نظم الدّرر الجزء ٧

نظم الدّرر0%

نظم الدّرر مؤلف:
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 631

نظم الدّرر

مؤلف: برهان الدين البقاعي
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
تصنيف:

الصفحات: 631
المشاهدات: 141
تحميل: 18


توضيحات:

بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 631 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 141 / تحميل: 18
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 7

مؤلف:
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
العربية

طاقة ، وتلاشى عندها صياحهم حين نادوا صاحبهم لعقر الناقة. ولما تسبب عنها هلاكهم قال :( فَكانُوا ) كونا عظيما( كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ ) أي محطمين كالشجر اليابس الذي جعله الراعي ومن في معناه ممن يجعل شيئا يأوي إليه ويحتفظ به ويحفظ به ماشيته في وقت ما لا يقاله (؟) وهو حظيره أي شيء مستدير مانع في ذلك الوقت لمن يدخل إليه فهو يتهشم ويتحطم كثير منه وهو يعمله فتدوسه الغنم ثم تتحطم أولا فأولا ، وكل ما سقط منه شيء فداسته الغنم كان هشيما ، وكأنه الحشيش اليابس الذي يجمعه صاحب الحظيرة لماشيته.

( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) ) وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٧) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٩) )

ولما كان التقدير : فلقد أبلغنا في الموعظة لكل من يسمع هذه القصة ، عطف عليه قوله مؤكدا لأجل من يعرض عن هذا القرآن ويعلل إعراضه عنه بصعوبته :( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ) أي على ما لنا من القدرة والعظمة( الْقُرْآنَ ) أي الكتاب الجامع لكل خير ، الفارق بين كل ملبس( لِلذِّكْرِ ) أي الحفظ والتذكير والتذكر وحصول النباهة به والشرف إلى الدارين. ولما كان هذا غاية في وجوب الإقبال عليه لجميع المتولين ، قال :( فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) أي ناظر فيه بسبب قولنا هذا بعين الإنصاف والتجرد عن الهوى ليرى كل ما أخبرنا به فنعينه عليه. ولما كان النذير : كأنه قال المنذرين لم يتعظوا به فزاد في وعظهم ، وكانت قصة لوطعليه‌السلام مع قومه أعظم ما كان بعد ثمود مما تعرفه العرب بالأخبار ورؤية الآثار ، ومع ما في قصتهم من تصوير الساعة من تبديل الأرض غير الأرض ، استأنف قوله :( كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ ) أي وهم في قوة عظيمة على ما يحاولونه وإن كانوا في تكذيبهم هذا في ضعف وقوع النساء عن التجرد مما دل عليه تأنيث الفعل بالتاء وكذا ما قبلها من القصص( بِالنُّذُرِ ) أي الإنذار والإنذارات والمنذرين ، ودل على تناهي القباحة في مرتكبهم بتقديم الإخبار عن عذابهم فقال :( إِنَّا ) أي بما لنا من العظمة( أَرْسَلْنا ) ودل على أنه إرسال إهانة بقوله :( عَلَيْهِمْ ) ودل على هوانهم وبلوغ أمره كل ما يراد به بقوله :( حاصِباً ) أي ريحا ترمي بحجارة هي دون ملء الكف فكانت مهلكة لهم محرقة خاسفة مفرقة( إِلَّا آلَ لُوطٍ ) وهم من آمن به وكان بحيث إذا رأيته فكأنك رأيت لوطاعليه‌السلام لما يلوح عليه من أفعاله والمشي على منواله في أقواله وأحواله وأفعاله.

٣٦١

ولما كان استثناؤهم مفهما إنجاءهم مع التجويز لإرسال شيء عليهم غير مقيد بما ذكر ، قال مستأنفا جوابا لمن كأنه قال : ما حالهم :( نَجَّيْناهُمْ ) أي تنجية عظيمة بالتدريج ، وذكر أول الشروع لإنجاءهم فقال :( بِسَحَرٍ ) أي بآخر ليلة من الليالي وهي التي عذب فيها قومه ، فكأن تنكيره لأنا لا نعرف تلك الليلة بعينها ، ولو قصدت سحر الليلة التي صبحت منها كان معرفة لا ينصرف ، والسحر : السدس الأخير من الليل : الوقت الذي يكون فيه الإنسان لا سيما النساء والأطفال في غاية الغفلة بالاستغراق في النوم ، ويفتح الله فيها أبواب السماء باذن الدعاء ليحصل منه الإجابة لأن الملوك إذا فتحوا أبوابهم كان ذلك إذنا للناس في الدخول لقضاء الحوائج ، فالنزول وفتح الأبواب كناية عن ذلك ـ والله سبحانه وتعالى متعال عن حاجة إلى نزول أو فتح باب أو غير ذلك.

ولما كان المراد من الموعظين الطاعة التي هي سبب النجاة ، فلذا قال ذاكرا للإنعام معبرا عنه بغاية المقصود منه معرفا أن انتقامه عدل ومعافاته فضل ، لأن أحدا لا يقدر أن يكافىء نعمه ولا نعمة منها ، معللا للنجاة :( نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا ) أي عظيمة غريبة جدا لشكرهم ، ولما كان كأنه قيل : هل هذا مختص بهم الإنجاء من بين الظالمين وهو مختص بهم ، أجاب بقوله :( كَذلِكَ ) أي مثل هذا الإنجاء العظيم الذي جعلنا جزاء لهم( نَجْزِي ) بقدرتنا وعظمتنا( مَنْ شَكَرَ ) أي أوقع الشكر بجميع أنواعه فآمن وأطاع ليس بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كائنا من كان من سوقة أو سلطان جائر شجاع أو جبان ، فاننا عليه بالإنجاء بعد هلاك عدوه ، قال القشيري : والشكر على نعم الدفع أتم من الشكر على نعم النفع ، ولا يعرف ذلك إلا كل موفق كيس فالآية من الاحتباك : ذكر الإنعام أولا ـ لأنه السبب الحقيقي ـ دليلا على حذفه ثانيا ، والشكر ثانيا ـ لأنه السبب الظاهر ـ دليلا على حذفه أولا.

ولما كان التقدير دفعا لعناد استشراف السامع إلى ما كان من حالهصلى‌الله‌عليه‌وسلم معهم قبل العذاب : لقد بالغ في شكرنا بوعظهم ونصحهم ودعائهم إلينا صرفا لما أنعمنا به عليه من الرسالة في أتم مواضعه ، عطف عليه إيماء إليه قوله ، مؤكدا لأن تمادي المحذور من العذاب على الإقامة في موجبه يكاد أن لا يصدق :( وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ ) أي رسولنا لوطعليه‌السلام ( بَطْشَتَنا ) أي أخذتنا لهم المقرونة بشدة ما لنا من العظمة ، ووحد إشارة إلى أنه لا يستهان بشيء من عذابه سبحانه بل الأخذة الواحدة كافية لما لنا من العظمة فهي غير محتاجة إلى التثنية ، ودل على أن إنذاره كان جديرا بالقبول لكونه واضح الحقيقة بما سبب عن ذلك من قوله :( فَتَمارَوْا ) أي تكلفوا الشك الواهي

٣٦٢

( بِالنُّذُرِ ) أي الإنذار مصدرا والإنذارات أو المنذرين حتى أداهم إلى التكذيب ، فكان سببا للأخذ.

ولما كان ترك الاحتياط في إعمال الحيلة في وجه الخلاص من إنذار النذير عظيم العرافة في السفه دل على أنهم تجاوزوا ذلك إلى انتهاك حرمة النذير ، فقال مقسما لأن مثل ذلك لا يكاد يقع فلا يصدق من حكاه :( وَلَقَدْ راوَدُوهُ ) أي زادوا في التكذيب الموجب للتعذيب أن عالجوا معالجة طويلة تحتاج إلى فتل ودوران( عَنْ ضَيْفِهِ ) ليسلمهم إليهم وهم ملائكة في هيئة شباب مرد ، وأفردوا وإن كان المراد الجنس استعظاما لذلك لو كان الضيف واحدا( فَطَمَسْنا ) أي فتسبب عن مراودتهم أن طمسنا بعظمتنا( أَعْيُنَهُمْ ) فسويناها مع سائر الوجوه فصارت بحيث لا يرى لها شق ، قال البغوي : هذا قول أكثر المفسرين ، وذلك بصفقة صفقها لهم جبريل عليه الصلاة والسّلام ، وقال القشيري : مسح بجناحيه على وجوههم فعموا ولم يهتدوا للخروج ، وقال ابن جرير : والعرب تقول : طمست الريح الأعلام ـ إذا دفنتها بما يسفي عليها من التراب. فانطلقوا هرابا مسرعين إلى الباب لا يهتدون إليه ولا يقعون عليه بل يصادمون الجدران خوفا مما هو أعظم من ذلك وهم يقولون : عند لوط أسحر الناس ، وما أدتهم عقولهم أن يؤمنوا فينجوا أنفسهم مما حل بهم ، قال القشيري : وكذلك أجرى الله سبحانه سنته في أوليائه بأن يطمس على قلوب أعدائهم حتى يلتبس عليهم كيف يؤذون أولياءه ويخلصهم من كيدهم. ولما كان أول عذابهم قال :( فَذُوقُوا ) أي فتسبب عن ذلك أن قال قائل عن الله بلسان القال أو الحال : أيها المكذبون ذوقوا بسبب تكذيبكم لرسلي في إنذارهم( عَذابِي وَنُذُرِ ) أي وعاقبة إنذاري على ألسنة رسلي.

ولما كان بقاؤهم بعد هذا على حال كفرهم عجبا إذ العادة قاضية بأن من أخذ ارعوى ولو كان أفجر الخلق ، وسأل العفو عنه صدقا أو كذبا خداعا ومكرا ليخلص مما هو فيه بثباتهم على تكذيبهم حتى عذبوا على قرب العهد فقال مقسما :( وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ ) أي أتاهم في وقت الصباح ، وحقق المعنى بقوله :( بُكْرَةً ) أي في أول النهار العذاب ، ولو كان أول نهارك الذي أنت به كان معرفة فامتنع( عَذابٌ ) أي قلع بلادهم ورفعها ثم قلبها ، وحصبها بحجارة من نار وخسفها وغمرها بالماء المنتن الذي لا يعيش به حيوان( مُسْتَقِرٌّ ) أي ثابت عليهم غير مزايل بخيال ولا سحر كما قالوا عند الطمس فإنه أهلكهم فاتصل بعذاب البرزخ المتصل بعذاب القيامة المتصل بالعذاب الأكبر في الطبقة التي تناسب أعمالهم من عذاب النار فقال لهم لسان الحال إن لم ينطلق لسان القال :( فَذُوقُوا ) بسبب أعمالكم( عَذابِي وَنُذُرِ ) .

٣٦٣

( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠) وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (٤٢) أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) )

ولما كرر هذا التكرير ، علم منه أن سبب العذاب التكذيب بالإنذار لأي رسول كان ، وكان استئناف كل قصة منبها على أنها أهل على حدتها لأن يتعظ بها ، علم أن التقدير : فلقد بلغت هذه المواعظ النهاية لمن كان له قلب ، فعطف عليه قوله مذكرا بالنعمة التي لا عدل لها :( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ) أي تعالى جدنا وتناهى مجدنا( الْقُرْآنَ ) الجامع الفارق( لِلذِّكْرِ ) ولو شئنا لأعليناه بما لنا من العظمة إلى الحد حتى تعجز القوي عن فهمه ، كما أعليناه إلى رتبة وقفت القوى عن معارضته في نظمه ، أو مطلع لا يتشبث بأذيال أدنى علمه ، إلا الأفراد من حذاق العباد ، فكيف بما فوق ذلك.

ولما كانوا مع ذلك واقفين عن المبادرة إليه والإقبال عليه ، قال تلطفا بهم وتعطفا عليهم مسببا عن ذلك :( فَهَلْ ) وأكد فقال :( مِنْ مُدَّكِرٍ ) مفتك لنفسه من مثل هذا الذي أوقع فيه هؤلاء أنفسهم ظنا منهم أن الأمر لا يصل إلى ما وصل إليه جهلا منهم وعدم اكتراث بالعواقب.

ولما كان الآخر ينبغي له أن يحذر ما وقع للأول ، وكان قوم فرعون قد جاء بعد قوم لوطعليه‌السلام ، فكان ربما ظن أنهم لم ينذروا لأن من علم أن العادة جرت أن من كذب الرسل هلك أنكر أن يحصل ممن تبع ذلك تكذيب ، قال مقسما :( وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ ) أي ملك القبط بمصر وأشرافه الذين إذا رؤوا كان كأنه رئي فيهم لشدة قربهم منه وتخلقهم بأخلاقهم( النُّذُرُ ) أي الإنذارات والمنذرون بنذارة موسى وهارونعليهما‌السلام ، فإن نذارة بعض الأنبياء كنذارة الكل لأنه يأتي أحد منهم إلا وله من الآيات ما مثله آمن عليه البشر ، والمعجزات كلها متساوية في خرق العادة ، وكان قد أنذرهم يوسفعليه‌السلام ، ولما كان كأنه قيل : فما فعلوا عند مجيء ذلك إليهم ، قال :( كَذَّبُوا ) أي تكذيبا عظيما متسهينين( بِآياتِنا ) التي أتاهم بها موسىعليه‌السلام وغيرها لأجل تكذيبهم بها على ما لها من العظمة المعروفة قطعا عن أنها من عندنا.

ولما كانت خوارق العادات كما مضى متساوية الأقدام في الدلالة على صدق الآتي بها ، وكانوا قد صمموا على أنه مهما أتاهم بآية كذبوا بها ، كانوا كأنهم قد أتتهم كل آية فلذلك قال :( كُلِّها ) وسبب عن ذلك قوله :( فَأَخَذْناهُمْ ) أي بما لنا من العظمة بنحو ما أخذنا به قوم نوح من الإغراق( أَخْذَ عَزِيزٍ ) أي لا يغلبه شيء وهو يغلب كل شيء

٣٦٤

( مُقْتَدِرٍ ) أي لا يعجل بالأخذ لأنه لا يخاف الفوت ولا يخشى معقبا لحكمه ، بالغ القدرة إلى حد لا يدرك الوصف كنهه لأن صيغة الافتعال مبناها على المعاجلة ومن عاجل فعلا أجهل نفسه فيه ، فكان على أتم الوجوه ، وهذه الغاية هي المرادة ليس غيرها ، فهو تمثيل لأنه سبحانه يخاطبنا بما نعبده ، وبهذه المبالغة فلم يلفت منهم أحد ، وقد ختمت القصص بمثل ما افتتحت به من عذاب المفسدين بالإغراق ليطابق الختم البدء ، وكانت نجاة المصلحين من الأولين بالسفينة ، وكانت نجاة المصلحين من الآخرين بأرض البحر كانت هي سفينتهم ، ليكون الختم أعظم من البدء كما هو شأن أهل الاقتدار.

ولما بلغت هذه المواعظ الانتهاء ، وعلت أقدامها على رتبة السها ، ولم يبين ذلك كفار قريش عن شرادهم ، ولا فتر من جحودهم وعنادهم ، كان لسان حالهم قائلا : إنا لا نخاف شيئا من هذا ، فكان الحال مقتضيا لأن يقال لهم إلزاما بالحجة :( أَكُفَّارُكُمْ ) الراسخون منكم في الكفر الثابتون عليه يا أيها المكذبون لهذا النبي الكريم الساترون لشموس دينه( خَيْرٌ ) في الدنيا بالقوة والكثرة أو الدين عند الله أو عند الناس( مِنْ أُولئِكُمْ ) أي الكفار العظماء الجبابرة الأشداء الذين وعظناكم بهم في هذه السورة ليكون ذلك سببا لافتراق حالهم منهم فيأمنوا العذاب مع جامع التكذيب وإن لم يكن لهم براءة من الله( أَمْ لَكُمْ ) أجمعين دونهم كفاركم وغير كفاركم( بَراءَةٌ ) من العذاب من الله( فِي الزُّبُرِ ) أي الكتب الآتية من عنده أأمنتم بها من العذاب مع أنهم خير منكم ، فالآية من الاحتباك : أثبت الخيرية أولا دليلا على حذفها ثانيا ، والبراءة ثانيا دليلا على حذفها أولا.

ولما بلغوا إلى هذا الحد من التمادي في الكفر مع المواعظ البالغة والاستعطاف المكين ، استحقوا أعظم الغضب ، فأعرض عنهم الخطاب إيذانا بذلك وإهانة لهم واحتقارا وإقبالا على النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم تسلية له فقال عاطفا على ما تقديره : أيدعون جهلا ومكابرة شيئا من هذين الأمرين :( أَمْ يَقُولُونَ ) أي هؤلاء الذين أنت بين أظهرهم تعاملهم باللين في القال والقيل والصفح الجميل امتثالا لأمرنا تعظيما لقدرك فاستهانوا بك :( نَحْنُ جَمِيعٌ ) أي جمع واحد مبالغ في اجتماعه فهو في الغاية من الضم فلا افتراق له( مُنْتَصِرٌ ) أي على كل من يناويه لأنهم على قلب رجل واحد ، فالإفراد للفظ «جميع» ولإفهام هذا المعنى ، أو أن كل واحد محكوم له بالانتصار.

( سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ (٤٦) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) )

٣٦٥

ولما كان لسان الحال ناطقا بأنهم يقولون : هذا كله فأي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا ونحوها ، وقال بعضهم : لئن بعثنا لأوتينا مالا وولدا ، ولا شك أنهم كانوا في غاية الاستحالة لغلبة المؤمنين لهم على قلتهم وضعفهم ، استأنف الجواب بقوله :( سَيُهْزَمُ ) بأيسر أمر من أي هازم كان بوعد لا خلف فيه ، وقراءة الجمهور بالبناء للمفعول مفهمة للعظمة بطريقة كلام القادرين ، فهي أبلغ من قراءة يعقوب بالنون والبناء للفاعل الدالة على العظمة صريحا( الْجَمْعُ ) الذي تقدم أنه بولغ في جمعه فصدق الله وعده وهزموا في يوم بدر وغيره في الدنيا عن قريب ، ولم يزالوا يضعفون حتى اضمحل أمرهم وزال بالكلية سرهم ، وهي من دلائل النبوة البينة( وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ) أي يقع توليتهم كلهم بهذا الجنس بأن يكون واليا لها من منهم مع الهزيمة لأنه لم يتولهم في حال الهزيمة نوع مسكنة يطمعون بها في الخيار ، وكل من إفراد الدبر والمنتصر وجمع المولين أبلغ مما لو وضع غيره موضعه وأقطع للتعنت.

ولما وقع هذا في الدنيا ، وكان في يوم بدر ، وكان ذلك من أعلام النبوة ، وكان ربما ظن ظان أن ذلك هو النهاية ، كان كأنه قيل : ليس ذلك الموعد الأعظم :( بَلِ السَّاعَةُ ) القيامة التي يكون فيها الجمع الأعظم والهول الأكبر( مَوْعِدُهُمْ ) أي الأعظم للجزاء المتوعد به( وَالسَّاعَةُ أَدْهى ) من كل ما يفرض وقوعه في الدنيا ، أفعل تفضيل من الداهية وهي أمر هائل لا يهتدي لدوائه( وَأَمَرُّ ) لأن عذابها للكافر غير مفارق ومزايل. ولما أخبر عن الساعة بهذا الإخبار الهائل ، علله مقسما لأهلها مجملا بعض ما لهم عند قيامها بقوله مؤكدا لما أظهروا من التكذيب :( إِنَّ الْمُجْرِمِينَ ) أي القاطعين لما أمر الله به أن يوصل( فِي ضَلالٍ ) أي عمى عن القصد بتكذيبهم بالبعث محيط بهم مانع من الخلاص من دواهي الساعة وغيرها ، ومن الوصول إلى شيء من مقاصدهم التي هم عليها الآن معتمدون( وَسُعُرٍ ) أي نيران تضطرم وتتقد غاية الاتقاد( يَوْمَ ) أي في ذلك اليوم الموعود به( يُسْحَبُونَ ) أي في الساعة دائما بأيسر وجه إهانة لهم من أي صاحب كان( فِي النَّارِ ) أي الكاملة في النارية( عَلى وُجُوهِهِمْ ) لأنهم في غاية الذل والهوان جزاء بما كانوا يذلون أولياء الله تعالى ، مقولا لهم من أي قائل اتفق :( ذُوقُوا ) أي لأنهم لا منعة لهم ولا حمية عندهم بوجه( مَسَّ سَقَرَ ) أي ألم مباشرة الطبقة النارية التي تلفح بحرها فتلوح الجسم وتذيبه فيسيل ذهنه وعصارا كما يسيل الدبس وعصارة الرطب فتسمى النخلة بذلك مسقارا.

( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَما أَمْرُنا إِلاَّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ

٣٦٦

مُسْتَطَرٌ (٥٣) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥) )

ولما أخبر بقيام الساعة وما يتفق لهم فيها جزاء لأعمالهم التي قدرها عليهم وهي ستر فرضوا بها لاتباع الشهوات واحتجوا على رضاه بها ، وكان ربما ظن ظان أن تماديهم على الكفر لم يكن بإرادته سبحانه ، علل ذلك منبها على أن الكل فعله ، وإنما نسبته إلى العباد بأمور ظاهرية ، تقوم عليهم بها الحجة في مجاري عاداتهم ، فقال :( إِنَّا ) أي بما لنا من العظمة( كُلَّ شَيْءٍ ) أي من الأشياء المخلوقة كلها صغيرها وكبيرها.

ولما كان هذا التعميم في الخلق أمرا أفهمه النصب ، استأنف قوله تفسيرا للعامل المطوي وإخبارا بجعل ذلك الخلق كله على نظام محكم وأمر مقدر مبرم( خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ ) أي قضاء وحكم وقياس مضبوط وقسمة محدودة وقودة بالغة وتدبير محكم في وقت معلوم ومكان محدود مكتوب في ذلك اللوح قبل وقوعه تقيسه الملائكة بالزمان وغيره من العد وجميع أنواع الأقيسة ـ فلا يخرم عنه مثقال ذرة لأنه لا منازع لنا مع ما لنا من القدرة الكاملة والعلم التام ، فهذا العذاب بقدرتنا ومشيئتنا فاصبروا عليه وارضوا به كما كنتم ترضون أعمالكم السيئة ثم تحتجون على عبادنا بأنها مشيئتنا بنحو و( لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا ) [الأنعام : ١٤٨] فقد أوصلكم إلى ما ترون وانكشف أتم انكشاف أنه لا يكون شيء على خلاف مرادنا ، ولا يقال لشيء قدرناه : لم؟ قال الرازي في اللوامع : الكمية ساقطة عن أفعاله كما أن الكيفية والكمية ساقطتان عن ذاته وصفته ـ انتهى. ولا يكون شيء من أمره سبحانه إلا ما هو على غاية الحكمة ، ولو كان الخلق لا يبعثون بعد الموت ليقع القصاص والقياس العدل ليكون القياس جزافا لا بقدر وعدل ، لأن المشاهد أن الفساد في هذه الدار من المكلفين من الصلاح أضعافا مضاعفة ، وقرىء في الشواذ برفع «كل» وجعله ابن جني أقوى من النصب ، وليس كذلك لأن الرفع لا يفيد ما ذكرته ، وما حمله على ذلك إلا أنه معتزلي ، والنصب على ما قدرته قاصم لأهل الاعتزال.

ولما بين أن كل شيء بفعله ، بين يسر ذلك وسهولته عليه فقال :( وَما أَمْرُنا ) أي كل شيء أردناه وإن عظم أثره ، وعظم القدر وحقر المقدورات بالتأنيث فقال :( إِلَّا واحِدَةٌ ) أي فعلة يسيرة لا معالجة فيها وليس هناك إحداث قول لأنه قديم بل تعلق القدرة بالمقدور على وفق الأرادة الأزلية ، ثم مثل لنا ذلك بأسرع ما يعقله وأخفه فقال ؛( كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ) فكما أن لمح أحدكم ببصره لا كلفة عليه فيه ، فكذلك الأفعال كلها ، بل أيسر من ذلك.

٣٦٧

ولما أخبر بتمام قدرته ، وكان إهلاك من ذكر من الكفار وإنجاء من ذكر من الأبرار في هذه السورة نحوا مما ذكر من أمر الساعة في السهولة والسرعة ، دل على ذلك بإنجاء أوليائه وإهلاك أعدائه فذكر بهم جملة وبما كان من أحوالهم بأيسر أمر لأن ذلك أوعظ للنفوس وأزجر للعقول ، فقال مقسما تنبيها على عادتهم في الكفر مع هذا الوعظ فعل المكذب بهلاكهم لأجل تكذيبهم عاطفا على ما تقديره : ولقد أنجينا رسلنا وأشياعهم من كل شيء خطر :( وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ) أي بما لنا من العظمة( أَشْياعَكُمْ ) الذين أنتم وهم شرع واحد في التكذيب ، والقدرة عليكم كالقدرة عليهم ، فاحذروا أن يصيبكم ما أصابهم ، فلذلك سبب عنه قوله :( فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) أي بما وقع لهم أنه مثل من مضى بل أضعاف ، وأن قدرته سبحانه عليه كقدرته عليهم ليرجع عن غيه خوفا من سطوته سبحانه.

ولما تمت الدلالة على إحاطة القدة بما شوهد من الأفعال الهائلة التي لا تسعها قدرة غيره سبحانه ، وكانوا يظنون أن أحواله غير مضبوطة لأنه لا يمكن ضبطها ولا يسعها علم عالم ولا سيما إذا ادعى أنه واحد ، شرع في إتمام الإخبار بعظمة القدرة بالإخبار بأن أفعالهم كلها مكتوبة فضلا عن كونها محفوظة فقال :( وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ ) أي الأشياء في أيّ وقت كان ، كأن بالكتابة( فِي الزُّبُرِ ) أي كتب الحفظة فليحذروا من أفعالهم فإنها غير منسية ، هذا ما أطبق عليه القراء مما أدى إلى هذا المعنى من رفع كل ، لأنه لو نصب لأوهم تعلق الجار بالفعل فيوهم أنهم فعلوا في الزبر كل شيء من الأشياء وهو فاسد.

ولما خصهم ، عم بقوله واعظا ومخوفا ومحذرا بأن كل شيء محفوظ فمكتوب فمعروض على الإنسان يوم الجمع :( وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ ) من الجواهر والمعاني منهم ومن غيرهم( مُسْتَطَرٌ ) أي مكتوب على وجه عظيم من اجتهاد الحفظة في كتابته وتحريره مع يسر ذلك وسهولته.

ولما أخبر عن أحوال الكفرة في الدنيا والآخرة واعظا بها وإعلاما بعظمته وعليّ صفاته وسعة مملكته وشامل علمه وقدرته ، ختم بأحوال القسم الآخر من أهل الساعة وهم أهل طاعته تتميما لذلك وإشارة وبشارة للسالك في أحسن المسالك ، فقال مؤكدا ردا على المنكر :( إِنَّ الْمُتَّقِينَ ) أي العريقين في وصف الخوف من الله تعالى الذي أداهم إلى أن لا يفعلوا شيئا إلا بدليل. ولما كان من البساتين والمياه ما هو ظاهر بكل مراد على عكس ما عليه الضال البعيد عن القصد الواقع في الهلاك والنار قال :( فِي جَنَّاتٍ ) أي في بساتين ذات أشجار تسر داخلها ، قال القشيري : والجمع إذا قوبل

٣٦٨

بالجمع فالأحاد تقابل الأحاد. ولما كانت الجنان لا تقوم وتدوم إلا بالماء قال :( وَنَهَرٍ ) وأفرده لأن التعبير ب «في» مفهم لعمومهم به عموم ما كأنه ظرف وهم مظروفون له ، ولكثرة الأنهار وعظمها حتى أنها لقرب بعضها من بعض واتصال منابعها وتهيىء جميع الأرض لجري الأنهار منها كأنها شيء واحد ، وما وعد به المتقون من النعيم في تلك الدار فرقائقه معجلة لهم في هذه الدار ، فلهم اليوم جنات العلوم وأنهار المعارف ، وفي الآخرة الأنهار الجارية والرياض والأشجار والقصور والزخارف ، وهو يصلح مع ذلك لأن يكون مما منه النهار فيكون المعنى : أنهم في ضياء وسعة لا يزايلونه أصلا بضد ما عليه المجرم من العمى الناشىء عن الظلام ، ولمثل هذه الأغراض أفرد مع إرادة الجنس لا للفاصلة فقط.

ولما كانت البساتين لا تسكن في الدنيا لأنه ليس فيها جميع ما يحتاجه الإنسان ، بين أن حال تلك غير حال هذه ، فقال مبدلا مما قبله :( فِي مَقْعَدِ ) أي تلك الجنان محل إقامتهم التي تراد للقعود( صِدْقٍ ) أي فيما أراده الإنسان صدق وجوده الإرادة ولا يقعد فيه إلا أهل الصدق ، ولا يكون فيه إلا صدقه ، لا لغو فيه ولا تأثيم ، والتوحيد لإرادة الجنس مع أن الإبدال يفهم أنه لا موضع في تلك الجنان إلا وهو الصالح للتسمية بهذا الاسم ولأنهم لاتحاد قلوبهم ورضاهم كأنهم في مقعد واحد على أنه قرىء بالجمع.

ولما كان هذا غير معهود ، بين أن سببه تمكين الله لهم منه لاختصاصه لهم وتقريبه إياهم لإرضائه لهم ، فقال مقيدا لذلك بالتعبير بالعندية لأن عنديته سبحانه تعالى منزهة عن قرب الأجسام والجهات :( عِنْدَ مَلِيكٍ ) أي ملك تام الملك( مُقْتَدِرٍ ) أي شامل القدرة بالغها إلى حد لا يمكن إدراكه لغيره سبحانه كما تقدم قريبا ، فهو يوصلهم إلى كل خير ويدفع عنهم كل ضير ، وكما أن لهم في الآخرة عندية الإشهاد ، فلهم في الدنيا عندية الإمداد ، ولهذا الاسم الشريف سر في الانتصار على الظالمين ، ولقد ختمت السورة كما ترى كما ابتدئت به من أمر الساعة ، وكانت البداية للبداية والنهاية للنهاية ، وزادت النهاية بيان السبب الموجد لها ، وهو قدرته سبحانه وعز شأنه وعظمت رحمته وإحسانه ، وعفوه ومغفرته ورضوانه ، ولتصنيف الناس فيها إلى كافر مستحق للانتقام ، ومؤمن مؤهل لغاية الإكرام ، لم يذكر الاسم الأعظم الجامع الذي يذكر في سياق مقتضى جمع الجلال والإكرام لصنف واحد وهو من يقع منه الإيمان ولا يتدنس بالعصيان ، وهم الذين آمنوا ، ولمشاركتها للسورتين اللتين بعدها في هذا الغرض ، وهو الكلام في حق الصنفين فقط من غير ذكر عارض ممن آمن ، أشرك الثلاثة في الخلو عن ذكر الاسم

٣٦٩

الأعظم ، فلم يذكر في واحدة منها وجاء فيها من الصفات ما يقتضي العظمة على أهل الكفران ، وما ينبىء عن الإكرام والإحسان لأهل الإيمان( وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ ) [الرحمن : ٤٦] ولهذا ختمت هذه بصفة الملك المقتضي للسطوة التامة والإكرام البالغ وعدم المبالاة بأحد كائنا من كان ، لأن الملك من حيث هو ملك إنما يقتضي مقامه إهانة العدو وإكرام الولي ، وجعل ذلك على وجه المبالغة أيضا ، كل ذلك للإعلام بأن تصريفه سبحانه لأحوال الآخرة كما قصد في هذه السورة من تصريفه في أحوال الدنيا من إهلاك الأعداء وإنجاء الأولياء ، وكأن هذه السورة كانت هكذا لأنها جاءت عقب النجم التي شرح فيها الإسراء وكان للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم من العظمة بخرق العوائد باختراق السماوات ، والوصول إلى أنهى الغاية من المناجاة ، وغيره من سر الملكوت ومحل الجبروت ، بعد أن لوح بمقامه عليه الصلاة والسّلام بالطور ليعلم الفرق ويوصف كل بما هو الحق ، فكان ذلك مقتضيا لئلا يكون بعده من الناس إلا مؤمن خالص ، فإن كان غيره فهو معاند شديد الكفر ، وكأنها جعلت ثلاثا لإرادة غاية التأكيد لهذا المعنى الشديد ، فلما انقضت الثلاث كان متبركا به في معظم آيات الحديد ثم توجت كل آية من آيات المجادلة به إشارة إلى أنه قد حصل غاية التشوف إليه ترهيبا لمن يعصي ولا سيما من يظاهر ، وترغيبا في الطاعة للملك الغافر ، والله الموفق لما يريد إنه قوي فعال لما يريد.

٣٧٠

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة الرحمن مدنية ـ آياتها ثمان وسبعون

وتسمى عروس القرآن

مقصودها الدلالة على ما ختمت به سورة القمر من عظيم الملك وتمام الاقتدار بعموم رحمته وسبقها لغضبه ، المدلول عليه بكمال علمه ، اللازم عنه شمول قدرته ، المدلول عليه بتفصيل عجائب مخلوقاته وبدائع مصنوعاته في أسلوب التذكير بنعمائه ، والامتنان بجزيل آلائه ، على وجه منتج للعلم بإحاطته بجميع أوصاف الكمال ، فمقصودها بالذات إثبات الاتصاف بعموم الرحمة ترغيبا في إنعامه وإحسانه ، وترهيبا من انتقامه بقطع مزيد امتنانه ، وعلى ذلك دل اسمها الرحمن لأنه العام الامتنان واسمها عروس القرآن واضح البيان في ذلك ، لأنها الحاوية لما فيه من حلى وحلل ، وجواهر وكلل ، والعروس بجميع النعم والجمال ، والبهجة من نوعها والكمال( بِسْمِ اللهِ ) الذي ظهرت إحاطة كماله بما ظهر من عجائب مخلوقاته( الرَّحْمنِ ) الذي ظهر عموم رحمته بما بهر من بدائع مصنوعاته واشتهر من عظيم آياته وبيناته( الرَّحِيمِ ) الذي ظهر اختصاصه لأهل طاعته بما تحققوا به من الذل المفيد للعز بلزوم عباداته.

( الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيانَ (٤) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ (٥) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ (٦) وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ (٧) أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ (٩) وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ (١٠) )

ولما ختم سبحانه القمر بعظيم الملك وبليغ القدرة ، وكان الملك القادر لا يكمل ملكه إلا بالرحمة ، وكانت رحمته لا تتم إلا بعمومها ، قصر هذه السورة على تعداد نعمه على خلقه في الدارين ، وذلك من آثار الملك ، وفصل فيها ما أجمل في آخر القمر من مقر الأولياء والأعداء في الآخرة ، وصدرها بالاسم الدال على عموم الرحمة براعة للاستهلال ، وموازنة لما حصل بالملك والاقتدار من غاية التبرك والظهور والهيبة

٣٧١

والرعب باسم هو مع أنه في غاية الغيب دال على أعظم الرجاء مفتتحا لها بأعظم النعم وهو تعليم الذكر الذي هز ذوي الهمم العالية في القمر إلى الإقبال عليه بقوله( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) لأنه لما كان للعظمة الدالة عليها نون( يَسَّرْنَا ) التي هي عماد الملك نظران : نظر الكبرياء والجبروت يقتضي أن يتكلم بما يعجز خلقه من كل جهة في الفهم والحفظ والإتيان بمثله وكل معنى من معانيه ، ونظر الإكرام والرحمة ، وكانت رحمته سابقة لغضبه نظر بها لخلقه لا سيما هذه الأمة المرحومة فيسر لها الذكر تحقيقا للرحمة بعد أن أبقى من آثار الجبروت الإعجاز عن النظر ، ومن الإعجاز عن الفهم الحروف المقطعة أوائل السور ، ومنع المتعنت من أن يقول : إنه لا معاني لها بأن فهم بعض الأصفياء بعض أسرارها ، فقال جوابا لمن كأنه قال : من هذا المليك المقتدر ، فقيل :( الرَّحْمنُ ) أي العام الرحمة ، قال ابن برجان : وهو ظاهر اسمه الله ، وباطن اسمه الرب ، جعل هذه الأسماء الثلاثة في ظهورها مقام الذات يخبر بها عنه وحجابا بينه وبين خلقه ، يوصل بها الخطاب منه إليهم ، ثم أسماؤه الظاهرة مبينة لهذه الأسماء الثلاثة ـ انتهى.

ومن مقتضى اسمه( الرَّحْمنُ ) انبثت جميع النعم ، ولذا ذكر في هذه السورة أمهات النعم في الدارين.

ولما كان لا شيء من الرحمة أبلغ ولا أدل على القدرة من إيصال بعض صفات الخالق إلى المخلوق نوع إيصال ليتخلقوا به بحسب ما يمكنهم منه فيحصلوا على الحياة الأبدية والسعادة السرمدية قال :( عَلَّمَ الْقُرْآنَ ) أي المرئي المشهود بالكتابة والمتلو المسموع الجامع لكل خير ، الفارق بين كل لبس ، وكان القياس يقتضي أن لا يعلم المسموع أحد لأنه صفة من صفاته ، وصفاته في العظم كذاته ، وذاته غيب محض ، لأن الخلق أحقر من أن يحيطوا به علما ، «وأين الثريا من يد المتناول» فدل تعليمه القرآن على أنه يقدر أن يعلم ما أراد من أراد( وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ) [البقرة : ٣١] ولا يخفى ما في تقديمه على جميع النعم من المناسبة لأن أجل النعم نعمة الدين التي تتبعها نعمة الدنيا والآخرة ، وهو أعلى مراتب ، فهو سنام الكتب السماوية وعمادها ومصداقها والعبار عليها ، وفائدتها الإيصال إلى مقعد الصدق المتقدم لأنه بين ما يرضي الله ليعمل به وما يسخطه ليجتنب.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : من المعلوم أن الكتاب العزيز وإن كانت آية كلها معجزة باهرة وسورة في جليل النظم وبديع التأليف قاطعة بالخصوم قاهرة ، فبعضها أوضح من بعض في تبين إعجازها ، وتظاهر بلاغتها وإيجازها : ألا ترى إلى تسارع

٣٧٢

الأفهام إلى الحصول على بلاغة آيات وسور من أول وهلة دون كبير تأمل كقوله تعالى( وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي ) [هود : ٤٤] وقوله( فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ) [الحجر : ٩٤] ، الآيات ، لا يتوقف في باهر إعجازها إلا من طبع الله على قلبه أو سد دونه باب الفهم فأنى له بر لوجه وقوعه ، وسورة القمر من هذا النمط ، ألا ترى اختصار القصص فيه مع حصول أطرافها وتوفية أغراضها ، وما جرى مع كل قصة من الزجر والوعظ والتنبيه والإعذار ، ولو لا أني لم أقصد التعليق مما بنيته عليه من ترتيب السور لأوضحت ما أشرت إليه مما لم أسبق إليه ، ولعل الله سبحانه ييسر ذلك فيما باليد من التفسير نفع الله به ويسر فيه ، فلما انطوت هذه السورة على ما ذكرنا وبان فيها عظيم الرحمة في تكرر القصص وشفع العظات ، وظهرت حجة الله على الخلق ، وكان ذلك من أعظم ألطافه تعالى لمن يسره لتدبر القرآن ووفقه لفهمه واعتباره ، أردف ذلك سبحانه بالتنبيه على هذه النعمة فقال تبارك وتعالى( الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ ) وخص من أسمائه الحسنى هذا الاسم إشعارا برحمته بالكتاب وعظيم إحسانه به( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها ) [إبراهيم : ٣٤] ثم قد تمهد أن سورة القمر إعذار ومن أين للعباد بجميل هذا اللطف وعظيم هذا الحلم حتى يرادوا إلى بسط الدلالات وإيضاح البينات إن تعذر إليهم زيادة في البلاغ ، فأنبأ تعالى أن هذا رحمة فقال( الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ ) ثم إذا تأملت سورة القمر وجدت خطابها وإعذارها خاصا ببني آدم بل بمشركي العرب منهم فقط ، فاتبعت سورة القمر بسورة الرحمن تنبيها للثقلين وإعذارا إليهم وتقريرا للجنسين على ما أودع سبحانه في العالم من العجائب والبراهين الساطعة فتكرر فيها التقرير والتنبيه بقوله تعالى :( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) خطابا للجنسين وإعذارا للثقلين فبان اتصالها بسورة القمر أشد البيان ـ انتهى.

ولما كان كأنه قيل : كيف علمه وهو صفة من صفاته ولمن علمه ، قال مستأنفا أو معللا :( خَلَقَ الْإِنْسانَ ) أي قدره وأوجده على هذا الشكل المعروف والتركيب الموصوف منفصلا عن جميع الجمادات وأصله منها ثم عن سائر الناميات ثم عن غيره من الحيوانات ، وجعله أصنافا ، وفصل بين كل قوم بلسانهم عمن عداهم وخلقه لهم دليل على خلقه لكل شيء موجود( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ ) [القمر : ٤٩] والإنسان وإن كان اسم جنس لكن أحقهم بالإرادة بهذا أولهم وهو آدمعليه‌السلام ، وإرادته ـ كما قال ابن عباس رضي الله عنهما ـ لا تمنع إرادة الجنس من حيث هو.

ولما كان كأنه قيل : فكان ماذا بخلقه له ، قال :( عَلَّمَهُ الْبَيانَ ) وهو القوة الناطقة ، وهي الإدراك للأمور الكلية والجزئية والحكم على الحاضر والغائب بقياسه على

٣٧٣

الحاضر تارة بالتوسم وأخرى بالحساب ومرة بالعيافة والزجر وطورا بالنظر في الآفاق وغير ذلك من الأمور مع التمييز بين الحسن والقبيح وغير ذلك مما أودعه سبحانه وتعالى له مع تعبيره عما أدركه بما هو غائب في ضميره وإفهامه للغير تارة بالقول وتارة بالفعل نطقا وكتابة وإشارة وغيرها ، فصار بذلك ذا قدرة على الكمال في نفسه والتكميل لغيره ، فهذا تعليم البيان الذي مكن من تعليم القرآن ، وهذا وإن كان سبحانه جبلنا عليه وخلقنا به قد صار عندنا مألوفا ومشهورا معروفا ، فهو عند غيرنا على غير ذلك مما أوضحه لنا سبحانه نعمة علينا بمحاجته لملائكته الكرام عن نبينا آدم عليه الصلاة والسّلام وما أبدى لهم من علمه وبهرهم من رسم كل شيء بمعناه واسمه.

ولما بين سبحانه النعمة في تعليم القرآن الذي هو حياة الأرواح ، وبين الطريق فيها ، دل على البيان بذكر البينات التي يجمعها أمر ويفرقها آخر ، ولها مدخل في حياة الأشباح ، وعددها على سبيل الامتنان بيانا لأنها من أكبر النعم فقال في جواب من قال : ما بيانه؟ بادئا بالكوكب الأعظم الذي هو أعظم نورا وأكبر جرما وأعم نفعا ليكون خضوعه لقبول الآثار أدل على خضوع غيره بيانا لحكمته في تدبيره وقوته في تقديره :( الشَّمْسُ ) وهي آية النهار( وَالْقَمَرُ ) وهو آية الليل اللذان كان بهما البيان الإبراهيمي ، ولعله بدأ لهذه الأمة بغاية بيانه عليه الصلاة والسّلام تشريفا لها بالإشارة إلى علو أفهامها( بِحُسْبانٍ ) أي جريهما ، يجري كل منهما ـ مع اشتراكهما في أنهما كوكبان سماويان ـ بحساب عظيم جدا لا تكاد توصف جلالته في دقته وكثرة سعته وعظم ما يتفرع عليه من المنافع الدينية ولدنيوية ، ومن عظم هذا الحساب الذي أفادته صيغة الفعلان أنه على نهج واحد لا يتعداه ، تعلم به الأعوام والشهور والأيام والساعات والدقائق والفصول في منازل معلومة ، ويعرف موضع كل منهما في الآفاق العلوية وما يحدث له وما يتأثر عنه في الكوائن السفلية بحيث أن به انتظام غالب الأمور السفلية إلى غير ذلك من الأمور التي خلقهما الله عليها ولها ، وبين الإنسان وبين كل منهما من المسافات ما لا يعلمه على التحرير إلا العليم الخبير ، وهذا على تطاول الأيام والدهور لا يختل ذرة دلالة على أن صانعه قيوم لا يغفل ، ثم بعد هذا الحساب المستجد والحساب الأعظم الذي قدر لتكوير الشمس وانكدار القمر دلالة على أنه فاعل بالاختيار مع ما أفاد ذلك من تعاقب الملوين تارة بالاعتدال وتارة بالزيادة وأخرى بالنقص ، وغير ذلك من الأمور في لطائف المقدور.

ولما كان سيرهما على هذا المنهاج مع ما لهما فيه من الدؤب فيه بالتغير والتنقل طاعة منهما لمدبرهما ومبدعهما ومسيرهما ، وكان خضوعهما ـ وهما النيران الأعظمان ـ

٣٧٤

دالا على خضوع ما دونهما من الكواكب بطريق الأولى ، كان ذكرهما مغنيا عن ذكر ما عداهما بخصوصه ، فأتبعهما حضور ما هو للأرض كالكواكب للسماء في الزينة والنفع والضر والصغر والكبر والكثرة والقلة من النبات مقدما صغاره لعموم نفعه وعظيم وقعه بأن منه أكثر الأقوات لجميع الحيوان والملابس من القطن والكتان وغير ذلك من عجيب الشأن ، معبرا بما يصلح لبقية الكواكب فقال :( وَالنَّجْمُ ) أي وجميع الكواكب السماوية وكل نبت ارتفع من الأرض ولا ساق له من النباتات الأرضية التي هي أصل قوام الإنسان وسائر الحيوان( وَالشَّجَرُ ) وكل ما له ساق ويتفكه به أو يقتات( يَسْجُدانِ ) أي يخضعان وينقادان لما يراد منهما ويذلان للانتفاع بهما انقياد الساجد من العقلاء لما أمر به بجريهما لما سخرا له وطاعتهما لما قدرا فيه من غير إباء على تجدد الأوقات من نمو في النبات ووقوف واخضرار ويبس وإثمار وعطل ، لا يقدر النجم أن يعلو إلى رتبة الشجر ولا الشجر أن يسفل إلى وهدة النجم إلى غير ذلك مما صرفنا فيه من سجود الظلال ودوران الجبال والمثال مما يدل على وحدانية الصانع وفعله بالاختيار ، ونفي الطبائع ، ومن تسيير في الكواكب وتدبير في المنافع في الحر والبرد اللذين جعل سبحانه بهما الاعتدال في النبات من الفواكه والأقوات ، وغير ذلك من وجود الانتفاعات.

ولما كان تغير ما تقدم من الشمس والقمر والنجم والشجر يدل دلالة واضحة على أنه سبحانه هو المؤثر فيه ، وكانت السماء والأرض ثابتتين على حالة واحدة ، فكان ربما أشكل أمرهما كما ضل فيهما خلق من أهل الوحدة أهل الجمود والاغترار والوقوف مع الشاهد وغيرهم ، وكان إذا ثبت أنه تعالى المؤثر فيهما ، فلذلك قال مسندا التأثير فيهما إليه بعد أن أعرى ما قبلهما من مثله لما أغنى عنه من الدلالة بالتغير والسير والتنقل عطفا على ما تقديره : وهو الذي دبر ذلك :( وَالسَّماءَ رَفَعَها ) أي حسا بعد أن كانت ملتصقة بالأرض ففتقها منها وأعلاها عنها بما يشهد لذلك من العقل عند كل من له تأمل في أن كل جسم ثقيل ما رفعه عما تحته إلا رافع ، ولا رافع لهذه إلا الله فإنه لا يقدر على التأثير غيره ، ولعظمها قدمها على الفعل تنبيها على التفكر فيما فيها من جلالة الصنائع وأنواع البدائع ، ومعنى بأنه جعلها منشأ أحكامه ومصدر قضاياه ومتنزل أوامره ونواهيه ومسكن ملائكته الذين يهبطون بالوحي على أنبيائه.

ولما كانت السماء مع علوها الدال على عزة موجدها ومدبرها دالة على عدله باعتدال جميع أحوالها من الحر والبرد والمطر والثلج والندى والطل وغير ذلك في أن كل فصل منها معادل لضده وأنها لا ينزلها سبحانه إلا بقدر معلوم ، وإلا لفسدت الأرض كلها ، ودلنا على أنه شرع لنا مثل ذلك العدل لتقوم أحوالنا وتصلح أقوالنا وأفعالنا بما

٣٧٥

قامت به السماوات والأرض فقال :( وَوَضَعَ الْمِيزانَ ) أي العدل الذي دبر به الخافقين من الموازنة وهي المعادلة لتنتظم أمورنا.

ولما ذكر أولا القرآن الذي هو ميزان المعلومات ، ودل على رحمانيته بأنواع من البيان ، الذي رقي به الإنسان فصار أهلا للفهم ، وذكره نعمة الميزان للمحسوسات ، أقبل بالخطاب عليه لافتا له عن أسلوب الغيبة تنشيطا له إلى ارتقاء مراتب الكمال بحسن الامتثال معللا فقال : (أن) أي لأن لا( تَطْغَوْا ) أي لا تتجاوزوا الحدود( فِي الْمِيزانِ ) أي الأشياء الموزونة من الموزونات المعروفة والعلم والعمل المقدر أحدهما بالآخر ، وفي مساواة الظاهر والباطن والقول والفعل ، فالميزان الثاني عام لميزان المعلومات وميزان المحسوسات.

ولما كان التقدير : فاقتدوا بأفعالي وتخلقوا بكل ما آمر به من أقوالي ، عطف عليه قوله :( وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ ) أي جميع الأفعال التي يقاس لها الأشياء( بِالْقِسْطِ. )

ولما كان المراد العدل العظيم ، بينه بالتأكيد بعد الأمر بالنهي عن الضد فقال :( وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ ) أي توقعوا في شيء من آلة العدل التي يقدر بها الأشياء من الذرع والوزن والعدل والكيل ونحوه ـ نوعا من أنواع الخسر ـ بما دل عليه تجريد الفعل فتخسروا ميزان أعمالكم وجزائكم يوم القيامة ، وقد علم بتكرير الميزان ما أريد من التأكيد في الأمر به لما له من الضخامة سواء كان بمعنى واحد أو بمعان مختلفة.

ولما ذكر إنعامه الدال على اقتداره برفع السماء ، ذكر على ذلك الوجه مقابلها بعد أن وسط بينهما ما قامتا به من العدل تنبيها على شدة العناية والاهتمام به فقال :( وَالْأَرْضَ ) أي ووضع الأرض : ثم فسر ناصبها ليكون كالمذكور مرتين إشارة إلى عظيم تدبيره لشدة ما فيه من الحكم فقال :( وَضَعَها ) أي دحاها وبسطها على الماء( لِلْأَنامِ ) أي كل من فيه قابلية النوم أو قابلية الونيم وهو الصوت بعد أن وضع لهم الميزان الذي لا تقوم الأرض إلا به.

( فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ (١٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٣) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٦) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٨) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (١٩) )

ولما كان في سياق بيان الرحمة بمزيد الإنعام ، وكان إقامة البينة أعظم نعمة ، وكانت الفواكه ألذ ما يكون ، وكانت برقتها وشدة لطافتها منافية للأرض في يبسها

٣٧٦

وكثافتها ، فكان كونها فيها عجبا دالا على عظيم قدرته ، وكان ذكرها يدل على ما تقدمها من النعم من جميع الأقوات ، بدأ بها ليصير ما يتقدمها كالمذكور مرتين ، فقال مستأنفا وصفها بما هو أعم :( فِيها فاكِهَةٌ ) أي ضروب منها عظيمة جدا يدرك الإنسان بما له من البيان تباينها في الصور والألوان ، والطعوم والمنافع ـ وغير ذلك من بديع الشأن.

ولما كان المراد بتنكيرها تعظيمها ، نبه عليه بتعريف نوع منها ، ونوه به لأن فيه مع التفكه التقوت ، وهو أكثر ثمار العرب المقصودين بهذا الذكر بالقصد الأول فقال :( وَالنَّخْلُ ) ودل على تمام القدرة بقوله :( ذاتُ ) أي صاحبة( الْأَكْمامِ ) أي أوعية ثمرها ، وهو الطلع قبل أن ينفتق بالثمر ، وكل نبت يخرج ما هو مكمم فهو ذو كمام ، ولكنه مشهور في النخل لشرفه وشهرته عندهم ، قال البغوي : وكل ما ستر شيئا فهو كم وكمة ، ومنه كم القميص ، وفيه تذكير بثمر الجنة الذي ينفتق عن نباهم ، وذكر أصل النخل دون ثمره للتنبيه على كثرة منافعه من الليف والسعف والجريد والجذوع وغيرها من المنافع التي الثمر منها.

ولما ذكر ما يقتات من الفواكه وهو في غاية الطول ، أتبعه الأصل في الاقتيات للناس والبهائم وهو بمكان من القصر ، فقال ذاكرا ثمرته لأنها المقصودة بالذات :( وَالْحَبُ ) أي من الحنطة وغيرها ، ونبه على تمام القدرة بعد تنبيهه بتمايز هذه المذكورات مع أن أصل الكل الماء بقوله :( ذُو الْعَصْفِ ) أي الورق والبقل الذي إذا زال عنه ثقل الحب كان مما تعصفه الرياح التي تطيره ، وهو التبن الذي هو من قوت البهائم.

ولما كان الريحان يطلق على كل نبت طيب الرائحة خصوصا ، وعلى كل نبت عموما ، أتبعه به ليعم ويخص جميع ما ذكر من سائر النبات وغيره على وجه مذكر بنعمه بغذاء الأرواح بعد ما ذكر غذاء الأشباح فقال ؛( وَالرَّيْحانُ ) ولما كان من كفر به سبحانه بإنكاره أو إنكار شيء من صفاته ، أو كذب بأحد من رسله قد أنكر نعمه أو نعمة منها فلزمه بانكاره لتلك النعمة إنكار جميع النعم ، لأن الرسل داعية إلى الله بالتذكير بنعمه ، وكان ما مضى من هذه السورة إلى هنا اثنتي عشرة آية على عدد الكوفي والشامي ، عدد فيها أصول نعمه سبحانه على وجه دل بغاية البيان على أن له كل كمال ، وكان هذا العدد أول عدد زائد إشارة إلى تزايد النعم لأن كسوره النصف والثلث والربع والسدس تزيد على أصله ، وكان قد مضى ذكر الثقلين الجن والإنس في قوله (الأنام) قال تعالى إشارة إلى أنهم المقصودون بالوعظ ، منكرا موبخا مبكتا لمن أنكر شيئا من نعمه أو قال قولا أو فعل فعلا يلزم منه إنكار شيء منها مسببا عما مضى من تعداد هذه

٣٧٧

النعم المتزايدة التي لا يسوغ إنكارها ولا إنكار شيء منها فيجب شكرها :( فَبِأَيِّ آلاءِ ) أي نعم وعطايا( رَبِّكُما ) أي المحسن إليكما بما أسدى من المزايا التي أسداها إليكم على وجه الكبرياء والعظمة وهي دائمة لا تنقطع من غير حاجة إلى مكافأة أحد ولا غيرها ـ أيها الثقلان ـ المدبر لكما الذي لا مدبر ولا سيد لكما غيره ، من آياته وصنائعه وحكمه وحكمته وعزته في خلقه واستسلام الكل له وخضوعهما إليه ، فإن كل هذه النعم الكبار آيات دالة عليه وصنائع محكمة وأحكام وحكم ظهرت بها عزته وبانت بها قدرته( تُكَذِّبانِ ) فمخاطبته بهذا الثقلين دليل على أن هذه الأشياء تعم على الجن كما أنها تعم على الإنس ، وأن لهم من ذلك ما لهم ، وذكره لهذه الآية بعد ذكر هذا العدد من الآيات إشارة إلى أن زيادة النعم إلى حد لا يحصى بحيث أن استيفاء عددها لا تحيط به عقول المكلفين لئلا يظنوا أنه لا نعمة غير ما ذكر في هذه السورة ، والتعبير عنها بلفظ الآلاء من أجل أنها النعم المخصوصة بالملوك لما لها من اللمعان والصف المميز لها من غيرها ولما لرؤيتها من الخير والدعاء ، وهي وإن كانت من الوا فيمكن أخذها من اللؤواء إلى أن الأصل الهمزة واللام ، فإذا انضم إليهما لام أخرى أو ألف ازداد المعنى الذي كان ظهورا لأن الألف غيب الهمزة وباطنها ، واللام هي عين ما كان فلم يحصل خروج عن ذلك المعنى ، فإذا نظرت إلى الآل كان المعنى أن تلك النعم الكبار الملوكية تظهر للعباد معرفته سبحانه وأنه يؤل إليه كل شيء أولا من غير نزاع كما أنه كان بكل شيء ، وتكل عن نظرها الأبصار النوافذ كما تكل عن رؤية الأشخاص التي يرفعها الآل لأنها تدل عليه سبحانه نعم عظيمة وإن كانت نقما لأنه لا نعمة تدل مثل ما دل عليه سبحانه ، وكرر هذه الآية في هذه السورة من هنا بعد كل آية إلى آخرها لما تقدم في القمر من أن المنكر إذا تكرر إنكاره جدا بحيث أحرق الأكباد في المجاهرة بالعناد حسن سرد ما أنكره عليه ، وكلما ذكر بفرد منه قيل له : لم تنكره؟ سواء أقر به حال التقرير أو استمر على العناد ، فالتكرار حينئذ يفيد التعريف بأن إنكاره تجاوز الحد ، ولتغاير النعم وتعددها واختلافها حسن تكرير التوقيف عليها واحدة واحدة تنبيها على جلالتها ، فإن كانت نعمة فالأمر فيها واضح ، وإن كانت نقمة فالنعمة دفعها أو تأخير الإيقاع بها ، ولما تقدم من أن كل تذكير بما أفاده الله تعالى من النعم بالحواس الخمس مضروبة في الجهات الستّ على أنك إذا اعتبرت نفس الآية وجدتها مشيرة إلى ذلك ، فإن كل كلمة منها ـ إلا الأخيرة في رسم من أثبت ألفها من كتبة المصاحف ـ خمسة أحرف إن اعتبرت هجاء الأولين والثالثة خمسة في الرسم ستة في الهجاء والنطق ، فهي للحواس وللجهات لأن الكل من الرب ، والكلمة الأخيرة ستة أحرف إن اعتبرت رسمها في المصاحف التي

٣٧٨

أسقطت ألفها ، فإن في إثباتها وحذفها اختلافا بين أئمة المصاحف ، وهي إشارة إلى الجهات لأنها التي يملك الإنسان التصرف فيها ، أما الحواس فلا اختيار له فيها ، وإن اعتبرت هجاءها بحسب النطق كانت سبعة أحرف إشارة إلى أن النعم أكثر من أن تحصى لما تقدم من أسرار عدد السبعة وإلى أن تكذيب المكلفين متكاثر جدا ، فلذلك كان في غاية المناسبة أن تبسط هذه النعم على عدد ضرب الحواس الخمس في الجهات الست ، وذلك في الحقيقة فائدة ، فإنه من المألوف المعروف والجميل الموصوف أن التكرير عند التكذيب يوجب التكرير عند التقرير ، ويبلغ به النهاية في حسن التأثير ، وزاد العدد على مسطح الخمس في الست واحدة إشارة إلى أن نعم الواحدة لا انقطاع لها ، ولذلك فصلت إلى ثمان ذكرت أولا عقب النعم ، فكانت على عدد السبع الذي هو أول عدد تام لأنه جمع الفرد والزوج وزوج الفرد وزوج الزوج ، وزاد بواحد إشارة إلى أنه كلما انقضى دور من عدد تام جدير لنعم أخرى فهي لا تتناهى لأن موليها له القدرة الشاملة والعلم التام ورحمته سبقت غضبه ، وفي كونها ثمانية إشارة إلى أنها سبب إلى الجنة ذات الأبواب الثمانية إن شكرت ، وفي تعقيبها بسبع نارية إشارة إلى أنها سببيتها للنار أقرب لكونها حفت بالشهوات ، وفي ذلك إشارة إلى أن من اتقى ما توعد عليه بشكر هذه النعم وقي أبواب النار السبعة ، ثم عقبها بثمانية ذكر فيها جنة المقربين إشارة إلى أن من عمل لما وعده كما أمره به الله نال أبواب الجنة الثمانية ، وثمانية أخرى عقب جنة أصحاب اليمين إشارة إلى مثل ذلك والله أعلم ، وكان ترتيبها في غاية الحسن ، ذكرت النعم أولا استعطافا وترغيبا في الشكر ثم الأهوال ترهيبا ودرأ للمفسدة بالعصيان والكفر ثم النعم الباقية لجلب المصالح ، وبدأ بأشرفها فذكر الجنة العليا لأن القلب إثر التخويف يكون أنشط والهمم تكون أعلى والعزم يكون أشد ، فحينئذ هذه الآية الأولى من الإحدى والثلاثين مشيرة إلى أن نعمة البصر من جهة الأمام ، فكأنه قيل : أبنعمة البصر مما يواجهكم أو غيرها تكذبان.

ولما كان قد تقدم في إشارة الخطاب الامتنان بخلق الإنسان ، ثم ذكر أصول النعم عليه على وجه بديع الشأن ، إلى أن ذكر غذاء روحه : الريحان ، أتبع ذلك تفصيلا لما أجمل فقال :( خَلَقَ الْإِنْسانَ ) أي أصل هذا النوع الذي هو من جملة الأنام الذي خلقنا الريحان لهم والغالب عليه الأنس بنفسه وبما ألفه.

ولما كان أغلب عناصره التراب وإن كان من العناصر الأربعة ، عبر عنه إشارة به إلى مطابقة اسمه ـ بما فيه مما يقتضي الأنس الذي حاصله الثبات على حالة واحدة ـ لمسماه الذي أغلبه التراب لنقله وثباته ما لم يحركه محرك ، وعبر عن ذلك بما هو في

٣٧٩

غاية البعد عن قابلية البيان فقال :( مِنْ صَلْصالٍ ) أي طين يابس له صوت إذا نقر عليه( كَالْفَخَّارِ ) أي كالخزف المصنوع المشوي بالنار لأنه أخذه من التراب ثم خلطه بالماء حتى صار طينا ثم تركه حتى صار حماء مسنونا مبينا ، ثم صوره كما يصور الإبريق وغيره من الأواني ثم أيبسه حتى صار في غاية الصلابة فصار كالخزف الذي إذا نقر عليه صوت صوتا يعلم منه هل فيه عيب أم لا ، كما أن الآدمي بكلامه يعرف حاله وغاية أمره ومآله ، فالمذكور هنا غاية تخليقه وهو أنسب بالرحمانية ، وفي غيرها تارة مبدؤه وتارة إنشاؤه ، فالأرض أمه والماء أبوه ممزوجين بالهواء الحامل للجزء الذي هو من فيح جهنم ، فمن التراب جسده ونفسه ، ومن الماء روحه وعقله ، ومن النار غوايته وحدته ، ومن الهواء حركته وتقلبه في محامده ومذامه.

ولما كان الجان الذي شمله أيضا اسم الأنام مخلوقا من العناصر الأربعة ، وأغلبها في جبلته النار ، قال تعالى :( وَخَلَقَ الْجَانَ ) أي هذا النوع المستتر عن العيون بخلق أبيهم ، وهو اسم جمع للجن. ولما كان الجن يطلق على الملائكة لاستتارهم ، بين أنهم لم يرادوا به هنا فقال :( مِنْ مارِجٍ ) أي شيء صاف خالص مضطرب شديد الاضطراب جدا والاختلاط ، قال البغوي : وهو الصافي من لهب النار الذي لا دخان فيه ، وقال القشيري ، هو اللهب المختلط بسواد النار ـ انتهى. ومرجت نارهم ـ أي اختلطت ـ ببرد الزمهرير. ولما كان المارج عاما في النار وغيرها ، بينه بقوله :( مِنْ نارٍ ) هي أغلب من عناصر ، فتعين المراد بذكر النار لأن الملائكةعليهم‌السلام من نور لا من نار ، وليس عندهم مروج ولا اضطراب ، بل هم في غاية الثبات على الطاعة فيما أمروا به ، وقد عرف بهذا كل مضطرب قدره لئلا يتعدى طوره.

ولما كان خلق هذين القبيلين على هذين الوجهين اللذين هما في غاية التنافي مستورا أحدهما عن الآخر مع منع كل من التسلط على الآخر إلا نادرا ، إظهارا لعظيم قدرته وباهر حكمته من أعظم النعم ، قال مسببا عنه :( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما ) أي النعم الملوكية الناشئة عن مبدعكما ومربيكما وسيدكما( تُكَذِّبانِ ) أي بنعمة البصر من جهة الوراء وغيرها من خلقكم على هذا النمط الغريب ، وإيداعكم ما أودعكم من القوى ، وجعلكم خلاصة مخلوقاته ، ومن منع أحد قبيليكم عن الآخر ، وتيسيره لكم الأرزاق والمنافع ، وحملكم على الحنيفية السمحة ، وقدرته على إعادتكم كما قدر على ابتدائكم.

ولما ذكر سبحانه هذين الجنسين اللذين أحدهما ظاهر والآخر مستتر ، إرشادا إلى التأمل فيما فيهما من الدلالة على كمال قدرته ، فكانا محتاجين إلى ما هما فيه من

٣٨٠