء.

٢٨٣

ولما تم ما اقتضاه سياق السورة من قصة أهل الريح الذارية ، أتبعها قصة من أهلكوا بما يحمله السحاب من الريح وما تحمله الريح من صوت الصيحة الراجفة الماحقة فقال :( وَفِي ثَمُودَ ) أي قوم صالحعليه‌السلام آية عظيمة كذلك( إِذْ ) أي حين( قِيلَ لَهُمْ ) ممن لا يخلف الميعاد :( تَمَتَّعُوا ) أي بلبن الناقة وغيره مما مكناكم فيه من الزرع والنخيل والأبنية في الجبال والسهول وغير ذلك من جلائل الأمور الذي أمرناكم به ولا تطغوا( حَتَّى حِينٍ ) أي وقت ضربناه لآجالكم( فَعَتَوْا ) أي أوقعوا بسبب إحساننا إليهم العتو ، وهو التكبر والإباء( عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ ) أي مولاهم الذي أعظم إحسانه إليهم فعقروا الناقة وأرادوا قتل نبيهعليه‌السلام ( فَأَخَذَتْهُمُ ) بسبب عتوهم أخذ قهر وعذاب( الصَّاعِقَةُ ) أي الصيحة العظيمة التي حملتها الريح ، فأوصلتها إلى مسامعهم بغاية العظمة ، ورجت ديارهم رجة أزالت أرواحهم بالصعق ، وقوله :( وَهُمْ يَنْظُرُونَ ) دال على أنها كانت في غمام ، وكان فيها نار ، ويجوز ـ مع كونه من النظر ـ أن يكون أيضا من الانتظار ، فإنهم وعدوا نزول العذاب بعد ثلاثة أيام ، وجعل لهم في كل يوم علامة وقعت بهم فتحققوا وقوعه اليوم الرابع( فَمَا ) أي فتسبب عن ذلك أنه ما( اسْتَطاعُوا ) أي تمكنوا ، وأكد النفي فقال :( مِنْ قِيامٍ ) أي بعد مجيئها بأن عاجلتهم بإهلاكها عن القيام.

ولما كان الإنسان قد لا يتمكن من القيام لعارض في رجليه وينتصف من عدوه بما يرتبه من عقله ويدبره برأيه قال :( وَما كانُوا ) أي كونا ما( مُنْتَصِرِينَ ) أي لم يكن فيهم أهلية للانتصار بوجه ، لا بأنفسهم ولا بناصر ينصرهم فيطاوعونه في النصرة لأن تهيؤهم لذل سقط بكل اعتبار.

ولما أتم قصة من أهلكوا بما من شأنه الإهلاك وهو الصاعقة ، أتبعهم قصة من أهلكوا بما من شأنه الإحياء ، وهو الماء الذي جل ما يشتمل عليه الحلامات التي أثارتها الذاريات ، وقد كانوا موجودين في الأرض والسماء ـ وأسبابه مهيأة ـ وهم لا يحسون بشيء من ذلك ، وأما عبادنا المؤمنون فهيأنا لهم أسباب النجاة من السفينة وغيرها ، وأعلمناهم بها ، فكان كل ما أردنا وقاله عنا أولياؤنا فقال مغيرا للأسلوب تنبيها على العظمة بنفس الإهلاك لكونه بما من شأنه الإحياء والإبقاء والتصرف في الأسباب :( وَقَوْمَ ) أي وأهلكنا قوم( نُوحٍ ) على ما كان فيهم من الكثرة وقوة المحاولة والقيام بما يريدونه ، ويجوز أن يكون معطوفا على «فيها» أي وتركناهم آية ، ويحسن هذا الإعراب أنهم هلكوا جميعا وكانوا جميع أهل الأرض ، وعم عذابهم جميع الأرض ، كانوا لهم الآية ، ويؤيد هذا الإعراب قراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي بالجر عطفا على ضمير( فِيها ) .

٢٨٤

ولما كان إهلاكهم على عظمه وانتشاره في بعض الزمان ، أدخل الجارّ فقال :( مِنْ قَبْلُ ) أي قبل هذه الأمم كلها ، ثم علل إهلاكهم بقوله :( إِنَّهُمْ كانُوا ) خلقا وطبعا ، لا حيلة لغيرنا من أهل الأسباب في صلاحهم( قَوْماً ) أي أقوياء( فاسِقِينَ ) أي عريقين في الخروج عن حظيرة الدين.

( وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ (٤٨) وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩) فَفِرُّوا إِلَى اللهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) )

ولما كان إهلاكهم بالماء الذي نزل من السماء ، وطلع من الأرض بغير حساب ، كان ربما ظن ظان أن ذلك كان الخلل كان فيهما ، ثم أصلح بعد ذلك كما يقع لبعض من يصنع من الملوك صنعا يبالغ في إتقانه فيختل ، قال عاطفا على ما نصب «يوم» مبينا أن فعل ذلك ما كان بالاختيار ، دالّا على وحدانيته لتمام القدرة الدالة على ما تقدم من أمر البعث :( وَالسَّماءَ بَنَيْناها ) بما لنا من العظمة( بِأَيْدٍ ) أي بقوة وشدة عظيمة لا يقدر قدرها. ولما كانت السماء أليق لعظمتها وطهارتها بصفات الإلهية ، قال ، وأكد لما يلزم إنكارهم البعث من الطعن في القدرة :( وَإِنَّا ) على عظمتنا مع ذلك( لَمُوسِعُونَ ) أي أغنياء وقادرون ذوو سعة لا تتناهى ، أي قدرة ، من الوسع وهو اللطافة ، وكذلك أوسعنا مقدار جرمها وما فيها من الرزق عن أهلها فالأرض كلها على اتساعها كالنقطة في وسط دائرة السماء بما اقتضته صفة الإلهية التي لا يصح فيها الشركة أصلا ، ومطيقون لما لا يحصى من أمثال ذلك ، ومما هو أعظم منه مما لا يتناهى ، ومحيطون بكل شيء قدرة وعلما ، وجديرون وحقيقون بأن يكون ذلك من أوصافنا فنوصف به لما يشاهد لنا من القوة على كل ما نريد ، فلسنا كمن يعرفون من الملوك لأنهم إذا فعلوا لا يقدرون على أعظم منه وإن قدروا كان ذلك منهم بكلفة ومشقة ، وسترون في اليوم الآخر ما يتلاشى وما تريدون في جنبه ، ومن اتساعنا جعلها بلا عمد مع ما هي عليه من العظمة إلى غير ذلك من الأمور الخارقة للعوائد :( وَالْأَرْضَ فَرَشْناها ) كذلك بما لنا من العظمة ، فصارت ممهدة جديرة بأن يستقر عليها الأشياء وهي آية على تمهيدنا لأرض الجنة وشقنا لأنهارها وغرسنا لأشجارها( فَنِعْمَ ) أي فتسبب عن ذلك أن يقال في وصفنا : نعم( الْماهِدُونَ ) أي نحن لكمال قدرتنا ، فما نزل من السماء شيء ولا نبع من الأرض شيء إلا بإرادتنا وتقديرنا واختيارنا من الأزل لأنا إذا صنعنا شيئا علمنا ما يكون منه من حين إنشائه إلى حين إنباته ، ولا يكون شيء منه إلا بتقديرنا ، وذلك تذكير بالجنة والنار ، فما فوقها من خير فهو آية على الجنة ، وما فيها من جبال ووهاد وعر وخروبة فهو آية على النار.

٢٨٥

ولما كان الأشياء المتضادة من الشيء الواحد أدل على القدرة من هذا الوجه ، قال :( وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) أي من الحيوان وغيره( خَلَقْنا ) بعظمتنا. ولما كان الفلاسفة يقولون : لا ينشأ عن الواحد إلا واحد ، قال ردا عليهم :( زَوْجَيْنِ ) أي مثله شيئين كل منهما يراوح الآخر من وجه وإن خالفه من آخر ، ولا يتم نفع أحدهما إلا بآخر من الحيوان والنبات وغيرها ويدخل فيه الأضداد من الغنى والفقر ، والحسن والقبح ، والحياة والموت ، والضياء والظلام ، والليل والنهار ، والصحة والسقم ، والبر والبحر ، والسهل والجبل ، والشمس والقمر ، والحر والبرد ، والسماوات والأرض ، وأن الحر والبرد من نفس جهنم آية بينة عليها ، وبناءهما على الاعتدال في بعض الأحوال آية على الجنة مذكرة بها مشوقة إليها.

ولما كان ذلك في غاية الدلالة على أن كلّا من الزوجين يحتاج إلى الآخر وأنه لا بد أن ينتهي الأمر إلى واحد لا مثل له وأنه لا يحتاج بعد ذلك التنبيه إلى تأمل كبير قال :( لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) فأدغم تاء التفعل الدالة على العلاج والاجتهاد والعمل فصار : فتكونوا عند من ينظر ذلك حق النظر على الرجاء من أن يتذكروا قليلا من التذكر فيهديكم إلى سواء السبيل.

ولما كان كل شيء مما سواه لا بد له من ضد يضاده أو قرين يسد مسده ، وأما سبحانه فلا مثل له لأنه لو كان له مثل لنازعه ، فلم يقدر على كل ما يريد( لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتا ) [الأنبياء : ٢٢] وثبت أنه أهلك القرون الأولى بمخالفة الرسل عليهم الصلاة والسّلام ، فثبت أن وراء المكلفين عذابا يحق لهم الفرار منه ، وثبت أن كل شيء غيره محتاج إلى زوجه يثبت حاجة الكل إليه ، وأنه لا كفاية عند شيء في كل ما يرام منه ، وجب أن لا يفزع إلا إلى الواحد الغني فسبب عن ذلك قوله :( فَفِرُّوا ) أي أقبلوا وألجؤوا. ولما درب عباده في هذه السورة بصفة الربوبية كثيرا ، فتأهلوا إلى النفوذ في الغيب ، وكانت العبادة لا تكون خالصة إلا إن علقت بالذات لا لشيء آخر ، ذكر اسم الذات فقال :( إِلَى اللهِ ) أي إلى الذي لا مسمى له من مكافىء ، وله الكمال كله ، فهو في غاية العلو ، فلا يقر ويسكن أحد إلى محتاج مثله فإن المحتاج لا غنى عنده ، ولا يقر سبحانه

إلا من تجرد عن حضيض عوائقه الجسمية إلى أوج صفاته الروحانية ، وذلك من وعيده إلى وعده اللذين دل عليهما بالزوجين ، فتنقل السياق بالتحذير والاستعطاف والاستدعاء ، فهو من باب «لا ملجأ منك إلا إليك أعوذ بك منك» واستمر إلى آخر السورة في ذكره إشارة إلى علي أمره ، ثم علل بقوله مؤكدا لما لهم من الإنكار :( إِنِّي

٢٨٦

لَكُمْ مِنْهُ ) أي لا من غيره( نَذِيرٌ ) أي من أن يفر أحد إلى غيره فإنه لا يحصل له قصده.

ولما أقام الدليل العقلي الظاهر جدا بما يعلمه أحد في نفسه على ما قاله في هذا الكلام الوحيد قال :( مُبِينٌ ) ففرار العامة من الجهل إلى العلم عقدا وسعيا ، ومن الكسل إلى التشمير حذرا وحزما ، ومن الضيق إلى السعة ثقة ورجاء ، وفرار الخاصة من الخير إلى الشهود ، ومن الرسوم إلى الأصول ، ومن الحظوظ إلى التجريد ، وفرار خاصة الخاصة مما دون الحق إلى الحق إشهادا في شهود جلاله واستغراقا في وحدانيته ، قال القشيري : ومن صح فراره إلى الله صح فراره مع الله ـ انتهى. وهو بكمال المتابعة ليس غيره ، ومن فهم منه اتحادا بصفة أو ذات فقد ماحد طريق القوم فعليه لعنه الله.

( وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١) كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٥٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥) )

ولما ثبت أنه لا ملجأ إلا إلى الله الواحد المنزه عن الزوج ، وذلك هو الله الذي له الكمال كله ، وكان ربما وقع في وهم أن في الوجود من غير الزوجين المعروفين من نفزع إليه كما نفزع إلى وزير الملك وبوابه ونحو ذلك مما يوصل إليه ، قال محذرا من سطواته :( وَلا تَجْعَلُوا ) أي بأهوائكم( مَعَ اللهِ ) وكرر الاسم الأعظم ولم يضمر تعيينا للمراد لأنه لم يشاركه في التسمية به أحد وتنبيها على ما له من صفات الكمال وتعميما لوجوه المقاصد لئلا يظن ، وقيل «معه» إن المراد النهي عن الجعل من جهة الفرار لا من جهة غيرها( إِلهاً ) .

ولما كان المراد كمال البيان ، منع مجاز التجريد منع تعنت من يطعن بتكثر الأسماء كما أشار إليه بقوله( قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ ) الآية بقوله :( آخَرَ ) ثم علل النهي مع التأكيد لطعنهم في نذارته فقال :( إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ ) أي لا من غيره فإن غيره لا يقدر على شيء( نَذِيرٌ ) أي محذر من الهلاك الأبدي بالعقوبة التي لا خلاص منها إن فعلتم ذلك( مُبِينٌ ) أي لا أقول شيئا من واضح النقل إلا ودليله ظاهر من صريح العقل. ولما ذكر قولهم المختلف الذي منه تكذيب الرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم ونسبته إلى السحر والجنون وغير ذلك من الفنون ، ومنه الإشراك مع اعترافهم بأنه لا خالق إلا الله ولا كاشف ضر غيره إلى غير ذلك من أنواع الاضطراب ، وأخبر بهلاكتهم على ذلك وحذرهم منه ودل عليه إلى أن ختم بإنذار من اتخذ إلها غيره قال مسليا :( كَذلِكَ ) أي مثل قول قومك المختلف العظيم الشناعة ، البعيد من الصواب ، بما له من الاضطراب ،

٢٨٧

وقع لمن قبلهم ، ودل على هذا المقدر بقوله مستأنفا :( ما أَتَى الَّذِينَ ) ولما كان الرسل إنما كان إرسالهم في بعض الأزمان الماضية ولم يستغرقوا جميعها بالفعل ، أثبت الجارّ في قوله :( مِنْ قَبْلِهِمْ ) وعمم النفي بقوله :( مِنْ رَسُولٍ ) أي من عند الله( إِلَّا قالُوا ) ولو بعضهم برضا الباقين :( ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ) لأن الرسول يأتيهم بمخالفة مألوفاتهم التي قادتهم إليها أهواؤهم ، والهوى هو الذي أوجب لهم هذا التناقض الظاهر سواء كانت «أو» للتفصيل بأن بعضهم قال واحدا وبعضهم قال آخر ، أو كانت للشك لأن الساحر يكون لبيبا فطنا آتيا بما يعجز عنه كثير من الناس ، والمجنون بالضد من ذلك ، ثم عجب منهم بقوله :( أَتَواصَوْا بِهِ ) أي أوصى بهذا بعض الأولين والآخرين بعضا.

ولما ساق هذا في أسلوب الاستفهام إشارة إلى قول ينبغي السؤال عن سببه لما له من الخفاء ، أجاب عنه بأنهم لم يتواصوا به لأن الأولين ما اجتمعوا مع الآخرين :( بَلْ هُمْ ) اجتمعوا في وصف أداهم إلى ذلك. وهو أنهم( قَوْمٌ ) أي ذوو شماخة وكبر( طاغُونَ ) أي عالون في الكفر مسرفون في الظلم والمعاصي مجاوزون للمقدار ، وأشار بالضمير إلى أن الطغيان أمر ذاتي لهم ، فهو يمدح منه سبحانه بأنه هو الذي قهرهم بسوقهم إلى هلاكهم بقدرته التامة وعلمه الشامل.

ولما كانصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، يكاد يتلف نفسه الشريفة ـ بأبي هو وأمي ـ غما عليهم وأسفا لتخلصهم عن الإسلام وخوفا أن لا يكون وفى بما عليه من التنبيه والإعلام ، سبب تعالى عن حالهم قوله :( فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ) أي كلف نفسك الإعراض عن الإبلاغ في إبلاغهم بالمجادلة والصدع بالتغليظ بعد ما تقدم منك من الإبلاغ( فَما أَنْتَ ) بسبب الإعراض بعد الإنذار( بِمَلُومٍ ) أي بمستحق الملامة بسبب إعراض من أعرض منهم عنك ، فإني إنما حكمت بذلك لأني إنما قسمت الناس إلى مؤمن تنفعه الذكرى ، وطاغ لا ينفعه شيء ، ولذلك قال :( وَذَكِّرْ ) أي بالرفق واللين ، ولما أصروا على التكذيب والإعراض حتى أيس منهم ، أكد ما سببه عن التذكير بقوله :( فَإِنَّ الذِّكْرى ) أي التذكر بالنذارة البليغة( تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ) أي الذين قدر الله أن يكونوا عريقين في وصف الإيمان ولا بد من إكثار التذكير ليغلب ما عندهم من نوازع الحظوظ وصوارف الشهوات ، مع ما هم مجبولون عليه من النسيان.

( وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (٥٦) ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠) )

٢٨٨

ولما كان هذا ربما أوهم أن سواهم غير مقدور عليهم ، قال مؤكدا بالحصر دالّا على أنه هو الذي قسم الناس إلى طاغين ومؤمنين بالعطف على ما تقديره : فما حكم عليهم بذلك الضلال والهدى غيري ، وما أرسلت الرسل وأنزلت الكتب إلا لاستخلاص المؤمنين وإقامة الحجة على الضالين :( وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ ) الذين أكثرهم كافرون( إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) أي لينجروا تحت أقضيتي على وجه ينفعون به أنفسهم أو يضرونها لا لشيء يلحقني أنا منه شيء من نفع أو ضرر ، فإني بنيتهم على العجز وأودعتهم نوازع الهوى ، وركبت فيهم غرائز فهيأتهم لاتباع الهدى ، فمن أطاع عقله كان عابدا لي فارّا إليّ مع جريه تحت الإرادة ، عبادة شرعية أمرية يستفيد بها الثواب ، ومن أطاع الهوى كان عابدا لي مع مخالفته أمري عبادة إرادية قسرية يستحق بها العقاب ، وكل تابع لهواه إذا حقق النظر علم أن الخير في غير ما هو مرتكبه ، فما ألزمه ما هو فيه مع علمه بأن غيره خير منه إلا قهر إرادتي ، فهذه عبادة لغوية ، وذاك عبادة شرعية ، وقد مر في آخر هود ما ينفع هنا ، وهذا كله معنى قول ابن عباس : إلا ليقروا لي بالعبادة طوعا وكرها.

ولما حصر سبحانه خلقهم في إرادة العبادة ، صرح بهذا المفهوم بقوله :( ما أُرِيدُ مِنْهُمْ ) أي في وقت من الأوقات ، وعم في النفي بقوله :( مِنْ رِزْقٍ ) أي شيء من الأشياء على وجه ينفعني من جلب أو دفع ، لأني منزه عن لحاق نفع أو ضر ، كما يفعل غيري من الموالي بعبيدهم من الاستكثار بغلاتهم والاستعانة بقواتهم لأني الغني المطلق وكل شيء مفتقر إليّ( وَما أُرِيدُ ) أصلا( أَنْ يُطْعِمُونِ ) أي أن يرزقوني رزقا خاصا هو الإطعام ، وفيه تعريض بأصنامهم فإنهم كانوا يعملون معها ما ينفعها ويحضرون لها الأكل ، فربما أكلتها الكلاب ثم بالت على الأصنام. ثم لا يصدهم ذلك ، وهذه الآية دليل على أن الرزق أعم من الأكل ، والتعبير بالإرادة دالّ على ما قلت إنه مقصود بالعبادة. وهو الجري تحت الإرادة ، تارة بموافقة الشرع وتارة بمخالفته.

ولما كان الاهتمام بأمر الرزق ـ وقد ضمنه سبحانه ـ شاغلا عن كثير من العبادة ، وكان الإنسان يظن أن الذي حصل له ما حواه من الرزق سعيه ، قال حاصرا ذلك مؤكدا إزالة لتلك الظنون معللا لافتا الكلام إلى سياق الاسم الأعظم الذي لم يتسم به غيره ، نصا على المراد وبالغا من الإرشاد أقصى المراد :( إِنَّ اللهَ ) أي المحيط بجميع صفات الكمال المنزه عن شوائب النقص( هُوَ ) أي لا غيره( الرَّزَّاقُ ) أي على سبيل التكرار لكل حي وفي كل وقت. ثم وصفه بما يبين هوان ذلك عنده فقال :( ذُو الْقُوَّةِ ) أي التي لا تزول بوجه( الْمَتِينُ ) أي الشديد الدائم الشدة.

٢٨٩

ولما أقسم سبحانه على الصدق في وعيدهم ، ودل على ذلك حتى بجميع قصد أحوالهم على إرادته. وختم بقوته التي لا حد لها ، سبب عن ذلك إيقاعه بالمتوعدين ، فقال مؤكدا لأجل إنكارهم :( فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ) أي الذين أوقعوا الأشياء في غير مواقعها. ولما كان القسم على ما يوعدون بما يحمل المطر ، عبر عن نصيبهم الذي قدره عليهم من ذلك بقوله :( ذَنُوباً ) أي خطا من العذاب طويل الشر ، كأنه من طوله صاحب ذنب وهو على ذنوبهم( مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ ) أي الذين تقدم ظلمهم بتكذيب الرسل وهو في مشابهته له كالدلو الذي يساجل به دلو آخر ، وذلك دليل واضح على أن ما يوعدون صادق ، وأن الدين واقع( فَلا يَسْتَعْجِلُونِ ) أي يطلبوا أن آتيهم به قبل أوانه اللاحق به ، فإن ذلك لا يفعله إلا ناقص ، وأنا متعال عن ذلك لا أخاف الفوت ولا يلحقني عجز ولا أوصف به ، ولا بد أن أوقعه بهم في الوقت الذي قضيت به في الأزل ، لأنه أحق الأوقات بعقابهم لتكامل ذنوبهم ، وحينئذ تكون فيا له من تهديد ما أفظعه ، ووعيد ما أعظمه وأوجعه ، أمرا لا يدفعه دافع ، ولا يمنع من وقوعه مانع ، ولذلك سبب عنه قوله :( فَوَيْلٌ ) أي شر حال وعذاب يوجب الندب والتفجع( لِلَّذِينَ كَفَرُوا ) أي ستروا ما ظهر من هذه الأدلة التي لا يسع عاقلا إنكارها( مِنْ يَوْمِهِمُ ) إضافة إليهم لأنه خاص بهم دون المؤمنين( الَّذِي يُوعَدُونَ ) في الدنيا والآخرة ، وقد انطبق آخرها على أولها بصدق الوعيد ، وثبت بالدليل القطعي ذلك القسم الأكيد ـ والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.

٢٩٠

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة الطور

مكية ـ آياتها تسع وأربعون

مقصودها تحقيق وقوع العذاب الذي هو مضمون الوعيد المقسم على وقوعه في الذاريات الذي هو مضمون الإنذار المدلول على صدقه في ق ، فإن وقوعه أثبت وأمكن من الجبال التي أخبر الصادق بسيرها ، وجعل دك بعضها آية على ذلك ، ومن الكتاب في أثبت أوضاعه لإمكان غسله وحرقه ، ومن البيت الذي يمكن عامره وغيره إخرابه ، والسقف الذي يمكن رافعه وضعه ، والبحر الذي يمكن من سجره أن يرسله ، وقد بان أن اسمها أدل ما يكون على ذلك بملاحظة القسم وجوابه حتى بمفردات الألفاظ في خطابه( بِسْمِ اللهِ ) الملك الأعظم ذي الملك والملكوت( الرَّحْمنِ ) الذي عم بالرحموت من حققه الثبوت( الرَّحِيمِ ) الذي خص برحمته وتوفيقه أهل القنوت.

( وَالطُّورِ (١) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ (٧) ما لَهُ مِنْ دافِعٍ (٨) يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً (٩) وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً (١٠) )

لما ختمت الذاريات بتحقيق الوعيد ، افتتحت هذه بإثبات العذاب الذي هو روح الوعيد ، فقال تعالى :( وَالطُّورِ ) وذلك أنهم لما كانوا يقولون عما أتاهم به الرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم : إنه سحر خيال لا حقيقة له ، أقسم بالجبل ـ الذي هو عندهم وعند غيرهم من ذوي العقول ـ أثبت الأرض وأشدها وأصلبها ، وعبر عنه بالطور الذي هو مشترك بين مطلق الجبل وبين المضاف إلى سينا الذي كان فيه نبوة موسىعليه‌السلام وإنزال كثير من كتابه وغير ذلك ـ آيات تعلمها بنو إسرائيل الذين يستنصحونهم ويسألونهم عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ويرضون بقولهم فيه فمن آياته أنه كانت فيه الرحمة بمناجاة موسىعليه‌السلام وما كتب له فيه على ألواح الجوهر وما أنزل عليه من الناموس الذي جعله هدى ورحمة وموعظة وذكرا وتفصيلا لكل شيء وكان فيه مع الرحمة العذاب بما أتاهم من الصاعقة التي

٢٩١

أماتتهم ثم أحياهم الله وبما كانوا يشاهدون من السحاب الذي تخلله فيكون كقتار الأتون ، وفيه بروق كأعظم ما يشاهد من النار ، وأبواق تزعق بصوت هائل ، ولما شوهد من اندكاك لجبل عند التجلي وصعق موسىعليه‌السلام إلى غير ذلك من الآيات التي تكشف الظلمات ، وأيضا فالطور كل جبل ينبت ، وإنبات الجبل عجيب ، فإن نباته لا يكون إلا بسبب ، وسبب النبات الماء ، والماء منبث في الأرض لتركبها عليه وهو مواز لما انكشف منه من ماء البحار ، وكلما علت الأرض بعدت عن الماء ، والجبال أبعدها منه ، فسبب إنباته خفي جدا لا يعلمه إلا الله ومن فهمه إياه.

ولما كانت الأرض لوح السماء التي منها الوعيد ، وكانت الجبال أشدها ، فذكر أعظمها آية ، وكان الكتاب لوح الكاتب ، وكانت الكتب الإلهية أثبت الكتب ، وكان طور سينا قد نزل فيه كتاب إلهي قال :( وَكِتابٍ ) وحقق أمره بقوله :( مَسْطُورٍ ) أي متفق الكتابة بسطور مصفوفة من حروف مرتبة جامعة لكلمات متفقة ككتاب موسىعليه‌السلام الذي أنزله عليه وكلمه بكثير منه في الطور وتنكيره للتعظيم لأنه إن كان المراد به الكتب الإلهية فهو أثبت الأشياء ، وإن كان المراد صحيفة قريش فقد كانوا ظنوها أثبت العهود ، وذكر أمتن ما يكتب فيه وأشده وأتقنه فقال :( فِي رَقٍ ) أي في جلد مهيأ بالقشر للكتابة( مَنْشُورٍ ) أي مهيأ للقراءة والاتعاظ بما فيه ، ويمكن أن يكون أراد به جميع الكتب المنزلة عاما بعد خاص ، قال الرازي : قال الصادق : إن الله تجلى لعبده بكتابه كما تجلى بالطور لما كان محلا للتجلي خلقا ، والكتاب لما كان محلا للتجلي أمرا ، أجراهما في قرن ـ انتهى. ويجوز أن يكون أراد به سبحانه صحيفة الظلم التي كتبوها بما تعاقدوا عليه من أنهم لا يعاشرون بني هاشم ولا يكلمونهم ولا يبايعونهم ولا يشاورونهم ولا يناكحونهم ولا يؤازرونهم ولا يعاملونهم حتى يسلموا إليهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وعلقوها في جوف الكعبة فانحاز بنو هاشم إلى شعب أبي طالب خلف أبي قبيس وتبعهم بنو المطلب رهط إمامنا الشافعي رضي الله عنه ، فتحيزوا معهم من بين بني عبد مناف ، فكان ذلك سبب شرفهم على مدى الدهر ، فأرسل الله على الصحيفة ـ بعد أن مضى على ذلك سنتان حين جهدهم العيش ومضّهم الزمان وزلزلتهم القوارع زلزالا شديدا وهم ثابتون ليظهر الله بذلك شرف من شاء من عباده ـ الأرضة ، فأبقت ما فيها من أسماء الله تعالى ومحت ما كان من ظلمهم وقطيعتهم ، فكان ذلك سببا لأن قام في نقضها معشر منهم ، فنقضها الله بهم ، وكانوا إذ ذاك كفرة كلهم ليظهر الله قدرته سبحانه على كل من النقض والإبرام بما شاء ومن شاء( وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ) الذي هو قيام للناس كما كانت قبة الزمان قياما لبني إسرائيل ، هذا إن كان تعالى أراد به الكعبة التي علقوا فيها الصحيفة بعد

٢٩٢

أن كانوا لما عمروها اختلفوا فيمن يضع الحجر الأسود في موضعه ، وزاد بهم الاختلاف حتى تهيؤوا للقتال وتحالفوا عليه ، فكان منهم لعقة الدم ، ومنهم المطيبون كما هو مشهور في السير ، ثم وفقوا لأن رضوا أن يحكم بينهم أو داخل من باب عينوه ، فكان أول داخل منه النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقالوا بأجمعهم : هذا محمد هذا الأمين ، رضينا بحكمه ، فحكمصلى‌الله‌عليه‌وسلم بأن يوضع الحجر الشريف في ثوب ويأخذ رئيس كل قبيلة بطرف من أطرافه ويرفعوه كلهم ، فلما وازى موضعه أخذه هوصلى‌الله‌عليه‌وسلم بيده الشريفة فوضعه في موضعه ، فكان الفخر له مضاعفا بحكمه وإصلاحه بينهم ، واختصاصه بوضعه وهو معمور بالزوار والخدمة وكثرة الحاشية.

ولما كان البيت لا بد في مسماه من السقف قال :( وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ ) يريد سقف الكعبة إشارة إلى أنه محكم البناء مغلق الباب متقن السقف إتقانا هو أعظم من إتقان سقف قبة الزمان التي شاهد فيها بنو إسرائيل من العظمة الإلهية والجلال ما إن سألتموهم عنه أخبروكم به ، ومع ذلك سلط على الصحيفة ـ التي في جوفه ، ولعلها كانت في سقفه بحيث لا يصل إليها أحد ـ ما أفسدها تحقيقا لثبوت ما أراد من أمره تحذيرا مما توعد به ، ويمكن أن يراد به مع ذلك السماء التي فيها ما توعدون ، ومن المعلوم أن لكل ذي عقل أن أقل السقوف لا يرتفع توعدون ، ومن المعلوم أن لكل ذي عقل أن أقل السقوف لا يرتفع بغير عمد إلا بأسباب لا ترى ، فكيف بالسماء التي لها من السعة والعظمة والثخن وما فيها من الكواكب ما لها مما لا يسع العقول شرحه ، وهم لا ينظرون أسبابه كما قال تعالى( بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ) [الرعد : ٢] ونقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : إنه العرش وهو سقف الجنة.

ولما كان الماء أقوى من كل ما تقدم ، ختم به فقال :( وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ) أي الذي فيه من الماء أكثر من ملئه وهو ساجره أي مانعه ـ كما يمنع الكلب بساجوره عن الانسباح ، ولو أراد خلاه فاندفق فجرى فأهلك ما مر عليه من جبل وكتاب وبيت كما شوهد لما شجره سبحانه لبني إسرائيل فانفلق ، ونشفت أرضه ثم لما أراد سببه على آل فرعون فعذبهم به فأهلكهم حتى لم يبق منهم أحد.

ولما أقسم بما يدل على نبوة موسىعليه‌السلام وثلث بما أشار إلى نبوة محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وثنى بما هو مشترك بينهما ، وكان الأول مع ذلك دالا على استقرار الأرض ، والثالث على صلاحيتها للسكنى ، والثاني على الحافظ في ذلك ، وربع بما كمل المنافع ، وحذر من السقوط كما خوف بالأول من الخسف ، وخمس بما دل على ما أريد بالأول من الاستقرار لأنه لو كان ميل لانطلق البحر إلى جهته ، أجاب القسم بقوله :

٢٩٣

( إِنَّ عَذابَ ) ولما كان سبحانه عظيم الإكرام لهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أضاف العذاب إلى صفة الإحسان والتربية الخاصة به ، وأضاف الصفة إلى ضميره إيذانا بأنه يريه في أمته ما يسره ، وإن مماثلة «ذنوبهم كذنوب أصحابهم» الماضين إنما هي في مجرد الإذلال ، لا في أنه يستأصلهم كما استأصل أولئك فقال :( رَبِّكَ ) أي الذي تولى تربيتك أي عذاب أراده بكل من أراد به لا سيما المعادي لأوليائه سبحانه( لَواقِعٌ ) أي ثابت نازل بمن أراد نزول ما هو ثقيل من مكان عال كما أنه لو أراد لقلب الأرض التي ثبتها وأوقع السقف الذي رفع ، وأطلق البحر الذي سجر ، كما علم من إطلاقه البحر فلقه على آل فرعون حتى أغرقهم به( ما لَهُ مِنْ دافِعٍ ) لأنه لا شريك لموقعه لما دلت عليه هذه الأقسام من كمال قدرته وجلال حكمته وضبط أعمال العباد للمجازاة سواء قلنا : إن الكتاب هو الذي يكتبه الحفظة أو الذي يضبط الدين ، فلما أوقع الجزاء بهم في الصحيفة ، ونقض معاقدتهم ، وفض جمعهم ، أخرج معاشرك من ذلك الضيق فكذلك يؤيدك حتى توقع بهم وتنقض جمعهم وتكسر شوكتهم ونقتل سرواتهم ويظهر دينك على دينهم ، ويصير من بقي منهم من حزبك وأنصار دينك ، قال البغوي : قال جبير بن مطعم رضي الله عنه : قدمت المدينة لأكلم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في أسارى بدر ، فدفعت إليه وهو يصلي بأصحابه المغرب وصوته يخرج من المسجد فسمعته يقرأ( وَالطُّورِ ) ـ إلى قوله :( إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِنْ دافِعٍ ) فكأنما صدع قلبي حين سمعته ، ولم أكن أسلمت يومئذ ، فأسلمت خوفا من نزول العذاب ما كنت أظن أن أقوم من مقامي حتى يقع بي العذاب(١) .

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما توعد تعالى كفار قريش ومن كان على طريقتهم من سائر من كذب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أنهم سيصيبهم ما أصاب غيرهم من مكذبي الأمم ، المنبه على ذكرهم في السورة قبل ، ثم أشار سبحانه إلى عظيم ما ينالهم من الخزي وأليم العذاب بقوله :( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ) [الذاريات : ٦٠] أقسم سبحانه على صحة ذلك ووقوعه ـ والعياذ به سبحانه من سخطه وأليم عذابه ـ فقال تعالى :( وَالطُّورِ ) ـ إلى قوله تعالى :( إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِنْ دافِعٍ ) ثم أومأ سبحانه إلى مستحقيه ومستوجبيه فقال( فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) ثم ذكر ما يعنفون به ويوبخون على ما سلف منهم من نسبته عليه الصلاة والسّلام إلى السحر فقال تعالى( ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ ) [سبأ : ٤٢]( أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا

__________________

(١) أخرجه البخاري ٤٨٥٤ وأبو داود ٨١١ من حديث جبير بن مطعم.

٢٩٤

تُبْصِرُونَ ) ثم أعقب بذكر حال المؤمنين المستجيبين ، ثم ذكر إثر إعلامه بحال الفريقين ـ نعمته على نبيه عليه الصلاة والسّلام وعصمته ووقايته مما يقول المفترون فقال تعالى( فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ ) ثم جرت الآي على توبيخهم في مقالتهم ووهن انتقالاتهم ، فمرة يقولون : كاهن ، ومرة يقولون : مجنون ، ومرة يقولون : شاعر يترقب موته. فوبخهم على ذلك كله وبين كذبهم وأرغمهم وأسقط ما بأيديهم بقوله( فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ ) وهذا هو المسقط لما تقولوه أولا وآخرا ، وهذا الذي لم يجدوا عنه جوابا ، ورضوا بالسيف والجلاء ، لم يتعرضوا لتعاطي معارضته ، وهذا هو الوارد في قوله تعالى في صدر سورة البقرة( وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ) [البقرة : ٢٣] الآيات ، فما نطقوا في جوابه ببنت شفة( قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ) [الإسراء : ٨٨] فتبارك من جعله آية باهرة وحجة قاهرة ـ انتهى.

ولما أثبت وقوع العذاب ، تشوفت نفس الموقن إلى وقته ، قال مستأنفا لبيان أنه واقع على تلك الصفة :( يَوْمَ تَمُورُ ) أي تتحرك وتضطرب وتجيء وتذهب وتتكفأ تكفأ السفينة وتدور دوران الرحى ، ويموج بعضها في بعض ، وتختلف أجزاؤها بعضها في بعض ، ولا تزول عن مكان ؛ قال البغوي : والمور يجمع هذه المعاني فهو في اللغة الذهاب والمجيء والتردد والدوران والاضطراب ، قال الرازي : وقيل : تجيء وتذهب كالدخان ثم تضمحل.( السَّماءُ ) التي هي سقف بيتكم الأرض( مَوْراً ) أي اضطرابا شديدا( وَتَسِيرُ الْجِبالُ ) أي تنتقل من أمكنتها انتقال السحاب ، وحقق معناه بقوله :( سَيْراً ) فتصير هباء منثورا وتكون الأرض قاعا صفصفا.

( فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦) )

ولما حقق العذاب وبين يومه ، بين أهله بقوله مسببا عن ذلك :( فَوَيْلٌ ) هي كلمة يقولونها لمن وقع في الهلاك ، ومعناه حلول شر فاضح يكون فيه ندبة وتفجع( يَوْمَئِذٍ ) أي يوم إذ يكون ما تقدم ذكره( لِلْمُكَذِّبِينَ ) أي العريقين في التكذيب وهم من مات على نسبة الصادقين إلى الكذب.

ولما كان التكذيب قد يكون في محله ، بين أن المراد تكذيب ما محله الصدق فقال :( الَّذِينَ هُمْ ) أي من بين الناس بظواهرهم وبواطنهم( فِي خَوْضٍ ) أي أعمالهم

٢٩٥

وأقوالهم أعمال الخائض في ماء ، فهو لا يدري أين يضع رجله. ولما كان ذلك قد يكون من دهشة بهم أو غم ، نفى ذلك بقوله :( يَلْعَبُونَ ) فاجتمع عليهم أمران موجبان للباطل : الخوض واللعب ، فهم بحيث لا يكاد يقع لهم قول ولا فعل في موضعه ، فلا يؤسس على بيان أو حجة. ولما صور تكذيبهم بأشنع صورة ، بين ويلهم ببيان ظرفه وما يفعل فيه فقال :( يَوْمَ يُدَعُّونَ ) أي يدفعون دفعا عنيفا بجفوة وغلظة من كل من يقيمه الله لذلك ، ذاهبين ومنتهين( إِلى نارِ جَهَنَّمَ ) وهي الطبقة التي تلقاهم بالعبوسة والكراهة والتغيظ والزفير ، وأكد المعنى وحققه بقوله :( دَعًّا ) قال البغوي : وذلك أن خزنه جهنم يعلون أيديهم إلى أعناقهم ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم ثم يدفعونهم دفعا على وجوههم وزجا في أقفيتهم ، مقولا لهم تبكيتا وتوبيخا :( هذِهِ النَّارُ ) أي الجسم المحرق المفسد لما أتى عليه ، الشاغل عن اللعب( الَّتِي كُنْتُمْ ) بجبلاتكم الفاسدة. ولما كان تكذيبهم بها في أقصى درجات التكذيب ، وكان سببا لكل تكذيب ، كان كأنه مقصور عليه فقال مقدما للظرف إشارة إلى ذلك :( بِها تُكَذِّبُونَ ) أي في الدنيا على التجديد والاستمرار.

ولما كانوا يقولون عنادا : إن القرآن بما فيه من الوعيد سحر ، سبب عن ذلك الوعيد قوله مبكتا موبخا متهكما :( أَفَسِحْرٌ هذا ) أي الذي أنتم فيه من العذاب مع هذا الإحراق الذي تصلون منه( أَمْ أَنْتُمْ ) في منام ونحوه( لا تُبْصِرُونَ ) بالقلوب كما كنتم تقولون في الدنيا( قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ ) [فصلت : ٥] ولا بالأعين كما كنتم تقولون للمنذرين( مِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ ) [فصلت : ٥] أي أنتم عمي عن المخبر عنه مع إحراقه لهم كما كنتم عميا عن الخبر أي هل تستطيعون أن تقولوا إنكم لا تبصرون المخبر عنه كما كنتم تقولون في الخبر كذبا وفجورا ، ثم يقال لهم بعد هذا التبكيت الذي يقطع بأن جوابهم يكون بأن يقولوا : لا وعزة ربنا ما هو بسحر ولا خيال ، بل هو حقيقة ، ونحن في غاية الإبصار على سبيل الإخزاء ، والامتهان والإذلال :( اصْلَوْها ) أي باشروا حرها وقاسوه وواصلوه كما كنتم تواصلون أذى عبادي بما يحرق قلوبهم( فَاصْبِرُوا ) أي فيتسبب عن تكذيبكم في الدنيا ومباشرتكم لها الآن أن يقال لكم : اصبروا على هذا الذي لا طاقة لكم به( أَوْ لا تَصْبِرُوا ) فإنه لا محيص لكم عنها( سَواءٌ عَلَيْكُمْ ) أي الصبر والجزع.

ولما كان المعهود أن الصبر له مزية على الجزع ، بين أن ذلك حيث لا تكون المصيبة إلا على وجه الجزاء الواجب وقوعه فقال معللا :( إِنَّما تُجْزَوْنَ ) أي يقع جزاؤكم الآن وفيما يأتي على الدوام( ما كُنْتُمْ ) أي دائما بما هو لكم كالجبلة( تَعْمَلُونَ ) مع الأولياء غير مبالين بهم ، فكان هذا ثمرة فعلكم بهم.

٢٩٦

( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (١٨) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩) مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ (٢١) )

ولما ذكر ما للمكذبين من العذاب المشار إليه بكلمات القسم ، أتبعه ما لأضدادهم من الثواب المنبه عليه أيضا بتلك الكلمات ليتم الخبر ترغيبا وترهيبا ، فقال جوابا لمن كأنه قال : فما لمن عاداهم فيك؟ مؤكدا لما للكفار من التكذيب :( إِنَّ الْمُتَّقِينَ ) أي الذين صارت التقوى لهم صفة راسخة( فِي جَنَّاتٍ ) أي بساتين دائما في الدنيا حكما وفي الآخرة.

ولما كانت البساتين ربما يشقى داخلها أو صاحبها ، نفى هذا بقوله :( وَنَعِيمٍ ) أي نعيم في العاجل ، يعني بما هم فيه من الأنس ، والآجل بالفعل ، وزاد في تحقيق التنعم بقوله :( فاكِهِينَ ) أي معجبين متلذذين( بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ ) الذي تولى تربيتهم بعملهم بالطاعات إلى أن أوصلهم إلى هذا النعيم ، فهو لأن عظمته من عظمته لا يبلغ كنه وصفه. ولما كان المتنعم قد تكون نعمته بعد عذاب ، فبين أنهم ليسوا كذلك فقال :( وَوَقاهُمْ ) أي قبل ذلك( رَبُّهُمْ ) أي المتفضل بتربيتهم بكفهم عن المعاصي والقاذورات( عَذابَ الْجَحِيمِ ) أي النار الشديدة التوقد.

ولما كان من باشر النعمة وجانب النقمة في هناء عظيم ، قال مترجما لذلك على تقدير القول :( كُلُوا ) أي أكلا هنيئا( وَاشْرَبُوا ) شربا( هَنِيئاً ) أي لا نقص فيه ، وهو صفة في موضع المصدر أي هنأتم بمعنى أن كل ما تتناولونه مأمون العاقبة من التخمة والسقم ونحوها( بِما كُنْتُمْ ) أي كونا راسخا( تَعْمَلُونَ ) أي مجددين له على سبيل الاستمرار حتى كأنه طبع لكم.

ولما كان النعيم لا يتم إلا بأن يكون الإنسان مخدوما ، نبه عليه بقوله :( مُتَّكِئِينَ ) أي مستندين استناد راحة ، لأنهم يخدمون فلا حاجة لهم إلى الحركة( عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ ) أي منصوبة واحدا إلى جنب واحد ، مستوية كأنها السطور على أحسن نظام وأبدعه ، قال الأصبهاني : والصفة : مد الشيء على الولاء. ولما كان السرور لا يتم إلا بالتنعم بالنساء قال :( وَزَوَّجْناهُمْ ) أي تزويجا يليق بما لنا من العظمة.

ولما كانت تلك الدار غنية عن الأسباب ، فكانوا غنيين عن العقد ، قال مشيرا بالباء إلى صرف الفعل عن ظاهره فإنه إذا كان بمعنى النكاح تعدى بنفسه ، وتضمين الفعل «قرناهم» أي جعلناهم أزواجا مقرونين( بِحُورٍ ) أي نساء هن في شدة بياض العين

٢٩٧

وشدة سوادها واستدارة حدقتها ورقة جفونها في غاية لا توصف( عِينٍ ) أي واسعات الأعين في رونق وحسن.

ولما وصف حال المتقين من أعداء المكذبين وبدأ بهم لشرفهم ، أتبعهم من هو أدنى منهم حالا لتكون النعمة تامة فقال :( وَالَّذِينَ آمَنُوا ) يعني أقروا بالإيمان ولم يبدلوا ولا بالغوا في الأعمال الصالحة. ولما كان من هؤلاء من لا يتبعه ذريته بسبب إيمانه لأنه يرتد عنه ، عطف على فعلهم تمييزا لهم واحترازا عمن لم يثبت قوله :( وَاتَّبَعَتْهُمْ ) أي بما لنا من الفضل الناشىء عما لنا من العظمة( ذُرِّيَّتُهُمْ ) الصغار والكبار وإن كثروا ، والقرار لأعينهم بالكبار بايمانهم والصغار بإيمان آبائهم( بِإِيمانٍ ) أي بسبب إيمان حاصل منهم ، ولو كان في أدنى درجات الإيمان ، ولكنهم ثبتوا عليه إلى أن ماتوا ، وذلك هو شرط إتباعهم الذريات ، ويجوز أن يراد وهو أقرب : بسبب إيمان الذرية حقيقة إن كانوا كبارا ، وحكما إن كانوا صغارا ، ثم أخبر عن الموصول بقوله :( أَلْحَقْنا بِهِمْ ) أي فضلنا لأجل عمل آبائهم( ذُرِّيَّتُهُمْ ) وإن لم يكن للذرية أعمال ، لأنه قيل في المعنى : «ولأجل عين ألف عين تكرم» ويلحق بالذرية من النسب الذرية بالسبب وهو المحبة ، فإن كان معها آخذ لعلم أو عمل كانت أجدر ، فتكون ذرية الإفادة كذرية الولادة ، وذلك لقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم «المرء مع من أحب»(١) في جواب من سأل عمن يحب القوم ولم يلحق بهم.

ولما كان ربما خيف أن ينقص الآباء بسبب إلحاق ذرياتهم بهم شيئا من درجاتهم ، قال :( وَما أَلَتْناهُمْ ) أي نقصنا الآباء وحبسنا عنهم( مِنْ عَمَلِهِمْ ) وأكد النفي بقوله :( مِنْ شَيْءٍ ) بسبب هذا الإلحاق وكان من فوق رتبتهم من الذين يؤمنون والمؤمنين والمتقين وغيرهم أولى منهم ، وإنما فصلهم منهم لأن هؤلاء قد لا يوقنون قبل دخول الجنة العذاب ، قال جامعا للفريقين ، أو يقال ـ ولعله أقرب ـ أنه لما ذكر اتباع الأدنى للأعلى في الخير فضلا ، أشفقت النفس من أن يكون إتباع في الشر فأجاب تعالى بأنه لا يفعل بقوله :( كُلُّ امْرِئٍ ) أي من الذين آمنوا والمتقين وغيرهم( بِما كَسَبَ ) أي من ولد وغيره( رَهِينٌ ) أي مسابق ومخاطر ومطلوب وآخذ شيئا بدل كسبه وموفي على قدر ما يستحقه ومحتبس به إن كان عاصيا ، فمن كان صالحا كان آخذا بسبب صلاح ولده لأنه كسبه ، ولا يؤخذ به ذلا وهو حسن في نفسه لأجل الحكم بإيمانه سواء كان

__________________

(١) أخرجه البخاري ٦١٦٧ و ٣٦٨٨ ومسلم ٦٢٣٩ وأبو داود ٥١٢٧ والترمذي ٢٣٨٦ وابن حبان ١٠٥ وأحمد ٣ / ٢٢٧ من حديث أنس.

٢٩٨

حقيقة أو حكما وكل حسن مرتفع ، فلذلك يلتحق بأبيه ، وأما الإساءة فقاصرة على صاحبها يؤخذ بها ويرهن بذنبه ولا يؤخذ بذنب غيره ، والحاصل أن المعالي التي هي كالحياة تفيض من صاحبها على غيره فتحييه ، والمساوىء التي هي كالموت لا يتعدى صاحبها ، قال الرازي في اللوامع : اعلم أن الذوات بقاؤها ودوامها ببقاء صورها ، فحيث ما كانت الصورة المقومة لها أدوم كانت الذوات بها أقوم ، وأن النفوس الإنسانية ذوات وصورها علومها وأخلاقها ، فحيث ما كانت العلوم حق اليقين ثم عين اليقين ، والأخلاق مقومة على نهج الشرع المبين ، كانت النفوس دائمة بدوامها غير مستحيلة ، إذ لا تتطرق الاستحالة إلى اليقين والعلم الحق ، وغير كائنة ولا فاسدة إذ ليس عن اليقين ولا العلوم الحقيقية من عالم الكون والفساد ، وإن لم تبلغ النفس إلى كمال اليقين فتعلقت بدليل صاحبه كما انخرطت في سلكها حتى يخرط الإنسان في سلك محبته ، لو أحب أحدكم حجرا لحشر معه ، فإن الدين هو الحب في الله والبغض في الله ، ولهذا اكتفى الشرع من المكلفين بإسلام وتسليم وتفويض وتحكيم دون الوقوف على المسائل العويصة بالبراهين الواضحة الصحيحة ، وما لم يبلغ الولد حد التكليف واخترم ألحقوا بآبائهم وحكم عليهم بحكم عقائدهم وآرائهم حتى يكون حكم آبائهم جاريا عليهم وحكم القيامة نافذا فيهم ، وأما إذا كانت الصورة القائمة بالذوات مستحيلة بأن كانت جهلا وباطلا ينقص أوله آخره وآخره أوله ، كانت ذات النفس لا تنعدم ولا تفنى بل تبقى على حال لا يموت فيها ولا يحي ، فإنها لو فنيت لاستراحت ولو بقيت لاستطابت ، فهي على استحالة بين الموت والحياة ، وهذه الاستحالة لا تكون إلا في أجساد وأبدان( كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها ) [النساء : ٥٦] انتهى. وهو كما ترى في غاية النفاسة ، ويؤيده «يحشر المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل»(١) ويجوز أن تكون الجملة تعليلا لما قبلها من النفي ، أي ما نقصناهم لأنه قد سبق في حكمنا بأن يكون «كل امرىء» قدرنا أن يرتهن بما قد ينقصه( بِما كَسَبَ ) أي لا يضر ما كسب ما كسبه غيره «رهين» أي معوق عن النعيم حتى يأتيه بما يطلق من العمل الصالح.

( وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ (٢٣) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٥) قالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ (٢٧) )

__________________

(١) أخرجه أبو داود ٤٨٣٣ والترمذي ٢٣٧٨ والحاكم ٤ / ١٧١ وأحمد ٧٩٦٨ و ٨٢١٢ من حديث أبي هريرة. صححه الحاكم ، ووافقه الذهبي ، وقال الترمذي : حسن صحيح ا ه.

٢٩٩

ولما جمعهم في إلحاق الذرية بهم لأنهم من أعظم النعيم ، وأمنهم مما قد يخشى من نقصهم بنقصه غيرهم ، وعلل ذلك ليكون أرسخ في النفس ، أتبعه بما يشاكله فقال :( وَأَمْدَدْناهُمْ ) أي الذين آمنوا والمتقين ومن ألحق بهم من ذرياتهم بما لنا من العظمة زيادة على ما تقدم( بِفاكِهَةٍ. ) ولما كانت الفاكهة ظاهرة فيما يعرفونه في الدنيا وإن كان عيش الجنة بجميع الأشياء تفكها ليس فيه شيء يقصد به حفظ البدن قال :( وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ) ليس فيه شيء منه مما لا يعجبهم غاية الإعجاب.

ولما كان هذا النعيم العظيم المقيم يدعو إلى المعاشرة ، بالقرينة العاطرة ، بين أن ذلك حالهم اللازمة الظاهرة ، من الخصال اللائقة الطاهرة ، فقال :( يَتَنازَعُونَ ) أي يشربون متجاذبين مجاذبة الملاعبة لفرط المحبة والسرور وتحلية المصاحبة( فِيها كَأْساً ) أي خمرا من رقة حاشيتها تكاد أن لا ترى في كأسها. ولما كان في خمر الدنيا غوائل نفاها عنها فقال :( لا لَغْوٌ ) أي سقط مما يضر ولا ينفع( فِيها ) أي في تنازعها ولا بسبها لأنها لا تذهب بعقولهم ولا يتكلمون إلا بالحسن الجميل( وَلا تَأْثِيمٌ ) أي ولا شيء فيها مما يلحق شرّابها إثما ولا يسوغ نسبه.

ولما كانت المعاطاة لا يكمل بسطها ولا يعظم إلا بخدم وسقاة قال :( وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ ) أي بالكؤوس وغيرها من أنواع التحف( غِلْمانٌ ) ولما كان أحب ما إلى الإنسان ما يختص به قال :( لَهُمْ ) ولم يضفهم لئلا يظن أنهم الذين كانوا يخدمونهم في الدنيا فيشفق كل من خدم أحدا في الدنيا بقول أو فعل أن يكون خادما له في الجنة فيحزن بكونه لا يزال تابعا ، وأفاد التنكير أن كل من دخل الجنة وجد له خدما لم يعرفهم قبل ذلك( كَأَنَّهُمْ ) في بياضهم وشدة صفائهم( لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ ) أي مصون في الصدف لم تغيره العوارض ، هذا حال الخادم فما ظنك بالمخدوم.

ولما كان ألذ ما إلى الحبيب وأعظم ما يكون من أربه ذكر محبوبه والثناء عليه بما منّ به ، قال تعالى شارحا لذلك عاطفا على ما تقديره : فأقبلوا على تعاطي ما ذكر من النعم :( وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ ) لما ازدهاهم من السرور ، وراقهم من اللذة والحبور( عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ ) أي يسأل بعضهم بعضا عن السبب الموصل له إلى هذا النعيم الذي لا يقدر مخلوق على وصفه حق وصفه ، ثم استأنف شرح ذلك بقوله :( قالُوا ) أي قال كل منهم مؤكدا استلذاذا بما أداهم إلى ما هم فيه لأنه لا يكاد يصدق ، مسندين النعمة بفعل الكون إلى الله الذي جبلهم جبلة خير ، مسقطين الجار إشارة إلى دوام خوفهم ، تنبيها على أن الخوف الحامل على الكف عن المعاصي يشترط فيه الدوام ، بخلاف الرجاء الحامل على الطاعات ، فإنه يكفي فيه ما تيسر كما تأتي الإشارة إليه بإثبات

٣٠٠