نظم الدّرر الجزء ٧

نظم الدّرر0%

نظم الدّرر مؤلف:
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 631

نظم الدّرر

مؤلف: برهان الدين البقاعي
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
تصنيف:

الصفحات: 631
المشاهدات: 142
تحميل: 18


توضيحات:

بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 631 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 142 / تحميل: 18
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 7

مؤلف:
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
العربية

فيه ، ومن حلف بالسماء فهو يحلف بكرسي الله وبالجالس عليه ، الويل لكم أنكم تعشرون الشبث والنعنع والكمون وتتركون أثقل الناموس الحكم والرحمة والإيمان ، وقال لوقا : تعشرون النعنع والسداب وكل البقول ، وترفضون حكم الله ومحبته ، قد كان ينبغي أن تعقلوا هذا ولا تغفلوا عن تلك ـ انتهى ، يا هداة عميان الذين يتركون البعوضة ويبلعون الجمل ، الويل لكم أنكم تنقون خارج الكأس والسكرجة وداخلهما مملوء اختطافا وظلما ، أيها الأعمى ، نق أولا داخل الكأس والسكرجة لكيما يتطهر خارجهما ، وقال لوقا : اعطوا الرحمة فكل شيء يتطهر لكم ـ الويل لكم لأنكم لا تشبهون القبور المكلسة التي ترى من خارجها حسنة وداخلها مملوء عظام الأموات وكل نجس ، وقال لوقا : لأنكم مثل القبور المخفية والناس يمشون عليها ولا يعلمون ـ انتهى ، وكذلك أنتم ترون الناس ظواهركم مثل الصديقين ، ومن داخل ممتلئون إثما ورياء ، قال لوقا : وأنتم أيها الكتبة الويل لكم لأنكم تحملون أوساقا وأثقالا وأنتم لا تدنون منها بإحدى أصابعكم ، الويل لكم لأنكم أخذتم مفاتيح الغرفة فما دخلتم ، ومنعتم الذين يريدون الدخول ـ انتهى ، الويل لكم لأنكم تبنون قبور الأنبياء ، قال لوقا : الذين قتلهم آباؤكم ـ انتهى ، وتزينون مدافن الصديقين وتقولون : لو كنا في أيام آبائنا لم نشاركهم في دم الأنبياء ، فأنتم تشهدون على أنفسكم أنكم أبناء قتلة الأنبياء إنكم تكملون مكيلة آبائكم ، أيها الحيات أولاد الأفاعي كيف تهربون من دينونة جهنم ، من أجل هذا أرسل إليكم أنبياء وحكماء وكتبة فتقتلون منهم وتصلبون وتجلدون منهم في مجامعكم وتطردونهم من مدينة إلى مدينة لكي يأتي عليكم دم الصديقين المسفوك على الأرض ، وقال لوقا : وأنتم تشهدون وتسرون بأعمال آبائكم لأنهم قتلوهم وأنتم تبنون قبورهم ، ولهذا قالت حكمة الله : هوذا أرسل إليهم أنبياء ورسلا فيقتلون منهم ويطردونهم لينتقم عن دم جميع الأنبياء الذي أهريق من أول العالم إلى هذا الجيل. وقال متى : من دم هابيل الصديق إلى دم زكريا بن براشيا الذي قتلتموه بين الهيكل والمذبح ، الحق أقول لكم إن هذا كله يأتي على هذا الجيل ، يا أروشليم ، يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها كم من مرة أردت أن أجمع بنيك فيك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها فلم تريدوا ، هوذا يترك بيتكم لكم خرابا ، أنا أقول لكم : إني لا تروني من الآن حتى تقولوا : مبارك الآتي باسم الرب ، وقال مرقس : ثم جاء يسوع عند باب الخزانة ينظر الجمع يلقي نحاسا في الخزانة وأغنياء كثير ألقوا كثيرا ، فجاءت امرأة أرملة مسكينة ، فألقت فلسين فاستدعى تلاميذه وقال لهم : الحق أقول لكم ، إن هذه الأرملة المسكينة ألقت أكثر من الكل الذين ألقوا في الخزانة ، لأن الكل القوا من فضل ما عنده ، وهذه ألقت مع مسكنتها كل ما لها ، ثم

٥٨١

خرج من الهيكل ـ انتهى. هذا ما فيه الدلالة على الرسالة وتصديق التوراة ، وأما البشارة بمحمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقد تقدم في هذا الكتاب مفرقا في السور كالأعراف والنساء وغيرهما ، وقال ابن هشام في تهذيب السيرة النبوية جمع ابن إسحاق ، قال ابن إسحاق : وقد كان فيما بلغني عما كان وضع عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسّلام فيما جاءه من الله تعالى في الانجيل لأهل الإنجيل من صفة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم مما أثبت يحنس الحواري لهم حين نسخ لهم الإنجيل عن عهد عيسى ابن مريم في رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إليهم أنه قال : من أبغضني فقد أبغض الرب ، ولو لا أني صنعت بحضرتهم صنائع لم يصنعها أحد قبلي ما كانت لهم خطيئة ، ولكن من الآن بطروا وظنوا أنهم يعزونني وأيضا للرب ولكن لا بد أن تتم الكلمة التي في الناموس أنهم أبغضوني مجانا أي باطلا فلو قد جاء المنحمنا هذا الذي يرسله الله إليكم من عند الرب روح القدس هذا الذي من عند الرب خرج فهو شهيد عليّ وأنتم أيضا لأنكم قديما كنتم معي في هذا قلت لكم لكي لا تشكوا. فالمنحمنا بالسريانية محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو بالرومية البارقليطس ـ انتهى.

ولما تم الدليل النقلي على نبوة محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم وعلى كونه أشرف الأنبياء فاتحا لهم وخاتما عليهم ، دل على إلزام بني إسرائيل الزيغ فقال :( فَلَمَّا جاءَهُمْ ) أي عيسى أو محمد صلّى الله عليهما وسلم بني إسرائيل وغيرهم( بِالْبَيِّناتِ ) أي من المعجزات العظيمة التي لا يسوغ لعاقل إلا التسليم لها ومن الكتاب المبين( قالُوا ) أي عند مجيئها سواء من غير نظرة لتأمل ولا غيره :( هذا ) أي المأتي به من البينات أو الآتي بها على المبالغة كما دل عليه قراءة حمزة «ساحر» إشارة بالإشارة إلى القريب بعد الإشارة ـ بفاء التعقب إلى شدة اتصال الكفر بأول أوقات المجيء :( سِحْرٌ ) فكانوا أول كافر به ، لأن هذا وصف لهم لازم سواء بلغهم ذلك وهم بمفردهم أو منضما إليهم غيرهم( مُبِينٌ ) أي في البيان في سحريته حتى أن شدة ظهوره في نفسه لكل من رآه أنه سحر عنادا منهم ومكابرة للحق الذي لا لبس فيه.

( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧) يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩) )

ولما كان التقدير إعلاما بأنهم أظلم الناس لتعمدهم للكذب : فمن أظلم منهم لتهتكهم في ذلك ، عطف عليه قوله :( وَمَنْ أَظْلَمُ ) وعم كل من اتصف بوصفهم فقال :( مِمَّنِ افْتَرى ) أي تعمد( عَلَى اللهِ ) أي الملك الأعلى( الْكَذِبَ ) الذي هو أقبح الأشياء( وَهُوَ ) أي والحال أنه( يُدْعى ) أي من أي داع كان( إِلَى الْإِسْلامِ ) الذي هو

٥٨٢

أحسن الأشياء فيكفي في الدعاء إليه أدنى تنبيه لأنه الاعتراف بالحق لمن هو له ، فيجعل مكان الإجابة افتراء الكذب في تلك الحالة الحسنى.

ولما كان التقدير : فهو لا يهديه الله لأجل ظلمه ، عطف عليه قوله :( وَاللهُ ) أي الذي له الأمر كله فلا أمر لأحد معه( لا يَهْدِي الْقَوْمَ ) أي لا يخلق الهداية في قلوب من فيهم قوة المحاولة للأمور الصعاب( الظَّالِمِينَ ) أي الذين يخبطون في عقولهم خبط من هو في الظلام.

ولما أخبر عن ردهم للرسالة ، علله بقوله :( يُرِيدُونَ ) أي يوقعون إرادة ردهم للرسالة بافترائهم( لِيُطْفِؤُا ) أي لأجل أن يطفئوا( نُورَ اللهِ ) أي الملك الذي لا شيء يكافيه( بِأَفْواهِهِمْ ) أي بما يقولون من الكذب لا منشأ له غير الأفواه لأنه لا اعتقاد له في القلوب لكونه لا يتخيله عاقل ، فهم في ذلك كالنافخين في الشمس إرادة أن يمحو نفخهم عينها وينقص شينهم زينها ، فمثل إرادتهم لإخفاء القرآن بتكذيبهم وجميع كيدهم بمن يريد إطفاء الشمس بنفخه فهو في أجهد وأضل الضلال :

وفي تعب من يحسد الشمس ضوءها

ويجهد أن يأتي لها بضريب

فأفاد قصر الفعل أن إرادتهم كلها مصروفة لهذا الغرض وأنه لا إرادة لهم غير ذلك وأنه لا ينبغي أن يكون لهم إرادة لأنهم عبيد ، والإرادة لا ينبغي إلا للسيد ليكون إرادة العبد تابعة لها ، فتكون امتثالا لإرادته ، فكأنه لا إرادة له ، فهو أبلغ مما في براءة لأن هذه نتيجتها.

ولما أخبر بعلة إرادتهم وأشار إلى وهي أمرهم بعد أن أخبر بردهم للحق وجرأ عليهم بالإخبار بإضلالهم ، زاد ذلك بقوله مظهرا غير مضمر تنبيها على جميع صفات الجلال والإكرام :( وَاللهُ ) أي الذي لا مدافع له لتمام عظمته. ولما كانت هذه السورة نتيجة سورة براءة التي أخبر فيها بأنه يأبى إلا إتمام نوره ، أخبر في هذه بنتيجة ذلك وهي ثبات تمام النور ودوامه ، لأن هذا شأن الملك الذي لا كفوء له إذا أراد شيئا فكيف إذا أرسل رسولا فقال :( مُتِمُ ) وهذا المعنى يؤيد قول الجمهور أنها مدنية بعد التأييد بذكر الجهاد ، فإن فرضه كان بعد الهجرة من والظاهر من ترتيبها على الممتحنة التي نزلت في غزوة الفتح أنها بعد براءة في النزول أيضا.

ولما كان النور لإظهار صور الأشياء بعد انطماسها سببا لوضع الأشياء في أتقن مواضعها ، وكان ما أتى من عند الله من العلم كذلك ، جعل عينه فأطلق عليه اسمه فقال :( نُورِهِ ) فلا يضره ستر أحد له بتكذيبه ولا إرادة إطفائه ، وزاد ذلك بقوله :( وَلَوْ

٥٨٣

كَرِهَ ) أي إتمامه له( الْكافِرُونَ ) أي الراسخون في صفة الكفر المجتهدون في المحاماة عنه.

ولما أخبر بذلك ، علله بما هو شأن كل ملك فكيف بالواحد في ملكه فقال :( هُوَ ) أي الذي ثبت أنه جامع لصفات الجمال والجلال وحده من غير أن يكون له شريك أو وزير( الَّذِي أَرْسَلَ ) بما له من القوة والإرادة( رَسُولَهُ ) أي الحقيق بأن يعظمه كل من بلغه أمره لأن عظمته من عظمته ، ولم يذكر حرف الغاية إشارة إلى عموم الإرسال إلى كل من شمله الملك كما مضى( بِالْهُدى ) أي البيان الشافي( وَدِينِ الْحَقِ ) أي الملك الذي ثباته لا يدانيه ثبات ، فلا ثبات لغيره ، فثبات هذا الدين بثباته ، ويجوز أن يكون المعنى : والدين الذي هو الحق الثابت في الحقية الكامل فيها كمالا ليس لغيره ، فيكون من إضافة الموصوف إلى صفته إشارة إلى شدة التباسه بها( لِيُظْهِرَهُ ) أي يعليه مع الشهرة وإذلال المنازع( عَلَى الدِّينِ ) أي جنس الشريعة التي تجعل ليجازي من يسلكها ومن يزيغ عنها ، بها يشرع فيها من الأحكام( كُلِّهِ ) فلا يبقى دين إلا كان دونه وانمحق به وذل أهله له ذلا لا يقاس به ذل( وَلَوْ كَرِهَ ) أي إظهاره( الْمُشْرِكُونَ ) أي المعاندون في كفرهم الراسخون في تلك المعاندة ، وأعظم مراد بهذا أهل العناد ببدعة الاتحاد ، فإنهم ما تركوا شيئا مما سواه حتى أشركوا به ـ تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا ، ـ وهم مع بعد نحلتهم من العقول وفسادها من الأوهام ومصادمتها لجميع النقول في غاية الكثرة لمصير الناس إلى ما وعد الله ورسوله ـ وصدق الله ورسوله ـ من أن أكثرهم قد مرجت عهودهم وخفيت أماناتهم وصاروا حثالة كحثالة التمر لا يعبأ الله بهم ، لكنهم على كثرتهم بما تضمنته هذه الآية في أمثالها في غاية الذل ولله الحمد لا عز لهم إلا بإظهار الاتباع للكتاب والسنة وهم يعلمون أنهم يكذبون في هذه الدعوى لأنهم في غاية المخالفة لهما بحيث يعتقدون أنهما شرك لإثباتهما لله تعالى وجودا يخالف وجود الخلق وهم يقولون مكابرة للضرورة أن الوجود واحد وأنه لا موجود ظاهرا وباطنا سواه ، ولذلك سموا الوجود به ثم لا يردهم علمهم بذلهم وأنهم لا عز لهم إلا بحمى الشريعة عن ضلالهم فأعجب لذلك وألجأ إلى الله تعالى بسؤال العافية ، فإن القلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء ، وضربهم بالذل مع كثرتهم في غاية الدلالة على الله سبحانه لأن الملك الكامل القدرة لا يقر من يطعن في ملكه ويسعى في رد رسالته وإهانة رسله ولقد أنجز سبحانه كثيرا من وعده بما دل ـ لكونه تغليبا على أقوى الملوك من الأكاسرة والقياصرة ـ على القدرة على الباقين ، وذلك أنه لما تقاعد قومه عن نصرته وانتدبوا

٥٨٤

لتكذيبه وجحد ما شاهدوه من صدقه يسر الله له أنصارا من أمته هم نزاع القبائل وأجاد الأفاضل وسادات الأماثل فبلغوا في تأييده أقصى الأمل.

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) )

ولما أنتج هذا كله نصر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم على كل حال ودمار من يخالف أمره ، أنتج قطعا أن الجهاد معه متجر رابح لأن النصر مضمون ، والموت منهل لا بد من وروده سواء خاض الإنسان الحتوف أو احترس في القصور المشيدة ، فقال تعالى في أسلوب النداء والاستفهام لأنه أفخم وأشد تشويقا بالأداة التي لا يكون ما بعدها إلا بالغا في العظم إلى النهاية :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) أي قالوا في إقرارهم بالإيمان ما عليهم أن يفعلوا بمقتضاه( هَلْ أَدُلُّكُمْ ) وأنا المحيط علما وقدرة ، فهي إيجاب في المعنى ذكر بلفظ الاستفهام تشويقا ليكون أوقع في النفس فتكون له أشد تقبلا ، والآية أيضا نتيجة ما مضى باعتبار آخر لأنه لما وبخ على انحلال العزائم وأخبر بما يجب من القتال ، وبكت على أذى الرسولصلى‌الله‌عليه‌وسلم بالمخالفة ، وأخبر أن من خالفه لا يضر إلا نفسه ، كان موضع الاستباق في طاعته فرتب عليه الاشتياق إلى ذكر ثمرته فذكرها ، ولما كان فعل حاطب رضي الله عنه لأجل أنه لا نجاح أهله الذين كانوا بمكة في أنفسهم ولا في شيء من مالهم ، وكان هذا في معنى التجارة قال :( عَلى تِجارَةٍ ) وقراءة ابن عامر( تُنْجِيكُمْ ) بالتشديد أنسب لهذا المقام من قراءة الجماعة بالتخفيف ، وقراءة الجماعة أنسب لمقصود حاطب رضي الله عنه( مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ) بالإجاحة في النفس أو المال. ولما كان الاتجار إجهاد النفس في تحصيل الربح النافع ، وكان الإيمان والجهاد أعظم إجهاد النفس في تحصين ـ الجنة الباقية التي لا ريح توازيها ، فاستعار لهما اسمها ، وكان جواب النداء الإقبال وجواب الاستفهام نعم ، عدوا كأنهم أقبلوا وأنعموا تنبيها على ما هو الأليق بهم ، فاستأنف لهم بيان التجارة بأنه الجمع بين الإيمان الذي هو أساس الأعمال كلها ، والجهاد بنوعيه المكمل للنفس والمكمل للغير فقال :( تُؤْمِنُونَ ) أي آمنوا بشرط تجديد الإيمان على سبيل الاستمرار( بِاللهِ ) الذي له جميع صفات الكمال( وَرَسُولِهِ ) الذي تصديقه آية الإذعان المعنوية والخضوع لكونه ملكا( وَتُجاهِدُونَ ) أي وجاهدوا بيانا لصحة إيمانكم على سبيل التجديد والاستمرار. ويدل على أنهما بمعنى الأمر ما أرشد إليه جزم ما أقيم في موضع الجواب مع قراءة عبد الله رضي الله عنه : آمنوا وجاهدوا ـ بصيغة الأمر( فِي سَبِيلِ اللهِ ) أي بسبب تسهيل طريق الملك الأعظم الموصل إليه الذي لا أمر لغيره بحيث يكون ظرفا لكم في جميع هذا الفعل فلا شيء

٥٨٥

يكون منه خارجا عنه ليكون خالصا بفتح بلد الحج ليسهل الوصول إليه من كل من أراده وغير ذلك من شرائعه فتكونوا ممن يصدق فعله قوله ، وهذا المعنى لا وقفة فيه لأنه فرق بين قولنا : فلان فعل كذا ـ الصادق بمرة ، وبين قولنا بفعله الدال على أن فعله قد صار ديدنا له ، فالمعنى : يا من فعل الإيمان إن أردتم النجاة فكونوا عريقين في وصف الإيمان حقيقين به ثابتي الإقدام فيه وأديموا الجهاد دلالة على ذلك فإن الجهاد لما فيه من الخطر والمشقة والضرر أعظم دليل على صدق الإيمان ، ويؤيد ذلك أن السياق لقصة حاطب رضي الله عنه المفهمة في الظاهر لعدم الثبات في الإيمان وإرادة الجهاد الدال على المصدق فيه ، ولذلك قال عمر رضي الله عنه ما قال ـ والله الهادي.

ولما كان الجمع بين الروح وعديلها المال على وجه الرضى والرغبة أدل على صحة الإيمان ، قال :( بِأَمْوالِكُمْ ) وقدمها لعزتها في ذلك الزمان ولأنها قوام الأنفس والأبدان ، فمن بذل ماله كله لم يبخل بنفسه لأن المال قوامها. ولما قدم القوام أتبعه القائم به فقال :( وَأَنْفُسِكُمْ ) ولما أمر بهذا في صيغة الخبر اهتماما به وتأييدا لشأنه ، أشار إلى عظمته بمدحه قبل ذكر جزائه ، فقال :( ذلِكُمْ ) أي الأمر العظيم من الإيمان وتصديقه بالجهاد( خَيْرٌ لَكُمْ ) أي خاصة مما تريدون من الذبذبة بمناصحة الكفار( إِنْ كُنْتُمْ ) أي بالجبلات الصالحة( تَعْلَمُونَ ) أي إن كان يمكن أن يتجدد لكم علم في وقت من الأوقات فأنتم تعلمون أن ذلك خير لكم ، فإذا علمتم ، أنه خير أقبلتم عليه فكان لكم به أمر عظيم ، وإن كانت قلوبكم قد طمست طمسا لا رجاء لصلاحها فصلوا على أنفسكم صلاة الموت.

( يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ (١٤) )

ولما كان معنى «تؤمنون» : فالأمر كما تقدم ، لكنه حول عن ذلك لما ذكر ، وكان أهم ما إلى الإنسان خوفه مما هدد عليه ، أمن سبحانه من ذلك دالا على أصل الفعل بجزم ما هو في موضع الجواب فقال :( يَغْفِرْ لَكُمْ ) أي خاصة دون من لم يفعل ذلك( ذُنُوبَكُمْ ) أي بمحو أعيانها وآثارها كلها.

ولما قرع القلوب من كدر العقاب والعتاب ، لذذها بطيب الثواب فقال :( وَيُدْخِلْكُمْ ) أي بعد التزكية بالمغفرة رحمة لكم( جَنَّاتٍ تَجْرِي ) ودل على قرب

٥٨٦

الجاري وتخلله الأراضي بالجار فقال :( مِنْ تَحْتِهَا ) أي تحت أشجارها وغرفها وكل متنزه فيها( الْأَنْهارُ ) فهي لا تزال غضة زهراء ، ولم يحتج هذا الأسلوب إلى ذكر الخلود لإغناء ما بعده عنه ، ودل على الكثرة المفرطة في الدور بقوله بصيغة منتهى الجموع :( وَمَساكِنَ ) ولما كانت المساكن لا تروق إلا بما يقارنها من المعاني الحسنة قال :( طَيِّبَةً ) أي في الاتساع واختلاف أنواع الملاذ وعلو الأبنية والأسرة مع سهولة الوصول إليها وفي بهجة المناظر وتيسر مجاري الريح بانفساح الأبنية مع طيب الغرف ، لم يفسد الماء الجاري تحتها شيئا من ريحها ولا في اعتدالها في شيء مما يراد منها.

ولما كانت لا يرغب فيها إلا بدوام الإقامة ، بين صلاحيتها لذلك بقوله :( فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ) أي بساتين هي أهل للإقامة بها لا يحتاج في إصلاحها إلى شيء خارج يحتاج في تحصيله إلى الخروج عنها له ، ولا آخر لتلك الإقامة ، قال حمزة الكرماني في كتابه جوامع التفسير : هي قصبة الجنان ومدينة الجنة أقربها إلى العرش. ولما كان هذا أمرا شريفا لا يوجد في غيرها قال :( ذلِكَ ) أي الأمر العظيم جدا وحده( الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. ) ولما ذكر ما أنعم عليهم به في الأخرى لأنه أهم لدوامها ، كان التقدير بما دل عليه العطف : هذا لكم ، عطف عليه ما جعل لهم في الدنيا فقال :( وَأُخْرى ) أي ولكم نعمة ، أو ويعطيكم ، أو يزيدكم نعمة أخرى. ولما كان الإنسان أحب في العاجل وأفرح بالناجز قال :( تُحِبُّونَها ) أي محبة كثيرة متجددة متزايدة ، ففي ظاهر هذه البشرى تشويق إلى الجهاد وتحبيب ، وفي باطنها حث على حب الشهادة بما يشير إليه من التوبيخ أيضا على حب العاجل والتقريع :( نَصْرٌ مِنَ اللهِ ) أي الذي أحاطت عظمته بكل شيء لكم وعلى قدر إحاطته تكون نصرته( وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ) أي تدخلون منه إلى كل ما كان متعسرا عليكم من حصون أعدائكم وغيرها من أمورهم في حياة نبيكمصلى‌الله‌عليه‌وسلم أعظمه فتح مكة الذي كتب حاطب رضي الله عنه بسببه ، وبعد مماته ، وفيه شهادة لحاطب رضي الله عنه بأنه يحب نصرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم والفتح عليه مكة وغيرها لصحة إيمانه كما أخبر به النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم الذي لا ينطق عن الهوى.

ولما كان ما تقدم من المعاتبة إنذارا لمن خالف فعله قوله من الذين آمنوا ، وكان المقام قد أخذ حظه من الإنذار والتوبيخ ، طوى ما تقديره : فأنذر من لم يكن راسخا في الدين من المنافقين ، ومن خالف فعله قوله من المؤمنين ، عطف عليه دلالة عليه ليكون أوقع في النفس لمن يشير إليه طيه من الاستعطاف قوله :( وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) أي الذين صار الإيمان لهم وصفا راسخا كحاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه بأن الله يفتح لك البلاد شرقا وغربا ، وأول ذلك مكة المشرفة ولا يحوجهم إلى أن يدرؤوا عن عشائرهم

٥٨٧

وأموالهم ولا أن يكون شيء من أفعالهم يخالف شيئا من أقوالهم. ولما هز سبحانه إلى الجهاد وشوق إليه بأنه متجر رابح ، ولوح إلى النذارة بالتنشيط بالبشارة ، فتهيأت النفوس إلى الإقبال عليه وانبعثت أي انبعاث ، حض عليه بالإيجاب المقتضي للثواب أو العقاب ، فقال مناديا بأداة البعد والتعبير بما يدل على أدنى الأسنان تأنيبا على أنه لا يعدم الوصف بالإيمان إلا مقرون بالحرمان تشويقا وتحببا :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) أي أقروا بذلك فأذعنوا بهذا الوعظ غاية الإذعان أني أمرت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يقول لكم :( كُونُوا ) أي بغاية جهدكم( أَنْصارَ اللهِ ) أي راسخين في وصف النصرة وفي الذروة العليا من ثبات الأقدام في تأييد الذي له الغنى المطلق لتكونوا ـ بما أشارت إليه قراءة الجماعة بالإضافة ـ بالاجتهاد في ذلك كأنكم جميع أنصاره ، فإنكم أشرف من قوم عيسى عليه الصلاة والسّلام ، وما ندبكم سبحانه لنصرته إلا لتشريفكم بمصاحبة رسله الذين هم خلاصة خلقه عليهم الصلاة والسّلام فقولوا سمعنا وأطعنا نحن أنصار الله وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بالتنوين ولام الجر على معنى : كونوا بعض أنصاره ، ويشبه أن يكون المأمور به في هذه القراءة الثبات على الإيمان ولو في أدنى الدرجات ، وفي قراءة الجمهور الرسوخ فيه.

ولما كان التقدير على صفة هي من الثبات والسرعة على صفة الحواريين ، عبر عن ذلك بقوله :( كَما ) أي كونوا لأجل أني أنا ندبتكم بقولي من غير واسطة ولذذتكم بخطابي مثل ما كان الحواريون أنصار الله حين( قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ) حين أرسلته إلى بني إسرائيل ناسخا لشريعة موسى عليه الصلاة والسّلام( لِلْحَوارِيِّينَ ) أي خلص أصحابه وخاصته منهم :( مَنْ أَنْصارِي ) حال كونهم سائرين في منازل السلوك والمعاملات ومراحل المجاهدات والمنازلات( إِلَى اللهِ ) أي المحيط بكل شيء فنحن إليه راجعون كما كنا به مبدوئين.

ولما اشتد تشوف السامع إلى جوابهم ، أبان ذلك بقوله :( قالَ الْحَوارِيُّونَ ) معلمين أنهم جادون في ذلك جدا لا مزيد عليه عاملين فيما دعاهم إليه عمل الواصل لا السائر لعلمهم أن إجابته إجابة الله لأنه لا ينطق عن الهوى فليس كلامه إلا عن الله :( نَحْنُ ) أي بأجمعنا( أَنْصارَ اللهِ ) أي الملك الأعلى الذي هو غني عنا وقادر على تمام نصرنا ، ولو كان عدونا كل أهل الأرض ننصره الآن بالفعل ، لا نحتاج إلى تدريب يسير ولا نظر إلى غير ، لاستحضارنا لجميع ما يقدر عليه الآدمي من صفات جلاله وجماله وكماله ، ولذلك أظهروا ولم يضمروا.

ولما كان التقدير : ثم دعوا من خالفهم من بني إسرائيل وبارزوهم ، سبب عنه

٥٨٨

قوله :( فَآمَنَتْ ) أي به( طائِفَةٌ ) أي ناس فيهم أهلية الاستدارة لما لهم من الكثرة( مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ ) أي قومه( وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ ) أي منهم ، وأصل الطائفة : القطعة من الشيء( فَأَيَّدْنَا ) أي قوينا بعد رفع عيسى عليه الصلاة والسّلام( الَّذِينَ آمَنُوا ) أي الذين أقروا بالإيمان المخلص منهم وغيره في القول والفعل وشددنا قلوبهم( عَلى عَدُوِّهِمْ ) الذين عادوهم لأجل إيمانهم. ولما كان الظفر بالمحبوب أحب ما يكون إذا كان أول النهار ، تسبب عن تأييده قوله :( فَأَصْبَحُوا ) أي صاروا بعد ما كانوا فيه من الذل( ظاهِرِينَ ) أي عالين غالبين قاهرين في أقوالهم وأفعالهم لا يخافون أحدا إلا الله ولا يستخفون منه ، فالتأييد تارة يكون بالعلم وتارة بالفعل( عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ) [النجم : ٥] فصار علمه في غاية الإحكام وتبعته قوة هي في منتهى التمام ، لأنه ناشىء عن علم مستفاد من قوة ، وإلا لقال : علمه كثير العلم.( قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) [النمل : ٤٠] قوة مستفادة من علم ، والظاهر كما هو ظاهر قوله تعالى :( جاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ) [آل عمران : ٥٥] وغيرها أن تأييد المؤمنين به كان بعد رفعه بيسير حين ظهر الحواريون وانبثوا في البلاد يدعون إلى الله بما آتاهم من الآيات ، فاتبعهم الناس ، فلما تمادى الزمان ومات الحواريون رضي الله عنهم افترق الناس ودب إليهم الفساد ، فغلب أهل الباطل وضعف أهل الحق حتى كانوا عند بعث النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم عدما أو في حكم العدم ، ـ كما دلت عليه قصة سلمان الفارسي رضي الله عنه ، فقد رجع آخر السورة كما ترى بما وقع من التنزه عما يوهمه علو الكفرة من النقص بنصر أوليائه وقسر أعدائه ، ومن الأمر مما أخبر أولها أنه يحبه من القتال في سبيله حثا عليه وتشويقا إليه ـ على أولها ، واتصل بما بشر به من آمن ولو على أدنى وجوه الإيمان من العز موصلها بمفصلها ، بما أزيل من الأسباب الحاملة له على المداراة ، والأمور التي أوقعته في المماشاة مع الكفار والمجاراة ، فأوجب ذلك رسوخ الإيمان ، وحصول الإتقان ، المقتضي للتنزيه بالفعل عن كل شوب نقصان ، والله الموفق للصواب وعليه التكلان.

٥٨٩

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة الجمعة

مدنية ـ آياتها إحدى عشر

مقصودها بيان مسمى الصف بدليل هو أوضح شرائع الدين وأوثق عرى الإسلام ، وهو الجمعة التي اسمها مبين للمراد منها من فرضية الاجتماع فيها وإيجاب الإقبال عليها وهو التجرد عن غيرها والانقطاع لما وقع من التفرق حال الخطبة عمن بعث للتزكية بالاجتماع عليه في الجهاد وغيره في العسر واليسر والمنشط والمكره ، واسمها الجمعة أنسب شيء فيها لهذا المقصد بتدبر آياته وتأمل أوائله وغاياته ، الحاثة على قوة التواصل والاجتماع ، والحاملة على دوام الإقبال على المزكي والحب له والاتباع( بِسْمِ اللهِ ) الذي أحاط علمه بكل معلوم فتم بيانه( الرَّحْمنِ ) الذي عمت نعمة بيانه بعد شمول كرامة إيجاده فهو العظيم شأنه( الرَّحِيمِ ) الذي خص حزبه بالتوفيق لما يرضاه فثبت في سويداء كل منهم حبه له وإيمانه به.

( يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤) )

ولما ختمت الصف بالإقبال ببعض بني إسرائيل على جنابه الأقدس بعد أن زاغوا فأزاغ الله قلوبهم كلهم أو الشاذ منهم بما أفهمه إطلاق الضمير عليهم ثم تأييدهم على من استمر منهم على الزيغ ، فثبت أن له تمام القدرة المستلزم لشمول العلم اللازم منه التنزه عن كل شائبة نقص ، وكان سبحانه قد ذكر التسبيح الذي هو الأعظم الأشهر للتنزيه بلفظ الماضي ثلاث مرات في افتتاح ثلاث سور ، وذلك نهاية الإثبات المؤكد ، فثبت بذلك أنه وقع تنزيهه من كل ناطق وصامت ، أخبر أول هذه السورة أن ذلك التنزيه على وجه التجديد والاستمرار بالتعبير بالمضارع لاستمرار ملكه فقال :( يُسَبِّحُ ) أي يوقع

٥٩٠

التنزيه الأعظم الأبهى الأكمل( لِلَّهِ ) أي الملك المحيط بكل شيء قدرة وعلما ، وأكد بذلك لما في التغابن ولم يحتج بعد الإقرار بالوقوع على هذا الوجه إلى التأكيد بأكثر من مرة وجعل بين كل مسبحتين سورة خالية من ذلك ليكون ذلك أدل على قصد التأكيد من حيث شدة الاعتناء بالذكر ، وإن وقع فصل ويكون التأكيد أكثر تنبيها وأعظم صدعا وتذكيرا.

ولما كان تقريع العاقل الناطق بطاعة الصامت أعظم ، قال :( ما فِي السَّماواتِ ) وإن كان العاقل يدخل في ذلك ما عليه فيكون تسبيحه تارة طوعا موافقة للأمر ، وتارة كرها بالانقياد مع الإرادة ، وتسبيح الصامت طوعا في كل حال. ولما كان الخطاب مع الذين آمنوا ، دعا ذلك إلى التأكيد لاحتياجهم إليه فقال :( وَما فِي الْأَرْضِ ) كذلك.

ولما ثبت بالسور الثلاث الماضية أن الموجودات أوقعت له التسبيح ، وأخبرت هذه باستمرار ذلك على سبيل التجديد ، دل ذلك مع التنزيه عن النقائص على إثبات الكمال الذي لا يكون إلا لملك عظيم الشأن مطاع الأمر ، وكان الاقتصار على الصامت بالتعبير بما هو ظاهر فيه ربما أوهم شيئا ، قال مصرحا بما أفهمه السياق :( الْمَلِكِ ) أي الذي ثبتت له جميع الكمالات فهو ينصر من يشاء من جنده ولو كان ذليلا فيصبح ظاهرا( الْقُدُّوسِ ) الذي انتفت عنه جميع النقائص ، فلا يكون شيء إلا بإذنه وتنزه عن إحاطة أحد من الخلق بعلمه أو إدراك كنه ذاته فليس في أيدي الخلق إلا التردد في شهود أفعاله ، والتدبر لمفاهيم نعوته وجلاله ، وأحقهم بالقرب والعداد في حزبه المتخلق بأوصافه على قدر اجتهاده ، فينبغي للمؤمن التنزه عن أن يقول ما لا يفعل أو يبني شيئا من أموره على غير إحكام ، وقد مضى شرح الاسمين الشريفين قريبا وذكر خلاصة شرحهما بما هو خاصة الملك وآية الطهارة للطاهر فقال :( الْعَزِيزِ ) أي الذي يغلب كل شيء ، لا يغلبه شيء ، فلو أراد لجعل العقلاء كلهم أيضا مع تسبيحهم بالجري تحت مراده طوعا وكرها مسبحين بالموافقة لأمره طوعا( الْحَكِيمِ ) الذي يوقع كل ما أراده في أحكم مواقعه وأتمها وأتقنها.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما ختمت سورة الصف بالثناء على الحواريين في حسن استجابتهم وجميل إيمانهم ، وقد أمر المؤمنين بالتشبه بهم في قوله تعالى :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ ) [الصف : ١٤] كان ذلك مما يوهم فضل أتباع عيسىعليه‌السلام على أتباع محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم فاتبع ذلك بذكر هذه الأمة ، والثناء عليها ، فافتتحت السورة بالتنزيه عما أشار إليه قوله :( وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ ) [الصف : ١٤] فإنهم ارتكبوا العظيمة وقالوا بالبنوة ، فنزه

٥٩١

سبحانه نفسه عن ذلك ثم قال :( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ ) [الجمعة : ٢] إلى قوله :( ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) [الجمعة : ٤] ثم أعلم تعالى بحال طائفة لاح لهم نور الهدى ووضح لها سبيل الحق فعميت عن ذلك وارتبكت في ظلمات جهلها ولم تزدد بما حملت إلا حيرة وضلالة فقال تعالى :( مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً ) [الجمعة : ٥] الآيات وهي في معرض التنبيه لمن تقدم الثناء عليه ورحمه‌الله إياه لئلا يكونوا فيما يتلو عليهم نبيهم من الآيات ويعلمهم من الكتاب والحكمة مثل أولئك الممتحنين ، فإنهم مقتوا ولعنوا بعد حملهم التوراة ، وزعموا أنهم التزموا حمله والوفاء به فوعظ هؤلاء بمثالهم لطفا من الله لهذه الأمة( وَما ) يتذكر( إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ ) انتهى.

ولما كانت القدرة على تزكية الجلف الجافي بحمله على التنزيه أدل على القدرة على غيره ، وكان قد أسلف عن بني إسرائيل أنهم لم يقبلوا التزكية بل زاغوا ، دل على قدرته في عزته وحكمته وملكه وقدسه على تزكية جميع العقلاء بقوله :( هُوَ ) أي وحده( الَّذِي بَعَثَ ) أي من حضرة غيب غيبه بشرع أوامره ونواهيه( فِي الْأُمِّيِّينَ ) أي العرب لأنهم كانوا معروفين من بين سائر الأمم لا يكتبون بل هم على الخلقة الأولى حين الخروج من بطن الأم ، وذكر ظرف البعث وإهمال غايته دال على أنها كل من يتأتى البعث إليه وهم جميع الخلق ، ويجوز أن تطلق الأمية على جميع أهل الأرض لأن بعثهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان حين ذهب العلم من الناس ، ولأن العرب أصل فجميع الباقين تبع لهم ، فلا بدع أن يحمل عليهم وصفهم( رَسُولاً ) ولما كان تقويم الشيء بمثله أعجب قال :( مِنْهُمْ ) بل الأمية بمعنى عدم الكتابة والتجرد عن كل تكلف وصف لازم له دائما وعلمه لما يكن يعلم من غير تطلب ، فكانت آثار البشرية عنه مندرسة ، وأنوار الحقائق عليه لائحة ، وذلك لئلا يتوهم الافتقار إلى الاستعانة بالكتب لأن منشأ مشاكلته لحال من بعث فيهم أقرب إلى مساواتهم له لو أمكنهم ، فيكون عدم إمكان المساواة أدل على الإعجاز ، وذكر بعثه منهم إن خص الوصف بالعرب لا ينفي بعثه إلى غيرهم ولا سيما مع ما ورد فيه من الصرائح وأثبته من الدلائل القواطع ، فذكر موضع البعث وابتداءه فتكون الغاية مطلقة تقديرها : إلى عامة الخلق.

ولما كان كونه منهم مفهما لأنه لا يزيد عليهم من حيث كونه منهم وإن زاد فبشيء يسير ، عجب من أمره ونبه على معجزة عظيمة له بقوله مستأنفا :( يَتْلُوا ) أي يقرأ قراءة يتبع بعضها بعضا على وجه الكثرة والعلو والرفعة( عَلَيْهِمْ ) مع كونه أميا مثلهم( آياتِهِ ) أي يأتيهم بها على سبيل التجدد والمواصلة آية بينة على صدقه لأنه أمي مثلهم بل فيهم

٥٩٢

الكاتب والعالم وإن كانوا معمورين في كثرتهم فما خصه عنهم بذلك إلا القادر على كل شيء.

ولما كان المقام للتنزيه ولتأديب من وقع في موادة الكفار ونحو ذلك ، قدم التزكية فقال :( وَيُزَكِّيهِمْ ) أي عن الأخلاق الرذيلة والعقائد الزائغة ، فكانت تزكيته لهم مدة حياته بنظره الشريف إليهم وتعليمه لهم وتلاوته عليهم ، فربما نظر إلى الإنسان نظرة محبة فزكاه الله بها ، وربما سرت تلك النظرة إلى ثان فأشرقت أنوارها عليه على حسب القابليات كما وقع لعمير بن وهب ثم صفوان بن أمية وكذا ذو النور الطفيل بن عامر الدوسي رضي الله عنه ثم قومه ، فأما عمير فكان من أعظم المؤذين للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ولمن آمن به فتذاكر مع صفوان وقعة بدر في الحجر ومن فقدوا من صناديدهم وأنه ليس في العيش بعدهم خير ، ثم تمنوا رجلا بقتال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال عمير : لو لا فقري وبنات لي وعيال أخشى عليهم الضيعة من بعدي لأتيته بغلة أسيري عندهم فقتلته ، فاغتنمها صفوان فعاهده أن يكفي عياله إن مات وأن يواسيه إن عاش ، فقال : اكتم عني ثلاثا ، ثم ذهب إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فهداه الله فحلف صفوان أن لا يكلمه أبدا ، فلما فتحت مكة فر صفوان ليركب البحر من جدة ، فاستأذن عمير النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ثم ذهب إليه فلحقه فلم يزل به حتى رجع ثم أسلم فكان من خيار الصحابة رضي الله عنه ، وأما ذو النور فحين دعاه النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ثم سأل آية يعينه الله بها على قومه فآتاه الله نورا حين أشرف على الحي الذي هو منه ، ثم دعا أباه وأمه فأسلما ، ثم صاحبته فكذلك ثم قومه ، فما تخلف منهم أحد ، وأما غير الصحابة رضي الله عنهم فتزكيته لهم بآثاره بحسب القابليات والأمور التي قضى الله أن يكون مهيأ ، فمن كان له أعشق كان لاتباعه ألزم ، فكان في كتاب الله وسنته أرسخ من سيرة وغيرها علما وعملا فكان أشد زكاء.

ولما كانوا بعد التزكية التي هي تخلية عن الرذائل أحوج ما يكون إلى تحلية بالفضائل قال :( وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ ) أي المنزل عليه الجامع لكل خير ديني ودنيوي في الأولى والأخرى( وَالْحِكْمَةَ ) وهي غاية الكتاب في قوة فهمه والعمل به ، فهي العلم المزين بالعمل والعمل المتقن بالعلم معقوله ومنقوله ليضعوا كل شيء منه في أحكم مواضعه فلا يزيغوا عن الكتاب كما زاغ بنو إسرائيل ، فيكون مثلهم كمثل الحمار يحمل أسفارا ولو لم يكن لهصلى‌الله‌عليه‌وسلم معجزة إلا هذه لكانت غاية.

ولما كان الوصف بالأمية مفهما للضلال ، وكان كثير منهم حال إنزال هذه السورة يعتقد أنهم على دين متين وحال جليل مبين ، وكانوا بعد هدايته لهم بعد الأمية سيضلون لأن الإرسال من حضرة غيب الغيب في العلوم المنافية للأمية إلى ما لم تصل إليه أمة

٥٩٣

من الأمم قبلهم ، وكان ذلك موجبا للتوقف في كونهم كانوا أميين ، أكد هذا المفهوم بقوله :( وَإِنْ ) أي والحال أنهم( كانُوا ) أي كونا هو كالجبلة لهم. ولما كان كونهم ذلك في بعض الزمن الماضي ، أدخل الجار فقال :( مِنْ قَبْلُ ) أي قبل إرساله إليهم من حين غيروا دين أبيهم إسماعيل عليه الصلاة والسّلام وعبدوا الأصنام( لَفِي ضَلالٍ ) أي بعد عن المقصود( مُبِينٍ ) أي ظاهر في نفسه مناد لغيره أنه ضلال باعتقادهم الأباطيل الظاهرة وظنهم أنهم على شيء وعموم الجهل لهم ورضاهم به واختيارهم له وعيبهم من يميل إلى التعلم وينحو نحو التبصر كما وقع لهم مع زيد بن عمرو بن نفيل وغيره ، فوصفهم بهذا غاية في نفي التعلم من مخلوق عن نبيهم إعظاما لما جاء به من الإعجاز وتقريرا لشدة احتياجهم إلى نبي يرشدهم إلى الهدى ، وينقذهم مما كانوا فيه من العمى والردى.

ولما كانت تزكيته لهم مع أميتهم وغباوتهم لوصف الأمية في الجهل أمرا باهرا في دلالته على تمام القدرة ، زاد في الدلالة على ذلك بإلحاق كثير ممن في غيرهم من الأمم مثلهم في الأمية بهم فقال :( وَآخَرِينَ ) أي وبعثه في آخرين( مِنْهُمْ ) في الأمية لا في العربية( لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ) أي في وقت من الأوقات الماضية في صفة من الصفات ، بل هم أجلف الناس كعوام المجوس واليهود والنصارى والبرابر ونحوهم من طوائف العجم الذين هم ألكن الناس لسانا وأجمدهم أذهانا وأكثفهم طبعا وشأنا ، وسيلحقهم الله بهم في العلم والتزكية.

ولما كان عدم إلحاقهم بهم في الماضي ربما أوهم شيئا في القدرة ، وإلحاقهم بهم في المستقبل في غاية الدلالة على القدرة ، قال :( وَهُوَ ) أي والحال أنه وحده( الْعَزِيزُ ) الذي يقدر على كل شيء ولا يغلبه شيء فهو يزكي من يشاء ويعلمه ما أراد من أيّ طائفة كان ، ولو كان أجمد أهل تلك الطائفة لأن الأشياء كلها بيده( الْحَكِيمُ ) فهو إذا أراد شيئا موافقا لشرعه وأمره جعله على أتقن الوجوه وأوثقها فلا يستطاع نقضه ، ومهما أراده كيف كان فلا بد من إنفاذه فلا يطلق رده بوجه ، ويكون المراد بالآخرين العجم ، وأن الله تعالى سيلحقهم بالعرب ، قال ابن عمر رضي الله عنهما وسعيد بن جبير أيضا رضي الله عنه وهو رواية ليث عن مجاهد ويؤيده ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا سأل عنهم لما نزلت سورة الجمعة فوضع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يده على سلمان رضي الله عنه وقال : «لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء»(١) .

__________________

(١) أخرجه البخاري ٤٨٩٨ و ٤٨٩٧ ومسلم ٢٥٤٦ والترمذي ٣٣٠ و ٣٩٣٣ وابن حبان ٧٣٠٨ وأبو نعيم ١ / ٢ وأحمد ٢ / ٤١٧ من حديث أبي هريرة.

٥٩٤

ولما كان هذا أمرا باهرا ، عظمه بقوله على وجه الاستثمار من قدرته :( ذلِكَ ) أي الأمر العظيم الرتبة من تفضيل الرسول وقومه وجعلهم متبوعين بعد أن كان العرب أتباعا لا وزن لهم عند غيرهم من الطوائف( فَضْلُ اللهِ ) أي الذي له جميع صفات الكمال ، والفضل ما لم يكن مستحقا بخلاف الفرض( يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ ) بحوله وقوته بأن يهيئه له ولو كان أبعد الناس منه( وَاللهُ ) أي الملك الأعظم( ذُو الْفَضْلِ ) ولما كانت «آل» دالة على الكمال دل على ذلك بقوله :( الْعَظِيمِ ) أي الذي يحقر دونه كل عطاء من غيره.

( مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥) قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٦) )

ولما أدب عباده المؤمنين في الممتحنة عما يؤذي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأتمه في الصف بما حذر من إزاغة القلوب لمن آذى نبيه موسى عليه الصلاة والسّلام ، وأعلم أنه سبحانه جمع الآداب كلها في هذا الكتاب الذي أنزله على نبيهم الذي جعله خاتم الأنبياء وأشرف الأصفياء ، ودل على فضله العظيم بتعليم الجاهل ، دل على عقابه الأليم تتميما للدلالة على باهر قدرته بتجهيل العالم بإزاغة قلبه وإذهاب لبه بيأسه من الآخرة لغضبه عليه تحذيرا من الوقوع بما يوجب الإضلال بعد العلم ، فقال جوابا لمن كأنه قال : هذا فضله على الجاهل فكيف فعله بالعالم؟ فقال تحذيرا لمن يزكي فلا يتزكى بأن يقول ما لا يعمل ، ويحمل الكتاب فيحمله غير عالم به من أن يفعل به ما فعل باليهود من الذل في الدنيا والخزي والعذاب في الآخرة بإزاغة القلوب وإحاطة الذنوب فيكون أقبح مما قيل فيه :

من فاته العلم وأخطأ الغنى

فذاك والكلب على حد سوا

( مَثَلُ الَّذِينَ ) ولما كان العلم ولا سيما الرباني يجب أن يفرح به ويرغب فيه من أيّ موصل كان ، بني للمجهول قوله وصيانة لاسمه الشريف عن أن يذكر عند العصيان :( حُمِّلُوا التَّوْراةَ ) أي كلفوا وألزموا حمل الكتاب الذي آتاه الله لبني إسرائيل على لسان موسى عليه الصلاة والسّلام بأن علمهم إياها سبحانه وكلفهم حفظ ألفاظها عن التغيير والنسيان ومعانيها عن التحريف والتلبيس وحدودها وأحكامها عن الإهمال والتضييع.

ولما كان تركهم لحملها وهي من عند الله وعلى لسان رجل منهم هو أعظم في أنفسهم وأجلهم إحسانا إليهم في غاية البعد ولا سيما مع طول الزمان المسهل لحفظها

٥٩٥

الميسر لتدبرها وتعرف مقدارها ، عبر بأداة البعد فقال :( ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها ) بأن حفظوا ألفاظها ولم يعملوا بما فيها من الوصية باتباع عيسى عليه الصلاة والسّلام إذا جاءهم ثم محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا جاء ، فهي ضارة لهم بشهادتها عليهم قاذفة لهم في النار من غير نفع أصلا( كَمَثَلِ ) أي مثّل مثل( الْحِمارِ ) الذي هو أبله الحيوان ، فهو مثل في الغباوة ، حال كونه( يَحْمِلُ أَسْفاراً ) أي كتبا من العلم كاشفة للأمور تنفع الألباء ، جمع سفر ، وهو الكتاب الكبير المسفر عما فيه.

ولما كان المثل الجامع لهما ـ وهو وجه الشبه ـ شخصا مثقلا متعبا جدا بشيء لا نفع له به أصلا فهو ضرر عليه صرف لا يدرك ما هو حامله غير أنه متعب ولا يدري أصخر هو أم كتب ، أنتج قوله معبرا بالأداة التي هي لجامع الذم ترهيبا للآدميين من أن يتهاونوا بشيء من أحكام القرآن فيكونوا أسوأ مثلا من أهل الكتاب فيكونوا دون الحمار لأن رسولهمصلى‌الله‌عليه‌وسلم أعظم وكتابهم أعلى وأفخم فقال :( بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ ) أي الذين لهم قوة شديدة على محاولة ما يريدونه فلم يؤتوا من عجز يعذرون به( الَّذِينَ كَذَّبُوا ) أي عمدوا على علم عنادا منهم وكفرا( بِآياتِ اللهِ ) أي دلالات الملك الأعظم على رسله ولا سيما محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم وجميع ما يرضيه مثلهم فإن مثلهم قد تكفل بتعريف أنهم قد اجتمعوا مع الحمار في وصف هو الروح الباطني ، وهو الضرر الصرف الذي لا نفع فيه بوجه بأنفع الأشياء ، وهو ما دل على الله فضمن سعادة الدارين ، وهذا المثل وإن كان نصا في اليهود فهو لجميع قراء السوء من كل ملة لاشتراكهم معهم في وجه الشبه كما أن مثل الكلب في الأعراف على هذا النحو ، وكأنه لم يدخل سبحانه هذه الأمة في ذلك صريحا إشارة إلى حفظها من غير أن يكلها إلى نفسها كما أنه آتاها العلم مع الأمية منها ومن رسولها من غير أن يكلهم إلى كتابة ولا تقدم علم ما ولا تكلف لشيء.

ولما كان التقدير : فاستحقوا الوصف بجميع المذام لأنهم ظلموا أشد الظلم ، عطف عليه قوله :( وَاللهُ ) أي الذي له جميع صفات الكمال لا يهديهم ـ هكذا كان الأصل ، ولكنه أظهر تعميما وتعليقا للحكم بالوصف فقال :( لا يَهْدِي الْقَوْمَ ) أي لا يخلق الهداية في قلوب الأقوياء الذين تعمدوا الزيغ :( الظَّالِمِينَ ) أي الذين تعمدوا الظلم بمنابذة الهدى الذي هو البيان الذي لم يدع لبسا حتى صار الظلم لهم صفة راسخة.

ولما كان قولهم أنهم أولياء الله وأحباؤه في غاية البعد من هذا المثل ، استأنف ما يدل على صحة المثل قطعا ، فقال معرضا عنهم آمرا لمن كذبوه بتبكيتهم :( قُلْ ) أي يا أيها الرسول الذي هم قاطعون بأنه رسوله الله :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا ) أي تدينوا

٥٩٦

باليهودية. ولما كان الحق يصدع من له أدنى مسكة ، فكانوا جديرين بالرجوع عن العناد ، عبر بأداة الشك فقال :( إِنْ زَعَمْتُمْ ) أي قلتم قولا هو معرض للتكذيب ولذلك أكدتموه( أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ ) الله أي الملك الأعلى الذي لا أمر لأحد معه ، خصكم بذلك خصوصية مبتدأة( مِنْ دُونِ ) أي أدنى رتبة من رتب( النَّاسِ ) فلم تتعد الولاية تلك الرتبة الدنيا إلى أحد منكم غيركم ، بل خصكم بذلك عن كل من فيه أهلية الحركة لا سيما الأميين( فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ ) وأخبروا عن أنفسكم بذلك للقلة من دار البلاء إلى محل الكرامة والآلاء( إِنْ كُنْتُمْ ) أي كونا راسخا( صادِقِينَ ) أي عريقين عند أنفسكم في الصدق فإن من علامات المحبة الاشتياق إلى المحبوب ، ومن التطوع به أن من كان في كدر وكان له ولي قد وعده عند الوصول إليه الراحة التي لا يشوبها ضرر أنه يتمنى النقلة إلى وليه ، روي أنهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال لهم «والذي نفسي بيده لا يقولها منكم أحد إلا غص بريقه» فلم يقلها أحد منهم علما منهم بمصدقهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فلم يقولوا ولم يؤمنوا عنادا منهم.

( وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) )

ولما كان التقدير : فقال لهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم امتثالا لأمرنا ذلك ، فلم يتمنوه في الوقت الحاضر ، تصديقا منا لنبوته وتعجيزا وتحقيقا لمعجزات رسالته ، دل على هذا المقدر بما عطف عليه من قوله الدال قطعا على صدقه بتصديقهم له بالكف عما أخبر أنهم لا يفعلونه :( وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ ) أي في المستقبل ، واكتفى بهذا في التعبير بلا لأن المذكور من دعواهم هنا أنهم أولياء لا كل الأولياء فهي دون دعوى الاختصاص بالآخرة ، وأيضا الولاية للتوسل إلى الجنة ، ولا يلزم منها الاختصاص بالنعمة بدليل أن الدنيا ليست خالصة للأولياء المحقق لهم الولاية ، بل البر والفاجر مشتركون فيها. ولما أخبر بعدم تمنيهم ، وسع لهم المجال تحقيقا للمراد فقال :( أَبَداً ) وعرف أن سببه معرفتهم بأنهم أعداء الله فقال :( بِما قَدَّمَتْ ) ولما كان أكثر الأفعال باليد ، نسب الكل إليها لأنها صارت عبارة عن القدرة فقال :( أَيْدِيهِمْ ) أي من المعاصي التي أحاطت بهم فلم تدع لهم حظا في الآخرة بعلمهم.

ولما كان التقدير تسببا عن هذا : لئلا يقولوا : سلمنا جميع ما قيل في الظالمين لكنا لسنا منهم فالله عليم بهم في أفعالهم ونياتهم ، عطف عليه قوله معلقا بالوصف

٥٩٧

تعميما وإعلاما بأن وصف ما قدموا من الظلم( وَاللهُ ) أي الذي له الإحاطة بكل شيء قدرة وعلما( عَلِيمٌ ) أي بالغ العلم محيط بهم ـ هكذا كان الأصل ، ولكنه قال :( بِالظَّالِمِينَ ) تعميما وتعليقا بالوصف لا بالذات ، فالمعنى أنه عالم بأصحاب هذا الوصف الراسخين فيه منهم ومن غيرهم فهو يجازيهم على ظلمهم وهم يعلمون ذلك ، وأعظم مصدق الله ـ ومن أصدق من الله قيلا ـ في هذا أنهم ما قوتلوا قط إلا أرزوا إلى حصونهم وقراهم كما مر في سورة الحشر ، فدل ذلك على أنهم أحرص على الحياة الدنيا من الذين أشركوا كما مر في سورة البقرة فإنهم عالمون بأنهم يصيرون إلى النار ، والعرب يظنون أنهم لا يبعثون فهم لا يخافون ما بعد الموت وهم شجعان يقدمون على الموت كما قال عنترة بن شداد العبسي :

بكرت تخوفني المنون كأنني

أصبحت عن عرض الحتوف بمعزل

فأجبتها أن المنية منهل

لا بد أن أسقى بذاك المنهل

فافني حياك لا أبا لك واعلمي

أني امرؤ سأموت إن لم أقتل

ولما كان عدم تمنيهم علم من أعلام نبوتهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لموافقته ما أخبر به ، وكان ذلك فعل من يعتقد أن التمني يقدمه عن أجله وعدمه يؤخره ، فصاروا بين التكذيب بما عندهم ونهاية البلادة ، أمرهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بتنبيههم على بلادتهم تبكيتا لهم فقال :( قُلْ ) وأكد إعلاما لهم بأنه يلزم من فعلهم هذا إنكار الموت الذي لا ينكره أحد فقال :( إِنَّ الْمَوْتَ ) وزاد في التقريع والتوبيخ بقوله :( الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ ) أي بالكف عن التمني الذي هو أيسر ما يكون مع أنه يوصلكم إلى تكذيب من أنتم جاهدون في تكذيبه ، وأكد وقوعه بهم لأن عملهم عمل من هو منكر له ، وربطه بالفاء جعلا لفرارهم كالسبب له ، فإن الجبن من أسباب الموت مع ما يكسب من العار كما قال : «إن الجبان حتفه من فوقه» أي هو غالب عليه غلبة العالي على السافل فقال :( فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ) أي مدرككم في كل وجه سلكتموه بالظاهر أو الباطن.

ولما كان الحبس في البرزخ أمرا ـ مع أنه لا بد منه ـ مهولا ، نبه عليه وعلى طوله بأداة التراخي فقال :( ثُمَّ تُرَدُّونَ ) ونبه بالبناء للمفعول على القهر منه سبحانه والصغار منهم وأنه عنده في غاية السهولة( إِلى عالِمِ الْغَيْبِ ) وهو كل ما غاب عن العباد فهو مخبر عن أخلاقكم عن علم. ولما كان بعض الفلاسفة يقر بعلمه تعالى بالكليات ، وينكر علمه بالجزئيات قال :( وَالشَّهادَةِ ) وهي كل ما ظهر وتشخص ولو لواحد من الخلق قبل كونه وبعد كونه. ولما كان التوقيف على الأعمال فظيعا مرجفا ، قال مسببا عن الرد :( فَيُنَبِّئُكُمْ ) أي يخبركم إخبارا عظيما مستقصى مستوفى( بِما كُنْتُمْ ) أي بما

٥٩٨

هو لكم كالجبلة( تَعْمَلُونَ ) أي بكل جزء منه مما برز إلى الخارج ومما كان في جبلاتكم ولو لقيتم لعلمتموه ليجازيكم عليه.

ولما قبح سبحانه المخالفة بين القول والفعل وصور صاحبها بصورة الحمار على الهيئة السابقة ، وحذر من ذلك بما هيأ به العاقل للإجابة إلى دوام الطاعة بعد أن بين أن جميع الكائنات مقرة بشمول ملكه بما لها من التسبيح بألسنة الأحوال ، والقيام في مراداته بغاية الامتثال ، فكان العاقل جديرا بالمبادرة إلى غاية التسبيح بلسان المقال ، وختم بالتحذير من الإخبار يوم الجمع الأعظم بجميع الأعمال ، قال على طريق الاستنتاج مما مضى من الترغيب والترهيب ، نادبا لهم ـ ليكونوا أولياء الله ـ إلى التزكية المذكورة التي هي ثمرة الرسالة بما حاصله الإقبال بالكلية على الله والإعراض بالكلية عن الدنيا ليجمع المكلف بين التحلي بالمزايا والتخلي عن الدنايا ، فخص من المزايا أعظم تسبيح يفعله العاقل في أيام الأسبوع وهو الإسراع بالاجتماع العظيم في يوم الجمعة الذي يناظر الاجتماع لإجابة المنادي في يوم الجمع الأكبر ، ثم الإقبال الأعظم بفعل صلاة الجمعة التي هي سر اليوم الذي ضيعه اليهود واستبدلوا به ما كان سبب تعذيبهم بعذاب لم يعذب به أحد من العالمين كما جعل نتيجة السورة الماضية النداء بالإرشاد إلى الإيمان والجهاد الموجب للأمان :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) أي أقروا بألسنتهم بالإيمان وألهبهم بأداة البعد ـ المشيرة إلى احتياجهم إلى التزكية ـ إلى المبادرة إلى الإقبال على ما يتعقب ذلك من الأوامر( إِذا نُودِيَ ) أي من أي مناد كان من أهل النداء( لِلصَّلاةِ ) أي لأجل الحضور إليها وإليه عند قعود الإمام على المنبر للخطبة. ولما كانت الإجابة يكفي في إيجابها النداء في الوقت المعروف للنداء ولا يشترط لها استغراق النداء لجميع اليوم أتى بالجار فقال :( مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ) أي اليوم الذي عرض على من قبلنا فأبوه فكانوا كمثل الحمار يحمل أسفارا وادخره الله لنا ووفقنا لقبوله ، فكانوا لنا تبعا مع تأخرنا عنهم في الزمان ، سمي بذلك لوجوب الاجتماع فيه للصلاة ، فعلة بالسكون ويضم اسم للمفعول كالضحكة للمضحوك منه ، فإن فتح ميمه كان بمعنى الوقت الجامع كالضحكة للكثير الضحك ، ومن جمعه أن فيه اجتمع خلق آدم عليه الصلاة والسّلام فاجتمع بخلقه جميع الخلق ، وهو مذكر بيوم البعث والجمع الذي يقع فيه الإنباء بالأعمال ، وتظهر فيه ظهورا بينا تاما الجلال والجمال( يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ ) [ق : ٤١] وفيه تقوم الساعة ، روى مالك عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم عليه الصلاة والسّلام وفيه أهبط وفيه مات وفيه تيب عليه ، وفيه تقوم الساعة ، وما من دابة إلا وهي مصيحة يوم الجمعة من حين تصبح حتى

٥٩٩

تطلع الشمس مشفقا من الساعة إلا الجن والإنس ، وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله تعالى شيئا إلا أعطاه إياه . وفي آخر الحديث أن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال : إنها آخر ساعة في يوم الجمعة ، وأول الصلاة بما هو أعم من فعلها وانتظارها لقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم «من جلس مجلسا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصليها»(١) . وكان النداء في زمن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم عند باب المسجد إذا صعدصلى‌الله‌عليه‌وسلم على المنبر ، فإذا نزل بعد الخطبة أقيمت الصلاة ، وكذا في زمن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، فلما كان عثمان رضي الله عنه وكثر الناس وتباعدت المنازل وقلت الهمم زاد مؤذنا آخر على داره التي تسمى الزوراء ، فإذا جلس على المنبر أذن المؤذن ثانيا الأذان الذي كان على زمن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فإذا نزل من المنبر أقيمت الصلاة ، ولم يعب أحد على عثمان زيادة الأذان الأول لعلمهم أنه من السنة بما جعل إليه النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم حين قال : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي»(٢) .

ولما كان المراد إيجاب المعنى جزما من غير تردد مع قطع كل علاقة بلا التفات إلى شيء من غير ما عذر الشارع به ، عبر عنه بالسعي ، وهو معنى قول الحسن أنه السعي بالنية لا بالقدم ، فقال :( فَاسْعَوْا ) أي لتكونوا أولياء الله ولا تهاونوا في ذلك لتكونوا أعداءه كاليهود( إِلى ذِكْرِ اللهِ ) أي الخطبة والصلاة المذكرة بالملك الأعظم الذي من انقطع عن خدمته هلك ، هذا المراد بالسعي لا حقيقة بل هي منهي عنها كما قالصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون ولكن ائتوها وعليكم السكينة ، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا »(٣) .

ولما أمر بالمبادرة إلى تجارة الآخرة ، وكان طلب الأرباح لكونها حاضرة أعظم مانع عن أمور الآخرة لكونها غايته ، وكان البيع أجل ذلك لتعين الفائدة فيه ولكونه أكثر

__________________

(١) أخرجه أبو داود ١٠٤٦ والترمذي ومالك ١ / ١٠٨ ـ ١١٠ وابن حبان ٢٧٧٢ والحاكم ١ / ٢٧٨ ـ ٢٧٩ وأحمد ٢ / ٤٨٦ من حديث أبي هريرة صححه الحاكم ، ووافقه الذهبي وقال الترمذي : حسن صحيح ا ه.

ـ أخرج بعضا منه مسلم ٨٥٤ والترمذي ٤٨٨ والنسائي ٣ / ٨٩ ـ ٩٠ وأحمد ٢ / ٤٠١ و ٥١٢ من حديث أبي هريرة.

(٢) أخرجه أبو داود ٤٦٠٧ والترمذي ٢٦٧٦ وابن ماجه ٤٣ و ٤٤ وابن حبان ٥ والحاكم ١ / ٩٥ والبيهقي ٦ / ٥٤١ وأحمد ٤ / ١٢٦ ـ ١٢٧ من حديث العرباض بن سارية صححه الحاكم ، ووافقه الذهبي ، وقال الترمذي : حسن صحيح ا ه.

(٣) أخرجه البخاري ٦٣٦ و ٩٠٨ ومسلم ٦٠٢ وأبو داود ٥٧٢ والترمذي ٣٢٧ وابن ماجه ٧٧٥ وابن حبان ٣١٤٦ والبيهقي ٢ / ٢٩٧ وعبد الرزاق ٣٤٠٥ وأحمد ٢ / ٣٨٦ من حديث أبي هريرة.

٦٠٠