نظم الدّرر الجزء ٧

نظم الدّرر0%

نظم الدّرر مؤلف:
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 631

نظم الدّرر

مؤلف: برهان الدين البقاعي
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
تصنيف:

الصفحات: 631
المشاهدات: 154
تحميل: 18


توضيحات:

بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 631 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 154 / تحميل: 18
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 7

مؤلف:
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
العربية

فتهملوه ، فالصلاة نور تهدي إلى المقاصد الدنيوية والأخروية ، وتعين على نوائب الدارين ، والصدقة برهان على صحة القصد في الصلاة.

ولما خص أشرف العبادات البدنية وأعلى المناسك المالية ، عم فقال حاثا على زيادة النور والبرهان اللذين بهما تقع المشاكلة في الأخلاق فتكون المناجاة عن أعظم إقبال وإنفاق فقال :( وَأَطِيعُوا اللهَ ) أي الذي له الكمال كله فلم يشركه في إبداعه لكم على ما أنتم عليه أحد( وَرَسُولَهُ ) الذي عظمته من عظمته في سائر ما يأمر به فإنه ما أمركم لأجل إكرام رسولكمصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلا بالحنيفية السمحة ، وجعل المحافظة على ذلك قائمة مقام ما أمركم به ، ثم نسخه عنكم من تقديم الصدقة على النجوى.

ولما كان قد عفا عن أمر أشعر السياق بأنه وقع فيه تفريط ، فكان ذلك ربما جرى على انتهاك الحرمات ، رهب من جنابه بإحاطة العلم ، وعبر بالخبر لأن أول الآية وبخ على أمر باطن ولم يبالغ بتقديم الجار لما فيها من الأمور الظاهرة. فقال عاطفا على ما تقديره : فالله يحب الذين يطيعون :( وَاللهُ ) أي الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلما( خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ) أي تجددون عمله ، يعلم بواطنه كما يعلم ظواهره.

ولما أخبر بإحاطة علمه ردعا لمن يغتر بطول حلمه ، دل على ذلك باطلاعه على نفاق المنافقين الذي هو أبطن الأشياء ، فقال معجبا مرهبا معظما للمقام بتخصيص الخطاب بأعلى الخلقصلى‌الله‌عليه‌وسلم تنبيها على أنه لا يفهم ذلك حق فهمه غيره :( أَلَمْ تَرَ ) ودل على بعدهم عن الخير بحرف الغاية فقال :( إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا ) أي تكلفوا بغاية جهدهم أن جعلوا أولياءهم الذين ينزلون بهم أمورهم( قَوْماً ) ابتغوا عندهم العزة اغترارا بما يظهر لهم منهم من القوة( غَضِبَ اللهُ ) أي الملك الأعلى الذي لا ند له( عَلَيْهِمْ ) أي على المتولين والمتولّين لأنهم قطعوا ما بينهم وبينه ، والأولون هم المنافقون تولوا اليهود ، وزاد في الشناعة عليهم بقوله مستأنفا :( ما هُمْ ) أي اليهود المغضوب عليهم( مِنْكُمْ ) أيها المؤمنون لتوالوهم خوفا من السيف ورغبة في السلم( وَلا مِنْهُمْ ) أي المنافقين ، فتكون موالاتهم لهم لمحبة سابقة وقرابة شابكة ، ليكون ذلك لهم عذرا ، بل هم مذبذبون ، فهم مع المؤمنين بأقوالهم ، ومع الكفار بقلوبهم ، فما تولوهم إلا عشقا في النفاق لمقاربة ما بينهم فيه ، أو يكون المعنى : ما المنافقون المتولون من المسلمين ولا من اليهود المتولين ، وزاد في الشناعة عليهم بأقبح الأشياء الحامل على كل رذيلة ، فقال ذاكرا لحالهم في هذا الاتحاد :( وَيَحْلِفُونَ ) أي المنافقون يجددون الحلف على الاستمرار ، ودل بأداة الاستعلاء على أنهم في غاية الجرأة على استمرارهم على الأيمان الكاذبة بأن التقدير : مجترئين( عَلَى الْكَذِبِ ) في دعوى الإسلام وغير ذلك مما يقعون فيه من عظائم الآثام ، فإذا عوتبوا عليه بادروا إلى الإيمان.

٥٠١

ولما كان الكذب قد يطلق في اللغة على ما يخالف الواقع وإن كان عن غير تعمد بأن يكون الحالف يجهل عدم مطابقته للواقع ، قال نافيا لذلك مبينا أنهم جرؤوا على اليمين الغموس :( وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) أي أنهم كاذبون فهم متعمدون ، وذلك أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال لأصحابه : «يدخل عليكم رجل قلبه قلب جبار وينظر بعيني شيطان ،» فدخل عبد الله بن نبتل وكان أزرق أسمر قصيرا خفيف اللحية ، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «علام تشتمني أنت وأصحابك ، فحلف بالله ما فعل» فقال له : فعلت. فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبوه ، فنزلت(١) .

ولما أخبر عن حالهم ، أتبعه الإخبار عن مآلهم ، فقال دالّا ـ كما قال القشيري ـ على أن ـ من وافق مغضوبا عليه أشرك نفسه في استحقاق غضب من هو غضبان عليه ، فمن تولى مغضوبا عليه من قبل الله استوجب غضب الله وكفى بذلك هوانا وحزنا وحرمانا ، معبرا بما دل على أنه أمر قد فرغ منه :( أَعَدَّ اللهُ ) أي الذي له العظمة الباهرة فلا كفوء له ، وعبر بما دل على التهكم بهم فقال :( لَهُمْ عَذاباً ) أي أمرا قاطعا لكل عذوبة( شَدِيداً ) يعلم من رآه ورآهم أن ذواتهم متداعية إليه ضعيفة عنه.

ولما أخبر بعذابهم ، علله بما دل على أنه واقع في أتم مواقعه فقال مؤكدا تقبيحا على من كان يستحسن أفعالهم :( إِنَّهُمْ ساءَ ) أي بلغ الغاية مما يسوء ، ودل على أن ذلك كان لهم كالجبلة بقوله :( ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) أي يجددون عمله مستمرين عليه لا ينفكون عنه من غشهم المؤمنين ونصحهم الكافرين وعيبهم للإسلام وأهله ، واجترائهم على الأيمان الكاذبة ، وأصروا على ذلك حتى زادهم التمرن عليه جرأة على جميع المعاصي.

( اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (١٦) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٧) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٨) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٩) )

ولما دلت هذه الجملة على سوء أعمالهم ومداومتهم عليها ، أكد ذلك بقوله :( اتَّخَذُوا ) أي كلفوا فطرهم الأولى المستقيمة لما لهم من العراقة في اعوجاج الطبع والمحبة للأذى( أَيْمانَهُمْ ) الكاذبة التي لا تهون على من في قلبه مثقال حبة من خردل

__________________

(١) أخرجه الحاكم ٢ / ٤٨٢ والطبراني في الكبير ١٢٣٠٧ والواحدي في أسبابه ص ٣٠٩ وأحمد ١ / ٢٤٠ و ٢٦٧ من حديث ابن عباس وإسناده حسن وقد صححه الحاكم على شرط مسلم ، ووافقه الذهبي.

٥٠٢

من إيمان( جُنَّةً ) أي وقاية وسترة من كل ما يفضحهم من النفاق كائنا ما كان ، أو يوجب قتلهم بما يقع منهم من الكفران.

ولما كان علمهم بأنه يرضى منهم بالظاهر ويصدق أيمانهم هو الذي جرأهم على العظائم ، فكانوا يرغبون الناس في النفاق بعاجل الشهوات ويثبطونهم عن الدين بما فيه من عاجل الكلف وآجل الثواب ، سبب عن قبول إيمانهم قوله مظهرا بزيادة التوبيخ لهم :( فَصَدُّوا ) أي كان قبول ذلك منهم وتأخير عقابهم سببا لإيقاعهم الصد( عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) أي شرع الملك الأعلى الذي هو الطريق إلى رضوانه الذي هو سبب الفوز الأعظم ، فإنهم كانوا يثبطون من لقوا عن الدخول في الإسلام ويوهون أمره ويحقرونه ، ومن رآهم قد خلصوا من المكاره بأيمانهم الحانثة وردت عليهم الأرزاق استدراجا وحصلت لهم الرفعة عند الناس بما يرضونهم من أقوالهم المؤكدة بالأيمان غره ذلك قاتبع سنتهم في أقوالهم وأفعالهم ، ونسج على منوالهم ، غرورا بظاهر أمرهم ، معرضا عما توعدهم الله سبحانه عليه من جزاء خداعهم ومكرهم ، وأجرى الأمر على أسلوب التهكم باللام التي تكون في المحبوب فقال :( فَلَهُمْ ) أي فتسبب عن صدهم أنهم كان لهم( عَذابٌ مُهِينٌ ) جزاء بما طلبوا بذلك الصد إعزاز أنفسهم وإهانة أهل الإسلام.

ولما كان لهم أموال وأولاد يتعززون بها ، قال مستأنفا دالّا على أن من استتر بجنة دون طاعته لتسلم دنياه وراءه تكشف لسهام التقدير من حيث لا يشعر ، ثم لا دينه يبقى ولا دنياه تسلم :( لَنْ تُغْنِيَ ) أي بوجه من الوجوه( عَنْهُمْ ) أي في الدنيا ولا في الآخرة بالافتداء ولا بغيره( أَمْوالُهُمْ ) وأكد النفي بإعادة النافي للتنصيص على كل منهما فقال :

( وَلا أَوْلادُهُمْ ) أي بالنصرة والمدافعة( مِنَ اللهِ ) أي إغناء مبتدئا من الملك الأعلى الذي لا كفوء له( شَيْئاً ) أي من إغناء ولو قل جدّا ، فمهما أراد بهم سبحانه كان ونفد ومضى ، لا يدفعه شيء تكذيبا لمن قال منهم : لئن كان يوم القيامة لتكونن أسعد فيه منكم كما نحن الآن ولننصرن بأنفسنا وأموالنا وأولادنا. ولما انتفى الإغناء المبتدىء من الله فانتفى بانتفائه كل إغناء سواه ، أنتج ذلك قوله :( أُولئِكَ ) أي البعداء من كل خير( أَصْحابُ النَّارِ ) ولما أفهمت الصحبة الملازمة ، أكدها بقوله :( هُمْ ) أي خاصة لاضمحلال عذاب غيرهم ـ لكونهم في الهاوية ـ في جنب عذابهم( فِيها ) أي خاصة دون شيء يقصر عنها( خالِدُونَ ) أي مقيمون باقون دائمون لازمون إلى غير نهاية.

ولما كان إفسادهم لذات البين سرا ، وحلفهم على نفي ذلك جهرا مع الإلزام بقبول ما ظهر من ذلك منهم مع علمه سبحانه وتعالى بأنه كذب غائظا موجعا ، وكان ربما توهم متوهم أنه تعالى كما ألزم بقبولنا لما ظهر منهم في دار العمل يأمر بقبولهم في

٥٠٣

دار الجزاء ، قال نافيا لذلك معزيا للمؤمنين بأنهم يفعلون ذلك معه سبحانه بعد كشف الغطاء وتحقيق الأمور ، لأن الإنسان يبعث على ما مات عليه ، لأن ذلك جبلته التي لا ينفك عنها ، ولا ينفعهم ذلك ، ذاكرا ظرف الخلود وإظهار التعذيب :( يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ ) أي الملك الذي له جميع صفات الكمال بإحيائهم عما كانوا فيه من الموت وردهم إلى ما كانوا قبله( جَمِيعاً ) لا يترك أحدا منهم ولا من غيرهم إلا أعاده إلى ما كان عليه قبل موته( فَيَحْلِفُونَ ) أي فيتسبب عن ظهور القدرة التامة لهم ومعاينة ما كانوا يكذبون به من البعث والنار أنهم يحلفون( لَهُ ) أي الله في الآخرة أنهم مسلمون فيقولون : والله ربنا ما كنا مشركين ، ونحوه من الأكذوبات التي تزيدهم ضررا ، ولا تغني عنهم شيئا بوجه من الوجوه ، جريا على ما طبعوا عليه من إيثار الهوى والقصور على النظر في المحسوسات التي ألفوها( كَما يَحْلِفُونَ ) في الدنيا( لَكُمْ ) لكونكم لا تعلمون الغيب مع توقعهم أن الله يفضحهم كما فعل لهم ذلك مرارا ، وحلفهم ناشىء عن اعتقاد بعدهم من القبول فإنه لا يحلف لك إلا من يظن أنك تكذبه : قال القشيري : عقوبتهم الكبرى ظنهم الأجنبية ، وغاية الجهد كبهم على مناخرهم في وهدة ندمهم.

ولما كان الذي يحملهم على الإقدام على ذلك ضعف عقولهم وتوغلهم في النفاق ومرودهم عليه حتى بعثوا على مثل ذلك مع علمهم بأن ذلك لا ينجيهم لإحاطة علمه سبحانه ، عبر بالحسبان ، فقال دالّا على أنهم في الغاية من الجهل وقلة العقل :( وَيَحْسَبُونَ ) أي في القيامة بأيمانهم الكاذبة( أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ ) أي يحصل لهم به نفع لتخيلهم أن أيمانهم تروج على الله فتنجيهم كما كانت في الدنيا تنجيهم.

ولما أفهم ذلك أن أمورهم لا حقائق لها لا في إخباراتهم ولا في أيمانهم ولا في حسبانهم ، قال مناديا عليهم مؤكدا لتكذيب حسبانهم :( أَلا إِنَّهُمْ ) أي خاصة( هُمُ الْكاذِبُونَ ) أي المحكوم بكذبهم في حسبانهم وفي أخبارهم في الدارين لعراقتهم في وصف الكذب حيث لا يستحيون من الكذب عند الله.

ولما كان هذا الانهماك فيما لا يغني مما يحصل لسامعه غاية العجب من وقوع عاقل فيه مرة من الدهر ، فضلا عن ملازمته ، أخبر عن الحامل لهم عليه ، فقال مستأنفا :( اسْتَحْوَذَ ) أي طلب أن يغلب ويسوق ويسرع ويضرب الحوطة ويحث ويقهر ويستولي( عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ ) مع أنه طريد ومحترق ، ووجد منه جميع ذلك ، ووصل منهم إلى ما يريده ، وملكهم ملكا لم يبق لهم معه اختيار فصاروا رعيته وأقطاعه ، وصار هو محيطا بهم من كل جهة ، غالبا عليهم ظاهرا وباطنا ، من قولهم : حذت الإبل أي استوليت عليها ، وحاذ الحمار العانة ـ إذا جمعها وساقها غالبا لها ، والحوذ : السوق السريع ، ومنه

٥٠٤

الأحوذي : الخفيف في المشي لحدقه ، وجاء على الأصل على حكم الصحيح لأنه لم يبن على حاذ كافتقر فإنه لا مجرد له ، لم يقولوا : فقر ،( فَأَنْساهُمْ ) أي فتسبب عن استحواذه عليهم أنه أنساهم( ذِكْرَ اللهِ ) أي الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى بعد أن كان ذكره مركوزا في فطرهم الأولى ، فصاروا لا يذكرونه أصلا بقلب ، ولا لسان.

ولما كان ذلك ، أنتج ولا بد قوله :( أُولئِكَ ) أي الذين أحلوا أنفسهم أبعد منزل( حِزْبُ الشَّيْطانِ ) أي أتباعه وجنده وجماعته وطائفته وأصحابه والمحدقون به والمتحيزون إليه لدفع ما حزبه أي نابه واشتد عليه ، المبعدون المحترقون لأنهم تبعوه ولم يخافوا في مجازيته وإنفاذ ما يريد لومة لائم مع أنه كله نقائص ومعايب ، وهم مطبوعون على بغضه ، وتركوا من له الكمال كله ، وذكر وحبه مركوز في فطرهم ، فلذلك كانت ترجمة هذا ونتيجته قوله :( أَلا ) وأكد لظنهم الريح بما لهم في الدنيا من الكثرة وظهور التعاضد والاستدراج بالبسط والسعة فقال :( إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ ) أي الطريد المحترق( هُمُ ) أي خاصة( الْخاسِرُونَ ) أي العريقون في هذا الوصف لأنهم لم يظفروا بغير الطرد والاحتراق.

( إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١) لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢) )

ولما بين ما أوصلهم إليه نسيان الذكر من الخسار ، بين أنه أوقعهم في العداوة ، فقال معللا الخسار والنسيان والتحزب ، وأكد تكذيبا لحالفهم على نفي ذلك مظهرا موضع الإضمار للتنبيه على الوصف الموقع في الهلاك :( إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ ) ولعل الإدغام لسترهم ذلك الإيمان ، ويفهم منه الحكم على من جاهر بطريق الأولى( اللهَ ) أي يفعلون مع الملك الأعظم الذي لا كفوء له فعل من ينازع آخر في أرض فيغلب على طائفة منها فيجعل لها حدا لا يتعداه خصمه( وَرَسُولَهُ ) الذي عظمته من عظمته.

ولما كانوا لا يفعلون ذلك إلا لكثرة أعوانهم وأتباعهم ، فيظن من رآهم أنهم الأعزاء الذين لا أحد أعز منهم ، قال تعالى نفيا لهذا الغرور الظاهر :( أُولئِكَ ) أي الأباعد الأسافل( فِي الْأَذَلِّينَ ) أي الذين يعرفون أنهم أذل الخلق بحيث يوصف كل

٥٠٥

منهم بأنه الأذل مطلقا من غير مفضل عليه ليعم كل من يمكن منه ذل ، وذلك في الدنيا والآخرة سواء كانوا فارس والروم أو أعظم منهم سواء كانوا ملوكا كفرة كانوا أو فسقة ، كما قال الحسن : إن للمعصية في قلوبهم لذلا ، وإن طقطقت بهم اللجم. ولما أنزلهم بالحضيض الأسفل ، علل ذلك بما يدل على أنه سبحانه لا شريك له بإتمام كلماته بنصر أوليائه على ضعفهم وخذلان أعدائه على قوتهم لأنه سبحانه غيب محض لا دلالة عليه إلا بأفعاله فقال :( كَتَبَ ) أي فعل فعل من أبرم أمرا ففرغ منه وكتبه فأوجب وحتم وقضى وبت( اللهُ ) أي الملك الذي لا كفوء له( لَأَغْلِبَنَ ) أكد لما لهم من ظن الغلب بالكثرة والقوة( أَنَا وَرُسُلِي ) أي بقوة الجدال وشدة الجلاد ، فهو صادق بالنسبة إلى من بعث بالحرب ، وإلى من بعث بالحجة ، وعلل هذا القهر بقوله مؤكدا لأن أفعالهم مع أوليائه أفعال من يظن ضعفه :( إِنَّ اللهَ ) أي الذي له الأمر كله( قَوِيٌ ) فهو يفيض من باطن قوته ما يظهر به ظاهر قدرة أوليائه ، فإن القوي من له استقلال باطن بما يحمله القائم في الأمر ولو ضوعف عليه ما عسى أن يضاعف وحمايته مما يتطرق إلى الإجلال بشدة وبطش منبعث عن ذلك الاستقلال الباطن ، وما ظهر من أثر ذلك فهو قدرة ، فلا اقتدار يظهر من الخلق إلا بالاستناد إلى القوة بالله ، ولا قيام بالحقيقة لباطن إلا بالله الذي بيده ملكوت كل شيء ، فلذلك كان بالحقيقة لا قوي إلا هو.

ولما كان القوي من المخلوقات قد يكون غيره أقوى من غيره ولو في وقت ، نفى ذلك بقوله :( عَزِيزٌ ) أي غالب غلبة لا يجد معها المغلوب نوع مدافعة وانفلات ، ثابت له هذا الوصف دائما.

ولما ظهر بهذا كالشمس أن من والاه سبحانه كان فائزا ، ومن عاداه كان خاسرا ، كانت نتيجته قطعا التحذير من موالاة أعداء الله في سياق النفي المفيد للمبالغة في النهي عنه والزجر عن قربانه فقال :( لا تَجِدُ ) أي بعد هذا البيان( قَوْماً ) أي ناسا لهم قوة على ما يريدون محاولته( يُؤْمِنُونَ ) أي يجددون الإيمان ويديمونه( بِاللهِ ) أي الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى( وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) الذي هو موضع الجزاء لكل عامل بكل ما عمل ، الذي هو محط الحكمة( يُوادُّونَ ) أي يحصل منهم ود لا ظاهرا ولا باطنا ـ بما أشار إليه الإدغام وأقله الموافقة في المظاهرة( مَنْ حَادَّ اللهَ ) أي عادى بالمناصبة في الحدود الملك الأعلى لذلك فالمحادة لا تخفى وإن كانت باطنة يستتر بها صاحبها ، لأن الظاهر عنوان الباطن ، والأفعال دليل على الأقوال ، وهذا حامل على زيادة النفرة منهم( وَرَسُولَهُ ) فإن من حاده فقد حاد الذي أرسله ، بل لا تجدهم إلا يحادونهم ، لا أنهم يوادونهم ، وزاد ذلك تأكيدا بقوله :( وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ ) الذين

٥٠٦

أوجب الله على الأبناء طاعتهم بالمعروف ، وذلك كما فعل أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه ، قتل أباه عبد الله بن الجراح يوم أحد( أَوْ أَبْناءَهُمْ ) الذين جبلوا على محبتهم ورحمتهم كما فعل أبو بكر رضي الله عنه فإنه دعا ابنه يوم بدر إلى المبارزة ، وقال : دعني يا رسول الله أكن في الرعلة الأولى ، فقال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «متعنا بنفسك يا أبا بكر ، أما تعلم أنك بمنزلة سمعي وبصري ».(١) ( أَوْ إِخْوانَهُمْ ) الذين هم أعضادهم كما فعل مصعب بن عمير رضي الله عنه ، قتل أخاه عبيد بن عمير يوم أحد(٢) وخرق سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه الصفوف يومئذ على أخيه عتبة بن أبي وقاص غير مرة ليقتله فراع عنه روعان الثعلب ، فنهاه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وقال : أتريد أن تقتل نفسك وقتل محمد بن مسلمة الأنصاري رضي الله عنه أخاه من الرضاع كعب بن الأشرف اليهودي رأس بني النضير(٣) ( أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ) الذين هم أنصارهم وأمدادهم كما فعل عمر رضي الله عنه ، قتل خاله العاصي بن هشام بن المغيرة يوم بدر وعلي وحمزة وعبيدة بن الحارث رضي الله عنهم قتلوا يوم بدر بني عمهم عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة ،(٤) وعن الثوري أن السلف كانوا يرون أن الآية نزلت فيمن يصحب السلطان ـ انتهى. ومدار ذلك على أن الإنسان يقطع رجاءه من غير الله ، وإن لم يكن كذلك لم يكن مخلصا في إيمانه.

ولما كان لا يحمل على البراءة ممن هذا شأنه إلا صريح الإيمان ، أنتج قوله :( أُولئِكَ ) أي الأعظمون شأنا الأعلون همما( كَتَبَ ) أي وصل وأثبت وصلا وهو في لحمته كالخرز في الأديم ، وكالطراز في الثوب الرقيم ، فلا انفكاك له( فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ ) فجعلها أوعية له فأثمر ذلك نور الباطن واستقامة الأعمال في الظاهر( وَأَيَّدَهُمْ ) أي قواهم وشددهم وأعانهم وشجعهم وعظمهم وشرفهم( بِرُوحٍ ) أي نور شريف جدا يفهمون به ما أودع في كتابه وسنة رسولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من كنوز العلم والعمل فهو لقلوبهم كالروح للأبدان ، فلا يفعلون شيئا من أحوال أهل الجاهلية كالمظاهرة ، وزاد هذا التأييد شرفا بقوله :( مِنْهُ ) أي أحياهم به فلا انفكاك لذلك عنهم في وقت من الأوقات فأثمر لهم استقامة المناهج ظاهرا وباطنا ، فقهروا بالدلائل والحجج ، وظهروا بالسيف المفني للمهج ، وعملوا الأعمال الصالحة فكانوا للدنيا كالسرج ، فلا تجد شيئا

__________________

(١) أخرجه الحاكم ٣ / ٤٧٤ ـ ٤٧٥ عن الواقدي مرسلا والواقدي ضعيف. وخبر أبي عبيدة له شواهد.

(٢) ذكره البغوي في تفسيره ٤ / ٢٨٥ هكذا بلا سند.

(٣) يشير المصنف لحديث جابر عند البخاري ٤٠٣٧ وفيه قصة قتل كعب بن الأشرف.

(٤) انظر تفسير البغوي ٤ / ٢٨٥.

٥٠٧

أدخل في الإخلاص من موالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه ، بل هو عين الإخلاص ، ومن جنح إلى منحرف عن دينه أو داهن مبتدعا في عقده نزع الله نور التوحيد من قلبه.

ولما أخبر بما آتاهم في الدنيا وهو غير مفارق لهم في الآخرة ، أخبر بما يؤتيهم في الآخرة فقال :( وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ ) أي بساتين يستر داخلها من كثرة أشجارها ، وأخبر عن ريها بقوله :( تَجْرِي ) ولما كانت المياه لو عمت الأرض لم يكن بها مستقر ، أثبت الجار فقال :( مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ) أي فهي لذلك كثيرة الرياض والأشجار والساحات والديار. ولما كان ذلك لا يلذ إلا بالدوام قال :( خالِدِينَ فِيها ) .

ولما كان ذلك لا يتم إلا برضا مالكها قال :( رَضِيَ اللهُ ) أي الملك الأعظم الذي له الأمر كله فلا التفات إلى غيره( عَنْهُمْ ) ولما كان ذلك لا يكمل سروره إلا برضاهم ليتم حسن المجاورة قال :( وَرَضُوا عَنْهُ ) أي لأنه أعطاهم فوق ما يؤملون. ولما أخبر عنهم بما يسر كل سامع فيشتاق إلى مصاحبتهم ومعاشرتهم ومرافقتهم ومقاربتهم ومدحهم وعرفهم بقوله :( أُولئِكَ ) أي الذين هم في الدرجة العليا من العظمة لكونهم قصروا ودهم على الله علما منهم بأنه ليس النفع والضر إلا بيده( حِزْبُ اللهِ ) أي جند الملك الأعلى الذي أحاط بجميع صفات الكمال وأولياءه ، فإنهم هم يغضبون له ولا يخافون فيه لومة لائم. ولما تبين مما أعد لهم وأعد لأضدادهم أنهم المختصون بكل خير ، قال على طريق الإنتاج مما مضى مؤكدا لما لأضدادهم من الأنكاد :( أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ ) أي جند الملك الأعلى وهم هؤلاء الموصوفون ومن والاهم( هُمُ ) أي خاصة لا غيرهم( الْمُفْلِحُونَ ) أي الذين حازوا الظفر بكل ما يؤملون في الدارين ، وقد علم من الرضى من الجانبين والحزبية والإفلاح عدم الانفكاك عن السعادة فأغنى ذلك عن تقييد الخلود بالتأييد ، خصهم بذلك لأن له العزة والقوة والعلم والحكمة ، فلذلك علم أمر المجادلة ورحم شكواها لأنها من حزبه وسمع لها ، ومن سمع له فهو مرضي عنه ، وحرم الظهار بسبب شكواها إكراما لها بحكمته لأنه منابذ للحكمة لأنه تشبيه خارج عن قاعدة التشبيهات ، وفيه امتهان للأم التي لها في دينه غاية الإكرام بالتسوية بالزوجة التي هي محل الافتراش ، وختم آيها بأن من تعدى حدوده فعاود أحوال الجاهلية فهو مجادله سبحانه فهو من حزب الشيطان ، فقد عاد آخرها إلى أولها بأدل دليل على أحسن سبيل ، لأن هذا القرآن العظيم أشرف حديث وأقوم قيل وهذا مقصود التي بعدها ، ولا شك أنه موجب للتنزيه مبعد عن التشريك والتشبيه ، فسبحان من أنزله آية دائمة البيان ، موجبة للإيمان ، قامعة للطغيان ، على مدى الدهور وتطاول الأزمان.

٥٠٨

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة الحشر

مدنية ـ آياتها أربع وعشرون

مقصودها بيان ما دل عليه آخر المجادلة من التنزه عن شوائب النقص بإثبات القدرة الشاملة بدليل شهودي على أنه يغلب هو ورسله ، ومن حاده في الأذلين ، لأنه قوي عزيز ، المستلزمة للعلم التام المستلزم للحكمة البالغة المستلزمة ـ للحشر المظهر لفلاح المفلح وخسار الخاسر على وجه الثبات الكاشف أتم كشف لجميع صفات الكمال ، وأدل ما فيها على ذلك تأمل قصة بني النضير المعلم بأول الحشر المؤذن بالحشر الحقيقي بالقدرة عليه بعد إطباق الولي والعدو على ظن أنه لا يكون ، فلذا سميت بالحشر وببني النضير لأنه سبحانه وتعالى حشرهم بقدرته من المدينة الشريفة إلى خيبر والشام والحيرة ثم حشرهم وغيرهم من اليهود الحشر الثاني من خيبر إلى الشام الذي هو آية الحشر الأعظم إلى أرض الحشر لقهر هذا النبي الكريم أهل الكتاب المدعين لأنهم أفضل الناس وأنهم مؤيدون بما لهم من الدين الذي أصله قويم بما لوحت إليه الحديد كما قهر أهل الأوثان الذين هم عالمون بأنهم بدلوا الدين الصحيح فثبت ـ بظهور دينه على كل دين على حد سواء كما وعد به سبحانه صدقه في كل ما جاء به بعد التوحيد ـ الإيمان بالبعث الآخر لأنه محط الحكمة وموضع إظهار النقمة والرحمة( بِسْمِ اللهِ ) الملك الأعظم الذي لا راد لأمره فلا خلف لعباده( الرَّحْمنِ ) الذي عمت نعمة إيجاده فلا محيص عن معاده( الرَّحِيمِ ) الذي خص أهل وداده بالتوفيق لما يرضيه عنهم فيوجب لهم الفوز بإسعاده.

( سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ فَأَتاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ (٢) )

٥٠٩

لما ختمت المجادلة بأنه معز أهل طاعته ، ومذل أهل معصيته ومحادته ، علله بتنزهه عن النقائص تأييدا للوعد بنصرهم فقال :( سَبَّحَ ) أي أوقع التنزيه الأعظم عن كل شائبة نقص( لِلَّهِ ) الذي أحاط بجميع صفات الكمال.

ولما كان الكفار من جميع بني آدم قد عبد بعضهم الشمس وبعضهم القمر وبعضهم غيرهما من الكواكب ، وكانت الكواكب مبثوثة في السماوات كلها لا تخص سماء بعينها وكذا الملائكة ، جمع دلالة على أن الكل عبيد فقال :( ما فِي السَّماواتِ ) أي كلها. ولما كان الكلام في النهي عن موادة الذين يحادون الله ، وكان ذلك لمن دون الخلص ، أكد بإعادة النافي لاحتياجهم للتأكيد فقال :( وَما ) ولما كان جميع ما عبدوه مما أشركوا به من الأرضيات من شجر وصنم وبقر وغيرها لا يعد والأرض التي هم عليها ، أفرد فقال :( فِي الْأَرْضِ ) .

ولما شمل هذا جميع العالم ، أشار إلى أن عظمته لا تنتهي فقال :( وَهُوَ ) أي والحال أنه وحده( الْعَزِيزُ ) الذي يغلب كل شيء ولا يمتنع عليه شيء( الْحَكِيمُ ) الذي نفذ علمه في الظواهر والبواطن وأحاط بكل شيء فأتقن ما أراد ، فكل ما خلقه جعله على وحدانيته دليلا ، وإلى بيان ما له من العزة والحكمة سبيلا.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لا خفاء باتصال آيها بما تأخر من آي سورة المجادلة ، ألا ترى أن قوله تعالى( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ ) إنما يراد به يهود فذكر سبحانه سوء سريرتهم وعظيم جرأتهم ثم قال في آخر السورة( لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ ) فحصل من هذا كله تنفير المؤمنين عنهم وإعلامهم بأن بغضهم من الإيمان وودهم من النفاق لقبيح ما انطووا عليه وشنيع ما ارتكبوه ، فلما أشارت هذه الآي إلى ما ذكر أتبعت بالإعلام في أول سورة الحشر بما عجل لهم من هوانهم وإخراجهم من ديارهم وأموالهم وتمكين المسلمين منهم ، جريا على ما تقدم الإيماء إليه من سوء مرتكبهم ، والتحمت الآي باتحاد المعنى وتناسبه ، وتناسج الكلام ، وافتتحت السورة بالتنزيه لبنائها على ما أشار إليه غضبه تعالى عليهم إذ لا يكون إلا على أعظم جريمة وأسوأ مرتكب وهو اعتداؤهم وعصيانهم المفصل في مواضع من الكتاب وقد قال تعالى فيهم بعد ذكر غضبه عليهم( أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ ) [المائدة : ٦٠] وقال تعالى :( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ ) [المائدة : ٧٨] فبين تعالى أن لعنته إياهم إنما ترتبت على عصيانهم واعتدائهم ، وقد فصل اعتداءهم أيضا في مواضع ، فلما كان الغضب مشيرا إلى ما ذكر من عظيم الشرك ،

٥١٠

أتبعه سبحانه وتعالى تنزيه نفسه جل وتعالى فقال :( سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ) وإنما يرد مثله من التنزيه أثر جريمة تقع من العباد وعظيمة يرتكبونها وتأمل ذلك حيث وقع ، ثم عاد الكلام إلى الإخبار بما فعل تعالى بأهل الكتاب مما يتصل بما تقدم ، ثم تناسجت الآي ـ انتهى.

ولما نزه نفسه الأقدس دل على ذلك التنزه وعلى العزة والحكمة بدليل شهودي من أنه أنفذ ما كتب من أنه يغلب هو ورسله ومن أنه كبت الذين حادوه وخيب ظن الذين نافقوا ، فتولوا اليهود من أهل الكتاب ليعتزوا بهم ، فأذل اليهود وطردهم من مهبط الوحي وأخزى المنافقين الذين جعلوهم محط اعتمادهم وموضع ولايتهم وودادهم ، فقال :( هُوَ ) أي وحده من غير إيجاف خيل ولا ركاب( الَّذِي أَخْرَجَ ) على وجه القهر( الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي ستروا ما في كتبهم من الشواهد التي تشهد لمحمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم بأنه النبي الخاتم وما في فطرهم الأولى من أن اتباع الحق أحق ، وقبح عليهم كفرهم بقوله موضع من بني النضير أو اليهود مثلا :( مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ ) أي الذي أنزله الله على رسوله موسى صلّى الله على نبينا وعليه وسلم ، وفي التعبير ب( كَفَرُوا ) إشعار بأنهم الذين أزالوا بالتبديل أو الإخفاء ما قدروا عليه مما بقي من التوراة دالّا على نبوة محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم .

ولما كان الوطن عديل الروح لأنه للبدن كالبدن للروح ، فكان الخروج منه في غاية العسر ، دل على مزيد قهرهم به بأن قال :( مِنْ دِيارِهِمْ ) ولما كان منهم من جلا من المدينة الشريفة إلى خيبر ، وهم آل أبي الحقيق وآل حيي بن أخطب ولحق سائرهم بأريحا من أرض الشام أرض المحشر ، ولحق بعضهم بالحيرة ، لوح إلى فتح خيبر وحشرهم منها حشرا ثانيا بقوله معللا أو موقتا :( لِأَوَّلِ ) أي لأجل أول أو عند أول( الْحَشْرِ ) وفي ذلك إشارة إلى أن كل بلد حشروا إليه سيفتح ، ويزلزلون منه زلزلة أخرى ، لا تزال مصائبهم بأهل الإسلام قائمة حتى يكون الحشر الأعظم بالقيامة ، والحشر : الجمع من مكان والسوق إلى غيره بكره ، وسمي أولا لأنهم أول من أجلي من اليهود من جزيرة العرب ، والحشر الثاني لهم من خيبر على زمن عمر رضي الله عنه ، وعند ابن إسحاق أن إجلاءهم في مرجع النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم من أحد وفتح قريظة في مرجعه من الأحزاب وبينهما سنتان ، قال لهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم : اخرجوا قالوا : إلى أين ، قال : إلى أرض المحشر(١) ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : من شك أن المحشر بأرض الشام فليقرأ

__________________

(١) أخرجه بنحوه الحاكم ٢ / ٤٨٣ من حديث عائشة ، وصححه ، ووافقه الذهبي.

٥١١

هذه الآية. انتهى ، وهذا الحشر يدل على المحشر الأعظم وبينه على قولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم :بعثت أنا والساعة كهاتين (١) .

ولما كان قد أخبر أن حشرهم لم يكن بسبب غير محض قدرته ، استأنف شرح ذلك بقوله :( ما ظَنَنْتُمْ ) أي أيها المؤمنون( أَنْ يَخْرُجُوا ) أي يوقعوا الخروج من شيء أورثتموه منهم لما كان لكم من الضعف ولهم من القوة لكثرتهم وشدة بأسهم وشكيمتهم وقرب بني قريظة منهم فكانوا بصدد مظاهرتهم ، وأهل خيبر أيضا غير بعيدين عنهم وكلهم أهل ملتهم ، والمنافقون من أنصارهم وأسرتهم ، فخابت ظنونهم في جميع ذلك وفالت أراؤهم وسلط عليهم المؤمنون على قلتهم وضعفهم ، وإذا أراد الله نصر عبد استأسد أرنبه وإذا أراد قهر عدو استنوق أسده. ولما كانت الحصون تمنع إلى إتيان الأمداد قال :( وَظَنُّوا أَنَّهُمْ ) ودل على قوة ظنهم وثباته بالجملة الاسمية فقال :( مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ ) أي ثابت لها المنع ولهم الامتناع ، قالوا : وفي تقديم الخبر على المبتدأ دليل على فرط وثوقهم بحصانتها ومنعها إياهم ، وفي جعل ضميرهم اسم (إن) وإسناد الجملة إليه دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عز ومنعة لا مطمع معها في معازّتهم ، ودل على ضعف عقولهم بأن عبر عن جنده باسمه وباسمه الأعظم فقال :( مِنَ اللهِ ) أي الملك الأعظم الذي لا عز إلا له وأنتم جنده ، لا تقاتلون إلا فيه وبه ، بأسكم من بأسه ، فقد اجتمع الظنان على شيء واحد. ولما كان إسناد ما للمضاف إلى المضاف إليه شائعا في لسان العرب وكثيرا جدا لأنه لا يلتبس على من له إلمام بكلامهم ، وبليغا جدا لما له من العظمة ، قال :( فَآتاهُمُ اللهُ ) أي جاءهم الملك الأعظم الذي لا يحتملون مجيئه بما صور لهم من حقارة أنفسهم التي اضطرتهم إلى الجلاء( مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ) أي من الجهة التي لم يحملوا أنفسهم على حسبها وهي خذلان المنافقين لهم رعبا كرعبهم واستضعافا كاستضعاف أنفسهم عن مقاومة جند الله بعد أن كان الشيطان زين لهم غير ذلك ، وملأ قلوبهم من الأطماع الفارغة حتى قطعوا بما مناهم وقربه لهم وأغواهم.

ولما كان التقدير : فأوهنهم الله بذلك ، عطف عليه قوله :( وَقَذَفَ ) أي أنزل إنزالا كأنه قذفه بحجارة ، فثبت وارتكز( فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ) أي الخوف الذي سكنها فرضّها وملأها وعبر منها إلى جميع قواهم فاجتثها من أصلها ، ثم بين حالهم عند ذلك

__________________

(١) أخرجه البخاري ٦٥٠٤ ومسلم ٢٩٥١ والترمذي ٢٢١٤ وابن حبان ٦٦٤٠ وأبو يعلى ٢٩٢٥ وأحمد ٣ / ١٢٣ من حديث أنس.

٥١٢

أو فسر قذف الرعب بقوله :( يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ ) أي يبالغون ـ على قراءة أبي عمرو بالتشديد ـ في إخرابها ، أي إفسادها ، فإن الخربة الفساد ، وقراءة غيره يفهم الفعل المطلق الذي لا ينافي المقيد( بِأَيْدِيهِمْ ) ضعفا منهم ـ بما أشار إليه جمع القلة ، ويأسا من قوتهم ليأخذوا ما استحسنوا من آلاتها ، فكان الرجل منهم لما تحملوا للرحيل يهدم بيته عن نجاف بابه وما استحسن من خشبه فيضعه على ظهر بعيره فيأخذه وينقب الجدار ويهدم السقف حسدا للمسلمين أن يسكنوها بعدهم لأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أمرهم أن يخلوا له عن البلد ولهم ما حملت إبلهم.

ولما كان السبب في تخريب الصحابة رضي الله عنهم لبيوتهم ما أحرقوهم به من المكر والغدر كانوا كأنهم أمروهم بذلك ، فنابوا عنهم فيه ، فقال أيضا بجمع القلة للدلالة على أن الفعل له سبحانه وحده :( وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ ) أي الراسخين في الإيمان استيلاء وغلبة عليهم وقد كان المؤمنون يخربون ما ضيق عليهم المجال منها لأجل القتال ، وقدم تخريبهم لأنه أعجب.

ولما كان في غاية الغرابة أن يفعل الإنسان في نفسه كما يفعل فيه عدوه ، سبب عن ذلك قوله :( فَاعْتَبِرُوا ) أي احملوا أنفسكم بالإمعان في التأمل في عظيم قدرة الله تعالى على أن تعبروا من ظواهر العلم في هذه القضية بما دبر الله في إخراجهم إلى بواطن الحكمة بأن لا تعدوا لكم ناصرا من الخلق ولا تعتمدوا على غير الله ، فإن الاعتبار ـ كما قال القشيري ـ أحد قوانين الشرع ، ومن لم يعتبر بغيره اعتبر به غيره ـ انتهى. وقد احتج بالآية مثبتو القياس فإنه مجاوزة من الأصل إلى الفرع ، والمجاوزة اعتبار ، وهو مأمور به في هذه الآية فهو واجب.

ولما كان الاعتبار عظيم النفع ، لا يحصل إلا للكمل ، زاده تعظيما بقوله تعالى :( يا أُولِي الْأَبْصارِ ) بالنظر بأبصاركم وبصائركم في غريب هذا الصنع لتحققوا به ما وعدكم على لسان رسولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من إظهار دينه وإعزاز نبيه ولا تعتمدوا على غير الله كما اعتمد هؤلاء على المنافقين ، فإن من اعتمد على مخلوق أسلمه ذلك إلى صغاره ومذلته ، ولا تلموا بغدر كما أرادوا أن يغدروا برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فيطرحوا عليه وهو قاعد بفناء دار من دورهم رحى من السطح ليقتلوه بها ـ زعموا ، ولا تفعلوا شيئا من قبيح أفعالهم لئلا يحصل لكم مثل نكالهم كما أحكمه قولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «لتتبعن سنن من كان قبلكم»(١) الحديث ، وذلك الغدر منهم بعد أن حرضوا قريشا على غزوة أحد ودلوهم

__________________

(١) تقدم تخريجه مرارا.

٥١٣

على بعض العورات ، وقال البغوي : إن كعب بن الأشرف أتى قريشا بعد أحد في أربعين راكبا فحالفهم على النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فنزل جبريلعليه‌السلام عليه يخبره بذلك ، وقال : إنه لما قصدهمعليه‌السلام أرسلوا إليه أن يخرج في ثلاثين ويخرج منهم ثلاثون ليسمعوا منه ، فإن آمنوا به آمن الكل ، فأجابهم فأرسلوا أن الجمع كثير فاخرج في ثلاثة ليخرج ثلاثة منا ، فأرسلت امرأة منهم إلى أخيها وكان مسلما أنهم اشتملوا على الخناجر يريدون الفتك برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فكفصلى‌الله‌عليه‌وسلم عن ذلك ، وكل ما ذكر من أسباب قصتهم كما ترى دائر على المكر بل هو عين المكر.

( وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ (٣) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللهَ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٤) ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ (٥) )

ولما دل هذا على غاية الوهن منهم فكان موضع التعجب من الكف عن قتلهم ، بين أن السبب في ذلك أمره الباهر وعزه القاهر حثا على ما ختم به الآية السابقة من الاعتبار والتدبر والاستبصار فقال :( وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللهُ ) أي فرض فرضا حتما الملك الذي له الأمر كله ، ودل على أنه كتب إذلالا وإخزاء بقوله :( عَلَيْهِمُ ) أي بخصوصهم فيما كتب على بني إسرائيل في الأزل كما كتب على بني قينقاع( الْجَلاءَ ) أي الخروج من ديارهم والجولان في الأرض ، فأما معظمهم فأجلاهم بخت نصر من بلاد الشام إلى العراق ، وأما هؤلاء فحماهم الله بمهاجر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من ذلك الجلاء وجعله على يدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فأجلاهم فذهب بعضهم إلى خيبر وبعضهم إلى الشام مرة بعد مرة( لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا ) أي بالسيف كما سيفعل بأحوالهم من بني قريظة الذين كتب عليهم العذاب دون الجلاء من قتل المقاتلة وسبي الذرية ، فإنه تعالى قد قضى قضاء حتما أنه يطهر المدينة بلد الوحي منهم.

ولما كان التقدير : ولكنه كتب عليهم ذلك فهو عذابهم الآن في الدنيا لا محالة وإن اجتمع أهل الأرض على نصرهم ، عطف عليه قوله على طريق التهكم بالتعبير بأداة النفع :( وَلَهُمْ ) أي على كل حال أجلوا أو تركوا( فِي الْآخِرَةِ ) التي هي دار البقاء( عَذابُ النَّارِ ) وهو العذاب الأكبر.

ولما أخبر بما نالهم في الدنيا وينالهم في الآخرة ، علله بقوله :( ذلِكَ ) أي الأمر العظيم الذي فعله بهم من الجلاء ومقدماته في الدنيا ويفعله بهم في الآخرة( بِأَنَّهُمْ ) ولما كانوا قد ضموا في هذه القضية إلى ما كانوا عليه من الكفر الظاهر كفرا باطنا بما

٥١٤

أرادوا من إلقاء الرحى وغيره من الأذى مكرا منهم ، أدغم في قوله :( شَاقُّوا اللهَ ) أي الملك الأعلى الذي له الإحاطة التامة ، فكانوا في شق غير شقه بأن صاروا في شق الأعداء المحاربين بعد ما كانوا في شق الموادعين.

ولما جارى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إخفاءهم لما أرادوا أن يفعلوا به بالإخفاء لخلاصه منهم بأن رجع إلى المدينة الشريفة وترك أصحابه رضي الله عنهم عندهم قال :( وَرَسُولَهُ ) الذي إجلاله من إجلاله. ولما أخبر بفعله وبسببه ، عطف عليه تأكيدا لمضمونه وإفادة لأنه يفعل في غيرهم ممن كان على أمرهم أعظم من فعلهم فقال :( وَمَنْ يُشَاقِّ اللهَ ) أي يوقع في الباطن مشاققة الملك الأعلى الذي لا كفوء له في الحال أو الماضي أو الاستقبال سواء أبطن معها مشاققة أخرى أو لا ، وترك الإدغام على حاله لأنهم ما أظهروا معاداة وإنما كان ما فعلوا مكرا ومساترة ، وذلك أخف من المجاهرة ، وأظهر في الأنفال لقوة أمر المجاهرين كما مضى ، ولم يعد ذكر الرسول تفخيما له بإفهام أن مشاققته مشاققة لله من غير مثنوية أصلا ، وإشارة إلى أنهم بالغوا في إخفاء مشاققتهم ، فلم يظهر عليها غير الله ، فلم يحصل منهم في ذلك مفاعلة بينهم وبين الرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم فإنه لم يمكر بهم ، وإنما جاهرهم حين أعلمه الله بمكرهم بخلاف ما تقدم في الأنفال ، فإن المقام اقتضى هناك الذكر لأنهم مكروا به كما قال تعالى( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) [الأنفال : ٣٠] الآية وهوصلى‌الله‌عليه‌وسلم أخفى أمر هجرته وأعمل الحيلة في الخلاص من مكرهم على حسب ما أمره الله به فحصلت المفاعلة في تحيز كل من الفريقين إلى شق غير شق الآخرة خفية( فَإِنَّ اللهَ ) أي المحيط بجميع العظمة يشدد عقابه له لأنه( شَدِيدُ الْعِقابِ ) وذلك كما فعل ببني قريظة بعد هذا حيث نقضوا عهدهم وأظهروا المشاققة في غزوة الأحزاب وكما فعل أهل خيبر ، وكانوا يماكرون ويساترون في الأولى عند فتحها وفي الثانية عند إجلائهم منها ، فقد سوى بين المساترين والمجاهرين في العذاب وهو للمجاهرين أشد عذابا كا هو واضح.

ولما دل سبحانه على عزته وحكمته بما فعل ببني النضير الذين يقولون إنهم أشجع الناس وأشدهم شكيمة بما لهم من الأصالة والاصطفاء على العالمين ، مع التأييد بالكتاب والحكمة ، وختم بأن من شاق رسوله فقد شاقه ، ومن شاقه فقد شدد عقابه ، أتبعه بيان ما عاقبهم به من قطع الصحابة رضي الله عنهم بأمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لنخلهم الذي هو أعز عليهم من أبكارهم وهم ينظرون إليه لا يغنون شيئا ولا منعة لديهم فقال :( ما ) وهي شرطية وأتبعها بشرطها الناصب لها فقال :( قَطَعْتُمْ ) أي كل ما قطعتموه ، وبين ما في «ما» من الإبهام بقوله معبرا عن النخل ، بما يفيد نوعه وأنه هان عليهم القطع ولان :

٥١٥

( مِنْ لِينَةٍ ) وهي ضرب من النخل ، قال ابن إسحاق : هو ما خالف العجوة من النخل ، وقال ابن هشام : اللينة من الألوان ، وهي ما لم يكن برنية ولا عجوة من النخل فيما حدثني أبو عبيدة ـ انتهى. وقال صاحب القاموس اللون : الدقل من النخل ، وهي جماعة واحدتها لونه ولينة ، قال المهدوي : وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضا أنها لون من النخل ، وقال البغوي : ورواية زاذان عن ابن عباس رضي الله عنه قال : كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقطع نخلهم إلا العجوة. وأهل المدينة يسمون ما خلا العجوة من التمر الألوان واحدها لون ولينة ، وقال عطية والحسن ومجاهد وابن زيد وعمرو بن ميمون : اللينة : النخلة ، اسمان بمعنى واحد ، وجمعها لين وليان ، وقال سفيان الثوري : اللينة ما تمرها لون وهو نوع من التمر شديد الصفرة يشف عن نواة فيرى من خارج ، قال البغوي : يغيب فيها الضرس ، وكان من أجود تمرهم وأعجبها إليهم ، وكانت النخلة الواحدة ثمنها ثمن وصيف أحب إليهم من وصيف ، فلما رأوهم يقطعونها شق عليهم وقالوا للمؤمنين : إنكم تكرهون الفساد وأنتم تفسدون ، دعوا هذه النخلة ، فإنما هي لمن غلب عليها ، وقال الرازي في اللوامع واختلاف الألوان فيها ظاهر لأنها أول حالها بيضاء كصدف مليء درّا منضدا ، ثم غبراء ثم خضراء كأنها قطع زبرجد خلق فيها الماء ثم حمراء كأنها ياقوت رص بعضه ببعض ثم صفراء كأنها شذو عقيان ، ولذلك إذا بلغ الإرطاب نصفها سميت مجزعة لاختلاف ألوانها كأنها الجزع الظفاري.

ولما كان مافسر بمؤنث هو اللينة ، أعاد الضمير مؤنثا فقال :( أَوْ تَرَكْتُمُوها ) ولما كان الترك يصدق ببقائها مغروسة أو مقطوعة قال :( قائِمَةً ) ولما كان المراد نخيلا كثيرة لإرادة الجنس قال :( عَلى أُصُولِها ) بجمع الكثرة( فَبِإِذْنِ اللهِ ) أي فقطعها بتمكين الملك الأعظم ورضاه ، قال القشيري : وفي هذا دليل على أن الشريعة غير معللة وإذا جاء الأمر الشرعي بطل طلب التعليل وسكتت الألسنة عن التقاضي ب «لم» وحضور الاعتراض والاستقباح بالبال خروج عن حد العرفان.

ولما فطم عن طلب العلل خطابا للكمل ، طيب قلوب من دونهم بعلة معطوفة على ما تقديره : فليس ذلك بفساد ولكنه صلاح أذن لكم فيه ليشفي به صدور المؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم ، فقال واضعا موضع ضميرهم ظاهرا يدل على ما أوجب خزيهم :( وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ ) الذين هم أصلاء في المروق من دائرة الحق بأن يذلهم ويفضحهم ببيان كذبهم في دعواهم العز والشجاعة والتأييد من الله لأنهم على الدين الحق وأنه لا يتطرق إليه نسخ ، وروى أبو يعلى عن جابر رضي الله عنه أنه قال : رخص لهم في قطع النخل ثم شدد عليهم فأتوا النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقالوا : يا رسول الله! علينا إثم فيما

٥١٦

قطعنا أو علينا فيما تركنا ، فأنزل الله الآية ـ انتهى وكان ناس من المؤمنين مالوا إلى الكف عن القطع لما سموه اليهود فسادا وطائفة أشاروا بالاستمرار على القطع لأنه يغيظهم ، فصوب سبحانه في الآية من أمر بالكف وحلل من أشاروا بالاستمرار بالقطع من الإثم ، فدلت الآية على جواز إفساد أموال أهل الحرب على أي حال كان مثمرا كان أو لا بالتحريق والتغريق والهدم وغيره لإخزائهم بذلك.

( وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) )

ولما كانت الغنائم التي تقسم بين الجيش إنما هي ما قاتلوا عليه ، وأما ما أتى منها بغير قتال فهو فيء يأخذه الإمام فيقسمه خمسة أخماس ، ثم يقسم خمسا منها خمسة أقسام ، أحدها وهو كان للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم يكون بعده لمصالح المسلمين ، والأقسام الأربعة الأخرى من هذا الخمس لمن ذكر في الآية بعدها ، والأربعة الأخماس الكائنة من أصل القسمة وهي التي كانت لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لأنها حصلت بكفايته وإرعابه للعدو ، تفرق بين المرتزقة من جميع النواحي ، فكانت الأموال كلها لله إنعاما على من يعبده بما شرعه على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسّلام ، كانت أموال الكفار في أيديهم غصبا غصبوه من أوليائه ، فخص سبحانه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بأموال بني النضير يضعها حيث يشاء لأنها فيء فقال :( وَما أَفاءَ اللهُ ) أي رد الملك الذي له الأمر كله ردا سهلا بعد أن كان فيما يظهر في غاية العسر والصعوبة( عَلى رَسُولِهِ ) فصيره في يده بعد أن كان خروجه عنها بوضع أيدي الكفار عليه ظلما وعدوانا كما دل عليه التعبير بالفيء الذي هو عود الظل إلى الناحية التي كان ابتدأ منها( مِنْهُمْ ) أي ردا مبتدئا من الفاسقين ، فبين أن هذا فيء لا غنيمة ، ويدخل في الفيء أموال من مات منهم عن غير وارث وكذا الجزية ، وأما الغنيمة فهي ما كان بقتال وإيجاف خيل وركاب.

ولما كان الحرب إنما هو كر وفر في إسراع وخفة ورشاقة بمخاتلة الفرسان ومراوغة الشجعان ومغاورة أهل الضرب والطعان ، قال معللا لكونه فيئا :( فَما أَوْجَفْتُمْ ) أي أسرعتم ، وقال ابن إسحاق : حركتم واتبعتم في السير ـ انتهى ، وذلك الإيجاف للغلبة( عَلَيْهِ ) وأعرق في النفي بالجار فقال :( مِنْ خَيْلٍ ) وأكد بإعادة النافي لظن من ظن أنه غنيمة لإحاطتهم بهم فقال :( وَلا رِكابٍ ) أي إبل ، غلب ذلك عليها من بين المركوبات ، ولا قطعتم من أجله مسافة ، فلم تحصل لكم كبير مشقة في حوز أموالهم لأن قريتهم كانت في حكم المدينة الشريفة ليس بينها وبين ما يلي منها مسافة بل هي ملاصقة لإحدى قرى الأنصار التي المدينة اسم لها كلها ، وهي قرية بني عمرو بن

٥١٧

عوف في قباء بينها وبين القرية التي كان رسول الله نازلا بها نحو ميلين ، فمشى الكل مشيا ولم يركب إلا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ولم يقاتلوا بها قتالا بعد ، فلذلك جعلها الله فيئا ولم يجعلها غنيمة ، فهي تقسم قسمة الفيء ، لا قسمة الغنيمة ، فخمسها لأهل خمس الغنيمة وهم الأصناف الخمسة المذكورون في الآية التي بعدها ، وما فضل فهو الأربعة الأخماس لهصلى‌الله‌عليه‌وسلم مضمومة إلى ما حازه من خمس الخمس.

ولما كان معنى هذا : فما كان التسليط بكم ، استدرك بقوله :( وَلكِنَّ اللهَ ) أي الذي له العز كله فلا كفوء له( يُسَلِّطُ رُسُلَهُ ) أي له هذه السنة في كل زمن( عَلى مَنْ يَشاءُ ) بجعل ما آتاهم سبحانه من الهيبة رعبا في قلوب أعدائه ، فهو الذي سلط رسولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم على هؤلاء بأن ألقى في روعه الشريف أن يذهب إليهم فيسألهم الإعانة في دية العامريين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري رضي الله عنه خطأ ، فلما جلس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى جانب بيت من بيوتهم ، وكانوا موادعين لهصلى‌الله‌عليه‌وسلم نقضوا عهدهم خفية مكرا منهم بعد أن رحبوا به ووعدوه الإعانة وأمروا أحدهم أن يرمي عليه من فوق السطح صخرة لتقتله ، فأعلمه الله بهذا فدهب وترك أصحابه هناك حتى لحقوا به ، وهذا بعد ما كان حيي فعل من قدومه مكة وندبه لقريش إلى حرب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ومعاقدته لهم على أن يكون معهم عليه عليه الصلاة والسّلام ، وإعلام الله بذلك لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فأرسل إليهم بعد ما أصبح أنكم قد خنتم الله ورسوله ، فأردتم أن تفعلوا كذا ، وأن الأرض لله ورسوله ، فاخرجوا منها وقد أجلتكم عشرا ، فمكثوا على ذلك أياما يتجهزون ودس إليهم ابن أبي ومن معه من المنافقين أنهم معهم في الشدة والرخاء لا يسلمونهم ، وقال ابن أبي : معي ألفان من قومي وغيرهم من العرب يدخلون حصنكم فيموتون من عند آخرهم ، وتمدكم قريظة وحلفاؤكم من غطفان فطمع حيي بن أخطب في ذلك فأرسل إنا لا نخرج من ديارنا فاصنع ما بدا لك ، فقصدهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في المؤمنين يحمل رايته علي بن أبي طالب رضي الله عنه فصلى العصر بفنائهم بعد أن استعمل على المدينة ابن أم مكتوم رضي الله عنه وأقام عليهم ست ليال وهم متحصنون ، فقطع من نخلهم وحرق فنادوه أن قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه فما بالك تقطع النخل ، وتربصوا نصر ابن أبي ومن معه على ما قالوا فلم يفوا لهم ، فألقى الله الرعب في قلوبهم فأرسلوا بالإجابة ، فقال : لا إلا أن يكون لي سلاحكم وما لم تقدروا على حمله على إبلكم من أموالكم ، فتوقفوا ثم أجابوا فحملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل إلا الحلقة ، وذهبوا على ستمائة بعير ، وأظهروا الحلي والحلل وأبدى نساؤهم زينتهن فلحق بعضهم بخيبر وبعضهم بالشام وخلوا الأموال والحلقة لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ولم يسلم منهم إلا

٥١٨

رجلان يامين بن عمرو وأبو سعد بن وهب ، أسلما على أموالهما فأحرزاها فجعل الله أموال من لم يسلم منهم فيئا لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم خاصة به يضعها حيث يشاء كما روي ذلك في الصحيح عن عمر رضي الله عنه في قصة مخاصمة علي والعباس رضي الله عنهما ، وفيه أنه من خصائصهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فإنه قال : إن الله قد خص رسولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحدا غيره ، ثم قرأ( ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ ) إلى قوله تعالى :( قَدِيرٌ ) (١) فكانت خالصة لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم والله ما احتازها دونكم ولا استأثر بها عليكم قد أعطاكموها وبثها فيكم حتى بقي منها هذا المال ـ يعني الذي وقع خصامهما فيه ، فكان ينفق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم على أهله نفقة سنتهم من هذا المال ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل ما لله ، وفي الصحيح أيضا عن مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر رضي الله عنه قال : كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب ، فكانت لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم خاصة ينفق على أهله منها نفقة سنة ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله ـ انتهى ، وقد قسم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أموالهم بعد ما تركه لنفسه بين المهاجرين ، لم يعط الأنصار منه شيئا إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة شديدة : أبو دجانة سماك بن خرشة وسهل بن حنيف والحارث بن الصمة رضي الله عنهم ، وكان لسيف ابن أبي الحقيق عندهم ذكر فنفله سعد بن معاذ رضي الله عنه وقال الأصبهاني : إن الفيء كان يقسم على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم على خمسة وعشرين سهما أربعة أخماسها وهي عشرون سهما لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يفعل بها ما يشاء ويحكم فيها ما أراد ، والخمس الباقي على ما يقسم عليه خمس الغنيمة ـ يعني على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وذوي القربى ومن بعدهم ، هكذا كان عملهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في صفاياه ، فلما توفي كانت إلى إمام المسلمين وكذا جميع ما ترك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لأنه قال : «لا نورث ، ما تركناه صدقة». فولي ذلك أبو بكر رضي الله عنه ثم عمر رضي الله عنه ، فكانا يفعلان فيها ما فعله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : وقال الأصبهاني رضي الله عنه أيضا عن مالك بن أوس بن الحدثان رضي الله عنه : قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه( إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ ) [التوبة : ٦٠] حتى بلغ( عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) ثم قال : هذه لهؤلاء ثم قرأ( وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ) [الأنفال : ٤١] ثم قال هذه لهؤلاء ، ثم قرأ( ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى ) [الحشر : ٧] حتى بلغ الفقراء( الْمُهاجِرِينَ وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ ) [الحشر : ٧] ثم قال : استوعبت هذه المسلمين عامة فليس أحد إلا له فيها حق ، ثم قال : لئن عشت ليأتين الراعي نصيبه منه لم يعرق جبينه فيه ـ انتهى.

__________________

(١) أخرجه البخاري ٤٨٨٥ من حديث عمر.

٥١٩

وقال ابن عطية : ما أخذ النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لبني النضير ومن فدك فهو خاص بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وليس على حكم الغنيمة التي يوجف عليها ويقاتل فيها ، ومذهب الشافعي رضي الله عنه أن هذه الأموال التي هي فيء كبقية الفيء يقسم على خمسة أسهم : خمس منها للأصناف المذكورة أولها النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأربعة أخماسها لهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وحده ، وأجاب الشافعي عن قول عمر رضي الله عنه ، «فكانت هذه لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم خاصة» بأنه عام أريد به الخاص ، ومعناه : فكان ما بقي منها في يد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بعد إعطاء الخمس لأربابه خاصا بهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، لا يشك أحد في خصوصيته به ، ثم إنه مع ذلك ما احتازه دونهم بل كان يفعل ما ذكر في الحديث من الإيثار ، قال الشافعي رضي الله عنه : لأنا لا نشك أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أعطى الأصناف المذكورين في الآية منها حقهم وقد عهدنا أن حق هؤلاء الأصناف من مال المشركين الخمس كما هو صريح في سورة الأنفال ، واستفيد من قول عمر رضي الله عنه «إنها كانت للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم » أنه كان له ما كان يشترك فيه المسلمون من الخمس من الغنيمة التي حصلت بما حصل للكفار من الرعب منهم ، والذي كان يشترك فيه المسلمون بعد الخمس هو أربعة الأخماس والنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قام مقام المسلمين فيه إذ هم لم يوجفوا عليه بخيل ولا ركاب ، وإنما حصل ذلك بالرعب الذي ألقاه الله لرسولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في قلوب المشركين ، فكانت الأربعة الأخماس تختص ممن كان السبب في حصول الجميع كما في الغنيمة ، فعلى هذا الفيء الغنيمة لا يختلفان في أن الأربعة الأخماس تختص لمن كان السبب في حصول الجميع وأن خمس المالين يكون للأصناف المذكورة ، والذي كان لهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من الفيء من الأربعة الأخماس يكون بعد موتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم للمقاتلة لأنه حصل بالرعب الحاصل للكفار منهم كأربعة أخماس الغنيمة التي حصلت بقتالهم.

ولما كانت قدرته سبحانه عامة بالتسليط وغيره ، أظهر ولم يضمر فقال :( وَاللهُ ) أي الملك الذي له الكمال كله( عَلى كُلِّ شَيْءٍ ) أي أي شيء يصح أن تتعلق المشيئة به وهو كل ممكن من التسليط وغيره( قَدِيرٌ ) أي بالغ القدرة إلى أقصى الغايات ، والآية تدل على أن إيجاف الخيل والركاب وقصد العدو إلى الأماكن الشاسعة له وقع كبير في النفوس ورعب عظيم.

( ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٧) )

ولما نزع سبحانه أموالهم من أيدي الجيش ، بين مصرف غيرها مما كان مثلها بأن فتح لهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بغير قتال فقال مستأنفا جوابا لمن كأنه قال : هل يعم هذا الحكم كل فيء

٥٢٠