نظم الدّرر الجزء ٧

نظم الدّرر0%

نظم الدّرر مؤلف:
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 631

نظم الدّرر

مؤلف: برهان الدين البقاعي
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
تصنيف:

الصفحات: 631
المشاهدات: 137
تحميل: 18


توضيحات:

بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 631 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 137 / تحميل: 18
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 7

مؤلف:
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
العربية

الإحسان الذي لا يمكن الإحاطة به فهو المتصف بالجمال الأقدس المقتضي لفيض الرحمة على جميع الأولياء ، وقراءة ابن عامر ذو صفة للاسم ، وكذا هو في مصاحف أهل الشام ، والوصفان الأخيران من شبه الاحتباك لأنه حذف من الأول متعلق الصفة وهي النقمة للأعداء ، ومن الثاني أثر الإكرام وهو الرحمة للأولياء ، فإثبات الصفة أولا يدل على حذف ضدها ثانيا ، وإثبات الفعل ثانيا يدل على حذف ضده أولا ، وقال الرازي في اللوامع : كأنه يريد بالاسم الذي افتتح به السورة وقد انعطف آخر السورة على أولها على وجه أعم ، فيشمل الإكرام بتعليم القرآن وغيره والانتقام بإدخال النيران وغيرها ـ الله سبحانه وتعالى هو الموفق للصواب.

٤٠١

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة الواقعة

مكية ـ آياتها ست وتسعون

مقصودها شرح أحوال الأقسام الثلاثة المذكورة في الرحمن للأولياء من السابقين واللاحقين والأعداء المشاققين من المصارحين والمنافقين من الثقلين للدلالة على تمام القدرة بالفعل بالاختيار الذي دل عليه آخر الرحمن بإثبات الكمال ودل عليه آخر هذه بالتنزيه بالنفي لكل شيء به نقص ثم الإثبات بوصف العظمة بجميع الكمال من الجمال والجلال ، ولو استوى الناس لم يكن ذلك من بليغ الحكمة ، فإن استواءهم يكون شبهة لأهل الطبيعة ، واسمها الواقعة دال على ذلك بتأمل آياته وما يتعلق الظرف به( بِسْمِ اللهِ ) الذي له الكمال كله ففاوت بين الناس في الأحوال( الرَّحْمنِ ) الذي عم بنعمة البيان وفاضل قبولها بين أهل الإدبار وأهل الإقبال( الرَّحِيمِ ) الذي أقبل بأهل حزبه إلى أهل قربه ففازوا بمحاسن الأقوال والأفعال.

( إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ (٢) خافِضَةٌ رافِعَةٌ (٣) إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (٥) فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا (٦) وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً (٧) فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) )

لما صنف سبحانه الناس في تلك إلى ثلاثة أصناف : مجرمين وسابقين ولاحقين ، وختم بعلة ذلك وهو أنه ذو الانتقام والإكرام ، شرح أحوالهم في هذه السورة وبين الوقت الذي يظهر فيه إكرامه وانتقامه بما ذكر في الرحمن غاية الظهور فقال بانيا على ما أرشده السياق إلى أن تقديره : يكون ذلك كله كونا يشترك في علمه الخاص والعام :( إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ ) أي التي لا بد من وقوعها ولا واقع يستحق أن يسمى الواقعة بلام الكمال وتاء المبالغة غيرها ، وهي الفنخة الثانية التي يكون عنها البعث الأكبر الذي هو القيامة الجامعة لجميع الخلق للحكم بينهم على الانفراد الظاهر الذي لا مدعى

٤٠٢

للمشاركة فيه بوجه من الوجوه ، ويجوز أن يكون( إِذا ) منصوبا بالمحذوف لتذهب النفس فيه كل مذهب ، فيكون أهول أي إذا وقعت كانت أمورا يضيق عنها نطاق الحصر.

ولما كان هذا معناه الساعة التي أبرم القضاء بأنه لا بد من كونها ، عبر عنه بانيا على مبتدأ محذوف فقال :( لَيْسَ لِوَقْعَتِها ) أي تحقق وجودها( كاذِبَةٌ ) أي كذب فهي مصدر عبر عنه باسم الفاعل للمبالغة بأنه ليس في أحوالها شيء يمكن أن ينسب إليه كذب ولا يمشي فيها كذب أصلا ولا يقر عليه ، بل كل ما أخبر بمجيئه جاء من غير أن يرده شيء ، وكل ما أخبر بنفيه انتفى فلا يأتي به شيء ، وقرر عظمتها وحقق بعث الأمور فيها بقوله مخبرا عن مبتدأ محذوف :( خافِضَةٌ ) أي هي لمن يشاء الله خفضه من عظماء أهل النار وغيرهم مما يشاؤه من الجبال وغيرها إلى أسفل سافلين( رافِعَةٌ ) أي لضعفاء أهل الجنة وغيرهم من منازلهم وغيرها مما يشاؤه إلى عليين ، لا راد لأمره ولا معقب لحكمه. ولما كان في هذا من الهول ما يقطع القلوب الواعية أكده بقوله وزاد ما يشاء منه أيضا بقوله مبدلا من الظرف الأول بعض ما يدخل في الرفع والخفض :( إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ ) أي كلها على سعتها وثقلها بأيسر أمر( رَجًّا ) أي زلزلت زلزالا شديدا بعنف فانخفضت وارتفعت ثم انتفضت بأهلها انتفاضا شديدا ، قال البغوي : والرج في اللغة التحريك. ولما ذكر حركتها المزعجة ، أتبعها غايتها فقال :( وَبُسَّتِ الْجِبالُ ) أي فتتت على صلابتها وعظمها بأدنى إشارة وخلط حجرها بترابها حتى صار شيئا واحدا ، وصارت كالعهن المنفوش ، وسيرت وكانت تمر مرّ السحاب( بَسًّا * فَكانَتْ ) أي بسبب ذلك( هَباءً ) غبارا هو في غاية الانمحاق ، وإلى شدة لطافته أشار بصيغة الانفعال فقال :( مُنْبَثًّا ) أي منتشرا متفرقا بنفسه من غير حاجة إلى هواء يفرقه فهو كالذي يرى في شعاع الشمس إذا دخل في كوة.

ولما ذكر غاية مبادئها المرجفة المرهبة ، ذكر مبادىء غاياتها فقال :( وَكُنْتُمْ ) أي قسمتم بما كان في جبلاتكم وطباعكم في الدنيا( أَزْواجاً ثَلاثَةً ) أي أصنافا لا تكمل حكمة صنف منها إلا بكونها قسمين : أعلى ودونه ، ليكون ذلك أدل على تمام القدرة وهم أصحاب الميمنة المنقسمين إلى سابقين وهم المقربون ، وإلى لاحقين وهم الأبرار أو أصحاب اليمين ، وكأنهم من أولي القلب الذي هو العدل السواء من أصحاب المشأمة إلى آخر أصحاب الميمنة فأصحاب السواء هم المقربون ، وبقية أصحاب الميمنة أصحاب اليمين ، وأصحاب المشأمة هم أصحاب القسم الثالث ، وكل من الثلاثة ينقسم إلى أعلى ودونه ، وقد تبينت الأقسام الثلاثة آخر السورة ، قال البيضاوي : وكل صنف

٤٠٣

يكون أو يذكر مع صنف آخر زوج. ولما قسمهم إلى ثلاثة أقسام وفرع تقسيمهم ، ذكر أحوالهم وابتدأ ذلك بالإعلام بأنه ليس الخبر كالخبر كما أنه ليس العين كالأثر فقال :( فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ) أي جهة اليمين وموضعها وأعمالها ، ثم فخم أمرهم بالتعجيب من حالهم بقوله منبها على أنهم أهل لأن يسأل عنهم فيما يفهمه اليمين من الخير والبركة فكيف إذا عبر عنها بصيغة مبالغة فقال :( ما ) وهو مبتدأ ثان( أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ) أي جهة اليمين وموضعها وأعمالها ، والجملة خبر عن الأولى ، والرابط تكرار المبتدأ بلفظه ، قال أبو حيانرحمه‌الله تعالى : وأكثر ما يكون ذلك في موضع التهويل والتعظيم.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما تقدم الإعذار في السورتين المتقدمتين والتقرير على عظيم البراهين ، وأعلم في آخر سورة القمر أن كل واقع في العالم فبقضائه سبحانه وقدره( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ ) [القمر : ٤٩]( وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ ) [القمر : ٥٢] وأعلمهم سبحانه في الواقعة بانقسامهم الأخروي فافتتح ذكر الساعة( إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ ) إلى قوله( وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً ) فتجردت هذه السورة للتعريف بأحوالهم الأخروية ، وصدرت بذلك كما جرد في هذه السورة قبل التعريف بحالهم في هذه الدار ، وما انجر في السور الثلاث جاريا على غير هذا الأسلوب فبحكم استدعاء الترغيب والترهيب لطفا بالعباد ورحمة ومطالعها مبنية على ما ذكرته تصريحا لا تلويحا ، وعلى الاستيفاء لا بالإشارة والإيماء ، ولهذا قال تعالى في آخر القصص الأخراوية في هذه السورة :( هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ ) فأخبر أن هذا حالهم يوم الجزاء وقد قدم حالهم الدنياوي في السورتين قبل وتأكيد التعريف المتقدم فيما بعد ، وذلك قوله( فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ) إلى خاتمتها ـ انتهى.

ولما ذكر الناجين بقسميهم ، أتبعهم أضدادهم فقال :( وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ) أي جهة الشؤم وموضعها وأعمالها ، ثم عظم ذنبهم فقال :( ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ) أي لأنهم أهل لأن يسأل عما أصابهم من الشؤم والشر والسوء بعظيم قدرته التي ساقتهم إلى ما وصلوا إليه من الجزاء الذي لا يفعله بنفسه عاقل بل ولا بهيمة مع ما ركب فيهم من العقول الصحيحة والأفكار العظيمة وصان الأولين عن خذلان هؤلاء فأوصلهم إلى النعيم المقيم.

ولما ذكر القسمين ، وكان كل منهما قسمين ، ذكر أعلى أهل القسم الأول ترغيبا في أحسن حالهم ولم يقسم أهل المشأمة ترهيبا من سوء مآلهم فقال :( وَالسَّابِقُونَ ) أي إلى أعمال الطاعة أصحاب الجنتين الأوليين في الرحمن وهم أصحاب القلب( السَّابِقُونَ ) أي هم الذين يستحقون الوصف بالسبق لا غيرهم لأنه منزلة أعلى من

٤٠٤

منزلتهم فلذلك سبقوا إلى منزلتهم وهي جنتهم وهم قسمان كما يأتي عن الرازي ، وعن المهدوي أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : (السابقون الذين إذا أعطوا الحق قبلوه وإذا سألوه بذلوه وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم)(١) .

ولما بين علو شأنهم ونسب السبق إليهم ، ترجمه نازعا للفعل منهم بقوله :( أُولئِكَ ) أي العالو الرتبة جدا من الذين هم أصحاب الميمنة( الْمُقَرَّبُونَ ) أي الذين اصطفاهم الله تعالى للسبق فأرادهم لقربه أو أنعم عليهم بقربه ولو لا فعله في تقريبهم لم يكونوا سابقين ، قال الرازي في اللوامع : المقربون تخلصوا من نفوسهم فأعمالهم كلها لله دينا ودنيا من حق الله وحق الناس ، وكلاهما عندهم حق الله ، والدنيا عندهم آخرتهم لأنهم يراقبون ما يبدو لهم من ملكوته فيتلقونه بالرضا والانقياد ، وهم صنفان ، فصنف قلوبهم في جلاله وعظمته هائمة قد ملكتهم هيبتهم فالحق يستعملهم ، وصنف آخر قد أرخى من عنانه ، فالأمر عليه أسهل لأنه قد جاور بقلبه هذه الحطة ومحله أعلى فهو أمين الله في أرضه ، فيكون الأمر عليه أسهل لأنه قد جاوز ـ انتهى. ثم بين تقريبه لهم بقوله :( فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ) أي الذي لا نعيم غيره لأنه لا كدر فيه بوجه ولا منغص ، والصنف الآخر منهم المتقربون والمتشاققون من أصحاب المشأمة ، أولئك المغضوب عليهم المبعودون ، ومن دونهم الضالون البعيدون وهم أصحاب الشمال.

ولما ذكر السابقين فصلهم فقال :( ثُلَّةٌ ) أي جماعة كثيرة حسنة ، وقال البغوي : والثلة جماعة غير محصورة العدد ،( مِنَ الْأَوَّلِينَ ) وهم الأنبياء الماضون عليهم الصلاة والسّلام ، ومن آمن بهم من غير واسطة رضي الله عنهم( وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ ) وهم من آمن بمحمد ـ عليه الصلاة والسّلام ـ كذلك بغير واسطة رضي الله عنهم ، فقد كان الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام مائة ألف ونيفا وعشرين ألفا ، وكان من خرج مع موسىعليه‌السلام من مصر وهم من آمن به من الرجال المقاتلين ممن هو فوق العشرين ودون الثمانين وهم ستمائة ألف فما ظنك بمن عداهم من الشيوخ ومن دون العشرين من التابعين والصبيان ومن النساء ، فكيف بمن عداه من سائر النبيين عليهم الصلاة والسّلام المجددين من بني إسرائيل وغيرهم ، وقيل «الثلة والقليل كلاهما من هذه الأمة»(٢) ، رواه الطبراني وابن عدي عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وفيه أبان بن أبي عياش وهو متروك ورواه إسحاق بن راهويه ومسدد بن مسرهد وأبو داود الطيالسي وإبراهيم الحربي

__________________

(١) لم أره بعد مسندا. والمهدوي أحد علماء التفسير من المتأخرين.

(٢) انظر مجمع الزوائد ٧ / ١٨٨ وهو عند ابن عدي في الكامل ١ / ٣٨٧ من حديث ابن عباس وأعله بأبان ابن أبي عياش وأنه واه.

٤٠٥

والطبراني من رواية علي بن زيد وهو ضعيف عن عقبة بن صهبان عن أبي بكرة رضي الله عنه مرفوعا وموقوفا ، والموقوف أولى بالصواب ، وتطبيقه على هذه الأمة سواء كان مرفوعا أو موقوفا صحيح لا غبار عليه ، فتكون الصحابة رضي الله عنهم كلهم من هذه الثلة وكذا من تبعهم بإحسان إلى رأس القرن الثالث وهم لا يحصيهم إلا الله تعالى ، ومن المعلوم أنه تناقص الأمر بعد ذلك إلى أن صار السابق في الناس أقل من القليل لرجوع الإسلام إلى الحال الذي بدأ عليها من الغربة «بدأ الإسلام غريبا وسيكون غريبا فطوبى للغرباء»(١) ويجوز أن يقدر أيضا : وثلة ـ أي جماعة كثيرة هلكى ـ من الأولين ، وهم المعاندون من الأمم الماضين ، وقليل من الآخرين ـ وهم المعاندون من هذه الأمة.

( عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ (١٦) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (١٩) )

( وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) )

ولما ذكر السابقين في الخير بصنفيهم مشيرا إلى السابقين في الشر بصنفيهم ، ذكر جزاء أهل الخير ليعلم منه جزاء أولئك ، فقال مبينا أنهم ملوك لكن ملكهم لا ينافس فيه ولا يحاسد ، بل هو كله يقابل بالوداد والصفاء( عَلى سُرُرٍ ) وهو ما يسر الإنسان من المقاعد العالية المصنوعة للراحة والكرامة التي هي آية الملك وهو العرش( مَوْضُونَةٍ ) أي منسوجة نسجا مضاعفا منضودة داخلا بعضها في بعض مقارب النسج معجبا كالدرع لكن نسجها بالذهب مفصلا بالجوهر من الدر والياقوت.

ولما ذكر السرر وبين عظمتها ، ذكر غايتها فقال :( مُتَّكِئِينَ ) أي متكئين هيئة المتربع أو غيرها من الجنب أو غيرها( عَلَيْها ) ولما كان الجمع إذا كثر كان ظهور بعض أهله إلى بعض ، أعلم أن جموع أهل الجنة على غير ذلك فقال :( مُتَقابِلِينَ ) فلا بعد ولا مدابرة لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض ولا يكره بعضهم بعضا.

ولما كان المتكىء قد يصعب عليه القيام لحاجته قال :( يَطُوفُ عَلَيْهِمْ ) أي لكفاية كل ما يحتاجون إليه( وِلْدانٌ ) على أحسن صورة وزي وهيئة( مُخَلَّدُونَ ) قد حكم ببقائهم على ما هم عليه من الهيئة ، قال البغوي : تقول العرب لمن كبر ولمن شمط : إنه مخلد ، قال : قال الحسن : هم أولاد أهل الدنيا ، لم يكن لهم حسنات يثابون عليها ولا سيئات يعاقبون عليها لأن الجنة لا ولادة فيها ، فهم خدام أهل الجنة.

__________________

(١) أخرجه مسلم ١٤٥ من حديث أبي هريرة و ١٤٦ من حديث ابن عمر.

ـ وأخرجه أحمد ١ / ٣٩٨ من حديث ابن مسعود.

٤٠٦

ولما كان مدحهم هذا في غاية الإبلاغ مع الإيجاز ، وكان فيه ـ إلى تبليغ ما لهم ـ تحريك إلى مثل أعمالهم ، وكان الأكل الذي هو من أعظم المآرب مشارا إليه بالمدح العظيم الذي من جملته الاستراحة على الأسرة التي علم أن من عادة الملوك أنهم لا يتسنمونها إلا بعد قضاء الوطر منه فلم يبق بعده إلا ما تدعو الحاجة إليه من المشارب وما يتبعها قال تعالى :( بِأَكْوابٍ ) أي كيزان مستديرة الأفواه بلا عرى ولا خراطيم لا يعوق الشارب منها عائق عن الشرب من أي موضع أراد منها فلا يحتاج أن يحول الإناء إلى الحالة التي تناوله عنها ليشرب ، ويمكن أن تكون البدأة بالشراب لما نالوا من المتاعب من العطش كما لمن يشرب من الحوض فيكون حينئذ قبل الأكل والله أعلم( وَأَبارِيقَ ) أي أواني لها عرى وخراطيم فيها من أنواع المشارب ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين( وَكَأْسٍ ) أي إناء معد للشرب فيه والشراب نفسه.

ولما كان الشراب عاما بينه بقوله :( مِنْ مَعِينٍ ) أي خمر جارية صافية صفاء الماء ليس يتكلف عصرها بل ينبع كما ينبع الماء. ولما أثبت نفعها وما يشوق إليها ، نفى ما ينفر عنها فقال :( لا يُصَدَّعُونَ ) أي تصدعا يوجب المجاوزة( عَنْها ) أي بوجع في الرأس ولا تفرق لملالة( وَلا يُنْزِفُونَ ) أي يذهب بعقولهم بوجه من الوجوه أي يصرع شرابهم ، من نزفت البئر ـ إذا نزح ماؤها كله ، ونزف فلان : ذهب عقله أو سكر ، وبنى الفعلان للمجهول لأنه لم تدع حاجة إلى معرفة الفاعل ، وقال الرازي في اللوامع : قال الصادق : لا تذهل عقولهم عن موارد الحقائق عليهم ولا يغيبون عن مجالس المشاهدة بحال.

ولما بدأ بالألذ الهاضم للأكل ، تلاه بما يليه مما يدعو إليه الهضم تصريحا به بعد التلويح فقال :( وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ ) أي هو فيها بحيث لو كان فيها جيد وغيره واختاروا وبالغوا في التنقية لكان مما يقع التخير عليه ، ولما ذكر ما جرت العادة بتناوله لمجرد اللذة ، أتبعه ما العادة أنه لإقامة البينة وإن كان هناك لمجرد اللذة أيضا فقال :

( وَلَحْمِ طَيْرٍ ) ولما كان في لحم الطير مما يرغب عنه ، احترز عنه بقوله :( مِمَّا يَشْتَهُونَ ) أي غاية الشهوة بحيث يجدون لآخره من اللذة ما لأوله.

ولما كان لم يكن بعد الأكل والشرب أشهى من الجماع ، قال عاطفا على( وِلْدانٌ : وَحُورٌ عِينٌ ) أي يطفن عليهم ، وجره حمزة والكسائي عطفا على( سُرُرٍ ) فإن النساء في معنى الاتكاء لأنهن يسمين فراشا. ولما كان المثل في الأصل الشيء نفسه كما مضى في الشورى قال :( كَأَمْثالِ ) أي مثل أشخاص( اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ ) أي المصون في الصدف عما قد يدنسه.

٤٠٧

( جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً (٢٥) إِلاَّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً (٢٦) وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَماءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤) )

ولما أبلغ في وصف جزائهم بالحسن والصفاء ، دل على أن أعمالهم كانت كذلك لأن الجزاء من جنس العمل فقال تعالى :( جَزاءً ) أي فعل لهم ذلك لأجل الجزاء( بِما كانُوا ) جبلة وطبعا( يَعْمَلُونَ ) أي يجددون عمله على جهة الاستمرار.

ولما أثبت لها الكمال وجعله لهم ، نفى عنها النقص فقال :( لا يَسْمَعُونَ ) أي على حال من الأحوال( فِيها لَغْواً ) أي شيئا مما لا ينفع فإن أنكأ بالسميع الحكيم ذلك ، واللغو : الساقط( وَلا تَأْثِيماً ) أي ما يحصل به الإثم أو النسبة إلى الإثم ، بل حركاتهم وسكناتهم كلها رضى الله ، وما قطع قلوب السائرين إلى الله إلا هاتان الخصلتان بينا أحدهم يبني ما ينفعه مجتهدا في البناء إذ هو غلبه طبعه فهدم أكثر ما بنى ، وبينا هو يظن أنه قد قرب إذا هو تحقق بمثل ذلك أنه قد بعد ، نزحت داره وشط مزاره ، فالله المستعان.

ولما كان الاستثناء ، معيار العموم ، ساق بصورة الاستثناء قوله :( إِلَّا قِيلاً ) أي هو في غاية اللطافة والرقة بما دل عليه المبني على ما قبلها محاسن مع ما تدل عليه مادة قوله. ولما تشوف السامع إليه بالتعبير بما ذكر ، بينه بقوله :( سَلاماً ) ودل على دوامه بتكريره فقال :( سَلاماً ) أي لا يخطر في النفس ولا يظهر في الحس منهم قول إلا دالّا على السلامة لأنه لا عطب فيها أصلا ، وساقه مساق الاستثناء المتصل دلالة على أنه إن كان فيها لغو فهو ذلك حسب ، وهو ما يؤمنهم وينعمهم ويبشرهم مع أنه دال على حسن العشرة وجميل الصحبة وتهذيب الأخلاق وصفاء المودة.

ولما أتم سبحانه القسم الأول القلبي السوائي المولي من الثلاثة بقسميه ، وذكر في جزائه مما لأصحاب المدن ما لا يمكنهم الوصول إليه ، عطف عليه الثاني الذي هو دونه لذلك وهم والله أعلم الأبرار وهم أيضا صنفان ، وذكر في جزائهم من جنس ما لأهل البوادي أنهى ما يتصورونه ويتمنونه فقال :( وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ) ثم فخم أمرهم وأعلى مدحهم لتعظيم جزائهم ، والإشارة إلى أنهم أهل لأن يسأل عن حالهم فإنهم في غاية الإعجاب فقال :( ما أَصْحابُ الْيَمِينِ ) ولما عبر عنهم بما أفهم أنهم أولو القوة والجد في الأعمال ، والبركة في جميع الأحوال ، ذكر عيشهم بادئا بالفاكهة لأن عيش الجنة كله تفكه ، ذاكرا منها ما ينبت في بلاد العرب من غير كلفة بغرس ولا خدمة ، وأشار إلى

٤٠٨

كثرة ما يذكره بأن جعله ظرفهم ، فقال من غير ذكر لسرير الملك الذي حبا به المقربين من الملك ، ولم يزد على ذلك المأكول وما معه بما يتصور للبهائم :( فِي سِدْرٍ ) أي شجر نبق متدلي الأغصان من شدة حمله ، من سدر الشعر ـ إذا سدله( مَخْضُودٍ ) أي هو مع أنه لا شوك له ولا عجم بحيث تنثني أغصانه من شدة الحمل ، من خضد الشوك : قطعه ، والغصن : ثناه وهو رطب ، وفي ذكر هذا تنبيه على أن كل ما لا نفع فيه أو فيه نوع أذى له في الجنة وجود كريم لأن الجنة إنما خلقت للنعيم.

ولما ذكر ما يطلع في الجبال والأماكن المعطشة والرمال ، أتبعه ما لا يطلع إلا على المياه دلالة على أن أماكنهم في غاية السهولة والري فقال :( وَطَلْحٍ ) أي شجر موز أو نخل ، وقال الحسن : شجر له ظل بارد طيب الرائحة وقال الفراء وأبو عبيدة : شجر عظام لها شوك ، وقيل : هو أم غيلان ، وله نور كثير ، ويحكى عن أبي تراب النخشبي أنه كان سائرا مع قوم من الصوفية على قدم التوكل ، فجاعوا أياما فقال : أتريدون أن تأكلوا ، قالوا : نعم ، فضرب بيده على شجرة أم غيلان فإذا عليها عراجين موز ، فأكلوا إلا شابا منهم ، فقال : لا آكل ولا أصحبك بعدها ، لأني كنت أسير بلا معلوم ، وقد صرت أنت الآن معلومي ، كلما جعت التفتت نفسي إليك.( مَنْضُودٍ ) أي منظوم بالحمل من أعلاه إلى أسفله متراكم يتراكب بعضه على بعض على ترتيب هو في غاية الإعجاب ، قال في القاموس : الطلح : شجر عظيم ، والطلع : والموز ، والطلع من النخل : شيء يخرج كأنه نعلان مطبقان والحمل بينهما منضود ، والطرف محدد ، أو ما يبدو من ثمرته أول ظهورها.

ولما ذكر ما لا يكون إلا في البلاد الحارة قال :( وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ) أي مستوعب للزمان والمكان فهو دائم الاستمداد كما بين الإسفار وطلوع الشمس لا فناء له ولا نهاية. ولما كان ما ذكر من الري لا يستلزم الجري قال :( وَماءٍ مَسْكُوبٍ ) أي جار في منازلهم من غير أخدود ولا يحتاجون فيه إلى جلب من الأماكن البعيدة ، ولا الإدلاء في بئر كما لأهل البوادي.

ولما ذكر ما تقدم ، عم بقوله :( وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ ) أي أجناسها وأنواعها وأشخاصها. ولما كانت لا تكون عندنا إلا في أوقات يسيرة ، بين أن أمر الجنة على غير ذلك فقال :( لا مَقْطُوعَةٍ ) ولما كانت في الدنيا قد يعز التوصل إليها مع وجودها لشيء من الأشياء أقله صعود الشجرة أو التحجز بجدار أو غيره قال :( وَلا مَمْنُوعَةٍ ) ولما كان التفكه لا يكمل الالتذاذ به إلا مع الراحة قال :( وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ ) أي هي رفيعة القدر وعالية بالفعل لكثرة الحشو ولتراكم بعضها على بعض ولأنها على السرر ، وروى

٤٠٩

البغوي من طريق النسائي عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «ارتفاعها كما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام».

( إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٣٥) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً (٣٦) عُرُباً أَتْراباً (٣٧) لِأَصْحابِ الْيَمِينِ (٣٨) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠) وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ (٤٤) إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥) وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦) )

ولما كانت النساء يسمين فرشا ، قال تعالى معيدا للضمير على غير ما يتبادر إليه الذهن من الظاهر على طريق الاستخدام مؤكدا لأجل إنكار من ينكر البعث :( إِنَّا ) أي بما لنا من القدرة والعظمة التي لا يتعاظمها شيء( أَنْشَأْناهُنَ ) أي الفرش التي معناها النساء من أهل الدنيا بعد الموت ولو عن الهرم والعجز بالبعث ، وزاد في التأكيد فقال :( إِنْشاءً ) أي من غير ولادة ، بل جمعناهن من التراب كما فعلنا في سائر المكلفين ليكونوا كأبيهم آدم عليه الصلاة والسّلام في خلقه من تراب ، فتكون الإعادة كالبداءة ، ولذلك يكون الكل عند دخول الجنة على شكله عليه الصلاة والسّلام ، ويجوز أن يكون المراد بهن الحور العين فيكون إنشاء مبتدعا لم يسبق له وجود.

ولما كان للنفس أتم التفات إلى الاختصاص ، وكان الأصل في الأنثى المنشأة أن تكون بكرا ، نبه على أن المراد بكارة لا تزول إلا حال الوطىء ثم تعود ، فكلما عاد إليها وجدها بكرا ، فقال :( فَجَعَلْناهُنَ ) أي الفرش الثيبات وغيرهن بعظمتنا المحيطة بكل شيء( أَبْكاراً ) أي بكارة دائمة لأنه لا تغيير في الجنة ولا نقص.

ولما كان مما جرت به العادة أن البكر تتضرر من الزوج لما يلحقها من الوجع بإزالة البكارة ، دل على أنه لا نكد هناك أصلا بوجع ولا غيره بقوله :( عُرُباً ) جمع عروب ، وهي الغنجة المتحببة إلى زوجها ، قال الرازي في اللوامع : الفطنة بمراد الزوج كفطنة العرب. ولما كان الاتفاق في السن أدعى إلى المحبة ومزيد الألفة قال :( أَتْراباً ) أي على سن واحدة وقد واحد ، بنات ثلاث وثلاثين سنة وكذا أزواجهن. قال الرازي في اللوامع : أخذ من لعب الصبيان بالتراب ـ انتهى ، وروى البغوي من طريق عبد بن حميد عن الحسن : قال أتت عجوز النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقالت : يا رسول الله! ادع الله أن يدخلني الجنة ، فقال : «يا أم فلان! إن الجنة لا تدخلها عجوز ، فولت تبكي ، قال : أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز ، إن الله تعالى يقول :( إِنَّا أَنْشَأْناهُنَ ) ،الآية » رواه الترمذي عنه في الشمائل هكذا مرسلا ، ورواه البيهقي في كتاب البعث عن عائشة رضي

٤١٠

الله عنها والطبراني في الأوسط من وجه عنها ، ومن وجه آخر عن أنس رضي الله عنه ، قال شيخنا حافظ عصره ابن حجر : وكل طرقه ضعيفة ، وروى البغوي أيضا من طريق الثعلبي عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم في هذه الآية قال : «عجائزكن في الدنيا عمشا رمصا فجعلهن أبكارا ».

ولما كان هذا الوصف البديع مقتضيا لما يزدهي عنه النفس لأن يقال : لمن هؤلاء؟ وإن كان قد علم قبل ذلك ، نبه عليه بقوله تعالى :( لِأَصْحابِ الْيَمِينِ ) ويجوز أن يتعلق ب( أَتْراباً ) نصا على أنهن في أسنان أزواجهن.

ولما أنهى وصف ما فيه أهل هذا الصنف على أنهى ما يكون لأهل البادية بعد أن وصف ما للسابقين بأعلى ما يمكن أن يكون لأهل الحاضرة ، وكان قد قدم المقايسة في السابقين بين الأولين والآخرين ، فعل هنا كذلك فقال :( ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ ) أي من أصحاب اليمين( وَثُلَّةٌ ) أي منهم( مِنَ الْآخِرِينَ ) فلم يبين فيهم قلة ولا كثرة ، والظاهر أن الآخرين أكثر ، فإن وصف الأولين بالكثرة لا ينافي كون غيرهم أكثر ليتفق مع قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : إن هذه الأمة ثلثا أهل الجنة ، فإنهم عشرون ومائة صف ، هذه الأمة منهم ثمانون صفا.

ولما أتم وصف ما فيه الصنفان المحمودان ، وبه تمت أقسام أصحاب الميمنة الأربعة الذين هم أصحاب القلب واليمين ، أتبعه أضدادهم فقال :( وَأَصْحابُ الشِّمالِ ) أي الجهة التي تتشاءم العرب بها وعبر بها عن الشيء الأخس والحظ الأنقص ، والظاهر أنهم أدنى أصحاب المشأمة كما كان أصحاب اليمين دون السابقين من أصحاب الميمنة ، ثم عظم ذمهم ومصابهم فقال :( ما أَصْحابُ الشِّمالِ ) أي إنهم بحال من الشؤم هو جدير بأن يسأل عنه. ولما ذمهم وعابهم ، ذكر عذابهم ليعلم أن القسم الأشد منهم في الشؤم أشد عذابا فقال :( فِي سَمُومٍ ) أي ظرفهم المحيط بهم لفح من لفح النار شديد يتخلل المسام( وَحَمِيمٍ ) أي ماء حار بالغ في الحرارة إلى حد يذيب اللحم.

ولما كان للتهكم في القلب من شديد الوقد ما يجل عن الوصف والحد قال :( وَظِلٍ ) ثم أتبعه ما صرح بأنه تهكم فقال :( مِنْ يَحْمُومٍ ) أي دخان أسود كالحمم أي الفحم شديد السواد بما أفهمته الزيادة وشبه صيغة المبالغة. ولما كان المعهود من الظل البرد والإراحة ، نفى ذلك عنه فقال :( لا بارِدٍ ) ليروح النفس( وَلا كَرِيمٍ ) ليؤنس به ويلجأ إليه ويرجى خيره ويعول في حال عليه بأن يفعل ما يفعله الواسع الخلق الصفوح من الإكرام ، بل هو مهين ، سماه ظلّا لترتاح النفس إليه ثم نفى عنه نفع الظل وبركته لينضم حرقان : اليأس بعد الرجاء إلى إحراق اليحموم فتصير الغصة غصتين.

٤١١

ولما أنتج هذا أنه على خلق اللئيم فهو موضع الحرارة والضيق والخسة والشدة ، علله بقوله :( إِنَّهُمْ ) أكده وإن كان فيهم أهل الضر لاجتماعهم في الاسترواح إلى منابذة الدين باتباع الشهوات ، ولأن ما مضى لهم بالنسبة إلى هذا العذاب حال ناعم ، وعبر بالكون دلالة على العراقة في ذلك ولو بتهيئهم له جبلة وطبعا فقال :( كانُوا ) أي في الدنيا. ولما كان ذلك ملازما للاستغراق في الزمان بميل الطباع ، نزع الجار فقال :( قَبْلَ ذلِكَ ) أي الأمر العظيم الذي وصلوا إليه( مُتْرَفِينَ ) أي في سعة من العيش منهمكين في الشهوات مستمتعين بها متمكنين فيها لترامي طباعهم إليها فأعقبهم ما في جبلاتهم من الإخلاد إلى الترف عدم الاعتبار والاتعاظ في الدنيا والتكبر على الدعاة إلى الله ، وفي الآخرة شدة الألم لرقة أجسامهم المهيأة للترف بتعودها بالراحة بإخلادها إليها وتعويلها عليها( وَكانُوا ) أي مع الترف( يُصِرُّونَ ) أي يقيمون ويدومون على سبيل التجديد مما لهم من الميل الجبلي إلى ذلك( عَلَى الْحِنْثِ ) أي الذنب ، ومنه قولهم : بلغ الغلام الحنث ، أي الحلم الذي هو وقت المؤاخذة بالذنب ، ويطلق الحنث على الكذب والميل إلى الأباطيل واليمين الغموس ونقض العهد المؤكد.

ولما كان ذلك قد يكون من المعهود مما يغتفر بكونه صغيرا أو في وقت يسير قال :( الْعَظِيمِ ) دالّا على أنهم يستهينون العظائم من القبائح والفواحش.

( وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) )

ولما وصفهم بالترف والإصرار على السرف ، وكان ذلك يلازم البطالة ، وكان يلزم عنها الغباوة والفساد الموجب للشقاوة ، ذكر إنكارهم لما لا أبين منه ، فقال عاطفا على ما أفهمه التعبير عن الإثم بالحنث من نحو : فكانوا يقسمون بالله جهد أيمانهم أنهم لا يبعثون وأن الرسل كاذبون :( وَكانُوا يَقُولُونَ ) أي إنكارا مجددين لذلك دائما جلافة أو عنادا :( أَإِذا ) أي أنبعث إذا ، وحذف العامل لدلالة مبعوثون عليه ، ولا يعمل هو لأن الاستفهام وحرف التأكيد اللذين لهما الصدر منعاه( مِتْنا ) أي فلم يبق في رد أرواحنا طب بوجه( وَكُنَّا ) أي كونا ثابتا( تُراباً وَعِظاماً ) ولما كان استفهامهم هذا لإنكار أن يكون في شيء من إقامة أبدانهم أو رد أرواحهم طب ، أعاد الاستفهام تأكيدا لإنكارهم فقال :( أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ) أي كائن وثابت بعثنا ساعة من الدهر ، وأكدوا ليكون إنكارهم لما دون المؤكد بطريق الأولى.

٤١٢

ولما كانت أفهامهم واقفة مع المحسوسات لجمودهم. وكان البلى كلما كان أقوى كان ذلك البالي في زعمهم من البعث أبعد ، قالوا مخرجين في جملة فعلية عطفا على الواو من (معبوثون) من غير تأكيد بضمير الفصل بالاستفهام :( أَوَآباؤُنَا ) أي يبعث آباؤنا أي يوجد بعثهم من حين ، وزادوا الاستبعاد على ما أفهموا بقولهم :( الْأَوَّلُونَ ) أي الذين قد بليت مع لحومهم عظامهم ، فصاروا كلهم ترابا ولا سيما إن حملتهم السيول ففرقت ترابهم في كل أوب ، وذهبت به في كل صوب ، وسكن نافع وابن عامر الواو على أن العاطف (أو) ويجوز أن يكون العطف على محل «إن» واسمها.

ولما كانوا في غاية الجلافة ، رد إنكارهم بإثبات ما نفوه ، وزادهم الإخبار بإهانتهم ثم دل على صحة ذلك بالدليل العقلي لمن يفهمه ، فقال مخاطبا لأعلى الخلق وأوقفهم به لأن هذا المقام لا يذوقه حق ذوقه إلا هو كما أنه لا يقوم بتقريره لهم والرفق بهم إلا هو :( قُلْ ) أي لهم ولكل من كان مثلهم ، وأكد لإنكارهم :( إِنَّ الْأَوَّلِينَ ) الذين جعلتم الاستبعاد فيهم أوليا ، ونص على الاستغراق بقوله :( وَالْآخِرِينَ ) ودل على سهولة بعثهم وأنه في غاية الثبات ، منبها على أن نقلهم بالموت والبلى تحصيل لا تفويت :( لَمَجْمُوعُونَ ) بصيغة اسم المفعول ، في المكان الذي يكون فيه الحساب. ولما كان جمعهم بالتدريج ، عبر بالغاية فقال :( إِلى مِيقاتِ ) أي زمان ومكان( يَوْمٍ مَعْلُومٍ ) أي معين عند الله ، ومن شأنه أن يعلم بما عنده من الأمارات ، والميقات : ما وقت به الشيء من زمان أو مكان أي حد.

ولما كان زمان البعث متراخيا عن نزول القرآن ، عبر بأداته وأكد لأجل إنكارهم فقال :( ثُمَ ) أي بعد البعث بعد الجمع المدرج( إِنَّكُمْ ) وأيد ما فهمه من أصحاب الشمال هم القسم الأدنى من أصحاب المشأمة فقال :( أَيُّهَا الضَّالُّونَ ) أي الذين غلبت عليه الغباوة فهم لا يفهمون ، ثم أتبع ذلك ما أوجب الحكم عليهم بالضلال فقال :( الْمُكَذِّبُونَ ) أي تكذيبا ناشئا عن الضلال والتقيد بما لا يكذب به إلا عريق في التكذيب بالصدق( لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ ) منبته النار. ولما كان الشجر معدن الثمار الشهية كالسدر والطلح ، بينه بقوله :( مِنْ زَقُّومٍ ) أي شيء هو في غاية الكراهة والبشاعة في المنظر ونتن الرائحة والأذى ، قال أبو عبد الله القزاز في ديوانه الجامع وعبد الحق في واعيه : الزقم : شوب اللبن والإفراط فيه ، يقال : بات يزقم اللبن زقما ، ومن هذا الزقوم الذي ذكره الله تبارك وتعالى ، وقالا : قال أبو حنيفة : الزقوم شجرة غبراء صغيرة الورق لا شوك لها زفرة لها كعابر في رؤوسها ولها ورد تجرشه النحل ، ونورها أبيض ورأس ورقها قبيح جدا ، وهي مرعى ، ومنابتها السهل ، وقال في القاموس : في الدفر بالدال

٤١٣

المهملة ، الدفر ـ بالتحريك : وقوع الدود في الطعام والذل والنتن ، ويسكن ، وقال في المعجمة : الذفر ـ محركة : شدة ذكاء الريح كالذفرة أو يخص برائحة الإبط المنتن ، والنتن وماء الفحل ، والذفراء من الكتائب : السهكة من الحديد ، والكعبرة بضمتين وعين وراء مهملتين : عقدة أنبوب الزرع ، وعن السهيلي أن أبا حنيفة ذكر في النبات أن شجرة باليمن يقال لها الزقوم لا ورق لها ، وفروعها أشبه شيء برؤوس الحيات ، وقال البيضاوي : شجرة صغيرة الورق دفرة مرة تكون بتهامة ، وفي القاموس : والزقمة : الطاعون وقال في النهاية : فعول من الزقم : اللقم الشديد والشرب المفرط ، وقال ابن القطاع : زقم زقما : بلع ، وقد علم من مجموع هذا الكلام تفسيره بالطاعون تارة والشرب المفرط أخرى ، ومن الاشتراط والشجرة المنتنة والبشعة المنظر أنه شيء كريه يضطر آكله إلى التملؤ منه بنهمة وهمة عظيمة ، ومن المعلوم أن الحامل له على هذا مع هذه الكراهة لا يكون إلا في أعلى طبقات الكراهة ، ولذلك حسن جدا موقع قوله مسببا عن الأكل :( فَمالِؤُنَ ) أي ملأ هو في غاية الثبات وأنتم في غاية الإقبال عليه مع ما هو عليه من عظيم الكراهة( مِنْهَا ) أي الشجر ، أنثه لأنه جمع شجر أو هو اسم جنس ، وهم يكرهون الإناث فتأنيثه ـ والله أعلم ـ زيادة في تنفيرهم منه( الْبُطُونَ ) أي لشيء عجيب يضطركم إلى تناول هذا الكريه مما هو أشد منه كراهة بطبقات من جوع أو غيره ، وإن فسرت بما قالوا من أنه معروف لهم أنه الزبد بالتمر لم يضر ذلك بل يكون المعنى أنهم يتملؤون منها تملأ من يأكل من هذا في الدنيا مع أنه من المعلوم أنه لا شيء في النار المعدة للعذاب لمن أعدت لعذابه حسن.

ولما كان من يأكل كثيرا يعطش عطشا شديدا فيشرب ما قدر عليه رجاء تبريد ما به من حرارة العطش ، سبب عنه قوله :( فَشارِبُونَ عَلَيْهِ ) أي على هذا المليء أو الأكل( مِنَ الْحَمِيمِ ) أي الماء الذي هو في غاية الحرارة بحيث ضوعف إحماؤه وإغلاؤه.

ولما كان شربهم لأدنى قطرة من ذلك في غاية العجب ، أتبعه ما هو أعجب منه وهو شدة تملئهم منه فقال مسببا عما مضى :( فَشارِبُونَ ) أي منه( شُرْبَ ) بالفتح في قراءة الجماعة وبالضم لنافع وعاصم وحمزة ، وقرىء شاذا بالكسر والثلاثة مصادر ، قال في القاموس : وشرب كسمع شربا ويثلث أو الشراب مصدر وبالضم والكسر اسمان ، وبالفتح القوم : يشربون ، وبالكسر : الماء والحظ منه ، والمورد ووقت الشرب ، والكل يصلح هنا( الْهِيمِ ) أي الإبل العطاش لأن بها الهيام وهو داء يشبه الاستسقاء جمع أهيم ، وقال القزاز : جمع هيماء وهو أي ـ الهيام ـ بالضم : داء يصيب الإبل فتشرب ولا تروى ـ انتهى. وقال : ذو الرمة :

٤١٤

فأصبحت كالهيماء لا الماء مبرد

صداها ولا يقضي عليها هيامها

ويقال : الهيم : الرمل ، ينصب فيه كل ما صب عليه ، والمعنى أنه يسلط عليهم من الجوع ما يضطرهم إلى الأكل ثم من العطش ما يضطرهم إلى الشرب على هذه الهيئة.

( هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦) نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْ لا تُصَدِّقُونَ (٥٧) أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ (٦١) )

ولما كان كأنه قيل : هذا عذابهم كله ، قيل تهكما بهم ونكاية لهم :( هذا نُزُلُهُمْ ) أي ما يعد لهم أول قدومهم مكان ما يعد للضيف أول حلوله كرامة له( يَوْمَ الدِّينِ ) أي الجزاء الذي هو حكمة القيامة ، وإذا كان هذا نزلهم فما ظنك بما يأتي بعده على طريق من يعتني به فما ظنك بما يكون لمن هو أغنى منهم من المعاندين وهو في طريق التهكم مثل قول أبي الشعراء الضبي :

وكنا إذا الجبار بالسيف ضافنا

جعلنا القنا والمرهفات له نزلا

ولما ذكر الواقعة وما يكون فيها للأصناف الثلاثة ، وختم بها على وجه بين فيه حكمتها وكانوا ينكرونها ، دل عليه بقوله :( نَحْنُ ) أي لا غيرنا( خَلَقْناكُمْ ) أي بما لنا من العظمة ، ولعل هذا الخطاب للدهرية المعطلة من العرب. ولما كانوا منكرين للبعث عدوا منكرين للابتداء وإن كانوا من المخلصة بالمقرين بالخالق لأنهما لما بينهما من الملازمة لا انفكاك لأحدهما عن الآخر فقال :( فَلَوْ لا ) أي فتسبب عن ذلك أن يقال تهديدا ووعيدا : هلا ولم لا( تُصَدِّقُونَ ) أي بالخلق الذي شاهدتموه ولا منازع لنا فيما فيه فتصدقوا بما لا يفرق بينه وبينه إلا بأن يكون أحق منه في مجاري عاداتكم ، وهو الإعادة فتعملوا عمل العبيد لساداتهم ليكون حالكم حال مصدق بأنه مربوب.

ولما حضضهم على التصديق بالاستدلال بإيجادهم ، وكان البعث إنما هو تحويلهم من صورة بالية إلى الصورة التي كانوا عليها من قبل ، سبب عن تكذيبهم به مع تصديقهم بالخلق عدم النظر في تبديل الصور في تفاصيله ، أو سبب عن قول من عساه يقول من أهل الطبائع : إنما خلقنا من نطفة حدثت بحرارة كامنة ، فقال :( أَفَرَأَيْتُمْ ) أي أخبروني هل رأيتم بالبصر أو البصيرة أنا خلقناكم فيهديكم ذلك أنا نقدر على الإعادة كما قدرنا على البداءة فرأيتم( ما تُمْنُونَ ) أي تريقون ـ من النطف التي هي مني في الأرحام بالجماع.

ولما كانت العبرة بالمسبب لا بالسبب ، نبه على ذلك بتجديد الإنكار تنبيها على

٤١٥

أنهم وإن كانوا معترفين بتفرده بالإبداع ، فإن إنكارهم للبعث مستلزم لإنكارهم لذلك فقال :( أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ ) أي توجدونه مقدرا على ما هو عليه من الاستواء والحكمة بعد خلقه من صورة النطفة إلى صورة العلقة ثم من صورة العلقة إلى صورة المضغة ثم منها إلى صورة العظام والأعصاب( أَمْ نَحْنُ ) خاصة. ولما كان المقام لتقرير المنكرين ذكر الخبر المفهوم من السياق على وجه أفهم أن التقدير : أو أنتم الخالقون له أم نحن؟ فقال : بل نحن( الْخالِقُونَ ) أي الثابت لنا ذلك ، فالآية من الاحتباك : ذكر أولا( تَخْلُقُونَ ) دليلا على حذف مثله له سبحانه ثانيا ، وذكر الاسم ثانيا دليلا على حذف مثله لهم أولا ، وسر ذلك أنه ذكر ما هو الأوفق لأعمالهم مما يدل على وقت التجدد ولو وقتا ما ، وما هو الأولى بصفاته سبحانه مما يدل على الثبات والدوام.

ولما كان الجواب : أنت الخالق وحدك ، وكان الطبيعي ربما قال : اقتضى ذلك الحرارة المخمرة للنطفة ، وكانت المفاوتة للآجال مع المساواة في اسمية الحياة من الدلائل العظيمة على تمام القدرة على الإفناء والإبداء بالاختيار مبطلة لقول أهل الطبائع دافعة لهم ، أكد ذلك الدليل بقوله :( نَحْنُ ) أي بما لنا من العظمة لا غيرنا( قَدَّرْنا ) أي تقديرا عظيما ، لا يقدر سوانا على نقض شيء منه( بَيْنَكُمُ ) أي كلكم لم نترك أحدا منكم بغير حصة منه( الْمَوْتَ ) أي أوجبناه على مقدار معلوم لكل أحد لا يتعداه ، فقصرنا عمر هذا وربما كان في الأوج من قوة البدن وصحة المزاج ، فلو اجتمع الخلق كلهم على إطالة عمره ما قدروا أن يؤخروه لحظة ، وأطلنا عمر هذا وقد يكون في الحضيض من ضعف البدن واضطراب المزاج فلو تمالؤوا على تقصيره طرفة عين لعجزوا ، وأنتم معترفون بأنه سبحانه رتب أفعاله على مقتضى الكمال والقدرة والحكمة البالغة ، فلو كانت فائدة الموت مجرد القهر لكانت نقصا لكونه يعم الغني والفقير والظالم والمظلوم ، ولكان جعل الإنسان مخلدا أولى وأحكم ، ففائدته غير مجرد القهر وهي الحمل على إحسان العمل للقاهر خوفا من العرض عليه والمحاسبة بين يديه ثم النقلة إلى دار الجزاء والترقية إلى العلوم التي البدن حجابها من تمييز الخبيث والطيب والعلم بمقادير الثواب والعقاب ، وغير ذلك مما يبصره أولو الألباب.

ولما كان حاصل الموت أنه تغيير الصورة التي كانت إلى غيرها ، وكان من قدر على تحويل صورة شيء إلى شيء قدر على تحويلها إلى شي آخر مماثل لذلك الشيء قال :( وَما نَحْنُ ) أي على ما لنا من العظمة ، وأكد النفي فقال :( بِمَسْبُوقِينَ ) أي بالموت ولا عاجزين ولا مغلوبين( عَلى أَنْ نُبَدِّلَ ) تبديلا عظيما( أَمْثالَكُمْ ) أي صوركم وأشخاصكم لما تقدم في الشورى من أن المثل في الأصل هو الشيء نفسه( وَنُنْشِئَكُمْ )

٤١٦

أي إنشاء جديدا بعد تبديل ذواتكم( فِي ما لا تَعْلَمُونَ ) فإن بعضهم تأكله السباع أو الحيتان أو الطيور فتنشأ أبدانها منه ، بعضهم يصير ترابا فربما نشأ منه نبات فأكلته الدواب ، فنشأ منه أبدانها ، وربما صار ترابه من معادن الأرض كالذهب والفضة والحديد والحجر ونحو ذلك ، وقد لمح إلى ذلك قوله تعالى :( قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً أَوْ خَلْقاً ) إلى آخرها ، أو يكون المعنى كما قال البغوي : نأتي بخلق مثلكم بدلا منكم ونخلقكم فيما لا تعلمون من الصور. أي بتغيير أوصافكم وصوركم في صور أخرى بالمسخ ، ومن قدر على ذلك قدر على الإعادة.

( وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧) أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) )

ولما كان التقدير : فلقد علمتم النشأة الثانية النطفية ، عطف عليه قوله مؤكدا تنبيها على أنهم لما كانوا يعملون بخلاف ما يعلمون كانوا كأنهم منكرون لهذا العلم :( وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ) أي أيها العرب( النَّشْأَةَ الْأُولى ) الترابية لأبيه آدم عليه الصلاة والسّلام : أو اللحمية لأمكم حواء عليهاالسّلام حيث لم يكن هناك طبيعة تقتضي ذلك ، وإلا لوجد مثل ذلك بعد ذلك ، والنطفية لكم ، وكل منها تحويل من شيء إلى غيره ، فالذي شاهدتم قدرته على ذلك لا يقدر على تحويلكم بعد أن تصيروا ترابا إلى ما كنتم عليه أولا من الصورة؟ ولهذا سبب عما تقدم قوله :( فَلَوْ لا ) أي فهلا ولم لا( تَذَكَّرُونَ ) أي تذكرا عظيما تكرهون أنفسكم وإن كان فيه خفاء ما ـ مما أشار إليه الإدغام من أن الملوم عليه غيب ، وكذا بعض ما قيس به أن من قدر على هذه الوجوه من الإبداءات قدر على الإعادة ، بل هي أهون في مجاري عاداتكم.

ولما كان علمهم بأمر النبات الذي هو الآية العظمى لإعادة الأموات أعظم من علمهم بجميع ما مضى ، وكان أمره في الحرث وإلقاء البذر فيه أشبه شيء بالجماع وإلقاء النطفة ، ولذلك سميت المرأة حرثا ، وصل بما مضى مسببا عنه قوله منكرا عليهم :( أَفَرَأَيْتُمْ ) أي أخبروني هل رأيتم بالبصر أو البصيرة ما نبهناكم عليه وفيما تقدم فتسبب عن تنبهكم لذلك أنكم رأيتم( ما تَحْرُثُونَ ) أي تجددون حرثه على سبيل الاستمرار بتهيئة أرضه للبذر وإلقاء البذر فيه.

ولما كانوا لا يدعون القدرة على الإنبات بوجه ، وكان القادر عليه قادرا على كل شيء ، وهم يعتقدون في أمر البعث ما يؤدي إلى الطعن في قدرته ، كرر الإنكار عليهم

٤١٧

فقال :( أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ ) أي تنبتونه بعد طرحكم البذر فيه وتحفظونه إلى أن يصير مالا( أَمْ نَحْنُ ) خاصة ، وأكد لما مضى بذكر الخبر المعلوم من السياق فقال :( الزَّارِعُونَ ) أي المنبتون له والحافظون ، فالآية من الاحتباك بمثل ما مضى في أختها قريبا سواء.

ولما كان الجواب قطعا : أنت الفاعل لذلك وحدك؟ قال موضحا لأنه ما زرعه غيره بأن الفاعل الكامل من يدفع عما صنعه ما يفسده ، ومن إذا أراد إفساده لم يقدر أحد على منعه( لَوْ نَشاءُ ) أي لو عاملناكم بصفة العظمة ، وأكد لأن فعلهم فعل الآمن من ذلك مع أنهم في غاية الاستبعاد لأن يهلك زرعهم كما زرعوه أو لأن المطعوم أهم من المشروب وأعظم ، فإنه الأصل في إقامة البدن والمشروب تبع له فقال :( لَجَعَلْناهُ ) أي بتلك العظمة( حُطاماً ) أي مكسرا مفتتا لا حب فيه قبل النبات حتى لا يقبل الخروج أو بعده ببرد مفرط أو حر مهلك أو غير ذلك فلا ينتفع به( فَظَلْتُمْ ) أي فأقمتم بسبب ذلك نهارا في وقت الأشغال العظيمة وفي كل وقت وتركتم كل ما يهمكم( تَفَكَّهُونَ ) قال في القاموس : فكههم بملح الكلام : أطرفهم بها وفكه ـ كفرح فكها فهو فكه وفاكه : طيب النفس أو يحدث صحبه فيضحكهم ومنه تعجب كتفكه ، والتفاكه : التمازح ، وتفكه : تندم ، والأفكوكة : الأعجوبة ، وقال ابن برجان : الفكه هو المتردد في القول الذاهب فيه كل مذهب ـ انتهى. فأقمتم دائما تندمون على العاقكم أو معاصيكم التي سببت ذلك التلف أو تتعجبون أو تحدثون في ذلك ولم تعرجوا على شغل غيره كما تفعلون عند الأشياء السارة التي هي في غاية الإعجاب والملاحة والملاءمة ، ولهذا عبر عما المراد به الإقامة مع الدوام بظل الذي معناه أقام نهارا إشارة إلى ترك الأشغال التي تهم ومحلها النهار ويمنع الإنسان من أكثر ما يهمه من الكلام لهذا النازل الأعظم ، وحذف إحدى لامي ظل وتاء التفعل من تفكه إشارة إلى ضعف المصابين عن الدفاع في بقائهم وفي كلامهم حال بقائهم الضعيف ، وكون المحذوف عين الفعل وهو الوسط ، إشارة إلى خلع القلب واختراق الجوف والقهر العظيم ، فلا قدرة لأحد منهم على ممانعة هذا النازل بوجه ولا على تبريد ما اعتراه منه من حرارة الصدر وخوف الفقر بغير الشكاية إلى آماله ممن يعلم أنه لا ضر في يده ولا نفع ، وربما كان ذلك إشارة إلى أنه عادته سبحانه قرب الفرج في شدائد الدنيا ليكون الإنسان متمكنا من الشكر لا عذر له في تركه ، ويكون المعنى أنكم مع كثرة اعتيادكم للفرج بعد الشدة عن قرب تيأسون أول ما يصدمكم البلاء ، فتقبلون على كثرة الشكاية ، ولا ينفعكم كثرة التجارب لإدرار النعم أبدا.

ولما ذكر تفكههم ، وكان التفكه يطلق على ما ذكر من التعجب والتندم وعلى

٤١٨

التنعم ، قال الكسائي : هو من الأضداد ، تقول العرب : تفكهت أي تنعمت ، وتفكهت ، أي حزنت ، بين المراد بقوله حكاية لتفكههم :( إِنَّا ) وأكد إعلاما بشدة بأسهم فقال :( لَمُغْرَمُونَ ) أي مولع بنا وملازمون بشر دائم وعذاب وهلاك لهلاك رزقنا ، أو مكرمون بغرامة ما أنفقنا ولم ينتفع به ، وقراءة أبي بكر عن عاصم بالاستفهام لإنكار هذا الواقع والاستعظام له والتعجب منه ، وهي منبهة على أنهم لشدة اضطرابهم من ذلك الحادث مذبذبون تارة يجزمون باليأس والشر وتارة يشكون فيه وينسبون الأمر إلى سوء تصرفهم ، وعليه يدل إضرابهم :( بَلْ نَحْنُ ) أي خاصة( مَحْرُومُونَ ) أي حرمنا غيرنا وهو من لا يرد قضاؤه ، فلا حظ لنا في الاكتساب ، فلو كان الزارع ممن له حظ لأفلح زرعه ، قال في القاموس : الغرام : الولوع والشر الدائم والهلاك والعذاب ، والغرامة ما يلزم أداؤه ، وحرمه : منعه ، والمحروم ، الممنوع عن الخير ومن لا ينمى له مال والمحارف ـ أي بفتح الراء ـ وهو الممنوع من الخير الذي لا يكاد يكتسب ، وقال الأصبهاني في تفسيره : والمحروم ضد المرزوق ، أي والمرزوق المجرود بالجيم وهو المحظوظ.

ولما وقفهم على قدرته في الزرع مع وجود أسبابه ، وقدمهم بشدة إليه ، وكان ربما ألبس نوع لبس لأن لهم فيه سببا في الجملة ، أتبعه التوقيف على قدرته على التصرف في سببه الذي هو الماء الذي لا سبب لهم في شيء من أمره أصلا ، فقال مسببا عما أفادهم هذا التنبيه مذكرا بنعمة الشرب الذي يحوج إليه الغذاء :( أَفَرَأَيْتُمُ ) أي أخبروني هل رأيتم بالبصر أو البصيرة ما نبهنا عليه مما مضى في المطعم وغيره ، أفرأيتم( الْماءَ ) ولما كان منه ما لا يشرب ، وكانت النعمة في المشروب أعظم ، قال واصفا له بما أغنى عن وصفه بالعذوبة ، وبين موضع النعمة التي لا محيد عنها فقال :( الَّذِي تَشْرَبُونَ ) ولما كان عنصره في جهة العلو ، قال منكرا عليهم مقررا لهم :( أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ ) ولما كان الإنزال قد يطلق على مجرد إيجاد الشيء النفيس ، وكان السحاب من عادته المرور مع الريح لا يكاد يثبت ، عبر بقوله تحقيقا لجهة العلو وتوقيفا على موضع النعمة في إثباته إلى أن يتم حصول النفع به :( مِنَ الْمُزْنِ ) أي السحاب المملوء الممدوح الذي شأنه الإسراع في المضي ، وقال الأصبهاني : وقيل : السحاب الأبيض خاصة ، وهو أعذب ماء( أَمْ نَحْنُ ) أي خاصة ، وأكد بذكر الخبر وهو لا يحتاج إلى ذكره في أصل المعنى فقال :( الْمُنْزِلُونَ ) أي له ، رحمة لكم وإحسانا إليكم بتطييب عيشكم على ما لنا من مقام العظمة الذي شأنه الكبر والجبروت وعدم المبالاة بشيء ، والآية من الاحتباك بمثل ما مضى في الآيتين السابقتين سواء.

٤١٩

( لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ (٧٠) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ (٧٣) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤) فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) )

ولما كان الجواب : أنت وحدك فعلت ذلك على غناك عن الخلق بما لك من الرحمة وكمال الذات والصفات ، قال مذكرا بنعمة أخرى :( لَوْ نَشاءُ ) أي حال إنزاله وبعده قبل أن ينتفع به. ولما كانت صيرورة الماء ملحا أكثر من صيرورة النبت حطاما ، لم يؤكد لذلك وللتنبيه على أن السامعين لما مضى التوقيف على تمام القدرة صاروا في حيز المعترفين فقال تعالى :( جَعَلْناهُ ) أي بما تقتضيه صفات العظمة( أُجاجاً ) أي ملحا مرا محرقا كأنه في الأحشاء لهيب النار المؤجج فلا يبرد عطشا ولا ينبت نبتا ينتفع به. ولما كان هذا مما لا يساغ لإنكاره ، سبب عنه على سبيل الإنكار والتحضيض قوله :( فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ ) أي فهل لا ولم لا تجددون الشكر على سبيل الاستمرار باستعمال ما أفادكم ذلك من القوى في طاعة الذي أوجده لكم ومكنكم منه وجعله ملائما لطباعكم مشتهى لنفوسكم نافعا لكم في كل ما ترونه.

ولما كانت النار سببا لعنصر ما فيه الماء فيتحلب فيتقاطر كما كان الماء سببا لتشقيق الأرض بالزرع ، ولم يكن لمخلوق قدرة على التوصل بنوع سبب ، أتبعه بها كما أتبع الزرع بالماء لذلك ولبيان القدرة على ما لا سبب فيه لمخلوق في السفل كما كان إنزال الماء عريا عن سنتهم في العلو ، فقال مسببا عما مضى تنبيها على أنه أهلهم للتأمل في مصنوعاته والتبصر في عجائب آياته فقال :( أَفَرَأَيْتُمُ ) أي أخبروني هل رأيتم بالأبصار والبصائر ما تقدم فرأيتم( النَّارَ ) ولما كان المراد نارا مخصوصة توقفهم على تمام قدرته وتكشف لهم ذلك كشفا بينا بإيجاد الأشياء من أضدادها فقال :( الَّتِي تُورُونَ ) أي تستخرجون من الزند فتوقدون به سواء كان الزند يابسا أو أخضر بعد أن كانت خفية فيه لا يظن من لم يجرب ذلك أن فيه نارا أصلا ، فكان ذلك مثل التورية التي يظهر فيها شيء ويراد غيره ، ثم صار بعد ذلك الخفاء إلى ظهور عظيم وسلطة متزايدة وعظمة ظاهرة تحرق كل ما لابسها حتى ما خرجت منه ، والعرب أعرف الناس بأمر الزند ، وذلك أنهم يقطعون غصنا من شجر المرخ وآخر من العفار ، ويحكون أحدهما على الآخر فتتقدح منها النار على أن النار في كل شجر ، وإنما خص المرخ والعفار لسهولة القدح منهما ، وقد قالوا : في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار.

ولما كان هذا من عجائب الصنع ، كرر التقرير والإنكار تنبيها عليه فقال :( أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ ) أي اخترعتم وأوجدتم وأودعتم وأحييتم وربيتم وأوقعتم( شَجَرَتَها ) أي المرخ

٤٢٠