نظم الدّرر الجزء ٧

نظم الدّرر0%

نظم الدّرر مؤلف:
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 631

نظم الدّرر

مؤلف: برهان الدين البقاعي
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
تصنيف:

الصفحات: 631
المشاهدات: 129
تحميل: 18


توضيحات:

بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 631 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 129 / تحميل: 18
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 7

مؤلف:
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
العربية

ولما كان مظهر العظمة مقتضيا لإشقاء من أريد إشقاؤه مع عدم المبالاة به ، كائنا من كان ، سواء اتصل بالأولياء أو الأعداء لئلا يأمن أحد فيقع في الخسران أو ييأس أحد فيلزم الهوان قال :( فَمِنْهُمْ ) أي ذرية هذين الصنفين( مُهْتَدٍ ) هو بعين الرضا منا ـ وهو من لزم طريق الأصفياء واستمسك بعهدهم ولم يزغ أصلا وإن كان من أولاد الأعداء.

ولما كان من زاغ بعد تذكيره بالكتب والرسل ، كان مستحقا للمبالغة في الذم ولو أنه واحد فكيف إذا كان كثيرا ، نبه بتغيير السياق على ذلك وعلى أن الأغلب الضلال فقال :( وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ) أي الذرية الموصوفين( فاسِقُونَ ) هم بعين السخط وإن كانوا أولاد الأصفياء وهم من خالف الأولياء بمنابذة أو ابتداع أو زيغ عن سبيلهم بما لم ينهجوه من تفريط وإفراط.

ولما كان من مقاصد هذه السورة العظمى الإعلام بنسخ الشرائع كلها بشريعة هذا النبي الفاتح العام الرسالة لجميع الخلائقصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قال مشيرا إلى عظمة الإرسال والرسل بأداة التراخي :( ثُمَّ قَفَّيْنا ) أي بما لنا من العظمة تقفية لها من العظمة ما يجل وصفه( عَلى آثارِهِمْ ) أي الأبوين المذكورين ومن مضى قبلهما من الرسل ، ولا يعود الضمير على (الذرية) لأنها باقية مع الرسل وبعدهم( بِرُسُلِنا ) أي فأرسلناهم واحدا في أثر واحد بين ما لا يحصى من الخلق من الكفرة محروسين منهم في الأغلب بما تقتضيه العظمة ، لا ننشىء آثار الأول منهم حتى نرسل الذي بعده في قفاه ، فكل رسول بين يدي الذي بعده ، والذي بعده في قفاه ـ فهو مقف له لأن الأول ذاهب إلى الله والثاني تابع له ، فنبيناصلى‌الله‌عليه‌وسلم أعرق الناس في هذا الوصف لأنه لا نبي بعده ، ولهذا كان الوصف أحد أسمائه.

ولما كان عيسىعليه‌السلام أعظم من جاء بعد موسىعليه‌السلام من بني إسرائيل فهو الناسخ لشريعته والمؤيد به هذا النبي الخاتمصلى‌الله‌عليه‌وسلم في تجديد دينه وتقرير شريعته ، وكان الزهد والرأفة والرحمة في تابعيه في غاية الظهور مع أن ذلك لم يمنعهم من القسوة المنبهة سابقا على أن الموجب لها طول الأمد الناشىء عنها الإعراض عن الآيات الحاضرة معه والكتاب الباقي بعده ، خصه بالذكر وأعاد العامل فقال :( وَقَفَّيْنا ) أي أتبعنا بما لنا من العظمة على آثارهم قبل أن تدرس( بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ) وهو آخر من قبل النبي الخاتم عليهم الصلاة والسّلام ، فأمته أول الأمم بالأمر باتباعهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ( وَآتَيْناهُ ) بما لنا من العظمة( الْإِنْجِيلَ ) كتابا ضابطا لما جاء به مقيما لملته مبينا للقيامة مبشرا بالنبي العربي موضحا لأمره مكثرا من ذكره( وَجَعَلْنا ) لعزتنا( فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ ) أي بغاية جهدهم ، فكانوا على مناهجه( رَأْفَةً ) أي أشد رقة على من كان يتسبب إلى

٤٦١

الاتصال بهم( وَرَحْمَةً ) أي رقة وعطفا على من لم يكن له سبب في الصلة بهم كما كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم رحماء بينهم حتى كانوا أذلة على المؤمنين مع أن قلوبهم في غاية الصلابة فهم أعزة على الكافرين ، وترتيب الوصفين هكذا أدل دليل على أنهما لم يقصد بهما مراعاة الفواصل في رؤف( رَحِيمٌ ) كما قاله بعض المفسرين وتقدم في آخر براءة أن ذلك قول لا يحل التصويب إليه ولا التعويل عليه وإن قاله من قال( وَرَهْبانِيَّةً ) أي أمورا حاملة على الرهيبة والتزيي بزيها والعمل على حسبها مبالغة في العبادة والرياضة والانقطاع عن الناس.

ولم قدم المعمول لفعل غير مذكور ليدل عليه بما يفسره ليكون مذكورا مرتين تأكيدا له إفهاما لذم نفس الابتداع ، أتبعه المفسر لعامله فقال :( ابْتَدَعُوها ) أي حملوا أنفسهم على عملها والتطويق بها من غير أن يكون لهم فيها سلف يعلمونه أو يكون بما صرح به كتابه وإن كانت مقاصده لا تأباها فاعتزلوا لأجلها الناس ، وانقطعوا في الجبال عن الاستئناس ، وكانت لهم بذلك أخبار شائعة في النواحي والأمصار ، وفي التقديم على العامل سر آخر وهو الصلاحية للعطف على ما قبلها لئلا يتوهم من لفظ الابتداع أن لا صنع لله فيها( ما كَتَبْناها ) أي فرضناها بعظمتنا( عَلَيْهِمْ ) في كتابهم ولا على لسان رسولهم( إِلَّا ) أي لكن ابتدعوها( ابْتِغاءَ ) أي لأجل تكليفهم أنفسهم الوقوع بغاية الاجتهاد في تصفية القلوب وتهذيب النفوس وتزكية الأعمال على( رِضْوانِ اللهِ ) أي الرضا العظيم من الملك الأعظم ، وساق المنقطع مساق المتصل إشارة إلى أنه مما يرضي الله ، وأنه ما ترك فرضها عليهم إلا رحمة لهم لأجل صعوبتها ، وأنه صيرها بعد إلزامهم بها كالمكتوبة ، فيكون التقدير حينئذ : إلا لأجل أن يبتغوا رضوانه على وجه الثبات والدوام ، قال الإمام أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم المصري في كتابه «فتوح مصر والمغرب» : فلما أن أغرق اللهعزوجل فرعون وجنوده كما حدثنا هانىء بن المتوكل عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن تبيع قال : استأذن الذين كانوا آمنوا من السحرة لموسىعليه‌السلام في الرجوع إلى أهله وماله بمصر فأذن لهم ودعا لهم فترهبوا في رؤوس الجبال ، فكانوا أول من ترهب ، وكان يقال لهم الشيعة ، وبقيت طائفة منهم مع موسىعليه‌السلام حتى توفاه اللهعزوجل ، ثم انقطعت الرهبانية بعدهم حتى ابتدعها بعد ذلك أصحاب المسيحعليه‌السلام .(١)

ولما تسبب عن صعوبتها أنهم أضاعوها بالتقصير عن شؤونها والسفول عن عليائها

__________________

(١) انظر فتوح مصر والمغرب لعبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم ص ٤٤ (وفي إسناده ابن لهيعة ضعيف).

٤٦٢

قال :( فَما رَعَوْها ) أي حفظوها كلهم بحفظ من هو مرتاع من خوف ضياعها( حَقَّ رِعايَتِها ) بصون العناية في رعاية الأعمال والأحوال والأقوال ، فصون الأعمال توفيرها لتحقيرها من غير التفات إليها ، ورعاية الأحوال عند الاجتهاد من أتاه والحال دعوى ، ورعاية الوقت الوقوف مع حضور على بساط شهود الجلال ـ ذكره الرازي. بل غلبت عليهم صفات البشر فقصر بعضهم عن عالي مداها ، وانحطوا عن شامخ ذراها ، هذا تنفير عظيم عن البدع ، وحث شديد على لزوم ما سنه الله وشرع ، وتحذير من التشديد ، فإنه لن يشادّ الدين أحد إلا غلبه وهو الترحال إلى البدعة ولهذا أكثر في أهل الرهبانية المروق من الدين بالاتحاد والحلول وغير ذلك من البلايا ولو كان يظهر أن التشدد والتعمق خير لأن الشارع الذي أحاط علما بما لم يحط به نهى عنه ، وقد أفادت التجربة أنه قد يغر لأن هؤلاء ابتدعوا ما أرادوا الخير ، فكان داعيا لكثير منهم إلى دار البوار ، وفيه أيضا حث عظيم على المداومة على ما اعتيد من الأعمال الصالحة خصوصا ، ما عمل النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم عملا إلا داوم عليه ، وكان ينهى عن التعمق في الدين ، ويأمر بالرفق والقصد.

ولما كانت متابعة النفس في التقصير بالإفراط قد توصل إلى المروق من الدين فيوجب الكفر فيحط على الهلاك كله ، أشار إلى ذلك بقوله :( فَآتَيْنَا ) أي بما لنا من صفات الكمال( الَّذِينَ آمَنُوا ) أي استمروا على الإيمان الكامل ، ولعل في التعبير بالماضي بعد إرادة التعميم للأدنى والأعلى إشارة إلى أن المتعمق بين إيمان وكفر لا تجرد معصيته كما أشار إليه ختم الآية فهو في غاية الذم للتعمق والمدح للاقتصاد( مِنْهُمْ ) أي من هؤلاء المبتدعين لأنهم رعوها حق رعايتها ووصلوا إيمانهم بعيسى ومن قبله عليهم الصلاة والسّلام بإيمانهم بمحمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم الذي دعا إليه الخروج عن النفس الذي هو روح الرهبانية بموافقتهم لما في كتابهم من البشائر به( أَجْرَهُمْ ) أي اللائق بهم وهو الرضوان المضاعف.

ولما كانت متابعة الأهواء تكسب صفات ذميمة تصير ملكات راسخة للأنفس ، أشار إلى ذلك بالعدول عن النهج الأول فقال :( وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ) أي هؤلاء الذين ابتدعوا فضيعوا( فاسِقُونَ ) أي عريقون في وصف الخروج عن الحدود التي حدها الله تعالى ، روى البغوي من طريق الثعلبي عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «من آمن بي فقد رعاها حق رعايتها ، ومن لم يؤمن بي فأولئك هم الهالكون »(١) انتهى. ومثل هذه

__________________

(١) أخرجه الحاكم ٢ / ٤٨٠ من حديث ابن مسعود ، وصححه الحاكم ، وتعقبه الذهبي بقوله : عقيل منكر الحديث كما قال البخاري.

٤٦٣

الرهبانية في أنها لا تأباها قواعد الدين ما يفهمه بعض العلماء من الكتاب والسنة فيتذكره ، فيكون أخذنا له من الأصول التي نبه عليها لا منه ، كما أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يفعلون أشياء فإن قررهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم عليها كانت شرعا لنا وكنا آخذين لها من تفسيرهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لا منهم ، فإن من ملكه الله رتبة الاجتهاد في شيء وأمكنه فيه من القواعد فأداه اجتهاده إلى أن هذا مندوب إليه مرغوب فيه مثلا ، كان ذلك بما يشهد له من قواعد الدين بمنزلة ما قاله الصحابة رضي الله عنهم فأقرهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولا فرق بين أن يقرره النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بنفسه أو بقواعد شريعته ، ومهما كان مقررا بقواعد شرعه كان عليه أمره ، ومهما لم يكن مقررا بها كان مما ليس عليه أمره فهو رد على قائله ، فهذا فرق بين البدع الحسنة والبدع القبيحة ـ والله الموفق ، وذكر ابن برجان تنزيل هذا الحديث الذي فيه «لتتبعن سنن من كان قبلكم »(١) فذكر أن أصحاب عيسىعليه‌السلام عملوا بعده بالإنجيل حتى قام فيهم ملك بدل كتابهم ، وشايعه على ذلك روم ويونان ، فضعف أهل الإيمان ، فاستذلوهم حتى هربوا إلى البراري ، وعملوا الصوامع وابتدعوا الرهبانية ، وكذلك كان في هذه لتصديق الحديث الشريف فإنه لما توفي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم تبعه خلفاؤه بإحسان ، فلما مضت الخلافة الراشدة تراكمت الفتن كما أخبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم واشتد البلاء على المتمسكين بصريح الإيمان ، ورجم البيت العتيق بحجارة المنجنيق وهدم ، وقتل عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما واستبيحت مدينة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ثلاثة أيام ، وقتل خيار من فيها فرأى المسلمون العزلة واجبة ، فلزموا الزوايا والمساجد وابتنوا الروابط على سواحل البحر وأخذوا في الجهاد للعدو والنفوس ، وعالجوا تصفية أخلاقهم ولزموا الفقر أخذا من أحوال أهل الصفة ، وتسموا بالصوفية وتكلموا على الورع والصدق والمنازل والأحوال والمقامات فهؤلاء وزان أولئك ـ والله الموفق.

ذكر ما في الإنجيل من الحكم التي توجب الزهد في الدنيا والإقبال على الله التي يصح تمسك أهل هذه الرهبانية بها : قال متى وغيره وأغلب السياق لمتى : إن أخطأ عليك أخوك فاذهب أعتبه وحدكما ، فإن سمع منك فقد ربحت أخاك ، وإن لم يسمع منك فخذ معك واحدا أو اثنين ، لأن من فم شاهدين أو ثلاثة تقوم كل كلمة ، وإن لم يسمع منهم فقل للبيعة ، فإن لم يسمع من البيعة فيكون عندك كالوثني والعشار ، الحق أقول لكم ، وقال لوقا : انظروا الآن إن أخطأ إليك أخوك فانهه ، فإن تاب فاغفر له ، فإن أخطأ إليك سبع دفعات في اليوم ورجع إليك سبع دفعات يقول لك : أنا تائب ، فاغفر

__________________

(١) أخرجه البخاري ٧٣٢٠ ومسلم ٢٦٦٩ وابن حبان ٦٨٠٣ والطيالسي ٢١٧٨ من حديث أبي سعيد الخدري.

٤٦٤

له ، وقال متى : حينئذ جاء إليه بطرس وقال له : إذا أخطأ إليّ أخي لم أغفر له سبع مرات ، قال : ليس أقول لك إلى سبع مرات ، بل إلى سبعين مرة ، ولهذا يشبه ملكوت السماوات ملكا أراد أن يحاسب عبيده ، فلما بدأ بمحاسبتهم قدم إليه عبد مديون عليه جملة وزنات ، ولم يكن معه ما يوفي ، فأمر سيده أن تباع امرأته وبنوه وكل ما له حتى يوفي ، فخر ذلك العبد له ساجدا قائلا : يا رب ، ترأف عليّ تأن ، أوفك كل مالك ، فتحنن عليه سيده وترك له كل ما عليه ، فخرج ذلك العبد فوجد عبدا من أصدقائه عليه مائة دينار فأمسكه وخنقه وقال : أعطني ما عليك ، فخر ذلك العبد على رجليه وطلب إليه قائلا : ترأف عليّ فأنا أعطيك مالك ، فأبى ومضى وتركه في السجن حتى يوفي الدين ، فرأى العبد أصحابه فحزنوا عليه جدا وأعلموا سيده بكل ما كان منه ، حينئذ دعاه سيده وقال له : أيها العبد الشرير! كل ما كان عليك تركت بذلك لأنك سألتني ، ما كان ينبغي لك أن ترحم ذلك العبد صاحبك كرحمتي إياك ، وغضب سيده ودفعه إلى المعذبين حتى يوفي جميع ما عليه ، هكذا أبي السماوي يصنع بكم إن لم تغفروا لإخوانكم سيئاتهم من كل قلوبكم ، فلما أكمل يسوع هذا الكلام انتقل من الجليل وجاء إلى تخوم يهود عبر الأردن فتبعه جمع كثير فأبرأهم هناك ، قال لوقا : فلما أكمل أيام صعوده أقبل بوجهه إلى يروشليم ، وأرسل مخبرين قدام وجهه فمضوا ودخلوا قرية السامرة ، لكيما يعدوا له فلم يقبلوه فقال تلميذاه يعقوب ويوحنا : يا رب تريد أن نقول فتنزل عليهم نار من السماء فتهلكهم كما فعل إليا ، فالتفت فنهرهما قائلا : لستما تعرفان أي روح أنتما ، إن ابن البشر لم يأت ليهلك نفوس الناس بل يحيي ، ومضى إلى قرية أخرى ، وقال متى : حينئذ قدم إليه صبيان ليضع يده عليهم ويباركهم فنهرهم التلاميذ فقال لهم يسوع : دعوا الصبيان ولا تمنعوهم أن يأتوا إليّ لأن ملكوت السماوات لمثل هؤلاء ، ووضع يده عليهم وبارك لهم ، وقال مرقس : الحق أقول لكم ، إن من لا يقبل ملكوت الله مثل صبي لا يدخلها ، واحتضنهم ووضع يده عليهم وباركهم ، وقال متى : ومضى من هناك وجاء إليه واحد وقال : يا معلم صالح ـ وقال مرقس : أيها المعلم الصالح ـ ما أعمل من الصلاح لأرث الحياة الدائمة ، قال له : لماذا تقول : صالح ، ولا صالح إلا الله الواحد ، إن كنت تريد أن تدخل الحياة احفظ الوصايا ، قال له : وما هي؟ قال يسوع : لا تقتل ولا تسرق ولا تزن ولا تشهد الزور ، وقال مرقس : لا تجر ، أكرم أباك وأمك ـ حب قريبك مثلك ، قال له الشاب : كل هذا قد حفظته من صغري ، قال له يسوع : إن كنت تريد أن تكون كاملا فاذهب ، وقال مرقس : فنظر إليه يسوع وأحبه ، وقال : تريد أن تكون كاملا ، واحدة بقيت عليك : امض وبع كل شيء لك وأعطه

٤٦٥

للمساكين ليكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني ، فلما سمع الشاب الكلام مضى حزينا لأنه كان له مال كثير ، فقال يسوع لتلامذته : الحق أقول لكم! إنه يعسر على الغني الدخول إلى ملكوت السماء ، وأيضا أقول لكم : إنه أسهل أن يدخل الجمل في ثقب الإبرة من غني يدخل ملكوت السماوات ، فلما سمع التلاميذ بهتوا جدا وقالوا : من يقدر أن يخلص ، فنظر يسوع وقال لهم : أما عند الناس فلا يستطاع هذا ، وأما عند الله فكل يستطاع ، حينئذ أجاب بطرس وقال له : هو ذا نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك ، فماذا عسى أن يكون لنا ، قال لهم يسوع : الحق والحق أقول لكم! أنتم الذين اتبعتموني في الجبل الآتي إذا جلس ابن الإنسان على كرسي مجده تجلسون أنتم على اثني عشر كرسيا ، تدينون اثني عشر سبط بني إسرائيل ، كل من ترك بنين أو أخا أو أخوات أو أبا أو أما أو امرأة أو بيتا أو حقلا من أجل اسمي يأخذ مائة ضعف ويرث حياة الأبد ، وقال لوقا : ما من أحد ترك منزلا أو والدين أو إخوة أو امرأة أو مالا من أجل ملكوت الله إلا وينال العوض أضعافا كثيرة في هذا الزمان وفي الدهر الآتي حياة الأبد ، وقال متى وغيره : كثيرا أولون يصيرون آخرين ، وآخرون يصيرون أولين ، يشبه ملكوت السماوات إنسانا رب بيت خرج الغداة ليستأجر فعلة لكرمه ، فشارك الأكرة على دينار واحد في اليوم ـ إلى آخر ما مضى في الأعراف من البشارة بأمة محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم في مثل الفعلة في الكرم الذي فضل آخرهم وهو العامل قليلا على من عمل أكثر النهار وقد ساقه ابن برجان في آخر تفسير سورة الحديد عن الإنجيل بعبارة أخرى تفسيرا كثيرا من عبارة النسخة التي نقلت ذاك منها ، فأحببت أن أذكر عبارة ابن برجان هنا تكميلا للفائدة ، قال : وفي الكتاب الذي يذكر أنه الإنجيل : وكثيرا يتقدم الآخرون الأولون ويكون الأولون ساقة الآخرين ، ولذلك يشبه ملكوت السماوات برجل ملي خرج في استئجار الأعوان لحفر كرم في أول النهار ، وعامل كل واحد في نهاره على درهم ثم أدخلهم كرمه ، فلما كان في الساعة الثالثة بصر لغيرهم في الرحاب لا شغل لهم فقال : اذهبوا أنتم أيضا إلى الكرم وسآمر لكم بحقوقكم ، ففعلوا ، ثم فعل مثل ذلك في الساعة السادسة والتاسعة ، فلما كان في الساعة الإحدى عشرة وجد غيرهم وقوفا فقال لهم : لم وقفتم هنا طول نهاركم دون عمل؟ فقالوا له : إنا لم يستأجرنا أحد ، فقال لهم : اذهبوا أنتم سآمر لكم بحقوقكم ، فلما انقضى النهار قال لوكيله : ادع الأعوان وأعطهم أجرتهم وابدأ بالآخرين حتى تنتهي إلى الأولين ، فبدأ بالذين دخلوا في الساعة الإحدى عشرة وأعطى كل واحد منهم درهما ، فأقبل الأولون وهم الذين يرجون الزيادة ، فأعطى كل واحد منهم درهما ، فاستذكروا ذلك على صاحب الكرم وقالوا : سويتنا بالذين لم يعملوا

٤٦٦

إلا ساعة من النهار في شخوصنا طول نهارنا وعذابنا بحرارته ، فأجاب أحدهم وقال : لست أظلمك يا صديق ، أما عاملتني على درهم فخذ حقك وانطلق فإنه يوافقني أن أعطي الآخر كما أعطيتك ، أفلا يحل لي ذلك؟ وإن كنت حسودا فإني أنا رحيم ، ومن أجل ذلك يتقدم الآخرون الأولين ، ويكون الأولون ساقة الآخرين فالمدعوون كثير ، والخيرون قليل ، وذكر ابن برجان أن الساعة السادسة لعيسىعليه‌السلام وأصحابه في أول الأمر والتاسعة لمحمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم والحادية عشرة لآخر الزمان ـ كأنه يعني ما بعد الدجال من أيام محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم التي يكون فيها عيسىعليه‌السلام مجددا ، ولهذا جعلهما النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم التي يكون فيها عيسىعليه‌السلام مجددا ، ولهذا جعلهما النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم في حديثه الصحيح شيئا واحدا من العصر إلى غروب الشمس ، ثم قال متى في بقية ما مضى من الإنجيل في النسخة التي نقلت منها عقب ما تقدم أنه في الأعراف : فصعد يسوع إلى يروشليم وأخذ الاثني عشر ، حينئذ جاءت إليه أم ابني زبدي ـ هما يعقوب ويوحنا ـ مع ابنيها وسجدت له ، فقال لها : ماذا تريدين؟ قالت : أن يجلس ابناي أحدهما عن يمينك والآخر عن يسارك في ملكوتك ، أجاب يسوع : أما جلوسهما عن يميني ويساري فليس لي بل للذي أعده لهم ربي ، فلما سمع العشرة تقمقموا على الآخرين ـ وقال مرقس : على يعقوب ويوحنا ـ فدعاهم يسوع وقال لهم : أما علمتم أن رؤساء الأمم يسودونهم وعظماءهم مسلطون عليهم ، ليس هكذا يكون فيكم ، لكن من أراد أن يكون فيكم كبيرا فيكون لكم خادما ، ومن أراد أن يكون فيكم أولا فيكون لكم عبدا ، وقال مرقس : فيكون آخر للكل وخادما للجمع ، كذلك ابن الإنسان لم يأت ليخدم بل ليخدم ، ويبذل نفسه فداء عن كثير ، فلما خرج من أريحا تبعه جمع كثير وإذا أعميان جالسان على الطريق فسمعا أن يسوع مجتاز فصرخا قائلين : ارحمنا يا رب يا ابن داود ، فوقف يسوع ودعاهما وقال لهما : ما تريدان أن أفعل لكما ، قالا له : يا رب ، أن تفتح أعيننا ، فتحنن يسوع ولمس أعينهما وللوقت أبصرت أعينهما وتبعاه ، وعبارة مرقس عن ذلك : وجاء إلى أريحا وخرج من هناك وتبعه تلاميذه وجمع كثير وإذا طيماس بن طماس الأعمى جالس يسأل عن الطريق ـ وقال لوقا : يتوسل ـ فسمع الجمع المجتاز فسأل : ما هذا ، فأخبروه أن يسوع الناصري جاء ، وقال مرقس : فلما سمع بأن يسوع مقبل بدأ يصيح ويقول : يا يسوع الناصري ابن داود ارحمني ، فانتهروه ليسكت ، فازداد صياحا قائلا : يا رب يا ابن داود ، ارحمني ، فوقف يسوع وقال : ادعوه ، فدعي الأعمى وقالوا له : ثق وقم فإنه يدعوك ، وطرح ثوبه ونهض وجاء إلى يسوع فأجابه يسوع وقال له : ما تريد أن أصنع بك؟ فقال له الأعمى : يا معلم ، وقال لوقا : يا رب ـ أن أبصر ، فقال له يسوع :

٤٦٧

اذهب إيمان خلصك ، وللوقت أبصر ، وتبعه في الطريق ـ قال لوقا : يمجد الله ـ وكان جميع الشعب الذين رأوه يسبحون الله. وقال أيضا : وكان بينما هو منطلق إلى يروشليم اجتاز بين السامرة والجليل ، وفيما هو داخل إلى إحدى القرى استقبله عشرة رجال برص فوقفوا من بعيد ورفعوا أصواتهم قائلين : يا يسوع المعلم ارحمنا! فنظر إليهم وقال لهم : اذهبوا وأروا أنفسكم للكهنة ، وفيما هم منطلقون طهروا ، فلما رأى أحدهم أنه قد طهر رجع بصوت عظيم يمجد الله وخر على وجهه عند رجليه شاكرا له ، وكان سامريا ، أجاب يسوع وقال : أليس العشرة قد طهروا فأين التسعة ، ألم يجدوا ليرجعوا ويمجدوا الله ما خلا هذا الغريب ، ثم قال له : قم فامض ، إيمانك خلصك.

قال متى : ولما قربوا من يروشليم وجاؤوا إلى بيت فاجي عند جبل الزيتون ـ وقال مرقس : عند باب فاجي وبيت عنيا جانب طور الزيتون ـ قال متى : حينئذ أرسل يسوع اثنين من تلاميذه : وقال لهما : اذهبا إلى القرية التي أمامكما فتجدان أتانة مربوطة وجحشا معها فحلاهما وائتياني بهما! فإن قال لكما أحد شيئا فقولا له : إن الرب محتاج إليهما! فهو يرسلهما للوقت ، كان هذا ليتم ما قيل في النبي القائل قولوا لابنة صهيون هوذا ملكك يأتيك متواضعا راكبا على أتانة وجحش ابن أتانة ، فذهب التلميذان وصنعا كما أمرهما يسوع ، فأتيا بالأتانة والجحش وتركوا ثيابهم عليهما ، وجلس معهما ، وجمع كثير فرشوا ثيابهم في الطريق وآخرون قطعوا أغصانا من الشجر وفرشوها في الطريق ، وعبارة مرقس عن ذلك : تجد أن جحشا مربوطا لم يركبه أحد من الناس قط ، فحلاه وائتيا به ، فإن قال لكما أحد : ما تفعلان بهذا؟ فقولا : إن الرب محتاج إليه فمن ساعة يرسله ، فذهبا ووجدا الجحش مربوطا عند الباب خارجا على الطريق فحلاه فقال لهما قوم من القيام هناك : ما تصنعان؟ فقالا لهم كما قال يسوع فتركوهما ، وجاءا بالجحش إلى يسوع فألقوا عليهم ثيابهم وجلس عليه وكثير بسطوا ثيابهم في الطريق وآخرون قطعوا أغصانا من الحقل وفرشوها في الطريق. قال متى : والجمع الذي تقدمه والذي تبعوا صرخوا قائلين : أوصنا يا ابن داود مبارك الآتي باسم الرب ، قال مرقس : ومباركة المملكة الآتية باسم الرب لأبينا دواد أوصنا في العلاء ، وقال لوقا : وكان لما قرب من منحدر جبل الزيتون بدأ جمع الملأ والتلاميذ يفرحون ويسبحون الله ويمجدونه بجميع الأصواب من أجل القوات التي نظروا قائلين : تبارك الملك الآتي باسم الرب والسلامة في السماء والمجد في العلا ، وقوم من الفريسيين من بين الجمع قالوا له : يا معلم انتهر تلاميذك ، فقال لهم : إن سكت التلاميذ نطقت الحجارة ، فلما قرب نظر المدينة وبكى عليها وقال : لو علمت في هذا اليوم ما لك فيه من السلامة ، فأما الآن فإنه قد خفي عن عينيك ، وسوف تأتي أيام تلقى أعداؤك معلمك ويحيطون بك ويضيقون عليك من كل

٤٦٨

موضع ويقتلونك وبنيك فيك ولا يتركون فيك حجرا ، وقال متى : فلما دخل إلى يروشليم ارتجت المدينة كلها قائلين : من هذا؟ فقال الجمع : هذا يسوع النبي الذي هو من ناصرة الجليل ، فدخل يسوع إلى هيكل الله وأخرج جميع الذين يبيعون ويشترون في الهيكل وقلب موائد الصيارف وكراسي باعة الحمام وقال لهم : مكتوب أن بيتي بيت الصلاة يدعى ، وأنتم جعلتموه مغارة للصوص. وقال يوحنا : فصعد يسوع إلى يروشليم فوجد في الهيكل باعة البقر والكباش والحمام وصيارف جلوسا ، فصنع محضرة من حبل وأخرج جميعهم من الهيكل فطرد البقر والخراف وبدد دراهم الصيارف وقلب موائدهم ، وقال متى : وقدم إليه عميان وعرج في الهيكل فشفاهم ، فرأى رؤساء الكهنة العجائب التي صنع والصبيان يصيحون في الهيكل ويقولون : أوصنا يا ابن داود ، مبارك الآتي باسم الرب ، فتقمقموا وقالوا : ما تسمع ما يقول هؤلاء ، فقال لهم يسوع : نعم ، أما قرأتم قط أن من فم الأطفال والمرضعين أعددت سبحا ، وتركهم وخرج خارج المدينة وبات هناك في بيت عنيا وفي غد عبر إلى المدينة فجاع ونظر إلى شجرة تين على الطريق فجاء إليها فلم يجد فيها شيئا إلا الورق ، فقال لها : لا يخرج منك ثمرة إلى الأبد ، فيبست تلك الشجرة للوقت ، فنظر التلاميذ وتعجبوا وقالوا : كيف يبست التينة للوقت ، أجاب يسوع وقال لهم : الحق أقول لكم! إن كان لكم إيمان ولا تشكون ليس مثل هذه الشجرة التين فقط تصنعون ولكن تقولون لهذا الجبل : تعال واسقط في البحر ، فيكون ، وقال مرقس : إن كان لكم إيمان بالله ، لحق أقول لكم : إن من قال لهذا الجبل : انتقل واسقط في هذا البحر ، ولا يشك في قلبه بل يصدق فيكون له الذي قال ، من أجل هذا أقول لكم : إن كل ما تسألونه في الصلاة بإيمان أنكم تنالونه فيكون لكم ، وقال متى : وكل ما تسألونه في الصلاة بإيمان تنالونه ، وقال مرقس : فقال له يوحنا ، يا معلم! رأينا واحدا يخرج الشياطين باسمك فمنعناه لأنه لم يتبعنا ، قال لهم يسوع : لا تمنعوه ليس يصنع أحد قوة باسمي ، ويقدر سريعا أن يقول على الشر ، كل من ليس هو عليكم فهو معكم ومن سقاكم كأس ماء باسم أبيكم المسيح الحق أقول لكم : إن أجره لا يضيع. وفيه مما لا يجوز إطلاقه في شرعنا إطلاق الأب على الله وإطلاق الرب على غيره بلا قيد ، وقد تقدم التنبيه على مثل ذلك غير مرة ـ والله الهادي للصواب.

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩) )

٤٦٩

ولما قرر سبحانه أن الرسل دعاة للحق إلى سيدهم طوعا أو كرها بالكتاب والحديد ، وقرر أن السعادة كلها في اتباعهم ، وأن البدع لا تأتي بخير وإن زين الشيطان أمرها وخيل أنه خير ، وأن أصحاب الذي كان نسخ شريعة من قبله ابتدعوا بدعة حسنة فوكلوا إليها ففسق أكثرهم ، فاقتضى ذلك إرسال من ينسخ كل شريعة تقدمته نسخا لا زوال له لأنه لا نبي بعده ونهى عن البدع نهيا لم يتقدمه أحد إلى مثله ، أنتج ذلك قوله تعالى :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) أي أقروا بذلك إقرارا صحيحا بنبي مما تقدم أو بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ( اتَّقُوا اللهَ ) أي خافوا عقابه فاجعلوا بينكم وبين سخطه ـ لأنه الملك الأعظم ـ وقاية بحفظ الأدب معه ولا تأمنوا مكره ، فكونوا على حذر من أن يسلبكم ما وهبكم ، فاتبعوا الرسول تسلموا ، وحافظوا على اتباعه لئلا تهلكوا( وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ ) أي الذي لا رسول له الآن غيره ، إيمانا مضموما إلى إيمانكم بالله فإنه لا يصح الإيمان به إلا مع الإيمان برسوله ، وبأن تثبتوا على الإيمان به ، وتضموا الإيمان به إلى الإيمان بمن تقدمه يا أهل الكتاب ، لأن رسالته عامة ، لقد نسخ جميع ما تقدمه من الأديان فإياكم أن يميلكم عنه ميل من حسد أو غيره ، فبادروا إلى إجابته والزموا جميعا حذره فلا تميلوا إلى بدعة أصلا( يُؤْتِكُمْ ) ثوابا على اتباعه( كِفْلَيْنِ ) أي نصيبين ضخمين( مِنْ رَحْمَتِهِ ) تحصينا لكم من العذاب كما يحصن الكفل الراكب من الوقوع ، وهو كساء يعقد على ظهر البعير فيلقى مقدمه على الكاهل ومؤخره على العجز ، وهذا التحصين لأجل إيمانكم بهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وإيمانكم بمن تقدمه مع خفة العمل ورفع الأصار وهو أعلى بالأجر من الذي عمل الخير في الجاهلية ، وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لمن سأله عنه «أسلمت على ما أسلفت من خير»(١) ودل على أن الكفلين برفع الدرجات وإفاضة خواص من الخيرات بقوله :( وَيَجْعَلْ لَكُمْ ) أي مع ذلك( نُوراً ) مجازيا في الأولى بالتوفيق للعمل من المعلوم والمعارف القلبية وحسيا في الآخرة بسبب العمل( تَمْشُونَ بِهِ ) أي مجازا في الأولى بالتوفيق للعمل ، وحقيقة في الآخرة بسبب العمل.

ولما كان الإنسان لا يخلو من نقصان ، فلا يبلغ جميع ما يحق للرحمن ، قال :( وَيَغْفِرْ لَكُمْ ) أي ما فرط منكم من سهو وعمد وهزل وجد. ولما قرر سبحانه وذلك ، أتبعه التعريف بأن الغفران وما يتبعه صفة له شاملة لمن يريده فقال :( وَاللهُ ) أي المحيط بجميع صفات الكمال والعظمة والكبرياء( غَفُورٌ ) أي بليغ المحو للذنب عينا وأثرا( رَحِيمٌ ) أي بليغ الإكرام لمن يغفر له ويوفقه للعمل بما يرضيه.

__________________

(١) أخرجه البخاري ١٤٣٦ و ٢٥٣٨ ومسلم ١٢٣ وعبد الرزاق ١٩٦٨٥ وأحمد ٣ / ٤٠٢ والحميدي ٥٥٤ وابن حبان ٣٢٩ من حديث حكيم بن حزام.

٤٧٠

ولما كان أهل الكتاب قد تابعوا أهويتهم على بغض الأميين ، وأشربت قلوبهم أن النبوة مختصة بهم لأنهم أولاد إبراهيمعليه‌السلام من ابنة عمه ، والعرب ـ وإن كانوا أولاده ـ فإنهم من الأمة وما دروا أن كونهم من أولاده مرشح لنبوة بعضهم وكونهم من الأمة ، مهيىء لعموم الرسالة لأجل عموم النسب ، قال دالا على أنهم صاروا كالبهائم لا يبصرون إلا المحسوسات معلقا الجار ب( آمَنُوا ) و( يُؤْتِكُمْ ) وما بعده :( لِئَلَّا يَعْلَمَ ) أي ليعلم علما عظيما يثبت مضمون خبره وينتفي ضده ـ بما أفاده زيادة النافي( أَهْلُ الْكِتابِ ) أي من الفريقين الذين اقتصروا على كتابهم وأنبيائهم ولم يؤمنوا بالنبي الخاتم وما أنزل( أَلَّا ) أي أنهم لا( يَقْدِرُونَ ) أي في زمن من الأزمان( عَلى شَيْءٍ ) أي وإن قل( مِنْ فَضْلِ اللهِ ) أي الملك الأعلى الذي خصكم بما خصكم به لا يمنع ولا بإعطائكم حيث نزع النبوة منهم ووضعها في بني عمهم إسماعيلعليه‌السلام الذين كانوا لا يقيمون لهم وزنا فيقولون : إنهم بنو الأمة ، وإنهم أميون ، وإنهم ليس عليهم منهم سبيل ، وجعل النبوة التي خصكم بها عامة ـ كما أشار إليه ما في ابن الأمة من شمول بنسبته وانشعابه وحيث عملوا كثيرا وأعطوا قليلا : «اليهود من أول النهار على قيراط قيراط ، والنصارى من الظهر على قيراط قيراط ، وهذه الأمة من صلاة العصر على قيراطين قيراطين ، فقال الفريقان : ما لنا أكثر عملا وأقل أجرا ، قال : هل ظلمتكم من حقكم شيئا ، قالوا : لا ، قال : ذلك فضلي أوتيه من أشاء »(١) وذكر ابن برجان معنى هذا الحديث ـ كما تقدم عنه قريبا ـ من الإنجيل وطبقه عليه وذكرته أنا في الأعراف ، روى الإمام أحمد في مواضع من المسند والبخاري في سبعة مواضع في الصلاة والإجارة وذكر بني إسرائيل وفضائل القرآن والتوحيد ، والترمذي في الأمثال ـ وقال : حسن صحيح ـ من وجوه شتى جمعت بين ألفاظها عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «مثلكم ـ وفي هذه الرواية : مثل هذه الأمة ، وفي رواية :مثل أمتي وفي رواية : إنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل ، وفي رواية :مثلكم ومثل أهل الكتابين كمثل رجل استعمل عملاء ، وفي رواية : استأجر أجراء فقال :من يعمل لي من صلاة الصبح وفي رواية أخرى : من غدوة إلى نصف النهار على قيراط ، ألا فعملت اليهود ـ وفي رواية : قالت اليهود : نحن ـ فعملوا ، ثم قال :من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط ، ألا فعملته النصارى ، وفي رواية :قالت النصارى : نحن ، فعملوا ، ثم قال : من يعمل لي من صلاة العصر إلى غروب الشمس ـ وفي رواية : إلى أن تغيب الشمس ـعلى قيراطين قيراطين ، ألا فأنتم الذين عملتم ، وفي رواية : تعملون ، وفي روايةوأنتم

__________________

(١) تقدم في سورة الأعراف.

٤٧١

المسلمون تعملون من صلاة العصر إلى الليل ، وفي روايةإلى مغارب ، وفي رواية :مغرب الشمس على قيراطين قيراطين ألا لكم الأجر مرتين ، فغضبت اليهود والنصارى وقالوا : نحن ـ وفي رواية : ما لنا ـأكثر عملا وأقل عطاء ، وفي رواية :أجرا ، قال الله تعالى : هل ـ وفي رواية : وهل ـ نقصتكم ـ وفي رواية : هل ظلمتكم ـ من حقكم شيئا ـ وفي رواية : أجركم شيئا ، قالوا : لا ، قال : فإنه ـ وفي رواية : فإنما ـهو فضل ، وفي رواية :فذلك فضلي أوتيه من أشاء ، وفي رواية :أعطيه من شئت . وفي رواية : سمعت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو قائم على المنبر يقول :ألا إن بقاءكم ، وفي رواية :إنما بقاؤكم ، وفي رواية :إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم ـ وفي رواية :فيما سلف من قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر والمغرب ـ وفي رواية :إلى غروب الشمس ، وفي رواية :ألا إن مثل آجالكم في آجال الأمم قبلكم كما بين صلاة العصر إلى مغيربان ، وفي رواية : إلى مغرب ، وفي رواية :إلى مغارب الشمس ، أعطي ـ وفي رواية :أوتي ـ أهل التوراة التوراة ، فعملوا بها حتى انتصف النهار فعجزوا ، فأعطوا قيراطا قيراطا ، وأعطي ـ وفي رواية :ثم أوتي ـ أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا به حتى ـ وفي رواية :إلى ـ صلاة العصر ، وفي رواية :حتى صليت العصر ، ثم عجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا ، ثم أعطيتم القرآن فعملتم به حتى غربت الشمس ، وفي رواية :حتى غروب الشمس فأعطيتم قيراطين قيراطين ، وفي رواية :ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشمس فأعطينا قيراطين قيراطين ، فقال أهل الكتابين ـ وفي رواية :أهل التوراة والإنجيل ـ ربنا هؤلاء أقل منا عملا وأكثر أجرا ، وفي رواية : جزاء ، وفي رواية :أي ربنا أعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين وأعطيتنا قيراطا قيراطا ، ونحن أكثر عملا منهم ، قال الله تبارك وتعالى : هل وفي رواية :فهل ظلمتكم من أجركم ـ وفي رواية :من أجوركم ـ من شيء؟ فقالوا : لا ، فقال : فهو فضلي ، وفي رواية :فذلك فضلي ، أوتيه من أشاء »(١) وقد أخذ بعض العلماء من هذا الحديث ما قبل هذه الأمم وترك على ذلك أحوالها فقال : إنه دال على قوم نوح وإبراهيمعليهما‌السلام ، كان لهم الليل ، فكان قوم نوح في أوله في ظلام صرف طويل لم يلح لهم شيء من تباشير الضياء ولا أمارات الصبح ، ونوحعليه‌السلام يخبرهم به ويأمرهم بالتهيؤ له ، فلذلك طال بلاؤهعليه‌السلام بهم ، وما آمن معه إلا قليل ، وأما قوم إبراهيمعليه‌السلام فكانوا كأنهم في أواخر الليل ، قد لاحت لهم تباشير الصباح وأومضت لهم بوارق الفلاح ، فلذلك آمن لوطعليه‌السلام وكذا سارة زوجته وأولاده منها ومن غيرها كلهم ، واستمر الإسلام في أولاده والنبوة حتى جاء موسىعليه‌السلام ،

__________________

(١) تقدم في سورة الأعراف كسابقه.

٤٧٢

فكان وقته كما بين الصبح والظهر ، فكان قومه تارة وتارة ، تارة يحسبون أنهم في ضياء كيفما كانوا ، فيروغون يمينا وشمالا فيكونون كمن دخل غيرانا وكهوفا وأسرابا ثم يخرجون منها فيرجعون إلى الضياء ، فكانت غلطاتهم تارة كبارا وتارة صغارا ، وأما قوم عيسىعليه‌السلام فكانوا كمن هو في الظهيرة في شدة الضياء فالغلط منه لا يكون إلا عن عمى عظيم ، فلذلك كان غلطهم أفظع الغلط وأفحشه ـ والله الموفق ـ( وَأَنَ ) أي ولتعلموا أن( الْفَضْلَ ) أي الذي لا يحتاج إليه من هو عنده( بِيَدِ اللهِ ) أي الذي له الأمر كله( يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ ) منهم أو من غيرهم نبوة كانت أو غيرها.

ولما كان ربما ظن ظان أنه لا يخص به إلا لأنه لا يسع جميع الناس دفع ذلك بقوله :( وَاللهُ ) أي الذي أحاط بجميع صفات الكمال( ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) أي مالكه ملكا لا ينفك عنه ولا ملك لأحد فيه معه ولا تصرف بوجه أصلا ، فلذلك يخص من يشاء بما شاء ، فلا يقدر أحد على اعتراض بوجه ، فقد نزه له التنزيه الأعظم جميع ما في السماوات والأرض فهو العزيز الحكيم الذي لا عزيز غيره ولا حكيم سواه ، فقد انطبق كما ترى آخرها على أولها ، ورجع مفصلها على موصلها ـ والله الهادي للصواب وإليه المرجع والمآب.

٤٧٣

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة المجادلة

مدنية ـ آياتها اثنان وعشرون

مقصودها الإعلام بإيقاع البأس الشديد ، الذي أشارت إليه الحديد ، بمن حاد الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لما له سبحانه من تمام العلم ، اللازم عنه تمام القدرة ، اللازم عنه الإحاطة بجميع صفات الكمال ، وعلى ذلك دلت تسميتها بالمجادلة بأول قصتها وآخرها ، وعلى تكرير الاسم الأعظم الجامع في القصة وجميع السورة تكريرا لم يكن في سواها بحيث لم تخل منه آية ، وأما الآيات التي تكرر في كل منها المرتين فأكثر فكثرة كل ذلك للدلالة على أن الأكثر منها المراد فيها بالخطاب من يصح أن ينظر إليه تارة بالجلال ، وتارة بالكمال ، فيجمع له الوصفان ، وهو من آمن ووقع منه هفوة أو عصيان ، ولهذا ضمتها أشياء شدد النكير فيها حين وقع فيها بعض أهل الإيمان ، ولم يبحها لهم عند وقوعهم فيها ردا للشرع إلى ما دعا إليه الطبع كما فعل في غيرها كالأكل والجماع في ليل رمضان من غير تقييد بيقظة ولا منام ، لمنابذتها للحكمة ، وبعدها عن موجبات الرحمة ، وهذا مؤيد لما تقدم من سر إخلاء الواقعة والرحمن والقمر من هذا الاسم الجامع ـ والله الموفق( بِسْمِ اللهِ ) الذي أحاط علمه فتمت قدرته فكملت جميع صفاته( الرَّحْمنِ ) الذي شمل الخلائق جودا بالإيجاد وإرسال هداته( الرَّحِيمِ ) الذي خص أصفياءه فتمت عليهم نعمة مرضاته.

( قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١) )

لما ختمت الحديد بعد إثبات عجز الخلق بعظيم الفضل له سبحانه ، وكان سماع أصوات جميع الخلائق من غير أن يشغل صوت عن صوت وكلام عن كلام من الفضل العظيم ، وكان قد تقدم ابتداع بعض المتعبدين من الرهبانية بما لم يصرح لهم بالإذن فيه ، فكان سببا للتضييع ، وكان الظهار على نوعين : موقت ومطلق ، وكان الموقت مما يدخل في الرهبانية لأنه من التبتل وتحريم ما أحل الله من الطيبات ، وكان بعض الصحابة

٤٧٤

رضي الله عنهم قد منع نفسه بالموقت منه من مرغوبها مما لم يأت عن الله ، فظاهر من امرأته محافظة على كمال التعبد خوفا من الجماع في نهار رمضان ، وكان ذلك مما لم يأذن به بل نهى عنه كما روى أبو داود عن أنس رضي الله عنه والطبراني في الأوسط عن سهل بن حنيف رضي الله عنه أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «لا تشددوا على أنفسكم ، فإنما هلك من كان قبلكم بتشديدهم على أنفسهم ، وستجدون بقاياهم في الصوامع والديارات »(١) وكان بعض الصحابة ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ قد ظاهر مطلقا فشكت امرأته ما لحقها من الضرر إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وهتفت باسم الله ، وكان علمه سبحانه بخصوص شكاية هذه المرأة المسكينة وإزالة ضررها بحكم عام لها ولغيرها من عباده حتى صارت واقعتها رخصة عامة للمسلمين إلى يوم القيامة معلما بأنه ذو الفضل العظيم ، وأنه الظاهر الباطن ، ذو الملك كله ، وكان قد أمر بالإيمان به وبرسوله ووعد على ذلك بالنور ، كان السامع لذلك جديرا بتوقع البيان الذي هو النور في هذه الرهبانية التي ابتدعت في هذه الأمة ، وتخفيف الشديد الذي وقع عن بعضهم ليعلم أهل الكتاب ما لهذه الأمة من الكرامة على ربها وأنه يختص برحمته من يشاء فقال :( قَدْ سَمِعَ اللهُ ) أي أجاب بعظيم فضله الذي أحاط بجميع صفات الكمال فوسع سمعه الأصوات( قَوْلَ ) وعبر بالوصف دون الاسم تعريفا برحمته الشاملة فقال :( الَّتِي تُجادِلُكَ ) أي تبالغ في أن تقبلك إلى مرادها( فِي زَوْجِها ) أي في الأمر المخلص له من ظهاره رحمة لها( وَتَشْتَكِي ) أي تتعمد بتلك المجادلة الشكوى ، منتهية( إِلَى اللهِ ) أي الملك العظيم الرحيم الذي أحاط بكل شيء علما ، ولصدقها في شكواها وقطع رجائها في كشف ما بها من غير الله كانت هي والنبيّصلى‌الله‌عليه‌وسلم متوقعين أن الله يكشف ضرها( وَاللهُ ) أي والحال أن الذي وسعت رحمته كل شيء لأنه له الأمر كله( يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما ) أي مراجعتكما التي يحور ـ أي يرجع فيها إلى كل منكما جواب كلامه من الآخر كأنها لثقل ما قدح في أمرها ونزل من ضرها ناشئة عن حيرة.

ولما كان ذلك في غاية ما يكون من خرق العادة بحيث إن الصديقة عائشة رضي الله عنها قالت عند نزول الآية : «الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات ، لقد كلمت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأنا في جانب البيت ما أسمع كثيرا مما تقول» أكده تنبيها على شدة غرابته ولأنه ربما استبعده من اشتد جهله لعراقته في التقيد بالعادات فقال :( إِنَّ اللهَ ) أي الذي

__________________

(١) أخرجه أبو داود ٤٩٠٤ وأبو يعلى ٣٦٩٤ من حديث سهل بن أمامة عن أنس بن مالك بأتم منه. وذكره الهيثمي في المجمع ٦ / ٢٥٦ وقال : رواه أبو يعلى ، ورجاله رجال الصحيح ، غير سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء ، وهو ثقة.

٤٧٥

أحاط بجميع صفات الكمال فلا كفوء له( سَمِيعٌ بَصِيرٌ ) أي بالغ السمع لكل مسموع ، والبصر لكل ما يبصر والعلم لكل ما يصح أن يعلم أزلا وأبدا ، وقد مضى نحو هذا التناسب في المائدة حين أتبع تعالى آية القسيسين والرهبان قوله تعالى( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ ) [المائدة : ٨٧] غير أن هذا خاص وذاك عام ، فهذا فرد منه ، فالمناسبة واحدة لأن الأخص في ضمن الأعم ، والحاصل أنه سبحانه امتنّ عليهم بما جعل في قلوبهم من الرهبانية وغيرها ، وأخبر أنهم لم يوفوها حقها ، وأنه آتى مؤمنيهم الأجر ، وأمر المسلمين بالتقوى واتباع الرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم ليحصل لهم من فضله العظيم ضعف ما حصل لأهل الكتاب ، ونهاهم عن التشديد على أنفسهم بالرهبانية ، فصاروا مفضلين من وجهين : كثرة الأجر وخفة العمل ، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ـ والله أعلم ، روى البزار من طريق خصيف عن عطاء من غيرهما أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلا قال : يا رسول الله! إني ظاهرت من امرأتي ورأيت ساقها في القمر فواقعتها قبل أن أكفر ، قال «كفّر ولا تعد»(١) وروى أبو داود عن عكرمة أن رجلا ظاهر من امرأته ثم واقعها قبل أن يكفر ، فأتى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فأخبره فقال : «ما حملك على ما صنعت؟ قال : رأيت بياض ساقيها في القمر ، قال : فاعتزلها حتى تكفر عنك »(٢) قال المنذري : وأخرجه أيضا عن عكرمة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وعن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بمعناه ، وأخرجه النسائي وابن ماجه والترمذي ـ وقال : حديث حسن غريب صحيح ـ وقال النسائي : المرسل أولى بالصواب من المسند ، وقال أبو بكر المعافري : ليس في الظهار حديث صحيح يعول عليه ، قال المنذري : وفيما قاله نظر ، فقد صححه الترمذي كما ترى ، ورجال إسناده ثقات ، وسماع بعضهم من بعض مشهور ، وترجمة عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهم احتج بها البخاري في غير موضع(٣) ـ انتهى. وللترمذي ـ وقال حسن غريب ـ عن سلمة بن صخر رضي الله عنه في المظاهر يواقع قبل أن يكفر قال : «كفّارة واحدة »(٤) وروى أحمد

__________________

(١) ذكره ابن حجر في التلخيص ٣ / ٢٢٢ ونسبه للبراء من حديث ابن عباس وفيه خصيف الجزري ثقة لكن اختلط بآخره.

(٢) أخرجه أبو داود ٢٢٢٣ والترمذي ١١٩٩ والنسائي ٦ / ١٦٧ وابن الجارود ٧٤٧ والحاكم والبيهقي ٧ / ٣٨٦ من حديث ابن عباس ، قال الذهبي : العدني غير ثقة ا ه. وقال الترمذي : حديث حسن صحيح غريب ا ه ، وللحديث شواهد يقوى بها. ـ وأخرجه أبو داود ٢٢٢١ و ٢٢٢٢ عن عكرمة مرسلا.

(٣) قال ابن حجر في التلخيص ٣ / ٢٢٢ : وبالغ أبو بكر بن العربي فقال : ليس في الظهار حديث صحيح ا ه.

(٤) أخرجه الترمذي ١١٩٨ وابن ماجه ٢٠٦٤ عن سلمة بن صخر البياضي مرفوعا ، وقال الترمذي : حسن غريب.

٤٧٦

والحاكم وأصحاب السنن إلا النسائي وحسنه الترمذي ، قال ابن الملقن : وصححه ابن حبان والحاكم ـ من طريق سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر البياضي رضي الله عنه قال : كنت أمرأ أصيب من النساء ما لا يصيب غيري ، فلما دخل شهر رمضان خفت أن أصيب من امرأتي شيئا يتابع بي حتى أصبح فظاهرت منها حتى ينسلخ شهر رمضان ، فبينا هي تخدمني ذات ليلة تكشف لي منها شيء فما لبث أن نزوت عليها ، فلما أصبحت خرجت إلى قومي فأخبرتهم الخبر وقلت : امشوا معي إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قالوا : لا والله : فانطلقت إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فأخبرته ، فقال «أنت بذاك يا سلمة؟ قلت : أنا بذاك يا رسول الله مرتين ، وأنا صابر لأمر الله ، فاحكم فيّ بما أراك الله ، وفي رواية : فأمض فيّ حكم الله فإني صابر لذلك ، قال حرر رقبة. قلت : والذي بعثك بالحق ما أملك غيرها ـ وضربت صفحة رقبتي ، قال : فصم شهرين متتابعين ، قلت : وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام ، قال : فاطعم وسقا من تمر بين ستين مسكينا ، قال : والذي بعثك بالحق ، لقد بتنا وحشين ما لنا طعام ، قال :فانطلق إلى صاحب صدقة بني زريق فليدفعها إليك فأطعم ستين مسكينا وسقا من تمر وكل أنت وعيالك بقيتها . فرجعت إلى قومي فقلت : وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي ، ووجدت عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم السعة وحسن الرأي ، وفي رواية : والبركة وقد أمرني ـ أو أمر لي ـ بصدقتكم ، وفي رواية : فادفعوها إليّ(١) ، فدفعوها إليّ). وأعله عبد الحق بالانقطاع ، وأن سليمان لم يدرك سلمة ، حكى ذلك الترمذي عن البخاري ، وقال الترمذي : إن سلمة بن صخر يقال له سلمان أيضا ، ورواه الإمام أحمد أيضا من طريق أخرى قال حدثنا عبد الله بن إدريس ـ هو الأودي ـ عن محمد بن إسحاق عن محمد بن عمرو بن عطاء عن سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر البياضي رضي الله عنه قال : كنت أمرأ أصيب من النساء ما لا يصيب غيري ، فلما دخل شهر رمضان خفت فتظاهرت من امرأتي في الشهر فبينا هي تخدمني ذات ليلة إذ تكشف لي منها شيء فلم ألبث أن وقعت عليها ، فأتيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فأخبرته فقال «حرر رقبة ، فقلت : والذي بعثك بالحق ، ما أملك غير رقبتي ، قال : صم شهرين متتابعين ، قلت : وهل أصابني ما أصابني إلا في الصيام؟ قال :فأطعم ستين مسكينا »(٢)

__________________

(١) أخرجه أبو داود ٢٢١٣ والترمذي ٣٢٩٩ وابن ماجه ٢٠٦٢ والدارمي ٢ / ١٦٣ ـ ١٦٤ والحاكم ٢ / ٢٠٣ والبيهقي ٧ / ٣٩٠ وابن الجارود ٧٤٤ وأحمد ٤ / ٣٧ و ٥ / ٤٣٦ من حديث سلمة بن صخر من طريقين الطريق الأول منقطع والثاني عند الترمذي ١٢٠٠ والحاكم ٢ / ٢٠٤ والبيهقي ٧ / ٣٩٠ رجاله ثقات إلا أنه مرسل انظر تلخيص الحبير ٣ / ٢٢١.

(٢) أخرجه أحمد ٥ / ٤٣٦ من حديث سلمة بن صخر ، وهو إحدى روايات الحديث المتقدم.

٤٧٧

وهذا سند حسن متصل إن شاء الله إن سلم من تدليس ابن إسحاق ، وروى الحاكم والبيهقي من طريق محمد بن عبد الرحمن بن إسحاق ، وروى الحاكم والبيهقي من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان وأبي سلمة بن عبد الرحمن «أن سلمة بن صخر البياضي رضي الله عنه جعل امرأته عليه كظهر أمه إن غشيها حتى يمضي رمضان ، فذكر ذلك لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : اعتق رقبة»(١) . وقصة سلمة هذه أصل الظهار المؤقت ، وقد دلت على أنه لا عود فيه فلا كفارة عليه إلا بوطئها في مدة الظهار ، وروى أبو داود عن خويلة بنت مالك بن ثعلبة رضي الله عنها قالت : «ظاهر مني زوجي أوس بن الصامت رضي الله عنه فجئت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أشكو إليه ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم عليه وسلم يجادلني فيه ويقول : اتقي الله فإنه ابن عمك ، فما برحت حتى نزل القرآن( قَدْ سَمِعَ اللهُ ) إلى الفرض ، فقال : يعتق رقبة ، قالت : لا يجد ، قال : يصوم شهرين متتابعين ، قالت : يا رسول الله ، إنه شيخ كبير ما به من صيام ، قال فليطعم ستين مسكينا ، قالت : ما عنده من شيء يتصدق به قالت : فأتي ساعتئذ بعرق منّ تمر ، قلت : يا رسول الله ، فإني أعينه بعرق آخر ، قال : قد أحسنت اذهبي فأطعمي بها عنه ستين مسكينا ، وارجعي إلى ابن عمك»(٢) قال : والعرق ستون صاعا ، وفي رواية : والعرق مكتل يسع ثلاثين صاعا ، وروى الدارقطني أن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : «إن أوس بن الصامت رضي الله عنه ظاهر من امرأته خويلة بنت ثعلبة رضي الله عنها فشكت إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقالت : ظاهر مني حين كبر سني ورق عظمي ، فأنزل الله آية الظهار ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لأوس اعتق رقبة ، قال : مالي بذلك يدان ، قال : فصم شهرين متتابعين ، قال : أما إني إذا أخطأني أن آكل في اليوم مرتين يكل بصري ، قال فأطعم ستين مسكينا ، قال : ما أجد إلا أن تعينني منك بعون وصلة ، فأعانه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بخمسة عشر صاعا حتى جمع الله له ، والله رحيم» قال : وكانوا يرون أن عنده مثلها ، وذلك لستين مسكينا(٣) ، وللدارقطني أيضا والبيهقي «أن خولة بنت ثعلبة رضي الله عنها رآها زوجها وهو أوس بن الصامت أخو عبادة رضي الله عنهما وهي تصلي فراودها فأبت فغضب ، وكان به لمم وخفة فظاهر منها ، فأتت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقالت إن أوسا تزوجني وأنا شابة مرغوب فيّ ، فلما خلا

__________________

(١) أخرجه البيهقي ٧ / ٣٩٠ والحاكم ٢ / ٢٠٤ عن أبي سلمة ، ومحمد بن عبد الرحمن أن سلمان بن صخر فذكره. وصححه الحاكم على شرطهما ، ووافقه الذهبي.

(٢) أخرجه أبو داود ٢٢١٤ و ٢٢١٥ وابن حبان ٤٢٧٩ والبيهقي ٧ / ٣٩١ ـ ٣٩٢ وأحمد ٦ / ٤١٠ ـ ٤١١ من حديث خولة وإسناده ضعيف ، لجهالة معمر بن عبد الله ، انظر الميزان ٤ / ١٥٥.

(٣) أخرجه الدارقطني ٣ / ٣١٦ من حديث أنس وللحديث شواهد.

٤٧٨

سني ونثرت له بطني جعلني عليه كأمه»(١) وللطبراني من طريق أبي معشر عن محمد بن كعب القرظي قال : «كانت خولة بنت ثعلبة تحت أوس بن الصامت وكان به لمم ، فقال في بعض هجراته : أنت عليّ كظهر أمي ، قال : ما أظنك إلا قد حرمت عليّ ، فجاءت إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقالت : يا رسول الله إن أوس بن الصامت أبو ولديّ وأحب الناس إليّ والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقا ، قال : ما أراك إلا قد حرمت عليه ، فقالت : يا رسول الله لا تقل كذلك والله ما ذكر طلاقا ، فرادّت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم مرارا ، ثم قالت : اللهم إني أشكو إليك فاقتي ووحدتي وما يشق عليّ من فراقه»(٢) الحديث ، ومن طريق أبي العالية قال : فجعل كلما قال لها «حرمت عليه» هتفت وقالت : أشكو إلى الله ، فلم ترم مكانها حتى نزلت الآية ، وروى أبو داود عن هشام بن عروة أن جميلة كانت تحت أوس ابن الصامت وكان رجلا به لمم فكان إذا اشتد به لممه ظاهر من امرأته فأنزل اللهعزوجل فيه كفارة الظهار ،(٣) وأخرجه من حديث عروة عن عائشة رضي الله عنها مثله.(٤) وقال القشيري : وفي الخبر أنها قالت : يا رسول الله إن أوسا تزوجني شابة غنية ذات أهل ومال كثير ، فلما كبر عنده سني ، وذهب مالي وتفرق أهلي ، جعلني عليه كظهر أمه ، وقد ندم وندمت ، وإن لي صبية صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا ، وإن ضممتهم إليّ جاعوا ، يعني ففرج الله عنها ، وقد حصل من هذا مسألة ، وهو أن كثيرا من الأشياء ظاهر العلم يحكم فيه بشيء ثم الضرورة تغير ذلك الحكم لصاحبها ، قال البغوي : وكان هذا أول ظهار في الإسلام ، وقال أبو حيان : وكان عمر رضي الله عنه يكرم خولة رضي الله عنها إذا دخلت عليه ويقول : سمع الله لها ، فالمظاهرة في حديث سلمة رضي الله عنه مؤقتة ، وفي حديث خولة رضي الله عنها مطلقة ، وهي في قصة سلمة رضي الله عنه ومن نحا نحوه رهبانية مبتدعة لم ترع حق رعايتها كرهبانية النصارى ، ولم يتبع النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم في ابتداعها حق الاتباع ، وأما في قصة خولة رضي الله عنها فهي مصيبة كأن ينبغي فيها التسليم وعدم الحزم كما في آية( لِكَيْلا تَأْسَوْا ) [الحديد : ٢٣] الآية على أن امتناعها من زوجها حين راودها فيه إلمام بالرهبانية ، وإزالة شكايتها مع أنها امرأة ضعيفة من عظيم الفضل ، وزاده عظما جعله حكما عاما لمن وقع فيه من جميع الأمة.

__________________

(١) أخرجه البيهقي ٧ / ٣٩٢ من حديث خوله بنت ثعلبة ، وهو حسن في الشواهد.

(٢) أخرجه الطبراني كما ذكر المصنف وهو مرسل.

(٣) أخرجه أبو داود ٢٢١٩ عن هشام بن عروة مرسلا.

(٤) حديث عائشة أخرجه أبو داود ٢٢٢٠.

وانظر تلخيص الحبير لابن حجر ٣ / ٢٢٠ ـ ٢٢٢ حيث ذكر هذه الأحاديث ، والكلام عليها.

٤٧٩

( الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) )

ولما أتم تعالى الخبر عن إحاطة العلم ، استأنف الإخبار عن حكم الأمر المجادل بسببه ، فقال ذاما للظهار ، وكاسيا له ثوب العار :( الَّذِينَ ) ولما كان الظهار منكرا لكونه كذبا ، عبر بصيغة التفعل الدالة عليه فقال :( يُظاهِرُونَ ) أي يوجدون الظهار في أي رمضان كان وكأنه أدغم تاء التفعل والمفاعلة لأن حقيقته أنه يذهب ما أحل الله له من مجامعة زوجته. ولما كان الظهار خاصا بالعرب دون سائر الأمم ، نبه على ذلك تهجينا له عليهم وتقبيحا لعادتهم فيه ، تنبيها على أن اللائق بهم أن يكونوا أبعد الناس من هذا الكلام لأن الكذب لم يزل مستهجنا عندهم في الجاهلية ، ثم ما زاده الإسلام إلا استهجانا فقال :( مِنْكُمْ ) أي أيها العرب المسلمون الذين يستقبحون الكذب ما لا يستقبحه غيرهم وكذا من دان دينهم( مِنْ نِسائِهِمْ ) أي يحرمون نساءهم على أنفسهم تحريم الله عليهم ظهور أمهاتهم بأن يقول أحدهم لزوجته شيئا من صرائحه مثل أنت عليّ كظهر أمي وكناياته كأنت أمي ، وكل زوج صح طلاقه صح ظهاره من حر أو عبد مسلم أو ذمي دخل بالزوجة أو لا قادرا على الجماع أو عاجزا ، صغيرة كانت الزوجة أو كبيرة ، عاقلة كانت أم مجنونة ، سليمة كانت أو رتقاء ، مسلمة كانت أو ذمية ، ولو كانت رجعية.

ولما كان وجه الشبه التحريم ، وكان للتحريم رتبتان : عليا موصوفة بالتأبيد والاحترام ، ودنيا خالية عن كل من الوصفين ، وكان التقدير خبرا للمبتدأ : مخطئون في ذلك لأنه كذب ، لأن التشبيه إن أسقطت أداته لم يكن حمله على الحقيقة ليكون من الرتبة العليا ولو على أدنى أحوالها من أنه طلاق لا رجعة فيه ، كما كانوا يعتقدونه ، وإن أثبتت ليكون من الدنيا لم يكن صحيحا لأنه ممنوع منه لأن التشريع إنما هو لله ، والله لم يكن يشرع ذلك ، وكان تعليل شقي التشبيه يفيد معنى الخبر بزيادة التعليل ، حذف الخبر ، واكتفى بالتعليل فقال معللا له مهجنا للظهار الذي تعوده العرب من غير أن يشاركهم فيه أحد من الأمم :( ما هُنَ ) أي نساؤهم( أُمَّهاتِهِمْ ) على تقدير إرادة أحدهم أعلى رتبتي التحريم ، والحاصل أنهم لما كانوا يعتقدون أنه طلاق لا رجعة فيه جعلوا معتقدين أن المرأة أم لأن الحرمة المؤبدة من خصائص الأم فخوطبوا بذلك تقريعا لهم لأنه أردع ، وفي سورة الأحزاب ما يوضح هذا.

ولما كانوا قد مرنوا على هذا الحكم في الجاهلية ، واستقر في أنفسهم استقرارا لا يزول إلا بغاية التأكيد ، ساق الكلام كذلك في الشقين فقال :( إِنْ ) أي ما( أُمَّهاتِهِمْ )

٤٨٠