نظم الدّرر الجزء ٧

نظم الدّرر0%

نظم الدّرر مؤلف:
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 631

نظم الدّرر

مؤلف: برهان الدين البقاعي
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
تصنيف:

الصفحات: 631
المشاهدات: 134
تحميل: 18


توضيحات:

بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 631 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 134 / تحميل: 18
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 7

مؤلف:
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
العربية

والعفار التي تتخذون منها الزناد الذي يخرج منه ، وأسكنتموها النار مختلطة بالماء الذي هو ضدها وخبأتموها في تلك الشجرة لا يعدو واحد منها على الآخر مع المضادة فيغلبه حتى يمحقه ويعدمه( أَمْ نَحْنُ ) أي خاصة ، وأكد بقوله :( الْمُنْشِؤُنَ ) أي لها بما لنا من العظمة على تلك الهيئة ، فمن قدر على إيجاد النار التي هي أيبس ما يكون من الشجر الأخضر مع ما فيه من المائية المضادة لها في كيفيتها ، كان أقدر على إعادة الطراوة والغضاضة في تراب الجسد الذي كان غضا طريا فيبس وبلي ، والآية من الاحتباك بمثل ما مضى في أخواتها سواء.

ولما كان الجواب قطعا : أنت وحدك ، قال دالّا على ذلك تنبيها على عظم هذا الخبر :( نَحْنُ ) أي خاصة( جَعَلْناها ) بما اقتضته عظمتنا ، وقدم من منافعها ما هو أولى بسياق البعث الذي هو مقامه فقال :( تَذْكِرَةً ) أي شيئا تتذكرونه وتتذكرون به تذكرا عظيما جليلا عن كل ما أخبرنا به من البعث وعذاب النار الكبرى وما ينشأ فيها من شجرة الزقوم وغير ذلك مما ننيره لأولي البصائر والفهوم من العلوم ، قال ابن برجان :

فوزان قدح الزناد من الشجر ، والزناد وزان الصيحة بهم ووزان إنشائه الأجسام وزان إنشائه الشجرة النار ، ويتذكر بإنشائها في الشجر إنشاء الحياة في الأجسام وبإنشائها من غيبها أن النار الكبرى في غيب ما نشاهده ، وهذا من آثار كونها في الجو ـ انتهى. وعلق بها سبحانه كثيرا من أسباب المعاش التي لا غنى عنها ليكون مذكرا لهم بما أوقدوا به حاضرا دائما فيكون أجدر باتعاظهم( وَمَتاعاً ) أي إنشاء وبقاء وتعميرا ونفعا وإيصالا إلى غاية المراد من الاستضاءة والاصطلاء والإنضاج والتحليل والإذابة والتعقيد والتكليس ، وهروب السباع وغير ذلك ، والمراد أنها سبب لجميع ذلك( لِلْمُقْوِينَ ) أي الجياع الذي أقوت بطونهم ـ أي خلت ـ من الفقر والإغناء من النازلين بالأرض القواء ، والقواء بالكسر والمد أي الفقر الخالية المتباعدة الأطراف البعيدة من العمران ، وكل آدمي مهيأ للقواء فهو موصوف به وإن لم يكن حال الوصف كذلك ، وقال الرازي : أقوى من الأضداد : اغتنى وافتقر ، وقال أبو حيان : وهذه الأربعة التي ذكرها الله تعالى ووقفهم عليها من أمر خلقهم وما به قوام عيشهم من المطعوم والمشروب ، والنار من أعظم الدلائل على البعث إذ فيها انتقال من شيء إلى شيء وإحداث شيء من شيء ، ولذلك أمر في آخرها بتنزيهه ـ انتهى.

ولما دل سبحانه في هذه الآيات على عجائب القدرة وغرائب الصنع ، فبدأ بالزرع وختم بالنار والشجر ، وأوجب ما نبه عليه من التذكر لأمرها والتبصر في شأنها أنها من أسباب ما قبلها ، وأنه سبب لها لكونه سببا لها لإثبات ما هي له ، وكان مجموع ذلك

٤٢١

إشارة إلى العناصر الأربعة ، قال ابن برجان : إلّا أن الماء والأرض لخلق الأركان ، والأخلاق والصفات للهواء والنار ، وكان ذلك من جميع وجوهه أمرا باهرا ، أشار إلى زيادة عظمته بالأمر بالتنزيه مسببا عما أفاد ذلك ، فقال معرضا عمن قد يلم به الإنكار مقبلا على أشرف خلقه إشارة إلى أنه لا يفهم هذا المقام حق فهمه سواه ولا يعمل به حق عمله غيره :( فَسَبِّحْ ) أي أوقع التنزيه العظيم عن كل شائبة نقص من ترك البعث وغيره ولا سيما بعد بلوغ هذه الأدلة إلى حد المحسوس تسبيح متعجب من آثار قدرته الدالة على تناهي عظمته وتسبيح شكر له وتعظيم له وإكبار وتنزيه عما يقول الجاحدون وتعجيب منهم مقتديا بجميع ما في السماوات والأرض ، ومن أعجب ذلك أنه سخر لنا في هذه الدار جهنم ، قال ابن برجان : جعل منها بحرارة الشمس جنات وثمرات وفواكه وزروع ومعايش.

ولما كان تعظيم الاسم أقعد في تعظيم المسمى قال :( بِاسْمِ ) أي متلبسا بذكر اسم( رَبِّكَ ) أي المحسن بعد التربية إليك بهذا البيان الأعظم بما خصك به مما لم يعطه أحدا غيرك ، وأثبتوا ألف الوصل هنا لأنه لم يكثر دوره كثرته في البسملة منها وحذفوه منها لكثرة دورها وهم شأنهم الإيجاز وتقليل الكثير إذا عرف معناه ، وهذا معروف لا يجهل ، وإثبات ما أثبت من أشكاله مما لا يكثر دليل على الحذف منه ، وكذا لا تحذف الألف مع غير الباء في اسم الله ولا مع الباء في غير الجلالة من الأسماء لما تقدم من العلة.

ولما كان المقام للتعظيم قال :( الْعَظِيمِ ) الذي ملأ الأكوان كلها عظمة ، فلا شيء منها إلا وهو مملوء بعظمته تنزها عن أن تلحقه شائبة نقص أو يفوته شيء من كمال ، قال القشيري : وهذه الآيات التي عددها سبحانه تمهيد لسلوك طريق الاستدلال وكما في الخبر (تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة)(١) هذه الفكرة التي نبه الله عليها.

ولما كان من العظمة الباهرة ما ظهر في هذه السورة من أفانين الإنعام في الدارين ، وبدأ بنعمة الآخرة لكونها النتيجة ، ثم دل عليها بإنعامه في الدنيا فكان تذكيرا بالنعم لتشكر ، ودلالة على النتيجة لتذكر ، وفي كل حالة تستحضر فلا تكفر ، فوصلت الدلالة إلى حد هو أوضح من المحسوس وأضوأ من المشموس ، وكان مع هذه الأمور الجليلة في مظهر أعجز الخلائق على أن يأتوا بمثله من كل وجه ، أما من جهة الجواب عن

__________________

(١) أخرجه الديلمي في الفردوس ٢٣٩٧ من حديث أنس وذكره الفتّني في تذكره الموضوعات ص ١٨٨ وقال : فيه كذابان.

٤٢٢

تشبههم وتعنتهم فلكونه يطابق ذلك مطابقة لا يمكن أن يكون شيء مثلها ، ويزيد على ذلك بما شاء الله من المعارف من غير أن يدع لبسا ، وأما من جهة المفردات فلكونها النهاية في جلالة الألفاظ ورشاقة الحروف وجمع المعاني ، فيفيد ذلك أنه لا تقوم كلمة أخرى مقام كلمة منه أصلا ، وأما من جهة التركيب فلكون كل كلمة منها أحق في مواضعها بحيث إنه لو قدم شيء منها أو أخر لاختل المعنى المراد في ذلك السياق بحسب ذلك المقام ، وأما من جهة الترتيب في الجمل والآيات والقصص في المبادىء والغايات فلكونه مثل تركيب الكلمات ، كل جملة منتظمة بما قبلها انتظام الدر اليتيم في العقد المحكم النظيم ، لأنها إما أن تكون علة لما تلته أو دليلا أو متممة بوجه من الوجوه الفائقة على وجه ممتع الجناب جليل الحجاب لتكون أحلى في فمه ، وأجلى بعد ذوقه في نظمه وسائر علمه ، فكان ثبوت جميع ما أخبر به على وجه لا مغتمر فيه ولا وقفة في اعتقاد حسنه ، فثبت أن الله تعالى أرسل الآتي بهذا القرآنصلى‌الله‌عليه‌وسلم بالهدى وبالحق ، لا أنه آتاه كل ما ينبغي له ، فآتاه الحكمة وهي البراهين القاطعة واستعمالها على وجوهها ، والموعظة الحسنة ، وهي الأمور المرققة للقلوب المنورة للصدور ، والمجادلة التي هي على أحسن الطرق في نظم معجز موجب للإيمان ، فكان من سمعه ولم يؤمن لم يبق له من الممحلات إلا أن يقول : هذا البيان ليس لظهور المدعى وثبوته بل لقوة عارضة المدعي وقوته على تركيب الأدلة وصوغ الكلام وتصريف وجوه المقال ، وهو يعلم أنه يغلب لقوة جداله لا لظهور مقاله ، كما أنه ربما يقول أحد المتناظرين عند انقطاعه لخصمه : أنت تعلم أن الحق معي لكنك تستضعفني ولا تنصفني ، فحينئذ لا يبقى للخصم جواب إلا الإقسام بالإيمان التي لا مخرج عنها أنه غير مكابر وأنه منصف ، وإنما يفزع إلى الإيمان لأنه لو أتى بدليل آخر لكان معرضا لمثل هذا ، فيقول : وهذا غلبتني فيه لقوة جدالك وقدرتك على سوق الأدلة ببلاغة مقالك ، فلذلك كانوا إذا أفحمهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قالوا : إنه يريد أن يتفضل علينا فيما نعلم خلافه ، فلم يبق إلا الإقسام ، فأنزل الله أنواعا من الأقسام بعد الدلائل العظام ، ولهذا كثرت الآيات في أواخر القرآن ، وفي السبع الأخيرة خاصة أكثر ، فلذلك سبب عن هذه الأدلة الرائعة والبراهين القاطعة قوله :( فَلا أُقْسِمُ ) بإثبات «لا» النافية ، إما على أن يكون مؤكدة بأن ينفي ضد ما أثبته القسم ، فيجمع الكلام بين إثبات المعنى المخبر به ونفي ضده ، وإما على تقدير أن هذا المقام يستحق لعظمته وإنكارهم له أن يقسم عليه بأعظم من هذا على ما له من العظمة لمن له علم ـ والله أعلم.

٤٢٣

ولما كان الكلام السابق في الماء الذي جعله سبحانه مجمعا للنعم الدنيوية الظاهرة وقد رتب سبحانه لإنزاله الأنواء على منهاج دبره وقانون أحكمه ، وجعل إنزال القرآن نجوما مفرقة وبوارق متلالئة متألقة قال :( بِمَواقِعِ النُّجُومِ ) أي بمساقط الطوائف القرآنية المنيرة النافعة المحيية للقلوب ، وبهبوطها الذي ينبني عليه ما ينبني من الآثار الجليلة وأزمان ذلك وأماكنه وأحواله ، وبمساقط الكوكب وأنوائها وأماكن ذلك وأزمانه في تدبيره على ما ترون من الصنع المحكم والفعل المتقن المقوم ، الدال بغروب الكواكب على القدرة على الطي بعد النشر والإعدام بعد الإيجاد ، وبطلوعها الذي يشاهد أنها ملجأة إليه إلجاء الساقط من علو إلى سفل لا يملك لنفسه شيئا ، لقدرته على الإيجاد بعد الإعدام ، وبآثار الأنواء على مثل ذلك بأوضح منه ـ إلى غير ذلك من الدلالات التي يضيق عنها العبارات ، ويقصر دون علياها مديد الإشارات ، ولمثل هذه المعاني الجليلة والخطوب العظيمة جعل في الكلام اعتراضا بين القسم وجوابه ، وفي الاعتراض اعتراضا بين الموصوف وصفته تأكيدا للكلام ، وهزا لنافذ الأفهام تنبيها على أن الأمر عظيم والخطب فادح جسيم ، فقال موضحا له بالتأكيد رحمة للعبيد بالإشارة إلى أنهم جروا على غير ما يعلمون من عظمتنا فعدوا غير عالمين :( وَإِنَّهُ ) أي هذا القسم على هذا المنهج( لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ ) أي لو تجدد لكم في وقت علم لعلمتم أنه( عَظِيمٌ ) وإقسامه لنا على ذلك ونحن أقل قدرا وأضعف أمرا إعلاما بما له من الرحمة التي من عظمها أنه لا يتركنا سدى ـ كل ذلك ليصلح أنفسنا باتباع أمره والوقوف عند زجره ، قال ابن برجان : ومن إتقانه جل جلاله في خليقته وحكمه في بريته أن جعل لكل واقع من النجوم الفلكية طالعا يسمى بالإضافة إلى الواقع الرقيب دون تأخر ، وذلك هو المشار إليه بقوله تعالى :( رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) [الرحمن : ١٨] يجمع ذلك الشمس والقمر والنجوم وهي نجوم منازل القمر عددها ثمانية وعشرون منزلة سوى تحجبها الشمس فتمت تسع وعشرون منزلة يستشرفها القمر ، فربما استتر ليلة وربما استتر ليلتين ، فالقمر ينزل في هذه المنازل كل ليلة منزلة حتى يتمها لتمام الشهر ، وأما الشمس فإنها تقيم فيها أربعة عشر يوما ويسمى حلولها في هذه المحال ثم طلوع المنزلة التي تليها لوقوع هذا رقيب لها نوء ـ انتهى ، وهو يعني أن من تأمل هذه الحكم علم ما في هذا القسم من العظم ، وأشبع القول فيها أبو الحكم ، وبين ما فيها من بدائع النعم ، ثم قال : ويفضل الله بفتح رحمته كما شاء فينزل من السماء ماء مباركا يكسر به من برد الزمهرير فيرطبه ويبرد من حر السعير فيعدله ، وقسم السنة على أربعة فصول أتم فيها أمره في الأرض بركاتها وتقدير أقواتها ، قال وبارك فيها وقدر بها أقواتها في أربعة

٤٢٤

أيام [فصلت : ١٠ في قراءتنا (فيها) بدل (بها)] ا. ه. ثم قال : وجعل هذه الدنيا على هذا الاعتبار الجنة الصغرى ، ولو أتم القسم على هذا الوجه ثم على الاعتبار تخفيفه الفيح وإنارته الزمهرير والسعير هي جهنم الصغرى.

( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨٠) أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢) فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ (٨٥) )

ولما أتم القسم على هذا الوجه الجليل ، أجابه بقوله مؤكدا لما لهم من ظاهر الإنكار :( إِنَّهُ ) أي القرآن الذي أفهمته النجوم بعموم أفهامها( لَقُرْآنٌ ) أي جامع سهل قريب مفقه مبين للغوامض ذو أنواع جليلة( كَرِيمٌ ) ظهرت فيه أفانين إنعامه سبحانه فيما دق من أمور هذه الدنيا وجل من أمور الدارين بما ذكر في هذه السورة وما تقدمها من إصلاح المعاش والمعاد ، فهو بالغ الكرم منزه عن كل شائبة نقص ولؤم ودناءة ، من كرمه كونه من الملك الأعلى إلى خير الخلق بسفارة روح القدس وبلسان العرب الذين اتفق الفرق على أن لسانهم أفصح الألسن وعلى وجه أعجز العرب.

ولما ذكر المعنى ، ذكر محل النظم الدال عليه بلفظ دال على نفس النظم فقال :( فِي كِتابٍ ) أي خط ومخطوط فيه جامع على وجه هو في غاية الثبات( مَكْنُونٍ ) أي هو في ستر مصون لما له من النفاسة والعلو في السماء في اللوح المحفوظ ، وفي الأرض في الصدور المشرفة ، وفي السطور في المصاحف المكرمة المطهرة ، محفوظا مع ذلك من التغيير والتبديل.

ولما كان ما هو كذلك قد يحصل له خلل يسوء خدامه قال :( لا يَمَسُّهُ ) أي الكتاب الذي هو مكتوب فيه أعم من أن يكون في السماء أو في الأرض أو القرآن أو المكتوب منه فضلا عن أن يتصرف فيه( إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ) أي الطاهرون الذين بولغ في تطهيرهم وهم رؤوس الملائكة الكرام ، ولم يكن السفير به إلّا هم ولم ييسر الله حفظه إلا لأطهر عباده ، ولم يعرف معناه إلا لأشرف حفاظه وأطهرهم قلوبا ، ومن عموم ما يتحمله اللفظ من المعنى بكونه كلام العالم لكل شيء فهو لا يحمل لفظا إلا وهو مراد له أنه يحرم منه على من لم يكن له في غاية الطهارة بالبعد عن الحدثين الأكبر والأصغر ، فهو على هذا نفي بمعنى النهي وهو أبلغ ، قال البغوي : وهو قول أكثر أهل العلم ، وروي بإسناد من طريق أبي مصعب عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو ابن حزم أن في الكتاب الذي كتبه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لعمرو بن حزم رضي الله عنه (أن لا

٤٢٥

يمس القرآن إلا طاهر)(١) والمراد به المصحف للجوار كما في النهي أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو. ومما يحتمله أيضا التعبير باللمس أنه لا يقرأه بلسانه إلا طاهر ، فإن أريد الجنابة كان النهي للحرمة أو للأكمل.

ولما ذكر الذي منه صيانته ، أتبعه شرفه بشرف منزله وإنزاله على حال هو في غاية العظمة مسميا له باسم المصدر للمبالغة ولأن هذا المصدر أغلب أحواله ، ولذلك غلب عليه هذا الاسم :( تَنْزِيلٌ ) أي وصوله إليكم بالتدريج بحسب الوقائع والتقريب للأفهام والتأني والترقية من حال إلى حال وحكم بواسطة الرسل من الملائكة. ولما كان هذا في غاية الاتفاق واليسر ذكر من صفاته ما يناسبه فقال :( مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ) من الخالق العالم بتربيتهم.

ولما أفصح من وصف هذا الكتاب العظيم ما يقتضي أن يكون بمجرده مثبتا لما لا تدركه العقول من كماله وكافيا في الإذعان لاعتقاده فكيف إذا كان ما تحكم العقول وتقضي بفساد ما سواه ، فكيف إذا كان مما يتذكر الإنسان مثله في نفسه ، عجب منهم في جعله سببا لإنكار البعث الذي إذا ذكر الإنسان أحوال نفسه كفاه ذلك في الجزم به فقال منكرا تعجبا :( أَفَبِهذَا ) ولما كان الإنسان مغرما بما يجدد له من النعم ولو هان فكيف إذا كان أعلى النعم قال :( الْحَدِيثِ ) أي الذي تقدمت أوصافه العالية وهو متجدد إليكم إنزاله وقتا بعد وقت( أَنْتُمْ ) أي وأنتم العرب الفصحاء والمفوهون البلغاء( مُدْهِنُونَ ) أي كذابون منافقون بسببه تظهرون غير ما تبطنون أنه كذاب وأنتم تعلمون صدقه بحسن معانيه ، وعجزكم عن مماثلته في نظومه ومبانيه ، وتقولون : لو شئنا لقلنا مثل هذا : وجميع أفعالكم تخالف هذا فإنكم تصبرون لوقع السيوف ومعانقة الحتوف ، ولا تأتون بشيء يعارضه يبادىء شيئا منه أو يناقضه أو تلاينون أيها المؤمنون من يكذب به ويطعن في علاه أو يتوصل ولو على وجه خفي إلى نقض شيء من عراه ، تهاونا به ولا يتصلبون في تصرفه تعظيما لأمره حتى يكونوا أصلب من الحديد ، قال في القاموس : دهن : نافق ، والمداهنة : إظهار خلاف ما تبطن كالإدهان والغش ، وقال البغويرحمه‌الله : هو الإدهان وهو الجري في الباطن على خلاف الظاهر ، وقال الرازي : والفرق بين المداراة والمداهنة يرجع إلى القصد ، فما قصد به غرض سوى الله فهو المداهنة ، وما قصد به أمر يتعلق بالدين فهو المداراة ، وقال ابن برجان : الإدهان والمداهنة : الملاينة في الأمور والتغافل والركون إلى التجاوز ـ انتهى. فهو على هذا

__________________

(١) تقدم مرارا في سورة النساء في بحث الديّات وغيرها.

٤٢٦

إنكار على من سمع أحدا يتكلم في القرآن بما لا يليق ثم لا يجاهره بالعداوة ، وأهل الاتحاد كابن عربي الطائي صاحب الفصوص وابن الفارض صاحب التائية أول من صوبت إليه هذه الآية ، فإنهم تكلموا في القرآن على وجه يبطل الدين أصلا ورأسا ويحله عروة عروة ، فهم أضر الناس على هذا الدين ، ومن يؤول لهم أو ينافح عنهم ويعتذر لهم أو يحسن الظن بهم مخالف لإجماع الأمة أنجس حالا منهم فإن مراده إبقاء كلامهم الذي لا أفسد للإسلام منه من غير أن يكون لإبقائه مصلحة ما بوجه من الوجوه.

ولما كان هذا القرآن متكفلا بسعادة الدارين ، قال تعالى :( وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ ) أي حظكم ونصيبكم وجميع ما تنتفعون به من هذا الكتاب وهو نفعكم كله( أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ) أي توجدون حقيقة التكذيب في الماضي والحال ، وتجددون ذلك في كل وقت به وبما أرشد إليه من الأمور الجليلة وهي كل ما هو أهل للتصديق به وتصفونه بالأوصاف المتناقضة ، ومن ذلك ما أرشد إليه من أنه لا فاعل إلا الله تعالى فتقولون أنتم إذا أمطركم ما يرزقكم به : هذا بنوء كذا ، معتقدين تأثير ذلك النوء ، وإنما هو بالله تعالى ، فجعلتم جزاء الرزق وبذل الشكر على الرزق التكذيب ، وقال ابن برجان : وتجعلون رزقي إياكم من قرآن عظيم أنزلته ، وكلام عظيم نزلته ، ونور إيمان بينته ، وضياء يقين جليته ، وما أنزلته من السماء من بركات قدرتها ومن رياح أرسلتها ، وسحب ألفتها ، تجعلون مكان الشكر على ذلك التكذيب.

ولما أنكر عليهم هذا الإنكار ، وعجب منهم هذا التعجيب في أن ينسبوا لغيره فعلا أو يكذبوا له خبرا ، سبب عن ذلك تحقيقا لأنه لا فاعل سواه قوله :( فَلَوْ لا ) وهي أداة تفهم طلبا بزجر وتوبيخ وتقريع بمعنى هل لا ولم لا( إِذا بَلَغَتِ ) أي الروح منكم ومن غيركم عند الاحتضار ، أضمرت من غير ذكر لدلالة الكلام عليها دلالة ظاهرة( الْحُلْقُومَ ) وهو مجرى الطعام في الحلق ، والحلق مساغ الطعام والشراب معروف ، فكان الحلقوم أدنى الحلق إلى جهة اللسان لأن الميم لمنقطع التمام ،( وَأَنْتُمْ ) أي والحال أنكم أيها العاكفون حول المحتضر المتوجعون له( حِينَئِذٍ ) أي حين إذ بلغت الروح ذلك الموضع.

ولما كان بصرهم لكونه لا ينفذ في باطن كالعدم قال :( تَنْظُرُونَ ) أي ولكم وصف التحديق إليه ولا حيلة لكم ولا فعل بغير النظر ، ولم يقل : تبصرون ، لئلا يظن أن لهم إدراكا بالبصر لشيء من البواطن من حقيقة الروح وغيرها نحوها( وَنَحْنُ ) أي والحال أنا نحن بما لنا من العظمة( أَقْرَبُ إِلَيْهِ ) أي المحتضر حقيقة بعلمنا وقدرتنا

٤٢٧

التامة وملائكتنا( مِنْكُمْ ) على شدة قربكم منه( وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ ) أي مع تحديقكم إليه لا يتأثر عن ذلك التحديق غايته ، وهو الإبصار لقربنا منه ، ولا ملائكتنا الموكلين بقبض روحه ، لتعلموا أن الفعل لنا لا لغيرنا ، فلا يتجدد لكم شيء من هذا الوصف لتدركوا به حقيقة ما هو فيه ، فثبت ما أخبرنا به من الاختصاص بباطن العلم والقدرة اللذين عبرنا عنهما بالقرب الذي هو أقوى أسبابهما.

( فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٨٧) فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩٠) )

( فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦) )

ولما كان الكلام لإثبات هذه الأغراض المهمة قبل جواب «لو لا» أعادها تأكيدا لها وتبيينا فقال :( فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ ) أيها المكذبون بالبعث وغيره( غَيْرَ مَدِينِينَ ) أي مقهورين مملوكين مجربين محاسبين بما عملتم في دار البلاء التي أقامكم فيها أحكم الحاكمين بامتناعكم بأنفسكم عن أن يجازيكم أو يمنع غيركم لكم منه ، وأصل تركيب (دان) للذل والانقياد ـ قاله البيضاوي( تَرْجِعُونَها ) أي الروح إلى ما كانت عليه( إِنْ كُنْتُمْ ) أي كونا ثابتا( صادِقِينَ ) أي في أنكم غير مقهورين على الإحضار على الملك الجبار الذي أقامكم في هذه الدار للابتلاء والاختبار ، وأنه ليس لغيركم أمركم ، وفي تكذيبكم لما يخبر به من الأمور الدنيوية بذل شكركم ، وهذا دليل على أنه لا حياة لمن بلغت روحه الحلقوم أصلا وهذا إلزام لهم بالبعث حاصله أنه سبحانه إن كان لا يعيدكم فليس هو الذي قدر الموت عليكم ، وإن كان لم يقدره فما لكم لا ترفعونه عنه لأنه من الفوادح التي لا يدرك علاجها ، وأنتم تعالجون مقدماته. وإن قلتم : إنه مقدر لا يمكن علاجه ، لزمكم الإقرار بأن البعث مقدر لا يمكن علاجه ، فإن أنكرتم أحدهما فأنكروا الآخر ، وإن أقررتم بأحدهما فأقروا بالآخر ، وإلا فليس إلا العناد ، فإن قلتم : نحن لا نعلم أنه قدره فاعلموا أنه لو لم يكن بتقديره لأمكنت مقاومته وقتا ما لا سيما والنفوس مجبولة على كراهته ، وفي الموتى الحكماء والملوك ، وتقريبه أنكم قد بالغتم في الجحود بآيات الله تعالى وأفعاله في كل شيء إن أرسل إليكم رسولا قلتم : ساحر كذاب ، وإن صدقه مرسله بكتاب معجز قلتم : سحر وافتراء وأمر عجاب ، وإن رزقكم من الماء الذي به حياة كل شيء مطرا ينعشكم به قلتم : صدق نوء كذا ، على حال مؤد إلى التعطيل والإهمال والعبث ، فما لكم لا ترجعون الروح إلى البدن عند بلوغه الحلقوم

٤٢٨

إن لم يكن ثم مدبر لهذا الكون بالإرسال والإنزال وإفاضة الأرواح وقبضها وبعث العباد لدينونتهم على ما فعلوا فيما أقامهم فيه ، فهو تمثيل بأفعال الملوك على ما يعهد ، فكما أن ملوك الدنيا لا يرسل أحد منهم إلى أحد من رعيته فيأخذه قهرا إلا للدينونة فكيف يظن بملك الملوك غير ذلك ، فتكون ملوك الدنيا أحكم منه ، فإن كان ليس بتمام القدرة فافعلوا برسله كما تفعلون برسل الملوك ، فإنه ربما خلص المطلوب منهم بنوع من أنواع الخلاص بعد بلوغه إلى باب الملك فإرساله سبحانه هو مثل إرسال الملوك غير أنه لتمام قدرته يأخذ أخذا لا يقدر أحد على رده ، ولا أن يتبع مأخوذه أصلا لا ليخدمه بعد الأخذ ولا ليخفف عنه شيئا مما هو فيه بغير ما أمر به سبحانه على ألسنة رسله من الدعاء والصدقة ولا ليعلم حاله بوجه من الوجوه بل الأمر كما قيل :

إذا غيب المرء استسر حديثه

ولم يخبر الأفكار عنه بما يغني

ولما كان التقدير : لا يقدر أحد أصلا على ردها بعد بلوغها إلى ذلك المحل لأنا نريد جمع الخلائق للدينونة بما فعلوا فيما أقمناهم فيه وأمرناهم به ولا يكون إلا ما تريد ، فكما أنكم مقرون بأنه خلقكم من تراب وبأنه يعيدكم قهرا إلى التراب يلزمكم حتما أن تقروا بأنه قادر على أن يعيدكم من التراب فإن أنكرتم هذا اللازم لزمكم إنكار ملزومه ، وذلك مكابرة في الحس فليكن الآخر مثله ، فثبت أنا إنما نعيد الخلائق إلى التراب لنجمعهم فيه ثم نبعثهم منه لنجازي كلّا بما يستحق ونقسمهم إلى أزواج ثلاثة( فَأَمَّا إِنْ كانَ ) أي الميت منهم( مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ) أي السابقين الذين اجتذبهم الحق من أنفسهم فقربهم منه فكانوا مرادين قبل أن يكونوا مريدين ، وليس القرب قرب مكان لأنه تعالى منزهه عنه ، وإنما هو بالتخلق بالصفات الشريفة على قدر الطاقة البشرية ليصير الإنسان روحا خالصا كالملائكة لا سبيل للحظوظ والشهوات عليه ، فإن قربهم إنما هو بالانخلاع من الإرادة أصلا ورأسا ، وذلك أنه لا شهوات لهم فلا أغراض فلا فعل إلا أمروا به فلا إرادة ، إنما الإرادة للمولى سبحانه وهو معنى( وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ) [النحل : ٩٠] أي مطلق الإرادة في غير أمر من الله ، لأن المملوك الذي هو لغيره لا ينبغي أن يكون له شيء لا إرادة ولا غيرها ـ وفقنا الله تعالى لذلك( فَرَوْحٌ ) أي فله راحة ورحمة ما ينعشه من نسيم الريح ومعنى قراءة يعقوب بالضم طمأنينة في القلب وسكينة وحياة لا موت بعدها( وَرَيْحانٌ ) أي رزق عظيم ونبات حسن بهج وأزاهير طيبة الرائحة.

ولما ذكر هذه اللذاذة ، ذكر ما يجمعها وغيرها فقال :( وَجَنَّةُ ) أي بستان جامع للفواكه والرياحين وما يكون عنها وتكون عنه.

٤٢٩

ولما كان جنان الدنيا قد يكون فيها نكد ، أضاف هذه الجنة إلى المراد بهذه الجنان إعلاما بأنها لا تنفك عنه فقال :( نَعِيمٍ ) أي ليس فيها غيره بل هي مقصورة عليه( وَأَمَّا إِنْ كانَ ) أي الميت منهم( مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ ) أي الذين هم في الدرجة الثانية من أصحاب الميمنة( فَسَلامٌ ) أي سلامة ونجاة وأمر وقول دال عليه. ولما كان ما يواجه به الشريف من ذلك أعلى قال :( لَكَ ) أي يا أعلى الخلق أو يا أيها المخاطب.

ولما كان من أصاب السّلام على وجه من الوجوه فائزا ، فكيف إذا كان مصدرا للسلام ومنبعا منه قال :( مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ ) أي أنهم في غاية من السلامة وإظهار السّلام ، لا يدرك وصفها ، وهو تمييز فيه معنى التعجيب ، فإن إضافته لم تفده تعريفا ، وفي اللام و( مِنْ ) مبالغة في ذلك ، فالمعنى : فأما هم فعجبا لك وأنت أعلى الناس في كل معنى ، وأعرفهم بكل أمر غريب منهم في سلامتهم وسلامهم وتعافيهم وملكهم وشرفهم وعلو مقامهم ، وذلك كله إنما أعطوه لأجلك زيادة في شرفك لاتباعهم لدينك ، فهو مثل قول القائل حيث قال :

فيا لك من ليل كأن نجومه

بكل مقار العمل شدت يذبل

وقول القائل أيضا حيث قال :

لله در أنو شروان من رجل

ما كان أعرفه بالدون والسفل

أي عجبا لك من ليل وعجبا من أنو شروان.

ولما ذكر الصنفين الناجيين ، أتبعهما الهالكين جامعا لهم في صنف واحد لأن من أريدت له السعادة يكفيه ذلك ، ومن ختم بشقائه لا ينفعه ذلك الإغلاظ والإكثار فقال :( وَأَمَّا إِنْ كانَ ) أي ذلك الذي أخذناه من أصحاب المشأمة وأنتم حوله تنقطع أكبادكم له ولا تقدرون له على شيء أصلا( مِنَ الْمُكَذِّبِينَ ) .

ولما كان المكذب تارة يكون معاندا ، وتارة يكون جاهلا مقتصرا ، قال :( الضَّالِّينَ ) أي أصحاب الشمال الذين وجهوا وجهة هدى فزاغوا عنها لتهاونهم في البعث( فَنُزُلٌ ) أي لهم وهو ما يعد للقادم على ما لاح( مِنْ حَمِيمٍ ) أي ماء متناه في الحرارة بعد ما نالوا من العطش كما يرد أصحاب الميمنة الحوض كما يبادر به القادم ليبرد به غلة عطشه ويغسل به وجهه ويديه( وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ ) أي لهم بعد النزل أن يصلوا النار الشديدة التوقد صليا عظيما.

ولما تم ما أريد من إثبات البعث على هذا الوجه المحكم البين ، وكانوا مع البيان يكذبون به ، لفت الخطاب عنهم إلى أكمل الخلق ، وأكد تسميعا لهم فقال سائقا له

٤٣٠

مساق النتيجة :( إِنَّ هذا ) أي الذي ذكر في هذه السورة من أمر البعث الذي كذبوا به في قولهم إننا( لَمَبْعُوثُونَ ) ومن قيام الأدلة عليه. ولما كان من الظهور في حد لا يساويه فيه غيره ، زاد في التأكيد على وجه التخصيص فقال :( لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ ) أي لكونه لما عليه من الأدلة القطعية المشاهدة كأنه مشاهد مباشر ، قال الأصبهاني : قال قتادة في هذه الآية : إن اللهعزوجل ليس تاركا أحدا من الناس حتى يوقفه على اليقين من هذا القرآن ، فأما المؤمن فأيقن في الدنيا فنفعه ذلك ، وأما المنافق فأيقن يوم القيامة حيث لا ينفعه ـ انتهى.

ولما تحقق له هذا اليقين ، سبب عنه أمره بالتنزيه له سبحانه عما وصفوه به مما يلزم منه وصفه بالعجز بعد تقسيمه للأزواج الثلاثة على طريق الإيجاز كما أمره بذلك بعد الفراغ من تقسيمهم على طريق الإطناب إشارة إلى أن المفاوتة بينهم مع ما لهم من العقول من أعظم الأدلة على الفعل بالاختيار وعلى فساد القول بالطبيعة :( فَسَبِّحْ ) أي أوقع التنزيه كله عن كل شائبة نقص بالاعتقاد والقول والفعل والصلاة وغيرها بأن تصفه بكل ما وصف به نفسه من الأسماء الحسنى وتنزهه عن كل ما نزه عنه نفسه المقدس ، ولقصره الفعل لإفادة العموم أثبت الجار بقوله :( بِاسْمِ رَبِّكَ ) أي المحسن إليك بما خصك به مما لم يعطه أحدا غيرك عما وصفه به الكفرة من التكذيب بالواقعة ، وإذا كان هذا لاسمه فكيف بما له وهو( الْعَظِيمِ ) الذي ملأت عظمته جميع الأقطار والأكوان ، وزادت على ذلك بما لا يعلمه حق العلم سواه لأن من له هذا الخلق على هذا الوجه المحكم ، وهذا الكلام الأعز الأكرم ، لا ينبغي لشائبة نقص أن تلم بجنابه ، أو تدنو من فناء بابه ، وقد انطبق آخر السورة على أولها في الإخبار بالبعث وتصنيف الخلائق فيه إلى الأصناف المذكورة في أولها أيّ انطباق ، وزاد هذا الآخر بأن اعتنق بدليله أي اعتناق ، واتفق مع أول التي بعدها أيّ اتفاق ، وطابقه أجلّ طباق ، وختمت بصفتي الرحمة والعظمة ، وجلت عن الاسم الجامع كاللتين قبلها لما ذكره في أواخر القمر من أنه لم يذكر في واحدة من الثلاث أحد من أهل المعصية المصاحبة للإيمان ، ليخاطب بالاسم الجامع للإهانة والإحسان ، وإنما ذكر أهل الكفران المستوجبين للهوان بالخلود في النيران ، وأهل الإيمان المتأهلين للإحسان بتأبيد الإمكان في أعلى الجنان ـ انتهى.

٤٣١

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة الحديد

مدنية ـ آياتها تسع وعشرون

مقصودها بيان أن عموم الرسالة لعموم الإلهية بالبعث إلى الأزواج الثلاثة المذكورة في السورتين الماضيتين من الثقلين تحقيقا لأنه سبحانه مختص بجميع صفات الكمال تحقيقا لتنزهه عن كل شائبة نقص المبدوء به هذه السورة المختوم به ما قبلها الراد لقولهم( أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ ) [الواقعة : ٤٧ ـ ٤٨] المقتضي لجهاد من يحتاج إلى الجهاد ممن عصى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بالسيف وما ترتب عليه من النفقة ردا لهم عن النقائص الجسمانية وإعلاء إلى الكلمات الروحانية التي دعا إليها الكتاب حذرا من سواء الحساب يوم التجلي للفصل بين العباد بالعدل ليدخل أهل الكتاب وغيرهم في الدين طوعا أو كرها ، ويعلم أهل الكتاب الذين كانوا يقولون : ليس أحد أفضل منهم ، فضيلة هذا الرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم على جميع من تقدمه من الرسل عليهم الصلاة والسّلام بعموم رسالته وشمول خلافته ، وانتشار دعوته وكثرة أمته تحقيقا لأنه لا حد لفائض رحمته سبحانه لتكون هذه السورة التي هي آخر النصف الأول والتي بعدها التي هي أول النصف الثاني من حيث العدد غاية للمقصود من السورة التي هي أوله عند الالتفات والرد كما كانت السورة التي غاية النصف الأول في المقدار وهي الإسراء ، وكذا السورة التي هي أول النصف الثاني وهي الكهف كاشفتين لمقصد الأولى فيما دعت إليه من الهداية وشدت إليه من الإنذار ، على ذلك دل اسمها الحديد بتأمل آياته وتدبر سر ما ذكر فيه وغاياته ، أسند صاحب الفردوس عن جابر رضي الله عنه أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «لا تحتجموا يوم الثلاثاء فإن سورة الحديد أنزلت يوم الثلاثاء»(١) ( بِسْمِ اللهِ ) الذي أحاطت إلهيته بجميع الموجودات( الرَّحْمنِ ) الذي وسعهم جوده في جميع الحركات والسكنات( الرَّحِيمِ ) الذي خص من بينهم بما له من الاختيار في كمال الاقتدار أهل ولايته بما يرضيه من العبادات.

__________________

(١) أخرجه الطبراني كما في المجمع ٥ / ١٥٤ من حديث ابن عمر وقال الهيثمي : فيه الخشني ضعيف ا ه.

٤٣٢

( سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤) )

ولما ختمت الواقعة بالأمر بتنزيهه عما أنكره الكفرة من البعث ، جاءت هذه لتقرير ذلك التنزيه وتبيينه بالدليل والبرهان والسيف والسنان فقال تعالى كالتعليل لآخر الواقعة :( سَبَّحَ ) أي أوقع التسبيح بدلالة الجبلة تعظيما له سبحانه وإقرارا بربوبيته وإذعانا لطاعته ، وقصره ، وهو متعد ليدل على العموم بقصره ، وعلى الإخلاص بتعديته باللام وجعله ماضيا هنا وفي الحشر والصف ومضارعا في الجمعة والتغابن ليدل على أن مما أسند إليه التسبيح هو من شأنه وهجيراه وديدنه وتخصيص كل من الماضي والمضارع بما افتتح به لما يأتي في أول الجمعة ، والإتيان بالمصدر أول الإسراء أبلغ من حيث إنه يدل إطلاقه على استحقاق التسبيح من كل شيء وفي كل حال( لِلَّهِ ) أي الملك المحيط بجميع صفات الكمال( ما فِي السَّماواتِ ) أي الأجرام العالية والذي فيها وهي الأرض ومن فيها وكل سماء ومن فيها ، وما بينهما لأنها كلها في العرش الذي هو أعلى الخلق.

ولما كان الكلام آخر الواقعة مع أهل الخصوص بل هو أخص أهل الخصوص ، لم يحتج إلى تأكيد فحذف ما جعلا للخافقين كشيء واحد لأن نظره لهما نظر علو نظرا واحدا لما أخبر به عنهما من التنزيه فقال :( وَالْأَرْضِ ) أي وما فيها وكذا نفس الأراضي كما تقدم ، فشمل ، ذلك جميع الموجودات لأنه إذا سبح ذلك كله فتسبيح العرش بطريق الأولى وتنزيه هذه الأشياء بما فيها من الآيات الدالة على أنه سبحانه لا يلم بجنابه شائبة نقص ، وأن كل شيء واقف على الباب يشاهد الطلب ، قال القشيري : التسبيح : التقديس والتنزيه ، ويكون بمعنى سباحة الأسرار في بحار الإجلال ، فيظفرون بجواهر التوحيد ، وينظمونها في عقد الإيمان ، ويرصعونها في أطواق الوصلة.

ولما قرر ذلك ، دل على أنه لا قدرة لشيء على الانفكاك عنه ، وأن له كل كمال ، فهو المستحق للتسبيح والحمد فقال :( وَهُوَ ) أي وحده( الْعَزِيزُ ) الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء( الْحَكِيمُ ) الذي أتقن كل شيء صنعه.

وقال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير العاصمي في برهانه : لما تقدم قوله سبحانه وتعالى( فَلَوْ لا تُصَدِّقُونَ ) [الواقعة : ٥٧] وفيه من التقريع والتوبيخ لمن قرع به ما لا

٤٣٣

خفاء به ، ثم اتبع بقوله تعالى( أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ ) [الواقعة : ٥٨] الآيات إلى قوله( وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ ) [الواقعة : ٧٣] فعزروا ووبخوا على سوء جهلهم وقبح ضلالهم ، ثم قال سبحانه وتعالى بعد ذلك أبهذا( الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ ) [الواقعة : ٨١] واستمر توبيخهم إلى قوله :( إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) [الواقعة ٨٧] فلما أشارت هذه الآيات إلى قبائح مرتكباتهم ، أعقب تعالى ذلك تنزيههعزوجل عن سوء ما انتحلوه وضلالهم فيما جهلوه فقال تعالى( فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ ) [الواقعة : ٦٩] أي نزهه عن عظيم ضلالهم وسوء اجترائهم ، ثم أعقب ذلك بقوله( سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) أي سبح باسم ربك ، فهي سنة العالم بأسرهم( وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) [آل عمران : ٨٣]( سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) ثم أتبع ذلك بقوله :( لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ) فبين تعالى انفراده بصفة الجلال ونعوت الكمال ، وأنه المتفرد بالملك والحمد وأنه الأول والآخر والظاهر والباطن إلى قوله :( وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ) فتضمنت هذه الآيات إرغام من أشير إلى حاله في الآية المتقدمة من سورة الواقعة وقطع ضلالهم والتعريف بما جهلوه من صفاته العلى وأسمائه الحسنى جل وتعالى ، وافتتحت آي السورتين واتصلت معانيها ثم صرف الخطاب إلى عباده المؤمنين فقال تعالى( آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ) واستمرت الآي على خطابهم إلى آخر السورة ـ انتهى.

ولما أخبر بذلك ، دل على وجه مصرح بما أفهمه الأول من تسبيح السماوات والأرض بقوله :( لَهُ ) أي وحده( مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) أي وملك ما فيهما وما بينهما ظاهرا وباطنا ، فالملك الظاهر ما هو الآن موجود في الدنيا من أرض مدحية وسماء مبنية وكواكب مضية وأفلاك علية ورياح محسوسة وسحاب مرئية ـ وما تفصل إلى ذلك من خلق وأمر ، والملك الباطن الغائب عنا ، وأعظمه المضاف إلى الآخرة وهو الملكوت ، قال القشيري : الملك مبالغة من الملك يعني بدلالة الضمة ، قال ، والملك بالكسر أي القدرة على الإبداع فلا مالك إلا الله ، وإذا قيل لغيره : مالك ، فعلى المجاز بالأحكام المتعلقة في الشريعة على ملك الناس أي بتصحيحه أو إفساده ونحوه ذلك ، فالآية من الاحتباك : ذكر ما بين السماوات والأرض أولا دليلا على حذف ما بينهما ثانيا ، وذكر الخافقين ثانيا دليلا على حذف مثل ذلك أولا ليكون التسبيح والملك شاملا للكل.

ولما كان ذلك مما لا نزاع فيه ، وكان ربما عاند معاند ، دل عليه بما لا مطمع فيه لغيره فقال مقدما الإحياء لأنه كذلك في الخارج ولأن زمن الحياة أكثر لأن البعث حياة دائمة لا موت بعدها :( يُحْيِي ) أي له صفة الإحياء فيحيي ما يشاء من الخلق بأن يوجده على صفة الإحياء كيف شاء في أطوار يتقلبها كيف شاء وكيف يشاء ومما يشاء

٤٣٤

( وَيُمِيتُ ) أي له هاتان الصفتان على سبيل الاختيار والتجدد والاستمرار ، فهو قادر على البعث بدليل ما ثبت له من صفة الإحياء. ولما كان هذا شاملا للقدرة على التجديد والإعادة ، عم الحكم بقوله :( وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ) أي من الإحياء والإماتة وغيرهما من كل ممكن( قَدِيرٌ ) أي بالغ القدرة إلى حد لا يمكن الزيادة عليه.

ولما أخبر بتمام القدرة ، دل على ذلك بقوله :( هُوَ ) أي وحده( الْأَوَّلُ ) أي بالأزلية قبل كل شيء فلا أول له ، والقديم الذي منه وجود كل شيء وليس وجوده من شيء لأن كل ما نشاهده متأثر لأنه حقير ، وكل ما كان كذلك فلا بد له من موجد غير متأثر( وَالْآخِرُ ) بالأبدية ، الذي ينتهي إليه وجود كل شيء في سلسلة الترقي وهو بعد فناء كل شيء ولو بالنظر إلى ما له من ذاته فلا آخر له لأنه يستحيل عليه نعت العدم لأن كل ما سواه متغير ، بنوع من التغيير جاز إعدامه ، وما جاز إعدامه فلا بد له من معدم يكون بعده ولا يمكن إعدامه.

ولما كان السبق يقتضي البطون ، والتأخر يوجب الظهور ، وكانا أمرين متضادين لا يكاد الإنسان يستقل بتعلقهما في شيء واحد ، نبه على اجتماعهما فيه ، فقال مشيرا بالواو إلى تمام الاتصاف وتحققه :( وَالظَّاهِرُ ) أي بالأحدية للعقل بأدلته الظاهرة في المصنوعات بما له من الأفعال ظهورا لا يجهله عاقل ، وهو الغالب في رفعته وعلوه فليس فوقه شيء( وَالْباطِنُ ) بالصمدية وعن انطباع الحواس وارتسام الخيال وتصور الفهم والفكر وبتمام العلم والحكمة بما له من العظمة في ذاته بكثرة التعالي والحجب بطونا لا يكتنه شيء ، وقال القشيري : الأول بلا ابتداء ، الآخر بلا انتهاء. الظاهر بلا خفاء ، الباطن بنعت العلا وعز الكبرياء ـ انتهى ، والعطف للدلالة كما أشير إليه على الإحاطة التامة لأنها لما كانت متضادة كانت بحيث لو أعريت عن الواو لربما ظن أن وجودها لا على سبيل التمكن ، فلا تكون محيطة بل مقيدة بحيثية مثلا فجاءت الواو دلالة على تمكن الوصف وإحاطته وأنه واقع بكل اعتبار ليس واحد من الأوصاف مكملا لشيء آخر ولا شارحا لمعناه ، فهو أول على الإطلاق وآخر كذلك ، وظاهر حتى في حال بطونه وباطن كذلك ، وهذا على الأصل فإن صفاته تعالى محيطة فلا إشكال ، إنما الإشكال عند الخلو من العطف فهو الأغلب في إيرادها كما في آخر الحشر ، ولعل ذلك مراد الكشاف بقوله : إن الواو الأولى معناها الدلالة على الجامع بين الصفتين الأولية والآخرية ، أي جمعا هو في غاية المكنة ، والثالثة على أنه الجامع بين الظهور والخفاء ، وأما الوسطى فعلى أنه الجامع بين مجموع الصفتين الأولين ومجموع الصفتين الأخيرتين ، فهو المستمر الوجود في جميع الأوقات الماضية والآتية. انتهى.

٤٣٥

ولما كان من ظهر لشيء بطن عن غيره ، ومن بطن لشيء غاب عنه علمه ، وكان سبحانه في ظهوره على ذلك بمعنى أنه ليس فوقه شيء ، وفي بطونه بحيث ليس دونه شيء ، فقد جمعت الأوصاف إحاطة العلم والقدرة ، أعلم نتيجة ذلك فقال :( وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) أي لكون الأشياء عنده على حد سواء ، والبطون والظهور إنما هو بالنسبة إلى الخلق ، وأما هو سبحانه فلا باطن من الخلق عنده بل هو في غاية الظهور لديه لأنه الذي أوجدهم ، وهذا معنى ما قال البغويرحمه‌الله تعالى : سأل عمر رضي الله عنه كعبا عن هذه الآية فقال : معناها أن علمه بالأول كعلمه بالآخر ، وعلمه بالظاهر كعلمه بالباطن ـ انتهى. لأن العلم يستلزم القدرة على حسبه. ولما كان الصانع للشيء عالما به ، دل على علمه وما تقدم من وصفه بقوله :( هُوَ ) أي وحده( الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ ) وجمعها لعلم العرب بتعددها( وَالْأَرْضَ ) أي الجنس الشامل للكل ، أفردها لعدم توصلهم إلى العلم بتعددها( فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) سنا للتأني وتقريرا للأيام التي أوترها سابعها الذي خلق فيه الإنسان الذي دل خلقه باسمه( الْجُمُعَةِ ) على أنه المقصود بالذات وبأنه السابع على أنه نهاية المخلوقات ـ انتهى.

ولما كان تمكن الملك من سرير الملك كناية عن انفراده بالتدبير وإحاطة قدرته وعلمه ، وكان ذلك هو روح الملك ، دل عليه منبها على عظمته بأداة التراخي فقال :( ثُمَّ اسْتَوى ) أي أوجد السواء وهو العدل إيجاد من هو شديد العناية( عَلَى الْعَرْشِ ) المحيط بجميع الموجودات بالتدبير المحكم للعرش وما دونه ومن دونه ليتصور للعباد أن العرش منشأ التدبير ، ومظهر التقدير ، كما يقال في ملوكنا : جلس فلان على سرير الملك ، بمعنى أنه انفرد بالتدبير ، وقد لا يكون هناك سرير فضلا عن جلوس.

ولما كان المراد بالاستواء الانفراد بالتدبير ، وكان التدبير لا يصح إلا بالعلم والقدرة ، كشفه بقوله دالّا على أن علمه بالخفايا كعلمه بالجلايا :( يَعْلَمُ ما يَلِجُ ) أي يدخل دخولا يغيب به( فِي الْأَرْضِ ) أي من النبات وغيره من أجزاء الأموات وغيرها وإن كان ذلك بعيدا من العرش ، فإن الأماكن كلها بالنسبة إليه على حد سواء في القرب والبعد( وَما يَخْرُجُ مِنْها ) كذلك ، وفي التعبير بالمضارع دلالة على ما أودع في الخافقين من القوى فصار بحيث يتجدد منهما ذلك بخلقه تجدد استمرار إلى حين خرابهما.

ولما قرر ذلك فيما قد يتوهم بعده لبعده عن العرش بسفوله تنبيها على التنزه عن التحيز فكان أولى بالتقديم ، أتبعه قسيمه وهو جهة العلو تعميما للعمل بسائر الخلق فقال :( وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ ) ولم يجمع لأن المقصود حاصل بالواحدة مع إفهام التعبير بها الجنس السافل للكل ، وذلك من الوحي والأمطار والحر والبرد وغيرها من الأعيان

٤٣٦

والمنافع التي يوجدها سبحانه من مقادير أعمار بني آدم وأرزاقهم وغيرها من جميع شؤونهم( وَما يَعْرُجُ ) أي يصعد ويرتقي ويغيب( فِيها ) كالأبخرة والأنوار والكواكب والأعمال وغيرها.

ولما كان من يتسع ملكه يغيب عنه علم بعضه لبعده عنه ، عرف أنه لا مسافة أصلا بينه وبين شيء من الأشياء فقال :( وَهُوَ مَعَكُمْ ) أي أيها الثقلان المحتاجان إلى التهذيب بالعلم والقدرة المسببين عن القرب( أَيْنَ ما كُنْتُمْ ) فهو عالم بجميع أموركم وقادر عليكم تعاليا عن اتصال بالعلم ومماسة ، أو انفصال عنه بغيبة أو مسافة ، قال أبو العباس ابن تيمية في كتابه الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان : لفظ «مع» لا يقتضي في لغة العرب أن يكون أحد الشيئين مختلطا بالآخر لقوله( اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) [التوبة : ١١٩] وقوله :( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ ) ولفظة «مع» جاءت في القرآن عامة وخاصة ، فالعامة( ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ ) [المجادلة : ٧] فافتتح الكلام بالعلم واختتمه بالعلم ، ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما والضحاك وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل : هو معهم بعلمه ، وأما المعية الخاصة فقوله تعالى :( إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ) [النحل : ١٢٨] وقوله تعالى لموسى وهارونعليهما‌السلام :( إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى ) [طه : ٤٦] وقال :( إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا ) [التوبة : ٤٠] يعني النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأبو بكر الصدّيق رضي الله عنه ، فهو مع موسى وهارونعليهما‌السلام دون فرعون ، ومع محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم وصاحبه رضي الله عنه دون أبي جهل وغيره من أعدائه ، ومع الذين اتقوا والذين هم محسنون دون الظالمين المعتدين ، فلو كان معنى المعية أنه بذاته في كل مكان تناقض الخبر الخاص والخبر العام ، بل المعنى أنه مع هؤلاء بنصره وتأييده دون أولئك ، وقوله تعالى :( وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ ) [الزخرف : ٨٤] أي هو إله في السماء وإله في الأرض كما قال تعالى :( وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) [الروم : ٢٧] وكذلك في قوله تعالى :( وَهُوَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ ) كما فسره أئمة العلم كأحمد وغيره أنه المعبود في السماوات والأرض.

ولما كانت الأعمال منها ظاهر وباطن ، عبر في أمرها باسم الذات دلالة على شمولها بالعلم والقدرة وتنبيها على عظمة الإحاطة بها وبكل صفة من صفاته فقال :( وَاللهُ ) أي المحيط بجميع صفات الكمال ، وقدم الجارّ لمزيد الاهتمام والتنبيه على تحقق الإحاطة كما مضى التنبيه عليه غير مرة وتمثيله بنحو : أعرف فلانا ولا أعرف

٤٣٧

غيره ؛ فقال :( بِما تَعْمَلُونَ ) أي على سبيل التجدد والاستمرار( بَصِيرٌ ) أي عالم بجلائله ودقائقه.

( لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٦) آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) )

ولما كان صانع الشيء قد لا يكون ملكا ، وكان الملك لا يكمل ملكه إلا بعلم جميع ما يكون في مملكته والقدرة عليه ، وكان إنكارهم للبعث إنكارا لأن يكون ملكا ، أكد ذلك بتكرير الإخبار به فقال :( لَهُ ) أي وحده( مُلْكُ السَّماواتِ ) وجمع لاقتضاء المقام له( وَالْأَرْضِ ) أفرد لخفاء تعددها عليهم مع إرادة الجنس ، ودل على دوام ملكه وإحاطته بقوله عاطفا على ما تقديره : فمن الله المبدأ ، معبرا بالاسم الأعظم الجامع لئلا يظن الخصوص بأمور ما تقدم :( وَإِلَى اللهِ ) أي الملك الذي لا كفؤ له وحده( تُرْجَعُ ) بكل اعتبار على غاية السهولة( الْأُمُورُ ) أي كلها حسا بالبعث ومعنى بالإبداء والإفناء ، ودل على هذا الإبداء والإفناء بأبدع الأمور وأروقها فقال :( يُولِجُ ) أي يدخل ويغيب بالنقص والمحو( اللَّيْلَ فِي النَّهارِ ) فإذا قد قصر بعد طوله ، وقد انمحى بعد تشخصه وحلوله ، فملأ الضياء الأقطار بعد ذلك الظلام( وَيُولِجُ النَّهارَ ) الذي عم الكون ضياؤه وأناره لألاؤه( فِي اللَّيْلِ ) الذي قد كان غاب في علمه ، فإذا الظلام قد طبق الآفاق ، والطول ، الذي كان له قد صار نقصا.

ولما كان في هذا إظهار أخفى الأشياء حتى يصير في غاية الجلاء ، أتبعه علم ما هو عند الناس أخفى ما يكون فقال :( وَهُوَ ) أي وحده( عَلِيمٌ ) أي بالغ العلم( بِذاتِ الصُّدُورِ ) أي ما يصحبها فتخفيه فلا يخرج منها من الهمزات على مدى الأيام على كثرة اختلافها وتغيرها وإن خفيت على أصحابها.

ولما قامت الأدلة على تنزيهه سبحانه عن شائبة كل نقص ، وإحاطته بكل صفة كمال ، المقتضي لثبوت أن الملك له ، الموجب قطعا لتفرده بعموم الإلهية ، المقتضي لإرسال من يريده إلى جميع من في ملكه ، وختم بالعلم بالضمائر التي أجلها الإيمان ، قال آمرا بالإذعان له ولرسولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم :( آمِنُوا ) أي أيها الثقلان( بِاللهِ ) أي الملك الأعظم الذي لا مثل له( وَرَسُولِهِ ) الذي عظمته من عظمته. ولما كان الإيمان أساسا ، والإنفاق وجها ظاهرا ورأسا ، قال جامعا بين الأساس الحامل الخفي والوجه الظاهر الكامل البهي :( وَأَنْفِقُوا ) أي في إظهار دينه : ورغبهم في ذلك بطلب اليسير مما أعطاهم الله

٤٣٨

وزهدهم منه بقوله :( مِمَّا جَعَلَكُمْ ) أي بقدرته( مُسْتَخْلَفِينَ ) أي مطلوبا موجودا خلافتكم( فِيهِ ) وهو له دونكم بما يرضي من استخلفكم في تمهيد سبيله فطيبوا بها نفسا لأنها ليست في الحقيقة لكم وإنما أنتم خزان ، وخافوا من عزلكم من الخلافة بانتزاعها من أيديكم بتولية غيركم أمرها ، إما في حياتكم ، وإما بعد مماتكم ، كما فعل بغيركم حين أوصل إليكم ما وصل من أموالهم ، «فليس لكم منها إلا ما أكلتم فأفنيتم أو لبستم فأبليتم أو تصدقتم فأبقيتم ـ وفي رواية : فأمضيتم»(١) وليهن الإنفاق منها عليكم كما يهون على الإنسان النفقة من مال غيره إذا كان أذن له فيه.

ولما أمر بالإنفاق ووصفه بما سهله ، سبب عنه ما يرغب فيه فقال مبالغا في تأكيد الوعد لما في ارتكابه من العسر بالتعبير عنه بالجملة الاسمية وبناء الحكم على الضمير بالوصف بالكبير وغير ذلك :( فَالَّذِينَ آمَنُوا ) وبين أن هذا خاص بهم لضيق الحال في زمانهم فقال :( مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا ) أي من أموالهم في الوجوه التي ندب إليها على وجه الإصلاح كما دل عليه التعبير بالإنفاق( لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ) أي لا تبلغ عقولكم حقيقة كبره فاغتنموا الإنفاق في أيام استخلافكم قبل عزلكم وإتلافكم.

( وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٩) وَما لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠) )

ولما رغب في الإنفاق والإيمان ، وكان الإيمان مقتضى بالإنفاق ، عجب ممن لا يبادر إلى الحاصل على كل خير ، فقال مفصلا لما أجمل من الترغيب فيهما ، بادئا بأبين كل خير ، منفسا عنهم بالتعبير بأداة الاستقبال بالبشارة بالعفو عن الماضي مرهبا موبخا لمن لا يبادر إلى مضمون ما دخل عليه الاستفهام ، عاطفا على ما تقديره : فما لكم لا تبادرون إلى ذلك :( وَما ) أي وأيّ شيء( لَكُمْ ) من الأعذار أو غيرها في أنكم ، أو حال كونكم( لا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ ) أي تجددون الإيمان ـ أي تجديدا مستمرا ـ بالملك الأعلى أي الذي له الملك كله والأمر كله بعد سماعكم لهذا الكلام : لأن «لا» لا تدخل على مضارع إلا وهو بمعنى الاستقبال ، ولو عبر بعبارة تدل على الحال لربما تعنت

__________________

(١) أخرجه مسلم ٢٩٥٨ والترمذي ٢٣٤٢ والنسائي ٦ / ٢٣٨ وابن حبان ٧٠١ من حديث مطرف عن أبيه.

٤٣٩

متعنت فقال : فأت ما طلب منا ، والذي بعد هذا من الحال التي هي في معنى دالة على هذا ، وهي قوله :( وَالرَّسُولُ ) أي والحال أن الذي له الرسالة العامة( يَدْعُوكُمْ ) صباحا ومساء على ما له من مقتضيات القبول منه من حسن السمت وجلالة القدر وإظهار الخوارق وغير ذلك( لِتُؤْمِنُوا ) أي لأجل أن تجددوا الإيمان( بِرَبِّكُمْ ) أي الذي أحسن تربيتكم بأن جعلكم من أمة هذا النبي الكريمصلى‌الله‌عليه‌وسلم وشرفكم به( وَقَدْ ) أي والحال أنه قد( أَخَذَ مِيثاقَكُمْ ) أي وقع أخذه فصار في غاية القباحة ترك ما وقع التوثق بسببه بنصب الأدلة والتمكين من النظر بإبداع العقول ، وذلك كله منضم إلى أخذ الذرية من ظهر آدم عليه الصلاة والسّلام وإشهادهم على أنفسهم وإشهاد الملائكة عليهم ، وبنى الفعل للمفعول في قراءة أبي عمرو ليكون المعنى أيّ أخذ كان لأن الغدر عند الكرماء شديد من غير نظر إلى معين لا سيما العرب فكيف إذا كان الآخذ الملك الأعظم القادر على كل شيء العالم بكل شيء ، ورسوله الذي تعظيمه من تعظيمه ، كما صرحت به قراءة الجماعة بالبناء للفاعل ولا يخفى الإعراب ، والحاصل أنهم نقضوا الميثاق في الإيمان ، فلم يؤاخذهم حتى أرسل الرسل.

ولما حثهم على تجديد الإيمان على سبيل الاستمرار بالتعجب من ترك ذلك ، وكان كل واحد يدعي العراقة في الخير ، هيجهم وألهبهم بقوله :( إِنْ كُنْتُمْ ) أي جبلة ووصفا ثابتا( مُؤْمِنِينَ ) أي عريقين في وصف الإيمان ، وهو الكون على نور الفطرة الأولى.

ولما وصفه بالربوبية ، دل عليها بقوله :( هُوَ ) أي وحده لا غيره( الَّذِي يُنَزِّلُ ) أي على سبيل التدريج والموالاة بحسب الحاجة. ولما كان الخطاب في هذه السورة للمخلص ، قال مضيفا إلى ضميره غير مقرون بما يدل عى الجلال والكبرياء( عَلى عَبْدِهِ ) أي الذي هو أحق الناس بحضرة جماله وإكرامه لأنه ما تعبد لغيره قط( آياتٍ ) أي علامات هي من ظهورها حقيقة بتأن يرجع إليها ويتقيد بها( بَيِّناتٍ ) جدا على ما له من النعوت التي هي في غاية الوضوح( لِيُخْرِجَكُمْ ) أي الله أي عبده بما أنزل إليه مع أنه بشر مثلكم ، والجنس إلى جنسه أميل ومنه أقبل ، ولا سيما إن كان قريبا ولبيبا أريبا( مِنَ الظُّلُماتِ ) التي أنتم منغمسون فيها من الحظوظ والنقائص التي جبل عليها الإنسان والغفلة والنسيان ، الحاملة على تراكم الجهل ، فمن آتاه سبحانه العلم والإيمان فقد أخرجه من هذه الظلمات التي طرأت عليه( إِلَى النُّورِ ) الذي كان وصفا لروحه وفطرته الأولى السليمة.

ولما كان التقدير : فإن الله به للطيف خبير ، عطف عليه قوله مؤكدا لأجل زلزال

٤٤٠