نظم الدّرر الجزء ٧

نظم الدّرر0%

نظم الدّرر مؤلف:
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 631

نظم الدّرر

مؤلف: برهان الدين البقاعي
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
تصنيف:

الصفحات: 631
المشاهدات: 158
تحميل: 18


توضيحات:

بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 631 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 158 / تحميل: 18
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 7

مؤلف:
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
العربية

يشهدون إلا الظواهر ولا يشهدون من الباطن ، ولذلك انعجم معناه على كثير من فصحاء العرب ، فمفهوم معناه مومجب توحيده فواضح إذ لا مهيمن بمعنى أنه شهيد على الوجه المشروح مع الأمانة المأمونة والحفظ والرعاية فيكون قائما على كل شيء بكل ما له من رزق وعمل وأجل إلا هو ، ولذلك كان القرآن الذي هو صفته سبحانه وتعالى مهيمنا على جميع الكتب التي قبله مصدقا لما يستحق التصديق منها مكذبا لما يستحق التكذيب ، فمن كان به أمهر كان بذلك أعلم.

ولما كان تمام الخبرة ملزوما لتمام القدرة ، صرح بهذا اللازم فقال ؛( الْعَزِيزُ ) والعزة غلبة لا يجد معها المغلوب وجه مدافعة ولا انفلات ولا إعجاز ، فالعزيز الذي صعب على طالبه إدراكه مع افتقار كل شيء إليه في كل لحظة ، الشديد في انتقامه الذي لا معجز له في إنفاذ حكمه ، ولذلك ينظم كثيرا بآيات إمضاء الأحكام متصلا بالحكمة والعلم إنباء عن العدل ، قال الغزالي : وهو الذي يقل وجود مثله وتشتد الحاجة إليه ويصعب الوصول إليه. ولما كان المغلوب على الشيء فيؤخذ من يده قد لا ينقاد باطنا فلا يباشر ما غلب عليه للغالب وقد لا يكون العز ظاهرا لكل أحد ، أردفه بقوله :( الْجَبَّارُ ) وهو العظيم الذي يفوت المقاوم مناله ، فهو على هذا من أسماء الذات ويصلح أمور من يريد من الخلق ويقهرهم على ما يريد ، فهم أحقر من أن يعصوه طرفة عين بغير إرادته ، والجبر : طول يلجيء الأدنى لما يريد منه الأعلى ويغيب من الأعلى ما يحاول مناله منه الأدنى مع الظهور التام الذي تدور مادته عليه ، فالجبار لا يخرج شيء من قبضته ، وتقصر الأيدي عن حمى عز حصرته ، ولا ينال منه إلا ما نوّل ، وهو أبعد شيء عن أوصاف الخلق لمنال الذباب منهم ما شاء وعجزهم عنه ، ولما فيه من الإلجاء كان هو الاسم الذي يلجىء النار لقصرها على مراده منها من الحسب الذي جبلها على ضده من الاستزادة فلا تزال تقول ما جبلت عليه : هل من مزيد ، حتى يضع الجبار فيها قدمه أي يهينها فإن القدم موضع الإهانة ، وهذه الإهانة ـ هي من مبدأ ظهور غلبة الرحمة للغضب ، فله الملك ظهورا بالأيدي الظاهرة من الإنسان وما دونه ، وله الملكوت بطونا بالأيدي الباطنة من الملك وما دونه ، وله الجبروت اختصاصا من وراء كل ملك وملكوت.

ولما كان الإلجاء قد يكون بنوع ملاطفة ، أتبعه قوله :( الْمُتَكَبِّرُ ) ليعم الإلجاء الظاهر والباطن فالكبرياء جملة تأدي أمر الله وظاهر خلقه الذي يجد الخلق صغرهم من دونه وكبره عليهم وامتناعه عما لا يريد من مرادهم ، لأن الكل حقيرون بالإضافة إلى جلاله وعز جبروته وعظمته وكماله ، ولسواء الخلق في عام حضرة القدرة شملهم الصغر

٥٤١

فلم يصح منهم كبر ، ولا شرع لهم تكبر ، فلم يكن للخلق منهم حقيقة حظ ولا لبس حق ، فاختص بهذا الاسم لاستيلائه على الظواهر بإظهار ما له من الكبر لعدم الحاجة إلى شيء وبإلجاء غيره إلى الاحتياج إليه والإيقاع بجبابرتهم وإذلالهم وغير ذلك من الأمور المزعجة المرهبة من غير مبالاة بشيء كما اختص بالجبار لاستيلائه على البواطن.

ولما تقرر بما ذكر من مظاهر عظمته استيلاؤه على الظواهر والبواطن باللطف والعنف ، أنتج ذلك تعاليه عن شوب نقص لا سيما بالشرك فقال سبحانه :( سُبْحانَ اللهِ ) أي تنزه الملك الأعلى الذي اختص بجميع صفات الكمال تنزها لا تدرك العقول منه أكثر من أنه علا عن أوصاف الخلق فلا يدانيه شيء من نقص( عَمَّا يُشْرِكُونَ ) أي من هذه المخلوقات من الأصنام وغيرها مما في الأرض أو في السماء من كبير وصغير وجليل وحقير.

ولما تم دليل الوحدانية بما حصل من التفهيم بالتدني إلى الملك ثم بالتعلي إلى التكبر فأنتج هذه الخاتمة ، ابتدأ سبحانه دليلا آخر هو في غاية التنزل والوضوح ، فقال مفتتحا بما افتتح به الأول من الترتيب في المراتب الثلاث ، غيب الغيب ثم الغيب ثم الظهور على مراتبه ، إعلاما بأنه لا براح عن الإيمان بالغيب ، ومن برح عنه هلك( وَهُوَ ) أي الذي لا شيء يستحق أن يطلق عليه هذا الضمير غيره لأن وجوده من ذاته ولا شيء غيره إلا وهو ممكن فهو أهل لأن لا يكون فلا يكون له ظهور ليكون له بطون.

ولما ابتدأ بهذا الغيب المحض الذي هو أظهر الأشياء ، أخبر عنه بأشهر الأسماء الذي لم يقع فيه شركة بوجه فقال :( اللهُ ) أي الذي ليس له سمي فلا كفوء له فهو المعهود بالحق فلا شريك له بوجه. ولما بدأ سبحانه بهذا الدليل الجامع بين الغيب والظهور ، ثنى بتنزل متضمن للعلم والقدرة فهو في غاية الظهور فقال :( الْخالِقُ ) أي الذي لا خالق على الحقيقة إلا هو لأن الخلق فرض حد وقدر في مطلق منه لم يكن فيه بعد حد ولا قدر كالحاذي يخلق أي يقدر في الجلد حدا وقدرا لنعل ونحوه وهو سابق للفري والبري ونحوه «سبق العلم العمل» فالخالق في الحقيقة هو الذي كل شيء عنده بمقدار ، الذي يقول( يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ ) [الزمر : ٦]( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ) [الحجر : ٢١] ومن ناشئة القدر الفرق والترتيب ، ومن ناشئة الفرق والترتيب الإحياء والإماتة ، ومن معاد الفرق والإحياء والإماتة على أول أمره الجمع والرب ، فلا يملك الخلق والفرق إلا من يملك الجمع والرب ، وقد أوتي الحق ملكة ما في الفرق والشتات ، ولم يملكوا جمع ما فرقوا ولا

٥٤٢

ألف ما شتتوا كالقاطع عضوا لا يقدر على لأمه ، والهادم بناء لا يقدر على رمه على حده ، والكاسر شيئا لا يقدر على وصله ، فلأن الخلق لا يحيطون بتقدير ما يسرعون في قدره ولا يقدرون بعد الفرق والفري على رمه ووصله كان المحيط التقدير في الشيء من جميع جهاته وجملة حدوده ، القادر على جمع ما فرق الذي كما بدء أول خلق يعيده هو أحسن الخالقين ، وتلايح تحت هذا اللبس في إطلاق اسم الخالق على الخالق الحق ذي الحول والقوة والقدرة والإحاطة والإبداء والإعادة ، وعلى الخالق من الخلق المقدر بغير إحاطة علم ولا تأصيل حول ولا قدرة ، ولا إتمام إبداء لاحظ من إعادة أنه لا خالق إلا الله كما أنه لا معيد لما بدأ إلا الله ، وأن ليس إطلاق هذا الاسم على الخلق مبدأ فتنته التي يضل بها من يشاء ويهدي من يشاء ، وتحقيق أفراد الخلق لله فيما ظهر على أيدي أهل الملك والملكوت وإحاطة جبروته بما ظهر وما بطن من أعمالهم وصنائعهم ، هو أول مجمع من مجامع التوحيد ، وهو أساس لإيمان أمة محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، حيث فرض عليهم في الفاتحة( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) فهم خير أمة أخرجت للناس حيث أخلصوا الدين لله ، ولموقع الشرك فيه كان القدرية مجوس هذه الأمة.

ولما كان الخالق الحق هو من أتقن التقدير والبريء وإن كان أغلب الخلق لقصورهم لا يفهمون منه إلا مطلق التقدير كما قال شاعرهم :

ولأنت تفري ما خلقت

وبعض القوم يخلق ثم لا يفري

أردفه تنبيها على ذلك وتصريحا وتأكيدا قوله :( الْبارِئُ ) أي الذي يدقق بما وقع به التقدير ويقطعه ويصلحه لقبول الصورة على أتم حال ، فإن كان من المحيط العلم كان تمام التهيؤ للصورة على كمال المشيئة فيها ، وإن كان ممن لا يحيط علما طرأ له في البرء من النقص عن التمام ما لا يمكن معه حصول المقصود في الصورة ، ولا يكاد يقع الإحسان للخلق في مصوراتهم إلا وفاقا لا يعلمون كنهه ولا يثقون بحصوله.

ولما كان من يهيىء الأمور للتصوير قد لا يتقنه قال :( الْمُصَوِّرُ ) فإن التصوير إتمام تفصيل الخلق الظاهر وإكمال تخطيطه وإحكام أعضائه وهو حد ما انتهى إليه الخلق في الظهور ، وليس وراء ظهور الصور كون إلا لطائف تطويرها في إسنان كمالها بعد بعثها بإحيائها بما لها من الروح المقوم لها سواء كان حيوانيا أو غيره إلى غاية كما لها الذي يعطيه المصور لها إفضالا ومزيدا ويظهره إبداعا ، ويتضح الفرق جدا بين الأسماء الثلاثة بالبناء فإنه يحتاج أولا إلى مقدر يقدر ما لا بد منه من الحجر واللبن والخشب والحديد ومساحة الأرض وعدد الأبنية وطولها وعرضها ، وهذا يتولاه المهندس فيرسمه وهو الخلق ثم يحتاج إلى حجار ينحت الحجارة ويهيئها لتصلح لمواضعها التي تكون

٥٤٣

فيها من الأبواب وأوساط الجدر وأطرافها وزواياها غير ذلك ، وكذا الخشاب والحداد في الخشب والحديد وهو البرىء ثم يأخذ الكل البناء فيضعها مواضعها إلى أن تقوم صورتها التي رسمها المهندس أولا وقدرها ، ولا تقوم الصورة بالحق إلا إذا كانت محكمة بحسب الطاقة كما أن البناء يضع الحجارة أولا ثم يجعل الخشب فوقها لا بالاتفاق بل بالحكمة ، ولو قلب ذلك لم تثبت الصورة ولم يكن لها الاسم إلا على أقل وجوه الضعف فكل من كان أحكم كان تصويره أعظم ، ولذلك لا مصور في الحقيقة إلا الله الخالق البارىء المصور سبحانه ، قال الرازي في اللوامع : والتصوير موجود في كل أجزاء العالم وإن صغر حتى في الذرة والنملة بل في كل عضو من أعضاء النملة ، بل الكلام يطول في طبقات العين وعددها وهيئاتها وشكلها ومقاديرها وألوانها ، ووجه الحكمة فيها ، فمن لم يعرف صورتها لم يعرف مصورها إلا بالاسم المجمل ، وهكذا القول في كل صورة لكل حيوان ونبات بل لكل جزء من نبات وحيوان.

ولما علم من هذا أنه لا بد أن يكون المصور بالغ الحكمة ، أردفه بقوله تعالى :( لَهُ ) أي خاصة لا لغيره( الْأَسْماءُ الْحُسْنى ) أي من الحكيم وغيره ممن لا يتم التصوير إلا به ولا تدركونه أنتم حق إدراكه.

ولما أخبر سبحانه أول السورة أن الكائنات أوجدت تسبيحه خضوعا لعزته وحكمته ، ودل على ذلك بما تقدم إلى أن أسمعه الآذان الواعية بالأسماء الحسنى ، دل على دوام اتصافه بذلك من يحتاج لما له من النقص من الخلق إلى التذكير فعبر بالمضارع فقال :( يُسَبِّحُ ) أي يكرر التنزيه الأعظم من كل شائبة نقص على سبيل التجدد والاستمرار( لَهُ ) أي على وجه التخصيص بما أفهمه قصر المتعدي وتعديته باللام( ما فِي السَّماواتِ ) ولما كان هذا المنزه الذي استجلى التنزيه من الأسماء الحسنى قد أشرقت أنفاسه ولطفت أقطاره وأغراسه حتى صار علويا فرأى الأرض عالية كالسماء لما شاركتها به في الدلالة على تمام كماله فجعلها معها لأنه لا يحتاج إلى تأكيد كالشيء الواحد بإسقاط «ما» وألصقها بها إلاحة إلى ذلك فقال :( وَالْأَرْضِ ) فمن تأمل الوجود مجملا ومفصلا ، علم تسبيح ذلك كله بنعوت الكمال وأوصاف الجلال والجمال( وَهُوَ ) أي والحال أنه وحده( الْعَزِيزُ ) أي الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء ولا يوجد له مثل ، ويعز الوصول إليه ويشتد الحاجة إليه.

ولما كان من يكون بهذه الصفة لا يتم أمره ويثبت كل ما يريده إلا إن كان على قانون الحكمة قال :( الْحَكِيمُ ) من الحكمة وهي إتقان الحكم وإنهاؤها إلى جد لا يمكن نقضه ، والحكم قال الحرالي : المنع عما يترامى إليه المحكوم إيالة عليه وحمله

٥٤٤

على ما يمتنع منه نظرا له ، ففي ظاهره الجهد وفي باطنه الرفق ، وفي عاجله الكره ، وفي آجله الرضى والروح ، فموقعه في الأبدان المداواة «تداووا عباد الله فإن الذي أنزل الداء أنزل الدواء »(١) ، وموقعه في الأديان التزام الأحكام والصبر والمصابرة على مجاهدة الأعمال وجهاد الأعداء ظاهرا من عدو الدين والبغي وباطنا من عدو النفس (أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك) ومن بعض الأهل والولد عدو ، والشيطان عدو يجري من ابن آدم مجرى الدم( إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ) [فاطر : ٦] فالحمل على جميع أنواع الصبر والمصابرة ظاهرا بالإيالة العالية هو الحكم والعلم بالأمر الذي لأجله وجب الحكم من قوام أمر عاجلته وحسن العقبى في آجلته من الحكمة ، فالحكم مباح التعليم للناس عامة بل واجب أن يتعلم كل امرىء من الأحكام ما يخصه ، وأن ينتدب طائفة لعلم ما يعم جميع الناس( فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ) [التوبة : ١٢٢] والحكمة التي هي العلم بما لأجله وجب الحكم من مشروطه التعليم بالتزكية( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) [الجمعة : ٢] فما يعلمهم الحكمة إلا بعد التزكية فمن تزكى فهو من أهلها ومن يترك فليس من أهلها ، فالحكمة تحلي مرارة جهد العمل بالأحكام فييسر بها ما يعسر دونها ، والحكم ضيق الأمر للنفس كما أن السجن ضيق الخلق للبدن ، والحكمة توطد محمل ضيق الحكم لأنها تخرج وتؤول إلى سعة الواسع ، ولا يتم الحكم وتستوي الحكمة إلا بحسب سعة العلم. ولما لم يكن للخلق من العلم إلا بقدر ما يهبهم الله لم يكن لهم من الحكمة إلا مقدار ما يورثهم( وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ ) [لقمان : ١٢] ولما كان إنما العلم عند الله كان إنما الحكمة حكمة الله وإنما الحكم حكم الله ، فهو الحكيم الذي لا حكيم إلا هو ـ انتهى. وقد علم سر اتباع الأسماء الشريفة من غير عطف ، وذاك أنه لما ابتدأ ب «هو» وأخبر عنه بالاسم العلم الأعظم المفرد المصون الجامع لجميع معاني الأسماء الحسنى ، أتبعه تلك الأوصاف العلى من غير عطف إعلاما بأنه لا شيء منها يؤدي جميع معناه بالمفهوم المتعارف عند أهل اللغة ، ولذلك جمع بعدها الأسماء إشارة إلى أنه لا يجمع معناه إلا جميع الأوصاف المنزلة في كتبه والمأخوذة عن أوليائه التي استأثر بها في غيبه وليس شيء مما ذكر ههنا مضادا في المعنى الظاهري للآخر كالأول والآخر حتى يظن لأجله

__________________

(١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد ٢٩١ وأبو داود ٣٨٥ والترمذي ٢٠٣٨ وابن ماجه ٢٤٣٦ وابن حبان ٦٠٦١ والحاكم ٤ / ٤٠٠ والطيالسي ١٢٣٢ وأحمد ٤ / ٢٧٨ من حديث أسامة بن شريك. قال البوصيري في الزوائد : إسناده صحيح.

٥٤٥

نقص في المعنى بسبب ترك العطف ، وأما ترتيبها هكذا فلأن كل اسم منها كما مضى شارح لما خفي من الذي قبله ومبين للازمه ، وموضح لما ألاح أنه من مضمونه ، وقد انعطف على افتتاحها وختامها وعانق ابتداؤها تمامها ، ووفى مطلعها مقطعها ، وزاد وبلغ الغاية من الإرشاد إلى سبيل الرشاد ، فسبحان من أنزله برحمته رحمة للعباد ، وهاديا إلى الصواب والسداد.

٥٤٦

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة الممتحنة

مدنية ـ آياتها ثلاث عشر

مقصودها براءة من أقر بالإيمان ممن اتسم بالعدوان دلالة على صحة مدعاه كما أن الكفار تبرؤوا من المؤمنين وكذبوا بما جاءهم من الحق لئلا يكونوا على باطلهم أحرص من المؤمنين على حقهم ، وتسميتها بالممتحنة أوضح شيء فيها وأدله على ذلك لأن الصهر أعظم الوصل ، وأشرفها بعد الدين ، فإذا نفى ومنع دل على أعظم المقاطعة لدلالته على الامتهان بسبب الكفران الذي هو أقبح العصيان( بِسْمِ اللهِ ) الكافي من لجأ إليه فمن تولاه أغناه عمن سواه( الرَّحْمنِ ) الذي عم بنعمة الإيجاد من فلق عن وجوده العدم وبراه وشمل ، برحمته البيان من حاطه بالعقل ورعاه( الرَّحِيمِ ) الذي خص بالتوفيق من أحبه وارتضاه.

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١) )

ولما كان التأديب عقب الإنعام جديرا بالقبول ، وكان قد أجرى سبحانه سنته الإلهية بذلك ، فأدب عباده المؤمنين عقب سورة الفتح السببي بسورة الحجرات ، وكانت سورة الحشر مذكرة بالنعمة في فتح بني النضير ومعلمة بأنه لا ولي إلا الله ، ولذلك ختمها بصفتي العزة والحكمة بعد أن افتتحها بهما ، وثبت أن من الحكمة حشر الخلق ، وأن أولياء الله هم المفلحون ، وأن أعادءه هم الخاسرون ، وكان الحب في الله والبغض في الله أفضل الأعمال وأوثق عرى الإيمان ، ولذلك ذم سبحانه من والى أعداءه وناصرهم ، وسماهم مع التكلم بكلمة الإسلام منافقين ، أنتج ذلك قطعا وجوب البراءة من أعدائه والإقبال على خدمته وولائه ، فقال معيدا للتأديب عقب سورة الفتح على أهل

٥٤٧

الكتاب بسورة جامعة تتعلق بالفتح الأعظم والفتح السببي :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) مناديا بأداة العبد وإن كان من نزلت بسببه من أهل القرب ، ومعبرا بالماضي إقامة لمن والى الكفار نوع موالاة في ذلك المحل إلهابا له وتهييجا إلى الترفع عنه لئلا يقدح في خصوصيته ويحط من عليّ رتبته مع اللطف به بالتسمية له بالإيمان حيث شهد سبحانه على من فعل نحو فعله مع بني النضير بالنفاق وأحله محل أهل الشقاق ، فحكم على القلوب في الموضعين فقال هناك :( الَّذِينَ نافَقُوا ) كما قال هنا :( الَّذِينَ آمَنُوا ) .

ولما كان قد تقدم في المجادلة النهي الشديد عن إظهار مطلق الموادة للكفار ، وفي الحشر الزجر العظيم عن إبطان ذلك فتكفلت السورتان بالمنع من مصاحبة ودهم ظاهرا أو باطنا ، بكت هنا من اتصف بالإيمان وقرعه ووبخه على السعي في موادتهم والتكلف لتحصيلها ، فإن ذلك قادح في اعتقاد تفرده سبحانه بالعزة والحكمة ، فعبر لذلك بصيغة الافتعال فقال بعد التبكيت بالنداء بأداة البعد والتعبير بأدنى أسنان الإيمان :( لا تَتَّخِذُوا ) وزاد في ذلك المعنى من وجهين : التعبير بما منه العداوة تجرئة عليهم وتنفيرا منهم والتوحيد لما يطلق على الجمع لئلا يظن أن المنهي عنه المجموع بقيد الاجتماع والإشارة إلى أنهم في العداوة على قلب واحد ، فأهل الحق أولى بأن يكونوا كذلك في الولاية فقال :( عَدُوِّي ) أي وأنتم تدعون موالاتي ومن المشهور أن مصادق العدو أدنى مصادقة لا يكون وليا فيكف بما هو فوق الأدنى وهو فعول من عدى ، وأبلغ في الإيقاظ بقوله :( وَعَدُوَّكُمْ ) أي العريق في عداوتكم ما دمتم على مخالفته في الدين.

ولما وحد لأجل ما تقدم من الإشارة إلى اتحاد الكلمة ، بين أن المراد الجمع فقال :( أَوْلِياءَ ) ثم استأنف بيان هذا الاتحاد بقوله مشيرا إلى غاية الإسراع والمبادرة إلى ذلك بالتعبير بقوله :( تُلْقُونَ ) أي جميع ما هو في حوزتكم مما لا تطمعون فيه إلقاء الشيء الثقيل من علو( إِلَيْهِمْ ) على بعدهم منكم حسا ومعنى( بِالْمَوَدَّةِ ) أي بسببها. ولما توقع السامع التصريح بمضادتهم في الوصف الذي ناداهم به بعد التلويح إليه ، ملهيا ومهيجا إلى عداوتهم بالتذكير بمخالفهم إياه في الاعتقاد المستلزم لاستصغارهم لأنه أشد المخالفة( وَقَدْ ) أي هو الحال أنهم قد( كَفَرُوا ) أي غطوا جميع ما لكم من الأدلة( بِما ) أي بسبب ما( جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِ ) أي الأمر الثابت الكامل في الثبات الذي لا شيء أعظم ثباتا منه ، ثم استأنف بيان كفرهم بما يبعد من مطلق موادتهم فضلا عن السعي فيها بقوله مذكرا لهم بالحال الماضية زيادة في التنفير منهم ومصورا لها بما يدل على الإصرار بأنهم( يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ ) أي الكامل في الرسلية الذي يجب على كل

٥٤٨

أحد عداوة من عاداه أدنى عداوة ولو كان أقرب الناس فكيف إذا كان عدوا ، وبين أن المخاطب من أول السورة من المهاجرين وأن إيراده على وجه الجمع للسير والتعميم في النهي بقوله :( وَإِيَّاكُمْ ) أي من دياركم من مكة المشرفة.

ولما بين كفرهم ، معبرا بالمضارع إشارة إلى دوام أذاهم لمن آمن المقتضي لخروجه عن وطنه ، علل الإخراج بما يحقق معنى الكفر والجداوة فقال :( أَنْ ) أي أخرجوكم من أوطانكم لأجل أن( تُؤْمِنُوا ) أي توقعوا حقيقة الإيمان مع التجديد والاستمرار.

ولما كان الإيمان به سبحانه مستحقا من وجهي الذات والوصف لفت الخطاب من التكلم إلى الغيبة للتنبيه عليهما فقال :( بِاللهِ ) أي الذي اختص بجميع صفات الكمال ، ولما عبر بما أبان أنه مستحق للإيمان لذاته أردفه بما يقتضي وجوب ذلك لإحسانه فقال :( رَبِّكُمْ ) ولما ألهبهم على مباينتهم لهم بما فعلوا معهم وانقضى ما أريد من التنبيه بسياق الغيبة عاد إلى التكلم لأنه أشد تحببا وأعظم استعطافا وأكمل على الرضا فألهبهم بما كان من جانبهم من ذلك الفعل أن لا يضيعوه ، فقال معلما إن ولايته سبحانه لا تصح إلا بالإيمان ، ولا يثبت الإيمان إلا بدلائله من الأعمال ، ولا تصح الأعمال إلا بالإخلاص ، ولا يكون الإخلاص إلا بمباينه الأعداء :( إِنْ كُنْتُمْ ) أي كونا راسخا حين أخرجوكم من أوطانكم لأجل إيمانكم بي( خَرَجْتُمْ ) أي منها وهي أحب البلاد إليكم( جِهاداً ) أي لأجل الجهاد( فِي سَبِيلِي ) أي بسبب إرادتكم تسهيل طريقي التي شرعتها لعبادي أن يسلكوها( وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي ) أي ولأجل تطلبكم بأعظم الرغبة لرضاي ولكل فعل يكون موضعا له ، وجواب هذا الشرط محذوف لدلالة( لا تَتَّخِذُوا ) عليه.

ولما فرغ من بيان حال العدو وشرط إخلاص الولي ، وكان التقدير : فلا تتخذوهم أولياء ، بنى عليه قوله مبينا( تُلْقُونَ ) إعلاما بأن الإسرار إلى أحد بما فيه نفعه لا يكون إلا توددا :( تُسِرُّونَ ) أي توجدون إسرار جميع ما يدل على مناصحتهم والتودد إليهم ، وأشار إلى بعدهم عنهم بقوله :( إِلَيْهِمْ ) إبلاغا في التوبيخ بالإشارة إلى أنهم يتجشمون في ذلك مستفتين إبلاغ الأخبار التي يريد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو المؤيد بالوحي كتمها عنهم على وجه الإسرار خوف الافتضاح والإبلاغ إلى المكان البعيد( بِالْمَوَدَّةِ ) أي بسببها أو بسبب الإعلام بأخبار يراد بها أو يلزم منها المودة. ولما كان المراد بالإسرار الستر على من يكره ذلك ، قال مبكتا لمن يفعله :( وَأَنَا ) أي والحال أني( أَعْلَمُ ) أي من كل أحد من نفس الفاعل( بِما أَخْفَيْتُمْ ) أي من ذلك( وَما أَعْلَنْتُمْ ) فأيّ فائدة لإسراركم إن كنتم تعلمون أني عالم به ، وإن كنتم تتوهمون أني لا أعلمه فهي القاصمة.

٥٤٩

ولما كان التقدير بما هدى إليه العاطف : فمن فعل منكم فقد ظن أني لا أعلم الغيب أو فعل ما يقتضي ظن ذلك ، عطف عليه قوله :( وَمَنْ يَفْعَلْهُ ) أي يوجد الاتخاذ سرا أو علنا أو يوجد الإسرار بالمودة فالإعلان أولى في وقت من الأوقات ماض أو حال أو استقبال. ولما كان المحب قد يفعل بسبب الإدلال ما يستحق به التبكيت ، فإذا بكت ظن أن ذلك ليس على حقيقته لأن محبته لا يضرها شيء ، وكان قد ستر المعايب بأن أخرج الكلام مخرج العموم ، صرح بأن هذا العتاب مراد به الإحباب فقال :( مِنْكُمْ ) وحقق الأمر وقربه بقوله :( فَقَدْ ضَلَ ) أي عمي ومال وأخطأ( سَواءَ السَّبِيلِ ) أي قويم الطريق الواسع الموسع إلى القصد قويمه وعدله ، وسبب نزول هذه الآية روي من وجوه كثيرة فبعضه في الصحيح عن علي ومنه في الطبراني عن أنس ومنه في التفاسير «أن سارة مولاة أبي عمرو بن صيفي بن هاشم بن عبد مناف أتت المدينة ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يتجهز لفتح مكة فسألها ما أقدمها ، فقالت : ذهبت موالي وقد احتجت حاجة شديدة ، وكنتم الأهل والعشيرة والموالي ، فحث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بني عبد المطلب وبني المطلب فأعطوها وكسوها وحملوها ، فكتب معها حاطب بن أبي بلتعة حليف بني أسد بن عبد العزى من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يريدكم فخذوا حذركم ، فأعطاها عشرة دنانير ، فنزل جبريلعليه‌السلام بالخبر فبعث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم عمر وعليا وعمارا والزبير وطلحة والمقداد وأبا مرثد وكانوا كلهم فرسانا فقال :انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب من حاطب إلى المشركين ، فخذوه منها وخلوا سبيلها ، وإن لم تدفعه إليكم فاضربوا عنقها . فانطلقوا تعادي بهم خيلهم ، فأدركوها في ذلك المكان فأنكرت وحلفت بالله ، ففتشوها فلم يجدوه فهموا بالرجوع ، فقال علي رضي الله عنه : ما كذبنا ولا كذبنا ، وسل سيفه فقال : أخرجي الكتاب أو لألقين الثياب ولأضربن عنقك ، فقالت : على أن لا تردوني ، ثم أخرجته من عقاصها قد لفت عليه شعرها ، فخلوا سبيلها ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لحاطب : هل تعرف الكتاب ، قال : نعم ، قال : فما حملك على هذا؟ قال : لا تعجل يا رسول الله ، والله ما كفرت منذ أسلمت ولا غششت منذ نصحتك ولا أحببتهم منذ فارقتهم ، ولكن لم يكن أحد من المهاجرين إلا وله بمكة من يدفع الله به عن عشيرته ، وكنت غريبا خليفا فيهم ، وكان أهلي بين ظهرانيهم فأردت أن أتخذ عندهم يدا يدفع الله بها عن أهلي ، وقد علمت أن الله تعالى ينزل بهم بأسه ، وأن كتابي لا يغني عنهم شيئا ، فقال لهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : صدق ولا تقولوا له إلا خيرا ، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم :وما يدريك يا عمر لعل الله اطلع على أهل بدر

٥٥٠

فقال :اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ، ففاضت عينا عمر رضي الله عنه وقال : الله ورسوله أعلم ، فأنزل الله( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ» ) (١) الآيات.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : افتتحت ـ يعني هذه السورة ـ بوصية المؤمنين على ترك موالاة أعدائهم ونهيهم عن ذلك وأمرهم بالتبرؤ منهم ، وهو المعنى الوارد في قوله خاتمة المجادلة( لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ ) إلى آخر السورة ، وقد حصل منها أن أسنى أحوال أهل الإيمان وأعلى مناصبهم( أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ) [المجادلة : ٢٢] فوصى عباده في افتتاح الممتحنة بالتنزه عن موالاة الأعداء ووعظهم بقصة إبراهيم عليه الصلاة والسّلام والذين معه في تبرئهم من قومهم ومعاداتهم ، والاتصال في هذا بين ، وكأن سورة الحشر وردت مورد الاعتراض المقصود بها تمهيد الكلام وتنبيه السامع على ما به تمام الفائدة لما ذكر أن شأن المؤمنين أنهم لا يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا أقرب الناس إليهم ، اعترض بتنزيهه عن مرتكباتهم ، ثم أتبع ذلك ما عجله لهم من النقمة والنكال ، ثم عاد الأمر إلى النهي عن موالاة الأعداء جملة له ، ثم لما كان أول سورة الممتحنة إنما نزل في حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه وكتابه لكفار قريش بمكة ، والقصة مشهورة وكفار مكة ليسوا من يهود ، وطلبوا المعاداة للجميع واحد ، فلهذا فضل بما هو من تمام الإخبار بحال يهود ، وحينئذ عاد الكلام إلى الوصية عن نظائرهم من الكفار المعاندين ، والتحمت السور الثلاث وكثر في سورة الممتحنة تزداد الوصايا والعهود ، وطلب بذلك كله ولهذا المناسبة ذكر فيها الحكم في بيعة النساء وما يشترط عليهن في ذلك ، فمبنى السورة على طلب الوفاء افتتاحا واختتاما حسب ما بين في التفسير لينزه المؤمن عن حال من قدم ذكره في سورة الحشر وفي خاتمة سورة المجادلة ـ انتهى.

( إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣) )

ولما كان ما بينه تعالى من إخراجهم لهم موضحا بعداوتهم وكان طول كفهم عن قصدهم بالأذى من سنة الأحزاب سنة خمس إلى سنة ثمان ربما شكك في أمرها ، وكان

__________________

(١) أخرجه البخاري ٣٠٠٧ ومسلم ٢٤٩٤ وأبو داود ٢٦٥٠ والترمذي ٣٣٠٥ وأحمد ١ / ٧٩ من حديث علي.

٥٥١

سبحانه قد أعز المؤمنين بعد ذلهم وقواهم بعد وهنهم وضعفهم ، وثقفهم بعد جهلهم ، بين ظلال معتقد ذلك بأن كف الكفار إنما هو لعجزهم وأنهم لو حصل لهم ما هو للمسلمين الآن من القوة لبادروا إلى إظهار العداوة مع أن ذلك في نصر الشيطان ، فأولياء الرحمان أولى باتباع ما آتاهم من الإيمان ، فقال مبينا لبقاء عداوتهم :( إِنْ يَثْقَفُوكُمْ ) أي يجدوكم في وقت من الأوقات ومكان من الأماكن وهم يطمعون في أخذكم بكونهم أقوى منكم أو أعرف بشيء مما يتوصل به إلى الغلبة ، وأشار بأداة الشك إلى أن وجدانهم وهم على صفة الثقافة مما لا تحقق له ، وإنما هو على سبيل الفرض والتقدير ، وأنه إنما علم سبحانه أنه لو كان كيف كان يكون ، مع أنه مما لا يكون ، ونبه على عراقتهم في العداوة بالتعبير بالكون فقال :( يَكُونُوا لَكُمْ ) أي خاصة( أَعْداءً ) أي يعدون إلى أذاكم كل عدو يمكنهم وإن واددتموهم. ولما كانت العداوة قد تكون بإغراء الغير ، عرف أنهم لشدة غيظهم لا يقتصرون على ذلك فقال :( وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ ) أي خاصة وإن كان هناك في ذلك الوقت من غيركم من قتل أعز الناس إليهم( أَيْدِيَهُمْ ) أي بالضرب إن استطاعوا( وَأَلْسِنَتَهُمْ ) أي بالشتم مضمومة إلى فعل أيديهم فعل من ضاق صدره بما نجرع من آخر من غيركم من القصص حتى أوجب له غاية السعة( بِالسُّوءِ ) أي بكل ما من شأنه أن يسوء.

ولما كان أعدى الأعداء لك من تمنى أن يفوتك أعز الأشياء لديك ، وكان أعز الأشياء عند كل أحد دينه ، قال متمما للبيان :( وَوَدُّوا ) أي وقعت منهم هذه الودادة قبل هذا لأن مصيبة الدين أعظم فهم إليها أسرع لأن دأب العدو القصد إلى أعظم ضرر يراه لعدوه ، وعبر بما يفهم التمني الذي يكون في المحالات ليكون المعنى أنهم أحبوا ذلك غاية الحب وتمنوه ، وفيه بشرى بأنه من قبيل المحال( لَوْ تَكْفُرُونَ ) أي يقع منكم الكفر الموجب للهلاك الدائم ، وقدم الأول لأنه أبين في العداوة وإن كان الثاني أنكأ.

ولما كانت عداوتهم معروفة وإنما غطاها محبة القرابات لأن الحب للشيء يعمي ويصم ، فخطأ رأيهم في موالاتهم بما أعلمهم به من حالاتهم ، زهد فيها مما يرجع إلى حال من والوهم لأجلهم بما تورثه من الشقاء الدائم يوم البعث ، فقال مستأنفا إعلاما بأنها خطأ على كل حال :( لَنْ تَنْفَعَكُمْ ) أي بوجه من الوجوه( أَرْحامُكُمْ ) أي قراباتكم الحاملة لكم على رحمتهم والعطف عليهم( وَلا أَوْلادُكُمْ ) الذين هم أخص أرحامكم إن واليتم أعداء الله لأجلهم فينبغي أن لا تعدوا قربهم منكم بوجه أصلا ، ثم علل ذلك وبينه بقوله :( يَوْمَ الْقِيامَةِ ) أي القيام الأعظم.

ولما كان النافي للنفع وقوع الفصل لا كونه من فاصل معين قال بانيا للمفعول

٥٥٢

على قراءة أبي عمرو ونافع وابن كثير وأبي جعفر وابن عامر من أكثر طرقه إلا أنه شدد الصاد للمبالغة في الفصل :( يَفْصِلُ ) أي يوقع الفصل وهو الفرقة العظيمة بانقطاع جميع الأسباب( بَيْنَكُمْ ) أي أيها الناس فيدخل من شاء من أهل طاعته الجنة ، ومن شاء من أهل معصيته النار ، فلا ينفع أحد أحدا منكم بشيء من الأشياء إلا إن كان قد أتى الله بقلب سليم فيأذن الله في إكرامه بذلك.

ولما كان التقدير إعلاما بأن الله هو الفاصل وهو الضار النافع بما دلت عليه قراءة الباقين إلا أن حمزة والكسائي بضم الياء وفتح الفاء وكسر الصاد مشددة إشارة إلى عظمة هذا الفصل بخروجه عن المألوف عودا إلى الاسم الأعظم إشارة إلى عظم الأمر بانتشار الخلائق وأعمالهم : فالله على ذلك قدير ، عطف عليه قوله :( وَاللهُ ) أي الذي له الإحاطة التامة( بِما تَعْمَلُونَ ) أي من كل عمل في كل وقت( بَصِيرٌ ) فيجازيكم عليه في الدنيا والآخرة ، وقد مضى غير مرة أن تقديم الجار في مثل هذا للتنبه على مزيد الاعتناء بعلم ذلك لا على الاختصاص ولا لأجل الفواصل.

( قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤) رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥) )

ولما أبلغ سبحانه في وعظهم في ذلك ، وكانت عادته التربية بالماضين ، كان موضع توقع ذلك فقال معبرا بأداة التوقع :( قَدْ كانَتْ ) أي وجدت وجودا تاما ، وكان تأنيث الفعل إشارة إلى الرضا بها ولو كانت على أدنى الوجوه( لَكُمْ ) أي أيها المؤمنون( أُسْوَةٌ ) أي موضع اقتداء وتأسية وتسنن وتشرع وطريقة مرضية( حَسَنَةٌ ) يرغب فيها( فِي إِبْراهِيمَ ) أي في قول أبي الأنبياء( وَالَّذِينَ مَعَهُ ) أي ممن كانوا قبله من الأنبياء ، قال القشيري : وممن آمن به في زمانه كابن أخيه لوط عليهما الصلاة والسّلام وهم قدوة أهل الجهاد والهجرة( إِذْ ) أي حين( قالُوا ) وقد كان من آمن به أقل منكم وأضعف( لِقَوْمِهِمْ ) الكفرة ، وقد كانوا أكثر من عدوكم وأقوى وكان لهم فيهم أرحام وقرابات ولهم فيهم رجاء بالقيام والمحاولات.

ولما كان ما ذكر من ضعفهم وقوة قومهم مبعدا لأن يبارزوهم ، أكدوا قولهم فقالوا :( إِنَّا ) أي من غير وقفة ولا شك( بُرَآؤُا ) أي متبرئون تبرئة عظيمة( مِنْكُمْ )

٥٥٣

وإن كنتم أقرب الناس إلينا ولا ناصر لنا منهم غيركم. ولما تبرؤوا منهم أتبعوه ما هو أعظم عندهم منهم وهو سبب العداوة فقالوا :( وَمِمَّا تَعْبُدُونَ ) أي توجدون عبادته في وقت من الأوقات الماضية المفيد التعبير عنها بالمضارع تصوير الحال أو الحاضرة أو الآتية كائنا من كان لا نخاف شيئا من ذلك لأن إلهنا الذي قاطعنا كل شيء في الانقطاع إليه لا يقاويه شيء ، ولا تقدرون أنتم مع إشراككم به على البراءة منه.

ولما كانوا مشركين قالوا مستثنين ومبينين لسفول كل شيء عن متعالي مرتبة معبودهم :( مِنْ دُونِ اللهِ ) أي الملك الأعظم الذي هو كاف لكل مسلم. ولما كانت البراءة على أنحاء كثيرة ، بينوا أنها براءة الدين الجامعة لكل براءة فقالوا :( كَفَرْنا بِكُمْ ) أي أوجدنا الستر لكل ما ينبغي ستره حال كوننا مكذبين بكل ما يكون من جهتكم من دين وغيره الذي يلزم منه الإيمان ، وهو إيقاع الأمان من التكذيب لمن يخبرنا بسبب كل ما يضاده مصدقين بذلك. ولما كان المؤمن على جبلة مضادة لجبلة الكافر ، عبر بما يفهم أن العداوة كانت موجودة ولكنها كانت مستورة ، فقال دالا على قوتها بتذكير الفعل :( وَبَدا ) أي ظهر ظهورا عظما ، وعلى عظمتها بالدلالة بنزع الخافض على أنها شاحنة لجميع البينين فقال :( بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ ) أي في جمع الحد الفاصل بين كل واحد منا وكل واحد منكم( الْعَداوَةُ ) وهي المباينة في الأفعال بأن يعدو كل على الآخر ولا يكون ذلك إلا عند ما يستخف الغيظ الإنسان لإرادة أن يشفي صدره من شدة ما حصل له من حرارة الخنق. فالعداوة مما يمتد فيكون مالئة لظرفها ، قال الشيخ سعد الدين التفتازاني في تلويحه على توضيح صدر الشريعة في أوائله في علاقات المجاز : الفعل المنسوب إلى ظرف الزمان بواسطة تقدير «في» دون ذكره يقتضي كون الظرف معيارا له غير زائد عليه مثل صمت الشهر ، يدل على صوم جميع أيامه بخلاف صمت في الشهر ، فإذا امتد الفعل الظرف ليكون معيارا له فيصح حمل اليوم ـ في نحو صرت يوم كذا ـ على حقيقته ، وهو ما يمتد من الطلوع إلى الغروب ، وإذا لم يمتد الفعل ـ يعني مثل وقوع الطلاق ـ لم يمتد الظرف ، لأن الممتد لا يكون معيارا لغير الممتد فحينئذ لا يصح حمل اليوم على النهار الممتد بل يجب أن يكون مجازا عن جزء من الزمان الذي لا يعتبر في الغرف ممتدا ، وهو الآن سواء كان من النهار أو من الليل بدليل قوله تعالى :( وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ ) [الأنفال : ١٦] فإن التولي عن الزحف حرام ليلا كان أو نهارا ولأن مطلق الآن جزء من الآن اليومي وهو جزء من اليوم ، فيكون مطلق الآن جزءا من اليوم ، فتحقق العلاقة.

ولما كان ذلك قد يكون لغير البغض بل لتأديب ونحوه قالوا :( وَالْبَغْضاءُ ) أي

٥٥٤

وهي المباينة بالقلوب بالبغض العظيم. ولما كان ذلك قد يكون سريع الزوال قالوا :( أَبَداً ) ولما كان ذلك مرئيا من صلاح الحال ، وكان قد يكون لحظ نفس بينوا غايته على وجه عرفت به علته بقولهم :( حَتَّى تُؤْمِنُوا ) أي توقعوا الأمان من التكذيب لمن أمركم بالإيمان وأخبركم عن الرحمان ، حال كونكم مصدقين ومعترفين( بِاللهِ ) أي الملك الذي له الكمال كله. ولما كانوا يؤمنون به مع الإشراك قالوا :( وَحْدَهُ ) أي تكونوا مكذبين بكل ما يعبد من دونه.

ولما حث سبحانه المخاطبين على التأسي بقول إبراهيم ومن معه في ذلك الوقتعليهم‌السلام استثنى منه فقال تأنيسا لمن نزلت القصة بسببه واستعطافا له وهو حاطب ابن أبي بلتعة رضي الله عنه :( إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ ) أي فلا تأسي لكم به( لِأَبِيهِ ) واعدا له قبل أن يبين له أنه ثابت العداوة لله تعالى لكونه مطبوعا على قلبه ، فلا صلاح له ، يقال : إن أباه وعده أنه يؤمن فاستغفر له ، فلما تبين له ، أنه لا يؤمن تبرأ منه :( لَأَسْتَغْفِرَنَ ) أي لأوجدن طلب الغفران من الله( لَكَ ) فإن هذا الاستغفار لكافر ، فلا ينبغي لهم أن يتأسوا به فيه مطلقا غير ناظرين إلى علم أنه مطبوع على قلبه أو في حيز الرجوع.

ولما وعده بالاستغفار ترغيبا له ، رهبه لئلا يترك السعي في النجاة بما معناه أنه ليس في يدي غير الاستغفار ، فقال :( وَما أَمْلِكُ لَكَ ) أي لكونك كافرا( مِنَ اللهِ ) أي لأنه الملك الأعلى المحيط بنعوت الجلال ، وأعرق في النفي بقوله :( مِنْ شَيْءٍ ) والاستثناء وقع على هذا القول بقيد الاجتماع ، ولا يلزم منه التعرض للأجزاء ، فلا تكون هذه الجملة على حيالها مستثناة لأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لما نادى : واصباحاه حين أنزل الله سبحانه وتعالى( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) كان يقول لكل من سماه : لا أملك لك من الله شيئا ، حتى قال في آخر ذلك : يا فاطمة بنت محمد! سليني من مالي ما شئت لا أغن عنك من الله شيئا(١) .

ولما حثهم على التأسي بقول الخلص ، وقدم منه المحافاة لأنها المقصودة ، واستثنى ما لا ينبغي التأسي فيه اعتراضا به بين أجزاء مقالهم بيانا للاهتمام به للتنفير منه من قوله ، أتم ما يؤيسي فيه فقال مبينا أنهم ما أقدموا على مجافاتهم بما قال إلا وقد قرروا جميع ما يقولونه ورضوا به دون موادتهم وانقطعوا إلى الله وحده انقطاعا تاما يفعل بهم ما يشاء من تسليطهم عليهم أو حمايتهم منهم ، لكنهم سألوا الحماية لا لذاتها ولا لأنفسهم بل لئلا يزيد ذلك أعداءهم ضلالا( رَبَّنا ) أي أيها المحسن إلينا بتخليصك لنا

__________________

(١) تقدم عند آية وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ.

٥٥٥

من الهلاك باتباعهم( عَلَيْكَ ) أي لا على غيرك( تَوَكَّلْنا ) أي فعلنا في جميع أمورنا معك فعل من يحملها على قوى ليكفيه أمرها لأنا نعلم أنك تكفي إذا شئت كل ملم ، وأنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت وقد عادينا فيك قوما عتاة أقوياء ونحن ضعفاء ، ورضينا بكل ما يحصل لنا منهم غير أن عافيتك هي أوسع لنا.

ولما كان الذي ينبغي لكل أحد وإن كان محسنا أن يعد نفسه مقصرا شاردا عن ربه لأنه لعظم جلاله لا يقدر أحد أن يقدره حق قدره ، وأن يعزم على الاجتهاد في العبادة قالوا مخبرين بذلك عادين ذلك العزم رجوعا :( وَإِلَيْكَ ) أي وحدك لا إلى غيرك( أَنَبْنا ) أي رجعنا بجميع ظواهرنا وبواطننا. ولما كان المعنى تعليلا : فإنه منك المبدأ ، عطف عليه قوله :( وَإِلَيْكَ ) أي وحدك( الْمَصِيرُ ) ولما أخبروا بإسلامهم له سبحانه وعللوه بما اقتضى الإحاطة فاقتضى مجموع ذلك الثناء الأتم ، فلزم منه الطلب ، صرحوا به فقالوا داعين بإسقاط الأداة للدلالة على غاية قربه سبحانه بما له من الإحاطة :( رَبَّنا ) أي أيها المربي لنا والمحسن إلينا( لا تَجْعَلْنا ) بإضعافنا والتسليط علينا( فِتْنَةً ) أي موضع اختبار( لِلَّذِينَ كَفَرُوا ) بأن يعذبونا بعذاب يميلنا عما نحن عليه ويميلهم عما وصلوا إليه بسبب إسلامنا من الزلازل بما يوجب ذلك لهم من اعتقاد لو أنك كنت راضيا بديننا لكنا على الحق وكانوا هم على الباطل ما أمكنت منا ، فيزيدهم ذلك طغيانا ظنا منهم أنهم على الحق وأنا على الباطل.

ولما كان رأس مال المسلم الأعظم الاعتراف بالتقصير وإن بلغ النهاية في المجاهدة فإن الإله في غاية العظمة والعبد في نهاية الضعف ، فبلوغه ما يحق له سبحانه لا يمكن بوجه قالوا( وَاغْفِرْ لَنا ) أي استر ما عجزنا فيه وامح عينه وأثره. ولما طلبوا منه الحياطة من جميع الجوانب ، عللوه زيادة في التضرع والخضوع واستجاز المطلوب مكررين صفة الإحسان زيادة في الترقق والاستعطاف بقولهم :( رَبَّنا ) أي المحسن إلينا ، وأكدوا إعلاما بشدة رغبتهم بحسن الثناء عليه سبحانه واعترافا بأنهم قد يفعلون ما فيه شيء من تقصير فيكون من مثل أفعال من لا يعرفه سبحانه فقالوا :( إِنَّكَ أَنْتَ ) أي وحدك لا غيرك( الْعَزِيزُ ) الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء( الْحَكِيمُ ) الذي يضع الأشياء في أوفق محالها فلا يستطاع نقضها ، ومن كان كذلك فهو حقيق بأن يعطى من أمله فوق ما طلب.

( لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦) عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللهُ قَدِيرٌ وَاللهُ غَفُورٌ

٥٥٦

رَحِيمٌ (٧) لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) )

ولما أتم ما حثهم على التأسي فيه بذكر أعظم آبائهم لأن دواعي الإنسان إلى المداراة عما يخاف عليه من أقاربه وآله وجميع أحواله عظيمة جدا إن كان المدارأ عظيما لا سيما إن كان قد تقدم له صداقة وبه ألفة ، فكان جديرا بعد الوعظ والتأسية أن يبقى عنده بقايا ولا سيما والناس متفاوتون ، منهم من يرده أيسر وعظ ومنهم من يحتاج إلى أكثر من ذلك ، أعاد التأسية تأكيدا لها على وجه بلغ الذروة من جمال الترغيب وجلال الترهيب ، وليكون فيها أتم دلالة على أن ما بينهما من قول إبراهيمعليه‌السلام المأمور بالتأسي به من الدعاء وغيره إلا ما استثنى لتشتد الرغبة فيه ، فقال مصدرا بما دل على القسم إشارة إلى أن من فعل غير هذا كان فعل فعل منكر لحسن هذا التأسي ، ولذلك ذكر الفعل الذي أنثه في الأول :( لَقَدْ كانَ لَكُمْ ) أي أيها الذين ادعوا الإيمان ، وقدم الظرف بيانا للاهتمام به فقال :( فِيهِمْ ) أي إبراهيمعليه‌السلام ومن معه( أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) وأبدل من( لَكُمْ ) ما هو الفيصل في الدلالة على الباطل ، فقال مشيرا إلى أن من لم يتأس بهم في هذا لم يكن راجيا لما ذكر :( لِمَنْ كانَ ) أي جبل على أنه( يَرْجُوا اللهَ ) أي الملك المحيط بجميع صفات الكمال فهو ذو الجلال الذي يجير ولا يجار عليه ، والإكرام الذي هو جدير بأن يعطى جميع ما يسأله( وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ) الذي يحاسب على النقير والقطمير ، ولا تخفى عليه خافية ، فمن لم يتأس بهم كان تركه للتأسي دليلا على سوء عقيدته ، فلا يلومن إلا نفسه ، فقد أذن لإمام المسلمين إن عثر عليه في عقوبته ، فإن علم الغيب الذي أعلمناه نبيناصلى‌الله‌عليه‌وسلم بأن حاطبا رضي الله عنه صحيح العقيدة غير متأهل للعقوبة منقطع بموتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ولا يبقى إلا ما نصبناه من الشعائر ، وأقمناه من الدلائل.

ولما كان التقدير : فمن أقبل عى هذا التأسي لكونه يرجو الله واليوم الآخر فلم يخلد إلى الدنيا ، يتوله الله فإن الله رحيم ودود ، عطف عليه قوله :( وَمَنْ يَتَوَلَ ) أي يوقع الإعراض عن أوامر الله تعالى في وقت من الأوقات مطلقا لكونه أخلد إلى الدنيا ولم ير اليوم الآخرة أعرض الله عنه ، وأشار بصيغة التفعل إلى أن ذلك لا يقع إلا بمعالجة الفطرة الأولى ، وأكد لأن فاعل ذلك كالمنكر لمضمون الكلام فقال :( فَإِنَّ اللهَ ) أي الذي له الإحاطة الكاملة( هُوَ ) أي خاصة( الْغَنِيُ ) أي عن كل شيء( الْحَمِيدُ ) أي الذي له الحمد المحيط لإحاطته بأوصاف الكمال في حال الطاعة له والمعصية فإن العاصي عبد لإرادته ، كما أن المطيع عبد لآمره وإرادته ولطفه ، فلا يخرج شيء عن مراده ، وكل شيء خاضع لحكمه ، وقد بينت الآية أدب العشرة لما ألهبت

٥٥٧

وهيجت على المفارقة للعصاة والتبرء منهم حسا ومعنى ، وإظهار ذلك لهم قولا وفعلا ، إلى أن تحصل التوبة ، ومن لم يفعل ذلك كان شريكا في الفعل فيكون شريكا في الجزاء كما ورد ، ثم لا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وجليسه ، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض ، ولعنهم على ألسنة الأنبياء ، ومن فعل ما أمره الله به كان فعله جديرا بأن يكون سبب الوصله والقرب والمودة ، فالآية من الاحتباك : ذكر الرجاء أولا دليلا على ضده ثانيا ، والتولي ثانيا دليلا على ضده أولا ، وسره أنه ذكر سبب السعادة ترغيبا وسبب الشقاوة ترهيبا.

ولما أتم وعظهم بما هو الأنفع والأقرب إلى صلاحهم ففعلوا ، وكان ذلك شاقا لما جبل عليه البشر من حب ذوي الأرحام والعطف عليهم ، فتشوفت النفوس إلى تخفيف بنوع من الأنواع ، أتبعه الترجئة فيما قصده حاطب رضي الله عنه بغير الطريق الذي يتوصل به فقال على عادة الملوك في الرمز إلى ما يريدونه فيقنع الموعود به بل يكون ذلك الرمز عنده أعظم من البت من غيرهم لما لهم من العظمة التي تقتضي النزاهة عما يلم بشائبة نقص ، وذلك أعظم في الإيمان بالغيب لأن الوعود لا تزال بين خوف ورجاء جوابا لمن كأنه كان يقول : كيف يكون الخلاص من مثل هذه الواقعة وقد بنيت يا رب هذه الدار على حكمة الأسباب :( عَسَى اللهُ ) أي أنتم جديرون بأن تطمعوا في الملك المحيط بكل شيء قدرة وعلما( أَنْ يَجْعَلَ ) بأسباب لا تعلمونها( بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ ) أي في جميع الحد الفاصل بين المجموعين أو بين كل شخصين من الجمعين( الَّذِينَ عادَيْتُمْ ) أي بالمخالفة في الدين( مِنْهُمْ ) أي من هؤلاء الذين عادوكم بما تقدم بأعيانهم من أهل مكة( مَوَدَّةً ) وقد جعل ذلك عام الفتح تحقيقا لما رجاه سبحانه ، وأجرى سنته الإلهية بأن من عاديته فيه جعل عاقبة ذلك إلى ولاية عظيمة ، ومن تهاونت في مقاطعته فيه سبحانه أقامه لك ضدا.

ولما كان التقدير : فالله بكم رفيق ، عطف عليه تذكيرا لهم بما له سبحانه من العظمة قوله( وَاللهُ ) أي الذي له الإحاطة بالكمال :( قَدِيرٌ ) أي بالغ القدرة على كل ما يريده فهو يقدر على تقليب القلوب وتيسير العسير ، فلما تم الرجاء لم يبق إلا كدر الذنب فأتبعه تطييبا للقلوب مما نزلت هذه الآيات بسببه قوله :( وَاللهُ ) أي الذي له جميع صفات الكمال( غَفُورٌ ) أي محاء لأعيان الذنوب وآثارها( رَحِيمٌ ) يكرم الخاطئين إذا أراد بالتوبة ثم بالجزاء غاية الإكرام ، قال الرازي في اللوامع : كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم استعمل أبا سفيان رضي الله عنه على بعض اليمن ، فلما قبض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أقبل فلقي ذا الحجار مرتدا فقاتله ، فكان أول من قاتل على الردة ، فتلك المودة بعد المعاداة.

٥٥٨

ولما تم الوعظ والتأسية وتطبيب النفوس بالترجئة ، وكان وصف الكفار بالإخراج لهم من ديارهم يحتمل أن يكون بالقوة فيعم ، ويحتمل أن يكون بالفعل فيخص أهل مكة أو من باشر الأذى الذي تسبب عنه الخروج منهم ، بين ذلك بقوله مؤذنا بالإشارة إلى الاقتصاد في الولاية والعداوة كما قالصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما. وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما (١) .( لا يَنْهاكُمُ اللهُ ) أي الذي اختص بالجلال والإكرام( عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ ) أي بالفعل( فِي الدِّينِ ) أي بحيث تكونون مظروفين له ليس شيئا من أحوالهم خارجا عنه ، فأخرج ذلك القتال بسبب حق دنيوي لا تعلق له بالدين ، وأخرج من لم يقاتل أصلا كخزاعة والنساء ، ومن ذلك أهل الذمة بل الإحسان إليهم من محاسن الأخلاق ومعالي الشيم لأنهم جيران.

ولما كان الذين لم يقاتلوا لذلك ربما كانوا قد ساعدوا على الإخراج قال :( وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ ) وقيد بقوله :( مِنْ دِيارِكُمْ ) ولما كان قد وسع لهم سبحانه بالتعميم في إزالة النهي خص بقوله مبدلا من «الدين» :( أَنْ ) أي لا ينهاكم عن أن( تَبَرُّوهُمْ ) بنوع من أنواع البر الظاهرة فإن ذلك غير صريح في قصد المواددة( وَتُقْسِطُوا ) أي تعدلوا العدل الذي هو في غاية الاتزان بأن تزيلوا القسط الذي هو الجور ، وبين أن المعنى :

موصلين لذلك الإقساط( إِلَيْهِمْ ) إشارة إلى أن فعل الإقساط( إِلَيْهِمْ ) إشارة إلى أن فعل الإقساط ضمن الاتصال ، وإلى أن ذلك لا يضرهم وإن تكفلوا الإرسال إليهم من البعد بما أذن لهم فيه فإن ذلك من الرفق والله يحب الرفق في جميع الأمور ويعطي عليه ما لا يعطي على الخرق ، ثم علل ذلك بقوله مؤكدا دفعا لظن من يرى أذى الكفار بكل طريق ،( إِنَّ اللهَ ) أي الذي له الكمال كله( يُحِبُ ) أي يفعل فعل المحب مع( الْمُقْسِطِينَ ) أي الذين يزيلون الجور ويوقعون العدل.

( إِنَّما يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠) )

__________________

(١) أخرجه الترمذي ١٩٩٧ عن حديث أبي هريرة وقال : هذا حديث غريب والصحيح على علي موقوف.

ـ وأخرجه الطبراني في الأوسط كما في المجمع ٨ / ١٦٧ من حديث ابن عمر ، وقال الهيثمي : فيه جميل بن زيد ، وهو ضعيف.

٥٥٩

ولما علم الحال من هذا ومما في أول السورة ، أتبعه التصريح بما أفاده مجموعا أحسن جمع مصورا أحسن تصوير فقال تعالى :( إِنَّما يَنْهاكُمُ اللهُ ) أي الذي له الإحاطة الكاملة علما وقدرة( عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ ) متعمدين لقتالكم كائنين( فِي الدِّينِ ) ليس شيء من ذلك خارجا عنه ، لتكون العداوة في الله( وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ) أي بأنفسهم لبغضكم( وَظاهَرُوا ) أي عاونوا غيرهم( عَلى إِخْراجِكُمْ ) ولما تناول هذا المقصودين صريحا ، وكان النهي الذي موضعه الأفعال قد علق بأعيانهم تأكيدا له ، عرف بالمقصود بقوله :( أَنْ ) أي إنما ينهاكم عن المذكورين في أن( تَوَلَّوْهُمْ ) أي تكلفوا فطركم الأولى أن تفعلوا معهم جميع ما يفعله القريب الحميم الشفيق فتصرحوا بأنهم أولياؤكم وتناصروهم ولو كان ذلك على أدنى الوجوه ـ بما أشار إليه إسقاط التاء.

ولما كان التقدير : فمن أطاع فأولئك هم المفلحون ، عطف عليه قوله :( وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ ) أي يكلف نفسه الحمل على غير ما يدعو إليه الفطرة الأولى من المنابذة ، وأطلق ولم يقيد ب «منكم» ليعم المهاجرين وغيرهم والمؤمنين وغيرهم :( فَأُولئِكَ ) أي الذين أبعدوا عن العدل( هُمُ ) أي خاصة لا غيرهم العريقون في أنهم( الظَّالِمُونَ ) أي العريقون في إيقاع الأشياء في غير مواضعها كمن يمشي في مأخذ الاشتقاق بسبب هذا التولي.

ولما كان نزول هذه الآيات الماضية في الفتح الأعظم حين قصد النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم سنة ثمان المسير بجنود الله إلى مكة المشرفة ـ شرفها الله تعالى ـ لدخولها عليهم بالسيف حين نقضوا بقتالهم لخزاعة الذين كانوا قد تحيزوا إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فكانوا في عقده وعهده في صلح الحديبية الذي كان سنة ست على وضع الحرب بينهم وبين النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ومن دخل في عقده ، وكان من ذلك الصلح أن من جاء إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم من قريش ومن دخل في صلحهم رده إليهم وإن كان مسلما ، ومن جاءهم ممن كان مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يردوه إليه بحيث قام من ذلك وقعد كثير من الصحابة رضي الله عنهم من أعظمهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه حتى سكنه الصديق رضي الله تعالى عنه بما وقر في صدره من الحكم ، ورد إليهمصلى‌الله‌عليه‌وسلم أبا بصير رضي الله عنه ، وكان رده إليهم للوفاء بالعهد بسبب التصديق لقولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم «أما من جاءنا منهم فرددناه إليهم فسيجعل الله له فرجا ومخرجا»(١) وقصته في ذلك كله مشهورة ، وكانت «من» من صيغ العموم ، وكانت دلالة العام قطعية

__________________

(١) أخرجه البخاري ٢٧١١ و ٢٧١٢ و ٢٧٣١ و ٢٧٣٢ وأحمد ٤ / ٣٢٨ وابن حبان ٤٨٧٢ من حديث المسور بن مخرمة ، ومروان بن الحكم في خبر صلح الحديبية المطول ، وهذا طرحه.

٥٦٠