نظم الدّرر الجزء ٧

نظم الدّرر0%

نظم الدّرر مؤلف:
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 631

نظم الدّرر

مؤلف: برهان الدين البقاعي
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
تصنيف:

الصفحات: 631
المشاهدات: 128
تحميل: 18


توضيحات:

بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 631 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 128 / تحميل: 18
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 7

مؤلف:
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
العربية

ما يشتغل به أهل الأسواق لكثرة الوافدين إلى الأمصار يوم الجمعة من الحواضر واجتماعهم للتجارة عند تعالي النهار ، قال ناهيا عن تجارة الدنيا وكل ما يعوق عن الجمعة معبرا به عنها لأنه أعظمها :( وَذَرُوا الْبَيْعَ ) أي اتركوه ولو على أقبح حالاته وأذلها وأحقرها ، فأفاد النهي عن غيره من باب الأولى ، ووقت التحريم من الزوال إلى فراغ الصلاة ، فإن خالف وباع صح العقد مع عصيانه ، فإن النهي ليس لعينه ولا لما هو داخل فيه ولا لما هو خارج ولازم له بل لأمر مقارن بطريق الاتفاق ، وهو ما هو فيه من الذهول عن الواجب فهو كالصلاة في الدار المغصوبة والثوب المغصوب والوضوء بالماء المغصوب.

ولما أمر بما هو شاق على النفوس معبرا بالفعل المريض لفظا ومعنى ، رغب فيه بقوله :( ذلِكُمْ ) أي الأمر العالي الرتبة من فعل السعي وترك الاشتغال بالدنيا( خَيْرٌ لَكُمْ ) لأن الذي أمركم به له الأمر كله وهو يريد تطهيركم في أديانكم وأبدانكم وأموالكم وبيده إسعادكم وإشقاؤكم ، وألهب إلى ذلك وزاد في الحث عليه بقوله :( إِنْ كُنْتُمْ ) أي بما هو لكم كالجبلة( تَعْلَمُونَ ) أي يتجدد لكم علم في يوم من الأيام فأنتم ترون ذلك خيرا ، فإذا علمتموه خيرا أقبلتم عليه فكان ذلك لكم خيرا ، وصلاة الجمعة فرض عين على كل من جمع البلوغ والعقل والحرية والذكورة والإقامة إذا لم يكن له عذر مما ذكره الفقهاء ، وإنما عبر عنها بهذا إشارة إلى أن عاقلا لا يسعه أن يترك ما يعلم أنه أعلى وجوه الخير ، وكل من لا يجب عليه حضور الجمعة فإذا حضر وصلى مع الإمام سقط عنه فرض من الظهر ولا يكمل به عدد الجمعة إلا صاحب العذر ، فإنه إذا حضر يكمل به العدد.

( فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠) وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١) )

ولما حث على الصلاة وأرشد إلى أن وقتها لا يصلح لطلب شيء غيرها ، وأنه متى طلب فيه شيء من الدنيا محقت بركته مع ما اكتسب من الإثم ، بين وقت المعاش فقال مبيحا لهم ما كان حظر عليهم ، ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما : إن شئت فاخرج وإن شئت فاقعد :( فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ ) أي وقع الفراغ منها على أي وجه كان( فَانْتَشِرُوا ) أي فدبوا وتفرقوا مجتهدين في الأرض في ذلك( فِي الْأَرْضِ ) جميعها إن شئتم ، لا حجر عليكم ولا حرج رخصة من الله لكم( وَابْتَغُوا ) أي وتعمدوا وكلفوا أنفسكم مجتهدين بالسعي في طلب المعاش( مِنْ فَضْلِ اللهِ ) أي زفلة الملك الأعلى

٦٠١

الذي له كل كمال ولا يجب لأحد عليه شيء بالبيع والشراء وغيرهما من مصالح الدين والدنيا التي كنتم نهيتم عنها.

ولما كان السعي في طلب الرزق ملهيا عن الذكر ، بين أنه أعظم السعي في المعاش وأن من غفل عنه لم ينجح له مقصد وإن تحايل له بكل الحيل وغير ذلك فقال :

( وَاذْكُرُوا اللهَ ) أي الذي بيده كل شيء ولا شيء لغيره فإنه لا رخصة في ترك ذكره أصلا. ولما كان العبد مطلوبا بالعبادة في كل حال فإنه مجبول على النسيان. فمهما فتر عن نفسه استولت عليها الغفلة فمرنت على البطالة فهلكت قال :( كَثِيراً ) أي بحيث لا تغفلوا عنه بقلوبكم أصلا ولا بألسنتكم حتى عند الدخول إلى الخلاء وعند أول الجماع وعند الإنزال ، واستثنى من اللساني وقت التلبس بالقذر كالكون في قضاء الحاجة.

ولما كان مراد الإنسان من جميع تصرفاته الفوز بمراداته قال معللا لهذا الأمر :( لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) أي لتكونوا عند الناظر لكم والمطلع عليكم من أمثالكم ممن يجهل العواقب على رجاء من أن تظفروا بجميع مطلوباتكم ، فإن الأمور كلها بيد من تكثرون ذكره ، وهو عالم بمن يستحق الفلاح فيسعفه به وبمن عمل رياء ونحوه فيخيبه ، فإذا امتثلتم أمره كان جديرا بتنويلكم ما تريدون ، وإن نسيتموه كنتم جديرين بأن يكلكم إلى أنفسكم فتهلكوا.

ولما كان التقدير مما ينطق به نص الخطاب : هذه أوامرنا الشريفة وتقديساتنا العظيمة وتفضلاتنا الكريمة العميمة ، فما لهم إذا نودي لها توانى بعضهم في الإقبال إليها ، وكان قلبه متوجها نحو البيع ونحوه من الأمور الدنيوية عاكفا عليها ساعيا بجهده إليها فخالف قوله أنه أسلم لرب العالمين فعله هذا ، عطف عليه قوله :( وَإِذا رَأَوْا ) أي بعد الوصول إلى موطنها المريح ومحلها الفسيح الشرح المليح ، والاشتغال بشأنها العالي( تِجارَةً ) أي حمولا هي موضع للتجارة. ولما ذكر ما من شأنه إقامة المعاش أتبعه ما هو أنزل منه وهو ما أقل شؤونه البطالة التي لا يجنح إليها ذو قدر ولا يلقي لها باله فقال :( أَوْ لَهْواً ) أي ما يلهي عن كل نافع. ولما كان مطلق الانفضاض قبيحا لأنه لا يكون إلا تقربا على حال سيىء ، من الفض وهو الكسر بالتفرقة ، والفضاض ما تفرق من الشيء عند الكسر ، ويقال : فض الفم والطلع : كسرهما ، فكيف إذا كانت علته قبيحة ، قال تعالى معبرا به :( انْفَضُّوا ) أي نفروا متفرقين من العجلة.

ولما كان سبب نزول الآية أنه كان أصاب الناس جوع وجهد ، فقدم دحية الكلبيرحمه‌الله تعالى بعير تحمل الميرة ، وكان في عرفهم أن يدخلوا في مثل ذلك بالطبل والمعازف والصياح ، وكان قصد بعض المنفضين العير ، وبعضهم ما قارنها من اللهو ،

٦٠٢

ولكن قاصد التجارة هو الأكثر ، أنث الضمير فقال معلما بالاهتمام بها لأن اللهو مسبب عنها :( إِلَيْها ) وللدلالة على أنه إذا ذم قاصدها مع ما فيها من النفع والإنسان لا بد له من إصلاح معاشه لقيام حاله ولا سيما والحاجة إذ ذاك شديدة ، كان الذم لقصد اللهو من باب الأولى.

ولما كان ذلك حال الخطبة التي هي جديرة بشدة الإصغاء إليها والاتعاظ بها في صرف النفس عن الدنيا والإقبال على الآخرة قال :( وَتَرَكُوكَ ) أي تخطب حتى بقيت في اثني عشر رجلا ، قال جابر رضي الله عنه : أنا أحدهم ، ودل على مشروعية القيام بقوله :( قائِماً ) فالواجب خطبتان : قائما يفصل بينهما بجلوس ، والواجب فيهما أن يحمد الله تعالى ويصلي على النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ويوصي بتقوى الله تعالى ، هذه الثلاثة واجبة في الخطبتين معا ، ويجب أن يقرأ في الأولى آية من القرآن وفي الثانية أن يدعو للمؤمنين ، فلو ترك واحدة من هذه الخمس لم تصح الخطبة عند الشافعي رضي الله عنه ، ولجواز الجمعة خمس شرائط : الوقت وهو وقت الظهر ، والعدد وهو الأربعون ، والإمام والخطبة ودار الإقامة ، فإن فقد شرط وجبت الظهر ، ولا تبتدأ الخطبة إلا بعد تمام ، وبقاء هذا العدد شرط إلى آخر الصلاة ، فإن انفض بعضهم ثم عاد ولم يفته شيء من الأركان صحت.

ولما كان هذا فعل من سفلت همته عن سماع كلام الحق من الحق ، أمرهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بوعظهم إلهابا لهم إلى الرجوع إلى تأهلهم للخطاب ولو بالعتاب قال :( قُلْ ) أي لهم ترغيبا في الرجوع إلى ما كانوا عليه من طلب الخير من معدنه :( ما عِنْدَ اللهِ ) أي المحيط بجميع صفات الكمال من الأعراض العاجلة في الدنيا من واردات القلوب وبوادر الحقيقة ، الحاصل من سماع الخطبة الآمر بكل خير ، الناهي عن كل شر ، المفيد لتزكية الباطن وتقويم الظاهر والبركة في جميع الأحوال والآجلة في الآخرة مما لا يدخل تحت الوصف( خَيْرٌ ) ولما قدم التجارة أولا اهتماما بها ، قدم هنا ما كانت سببا له ليصير كل منهما مقصودا بالنهي فقال :( مِنَ اللهْوِ ) ولما بدأ به لإقبال الأغلب في حال الرفاهية عليه قال معيدا الجار للتأكيد :( وَمِنَ التِّجارَةِ ) أي وإن عظمت.

ولما كان من عنده الشيء قد لا يعطيه بسهولة وإذا أعطاه لا يعطيه إلا من يحبه قال :( وَاللهُ ) أي ذو الجلال والإكرام وحده( خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) لأنه يرزق متاع الدنيا لسفوله ولكونه زادا إلى الآخرة البر والفاجر والمطيع والعاصي ، ويعطي من يريد ما لا يحصيه العد ولا يحصره الحد ، وأما المعارف الإلهية والأعمال الدينية الدال عليها رونق الصدق وصفاء الإخلاص وجلالة المتابعة فلا يؤتيها إلا الأبرار وإن كانوا أضعف الناس

٦٠٣

وأبعدهم من ذلك ولا يفوت أحدا ، أقبل على ما شرعه شيئا كان ينفعه فلا تظنوا أن الغنى في البيع والتجارة إنما هو في متابعة أمر من أحل البيع وأمر به وشرع ما هو خير منه تزكية وبركة ونماء في الظاهر والباطن ، روى صاحب الفردوس عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «من قال يوم الجمعة «اللهم أغنني بحلالك عن حرامك وبطاعتك عن معصيتك وبفضلك عمن سواك سبعين مرة لم تمر به جمعتان حتى يغنيه الله تعالى »(١) وأصل الحديث أخرجه أحمد والترمذي ـ وقال حسن ـ عن علي رضي الله عنه ، وفي الباب عن ابن عباس رضي الله عنهما ، فأقبلوا على متابعة رسولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وألزموا هدية واستمسكوا بغرزه تنالوا خيري الدارين بسهولة ، فقد رجع آخر السورة كما ترى على أولها بما هو من شأن الملك من الرزق وإنالة الأرباح والفوائد ولا سيما إذا كان قدوسا وتبكيت من أعرض عن خطبة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم اللازم منه استمرار الإقبال عليه ودوام الإقامة بين يديه ، لأنه لا يدعوهم إلا لما يحييهم من الصلاة والوعظ الذي هو عين تنزيه الله وتسبيحه( يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ ) [آل عمران : ١٦٤] يزكيهم ربهم ويرزقهم من فضله إنه كريم وهاب ـ والله أعلم بالصواب.

__________________

(١) لم أجده في «مسند الفردوس» بهذا اللفظ ، ولعله في «زهر الفردوس» والله أعلم. وحديث علي أخرجه الترمذي ٣٥٥٨ وحسنه ، وله شواهد أخرى ، انظر الأذكار للنووي برقم : ٣٣٠.

٦٠٤

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة المنافقون

مدنية ـ آياتها إحدى عشر

مقصودها كمال التحذير مما يثلم الإيمان من الأعمال الباطنة ، والترهيب مما يقدح في الإسلام من الأحوال الظاهرة ، بمخالفة الفعل للقول فإنه نفاق في الجملة فيوشك أن يجر إلى كمال النفاق فيخرج من الدين ويدخل الهاوية ، ليكون هذا التحذير سببا في صدق الأقوال ثم صدق الأعمال ثم صدق الأخلاق ثم صدق الأحوال ثم صدق الأنفاس ، فصدق القول أن لا يقول القائل إلا عن برهان ، وصدق العمل أن لا يكون للبدعة عليه سلطان ، وصدق الأخلاق أن لا يلاحظ ما يبدو منه من الإحسان بعد المبالغة فيه بعين النقصان ، وصدق الأحوال أن يكون على كشف وبيان ، وصدق الأنفاس أن لا يتنفس إلا عن وجود كالعيان ، وتسميتها بالمنافقين واضحة في ذلك( بِسْمِ اللهِ ) الذي له الإحاطة العظمى علما وقدرة فمن زاغ أراده( الرَّحْمنِ ) الذي ستر بعموم رحمته من أراد من عباده وفضح من شاء وإن دقق مكره وأخفاه( الرَّحِيمِ ) الذي وفق أهل وده بإتمام نعمته لما يحبه ويرضاه.

( إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢) )

لما نهى سبحانه في الممتحنة عن اتخاذ عدوه وليا ، وذم في الصف على المخالفة بين القول والفعل ، وحذر آخر الجمعة من الإعراض عن حال من أحوال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم على حال من الأحوال ولو مع الوفاق ، لأن صورة ذلك كله صورة النفاق ، قبح في أول هذه حال من أقبل عليه على حال النفاق ، لأنه يكون كاليهود الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها ، واستمرت السورة كلها في ذمهم بأقبح الذم ليكون زاجرا عن كل ما ظاهره نفاق ، فقال تعالى :( إِذا جاءَكَ ) أي يا أيها الرسول المبشر به في التوراة والإنجيل

٦٠٥

( الْمُنافِقُونَ ) أي العريقون في وصف النفاق وهو إسلام الظاهر وكفر الباطن ، وأغلبهم من اليهود( قالُوا ) مؤكدين لأجل استشعارهم لتكذيب من يسمعهم لما عندهم من الارتياب :( نَشْهَدُ ) قال الحسن : هو بمنزلة يمين كأنهم قالوا : نقسم( إِنَّكَ ) ـ التأكيد لذلك وإيهاما لأن قوة تأكيدهم لشدة رغبتهم في مضمون ما يقولونه( لَرَسُولُ اللهِ ) أي الملك الذي له الإحاطة الكاملة ، فوافقوا الحق بظاهر أحوالهم ، وخالفوا بقلوبهم وأفعالهم.

ولما كانت الشهادة الإخبار عن علم اليقين لأنها من الشهود وهو كمال الحضور وتمام الاطلاع ومواطأة القلوب للألسنة ، صدق سبحانه المشهود به وكذبهم في الإقسام بالشهادة ومواطأة ألسنتهم لقلوبهم فقال :( وَاللهُ يَعْلَمُ ) أي وعلمه هو العلم في الحقيقة ، وأكده سبحانه بحسب إنكار المنافقين فقال :( إِنَّكَ لَرَسُولُهُ ) سواء شهد المنافقون بذلك أم لم يشهدوا ، فالشهادة بذلك حق ممن يطابق لسانه قلبه ، وتوسط هذا بين شهادتهم وتكذيبهم لئلا يتوهم أن ما تضمنته شهادتهم من الرسالة كذب.

ولما كان ربما ظن أن هذا تأكيد لكلام المنافقين ، دل على أنه تحقيق لمضمون كلامهم دون شهادتهم فقال :( وَاللهُ ) أي المحيط بجميع صفات الكمال( يَشْهَدُ ) شهادة هي الشهادة لأنها محيطة بدقائق الظاهر والباطن( إِنَّ الْمُنافِقِينَ ) أي الراسخين في وصف النفاق( لَكاذِبُونَ ) أي في إخبارهم عن أنفسهم أنهم يشهدون لأن قلوبهم لا تطابق ألسنتهم فهم لا يعتقدون ذلك ، ومن شرط قول الحق أن يتصل ظاهره باطنه وسره بعلانيته ، ومتى تخالف ذلك فهو كذب ، لا المراد أنهم كاذبون في صحة ما تضمنته شهادتهم من أنك رسول الله والحاصل أن الشهادة تتضمن شيئين : صدق مضمون الخبر والإذعان له ، فصدقهم الله في الأول وكذبهم في الثاني فصاروا بنفاقهم أسفل حالا وشر مآلا من اليهود.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما أعقب حال المؤمنين فيما خصهم الله به مما انطوت عليه الآيات الثلاث إلى صدر سورة الجمعة إلى قوله :( وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) [الجمعة : ٤] بذكر حال من لم ينتفع بما حمل حسبما تقدم ، وكان في ذلك من المواعظ والتنبيه ما ينتفع به من سبقت له السعادة ، أتبع بما هو أوقع في الغرض وأبلغ في المقصود ، وهو ذكر طائفة بين أظهر من قدم الثناء عليهم ومن أقرانهم وأترابهم وأقاربهم ، تلبست في الظاهر بالإيمان ، وأظهرت الانقياد والإذعان ، وتعرضت فأعرضت وتنصلت فما وصلت ، بل عاقتها الأقدار ، فعميت البصائر والأبصار ، ومن المطرد المعلوم أن اتعاظ الإنسان بأقرب الناس إليه وبأهل زمانه أغلب من اتعاظه بمن بعد عنه

٦٠٦

زمانا ونسبا ، فأتبعت سورة الجمعة بسورة المنافقين وعظا للمؤمنين بحال أهل النفاق ، وبسط من قصصهم ما يلائم ما ذكرناه ، وكان قيل لهم : ليس من أظهر الانقياد والاستجابة ، ثم بني إسرائيل ثم كان فيما حمل كمثل الحمار يحمل أسفارا بأعجب من حال إخوانكم زمانا وقرابة ، وأنتم أعرف الناس بهم وأنهم قد كانوا في الجاهلية موصوفين بجودة الرأي وحسن النظر( وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ) [المنافقين : ٤]( وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ ) [المنافقين : ٧] قلت : وقد مر في الخطبة ما رويناه في مصنف ابن أبي شيبة من قول أناس من المؤمنين : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقرأ في الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين فيبشر بها المؤمنين ويحرضهم ، وأما سورة المنافقين فيوئس بها المنافقين ويوبخهم ، وهذا نحو ما ذكرناه أولا ـ انتهى.

ولما كان المعنى أنهم لم يعتقدوا ما شهدوا به ، وكان كأنه قيل : فما الحامل لهم على هذا الكلام المؤكد والكذب في غاية القباحة لا سيما عند العرب ، علله بقوله مسميا شهادتهم إيمانا لأن الشهادة تجري مجرى القسم في إرادة التوكيد ، ولذلك يتلقى بما يتلقى به القسم :( اتَّخَذُوا ) أي أخذوا بجهدهم( أَيْمانَهُمْ ) أي كلها من شهادتهم هذه المجتهد في توكيدها وكل يمين سواها( جُنَّةً ) أي وقاية تقيهم المكاره الدنيوية ويستترون بها منها فيصونون بها دماءهم وأموالهم ، فاستضاؤوا بنور الإجابة فلم ينبسط عليهم شعاع نور السعادة فانطفأ نورهم بقهر الحرمان ، وبقوا في ظلمات القسمة السابقة بحكم الخذلان( فَصَدُّوا ) أي فسبب لهم اتخاذهم هذا أن أعرضوا بأنفسهم مع سوء البواطن وحرارة الصدور ، وحملوا غيرهم على الإعراض لما يرى من سيىء أحوالهم بتلك الظواهر مع بقائهم على ما كانوا ألفوه من الكفر الذي يزينه الشيطان( عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) أي عن طريق الملك الأعظم الذي شرعه لعباده ليصلوا به إلى محل رضوانه ، ووصلوا إلى ذلك بخداعهم ومكرهم بجرأتهم على الأيمان الحانثة التي يمشون حالهم بها لما شرعه الله في هذه الحنيفية السمحة من القناعة من الحالف بيمينه فيما لا يعلم إلا من قبله.

ولما كان ما أخبر به من حالهم في غاية القباحة ، أنتج قوله :( إِنَّهُمْ ) وأكده لأن حالهم يعجبهم ويعجب كثيرا ممن قاربهم( ساءَ ما كانُوا ) أي جبلة وطبعا( يَعْمَلُونَ ) أي يجددون عمله مستمرين عليه بما هو كالجبلة من جرأتهم على الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وخلص عباده بالأيمان الحانثة.

( ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (٣) وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ

٦٠٧

أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥) سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٦) )

ولما كانت المعاصي تعمي القلب فكيف بأعظمها ، علله بقوله :( ذلِكَ ) أي الأمر العظيم في البعد من الخير من الكذب بالإخبار بالشهادة والحلف على الصدق والصد عن السبيل والوصف لعملهم بالسوء( بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ) أي بسبب أنهم أقروا بالإيمان بألسنتهم من غير مطابقة لقلوبهم. ولما كان الكفر مستبعدا فكيف إذا كان بعد الإقرار ، عبر بأداة البعد لذلك ولتفهم الذم على التعقيب من باب الأولى ، ولئلا يتوهم أن الذم إنما هو على تعقيب الإيمان بالكفر فقط ، لا على مطلقه ، فالتعبير بثم يفهم أن من استمر طول عمره على الإيمان ثم كفر قبل موته بلحظة كان له هذا الذم فقال :( ثُمَّ كَفَرُوا ) أي سرا فهابوا الناس ولم يهابوا الله. ولما كان مجرد الطبع على القلب في غاية البشاعة ، كان مفهما لبشاعة ما كان منه من الله من باب الأولى ، بني للمجهول قوله :( فَطُبِعَ ) أي فحصل الطبع وهو الختم مع أنه معلوم أنه لا يقدر على ذلك غيره سبحانه( عَلى قُلُوبِهِمْ ) لأجل اجترائهم على ما هو أكبر الكبائر على وجه النفاق حتى مرنوا على الكفر واستحكموا فيه ، وكذلك من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاونا بها( فَهُمْ ) أي فتسبب عن ذلك أنهم( لا يَفْقَهُونَ ) أي لا يقع لهم فقه في شيء من الأشياء فهم لا يميزون صوابا من خطأ ولا حقا من باطل لأن المختوم عليه لا يصل إليه شيء ولا يخرج منه شيء.

ولما وصف سبحانه بواطنهم بما زهد فيهم لأن الإنسان بعقله كما أن المأكول بشكله ، وكانت لهم أشكال تغر ناظرها لأن العرب كانت تقول : جمال المنظر يدل غالبا على حسن المخبر ، قال تعالى :( وَإِذا رَأَيْتَهُمْ ) أي أيها الرسول على ما لك من الفطنة ونفوذ الفراسة أو أيها الرائي كائنا من كان بعين البصر( تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ ) لضخامتها وصباحتها ، فإن غايتهم كلها بصلاح ظواهرهم وترفيه أنفسهم ، فهم أشباح وقوالب ليس وراءها ألباب وحقائق ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : كان ابن أبي ـ يعني ـ الذي نزلت السورة بسببه ـ جسيما فصيحا صحيحا ذلق اللسان ، وقوم من المنافقين في مثل صفته وهم رؤساء المدينة ، وكانوا يحضرون مجلس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ويستندون فيه ولهم جهارة المناظر وفصاحة الألسن ، وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ومن حضر يعجبون بهياكلهم. ولما وصف البواطن والظواهر ، وكان قولهم : المرء بأصغريه قلبه ولسانه مشروطا كما

٦٠٨

هو ظاهر العبارة بمطابقة اللسان للقلب ، قال معبرا بأداة الشك إشارة إلى أنهم لا يكلمونهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلا اضطرارا لأنهم لا يحبون مكالمته ولا باعث لهم عليها لما عندهم من أمراض القلوب :( وَإِنْ يَقُولُوا ) أي يوجد منهم قول في وقت من الأوقات( تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ) أي لأنه يكون بحيث يلذذ السمع ويروق الفكر لما فيه من الادهان مع الفصاحة فهو يأخذ بمجامع القلب.

ولما أخبر عن ظاهرهم ، دل على أن ذلك الظاهر أمر لا حقيقة له ، وأنهم لما وطنوا أنفسهم على الوقاحة وخلعوا لباس الحياء بالكذب بذلوا جميع الجهد في تحسين القول لأنه لا درك عليهم فيه فيما يحسبون بوجه لأنهم لا يحسبون للآخرة حسابا فقال :( كَأَنَّهُمْ ) أي في حسن ظواهرهم وسوء بواطنهم وفي الجبن والخور وعدم الانتفاع بهم في شيء من فهم أو ثبات فإنهم لا حقيقة لهم( خُشُبٌ ) جمع كثرة لخشبة وهو دليل على كثرتهم. ولما كان الخشب ربما أطلق على المغروس ، نفى ذلك بقوله منبها بالتشديد على الكثرة :( مُسَنَّدَةٌ ) أي قد قطعت من مغارسها وقشرت وأسندت إلى الجدر لئلا يفسدها التراب ، فهي بيض تلوح تعجب ناظرها ولا ثبات لها ولا باطن بثمرة ولا سقي فلا مدد سماوي لها أصلا يزكيها نوع زكاء فقد فقدت روح الإثبات الذي به كمالها كما فقد المنافق روح الإيمان الذي به كمال الناطق وبقاؤه ، فهم في تلك الحالة أشباح بلا أرواح أجسام بلا أحلام.

ولما كان من يقول ما لا يفعل يصير متهما لكل من يكلمه ، لأنه لإخلافه له قد صار عدوه فيتوهم الناس كلهم أعداء له فيكسبه ذلك أشد الجبن ، وذلك هو السبب الأعظم في تحسين قوله ، قال :( يَحْسَبُونَ ) أي لضعف عقولهم وكثرة ارتيابهم لكثرة ما يباشرون من سوء أعمالهم( كُلَّ صَيْحَةٍ ) أي من نداء مناد في انفلات دابة أو إنشاد ضالة ، ونحو ذلك( عَلَيْهِمْ ) أي واقعة. ولما كان من يظن عداوة الناس له يكون هو عدوا لهم ، قال نتيجة ما مضى :( هُمُ ) أي خاصة( الْعَدُوُّ ) أي كامل العداوة بما دل عليه الإخبار بالمفرد الذي يقع على الجمع دون الجمع إشارة إلى أنهم ـ في شدة عداوتهم للاسلام وأهله وكمال قصدهم وشدة سعيهم فيه ـ على قلب واحد وإن أظهروا التودد في الكلام والتقرب به إلى أهل الإسلام ، فإن ألسنتهم معكم إذا لقوكم ، وقلوبهم عليكم مع أعدائكم ، فهو عيون لهم عليكم.

ولما بين ذلك من سوء أحوالهم سبب عنه قوله :( فَاحْذَرْهُمْ ) لأن أعدى الأعداء العدو المداحي الذي يكاشرك وتحت ظلوعه الداء الدوي ، فإن من استشعر أنك عدو له بغى لك الغوائل ، وأغلب من يعجبك قوله على هذا الوصف يكون ، ولكنه يكون بلطف

٦٠٩

الله دائم الخذلان منكوسا في أكثر تقلباته بيد القهر والحرمان لسر قوله تعالى :( قاتَلَهُمُ اللهُ ) أي أحلهم الملك المحيط علما وقدرة محل من يقاتله عدو قاهر له أشد مقاتلة على عادة الفعل الذي يكون بين اثنين.

ولما كان حالهم في غاية العجب في صرفهم عن الإسلام أولا بالعمى عن الآيات الظاهرات ، وثانيا عن الإخبار بأسرارهم ، وخفي مكرهم وأخبارهم ، وفي عدم صرفهم عما هم عليه من قبح السرائر وسوء الضمائر بتعكيس مقاصدهم ، وتخييب مصادرهم في مكرهم ومواردهم ، دل على ذلك بقوله :( أَنَّى ) أي كيف ومن أيّ وجه( يُؤْفَكُونَ ) أي يصرفهم عن إدراك قبح ما هم عليه صارف ما كائنا ما كان ليرجعوا عنه إلى حسن الدين والأنس به وإدراك بركته وعظيم أثره.

ولما كان هذا أمرا عظيما قاطعا عن الله ورسوله فيحتاج فاعله حاجة شديدة إلى التطهير وهو جدير بعظمه أن لا يطهره غاية الطهر إلا سؤال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وكانوا لم يفعلوا ذلك ، دل على سوء بواطنهم وغلظ أكبادهم وأنهم كالخشب المسندة في أنهم لا ثمرة لهم ولا زكاء أصلا بقوله :( وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ) أي من أيّ قائل كان :( تَعالَوْا ) أي ارفعوا أنفسكم مجتهدين في ذلك بالمجيء إلى أشرف الخلق الذي لا يزال مكانه عاليا لعلو مكانته( يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ ) أي يطلب الغفران لأجلكم خاصة بعد أن تتولوا من ذنبكم من أجل هذا الكذب الذي أنتم مصرون عليه. ولما تقدم عاملان ، أعمل الثاني منهما كما هو المختار من مذهب البصريين فرفع قوله :( رَسُولُ اللهِ ) أي أقرب الخلق إلى الملك الأعظم الذي لا شبيه لجوده( لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ ) أي فعلوا اللي بغاية الشدة والكثرة ، وهو الصرف إلى جهة أخرى إعراضا وعتوا وإظهارا للبغض والنفرة ، وبالغوا فيه مبالغة تدل على أنهم مغلوبون عليه لشدة ما في بواطنهم من المرض( وَرَأَيْتَهُمْ ) أي بعين البصيرة( يَصُدُّونَ ) أي يعرضون إعراضا قبيحا عما دعوا إليه مجددين لذلك كلما دعوا إليه ، والجملة في موضع المفعول الثاني لرأيت( وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ) أي ثابتو الكبر عمن دعوا إليه وعن إحلال أنفسهم في محل الاعتذار ، فهم لشدة غلظتهم لا يدركون قبح ما هم عليه ولا يهتدون إلى دوائه ، وإذا أرشدهم غيرهم ونبههم لا ينبهون ، فقد روي أنه لما نزل القرآن فيهم أتاهم عشائرهم من المؤمنين وقالوا : ويحكم افتضحتم وأهلكتم أنفسكم ، فأتوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وتولوا إليه واسألوه أن يستغفر لكم ، فأبوا ذلك فأنزل الله هذه الآية ، وروي أن ابن أبي رأسهم لوى رأسه وقال لهم : أشرتم علي بالإيمان فآمنت وأشرتم عليّ بأن أعطي زكاة مالي ففعلت ، ولم يبق إلا أن تأمروني بالسجود لمحمد. ولما كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم يحب صلاحهم فهو يحب أن يستغفر لهم ، وربما ندبه إلى ذلك

٦١٠

بعض أقاربهم ، فكان استغفاره بحيث يسأل عنه ، قال منبها على أنهم ليسوا بأهل للاستغفار لأنهم لا يؤمنون :( سَواءٌ ) أي غلب واستعلى هذا الاستواء الذي عالجوا أنفسهم عليه حتى تخلقوا به فصار مجردا عن أدنى ميل وكلفة( عَلَيْهِمْ. )

ولما كان قد سلخ في هذا السياق عن الهمزة معنى الاستفهام كان معنى( أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ ) أي في هذا الوقت( أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ) أي فيه أو فيما بعده ـ مستو عندهم استغفارك لهم وتركه ، لأنه لا أثر له عندهم ، ولهذا كانت نتيجته ـ عقوبة لهم ـ النفي المبالغ فيه بقوله :( لَنْ يَغْفِرَ اللهُ ) أي الملك الأعظم( لَهُمْ ) ولعل التعبير بالاستفهام بعد سلخ معناه للاشارة إلى أنهم لو شاهدوا الملك يستفهمك عن ذلك ما ردهم عن نفاقهم وما زادهم ذلك على ما عندهم شيئا ، وكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قيد هذه الآية بآية براءة المحتملة للتخيير وأنه إن زاد على السبعين كان الغفران مرجوا ، فاستجاز بذلك الصلاة على ابن أبي رأس المنافقين والاستغفار له لما عندهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من عظيم الشفقة على عباد الله ومزيد الرحمة لهم ولا سيما من كان في عداد أصحابه والأنصار رضي الله عنهم به عناية.

ولما كان التقدير لتعليل المبالغة في الإخبار بعد الغفران لهم : لأن فسقهم قد استحكم فصار وصفا لهم ثابتا ، عبر عن ذلك بقوله :( إِنَّ اللهَ ) أي الذي له صفات الكمال( لا يَهْدِي الْقَوْمَ ) أي الناس الذين لهم قوة في أنفسهم على ما يريدونه( الْفاسِقِينَ ) لأنهم لا عذر لهم في الإصرار على الفسق وهو المروق من حصن الإسلام بخرقه وهتكه مرة بعد مرة والتمرن عليه حتى استحكم فهم راسخون في النفاق والخروج عن مظنة الإصلاح.

( هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ (٧) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨) )

ولما كان هذا داعيا إلى السؤال عن الأمر الذي فسقوا به ، قال مبينا له :( هُمُ ) أي خاصة بواطنهم( الَّذِينَ يَقُولُونَ ) أي أوجدوا هذا القول ولا يزالون يجددونه لأنهم كانوا مربوطين بالأسباب محجوبين عن شهود التقدير غير محققين بتصريف الأحكام ، فأنطقهم ما خامر قلوبهم من تمني إطفاء نور الله فتواصوا فيما بينهم بقولهم :( لا تُنْفِقُوا ) أيها المخلصون في النصرة( عَلى مَنْ ) أي الذين( عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ) أي الملك المحيط بكل شيء ، وهم فقراء المهاجرين ، وكأنهم عبروا بذلك وهم لا يعتقدونه تهكما

٦١١

وإشارة إلى أنه لو كان رسوله وهو الغنى المطلق لأغنى أصحابه ولم يحوجهم إلى أن ينفق الناس عليهم ، وما درى الأغبياء أن ذلك امتحان منه سبحانه لعباده ـ فسبحان من يضل من يشاء ـ حتى يكون كلامه أبعد شيء عن الصواب بحيث يعجب العاقل كيف يصدر ذلك من أحد ، أو أن هذه ليست عبارتهم وهو الظاهر ، وعبر سبحانه عنهم بذلك إشارة إلى أن كلامهم يؤول إلى إرادة ضر من الله معه توقيفا على كفرهم وتنبيها على أن من أرسل رسولا لا يكله إلى أحد بل يكفيه جميع ما يهمه من غير افتقار إلى شيء أصلا ، فقد أرسل سبحانه إليهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بمفاتيح خزائن الأرض فأباها وما كفاهم هذا الجنون حتى زادوه ما دل على أنهم ظنوا أن أبواب الرزق تغلق إذا امتنع المنفقون من الناس عن إنفاقهم ، وعبروا بحرف غاية ليكون لما بعده حكم ما قبله فقالوا :( حَتَّى يَنْفَضُّوا ) أي يتفرقوا تفرقا قبيحا فيه كسر فيذهب أحد منهم إلى أهله وشغله الذي كان له قبل ذلك ، قال الحرالي : «حتى» كلمة تفهم غاية محوطة يدخل ما بعدها في حكم ما قبلها مقابل معنى «إلى» ، وقال أهل العربية : لا يجر بها إلا آخر أو متصل بالآخر نحو الفجر في( حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ) [القدر : ٥] وحتى آخر الليل ، ولا تقولوا : حتى نصف الليل ، وما درى الأجلاف أنهم لو فعلوا ذلك أتاح الله غيرهم للانفاق ، أو أمر رسولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فدعا في الشيء اليسير فصار كثيرا ، أو كان بحيث لا ينفد ، أو أعطى كلّا يسيرا من طعام على كيفية لا تنفد معها كتمر أبي هريرة وشعير عائشة وعكة أم أيمن رضي الله عنهم وغير ذلك كما روي ذلك غير مرة ، ولكن ليس لمن يضل الله من هاد ، ولذلك عبر في الرد عليهم بقوله :( وَلِلَّهِ ) أي قالوا ذلك واستمروا على تجديد قوله والحال أن للملك الذي لا أمر لأحد معه فهو الآمر الناهي( خَزائِنُ السَّماواتِ ) أي كلها( وَالْأَرْضِ ) كذلك من الأشياء المعدومة الداخلة تحت مقدرة «إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون» ومن الأشياء التي أوجدها فهو يعطي من يشاء منها ما يشاء حتى من أيديهم ، لا يقدر أحد على منع شيء من ذلك لا مما في يده ولا مما في يده غيره ، ونبه على سوء غباوتهم وأنهم تقيدوا بالوهم حتى سفلوا عن رتبة البهائم كما قال بعضهم : إن كان محمد صادقا فنحن شر من البهائم ، أشار إلى ذلك بقوله :( وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ ) أي العريقين في وصف النفاق.

ولما كان ما يساق إلى الخلق من الأرزاق فيظن كثير منهم أنهم حصلوه بقوتهم ، عبر بالفقه الأخص من العلم فقال :( لا يَفْقَهُونَ ) أي لا يتجدد لهم فهم أصلا لأن البهائم إذا رأت شيئا ينفعها يوما ما في مكان طلبته مرة أخرى ، وهؤلاء رأوا غير مرة ما أخرج الله من خوارق البركات على يد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فلم ينفعهم ذلك ، فمن رأى أن

٦١٢

رزقه بيد الخلق فألهاه ذلك عن الله حتى ضيع حقوقه وداهن في دينه فقد برىء من القرآن ، ودل على عدم فقههم بقوله تعالى :( يَقُولُونَ ) أي يوجدون هذا القول ويجددونه مؤكدين له لاستشعارهم بأن أكثر قومهم ينكره :( لَئِنْ رَجَعْنا ) أي نحن أيتها العصابة المنافقة من غزاتنا هذه ـ التي قد رأوا فيها من نصرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ما يعجز الوصف وهي غزوة بني المصطلق حي من هذيل بالمريسيع وهو ماء من مياههم من ناحية قديد إلى الساحل وفيها تكلم ابن أبي بالإفك وأشاعه ـ( إِلَى الْمَدِينَةِ ) ودلوا على تصميمهم على عدم المساكنة بقولهم :( لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ ) يعنون أنفسهم( مِنْهَا الْأَذَلَ ) وهم كاذبون في هذا ، لكنهم تصوروا لشدة غباوتهم أن العزة لهم وأنهم يقدرون على إخراج المؤمنين( وَلِلَّهِ ) أي والحال أن كل من له نوع بصيرة يعلم أن للملك الأعلى الذي له وحده عز الإلهية( الْعِزَّةُ ) كلها ، فهو قهار لمن دونه وكل ما عداه دونه.

ولما حصر العزة بما دل على ذلك من تقديم المعمول ، أخبر أنه يعطي منها من أراد وأحقهم بذلك من أطاعه فترجم ذلك بقوله :( وَلِرَسُولِهِ ) لأن عزته من عزته بعز النبوة والرسالة وإظهار الله دينه على الدين كله ، وكذلك أيضا أن العزة لمن أطاع الرسول بقوله :( وَلِلْمُؤْمِنِينَ ) أي الذين صار الإيمان لهم وصفا راسخا لأن عزتهم بعزة الولاية ، ونصر الله إياهم عزة لرسولهمصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ومن تعزز بالله لم يلحقه ذل.

ولما كان جهلهم في هذا أشد لكثرة ما رأوا من نصرة الله لرسولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ومن تابعه رضي الله عنهم وإعلائهم على كل من ناواهم ، قال منبها على ذلك :( وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ ) أي الذين استحكم فيهم مرض القلوب. ولما كانت الدلائل على عزة الله لا تخفى على أحد لما تحقق من قهره للملوك وغيرهم بالموت الذي لم يقدر أحد على الخلاص منه ولا المنازعة فيه ، ومن المنع من أكثر المرادات ، ومن نصر الرسول وأتباعهم بإهلاك أعدائهم بأنواع الهلاك ، وبأنه سبحانه ما قال شيئا إلا تم ولا قالت الرسل شيئا إلا صدقهم فيه ، ختم الآية بالعلم الأعم من الفقه فقال :( لا يَعْلَمُونَ ) أي لا لأحد لهم علم الآن ، ولا يتجدد في حين من الأحيان ، فلذلك هم يقولون مثل هذا الخراف ، وروي أنه لما نزلت هذه الآية جاء عبد الله ولد عبد الله بن أبي ابن سلول الذي نزلت بسببه إلى أبيه ، وذلك في غزوة المريسيع لبني المصطلق فأخذ بزمام ناقة أبيه وقال : أنت والله الذليل ، ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم العزيز ، ولما دنوا من المدينة الشريفة جر سيفه وأتى أباه فأخذ بزمام ناقته وزجرها إلى ورائها وقال : إياك وراءك والله لا تدخلها حتى يأذن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ولئن لم تقر بأن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم الأعز وأنت الأذل لأضربن عنقك ، قال : أفاعل أنت؟ قال : نعم ، قال : أشهد أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ، وشكا ولده إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فأمره أن يدعه يدخل المدينة ، فأطلقه فدخل.

٦١٣

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٩) وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١١) )

ولما كان هذا الذي حكاه سبحانه وتعالى عن المنافقين بحيث يعجب غاية العجب من تصور قائله له فضلا عن أن يتفوه به فكيف بأن يعتقده ، نبه على أن العلة الموجبة له طمس البصيرة ، وأن العلة في طمس البصيرة الإقبال بجميع القلب على الدنيا رجوعا على إيضاح ما تقدم في نتيجة الجمعة من الإذن في طلب الرزق والتحذير من مثل فعل حاطب رضي الله عنه وفعل من انصرف عن خطبة الجمعة لتلك العير ، وكان هذا التنبيه على وجه حاسم لمادة شرهم في كلامهم فإن كلمة الشح كما قيل مطاعة ، ولو بأن تؤثر أثرا ما ولو بأن تقتر نوع تقتير في وقت ما ، فقال مناديا لمن يحتاج إلى ذلك :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) أي أخبروا بما يقتضي أن بواطنهم مذعنة كظواهرهم( لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ ) ولما كان الخطاب مع من يحتاج إلى التأكيد قال :( وَلا أَوْلادُكُمْ ) أي لا تقبلوا على شيء من ذلك بجميع قلوبكم إقبالا يحيركم سواء كان ذلك في إصلاحها أو التمتع بها بحيث تشتغلون وتغفلون( عَنْ ذِكْرِ اللهِ ) أي من توحيد الملك الأعظم الذي له الإحاطة الكاملة بكل شيء فله الملك وله الحمد يعطي من يشاء ويمنع من يشاء ، فإذا كان العبد ذاكرا له بقلبه دائما لم يقل كقول المنافقين( لا تُنْفِقُوا ) [المنافقين : ٧] ولا( لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَ ) [المنافقين : ٨] لعلمه أن الأمر كله لله ، وأنه لن يضر الله شيئا ، ولا يضر بذلك إلا نفسه ، وهذا يشمل ما قالوه من التوحيد والصلاة والحج والصوم وغير ذلك ، ولإرادة المبالغة في النهي وجّه النهي إلى الأموال والأولاد بما المراد منه نهيهم.

ولما كان التقدير : فمن انتهى فهو من الفائزين ، عطف عليه قوله :( وَمَنْ يَفْعَلْ ) أي يوقع في زمن من الأزمان على سبيل التجديد والاستمرار فعل( ذلِكَ ) أي الأمر البعيد عن أفعال ذوي الهمم من الانقطاع إلى الاشتغال بالفاني والإعراض عن الباقي والإقبال على العاجل مع نسيان الآجل( فَأُولئِكَ ) أي البعداء عن الخير( هُمُ ) أي خاصة( الْخاسِرُونَ ) أي العريقون في الخسارة حتى كأنهم كانوا مختصين بها دون الناس ، وذلك ضد ما أرادوا بتوفير النظر إليهم والإقبال عليهم من السعي للتكثير والزيادة والتوفير ، وفي إفهامه أن من شغله ما يهمه من أمر دينه الذي أمره سبحانه به ونهاه عن إضاعته وتوعده عليها كفاه سبحانه أمر دنياه الذي ضمنه له ونهاه أن يجعله أكبر همه وتوعده على ذلك ، فما ذكره إلا من وجده في جميع أموره دينا ودنيا ، وتوجه إليه في

٦١٤

جميع نوائبه ، وأقبل عليه بكل همومه ، وبذل نفسه له بذل من يعلم أنه مملوك مربوب فقد أمر ربه على نفسه واتخذه وكيلا فاستراح من المخاوف ، ولم يمل إلى شيء من المطامع فصار حرا.

ولما حذر من الإقبال على الدنيا ، رغب في بذلها مخالفة للمنافقين فقال :( وَأَنْفِقُوا ) أي ما أمرتم به من واجب أو مندوب ، وزاد في الترغيب بالرضى منهم باليسير مما هو كله له بقوله :( مِنْ ما رَزَقْناكُمْ ) أي من عظمتنا وبلغ النهاية في ذلك بالرضا بفعل ما أمر به مع التوبة النصوح في زمن ما ولو قل بما أرشد إليه إثبات الجار ، فقال مرغبا في التأهب للرحيل والمبادرة لمباغتة الأجل ، محذرا من الاغترار بالتسويف في أوقات السلامة :( مِنْ قَبْلِ ) وفك المصدر ليفيد «أن» مزيد القرب فقال :( أَنْ يَأْتِيَ ) ولما كان تقديم المفعول كما تقدم في النساء أهول قال :( أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ) أي برؤية دلائله وأماراته ، وكل لحظة مرت فهي من دلائله وأماراته. ولما كانت الشدائد تقتضي الإقبال على الله ، سبب عن ذلك بقوله :( فَيَقُولَ ) سائلا في الرجعة ، وأشار إلى ترقيقها للقلوب بقوله :( رَبِّ لَوْ لا ) أي هل لا ولم لا( أَخَّرْتَنِي ) أي أخرت موتي إمهالا لي( إِلى أَجَلٍ ) أي زمان ، وبين أن مراده استدراك ما فات ليس إلا بقوله :( قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ ) أي للتزود في سفري هذا الطويل الذي أنا مستقبله ، قال الغزالي في كتاب التوبة من الإحياء : قال بعض العارفين : إن ملك الموت إذا ظهر للعبد أعلمه أنه قد بقي من عمرك ساعة ، وأنك لا تستأخر عنها طرفة عين فيبدو للعبد من الأسف والحسرة مما لو كانت له الدنيا بحذافيرها لخرج منها على أن يضم إلى تلك الساعة ساعة أخرى ليستعتب فيها ويتدارك تفريطه ، يقول : يا ملك الموت! أخرني يوما أعتذر فيه إلى ربي وأتوب وأتزود فيها صالحا لنفسي ، فيقول : فنيت الساعات فلا ساعة ، فيغلق عليه باب التوبة فيتغرغر بروحه وتردد أنفاسه في شراسيفه ويتجرع غصة البأس عن التدارك وحسرة الندامة على تضييع العمر ، فيضطرب أصل إيمانه في صدمات تلك الأهوال ، فإذا زهقت نفسه فإن كان سبقت له من الله الحسنى خرجت روحه على التوحيد ، فذلك حسن الخاتمة ، وإن سبق له القضاء بالشقوة والعياذ بالله تعالى خرجت روحه على الشك والاضطراب ، وذلك سوء الخاتمة ، ومن ترك المبادرة إلى التوبة بالتسويف كان بين خطرين عظيمين : أحدهما أن تتراكم الظلمة على قلبه من المعاصي حتى يصير رينا وطبعا فلا يقبل المحو ، الثاني أن يعاجله المرض أو الموت فلا يجد مهلة للاشتغال بالمحو ، فيأتي الله تعالى بقلب غير سليم ، والقلب أمانة الله عند عبده ، قال بعض العارفين : إن لله تعالى إلى عبده سرين على سبيل الإلهام : أحدهما إذا خرج من بطن أمه

٦١٥

يقول له : عبدي قد أخرجتك إلى الدنيا طاهرا نظيفا واستودعتك وائتمنتك عليه فانظر كيف تحفظ الأمانة وانظر كيف تلقاني ، والثاني عند خروج روحه يقول : عبدي ماذا صنعت في أمانتي عندك هل حفظتها حتى تلقاني على العهد فألقاك على الوفاء أو أضعتها فألقاك بالمطالبة والعذاب. ولعله أدغم تاء التفعل إشارة إلى أنه إذا أخر فعل ذلك على وجه الإخفاء ليكون أفضل ، أو يكون إدغامها اختصارا لبلوغ الأمر إلى حد محوج إلى الإيجاز في القول كما طلب في الزمن ، ويؤيده قراءة الجماعة غير أبي عمرو( وَأَكُنْ ) بالجزم عطفا على الجواب الذي هدى السياق إلى تقديره ، فإن حال هذا الذي أشرف هذا الإشراف يقتضي أن يكون أراد إن «أخرتني أتصدق» ولكنه حذفه لضيق المقام عنه واقتضاء الحال لحذفه ، وهو معنى ما حكاه سيبويه عن الخليل أن الجزم على توهم الشرط الذي دل عليه التمني على الموضع ، فإن الجازم غير موجود ، ومعنى ما قال غيره أن «لو لا» لكونها تحضيضية متضمنة معنى الأمر ومعنى الشرط ، فكأنه قيل : أخرني ، فيكون جوابه العاري عن الفاء مجزوما لفظا والمقرون بها مجزوما محلا ف «اكن» عطف على المحل ، ونصب أبو عمرو عطفا على اللفظ لأنه جواب التمني الذي دلت عليه «لو لا» وإجماع المصاحف على حذف الواو لا يضره لأنه قال : إنها للاختصار ، وهو ظاهر ، وذلك للمناسبة بين اللفظ والخط والزمان والمراد ، ومن هنا تعرف جلالة القراء ومرادهم إن شاء الله تعالى بقولهم في الضابط المشهور وإن توافق رسم المصحف ولو احتمالا( مِنَ الصَّالِحِينَ ) أي العريقين في هذا الوصف العظيم ، وزاد في الحث على المبادرة بالطاعات قبل الفوات بقوله مؤكدا لأجل عظيم الرجاء من هذا المحتضر للتأخير عطفا على ما تقديره : فلا يؤخره الله فيفوته ما أراد :( وَلَنْ ) ويجوز أن تكون الجملة حالا أي قال ذلك والحال أنه لن( يُؤَخِّرَ اللهُ ) أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له فلا اعتراض عليه( نَفْساً ) أي أيّ نفس كانت ، وحقق الأجل بقوله :( إِذا جاءَ أَجَلُها ) أي وقت موتها الذي حده الله لها فلا يؤخر الله نفس هذا القائل لأنها من جملة النفوس التي شملها النفي. ولما كان المعنى على طريق النتائج التي لا شك في إرشاد اللفظ إليها : الله عالم فإنه يقول ذلك ، عطف عليه قوله حاثا على المسارعة إلى الخروج عن عهدة الطاعات والاستعداد لما لا بد منه من اللقاء محذرا من الإخلال ولأنه لا تهديد كالعلم :( وَاللهُ ) أي الذي له الإحاطة الشاملة علما وقدرة( خَبِيرٌ ) أي بالغ الخبرة والعلم ظاهرا وباطنا( بِما تَعْمَلُونَ ) أي توقعون عمله في الماضي والحال والمآل كله ظاهره وباطنه من هذا الذي أخبرتكم أن المحتضر العاصي يقوله ومن غيره منه ومن غيره أيها الناس ـ هذا على قراءة الجمهور بالخطاب ، وعلى قراءة أبي بكر عن

٦١٦

عاصم بالغيب يمكن أن يراد المنافقون ، ويمكن أن يعم فيكون الضمير للنفس على المعنى ويمكن أن يكون الضمير للناس على الالتفات للإعراض تخويفا لهم ، ولذلك علم سبحانه كذب المنافقين في أنهم يعتقدون ما شهدوا به في أمر الرسالة وعلم جميع ما قص من أخبارهم( أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) [الملك : ١٤] والله أعلم.

تم الجزء السابع ويليه إن شاء الله الجزء الثامن

وأوله : تفسير سورة التغابن

٦١٧
٦١٨

فهرس المجلد السابع

من نظم الدرر

٦١٩
٦٢٠