نظم الدّرر الجزء ٧

نظم الدّرر0%

نظم الدّرر مؤلف:
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 631

نظم الدّرر

مؤلف: برهان الدين البقاعي
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
تصنيف:

الصفحات: 631
المشاهدات: 151
تحميل: 18


توضيحات:

بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 631 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 151 / تحميل: 18
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 7

مؤلف:
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
العربية

الجار :( إِنَّا كُنَّا قَبْلُ ) أي في دار العمل( فِي أَهْلِنا ) على ما لهم من العدد والعدد والنعمة والسعة ، ولنا بهم من جوالب اللذة والدواعي إلى اللعب( مُشْفِقِينَ ) أي عريقين في الخوف من الله لا يلهينا عنه شيء مع لزومنا لما نقدر عليه من طاعته لعلمنا بأنا لا نقدره لما له من العظمة والجلال والكبرياء والكمال حق قدره ، وأنه لو واخذنا بأصغر ذنوبنا أهلكنا ، قال الرازي : والإشفاق : دوام الحذر مقرونا بالترحم ، وهو أن يشفق على النفس قبل أن تجمح إلى العناد ، وله أقسام : إشفاق على العمل أن يصير إلى الضياع ، وإشفاق على الخليقة لمعرفة مقاديرها ، وإشفاق على الوقت أن يشوبه تفرق وعلى القلب أن يمازجه عارض وعلى النفس أن يداخلها سبب ـ انتهى.

ولما حكى عنهم سبحانه أنهم أثبتوا لأنفسهم عملا تدريبا لمن أريدت سعادته ، فكان بحيث يظن أنهم رأوه هو السبب لما وصلوا إليه ، قالوا نافين لهذا الظن ، مبينين أن ما هم فيه إنما هو ابتداء تفضل من الله تعالى لأن إشفاقهم منه سبحانه لكيلا يعتمد الإنسان على شيء من عمله فلا يزال معظما لربه خائفا منه :( فَمَنَّ اللهُ ) الذي له جميع الكمال بسبب إشفاقنا منه( عَلَيْنا ) بما يناسب كماله فأمّننا( وَوَقانا ) أي وجنبنا بما سترنا به( عَذابَ السَّمُومِ ) أي الحر النافذ في المسام نفوذ السم.

( إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨) فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٣٤) )

ولما ذكروا إشفاقهم ، بينوه مؤكدين أيضا لمثل ذلك بقولهم :( إِنَّا كُنَّا ) أي بما طبعنا عليه وهيئنا له. ولما كان الدعاء بمعنى فعل العبادة ، وكانت تقع في بعض الزمان ، أثبت الجار إشارة إلى ذلك مع إسقاطه قبل هذا في الدعاء بالقوة إشارة إلى أن التحلي بالفضائل يرضى منه باليسر ، والتخلي عن الرذائل لا بد فيه من البراءة عن كل قليل وكثير فقيل :( مِنْ قَبْلُ ) أي في الدنيا( نَدْعُوهُ ) أي نسأله ونعبده بالفعل ، وأما خوفنا بالقوة فقد كان في كل حركة وسكنة ، ثم عللوا دعاءهم إياه مؤكدين لأن إنعامه عليهم مع تقصيرهم مما لا يكاد يفعله غيره ، فهو مما يعجب منه غاية العجب فقالوا :( إِنَّهُ هُوَ ) أي وحده( الْبَرُّ ) الواسع الجود الذي عطاؤه حكمة ومنعه رحمة ، لأنه لا ينقصه إعطاء ولا يزيده منع ، فهو يبر عبده المؤمن بما يوافق نفسه فربما بره بالنعمة وربما بره بالبؤس ، فهو يختار له من الأحوال ما هو خير له ليوسع له في العقبى ، فعلى المؤمن أن

٣٠١

لا يتهم ربه في شيء من قضائه( الرَّحِيمُ ) المكرم لمن أراد من عباده بإقامته فيما يرضاه من طاعته ، ثم بإفضاله عليه وإن قصر في خدمته.

ولما كان هذا مع تشويقه إلى الجنة والأعمال الموصلة إليها وعظا يرقق القلوب ويجلي الكروب ، سبب عنه قوله :( فَذَكِّرْ ) أي جدد التذكير بمثل هذا لكل من يرجو خيره ودم على ذلك ، وسماه تذكيرا لأنه مما يعلمه الإنسان إذا أمعن النظر من نفسه أو من الآفاق ، وعلل التذكير بقوله :( فَما أَنْتَ ) أي وأنت أشرف الناس عنصرا وأكملهم نفسا وأزكاهم خلائق هم بها معترفون لك قبل النبوة( بِنِعْمَةِ رَبِّكَ ) أي بسبب ما أنعم به عليك المحسن إليك من هذا الناموس الأعظم بعد تأهيلك له بما هيأك به من رجاحة العقل وعلو الهمة وكرم الفعال وجود الكف وطهارة الأخلاق وشرف النسب ، وأكد النفي بقوله :( بِكاهِنٍ ) أي تقول كلاما ـ مع كونه سجعا متكلفا ـ أكثره فارغ وتحكم على المغيبات بما يقع خلاف بعضه. ولما كان للكاهن والمجنون اتصال بالجن ، أتبع ذلك قوله :( وَلا مَجْنُونٍ ) أي تقول كلاما لا نظام له مع الإخبار ببعض المغيبات ، فلا يفترك قولهم هذا عن التذكير فإنه قول باطل لا تلحقك به معرة أصلا ؛ وعما قليل يكون عيبا لهم لا يغسله عنهم إلا اتباعهم لك ، فمن اتبعك منهم غسل عاره ، ومن استمر على عناده استمر تبابه وخساره.

ولما كانت نسبتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فيما أتاهم به من هذا القرآن الآمر بالحكمة إلى أنه أتى به عن الجن الذين طبعهم الفساد مما لا ينبغي أن يتخيله أحد فضلا أن يقوله لهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولا يكاد يصدق أن أحدا يرميه به ، فكان في طيه سؤال تقريع وتوبيخ ، نبه على ذلك بالعطف على ما تقديره : أيقولون هذا القول البعيد من أقوال أهل العقول :( أَمْ يَقُولُونَ ) ما هو أعجب في مجرد قوله فضلا عن تكريره ، فأم معادلة للاستفهام قبلها لا مقطوعة ، وكذا جميع ما بعدها وهو معنى ما نقله البغوي عن الخليل أنه قال : ما في سورة الطور من ذكر «أم» كله استفهام وليس بعطف.( شاعِرٌ ) يقول كلاما موزونا بالقصد ، يلزمه التكلف لذلك فيغلب إلزام الوزن قائله حتى يجعل اللفظ هو الأصل ويجعل المعنى تابعا له ، فيأتي كثير من كلامه ناقص المعاني هلهل النسج مغلوبا فيه على أمره معترفا إذا وقف عليه بتقصيره متعذرا مما زانه به زعم من أوزانه ، وساق سبحانه هذا وكذا ما بعده من الأقسام على طريق الاستفهام مع أن نسبتها إليهم محققة ، تنبيها على أن مثل هذا لا يقوله عاقل ، وإن قاله أحد لم يكد الناقل عنه يصدق :( نَتَرَبَّصُ ) أي ننتظر( بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ ) أي حوادث الدهر من الموت وغيره القاطعة ، من المن وهو القطع.

ولما كان كأنه قيل لهم : إنهم ليقولون ذلك ، قال معلما جوابهم :( قُلْ تَرَبَّصُوا )

٣٠٢

ولم يعرج على محاججتهم في قولهم هذا تنبيها على أنه من السقوط بمنزلة لا يحتاج معها إلى رد مجادلة ، ثم سبب عن أمره لهم بالتربص قوله :( فَإِنِّي مَعَكُمْ ) وأكده تنبيها على أنه يرجو الفرح بمصيبتهم كما يرجون الفرح بمصيبته وإن كانت كثرتهم وقوتهم عندهم مانعة من مثل هذا التربص( مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ ) أي العريقين في التربص وإن ظننتم خلاف ذلك ، وأشار بالمعية إلى أنه مساو لهم في ذلك وإن ظنوا لكثرتهم وقوتهم ووحدته وضعفه أن الأمر خلاف ذلك ، قال القشيري : جاء في التفسير أن جميعهم ـ أي الذين تربصوا به ـ ماتوا ، قال : ولا ينبغي لأحد أن يؤمل نفاق سوقه بموت أحد لتنتهي النوبة إليه فقل من تكون هذه صفته إلا سبقته المنية ، ولا يدرك ما تمناه من الأمنية.

ولما كان قولهم هذا مما لا يقال أصلا وإن قيل على بعده كان قوله كأنه على جهة سبق اللسان أو نحو ذلك ، نبه عليه بمعادلة ما تقديره : أقالوا ذلك ذهولا :( أَمْ تَأْمُرُهُمْ ) أي نزين لهم تزيينا يصير مآلهم إليه من الانبعاث كالأمر( أَحْلامُهُمْ ) أي عقولهم التي يزعمون أنهم اختصوا بجودتها دون الناس بحيث إنه كان يقال فيهم : أولو الأحلام والنهي( بِهذا ) أي وهم يعتقدون صحته وأنه العدل السواء لأنهم متقيدون بالأحلام والنهي على ما فيه من الفساد بالتناقض بعد اختلال كل قول منه على حدته كما تقدم بيانه ، وهو توبيخ عظيم بالإشارة إلى أنه ليست لهم عقول أصلا لقولهم هذا ، فإن الكاهن شرطه أن يكون في غاية المعرفة عندهم حتى أنهم يجعلونه حكما وربما عبدوه ، والمجنون لا يصلح لصالحة لأنه لا يعقل ، والشاعر بعيد الأمر بوزن الكلام وكثرته من سجع الكاهن وغيره وكلام المجنون :( أَمْ هُمْ ) بظواهرهم وبواطنهم( قَوْمٌ ) أي ذوو قوة على ما يحاولونه فهم لذلك( طاغُونَ ) أي مجازون للحدود ، وذلك عادة لهم بما أفهمه الوصف ، فهم لذلك لا يبالون بالعناد الظاهر في مخالفته لما تأمر به الأحلام والنهى ، ولا يقوله إلا الطغاة السفهاء مع ظهور الحق لهم ، فهم يقولون الكلام المتناقض غير مبالين بأحد ولا مستحيين من أن ينسبوا إلى العدوان والمبالغة في العصيان ، والآية من الاحتباك : ذكر الأحلام أولا دليلا على ضدها ثانيا ، والطغيان ثانيا على ضده «العدل السواء» أولا ، وسره أن ما ذكر أشد تنفيرا من السوء وأعظم تقبيحا له وتحذيرا منه( أَمْ يَقُولُونَ ) ما هو أفحش عارا من التناقض :( تَقَوَّلَهُ ) أي تكلف قوله من عند نفسه كذبا وليس بشعر ولا كهانة ولا جنون ، وهم على كثرتهم وإلمام بعضهم بالعلم وعرافة آخرين في الشعر والخطب والترسل والسجع يعجزون عن مثله بل عن مثل شيء منه. ولما كان الكلام حقيقة في النفس ، وكانوا يعلمون بطلان جميع ما يقولونه من ذلك ، كان التقدير : لم يقولوا شيئا من ذلك حقيقة واعتقادا( بَلْ لا يُؤْمِنُونَ ) أي لا يقرون بالحق مع علمهم ببطلان قولهم وتناقضه عنادا منهم لا تكذيبا في الباطن.

٣٠٣

ولما كان هذا القول أظهر بطلانا من كل ما قالوه لأن تكذيبهم لهم على تقدير كذبه ـ على زعمهم ـ غير موقوف على شيء خارج عن القوة ، طالبهم بالمعارضة لأنهم إذا عارضوه بمثله انفصل النزاع ، ولذلك سبب عما مضى قوله تكذيبا لهم في قولهم هذا الذي أظهروه بألسنتهم يوقفون به غيرهم عن الخير :( فَلْيَأْتُوا ) أي على أي تقدير أرادوه( بِحَدِيثٍ ) أي كلام مفرق مجدد إتيانه مع الأوقات لا تكلفهم أن يأتوا به جملة( مِثْلِهِ ) أي القرآن في البلاغة وصحة المعاني والإخبار بالمغيبات مما كان أو يكون على ما هي عليه والحكم.

ولما كان المقصود هنا مطلق التعجيز للمكذبين لا بقيد الاجتماع كما في سبحان لأن نزول هذه أوائل ما نزل ، تحداهم بالإتيان بالمثل في التنجيم والتطبيق على الوقائع سورا أو آيات أو دون ذلك ، تحدث وتتجدد شيئا في أثر شيء ـ بما أشار إليه التعبير بالحدوث ، ولذلك أعراه عن تظاهرهم بالاجتماع ودعاء المستطاع ، ولكونهم كاذبين في جزمهم نبسبته إلى التقول وغيره ، أشار إلى ذلك بقوله مقرعا لهم إلهابا إلى الخوض في المعارضة :( إِنْ كانُوا ) أي كونا هم راسخون فيه( صادِقِينَ ) أي في أنه تقوله من عند نفسه شيئا فشيئا ، كونا هم عريقون فيه كما يزعمون سواء ادعوا أنه شاعر أو كاهن أو مجنون أو غير ذلك ، لأن العادة تحيل أن يأتي واحد من قوم وهو مساو لهم بما لا يقدرون كلهم على مثله ، والعاقل لا يجزم بشيء إلا وهو عالم به ، ويلزم من علمهم بذلك قدرتهم على مثل ما يأتي به ، فإنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم مثلهم في الفصاحة والبلد والنسب ، وبعضهم يزيد عليه بالكتابة وقول الشعر ومخالطة العلماء ، ومزاولة الخطب والرسائل وغير ذلك ، فلا يقدر على ما يعجزون عنه إلا بتأييد إلهي ، وهو المراد من تكذيبهم ، وقد علم من هذا ومما تقدم من نحوه مفرقا في السور التي فيها مثله أن المتحدى به في كل سورة غير المتحدى به في الأخرى ـ والله الهادي ، وهذه الأقسام الماضية من تكذيبهم تتأتى أن تكون على تقدير الاعتقاد للإله على ما هو عليه من صفات الكمال فأتبعها قسما على تقدير التعطيل ، وإذا لم يكن إله لم يكن رسول فيأتي التكذيب ، ثم أتبع ذلك قسما آخر هو على تقدير إثبات الإله لكن مع الضعف بالشركة ، ولكون الشركة تارة تكون من المتكلم وتارة من غيره ، قدم منها ما للمتكلم على زعمه ، وقدم تقدير شركته بالخلق ثم بضبط الخزائن ثم بالكتابة ثم بسماع الأسرار ثم بضعف السعة بالرضا بالصنف الأردأ.

( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٣٨) )

٣٠٤

ولما مضت فضيحتهم بالتحدي ، وكانت عندهم فضيحة التناقض دون فضيحة المعارضة ، فكانوا يقدمونها عليها ، فلم يحدث أحد منهم يوما من الأيام بشيء مما يعارضه به علما منهم بأنهم يصيرون بذلك إلى خزي لا يمكن أن يغسل عاره كما صار مسيلمة ، لأنهم كانوا أعقل العرب وكان التقدير كما هدى إليه السياق : فإنك مستو معهم بالنسبة إلى إيجاد الله لكم ، هو سبحانه خالقهم كما أنه خالقك ، ولا خصوصية لك منه على زعمهم : أهو خالقهم كما هو خالقك فيلزمهم أن يأتوا بمثل ما تأتي به ، وكان ذلك على تقدير إقرارهم بالله وادعائهم لكذبهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، عادله سبحانه تبكيتا لهم وإظهارا لفضائح هي أشنع مما فروا منه من المعارضة بقوله على تقدير أن يكونوا منكرين للإله أو مدعين لأن يكونوا آلهة :( أَمْ خُلِقُوا ) أي وقع خلقهم على هذه الكيفية المتقنة( مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ ) فيكونوا مخالفين لصريح العقل إذ تعلق الخلق بالخالق من ضرورة الاسم كتعلقه بالمخلوق ليسلم لهم أنك تأتي بما لا يقدرون على معارضته لأنك أقوى منهم بكونك مستندا إلى خالق وهم ليسوا مستندين إلى شيء أو ليكونوا لذلك أقوى منك وأعلى ، فيكون لهم التكبر عليك( أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ ) أي الذين لهم هذا الوصف فيكونون قد خلقوا أنفسهم ليكونوا بذلك شركاء فيكون الخالق والمخلوق واحدا ، وهو مثل القسم الذي قبله في عدم الاستناد إلى شيء أو يكون ثبوت هذا الوصف لهم موجبا لأن يكونوا على ثقة مما يقولون وللتكبر عليك ، فإن ادعوا ذلك حكم أدنى الخلق بجنونهم ؛( أَمْ خَلَقُوا ) أي على وجه الشركة( السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ) فهم لذلك عالمون بما فيها على وجه الإحاطة واليقين حتى علموا أنك تقولته ليصير لهم رده والتهكم عليه.

ولما كان التقدير : لم يكن شيء من ذلك ليكون لهم شبهة في الكلام فيك ، عطف عليه قوله :( بَلْ لا يُوقِنُونَ ) أي ليس لهم نوع يقين ليسكنوا إلى شيء واحد لكونه الحق أو ليعلموا أن هذه الملازم الفاضحة تلزمهم فيكفوا عن أمثالها( أَمْ عِنْدَهُمْ ) أي خاصة دون غيرهم( خَزائِنُ ) ولما كان ذكر الرحمة لا يقتضيه مقصود السورة الذي هو العذاب ، لم تذكر كما في ص وسبحان فقيل :( رَبِّكَ ) المحسن إليك بإرسالك بهذا الحديث فيعلموا أن هذا الذي أثبت به ليس من قوله لأنه لا تصرف له في الخزائن إلا بهم ، فيصح قولهم : إنك تقولته وحينئذ يلزمهم فضائح لا آخر لها ، منها أن يأتوا بحديث مثله بل أحسن منه من تلك الخزائن( أَمْ هُمُ ) لا غيرهم المسيطرون أي الرقباء الحافظون والجبارون والمسلطون الرؤساء الحكماء الكتبة ، ليكونوا ضابطين للأشياء كلها كما هو شأن كتّاب السر عند الملوك فيعلموا أنك تقولت هذا الذكر لأنهم لم يكتبوا به إليك( أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ ) يصعدون به إلى السماء( يَسْتَمِعُونَ ) أي يتعمدون

٣٠٥

السمع لكل ما يكون فيها ومنها( فِيهِ ) أي في ذلك السلم وبسببه كما يكون بعض من يحضر مجالس الملوك في الدنيا ويعلم ما يقع فيها ليكونوا ضابطين لما يأتي من الملك فيعلموا أن ما قالوه فيك حق ولما كان من يكون هكذا متمكنا من الإتيان منها بالعجائب ، سبب عنه قوله :( فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ ) إن ادعوا ذلك( بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ) أي حجة قاهرة بينة في نفسها ، موضحة لأنها من السماء على صحة ما يرمونك به.

( أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩) أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ سُبْحانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٣) )

ولما كان ما مضى على تقدير وجود الإله مع الشركة ، وكان ادعاؤهم الولد عظيما جدا لدلالته على حاجته وضعفه ، وكان جعله بنات أعظم لأنه دال مع ضعفه على سفهه ، دل على استعظامه بالالتفات إلى خطابهم بعذابهم فقال :( أَمْ لَهُ الْبَناتُ ) أي كما ادعيتم( وَلَكُمُ ) أي خاصة( الْبَنُونَ ) لتكونوا أقوى منه فتكذبوا رسوله محمداصلى‌الله‌عليه‌وسلم وتردوا قوله من غير حجة فتكونوا آمنين من عذاب يأتيكم منه لضعفه وقوتكم ، وهذه الأقسام كلها على تقدير التكذيب ، وهي هنا بذكر ما على تقدير التصديق ، وإنما وقع الرد فيها لعارض عرض.

ولما كان المكذب بشيء قد يكون معترفا بأنه من عند إله ، وأن إلهه متصف بجميع صفات الكمال فلا شريك له ، وإنما تكذيبه لقادح لا يقدر عليه ، وكرب رمى بجميع أنكاده إليه ، أعرض عنهم التفاتا إلى الأسلوب الأول فقال مخاطبا لهصلى‌الله‌عليه‌وسلم تنويها بذكره ورفعا لعظيم قدره وتسلية لما يعلم من نفسه الشريفة البراءة منه :( أَمْ تَسْأَلُهُمْ ) أي أيها الطاهر الشيم البعيد عن مواضع التهم( أَجْراً ) على إبلاغ ما أتيتهم به( فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ ) ولو قل ، والمغرم : التزام ما لا يجب( مُثْقَلُونَ ) أي حمل عليهم حامل بذلك ثقلا فهم لذلك يكذبون من كان سببا في هذا الثقل بغير مستند ليستريحوا مما جره لهم من الثقل.

ولما كان من يدعي الانفراد بشيء يحسد من يدعي مشاركته فيه قال :( أَمْ عِنْدَهُمُ ) أي خاصة بهم( الْغَيْبُ ) أي علمه( فَهُمْ يَكْتُبُونَ ) أي يجددون للناس كتابة جميع ما غابة عنهم مما ينفعهم ويضرهم حتى يحسدونك فيما شاركتهم به منه ، فيردوه لذلك ، وينسبوك إلى ما نسبوك إليه مما يعلم كل أحد ترافعك عنه وبعدك منه( أَمْ يُرِيدُونَ ) بهذا القول الذي يرمونك به( كَيْداً ) أي مكرا أو ضررا عظيما يطفئون به نور

٣٠٦

الله بزعمهم مع علمهم بأنك صادق فيه ، فهم بسبب إرادتهم ذلك هكذا كان الأصل ، ولكنه قال تعميما وتعليقا للحكم بالوصف :( فَالَّذِينَ كَفَرُوا ) أي ستروا الأدلة تارة عنادا وتارة بالإعراض عن تأملها( هُمُ ) أي خاصة( الْمَكِيدُونَ ) أي يختص وبال الكيد بلزومه لهم وقطعه لدابرهم لأن من كان الإله عليه كان خاسرا ، وأقرب مآلهم من الكيد الظاهر في بدر عن انتهاء سنين عدتها عدة ما هنا من «أم» وهي خمسة عشر مرة لأن بدرا كانت في الثانية من الهجرة ، وهي الخامسة عشرة من النبوة ، فقد سبب الله فيها من الأسباب ما أوجب سعيهم إلى هلاكهم بأمور خارقة للعادة ، فلو كانت لهم بصائر لكفتهم في الهداية ، والرد عن الضلالة والغواية.

ولما كان التقدير : أكذلك الأمر عادله بقوله :( أَمْ لَهُمْ إِلهٌ ) يمنعهم من التصديق بكتابنا ، أو يستندون إليه للأمان من عذابنا( غَيْرُ اللهِ ) الذي أحاط بجميع صفات الكمال ، فلا يمكن بوجه من الوجوه ولا على تقدير من التقادير أن يكون معه إله ، ولذلك وصل به قوله :( سُبْحانَ اللهِ ) أي الملك الأعظم الذي تعالى أن يداني جنابه شائبة نقص( عَمَّا يُشْرِكُونَ ) من الأصنام وغيرها ، وأخر سبحانه هذا القسم وهو من الشركة لكن بالغير لأنه آت على تقدير التصديق للرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم ولأنه دينهم الذي أوقفهم عن الهدى ، فأوقعهم في الردى ، ليحتم بنفسه والتنزيه عن الإقسام فيحصل به غاية القصد والمرام. والحاصل أنه قسم به سبحانه حالهم في ردهم القرآن إلى التكذيب وغيره ، ولما كان التكذيب ـ وهو النسبة إلى الكذب وهو عدم المطابقة للواقع ـ إما في الإرسال ، وإما في المعاني ، وما وقع به الإرسال إما لنقص في الرسول وإما النقص في المرسل ، والذي في الرسول إما أن يكون لأمر خارج عنه أو لأمر داخل فيه ، ولما كان الخارج قد يكون معه نقص دخل بذاته ، ولما كان ذلك قد يكون فيه ما يمدح به ولو من وجه ، وهو الكهانة بدأ بها ، وأتبعه الداخل لذلك بادئا بما قد يمدح به وهو الشعر. ولما كان القول بجمع الكهانة والشعر والجنون في شخص واحد على غاية من ظهور التناقض لا يخفى ، أتبعها الرمي بالتهكم على عقولهم. ولما كان الكذب في الرمي بالتقول قد يخفى ، أتبعه دليله بالعجز عن المعارضة. ولما قسم ما رموا به الرسول ، أتبعهم ما ألزمهم به في المرسل ، ولما كان ذلك إما أن يكون بالتعطيل أو لا ، وكان التعطيل أشد ، بدأ به وهو الخلق من غير شيء ، ولما كان النقص مع الإقرار بالوجود إما أن يكون بالشركة أولا ، وكان ما بالشركة إما أن يكون المكذب هو المشارك أولا ، وكانت شركة المكذب أقعد في التكذيب بدأبها ، ولما كانت شركة المكذب إما أن تكون في الخلق أو لا ، وكان الأول إما أن يكون بخلق النفس أو الغير ، وكانت الشركة بخلق النفس ألصق ،

٣٠٧

بدأ بها في قوله :( أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ ) ولما كانت الشركة بغير الخلق إما أن يكون بضبط الحواس أو لا ، وكان الثاني إما أن يكون بضبط الكتابة فيها وإليه الإشارة بالمسيطر ، أو بضبط ما يؤمر به فيها وإليه الإشارة بالسلم أو بسفه صاحب الخزائن لرضاه بالبنات ، وكان كل قسم أشد مما بعده رتبه هكذا. ولما انتهى ما يرجع إلى التكذيب ، أتبعه الرد لا للتكذيب بل لأمر آخر. ولما كان ذلك الأمر إما من الآتي أو من المأتي إليه أو من غيرهما ، كان ما من الآتي ألصق بدأ به وهو المغرم ، ولما كان ما من المأتي إليه إما لحسد أو غيره ، وكان أمر الحسد أشد ، بدأ به وهو المشاركة في الأبناء بما يكون به الفخر والرئاسة وهو علم الغيب ـ الناظر بوجه للكهانة المبدوء بها في قسم التكذيب ، وآخر ما من الغير وهو الشريك المانع لهم من القبول ، وخلطه بهذا القسم مع كونه قسيما لما فرض فيه المكذب مشاركا لخلوه عما قارن تلك الأقسام من التكذيب ، هذا تمام القول في إبطال ما لزمهم فيما تقولوه في أمر القرآن ، وقد تضمن ما ترى من تأصيله وتقسيمه وتفصيله من بيان مقدورات الله وعجائب مصنوعاته ما ألزمهم حتما التوحيد الملزم بتصديق الرسالة والإذعان للحق مع ما له من الإعجاز في ترتيبه ونظمه وتهذيبه وتسهيله وتقريبه مجلوا أسلوبه العظيم بألفاظ هي الدر النظيم ، ومعان علت عن لاحق بغريزة أو تعليم ، يكاد لها أثبت القلوب يهيم فيطير ، وأبلغ البلغاء في افنان روحها يتدله ويحير ، فكان ذلك كما قال جبير بن مطعم رضي الله عنه كما روى البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه رضي الله عنهم أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قرأ في المغرب بالطور ، وقال البخاري في التفسير : فلما بلغ هذه الآية( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ ) المسيطرون كاد قلبي يطير ، وقال ابن ماجه : فلما سمعته يقرأ أم من غير شيء أم هم الخالقون ـ إلى قوله :( فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ) كاد قلبي يطير(١) . وسبق في أول السورة ما ذكره البغوي من هذا الحديث.

( وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ (٤٤) فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥) يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٦) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤٧) وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ (٤٩) )

__________________

(١) تقدم في أول هذه السورة.

٣٠٨

ولما كان التقدير تسكينا لقلب من يريد إجابتهم إلى الآيات المقترحات طمعا في إيمانهم : فلقد تلونا عليهم في هذه السورة وغيرها من الآيات ، وخلونا من المعجزات البينات ، وأتينا من تناقضهم في هذه التقسيمات ، بما يهد الجبال الشامخات ، وبينا من فضائحهم بحسن سوقها وحلاوة ذوقها ، وصحة معانيها وإحكام مبانيها ، ما يزلزل الراسيات ، ويحل العزمات ، ويفرج الأزمات ، ويصد ذوي المروات عن أمثال هذه النقائص الفاضحات ، بما لها من الأدلة الواضحات ، ولكنهم لما ألزمناهم به من العكس لا يؤمنون ، وكدناهم بما أعمينا من بصائرهم فهم لا يعلمون أنهم المكيدون ، عطف عليه قوله :( وَإِنْ يَرَوْا ) أي معاينة( كِسْفاً ) قطعة ، وقيل : قطعا واحدتها كسفة مثل سدرة وسدر( مِنَ السَّماءِ ) نهارا جهارا( ساقِطاً يَقُولُوا ) لددا وتجلدا في البغي إصرارا ، وتعلقهم بما أمكنهم من الشبه تخييلا على العقول وإيقافا لذوي الآراء والفهوم دأب الأصيل في نصر الباطل ومكابرة الحق لما لهم من العراقة في عمى القلوب بما لنا من القدرة على صرفهم عن وجوه الأمر : هذا( سَحابٌ ) فإن قيل لهم : هو مخالف للسحاب بصلابته ، قالوا :( مَرْكُومٌ ) أي تراكم بعضه على بعض فتصلب ، ولذلك سبب عن هذا الحال الدال على أنهم وصلوا في عمى البصائر إلى أنه لو جاءتهم كل آية لا يؤمنون ، قوله لنبيهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ومن تبعه :( فَذَرْهُمْ ) أي اتركهم على شر أحوالهم( حَتَّى يُلاقُوا ) سعيا بسوء أعمالهم( يَوْمَهُمُ ) كما أنه هو يسعى إليهم لاستحقاقهم لما فيه( الَّذِي فِيهِ ) لا في غيره لأن ما حكمنا به لا يتقدم ولا يتأخر( يُصْعَقُونَ ) بالموت من شدة الأهوال وعظيم الزلزال كما صعق بنو إسرائيل في الطور ، ولكنا لانقيمهم كما أقمنا أولئك إلا عند النفخ في الصور لنحشرهم إلى الحساب الذي يكذبون به ، والظاهر أن هذا اليوم يوم بدر فإنهم كانوا قاطعين بالنصرة فيه فما أغنى أحد منهم عن أحد شيئا كما قال أبو سفيان بن الحارث : ما هو إلا أن لقيناهم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاؤوا ويأسروننا كيف شاؤوا.( يَوْمَ لا يُغْنِي ) أي بوجه من الوجوه( عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ ) الذي يرومونه بهذه الأقوال المتناقضة( شَيْئاً ) أي من الإغناء في دفع شيء يكرهونه من الموت ولا غيره كما يظنون أنه يغني عنهم في غير ذلك من أحوال هذه الدار بتثبيط الناس عن اتباع القرآن بما يصفونه به من البهتان( وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ) أي لا يتجدد لهم نصر من أحد ما في ساعة ما.

ولما أفهم هذا الكلام السابق أن التقدير : فإن لكل ظالم في ذلك اليوم عذابا لا يحيط به الوصف ، فإن الإصعاق من أشد ما يكون من العذاب ، عطف عليه قوله مؤكدا لما لهم من الإنكار أن ينصر عليهم المؤمنون وهم من الكثرة والقوة بحيث لا مطمع

٣٠٩

فيهم لأحد لا سيما لمن هم مثل في الضعف والقلة( وَإِنَ ) وكان الأصل لهم ، ولكنه أظهر تعميما وتعليقا للحكم بالوصف فقال :( لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ) أي أوقعوا الأشياء في غير مواقعها كما يقولونه في القرآن ، ويفعلونه من العصيان ويعتقدون من الشرك والبهتان( عَذاباً دُونَ ذلِكَ ) أي غير عذاب ذلك اليوم الصعب المرير ، أو أدنى رتبة منه ، إن كان المراد بالصعق ما يكون بعد البعث فبعذاب البزرخ في القبور ، وإن كان المراد به الموت فيما يلقونه في الدنيا من عذابي بواسطتكم مثل تحيزكم إلى الأنصار في دار الهجرة ومعدن النصرة وصيرورتكم في القوة بحيث تناصبونهم الحرب ، وتعاطونهم الطعن والضرب ، فتكونوا بعد أن كنتم طوع أيديهم قذى في أعينهم وشجا في حلوقهم ودحضا لأقدامهم ونقضا لإبرامهم ، ومثل القحط الذي حصل لهم والسرايا التي لقيتموها فيها مثل سرية حمزة أسد الله وأسد رسوله ، وعبيدة بن الحارث وعبيد الله بن جحش التي كانت مقدمة لغزوة بدر.

ولما كان بعضهم يبصر هذا مثل عتبة بن ربيعة والوليد بن مغيرة والنضر بن الحارث ويقولون : والله ما هو شاعر ولا كاهن ولا ساحر ولا مجنون ، وليكونن لقوله الذي يقول نبأ ، قال :( وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ ) بسبب ما يرون من كثرتهم وحسن حالهم في الدنيا وقوتهم( لا يَعْلَمُونَ ) أي يتجدد لهم علم بتقويتكم عليهم لأنهم لا علم لهم أصلا حتى يروا ذلك معاينة.

ولما كان العلم المحيط من الملك القاهر أعظم مسل للولي وأكبر مخيف للعدو ، قال عاطفا على( فَذَرْهُمْ ) أو على ما تقديره : فكن أنت من العلماء بذلك ليكون فيه لك أعظم تسلية :( وَاصْبِرْ ) أي أوجد هذه الحقيقة لتصبر على ما أنت فيه من أداء الرسالة وما لها من الكلف من أذى الناس وغيره ولكونه في مقام الإعراض عن الكفار وكون إعراضه عنهم أصعب عليه من مقاساة إنذاره وإن نشأ عنها تكذيبهم واستهزاؤهم ، اشتدت العناية هنا بالصبر فقدم ، وأيضا فإن الإعراض عنهم مقتض لعدهم فانين ، وذلك هو مقام الجمع ، والجمع لا يصلح إلا بالفرق ، فلذلك قدم الأمر بالصبر ، وذكر الحكم إشارة إلى أنه متمكن في مقام الفرق كما أنه عريق في مقام الجمع بخلاف المدثر ، فإن سياقها للإنذار الناشىء عنه غاية الأذى فاشتدت العناية هناك بتقديم ذكر الإله نظرا إلى الفناء عن الفانين وإن كان مباشرا لدعائهم ، وعبر بما يذكر بحسن التربية زيادة في التعزية فاقتضى هذا السياق أن رغبه سبحانه بقوله :( لِحُكْمِ رَبِّكَ ) أي المحسن إليك فإنه هو المريد لذلك ولو لم يرده لم يكن شيء منه ، فهو إحسان منه إليك وتدريب لك وترقية في معارج الحكم ، وسبب عن ذلك قوله لما يغلب على الطبع البشري في بعض أوقات

٣١٠

الامتحان من نوع نسيان :( فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا ) جمع لما اقتضته نون العظمة التي هذا سياقها ، وهي ظاهرة في الجمع وإشارة إلى أنه محفوف بالجنود الذين رؤيتهم من رؤيته سبحانه فهو مكلوء مرعى به وبجنوده وفاعل في حفظه فعل من له أعين محيطة بمحفوظه من كل جهة من جهاته.

ولما كانت الطاعة أعظم ناصر وأكبر معز ، وكانت الصلاة أعظمها قال :( وَسَبِّحْ ) أي أوقع التنزيه عن شائبة كل نقص بالقلب واللسان والأركان ، متلبسا( بِحَمْدِ رَبِّكَ ) أي المحسن إليك ، فأثبت له كل كمال مع تنزيهه له عن كل نقص ، فلا يكون في ملكه ما لا يريد ولا يريد إلا ما هو حكمة بالغة( حِينَ تَقُومُ ) أي من الليل في جميع الأوقات التي هي مظنة القيام على الأمور الدنيوية والأشغال النفسانية ، وهي أوقات النهار الذي هو للانتشار بصلاة الصبح والظهر والعصر ، وتحتمل العبارة التسبيح عند كل قيام بكفارة المجلس وهو «سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله أنت أستغفرك وأتوب إليك»(١) فإنها تكفر ما كان في المجلس ـ كما رواه أبو داود والترمذي وقال : حسن صحيح غريب والنسائي وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ( وَمِنَ اللَّيْلِ ) الذي هو محل السكون والراحة( فَسَبِّحْهُ ) كذلك بالنية والقول كلما انتبهت وبالفعل بصلاة المغرب والعشاء وصلاة الليل ، ولتعظيمه صرح بذلك وقدمه على الفعل ، والضمير يعود على المضاف إليه ، وأشار إلى التهجد بعد دخوله فيما قبله بقوله :( وَإِدْبارَ النُّجُومِ ) أي وسبحه في وقت إدبارها أي إذا أدبرت ، وذلك من آخر الليل في نصفه الثاني ، وكلما قارب الفجر كان أعلى وبالإجابة أولى ، وإلى قرب الفجر تشير قراءة الفتح جمع دابر أي في أعقابها عند خفائها أو أفولها ، وذلك بصلاة الفجر سنة وفرضا أحق وأولى لأنه وقت إدبارها حقيقة ، فصارت عبادة الصبح محثوثا عليها مرتين تشريفا لها وتعظيما لقدرها فإن ذلك ينجي من العذاب الواقع ، وينصر على العدو الدارع ، من المجاهر المدافع ، والمنافق المخادع ، وقد رجع آخرها على أولها ، ومقطعها على موصلها ، بحلول العذاب على الظالم ، وبعده عن الطائع السالم ـ والله الموفق.

__________________

(١) أخرجه أبو داود ٤٨٥٨ والترمذي ٣٤٣٣ والحاكم ١ / ٥٣٦ من حديث أبي هريرة ، صححه الحاكم ، ووافقه الذهبي ، وقال الترمذي : حسن صحيح غريب ا ه.

ـ وله شاهد من حديث جبير بن مطعم ، أخرجه الطبراني ١٥٨٦ والحاكم ١ / ٥٣٧.

ـ ومن حديث أبي برزة الأسلمي عند أبي داود ٤٨٥٩ والدارمي ٢ / ٢٨٣ والحاكم ١ / ٥٣٧.

٣١١

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة النجم

مكية ـ آياتها اثنان وستون

مقصودها ذم الهوى لإنتاجه الضلال والعمى بالإخلاد إلى الدنيا التي هي دار الكدور والبلاء ، والتصرم والفناء ، ومدح العلم لإثماره الهدى في الإقبال على الأخرى لأنها دار البقاء في السعادة أو الشقاء ، والحث على اتباع النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم في نذارته التي بينتها سورة ق وصدقتها الذاريات وأوقعتها وعينتها الطور كما تتبع في بشارته لأن علمه هو العلم لأنه لا ينطق عن الهوى لا في صريح الكناية ولا في بيانه له لأن الكل عن الله الذي له صفات الكمال فلا بد من بعث الخلق إليه وحشرهم لديه لتظهر حكمته غاية الظهور فيرفع أهل التزكي والظهور ، ويضع أهل الفجور ، ويفضح كل متحل بالزور ، متجل للشرور ، وعلى ذلك دل اسمها النجم عن تأمل القسم والجواب وما نظم به من نجوم الكتاب( بِسْمِ اللهِ ) الذي أحاط بصفات الكمال فلا يكون رسوله إلا من ذي الكمال( الرَّحْمنِ ) الذي عم الموجودات بصفة الجمال( الرَّحِيمِ ) الذي خص أهل وده بالإنقاذ من الضلال والهداية إلى ما يرضي من الخلال وصالح الأعمال.

( وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (٧) )

ولما ختمت الطور بأمرهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بالتسبيح والتحميد ، وكان أمره تكوينا لا تكليفا ، فكان فاعلا لا محالة ، وذاك بعد تقسيمهم القول في النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بأنه كاهن وساحر ومجنون ، وكان لذلك تعلق بالشياطين ، وكانت الشياطين مباينة للقرآن بختلها وبمنعها بالرجوم من النجوم كما بين آخر الشعراء ، افتتحت هذه بالحث على الاهتداء بهديه والاستدلال بدله واتباع أثره ، ولما كان من ذلك تسبيحه بالحمد في إدبار النجوم أقسم أول هذه بالنجم على وجه أعم مما في آخر تلك فعبر بعبارة تفهم عروجه وصعوده لأنه لا يغيب في الأفق الغربي واحد من السيارة إلا وطلع من الأفق الشرقي في نظير له منها لما يكون عند ذلك من تلك العبارة العالية ، والأذكار الزاكية ، مع ما فيه من عجيب

٣١٢

الصنع الدال على وحدانية مبدعه من زينة السماء التي فيها ما توعدون والحراسة من المردة حفظا لنجوم الكتاب والاهتداء به في الدين والدنيا ، وغير ذلك من الحكم التي يعرفها الحكماء ، فقال تعالى :( وَالنَّجْمِ ) أي هذا الجنس من نجوم السماء أو القرآن لنزوله منجما مفرقا وهم يسمون التفريق تنجيما ـ أو النبات ، قال البغوي : سمي النجم نجما لطلوعه وكل طالع نجم.( إِذا هَوى ) أي نزل للأفول أو لرجم الشياطين عند الاستراق كما رواه عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما إن كان المراد السمائي ، فكانت عنده العبادة والاستغفار والدعاء للملك الجبار بالأسحار ، أو صعد فكان به اهتداء المصلي والقارىء والساري ، فإنه يقال : هوى هويا ـ بالفتح إذا سقط ، وبالضم ـ إذا علا وصعد ، أو نزل به الملك للإصعاد وللإبعاد إن كان المراد القرآني لما يحصل من البركات في الدين والدنيا والشرح للصدور ، والاطلاع على عجائب المقدور ، أو إذا سقط منبسطا على الأرض أو ارتفع عنها إن كان المراد النبات ، لما فيه من غريب الصنعة وجليل التقدير الدال على عام القدرة وكمال العلم والتوحد بالملك والغنى المطلق.

ولما أقسم بهذا القسم الجليل ، أجابه بقوله معبرا بالماضي نفيا لما كانوا رموه به وليسهل ما قبل النبوة فيكون ما بعدها بطريق الأولى :( ما ضَلَ ) أي عدل عن سواء المحجة الموصلة إلى غاية المقصود أي أنه ما عمل عمل الضالين يوما من الأيام فمتى تقول القرآن عنده ولا علم فيه عمل المجانين ولا غيرهم ما رموه به وأما( وَجَدَكَ ضَالًّا ) [الضحى : ٧] فالمراد غير عالم ، وعبر بالصحبة مع كونها أدل على القصد مرغبة لهم فيها ومقبلة بهم إليه ومقبحة عليهم اتهامه في إنذاره وهم يعرفون طيب أعرافه وطهارة شمائله وأخلاقه فقال :( صاحِبُكُمْ ) أي في إنذاره لكم في القيامة فلا وجه لكم في اتهامه.

ولما كان الهدى قد يصحبه ميل لا يقرب الموصول إلى القصد وإن حصل به نوع خلل في القرب أو نحوه فقد يكون القصد مع غير صالح قال :( وَما غَوى ) وما مال أدنى ميل ولا كان مقصوده مما يسوء فإنه محروس من أسبابه التي هي غواية الشياطين وغيرها ، وقد دفع سبحانه عن نبيناصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأما بقية الأنبياء فدفعوا عن أنفسهم( لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ ) [الأعراف : ٦١]( لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ ) [الأعراف : ٦٧] ، ونحو ذلك ـ قاله القشيري.

ولما كان قد يكون مع الهوى مصادفة قال :( وَما يَنْطِقُ ) أي يجاوز نطقه فمه في وقت من الأوقات لا في الحال ولا في الاستقبال ، نطقا ناشئا( عَنِ الْهَوى ) أي من أمره

٣١٣

كالكهان الذين يغلب كذبهم صدقهم والشعراء وغيرهم ، وما تقول هذا القرآن من عند نفسه. ولما أكد سبحانه في نفسه ذلك عند التأكيد تنزيها له عما نسب إليه ، فكان ذلك مظنة السؤال عن أصل ما تقوله ، أجاب بالحصر والآية أصرح وأدفع لإنكارهم البالغ فقال :( إِنْ ) أي ما( هُوَ ) أي الذي يتكلم به من القرآن وبيانه ، وكل أقواله وأفعاله وأحواله بيانه( إِلَّا وَحْيٌ ) أي من الله تعالى ، وأكده بقوله :( يُوحى ) أي يجدد إليه إيحاؤه منا وقتا بعد وقت ، ويجوز أن يجتهدصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فإذا استقر اجتهاده على شيء أوحي مع أن من يرد ما يجتهد فيه إلى ما أوحي إليه بريء من الهوي.

وقال أبو جعفر ابن الزبير في برهانه : لما قطع سبحانه تعليقهم بقولهم : ساحر وشاعر ومجنون ـ إلى ما هو به مما علموا أنه لا يقوم على ساق ، ولكن شأن المنقطع المبهوت أن يستريح إلى ما أمكنه وإن لم يغن عنه ، أعقب الله سبحانه بقسمة على تنزيه نبيه وصفيه من خلقه عما تقوله وتوهمه الضعفاء فقال تعالى :( وَالنَّجْمِ إِذا هَوى ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى ) ثم أتبع سبحانه هذا القسم ببسط الحال في تقريبهعليه‌السلام وإدنائه وتلقيه لما يتلقاه من ربه وعظيم منزلته لديه ، وفي إبداء ذلك يحركهمعزوجل ويذكرهم ويوبخهم على سوء نكاياتهم بلطف واستدعاء كريم منعم فقال تعالى :( أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ) والتحمت الآي على هذه الأغراض إلى الإعلام بانفراده سبحانه بالإيجاد والقهر والإعزاز والانتقام ، لا يشاركه في شيء من ذلك غيره فقال :( وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى. ) ولما بين ذلك فقال :( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى ) أي في أيّ نعمة تشكون أم بأي آية تكذبون؟ ثم قال :( هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى ) وإذا كان عليه الصلاة والسّلام فشأن مكذبيه شأن مكذبي غيره ـ انتهى.

ولما كان الوحي ظاهرا فيما بواسطة الملك ، تشوف السامع إلى بيان ذلك فقال مبينا له بأوصافه لأن ذلك أضخم في حقه وأعلى لمقداره :( عَلَّمَهُ ) أي صاحبكم الوحي الذي أتاكم به( شَدِيدُ الْقُوى ) أفلا تعجبون من هذه البحار الزاخرة التي فأقكم بها وهو أمي فإن معلمه بهذه الصفة التي هو بها بحيث ينفذ كل ما أمره الله به( ذُو مِرَّةٍ ) أي جزم في قوة وقدرة عظيمة على الذهاب فيما أمر به والطاقة لحمله في غير آية النشاط والحدة كأنه ذو مزاج غلبت عليه الحدة فهو صعب المراس ماض في مراوته على طريقة واحدة على غاية من الشدة لا توصف لا التفات له بوجه إلى غير ما أمر به ، فهو على غاية الخلوص فهو مجتمع القوى مستحكم الشأن شديد الشكيمة ، لا بيان في شيء بزواله ومن جملة ما أعطى من القوة والقدرة على التشكل ، وإلى ذلك كله أشار بما

٣١٤

سبب عن هذا من قوله :( فَاسْتَوى ) فاستقام واعتدل بغاية ما يكون من قوته على أكمل حالاته في الصورة التي فطر عليها( وَهُوَ ) أي والحال أن جبرائيلعليه‌السلام ، وجوزوا أن يكون الضمير المنفصل للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أي استوى جبرائيلعليهما‌السلام معه( بِالْأُفُقِ الْأَعْلى ) أي الناحية التي هي النهاية في العلو والفضل من السماوات مناسبة لحالة هذا الاستواء ، وذلك حين رآه النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم جالسا على كرسي بين السماء والأرض قد سد الأفق.

( ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (٨) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (٩) فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (١٠) )

ولما كان الدنو من الحضرة الإلهية ـ التي هي مهيئة لتلقي الوحي ـ من العلو والعظمة بحيث لا يوصف ، أشار إلى ذلك بأداة التراخي فقال :( ثُمَ ) أي بعد ذلك الاستواء العظيم( دَنا ) أي جبرائيلعليه‌السلام من الجناب الأقدس دنو زيادة في كرامة لا دنو مسافة ، وكل قرب يكون منه سبحانه فهو مع أنه منزه عن المسافة يكون على وجهين : قرب إلى كل موجود من نفسه ، وقرب ولاية حتى يكون سمع الموجود وبصره بمعنى أنه لا يسمع ولا يبصر إلا ما يرضاه ـ أشار إليه ابن برجان ، فأخذ الوحي الذي أذن له في أخذه في ذلك الوقت( فَتَدَلَّى ) عقب ذلك من الله رسولا إلى صاحبكم أي أنزل إليه نزولا هو فيه كالمتدلي إليه بحبل فوصل إليه ولم ينفصل عن محله من الأفق الأعلى لما له من القوة والاستحكام ، قال البيضاوي : فإن التدلي هو استرسال مع تعلق كتدلي الثمرة( فَكانَ ) في القرب من صاحبكم في رأي من يراه منكم( قابَ ) أي على مسافة قدر( قَوْسَيْنِ ) من قسيكم ، قال الرازي في اللوامع : أي بحيث الوتر في القوس مرتين ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : القوس الذراع بلغة أزدشنوءة ، وقال ابن برجان : قاب القوسين : ما بين السيين ، وقيل : ما بين القبضة والوتر( أَوْ أَدْنى ) بمعنى أن الناظر منكم لو رآه لتردد وقال ذلك لشدة ما يرى له من القرب منهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، روى مسلم في الإيمان من صحيحه عن الشيباني قال : «سألت زر بن حبيش عن قوله تعالى( فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ ) فقال : أخبرني ابن مسعود رضي الله عنه أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم رأى جبرائيلعليه‌السلام له ستمائة جناح»(١) ( فَأَوْحى ) أي ألقى سرا من كلام الله بسبب هذا القرب ، وعقبه بقوله :( إِلى عَبْدِهِ ) أي عبد الله ، وإضماره من غير تقدم ذكره صريحا لما هو معلوم مما تقدم في آخر الشورى أن كلام الله يكون وحيا بواسطة رسول يوحي

__________________

(١) أخرجه البخاري ٤٨٥٦ ومسلم ١٧٤ عن ابن مسعود موقوفا عليه ، وله حكم الرفع ، فمثله لا يقال بالرأي.

٣١٥

بإذنه سبحانه ، والمقام يناسب الإضمار لأن الكلام هو الوحي الخفي ، وعبر بالبعد إشارة إلى أنه لم يكن أحد ليستحق هذا الأمر العظيم غيره لأنه لم يتعبد قط لأحد غير الله ، وكل من عاداه حصل منهم تعبد لغيره في الجملة ، فكان أحق الخلق بهذا الوصف مع أنه كان يتعبد لله في غار حراء وغيره ، وهذه النزلة ـ والله أعلم ـ كانت على هذا التقدير في أول الوحي لما كان بحراء وفرق منهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فرجع ترجف بوادره ، وقال : زملوني زملوني. وأشار إلى عظمة ما أنزل بقوله :( ما أَوْحى ) أي إنه يجل عن الوصف فأجمل له ما فصل له بعد ذلك ، هذا الذي ذكر من تفسير لضمائر مظاهر العبارة وإن كان الإضمار في جميع الأفعال لا يخلو عن التباس وإشكال ، ويمكن لأجل احتمال الضمائر لما يناسبها من الظواهر أن يكون ضمير( دَنا ) وما بعده لله تعالى ، وحينئذ يصير في( عَبْدِهِ ) واضحا كما تقدم في هذا الوجه جعله له سبحانه لأنه لا يجوز لغيره ، روى البخاري في التوحيد في باب( وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً ) عن أنس رضي الله عنه في قصة الإسراء برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من مسجد الكعبة «أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام فقال أولهم» : أيهم هو؟ فقال أوسطهم : هو خيرهم ، فقال آخرهم : خذوا خيرهم ، وكانت تلك الليلة ، فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه وتنام عينه ولا ينام قلبه ، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم ، فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم ، فتولاه منهم جبرئيلعليه‌السلام فشق جبرئيل ما بين نحره إلى لبته حتى فرغ من صدره وجوفه فغسله من ماء زمزم بيده حتى أنقى جوفه ثم أتى بطست من ذهب فيه نور من ذهب محشوا إيمانا وحكمة فحشا به صدره ولغاديده ـ يعني عروق حلقه ، ثم أطبقه ثم عرج به إلى السماء الدنيا ، فضرب بابا من أبوابها فناداه أهل السماء : من هذا؟ فقال : جبرئيل ، قالوا : ومن معك ، قال : معي محمد ، قالوا : وبعث إليه ، قال : نعم ، قالوا : فمرحبا به وأهلا ـ ثم ذكر عروجه إلى السماوات السبع ، وأنه لما وصل إلى السماء السابعة علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله حتى جاء سدرة المنتهى ، ودنا الجبار رب العزة فتدلى منه فكان قاب قوسين أو أدنى ، فأوحى إليه فيما يوحي الله إليه خمسين صلاة ـ فذكر مشورة موسىعليهما‌السلام في سؤال التخفيف حتى صارت خمسا كل واحدة بعشرة ، ودنا الجبار رب العزة في هذا الوجه وهو رب العزة»(١) وهو في غاية الحسن إذا جمعته مع ما يأتي في هذا الوجه المنقول عن جعفر الصادق رضي الله عنه فيكون المعنى أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لما استوى بالأفق الأعلى فوصل إلى حد لا يمكن المخلوق الصعود عنه تنزل له الخالق سبحانه ، ولذلك عبر عنه ب( ثُمَ ) يعني أنه

__________________

(١) أخرجه البخاري ٧٥١٧ من حديث أنس ، والمصنف ساقه بالمعنى.

٣١٦

سبحانه تنزل له تنزلا لا يمكن الاطلاع على كنه رتبته في العلو والعظمة ، ثم نزل ثم تنزل.

ولما كانت العبارة ربما أوهمت شيأ لا يليق به نفاهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بما في الرواية من تخصيص التعبير باسم الجبار فعلم أنه قربه تقريبا يليق به ، وسمى ذلك دنوا فكان الدنو والتدلي تمثيلا لما وصل منه سبحانه إلى عبده محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم بغاية السهولة واليسر واللطافة مع اتصاله بالحضرات القدسية ، والتعبير بالتدلي لإفهام العلو مثل ما كني بالنزول كل ليلة إلى سماء الدنيا عن إجابة الدعاء بفتح أبواب السماء كما رويناه في جزء العيشي من حديث عثمان بن أبي العاص(١) رضي الله عنه تمثيلا بما نعرفه من حال الملوك في أن أحدهم يكون نزوله عن سريره أدنى في إتيان خواصه إليه ، وفتح بابه أدنى لمن يليهم ، وكلما نزل درجه كان الإذن أعم إلى أن يصل إلى الإذن العام لجميع الناس ، هذا علم المخاطبين بأن ذلك على سبيل التمثيل بمن يحتاج إلى هذه الدرجات ، وأما من هو غني عن كل شيء فله سبحانه المثل الأعلى ولا يشبه شيئا ، ولا يشبهه شيء ، وفي( قُرْآنَ الْفَجْرِ ) من سورة سبحان لهذا مزيد بيان ، وقال القاضي عياض في الشفاء ما حاصله أن تلك الضمائر للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : قال جعفر بن محمد ـ يعني الصادق بن الباقر : أدناه ربه حتى كان منه كقاب قوسين ، وقال أيضا : انقطعت الكيفية عن الدنو ، ألا ترى كيف حجب جبريلعليه‌السلام عن دنوه ودنا محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى ما أودع قلبه من المعرفة والإيمان فتدلى بسكون قلبه إلى ما أدناه وزال عن قلبه الشك والارتياب ، وقال جعفر أيضا : والدنو من الله تعالى لا حد له ، ومن العباد بالحدود ـ انتهى. وحينئذ يكون ضمير «استوى» لهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ويكون المعنى : فتسبب عن تعليم جبريل له استواوه ـ أي اعتدال علمه ـ إلى غاية لم يصلها غيره من الخلق علما وكسبا بالملك والملكوت والحال أنه بالأفق الأعلى ليلة الإسراء ، وتدليه كناية عن وصوله بسبب عظيم حامل السبب للمتدلي ، وعبر به وهو ظاهر في النزول من علو مع عدم الانفصال منه لئلا يوهم اختصاص جهة العلو به سبحانه دون بقية الجهات ، ومنه «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد »(٢) وكذا قيل في الإشارة ب «لا تفضلوني على يونس بن متى »(٣) ومن المحاسن جدا أن تكون ألف (تدلى) المقلبة عن ياء في هذا الوجه بدلا من لام فيكون من التدلل وهو الانبساط

__________________

(١) تقدم الكلام على هذه الأحاديث.

(٢) أخرجه مسلم ٤٨٢ وأبو داود ٨٧٥ والنسائي ٢ / ٢٢٦ وابن حبان ١٩٢٨ والبيهقي ٢ / ١١٠ وأحمد ٢ / ٤٢١ من حديث أبي هريرة.

(٣) أخرجه البخاري ٢٤١٢ و ٤٦٠٣ و ٤٨٠٤ من حديث عبد الله بن مسعود.

٣١٧

وثوقا بالمحبة ، يقال : تدلل عليه ، أي انبسط ووثق بمحبته فأفرط عليه ، وانبساطهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في تلك الحالة إفراط كثرة سؤاله ، وشفاعته في أمته ، وبذلك ظهر إلى عالم الشهادة أنه أرحم الخلق كما كان معلوما إلى عالم الغيب ، فتسبب عنه زيادة تقريبه حتى كان قاب قوسين أو أدنى ، وإبراز هذا الكلام في هذه الضمائر المتحملة لهذه الوجوه من غير ظاهر يعين المراد يناسب لتلك الحالة ، فإنها كانت حالة غيب وخفاء وستر ، وكان العلم فيها واسعا ، وسوق الضمائر هكذا يكثر احتمال الكلام للوجوه ، فيتسع العلم مع أنه ليس فيها وجه يؤدي إلى لبس في الدين ولا ركاكة في معنى ولا نظم ولا مجال للعلم ـ والله أعلم.

( ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (١١) أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (١٤) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى (١٦) ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (١٧) لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى (١٨) )

ولما أثبت هذا الكلام ما أثبت من القرب من النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ممن أوحى إليه على كلا التقديرين ، قرره على وجه أفاد الرؤية فقال :( ما كَذَبَ الْفُؤادُ ) أي القلب الذي هو في غاية الذكاء والاتقاد( ما رَأى ) البصر أي حين رؤية البصر كان القلب ، لا أنها رؤية بصر فقط تمكن فيها ـ للخلو عن حضور القلب ـ النسبة إلى الغلط ، وقال القشيري ما معناه : ما كذب فؤاد محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم ما رآه بصره ، بل رآه على الوصف الذي علمه قبل أن رآه فكان علمه حق اليقين ، وفي صحيح مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال : سألت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «هل رأيت ربك؟ قال : نور إليّ أراه»(١) ، وفي صحيح مسلم أيضا عن مسروق أنه قال لعائشة رضي الله عنها لما أنكرت الرؤية : ألم يقل الله تعالى( وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ) و( لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى ) فقالت : أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : «إنما هو جبرئيلعليه‌السلام ، لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين ، رأيته منهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض»(٢) . قال البغوي : وذهب جماعة إلى أنه رآه فقال بعضهم : جعل بصره في فؤاده ، ثم روي من صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : «رآه بفؤاده مرتين»(٣) وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه وهو قول أنس رضي الله عنه ، وقال ابن برجان ما معناه : إن

__________________

(١) أخرجه مسلم ١٧٨ وأحمد ٥ / ١٥٧ و ١٧١ من حديث أبي ذر.

(٢) أخرجه مسلم ١٧٧ من حديث عائشة.

(٣) أخرجه مسلم ١٧٦ من حديث ابن عباس. وانظر الدر المنثور ٦ / ١٦٠ (النجم : ٥ ـ ١٨).

٣١٨

النوم والصعق من آيات الله على لقاء الله وهي مقدمات لذلك ، ولكل حقيقة حق يتقدمها كأشراط الساعة ، والإسراء وإن لم يكن موتا ولا صعقا ولا نوما على أظهر الوجوه فقد خرج عن مشاهدات الدنيا إلى مشاهدات الأفق الأعلى فلا تنكر الرؤية هنالك ، فالإسراء حالة غير حالة الدنيا ، بل هي من أحوال الآخرة وعالم الغيب ـ والله الهادي.

ولما تقرر ذلك غاية التقرر ، وكان موضع الإنكار عليهم ، قال مسببا عن ذلك :( أَفَتُمارُونَهُ ) أي تستخرجون منه بجدالكم له فيما أخبركم به شكا فيه ولا شك فيه ، وعبر بالمفاعلة في قراءة الجماعة عن حمزة والكسائي ويعقوب إشارة إلى اجتهادهم في تشكيكه ، من مري الشيء : استخرجه ، ومري الناقة : مسح ضرعها ، فأمرى : در لبنها ، والمرية بالكسر والضم : الشك والجدل( عَلى ما يَرى ) على صفة مطابقة القلب والبصر ، وذلك مما لم تجر العادة بدخول الشك فيه ولا قبوله للجدال ، وزاد الأمر وضوحا بتصوير الحال الماضية بالتعبير بالمضارع إشارة إلى أنه كما أنه لم يهم لم يلبس الأمر عليه ، بل كأنه الآن ينظر.

ولما كان الشيء أقوى ما يكون إذا حسر البصر ، فإذا وافقه كون القلب في غاية الحضور كان أمكن ، فإذا تكرر انقطعت الأطماع عن التعلق بالمجادلة منه ، قال مؤكدا لأجل إنكارهم :( وَلَقَدْ رَآهُ ) أي الله تعالى أو جبرئيلعليه‌السلام على صورته الحقيقية ، روى مسلم في الإيمان عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال( ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى ) ، قال : «رآه بفؤاده مرتين»(١) وجعل ابن برجان الإسراء مرتين : الأولى بالفؤاد مقدمة وهذه بالعين.

ولما كان ذلك لا يتأتى إلا بتنزل يقطع مسافات البعد التي هي الحجب ليصير به بحيث يراه البشر ، عبر بقوله :( نَزْلَةً ) وانتصب على الظرفية لأن الفعلة بمعنى المرة( أُخْرى ) أي ليكمل له الأمر مرة في عالم الكون والفساد وأخرى في المحل الأنزه الأعلى ، وعين الوقت بتعين المكان فقال :( عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى ) أي الشجرة التي هي كالسدر وينتهي إليها علم الخلائق وينتهي إليها ما يعرج من تحت وما ينزل من فوق ، فيتلقى هنالك ، وذلك ـ والله أعلم ـ ليلة الإسراء في السنة الثالثة عشرة من النبوة قبل الهجرة بقليل بعد الترقي في معراج الكمالات من السنين على عدد السماوات وما بينهما من المسافات ، فانتهى إلى منتهى يسمع فيه صريف الأقلام ، وعظمها بقوله :( عِنْدَها ) أي السدرة( جَنَّةُ الْمَأْوى ) الذي لا مأوى في الحقيقة غيره لأنه لا يوازي في عظمه ،

__________________

(١) تقدم في الذي قبله.

٣١٩

وزاد في تعظيمها بقوله :( إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى ) أي يغطيها ويركبها وسمره؟ من فراش الذهب والرفرف الأخضر والملائكة والنبق وغير ذلك فإن الغشو النبق( ما يَغْشى ) لا تحتملون وصفه وهو بحيث يكاد أن لا يحصى ، وإليه الإشارة بقولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في الحديث : «وغشيها ، ألا وإني لا أدري ما هي فليس أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها »(١) أو كما قالصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأكد الرؤية وقررها مستأنفا بقوله :( ما زاغَ ) أي ما مال أدنى ميل( الْبَصَرُ ) أي الذي لا بصر لمخلوق أكمل منه ، فما قصر عن النظر فيما أذن له فيه ولا زاد( وَما طَغى ) أي تجاوز الحد إلى ما لم يؤذن له فيه مع أن ذلك العالم غريب عن بني آدم ، وفيه من العجائب ما يحير الناظر ، بل كانت له العفة الصادقة المتوسطة بين الشره والزهادة على أتم قوانين العدل ، فأثبت ما رآه على حقيقته ، وكما قال السهروردي في أول الباب الثاني والثلاثين من عوارفه : وأخبر تعالى بحسن أدبه في الحضرة بهذه الآية ، وهذه غامضة من غوامض الأدب ، اختص بها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم .

ولما كانوا قد أنكروا الإسراء إنكارا لم يقع لهم في غيره مثله ، زاد في تأكيده على وجه يعم غيره فقال :( لَقَدْ رَأى ) أي أبصر بسبب ما أهلناه له من الرسالة إبصارا ساريا إلى البواطن غير مقتصر على الظواهر( مِنْ آياتِ رَبِّهِ ) أي المحسن إليه بما لم يصل إليه أحد قبله ولا يصل إليه أحد بعده ، ومن ادعى ذلك فهو كافر( الْكُبْرى ) من ذلك ما رآه في السماوات من الأنبياء عليه وعليهم الصلاة والسّلام إشارة بكل شيء إلى أمر دقيق جليل وحالة شريفة ، وقال الإمام أبو القاسم السهيلي في الروض الأنف : والذي أقول في هذا أن مأخذ فهمه من علم التعبير ، فإنه من علم النبوة ، وأهل التعبير يقولون : من رأى نبيا بعينه في المنام فإن رؤياه تؤذن بما يشبه من حال ذلك النبي في شده أو رخاء أو غير ذلك من الأمور التي أخبر بها عن الأنبياء في القرآن والحديث ، وحديث الإسراء كان بمكة ، ومكة حرم الله وأمنه ، وقطانها جيران الله لأن فيها بيته ، فأول ما رأىصلى‌الله‌عليه‌وسلم من الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام آدم عليه الصلاة والسّلام الذي كان في أمن الله وجواره ، فأخرجه إبليس عدوه منها ، وهذه القصة تشبهها الحالة الأولى من أحوال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم حين أخرجه أعداؤه من حرم الله وجوار بيته ، فكر به ذلك وغمه فأشبهت قصته في هذا قصة آدم عليه الصلاة والسّلام مع أن آدم تعرض عليه أرواح ذريته البر والفاجر منهم ، فكان في السماء الدنيا بحيث يرى الفريقين لأن أرواح أهل الشقاء لا تلج في السماء ولا تفتح لهم أبوابها ، كما قال الله تعالى ، ثم رأى في الثانية عيسى ويحيى عليهما الصلاة والسّلام

__________________

(١) لم أجده بهذا اللفظ ، وقد ذكر السيوطي في الدر المنثور ٤ / ٢٨٣ ـ ٢٨٤ آثارا في وصف سدرة المنتهى.

٣٢٠