نظم الدّرر الجزء ٧

نظم الدّرر0%

نظم الدّرر مؤلف:
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 631

نظم الدّرر

مؤلف: برهان الدين البقاعي
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
تصنيف:

الصفحات: 631
المشاهدات: 145
تحميل: 18


توضيحات:

بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 631 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 145 / تحميل: 18
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 7

مؤلف:
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
العربية

في الحكم على الأفراد ظنية ـ كما قال الشافعي رضي الله تعالى عنه ـ في الدلالة على الجزئي من تلك الأفراد بخصوصه حيث لا قرينة لأن تلك الصيغ ترد تارة على عمومها وتارة يراد بها بعض الأفراد فتكون من العام الذي أريد به الخصوص ، وتارة يقع فيها التخصيص ، فتكون من العام الذي أريد به الخصوص فطرقها الاحتمال فاحتاج ما دلت عليه من الظاهر إلى قرينة ، وكان دخول النساء تحت لفظ «من» في صلح الحديبية أما عربا عن القرينة أو أن القرينة القتال الذي وقع الصلح عليه بسببه صارفة عنه ، وكذا قرينة التعبير عنهن ب «ما» دون «من» في كثير من الكتاب العزيز( فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ ) [النساء : ٢٢]( وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ) [النساء : ٢٤]( وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ ) [النساء : ٢٤]( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَ ) [النساء : ٢٤] فما( مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ ) [النساء : ٢٥]( إِلَّا عَلى ) أزواجكم( أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ ) [المؤمنون : ٦] ، وكان قد ختم سبحانه هذه الآيات التي أدب بها في غزوة الفتح بما أبان به ما لا يخرج عن الصلح في عمرة الحديبية مما هو أقرب إلى الخير من البر والعدل ، ونهى عن تولي الكفار ، فكانت المصاهرة والمناكحة من أعظم التولي ، وصل بذلك ما لا يخرج عنه ولا يحل بالعهد في أن من جاء من الكفار إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم رده إليهم وإن كان مسلما ، فقال مخاطبا لأدنى أسنان أهل الإيمان الذين يحتاجون إلى التفهيم ، وأما من هو أعلى منهم فهو عالم بذلك مؤتمر به بما آتاه الله من الفهم وأنار به قلبه الشريف من فنون العلم ليكوفوا النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم مقدمات البيعة منه لهن :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) أي أقروا بالإيمان ـ وهو إيقاع الأمان من التكذيب ـ لمن يخبرهم ما ينبغي التصديق به بسبب تصديقهم بالله سبحانه وتعالى.

ولما كان في علمه سبحانه وتعالى أنه يأتيهم نساء يهربن بدينهن إلى الله ، بشرهم بذلك بالتعبير بأداة التحقيق فقال :( إِذا ) أي صدقوا ما ادعيتموه من الإيمان بأنه في أي زمان( جاءَكُمُ ) ولما كان لا يهجر داره وعشيرته لا سيما إن كانوا أقارب بسبب كفرهم إلا من رسخ في الإيمان ذكرا كان أو أنثى قال :( الْمُؤْمِناتُ ) أي النساء اللاتي صار وصف الإيمان لهن صفة راسخة بدلالة الهجرة عليه :( مُهاجِراتٍ ) للكفار ولأرضهم( فَامْتَحِنُوهُنَ ) أي اختبروهن تأكيدا لما دلت عليه الهجرة من الإيمان بالتحليف بأنهن ما خرجن لحدث أحدثته ولا بغضا في زوج ولا رغبة في عشير ولا خرجن إلا حبا لله ورسوله ورغبة في دين الإسلام ، قال الإمام شهاب الدين ابن النقيب في الهداية من مختصره للكفاية لفقيه المذهب نجم الدين أحمد بن الرفعة في شرح التنبيه : واختلف

٥٦١

قول الشافعيرحمه‌الله تعالى : هل كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم شرط لقريش في الصلح رد النساء ففي قول : لم يشترطه بل أطلق رد من جاءه فتوهموا تناول النساء ، وكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم عالما بعدم دخولهن ، فأطلق ذلك حذيفة يعني ومن شرعه أن الحرب خدعة ، وفي قوله : شملهن الشرط ، لكن هل شرطه صريحا أم دخلن في الإطلاق فيه وجهان أظهرهما الثاني ، وهل كان شرطهن جائزا فيه وجهان : أحدهما نعم ثم نسخ ، وهل ناسخه الآية المذكورة أم منع النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم من الرد فيه وجهان مبنيان على أنه هل يجوز نسخ السنة بالقرآن وفيه قولان للشافعيرحمه‌الله تعالى ، ومختاره منهما المنع وهو الجديد ، وكذا لا يجوز عنده وعند أصحابه نسخ الكتاب بالسنة وإن كانت متواترة ـ انتهى. ومعناه أنه لم يقع فإن وقع نسخها بالقرآن كان معه سنة ، وإن وقع نسخه بالسنة كان معها قرآن ، وهو معنى قول ابن السبكي في جمع الجوامع : قال الشافعي رضي الله عنه : وحيث وقع بالسنة فمعها قرآن أو بالقرآن فمعه سنة عاضدة تبين توافق الكتاب والسنة.

ولما كان الاختبار ربما دل إيمانهن لا يعلم إلا به ، نفى ذلك بقوله مستأنفا في جواب من يقول : أليس الله بعالم بذلك ، ومفيدا أن علمكم الذي تصلون إليه بالامتحان ليس بعلم ، وإنما سماه به إيذانا بأن الظن الغالب في حقكم بالاجتهاد والقياس قائم مقام العلم يخرج من عهدة( وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) [الإسراء : ٣٦] :( اللهُ ) المحيط بكل شيء قدرة وعلما( أَعْلَمُ ) أي منكم ومنهن بأنفسهن( بِإِيمانِهِنَ ) هل هو كائن أو لا على وجه الرسوخ أو لا ، فإنه محيط بما غاب كإحاطته بما شهد ، وإنما وكل الأمر إليكم في ذلك سترا للناس ولئلا تكون شهادته لأحد بالإيمان والكفران موصلة إلى عين اليقين فيخرج عن مبنى هذه الدار ، قال القشيري : وفي الجملة الامتحان طريق إلى المعرفة ، وجواهر النفس تتبين بالتجربة ، ومن أقدم على شيء من غير تجربة يجني كأس الندم ، قال :( فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَ ) أي العلم المتمكن لكم وهو الظن المؤكد بالأمارات الظاهرة بالحلف وغيره( مُؤْمِناتٍ ) أي مخلصات في الهجرة لأجل الإيمان ، والتعبير بذلك للإيذان بمزيد الاحتياط.

ولما ذكر هذا الامتحان بين أنه علة لحمايتهن والدفع عنهن فأتبعه مسببه فقال :( فَلا تَرْجِعُوهُنَ ) أي بوجه من الوجوه( إِلَى الْكُفَّارِ ) وإن كانوا أزواجا ، ومن الدليل على أن هذا ظاهر في المراد وأن القرائن موضحة له أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لما أبى أن يرد إليهم من جاءه من النساء لم يعب أحد من الكفار ذلك ، ولا نسب إلى عهدهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ وحاشاه ـ خللا ، ولو لا أن ذلك كذلك لملؤوا الأرض تشغيبا كما فعلوا في سرية عبد الله بن جحش رضي الله عنه إلى نخله التي نزل بسببها( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ ) [البقرة :

٥٦٢

٢١٧] الآيات على أن الأخبار الصحيحة وغيرها ناطقة بأن هذه الآية نزلت في الحديبية قبل أن ينفصل الأمر غاية الانفصال ويستقر ، روى البخاري في المغازي من صحيحه والبغوي من طريقه وهذا لفظه عن المروان والمسور بن مخرمة عن أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قالوا : كاتب سهيل بن عمرو فكان مما اشترط على النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه لا يأتيك أحد منا وإن كان على دينك إلا رددته إلينا ، فكاتبه النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم على ذلك ، فرد يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهل بن عمرو ، ولم يأته أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة وإن كان مسلما ، وجاءت المؤمنات مهاجرات ، وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وهي عاتق فجاء أهلها إلى المدينة يسألون النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يرجعها إليهم فلم يرجعها إليهم كما أنزل الله فيهن( إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَ ) (١) وقال البغوي : قال ابن عباس رضي الله عنهما : أقبل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم معتمرا حتى إذا كان بالحديبية صالحه مشركو مكة على أن من أتاه من أهل مكة رده إليهم فجاءت سبيعة بنت الحارث مسلمة بعد الفراغ من الكتاب ، فأقبل زوجها ، وكان كافر ، فقال : يا محمد! اردد عليّ امرأتي فإنك قد شرطت أن ترد علينا من أتاك منا ، وهذه طينة الكتاب لم تجف ، فأنزل الله تعالى( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَ ) (٢) وقال ابن عباس رضي الله عنهما : امتحانها أن تستحلف أنها ما هاجرت لبغض زوج ولا عشقا لرجل من المسلمين ولا رغبة عن أرض ولا لحدث أحدثته ولا التماس الدنيا وما خرجت إلا رغبة في الإسلام وحبا لله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فاستحلفها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم على ذلك فحلفت فلم يردها وأعطى زوجها ما أنفق عليها ، فزوجها عمر رضي الله عنه ، وكانصلى‌الله‌عليه‌وسلم يرد من جاءه من الرجال ويحبس من جاءه من النساء بعد الامتحان ، ويعطي أزواجهن مهورهن ، ودعوى النسخ ليست بشيء إلا تؤول بأنه لما كان من العام الذي أريد به الخصوص أن بعض ما تناوله ظاهر اللفظ من الحكم مرفوع ، وذلك بأن الله لا يأمر بإخلاف الوعد فكيف بنقض العهد. ولما نهى عن رد المهاجرات إلى المشركين وعبر بالكفار تعميما ، علل ذلك بقوله مقدما حكمهن تشريفا لهن لهجرتهن :( لا هُنَ ) أي الأزواج( حِلٌ ) أي موضع حل ثابت( لَهُمْ ) أي للكفار باستمتاع ولا غيره. ولما كان نفي الحل الثابت غير مانع من تجدد حل الرجال لهن ولو على تقدير من التقادير وفرض من الفروض ، قال معيدا لذلك ومؤكدا لقطع العلاقة من

__________________

(١) أخرجه البخاري ٤١٨٠ و ٤١٨١ من حديث مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة وانظر تخريجه في المتقدم.

(٢) ذكره الواحدي في أسبابه ص ٣١٧ و ٣١٨ عن ابن عباس بلا سند.

٥٦٣

كل جانب :( وَلا هُمْ ) أي رجال الكفار( يَحِلُّونَ ) أي يتجدد في وقت من الأوقات أن يحلوا( لَهُنَ ) أي للمؤمنات حتى لو تصور أن يكون رجالهن نساء وهن ذكورا ما حلوا لهن بخلاف أهل الكتاب ، كذا تنفك الملازمة في مسألة المظاهرة والإيلاء فيحل للمرأة أن تستمتع به إذا كان نائما مثلا ، وأما هو فيحرم عليه ذلك قبل التكفير ، وقال البيضاوي : الأولى لحصول الفرقة ، والثانية للمنع من الاستئناف ـ انتهى. فنفت هذه الجملة الفعلية من وجه تجدد الحل للنساء فأفهمت الجملتان عدم الحرج فيما كان قبل ذلك تطييبا لقلوب المؤمنات.

ولما نهى عن الرد وعلله ، أمر بما قدم من الإقساط إليهم فقال :( وَآتُوهُمْ ) أي الأزواج( ما أَنْفَقُوا ) أي عليهن من المهور فإن المهر في نظير أصل العشرة ودوامها وقد فوتتها المهاجرة فلا يجمع عليه خسران الزوجية والمالية ، وأما الكسوة والنفقة فإنها لما يتجدد من الزمان.

ولما جزم بتأييد منعهن عن الكفار ، أباحهن للمسلمين فقال على وجه الرفق واللطف :( وَلا جُناحَ ) أي ميل وحرج( عَلَيْكُمْ ) أيها المشرفون بالخطاب( أَنْ تَنْكِحُوهُنَ ) أي تجددوا زواجكم بهن بعد الاستبراء وإن كان أزواجهن من الكفار لم يطلقوهن لزوال العلق منهم عنهن ولأن الإسلام فرق بينهم فإنه لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا. ولما كان قد أمر برد مهور الكفار ، فكان ربما ظن أنه مغن عن تجديد مهر لهن إذا نكحهن المسلم نفى ذلك بقوله :( إِذا آتَيْتُمُوهُنَ ) أي لأجل النكاح( أُجُورَهُنَ ) ولما قطع ما بين الكفار والمسلمات مع الإعراض عن الكفار لعصيانهم قطع ما بين المؤمنين والكافرات مع الإقبال عليهم لطاعتهم رفعا لشأنهم فقال :( وَلا ) ولما كان إمساك المرأة مع عداوتها لمخالفتها في الدين دليلا على غاية الرغبة فيها ، دل على ذلك إشارة إلى التوبيخ بالتضعيف في قراءة البصريين فقال :( تُمْسِكُوا ) أي بعدم التصريح في الطلاق( بِعِصَمِ الْكَوافِرِ ) جمع عصمة وهي ما يديم علقة النكاح( وَسْئَلُوا ) أي أيها المؤمنون الذين ذهبت أزواجهم إلى الكفار( ما أَنْفَقْتُمْ ) أي من مهور نسائكم اللاتي اعتصمن عنكم بهم أو فررن إليهم. ولما أمر برد مهور المؤمنين إلى الكفار وأذن للمؤمنين في المطالبة بمهور أزواجهم ، أذن للكفار في مثل ذلك إيقاعا للقسط بين عباده مسلمهم وكافرهم معبرا بالأمر مع الغيبة إعراضا عنهم إعلاما بشدة كراهته سبحانه للظلم وأنه يستوي فيه الكافر مع عداوته بالمؤمن مع ولايته :( وَلْيَسْئَلُوا ) أي الكفار( ما أَنْفَقُوا ) أي من مهور أزواجهم اللاتي أسلمن واعتصمن بكم عنهم ، وهل هذا الحكم باق ، قال قوم : نعم ، وقال عطاء ومجاهد وقتادة : نسخ فلا يعطي الكفار شيئا ولو شرطنا الإعطاء.

٥٦٤

ولما كان هذا حكما عدلا لا يفعله مع عدوه ووليه إلا حكيم ، قال مشيرا إلى مدحه ترغيبا فيه بميم الجمع إلى العموم :( ذلِكُمْ ) أي الحكم الذي ذكر في هذه الآيات البعيدة بعلو الرتبة عن كل سفه( حُكْمُ اللهِ ) أي الملك الذي له صفات الكمال ، فلا ينبغي لشائبة نقص أن يلحقه.

ولما كان هذا مما يفرح به ويغنم عند تقدير فواته ، قال مستأنفا مبشرا بإدامة تجديد أمثاله لهم :( يَحْكُمُ ) أي الله أو حكمه على سبيل المبالغة ، ودل على استغراق الحكم لجميع ما يعرض بين العباد وأنه سبحانه لم يهمل شيئا منه بإعراء الجار من قوله :( بَيْنَكُمْ ) أي في هذا الوقت وفي غيره على هذا المنهاج البديع ، وذلك لأجل الهدنة التي وقعت بين النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وبينهم ، وأما قبل الحديبية فكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم يمسك النساء ولا يرد الصداق.

ولما كان التقدير : فالله حكم عدل ، قال :( وَاللهُ ) أي الذي له الإحاطة التامة( عَلِيمٌ ) أي بالغ العلم لا يخفى عليه شيء( حَكِيمٌ ) أي فهو لتمام علمه يحكم كل أموره غاية الإحكام فلا يستطيع أحد نقض شيء منها.

( وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ (١٣) )

ولما كان المظنون بالكفار عدم العدل فلا يعطون المؤمنين مهور نسائهم الكافرات ، قال مداويا لذلك الداء :( وَإِنْ فاتَكُمْ ) أي بالانفلات منكم بعد الهجرة أو بإدامة الإقامة في بلاد الحرب( شَيْءٌ ) أي قل أو كثر( مِنْ أَزْواجِكُمْ ) أي من أنفسهن أو مهورهن( إِلَى ) أي متحيزا أو واصلا إلى( الْكُفَّارِ ) فعجزتم عنه( فَعاقَبْتُمْ ) أي تمكنتم من المعاقبة بأن فات الكفار شيء من أزواجهم بالهجرة إليكم أو اغتنمتم من أزواج الكفار فجاءت نوبة ظفركم بأداء المهر إلى إخوانكم طاعة وعدلا عقب نوبتهم التي اقتطعوا فيها ما أنفقتم عصيانا وظلما( فَآتُوا ) أي فأحضروا وأعطوا من مهر المهاجرة( الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ ) أي منكم إن اختاروا الأخذ( مِثْلَ ما أَنْفَقُوا ) على

٥٦٥

الكافرة الفائتة إلى الكفار مما غنمتم من أموالهم أو بأن تدفعوا إليهم مثل مهر أزواجهم مما كنتم تعطونه لأزواج المهاجرات ، فيكون ذلك جزاء وقصاصا لما فعل الكفار.

ولما كان التجزي في مثل ذلك عسرا على النفس فإن المهور تتفاوت تارة وتتساوى تارة أخرى وتارة تكون نقودا وتارة تكون عروضا إلى غير ذلك من الأحوال مع أن المعامل عدو في الدين فلا يحمل على العدل فيه إلا خالص التقوى قال :( وَاتَّقُوا ) أي في الإعطاء والمنع وغير ذلك( اللهَ ) الذي له صفات الكمال وقد أمركم بالتخلق بصفاته على قدر ما تطيقون ، ثم وصفه بما يؤكد صعوبة الأمر ويحث على العدل فقال ملهبا لهم كل الإلهاب هازا لهم بالوصف بالرسوخ في الإيمان :( الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ ) أي خاصة( مُؤْمِنُونَ ) أي متمكنون في رتبة الإيمان.

ولما خاطب سبحانه المؤمنين الذي لهم موضع الذب والحماية والنصرة بما وطن به المؤمنات في دار الهجرة فوقع الامتحان وعرف الإيمان ، أمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بعد الحكم بإيمانهن بمبايعتهن فقال( يا أَيُّهَا النَّبِيُ ) مخاطبا له بالوصف المقتضي للعلم ، ودل على تحقق كون ما يخبر به من مجيئهن بأداة التحقيق علما من أعلام النبوة فقال :( إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ ) جعل إقبالهن عليهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لا سيما مع الهجرة مصححا لإطلاق الوصف عليهن( يُبايِعْنَكَ ) أي كل واحدة منهن تبايع( عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ ) أي يوقعن الإشراك لأحد من الموجودات في وقت من الأوقات( بِاللهِ ) أي الملك الذي لا كفوء له( شَيْئاً ) أي من إشراك على الإطلاق.

ولما كان الشرك بذل حق الملك لمن لا يستحقه ، أتبعه أخذ مال المالك بغير حق لاقتضاء الحال لذلك بتمكن المرأة من اختلاس مال الزوج وعسر تحفظه منها فقال :( وَلا يَسْرِقْنَ ) أي يأخذن مال الغير بغير استحقاق في خفية ، وأتبع ذلك بذل حق الغير لغير أهله فقال :( وَلا يَزْنِينَ ) أي يمكن أحدا من وطئهن بغير عقد صحيح. ولما كان الزنى قد يكون سببا في إيجاد أو إعدام نسمة بغير حقها ، أتبعه إعدام نسمة بغير حقه فقال :( وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَ ) أي بالوأد كما تقدم في النحل وسواء في ذلك كونه من زنى أو لا.

ولما ذكر إعدام نسمة بغير حق ولا وجه شرعي أتبعه ما يشمل إيجاد نسمة بغير حل ، فقال مقبحا له على سبيل الكناية عنه بالبهتان وما معه بالتصوير له بلوازمه وآثاره لأن استحضار القبيح وتصوير صورته أزجر عنه فقال :( وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ ) أي ولد من غير الزوج يبهت من الحاقة به حيرة في نفيه عنه( يَفْتَرِينَهُ ) أي يتعمدن كذبه ، وحقق المراد به وصوره بقوله :( بَيْنَ أَيْدِيهِنَ ) أي بالحمل في البطون( وَأَرْجُلِهِنَ ) أي

٥٦٦

بالوضع من الفروج ولأن عادة الولد مع أنه يسقط بين أيدي أمه ورجليها أنه يمشي أمامها ، وهذا شامل لما كان من شبهة أو لقطة.

ولما حقق هذه الكبائر العظيمة تعظيما لأمرها لعسر الاحتراز منها ، وأكد النهي عن الزنى مطابقة وإلزاما لما يجر إليه من الشرور القتل فما دونه ، وغلظ أمر النسب لما يتفرع عليه من إيقاع الشبهات وانتهاك الحرمات ، عم في النهي فقال :( وَلا يَعْصِينَكَ ) أي على حال من الأحوال( فِي مَعْرُوفٍ ) أي فرد كان منه صغيرا كان أو كبيرا ، وفي ذكره مع العلم بأنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لا يأمر إلا به إشعار بأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، وقدم المنهيات على المأمورات المستفادة من المعروف لأن التخلي عن الرذائل مقدم على التخلي بالفضائل لأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح :( فَبايِعْهُنَ ) أي التزم لهن بما وعدت على ذلك من إعطاء الثواب لمن وفت منهن في نظير ما ألزمن أنفسهن من الطاعة. ولما كان الإنسان محل النقصان لا سيما النسوان رجاهن سبحانه بقوله :( وَاسْتَغْفِرْ ) أي اسأل( لَهُنَّ اللهَ ) أي الملك الأعظم ذا الجلال والإكرام في الغفران إن وقع منهن تقصير وهو واقع لأنه لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره.

ولما كانت عظمته سبحانه مانعة لعظيم الهيبة من سؤاله ما طمع به ، علله بقوله معيدا الاسم الأعظم لئلا يظن بإضماره وتقيده بحيثية الهجرة من النساء ونحو ذلك مؤكدا لما طبع الآدمي عليه من أنه لا يكاد يترك المسيء من عقاب أو عتاب فضلا عن التفضل بزيادة الإكرام :( إِنَّ اللهَ ) أي الذي له صفات الجلال والإكرام فلو أن الناس لا يذنبون لجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم لتظهر صفة إكرامه( غَفُورٌ ) أي بالغ الستر للذنوب عينا وأثرا( رَحِيمٌ ) أي بالغ الإكرام بعد الغفران فضلا منه وإحسانا ، وقد حقق سبحانه ذلك وصدق ، ومن أصدق من الله قيلا ، فأقبل النساء للبيعة عامة ثاني يوم الفتح على الصفا بعد فراغهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من بيعة الرجال فنزلت هذه الآية وهو على الصفا فقام عمر بن الخطاب رضي الله أسفل منه يبايعهن بأمره ويبلغهن عنه وهند بنت عتبة متنقبة متنكرة مع النساء خوفا من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يعرفها ، فلما ذكر الشرك قالت : والله إنك لتأخذ علينا أمرا ما رأيناك أخذته على الرجال ، وبايع الرجال يومئذ على الإسلام والجهاد ، فقال( وَلا يَسْرِقْنَ ) فقالت : إن أبا سفيان رجل شحيح وإني أصيب من ماله هنات فلا أدري أيحل لي أم لا؟ فقال أبو سفيان : ما أصبت من شيء فيما مضى وفيما غبر فهو لك حلال ، فضحك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وعرفها فقال : وإنك لهند بنت عتبة ، قالت : نعم ، فاعف عني ما سلف عفا الله عنك ، فقال :( وَلا يَزْنِينَ ) فقالت : أو تزني الحرة ، فقال( وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَ ) فقالت : ربيناهم صغارا وقتلتموهم كبارا وأنتم وهم أعلم ،

٥٦٧

وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قتل يوم بدر فضحك عمر رضي الله عنه حتى استلقى وتبسم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وذكر البهتان وهو أن تقذف ولدا على زوجها ليس منه ، قالت هند : والله إن البهتان لقبيح وما تدعونا إلا إلى الرشد ومكارم الأخلاق ، فقال( وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ) فقالت : ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء ، وما مست يد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يد امرأة لا تحل له ، وكانت أسماء بنت يزيد بن السكن في المبايعات فقالت : يا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ابسط يدك نبايعك ، فقال :إني لا أصافح النساء لكن آخذ عليهن (١) ،وعن الشعبي أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم دعا بقدح من ماء فغمس يده فيه ثم غمسن أيديهن فيه ، وعنه أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم لقنهن في المبايعة «فيما استطعتن وأطقتن» فقالت : الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا .

ولما ذكر ما أمر به نبيهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في المبايعات بعد أن عد الذين آمنوا أصلا في امتحان المهاجرات فعلم من ذلك أن تولي النساء مع أنه لا ضرر فيهن بقتال ونحوه لا يسوغ إلا بعد العلم بإيمانهن ، وكان الختم بضفتي الغفران والرحمة مما جرأه على محاباة المؤمنين لبعض الكفار من أزواج أو غيرهم لقرابة أو غيرها لعلة يبديها الزوج أو غير ذلك من الأمور ، كرر سبحانه الأمر بالبراءة من كل عدو ، ردا لآخر السورة على أولها تأكيدا للإعراض عنهم وتنفيرا من توليهم كما أفهمته آية المبايعة وآية الامتحان ، فقال ملذذا لهم بالإقبال بالخطاب كما فعل أولها بلذيذ العتاب :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) .

ولما كان الميل عن الطريق الأقوم على خلاف ما تأمر به الفطرة الأولى فلا يكون إلا عن معالجتها ، عبر بالتفعل كما عبر به أول السورة بالافتعال فقال :( لا تَتَوَلَّوْا ) أي تعالجوا أنفسكم أن تتولوا( قَوْماً ) أي ناسا لهم قوة على ما يحاولونه فغيرهم من باب الأولى( غَضِبَ اللهُ ) أي أوقع الملك الأعلى الغضب( عَلَيْهِمْ ) لإقبالهم على ما أحاط بهم من الخطايا فهو عام في كل من اتصف بذلك يتناول اليهود تناولا أوليا.

ولما كان السامع لهذا يتوقع بيان سبب الغضب ، قال معللا ومبينا أنه لا خير فيهم يرجى وإن ظهر خلاف ذلك :( قَدْ يَئِسُوا ) أي تحققوا عدم الرجاء( مِنَ الْآخِرَةِ ) أي من أن ينالهم منها خير ما لإحاطة معاصيهم بهم أو لعدم اعتقادهم لقيامها ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ، فيوشك من والاهم يكتب منهم فيحل به الغضب( كَما

__________________

(١) أخرجه الترمذي ١٥٩٧ والنسائي ٧ / ١٤٩ وابن ماجه ٢٨٧٤ والحاكم ٤ / ٧١ وابن حبان ٤٥٥٣ ومالك ٢ / ٩٨٢ ـ ٩٨٣ وأحمد ٦ / ٣٥٧ من حديث أميمة بنت رقيقة. قال الترمذي : حسن صحيح ا ه وإسناده على شرطهما ، كما قال الشيخ شعيب في الإحسان ، والله تعالى أعلم.

٥٦٨

يَئِسَ ) من نيل الخير منها( الْكُفَّارُ ) ولما كان من مات فصار أهلا للدفن كشف له عن أحوال القيامة فعرف أنه ناج أو هالك ، وكان الموتى أعم من الكفار ، وموتى الكفار أعم ممن يدفن منهم فقال :( مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ ) فإن الكفار منهم قد علموا يأسهم من حصول الخير منها علما قطعيا ، ويجوز أن يكون( مِنَ ) ابتدائية فيكون المعنى : كما يئس عباد الأوثان من لقاء من مات ، فدفن باعتقاد أنه لا اجتماع بينهم أصلا لأنه لا يمكن بعثه لا إلى الدنيا ولا إلى الآخرة لأنه لا آخرة عندهم أصلا لا سيما إن كان مدفونا في قبر ، وعلى هذا يكون الظاهر وضع موضع المضمر للدلالة على أن الذي أيأسهم تغطية الدلائل مع وضوحها لو أنصفوا ، فلا تتولوا من هذه صفته فيكون بينكم وبينه ما بين القريب مع قريبه من تولى كل منهم من الآخر ما يتولاه القريب الصديق لقريبه فإن توليهم ضرر لا نفع فيه فإن من غضب عليه الملك الشهيد لكل حركاته وسكناته لا يفلح هو ولا من تولاه ، وأقل ما في ولايته من الضرر أنها تنقطع المعاونة فيها ، والمشاركة بالموت وإن كان بعد الموت مشاركة ففي العذاب الدائم المستمر الذي لا ينقطع عنهم والخزي اللازم ، وقد علم أن هذا الآخر هو أولها ، وهذا الموصل مفصلها ، فسبحان من أنزله كتابا معجزا حكيما ، وقرآنا موجزا جامعا عظيما.

٥٦٩

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة الصف

مدنية ـ آياتها أربع عشر

وتسمى الحواريين

مقصودها الحث على الاجتهاد التام في الاجتماع على قلب واحد في جهاد من دعت الممتحنة إلى البراءة منهم ، بحملهم على الدين الحق ، أو محقهم عن جديد الأرض أقصى المحق ، تنزيها للملك الأعلى عن الشرك ، وصيانة لجنابه الأقدس عن الإفك ، ودلالة على الصدق في البراءة منهم والعداوة لهم ، فهي نتيجة سورة التوبة ، وأدل ما فيها على هذا المقصد الصف بتأمل آيته ، وتدبر ما له من جليل النفع في أوله وأثنائه وغايته ، وكذا الحواريون( بِسْمِ اللهِ ) الملك الأعظم الذي له الأمر كله لأنه لا كفوء له( الرَّحْمنِ ) الذي عم بنعمة البيان عما يرضيه ممن شاقه ، فقد شرع لكل أحد أن يرده أو يقبله( الرَّحِيمِ ) الذي خص بإتمام الإنعام الموصل إلى دار السّلام من شاء من عباده فهيأه لذلك وأهله.

( سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ (٣) إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ (٤) )

لما ختمت الممتحنة بالأمر بتنزيهه سبحانه عن تولي من يخالف أمره بالتولي عنهم والبراءة منهم اتباعا لأهل الصافات المتجردين عن كل ما سوى الله لا سيما عمن كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ، افتتحت الصف بما هو كالعلة لذلك فقال :( سَبَّحَ لِلَّهِ ) أي أوقع التنزيه الأعظم للملك الأعظم الذي له( ما فِي السَّماواتِ ) من جميع الأشياء التي لا يغفل من أفلاكها ونجومها وغير ذلك من جواهرها وأعراضها في طلوعها وأفولها وسيرها في ذهابها ورجوعها وإنشاء السحاب وإنزال المياه وغير ذلك. ولما كان الخطاب مع غير الخلص أكده فقال :( وَما فِي الْأَرْضِ ) أي بامتثال جميع ما يراد منه مما هو كالمأمور بالنسبة إلى أفعال العقلاء من نزول المياه وإخراج النبات من النجم والشجر وإنضاج الحبوب والثمار ـ وغير ذلك من الأمور الصغار والكبار.

٥٧٠

ولما كان امتثال غير العاقل وعصيان العاقل ربما أوهم نقصا قال :( وَهُوَ ) أي وحده لا شريك له( الْعَزِيزُ ) أي العظيم النفع الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء ، ويعسر الوصول إليه( الْحَكِيمُ ) أي الذي يضع الأشياء في أتقن مواضعها ، فما مكّن العاقل من المعصية إلا لإظهار صفات الكمال من العلم والقدرة والحلم والكرم والرحمة والغضب وغير ذلك ، وقد علم بهذا التنزيه وختم آيته بهاتين الصفتين أنه تعالى منزه عما تضمنه يأس الكفار المذكور من أنه لا بعث وعن أن يجعل سبحانه لهم حظا في الآخرة لأن كلّا من عدم البعث والتسوية بين المسيء والمحسن نقص.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : افتتحت بالتسبيح لما ختمت به سورة الممتحنة من قوله( لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ ) [الممتحنة : ١٣] وهم اليهود ، وقد تقدم الإيماء إلى ما استوجبوا به هذا فأتبع بالتنزيه لما تقدم بيانه فإنه مما تعقب به ذكر جرائم المرتكبات ولا يرد في غير ذلك ، ثم أتبع ذلك بأمر العباد بالوفاء وهو الذي حد لهم في الممتحنة ليتنزهوا عن حال مستوجبي الغضب بنقيض الوفاء والمخالفة بالقلوب والألسنة( يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ) [آل عمران : ١٦٧]( لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ ) [النساء : ٤٦]( مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ ) [المائدة : ٤١]( وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللهِ وَ ) الرسول( وَأَطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ ) [النور : ٤٧] وبمجموع هذا استجمعوا اللعنة والغضب فقيل للمؤمنين :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ ) [الصف : ٢] احذروا أن تشبه أحوالكم حال من استحق المقت واللعنة والغضب ، ثم أتبع بحسن الجزاء لمن وفى قولا وعقدا لسانا وضميرا ، وثبت على ما أمر به فقال :( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا ) [الصف : ٤] الآية ثم تناسج ما بعد. ولما كان الوارد من هذا الغرض في سورة الممتحنة قد جاء على طريق الوصية وسبيل النصح والإشفاق ، أتبع في سورة الصف بصريح العتب في ذلك والإنكار ليكون بعد ما تمهد في السورة قبل أوقع في الزجر ، وتأمل كم بين قوله سبحانه( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ ) [الممتحنة : ١] وما تضمنته من اللطف وبين قوله( لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ ) [الصف : ٢] انتهى.

ولما تقدمت في الممتحنة قصة الفتح الأعظم في شأن حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه وجعل منابذة الكفار بكل اعتبار علما على صحة الهجرة وادعى التجرد لجهاد أعداء الله ، وقصة الفتح السببي من تحريم المؤمنات على المشركين وتحريم المشركين على المؤمنات في غزوة الحديبية ، وأبدى سبحانه في ذلك من الصنائع التي تعجز قوى الخلق عنها أن رتب ما في الفتح السببي على ما في الفتح الفعلي الحقيقي ، فجعل الأول

٥٧١

في الزمان آخر في الرتبة والآخر في الزمان أولا في الرتبة مع شدة الإحكام في ترصيف النظام والبلوغ في الرشاقة والانسجام إلى حد لا يطيقه نوافذ الأفهام مع بداعة المعاني ومتانة المباني ، وكان فعل من ناصح الكفار ممن أمن بلسانه وأذعن بجنانه وهاجر بأركانه نوع مناصحة فعل من يقول ما لا يفعل في منابذتهم والتجرد بعداوتهم ، فذكر أول هذه السورة من تنزيهه بألسنة أحوال ما لا يعقل ما يخجل المسلم بشيء من ذلك تأديبا لأمثاله ، وتدريبا لمن يلم بشيء من المخالفة بباله ، وكان العاقل أولى من غيره بتنزيه جناب القدس بالطاعة ، فكيف إذا كان ممن أقر بالإيمان وتقلد عهدة الإذعان ، وكان من عصى منهم مناديا على نفسه بمخالفة قوله لفعله ، ومن نزهه حق تنزيهه لم يقصر في حق من حقوقه بتضييع شيء من أوامره كما أن تنزيه ما لا يعقل بأن لا يخالف شيئا من مراده ، قال مرهبا بنداء البعد والتوبيخ الذي من مبادىء الغضب والإنكار بالاستفهام والتعبير بما يفهم أدنى مراتب الإيمان :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) أي ادعوا الإيمان( لِمَ ) قال في الكشاف : هي لام الإضافة داخلة على «ما» الاستفهامية كما دخل عليها غيرها من حروف الجر في بم وفيم ومم وعم وإلام وعلام ، وإنما حذفت الألف لأن «ما» والحرف كشيء واحد ، ووقع استعمالها بزيادة هاء السكت أو الإسكان ، ومن أسكن في الوصل فلإجرائه مجرى الوقف كما سمع ثلاثه أربعه بالهاء وإلقاء حركة الهمزة عليها محذوفة ، وقال الرضي في الموصول : إنها حذفت لأن لها صدر الكلام ولم يمكن تأخير الجار عنها فقدم وركب معها حتى يصير المجموع موضوعة للاستفهام ، فلا يسقط الاستفهام عن مرتبة الصدر ، وجعل حذف الألف دليل التركيب( تَقُولُونَ ) أي من دعوى الإيمان التي مقتضاها إلزام الإخلاص في جميع الأحوال( ما لا تَفْعَلُونَ ) أي ما لا تصدقونه بالفعل الذي يكون بغاية الرغبة والقوة فتتخذوا العدو وليا بالإقبال عليه وإرسال التنصح إليه وقد تلفظتم بالإيمان الذي يستلزم المعاداة لكل من كفر ، وخلف الوعد في نفسه قبيح ومع الخالق أقبح.

ولما كان ذلك مهلكا ، رحم المخاطبين بتعظيمه لينجوا أنفسهم بالكف عنه فقال :( كَبُرَ ) فقصد به التعجيب وهو تعظيم الأمر في قلوب السامعين لأن التعجب لا يكون إلا في أمر خارج عن نظائره وأشكاله ، وفسر ما قصد منه للدلالة على خلوصه في المقت بقوله :( مَقْتاً ) أي عظم جدا وما أعظمه من بغض هو أشد البغض ، وزاد في تبشيعه زيادة في التنفير منه بقوله :( عِنْدَ اللهِ ) أي الملك الأعظم الذي يحقر عنده كل متعاظم. ولما أبلغ في تبشيعه تشوفت النفس إلى المسند إليه ذلك قال :( أَنْ تَقُولُوا ) أي عظم من تلك الجهة أن يقع في وقت من الأوقات أو حال من الأحوال قولكم( ما

٥٧٢

لا تَفْعَلُونَ ) وقال القشيري : ويقال : لم يتوعد الله على زلة بمثل ما توعد على هذا ـ انتهى. وكل ما ذكروه في سببها صالح للسببية قول بعضهم لو ندري أحب الأعمال إلى الله لاجتهدنا فيه ثم ولّوا يوم أحد ، وتوانى بعضهم في الجهاد(١) ، وكون صهيب رضي الله عنه قتل يوم بدر رجلا آذى المسلمين وأنكى فيهم وادعى غيره أنه قتله فأعجب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال عمر وعبد الرحمن بن عوف لصهيب رضي الله عنهم : أخبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أنك قتلته ، فقال صهيب رضي الله عنه : «إنما قتلته لله ولرسوله ، فأخبر عمر وعبد الرحمن رضي الله عنهما النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : أكذلك أبا يحيى ، فقال : نعم يا رسول الله»(٢) والتزام المنافقين أحكام الإسلام ، وتخلفهم إخلافا في الأمور العظام ، وكذا قصة حاطب رضي الله عنه.

ولما عظم ما يكرهه بعد ما ألهب به من تنزيه غير العاقل ، فكان العاقل جديرا بأن يسأل عما يحبه لينزهه به ، قال ذاكرا الغاية التي هي أم جامعة لكل ما قبلها من المحاسن ، مؤكدا لأن الخطاب مع من قصر أو هو في حكمه :( إِنَّ اللهَ ) أي الذي له جميع صفات الكمال( يُحِبُ ) أي يفعل فعل المحب مع( الَّذِينَ يُقاتِلُونَ ) أي يوقعون القتال( فِي سَبِيلِهِ ) أي بسبب تسهيل طريقه الموصلة إلى رضاه إيقاعا مظروفا للسبيل ، لا يكون شيء منه كشيء خارج عنه ، فيقاتلون أعداء الدين من الشيطان بالذكر القلبي واللسان ، والإنسان بالسيف والسنان( صَفًّا ) أي مصطفين حتى كأنهم في اتحاد المراد على قلب واحد كما كانوا في التساوي في الاصطفاف كالبدن الواحد.

ولما كان الاصطفاف يصدق مع التقدم والتأخر اليسير نفى ذلك بقوله حالا بعد حال :( كَأَنَّهُمْ ) أي من شدة التراص والمساواة بالصدور والمناكب والثبات في المراكز( بُنْيانٌ ) وزاد في التأكيد بقوله :( مَرْصُوصٌ ) أي عظيم الاتصال شديد الاستحكام كأنما رص بالرصاص فلا فرجة فيه ولا خلل ، فإن من كان هكذا كان جديرا بأن لا يخالف شيء من أفعاله شيئا من أقواله ، فالرص إشارة إلى اتحاد القلوب والنيات في موالاة الله ومعاداة من عاداه المنتج لتسوية الصفوف في الصلاة التي هي محاربة الشيطان ، والحرب التي هي مقارعة حزبه أولى الطغيان ، والأفعال التي هي ثمرات الأبدان.

__________________

(١) انظر الدر المنثور ٦ / ٣١٦ ـ ٣١٧ والواحدي ٨١٧ وتفسير البغوي ٤ / ٣٠٧ فقد ذكروا ههنا أخبارا كثيرة.

(٢) لم أجده.

٥٧٣

( وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٥) وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦) )

ولما كان التخلف عن أمر الله تعالى والغفلة عن شيء يؤدي تركه إلى التهاون به والإخلال بأدب من آدابه موجبا للكون في صف الشيطان ومفارقة حزب الرحمن ، فيكون أذى الرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فيوجب ذلك الشقاء كله لأنه جدير بأن يجر إلى أكبر منه إلى أن تحيط الخطايا فتبيح الرزايا ، وكان للتذكير بالمشاهدات والأمور الواقعات ما ليس لغيره في التأديب ومرجع الترهيب ، ذكر بما كان لبني إسرائيل ترهيبا من مثل حالهم ، لئلا يوقع في نكالهم ، حين تقاعسوا عما أمروا به من فتح بيت المقدس من الله تعالى غضب من فعلهم ذلك فسماهم فاسقين وضربهم بالتيه أربعين سنة ، وأمات في تلك الأربعين كل من توانى منهم في ذلك ، فلم يدخل إلى بيت المقدس منهم أحد ، فحرموا البلاد التي تقاعدوا عن فتحها ، وهي بعد مكة والمدينة خير بلاد الله تعالى ومهاجر أبيهم إبراهيم عليه الصلاة والسّلام ومواطن أبويهما إسحاق ويعقوب عليهما الصلاة والسّلام وأنزه الأرض ، وأكثرها خيرا وأبركها ، مع ما كانوا فيه من الضيق والنكد من التيه الذي هو طرد عن جناب الله بما أراد ـ بما أشار إليه التعبير عن زمنه بالسنين ـ إلى ما أبقوا بعدهم من سوء الذكر وشناعة القالة إلى آخر الدهر فقال تعالى :( وَإِذْ ) عطفا على ما تقديره : اذكروا ما فعل بعضكم ـ بما أشرت إليه أول هذه الآيات من الآداب من تنبيه الكفار بما قد يمنع من الفتح أو يكون سببا في عسره أو في إهلاك خلق كثير من عبادي الذين خلقتهم في أحسن تقويم من المؤمنين وغيرهم ، أو من الفرار من الكفار عند المقارعة ، أو التقاعس عن اللقاء عند البعث عليه ، فآذى ذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم الذي أذاه من أذى الله فحلم عنكم ، وقبل بما له من بليغ الرحمة بكم والشفقة عليكم منكم ، وكان أنهى ما عاتبكم به مرسله سبحانه النداء بما هو أدنى الأسنان في الإيمان في نظير إطلاقه على بني إسرائيل الفسق بالوصف المؤذن بالرسوخ : واذكروا حين( قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ ) وهم ـ مع كونه منهم ـ ممن له قوة على ما يحاولونه :( يا قَوْمِ ) استعطافا لهم واستنهاضا إلى رضى ربهم( لِمَ تُؤْذُونَنِي ) أي تجددون إذائي مع الاستمرار بالتواني في أمر الله والتقاعد عن فتح بيت المقدس مع قولي عن الله أنكم فاتحوها إن أطعمتموه وأن الله أقسم لآبائكم أنه مانحكموها لا محالة.

ولما كان هذا الاستفهام الإنكاري موجبا لتوقع ما يأتي بعده من موجب التعظيم

٥٧٤

بدل الأذى ، والتبجيل والانقياد موضع التوقف والإباء ، قال محققا بحرف التحقيق مضمون الكلام :( وَقَدْ ) أي والحال أنكم( تَعْلَمُونَ ) أي علمتم علما قطعيا مع تجدده لكم في كل وقت بتجدد أسبابه بما آتيتكم به من المعجزات وبالكتاب الحافظ لكم من الزيغ( أَنِّي رَسُولُ اللهِ ) أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له ورسوله أيضا يعظم ويحترم لا أنه تنتهك جلالته وتخترم( إِلَيْكُمْ ) لا أقول لكم شيئا إلا عنه ، ولا أنطق عن الهوى ، فعصياني عصيانه مع أني ما قلت لكم شيئا إلا تم ، وإن كنتم قاطعين بخلافه فهي معصيته لا حامل عليها أصلا إلا رداءة الجبلات. ولما تحنن إليهم واستعطفهم وذكرهم ما يعلمون من رسليته وصلته بالله بما شاهدوا من الآيات التي هي أعظم الإحسان إليهم ، أعلم أنهم أوشكوا العصيان ، فقال معبرا عن ذلك بالفاء تسبيبا عن هذا القول الذي هو أهل لأن يسبب الثبات وتعقيبا وتقريبا :( فَلَمَّا زاغُوا ) أي تحقق زيغهم عن قرب عن أوامر الله في الكتاب الآتي إليهم بما أبوا من قبول أمره في الإقدام على الفتح( أَزاغَ اللهُ ) أي الذي له الأمر كله( قُلُوبَهُمْ ) من الاستواء ، وجمع الكثرة يدل على أنه لم يثبت منهم إلا القليل فهزمهم بين يدي أعدائهم وضربهم بالتيه لأنهم فسقوا عن أمر الله فالله ـ لا يهديهم ، فأسند الذنب إليهم والعقوبة إليه وإن كان الكل فعله تعليما لعباده الأدب وإعلاما بأن أفعالهم الاختيارية ينسب إليهم كسبها ويقوم به الحجة عليهم لعدم علمهم بالعاقبة( وَاللهُ ) أي الملك الأعظم الذي له الحكمة البالغة لأنه المستجمع لصفات الكمال( لا يَهْدِي ) أي بالتوفيق بعد هداية البيان( الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ) أي العريقين في الفسق الذين لهم قوة المحاولة فلم يحملهم على الفسق ضعف ، فاحذروا أن تكونوا مثلهم في العزائم فتساووهم في عقوبات الجرائم ـ انتهى.

ولما كان أذى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بمخالفة أمره تارة يكون مع العلم برسالته والإقرار بها وتارة مع الإنكار ، وقدم العتاب على ما كان منه على تقدير التصديق ، وذكر فيه بقصة موسى عليه الصلاة والسّلام الذين كانوا يؤذونه مع العلم برسالته ، وهدد بما اتفق لهم من زيغ القلوب التي هي عماد الأبدان وصلاح الإنسان ، أتبعه ما يكون منه عند فرض الإنكار. ولما كان رد المنكر تارة بالعقل وتارة بالنقل ، وكان الذي بالعقل يكون بنظر المعجزات ولا سيما إخراج الخبأ وقد كان منه في قصة حاطب رضي الله تعالى عنه في إخراج كتابه الذي اجتهد في إخفائه واجتهدت الظعينة الحاملة له في كتمانه ما فيه مقنع في العلم بالرسالة وتحقق الجلالة ، أتبع ذلك دليلا نقليا تأييدا للعقل مع كونه دليلا على صحة الإخبار بإزاغة قلوب بني إسرائيل جزاء على زيغهم عن الحق فقال :( وَإِذْ ) أي واذكروا حين( قالَ عِيسَى ) ووصفه بما حقق من هو فقال :( ابْنُ مَرْيَمَ ) أي لقوم

٥٧٥

موسى عليهما الصلاة والسّلام الذين أرسل إليهم وثبتت نبوته لديهم بالمعجزات مع إخلاص الدعوة لله وتصديق من كان قبله من أهل الله :( يا بَنِي إِسْرائِيلَ ) وذكرهم بما كان عليه أبوهم من الدين وما وصى به نبيه من التمسك بالإسلام ، ولم يعبر بالقوم كما قال موسى عليه الصلاة والسّلام لأنه لا أب له فيهم وإن كانت أمه منهم ، فإن النسب إنما هو من جهة الأب ، وأكد لإنكار بعضهم فقال :( إِنِّي رَسُولُ اللهِ ) أي الملك الأعظم الذي أحاط علمه بكل شيء( إِلَيْكُمْ ) أي لا إلى غيركم ، حال كوني( مُصَدِّقاً ) نصبه بما في الرسول من رائحة الفعل ولا ينصب ب «إليكم» لأنه صفة للرسول ، وحروف الجر لا تعمل بأنفسها بل بما فيها من معنى الفعل ، فإذا كانت صلات لم تكن متضمنة لمعنى فعل فلا تعمل ، وهو الحرف الذي يسمى في غير «الكتاب العزيز» لغوا( لِما بَيْنَ يَدَيَ ) أي تقدمني وكان من قبلي( مِنَ التَّوْراةِ ) التي تعلمون أن الله تعالى أنزلها على موسى عليه الصلاة والسّلام وهي أول الكتب التي نزلت بعد الصحف وحكم بها النبيون ، فتصديقي لها مع تأييدي لها مؤيد لأن ما أقمته من الدلائل حق ومبين أنها دليلي فيما لم أنسخه منه كما يستدل الإنسان بما قدامه من الأعلام ويراعيه ببصره.

ولما ذكر أول الكتب ذكر أيضا أول الأنبياء خلقا وآخرهم بعثا وهو آخر الرسل ليكون في ذلك إشارة إلى أن البشارة به في التوراة والإنجيل فقال :( وَمُبَشِّراً ) أي في حال تصديقي للتوراة.

ولما كانت رسالتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم عامة لجميع الخلق لم يذكر في رسالته حرف الغاية كما ذكر في الرسالتين المذكورتين قبل فقال :( بِرَسُولٍ ) أي إلى كل من شملته المربوبية( يَأْتِي ) ولما كان إتيانه بعده بمدة طويلة أدخل الجار فقال :( مِنْ بَعْدِي ) ولما كان الإتيان بغاية البيان وإزاحة اللبس بكل اعتبار أقعد في العتاب لمن هفا بعده والأخذ لمن جفا فنقض عهده ، أتى بالاسم الذي ما شارك النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فيه أحد في زمانه ولا قبله أصلا ، ووزنه دال على المبالغة في معناه فقال :( اسْمُهُ أَحْمَدُ ) أي دال على أنه أبلغ الخلق حامدا ومحمودا وهو اسمهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في السماء التي سيصير إليها هذا المبشر ، وفي تخصيصه بالذكر احتراز عن أن يتوهم أن البعدية في الرتبة لأنه يليح بتصديره بالهمزة التي هي أول الحروف مخرجا وأشد حروف الحلق الذي هو أول المخارج وتضمينه الميم إلى أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كما أنه خاتم بما أشار إليه أشهر أسمائه وأعظمها «محمد» لابتدائه بالميم التي هي أمكن حروف الشفة التي هي خاتمة للحروف لأن مخرجها آخر المخارج ، لا نبي بعده فهو فاتح مقدم باعتبار الذكر والشرف والحكم بالوصف الشريف لا نبي قبله في الخلق وجبت له النبوة وإن آدم لمنجدل في طينه وبين الروح والجسد كما

٥٧٦

في الحديث الذي أخرجه أحمد عن ميسرة الفجر(١) رضي الله عنه والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه وأخرجه البيهقي في أول دلائل النبوة(٢) وقال : إن معناه أنه كذلك في قضاء الله وتقديره ، وكأنه يريد قضاء مكتوبا في أم الكتاب ومذكورا لمن أراد من الملائكة قبل إتمام خلق آدم عليه الصلاة والسّلام فإنه يحتمل أنه سبحانه وتعالى لما صور آدم عليه الصلاة والسّلام جعل طينته شفافة تشف عن ذريته وجعل لصالحيهم نورا يرى دون غيره ، فلما رأوا أعظمهم نورا سألوا عنه فأخبرهم سبحانه وتعالى به وأثبت ما أراد من أوصافه في أم الكتاب كما أنه كان نبيا بالإخبار في دعوة أبيه إبراهيم عليه الصلاة والسّلام وببشارة عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسّلام وبأمارات النور الذي خرج من أمه كما في الحديث الذي رواه البيهقي في الدلائل وغيره عن العرباض بن سارية رضي الله عنه «إني عبد الله وخاتم النبيين »(٣) وفي رواية «إني عبد الله لخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته وسأخبركم عن ذلك ؛ دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى بي ورؤيا أمي التي رأت ، وكذلك أمهات النبيين يرين » وأن أم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم رأت حين وضعته نورا أضاءت له قصور الشام ، فتأويل ذلك بذكره سبحانه له لملائكته مثل تأويله بدعوة إبراهيم عليه الصلاة والسّلام في قوله تعالى حكاية عنه( رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ ) ويزكيهم( وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ ) [البقرة : ١٢٩] وبشارة عيسى عليه الصلاة والسّلام في مثل حكايته عنه في هذه الآية ، وتأويله بالنور الذي رأت أمه مثل تأويله بالنور الذي يحتمل أن يكون الملائكةعليهم‌السلام «رأوا في شفاف طينة آدمعليه‌السلام والله سبحانه وتعالى أعلم. وكانت سورة القتال أحق باسمه الدال على الختم لأن الختام محتاج إلى علاج في لأم ما كان من صدع الافتراق ، وكذا سورة الفتح لما يلزمه من محاولة المنغلق وإزالة الأغلاق ، وختام السورتين بالميم عظيم المناسبة لذلك لأن الميم اسم لتمام الظاهر المقام بالألف ، وإلى ذلك إشارة رسم ألف التنوين في الفتح

__________________

(١) أخرجه الحاكم ٢ / ٦٠٨ ـ ٦٠٩ والبيهقي في الدلائل ١ / ٨٤ ـ ٨٥ وأحمد ٥ / ٥٩ من حديث ميسرة الفجر ، وصححه الحاكم ، ووافقه الذهبي.

(٢) أخرجه الترمذي ٣٦٠٩ وأبو نعيم في الدلائل ١ / ٨ ـ ٩ من حديث أبي هريرة وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث أبي هريرة لا نعرفه إلا بهذا الوجه ا ه.

ـ وله شاهد من حديث العرباض بن سارية ، وهو الآتي.

(٣) أخرجه البيهقي في الدلائل ١ / ٨٠ ـ ٨١ والحاكم ٢ / ٦٠٠ وأحمد ٤ / ١٢٧ ـ ١٢٨ من حديث العرباض ابن سارية.

ـ وذكره الهيثمي في المجمع ٨ / ٢٢٣ ونسبه لأحمد والطبراني والبزار وقال : وأحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح ، غير سعيد بن سويد ، وقد وثقه ابن حبان ا ه.

٥٧٧

بعد الميم مع أنه لا يخلو من إشارة إلى أنه الفاتح مع كونه الخاتم ، ويؤيد ذلك افتتاح السورة بأول حروف الاسم المليح إلى الفتح ، وكانت هذه السورة أحق به لأنه أدل دال على الاتفاق واجتماع الكلمة دون اختلاف وافتراق ، كما كان عند نزول آدم عليه الصلاة والسّلام وبعده بمدة ، وإلى ذلك أشار ختمها وختم نظيرتها الصافات بالنون الذي هو مظهر مبين محيط بما أظهره ، فهو مبشر لهذه الأمة بالاجتماع والظهور على الاسم الذي يحيط آخره بجميع أهل الأرض على زمن المبشر عيسىعليه‌السلام المؤيد للمبشر به بتجديد أمره وإقامة دينهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وآخر هذه نتيجة آخر الصافات بالحمد الذي هو الإحاطة بأوصاف الكمال ـ والله تعالى أعلم بالصواب».

ذكر ما يصدق هذه الآية من الإنجيل من تصديقه للتوراة

وبشارته بأحمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قال : وكان رجل مريض اسمه العازر من بيت عنيا وهو أخو مريم ومرتا ، فأرسلت الأختان إلى يسوع أن الذي تحبه مريض ، فأقام في الموضع الذي هو فيه يومين ثم قال لتلاميذه : امضوا بنا إلى اليهودية ، فقال له تلاميذه : الآن يا معلم أراد اليهود رجمك وأنت تريد المضي إليهم ، فقال : إن العازر حبيبنا قد نام ، فأنا انطلق فأوقظه ، فقالوا : يا سيدنا ، إن كان نائما فهو يستيقظ ، فقال العازر مات ، فأقبلوا إلى بيت عنيا ، فإذا له أربعة أيام في القبر وكانت بيت عنيا من يروشليم على نحو خمس عشرة غلوة ، وكان كثير من اليهود قد جاؤوا إلى مرتا ومريم يعزوهما ، فلما سمعت مرتا بقدوم يسوع خرجت لتلقاه فقالت له : يا سيد ، لو كنت ههنا لم يمت أخي وأنا أعلم أن الله يعطيك كل ما سألته ، قال : سيقوم أخوك ، قالت : أنا أعلم أنه سيقوم في القيامة ، ثم جاءت مريم للقائه ، فظن اليهود الذين كانوا يعزونها أنها تذهب إلى القبر فتبعوها ، فلما انتهت إلى المكان الذي كان فيه يسوع خرت على قدميه ساجدة ، فلما رآها تبكي ورأى اليهود الذين كانوا معها قال : أين وضعتموه؟ فقالوا له : يا سيد ، تعال وانظر ، فدمع يسوع فقال اليهود : انظروا كيف كان يحبه ، فقال ناس منهم : أما كان هذا الذي فتح عيني الأعمى يقدر أن يجعل هذا لا يموت ، فجاء إلى القبر وكان مغارة وعليه حجر موضوع فقال : ارفعوا الصخرة ، فقالت له مرتا أخت الميت : يا سيد ، إنه قد أنتن لأن له أربعة أيام ، قال لها يسوع : ألم أقل لك إن آمنت رأيت مجد الله ، فرفعوا الصخرة فرفع يسوع بصره إلى فوق وقال : أشكرك ، لأنك تسمع لي ، أقول هذا من أجل هذا الجمع ليؤمنوا أنك أرسلتني ، قال هذا القول ونادى بصوت عظيم وصاح : عازر اخرج ، فخرج الميت ويداه ورجلاه ملفوفة باللفائف ووجهه ملفوف بعمامة ، فقال يسوع : حلوه ودعوه يمضي ، وإن كثيرا من اليهود الذين جاؤوا إلى مريم لما رأوا ما صنع يسوع آمنوا ،

٥٧٨

ومضى قوم منهم إلى الفريسيين فأخبروهم ، فجمع عظماء الكهنة والفريسيون محفلا فقالوا : ماذا نصنع إذ كان هذا الرجل يعمل آيات كثيرة وإن تركناه فيؤمن به جميع الناس وتأتي الروم فتنقلب على أمتنا وموضعنا ، وإن واحدا منهم اسمه قيافا كان أعظم الكهنة في تلك السنة قال لهم : إنه خير لنا أن يموت واحد من الشعب من أن تهلك الأمة كلها ـ إلى آخر ما مضى في النساء عند قوله تعالى :( وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ) [النساء : ١٥٧] الآيات ، نرجع إلى متى قال : حينئذ ذهب الفريسيون وتشاوروا ليصطادوه بكلمة فأرسلوا إليه تلاميذهم والهردوسيين قائلين : يا معلم ، قد علمنا أنك محق وطريق الله بالحق تعلم ولا تبالي بأحد ولا تنظر لوجه إنسان فقل لنا ما عندك ، أيجوز لنا أن نعطي الجزية لقيصر أم لا؟ فعلم يسوع شرهم فقال : لماذا تجربوني يا مراؤون أروني دينار الجزية ، فأتوه بدينار فقال لهم يسوع : لمن هذه الصورة والكتابة؟ فقالوا : لقيصر ، حينئذ قال لهم : أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله ، فلما سمعوا تعجبوا وتركوه ومضوا ، وقال يوحنا : فقال يسوع : أنا ماكث فيكم زمانا يسيرا ، ثم انطلق إلى من أرسلني وتطلبوني فلا تجدوني ، وحيث أكون أنا لستم تقدرون على المجيء إلي فقال اليهود فيما بينهم : إلى أين هذا مزمع أن يذهب حتى لا نجده ، لعله مزمع أن يذهب إلى منفى اليونانيين ، وقال متى : وفي اليوم جاء إليه الزنادقة القائلون : ليس قيامة ، وسألوه ـ فذكر سؤالهم وجوابه لهم إلى أن قال في آخر جوابه : أما قرأتم ما قيل لكم من الله ، وقال مرقس : في سفر موسى قول الله على العوسج إذ قال : أنا هو إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب وأنتم تضلون كثيرا ، وعبارة لوقا : فقد نبأ بذلك موسى في العليقة كما قال الرب : أنا إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب ، وقال متى : فلما سمع الجمع بهتوا من تعليمه ، فلما سمع ذلك الفريسيون أنه قد أبكم الزنادقة اجتمعوا عليه جميعا وسأله كاتب منهم ليجربه قائلا ، يا معلم! أي الوصايا أعظم في الناموس؟ قال له يسوع : تحب الرب إلهك من كل قلبك ، وقال : اسمع ، يا إسرائيل ، الرب إلهك واحد هو ، وتحب إلهك من كل قلبك ـ انتهى ، ومن كل نفسك ومن كل فكرك ، هذه الوصية الأولى العظيمة ، والثانية التي تشبهها أن تحب قريبك مثل نفسك ، قال مرقس : ليس وصية أعظم من هاتين ـ انتهى ، في الوصيتين سائر الناموس والأنبياء يتعلق ، قال مرقس : فقال له الكاتب : فحينئذ يا معلم الحق قلت أنه واحد ليس آخر غيره ، وأن تحبه من كل القلب ومن كل النية ومن كل النفس ومن كل القوة ، وتحب القريب مثلك ، هذه أفضل من جميع الذبائح والمحترقات ، فلما رأى يسوع عقله أجابه قائلا : لست بعيدا من ملكوت الله ، وقال لوقا : فقال ليسوع : ومن هو قريبي؟ قال يسوع : كان رجل نازلا من

٥٧٩

يروشليم إلى أريحا ، فوقع بين اللصوص فسلبوه وجرحوه ومضوا وتركوه مثخنا قريب الموت ، واتفق أن كاهنا نزل في تلك الطريق فأبصره وجاز ، وكذلك لاوي جاء إلى المكان فأبصره وجاز ، وإن سامريا جاز به ، فلما رآه تحنن ودنا منه وضمد جراحاته وحمله على دابته وجاء به إلى الفندق وعني بأمره ، وفي الغد أخرج بدينارين أعطاهما لصاحب الفندق وقال : اهتم به فإن أنفقت عليه أكثر من هذين دفعت لك عند عودتي ، فمن من هؤلاء الثلاثة تظن أنه قد صار قريبا للذي وقع بين اللصوص ، فقال له : الذي صنع معه رحمة ، فقال له يسوع : اذهب أنت وافعل هكذا ، وقال مرقس : فلم يتجرأ أحد أن يسأله ثم قال : وكانت جماعة كثيرة يسمعون منه بشهوة ، وقال يوحنا : وآمن باسمه عند كونه بإيروشليم في عيد الفسح كثير لأنهم عاينوا الآيات التي عمل ، ثم قال : وكان رجل من الفريسيين اسمه نيقوديميس رئيسا لليهود أتى إلى يسوع ليلا وقال له : يا معلم نحن نعلم أنك من الله أتيت معلما لأنه ليس بقدر أحد أن يعمل هذه الآيات التي تعمل أنت إلا من كان الله معه ، قال متى : وحينئذ كلم يسوع الجمع وتلاميذه وقال : على كرسي موسى جلس الكتبة والفريسيون وكل ما قالوه لكم احفظوه أنتم وافعلوه ، ومثل أعمالهم لا تصنعوا لأنهم يقولون ولا يفعلون ، لأنهم يربطون أحمالا ثقالا صعبة الحمل ويحملونها على أعناق الناس ولا يريدون أن يحركوها بإصبعهم ، وكل أعمالهم يصنعونها لكي يراؤوا الناس ، يعرضون أرديتهم ويعظمون أطراف ثيابهم ، ويحبون أول الجماعات في الولائم وصدور المجالس في المجامع والسّلام في الأسواق ، وأن يدعوهم الناس معلمين ، فأما أنتم فلا تدعوا لكم معلما على الأرض ولا مدبرا فإن مدبركم واحد هو المسيح ، وأنتم جميعا إخوة ، ولا تدعوا لكم أبا على الأرض فإن أباكم واحد ، هو الذي في السماوات ، والكبير الذي فيكم يكون لكم خادما ، فمن رفع نفسه اتضع ، ومن وضع نفسه ارتفع ، الويل لكم أيها الكتبة والفريسيون ، لأكلكم بيوت الأرامل والأيتام ، لعلة تطويل صلاتكم ، ومن أجل هذا تأخذون أعظم دينونة ، الويل لكم أنكم تغلقون ملكوت السماوات قدام الناس فلا أنتم تدخلون ولا تتركون الداخلين يدخلون ، الويل لكم أنكم تطوفون البر والبحر لتصطفوا غريبا واحدا ، فإذا صار صيرتموه لجهنم ابنا مضعفا ، لكم الويل يا أيها الهداة العميان الذين يقولون : من حلف بالهيكل فليس عليه شيء ، ومن حلف بذهب الهيكل يخطىء ، أيها الجهال العمي أيما أعظم؟ الذهب أم الهيكل الذي يقدس الذهب ، ومن حلف بالمذبح فلا شيء ، ومن حلف بالقربان الذي فوقه فهو يخطىء يا جهال وعميان ، أيما أعظم؟ القربان أم المذبح الذي يقدس القربان؟ ومن حلف بالمذبح فقد حلف به وبكل ما فوقه ، ومن حلف بالهيكل فهو يحلف به وبالساكن

٥٨٠