نظم الدّرر الجزء ٧

نظم الدّرر0%

نظم الدّرر مؤلف:
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
تصنيف: متون حديثية
الصفحات: 631

نظم الدّرر

مؤلف: برهان الدين البقاعي
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
تصنيف:

الصفحات: 631
المشاهدات: 152
تحميل: 18


توضيحات:

بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 631 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 152 / تحميل: 18
الحجم الحجم الحجم
نظم الدّرر

نظم الدّرر الجزء 7

مؤلف:
الناشر: دار الكتاب الإسلامي
العربية

سوقها أي عقد كالأنابيب ولها ورد تجرسه النحل ، ورأس ورقها قبيح جدا ، وهي مرعى ، ومنابتها السهل ، قال ابن برجان : وهي في النار في مقابلة شجرة طوبى في الجنة ، يضطرون إلى أكلها وإلى شرب الغسلين كما يضطر أهل الدنيا لإدخال الطعام والشراب( طَعامُ الْأَثِيمِ ) أي المبالغ في اكتساب الآثام حتى مرن عليها فصارت به إلى الكفر( كَالْمُهْلِ ) أي القطران الرقيق وما ذاب من صفر أو حديد أو دردية ، روى أحمد والترمذي ـ وقال : لا نعرفه إلا من حديث رشدين ـ وابن حبان في صحيحه والحاكم من وجه آخر ـ وقال الحاكم : صحيح الإسناد ـ عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم في قوله( كَالْمُهْلِ ) قال : كعكر الزيت فإذا قرب إلى وجهه سقطت فروة وجهه فيه(١) . (تغلي) أي الشجرة ـ على قراءة الجماعة بالتأنيث ، والطعام على قراءة ابن كثير وحفص عن عاصم ورويس عن يعقوب بالتذكير ولا يعود الضمير على المهل لأنه مشبه به( فِي الْبُطُونِ ) أي من شدة الحر.

( كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ (٥٣) كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) )

ولما كان للتذكير بما يعرف شأن عظيم في الإقبال أو التنفير وإن كان دون ما شبه به قال :( كَغَلْيِ ) أي مثل غلي( الْحَمِيمِ ) أي الماء الذي تناهى حره بما يوقد تحته ، فهو يثبت كأنه يريد أن يتخلص مما هو فيه من الحر ، روى الترمذي ـ وقال حسن صحيح ـ والنسائي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه والحاكم ـ وقال صحيح على شرطهما ـ عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال :لو أن قطرة من الزقوم قطرت في الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معائشهم فكيف بمن يكون هذا طعامه (٢) .

__________________

(١) أخرجه أحمد ٣ / ٧٠ ـ ٧١ والترمذي ٢٥٨١ و ٣٣٢٢ وأبو يعلى ١٣٧٥ وابن حبان ٧٤٧٣ والحاكم ٢ / ٥٠١ والبيهقي ٥٥٠ وإسناده ضعيف درّاج ضعيف في أبي الهيثم.

وله شاهد عند أحمد ٥ / ٢٦٥ والترمذي ٢٥٨٣ والطبري ١٥ / ٢٤٠ والطبراني ٧٤٦٠ والبيهقي في البعث ٥٤٩ عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه ، واستغربه الإمام الترمذي ذلك لأن عبيد الله بن بسر مجهول. وأخرج الطبراني ٩٠٨٢ و ٩٠٨٣ عن ابن مسعود يفسّر ذلك وإسناده ضعيف فيه الحمّاني.

(٢) أخرجه أحمد ١ / ٣٠٠ ـ ٣٠١ و ٣٣٨ والترمذي ٢٥٨٥ والطيالسي ٢٦٤٣ والنسائي في الكبرى كما في التحفة ٥ / ٢١٩ والطبراني ١١٠٦٨ وابن حبان ٧٤٧٠ والحاكم ٢ / ٢٩٤ و ٤٥١ والبيهقي في البعث ٥٤٣ عن ابن عباس مرفوعا.

٨١

ولما كان كأنه قيل : ما للأثيم يأكل هذا الطعام ، وما الحامل له عليه وعلى مقاربة مكانه ، أجيب بأنه مقهور عليه ، يقتضيه صفة العزة فيه الرحمة لإعادته بأن يقال للزبانية :( خُذُوهُ ) أي أخذ قهر فلا تدعوه يملك من أمره شيئا( فَاعْتِلُوهُ ) أي جروه بقهر بغلظة وعنف وسرعة إلى العذاب والإهانة بحيث يكون كأنه محمول ، وقال الرازي في اللوامع : والعتل أن يأخذ بمجامع ثوبه عند صدره يجره ، وقراءة الضم أدل على تناهي الغلظة والشدة من قراءة الكسر( إِلى سَواءِ ) أي وسط( الْجَحِيمِ ) أي النار التي هي في غاية الاضطرام والتوقد ، وهي موضع خروج الشجرة التي هي طعامه.

ولما أفهم هذا صار في موضع يحيط به العذاب فيه من جميع الجوانب ، بين أن له نوعا آخر من النكد رتبته في العظمة مما يستحق العطف بأداة التراخي فقال :( ثُمَّ صُبُّوا ) أي في جميع الجهة التي هي( فَوْقَ رَأْسِهِ ) ليكون المصبوب محيطا بجميع جسمه( مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ ) أي العذاب الذي يغلي به الحميم أو الذي هو الحميم نفسه ، والتعبير عنه بالعذاب أهول ، وهذا في مقابلة ما كان لهم من البركة بما ينزل من السماء من المطر ليجتمع لهم حر الظاهر بالحميم والباطن بالزقوم.

ولما علم بهذا أنه لا يملك من أمر نفسه شيئا ، بل وصل إلى غاية الهوان ، دل عليه بالتهكم بما كان يظن في نفسه من العظمة التي كانت يترفع بها في الدنيا على أوامر الله ، فقيل بناء على ما تقديره : يفعل به ذلك مقولا له :( ذُقْ ) أي من هذا أوصلك إليه تغررك على أولياء الله. ولما كان أولياء الله من الرسل وأتباعهم يخبرون في الدنيا أنه ـ لإبائه أمر الله ـ هو الذليل ، وكان هذا الأثيم وأتباعه يكذبون بذلك ويؤكدون قولهم المقتضي لعظمته لإحراق أكباد الأولياء حكى له قولهم على ما كانوا يلفظون به زيادة في تعذيبه بالتوبيخ والتقريع معللا للأمر بالذوق :( إِنَّكَ ) وأكد بقوله :( أَنْتَ ) وحدك دون هؤلاء الذين يخبرون بحقارتك( الْعَزِيزُ ) أي الذي يغلب ولا يغلب( الْكَرِيمُ ) أي الجامع إلى الجود شرف النفس وعظم الإباء ، فلا تنفعك عن ستر مساوىء الأخلاق بإظهار معاليها فلست بلئيم أي بخيل مهين النفس خسيس الإباء ، فهو كناية عن مخاطبته بالخسة مع إقامة الدليل على ذلك بما هو فيه من المهالك ، وقراءة الكسائي بفتح «إن» دالة على هذا العذاب قولا وفعلا على ما كان يقال له من هذا في الدنيا ويعتقد هو أنه حق.

ولما دل على أنه يقال هذا لكل من الأثماء ويفعل به على حدته ، دل على ما يعمون به ، فقال مؤكدا ردا لتكذيبهم سائقا لهم على وجه مفهم أنه علة ما ذكر من عذابهم :( إِنَّ هذا ) أي العذاب قولا وفعلا وحالا( ما كُنْتُمْ ) أي جبلة وطبعا طبعناكم عليه لتظهر قدرتنا في أمركم دنيا وأخرى( بِهِ تَمْتَرُونَ ) أي تعالجون أنفسكم

٨٢

وتحملونها على الشك فيه وتردونها عما لها من الفطرة الأولى من التصديق بالممكن لا سيما لمن جرب صدقه وظهرت خوارق العادات على يده بحيث كنتم لشدة ردكم له كأنكم تخصونه بالشك.

ولما وصف سبحانه ما للمبالغ في المساوىء وأفرده أولا إشارة إلى قليل في قوم هذا النبي الكريم الذين تداركهم الله بدعوته تشريفا له وإعلاء لمقداره ، وجمع آخرا ذاكرا من آثار ما استحق به ذلك من مشاركة في أوزاره ، ففهم أن وصفه انقضى ، ومر ومضى ، فتاقت النفس إلى تعرف ما لأضداده الذين خالفوه في مبدئه ومعاده ، قال مؤكدا لما لهم من التكذيب :( إِنَّ الْمُتَّقِينَ ) أي العريقين في هذا الوصف( فِي مَقامٍ ) أي موضع إقامة لا يريد الحال فيه تحولا عنه( أَمِينٍ ) أي يأمن صاحبه فيه من كل ما لا يعجبه.

ولما كان الوصف بعد الوصف شديد الترغيب في الشيء ، قال مبدلا من «مقام» :( فِي جَنَّاتٍ ) أي بساتين تقصر العقول عن إدراك وصفها كل وصفها( وَعُيُونٍ ) كذلك بحيث تقر بها العيون ، ولما كان قد أشار إلى وصف ما للباطن من لذة النظر ولباس الأكل والشرب ، أتبعه كسوة الظاهر وما لكل من القرب فقال :( يَلْبَسُونَ ) .

ولما وصف ما أعد لهم من اللبس في الجنة ، دل على الكثرة جدا بقوله :( مِنْ سُندُسٍ ) وهو ما رق من الحرير يعمل وجوها ، وزاد صنفا آخر فقال :( وَإِسْتَبْرَقٍ ) وهو ما غلظ منه يعمل بطائن ، وسمي بذلك لشدة بريقه. ولما كان وصف الأثماء بما لهم من القبض الشاغل لكل منهم عن نفسه وغيره بعد ما تقدم في الزخرف في آية الأخلاء ما أعلم بكونهم مدابرين وصف أضدادهم بما لهم من البسط مع الاجتماع فقال :( مُتَقابِلِينَ ) أي ليس منهم أحد يدابر الآخر لا حسا ولا معنى ، وود أن كلّا منهم يقابل الآخر ناظرا إليه ، فإذا أرادوا النساء حالت الستور بينهم.

ولما كان هذا أمرا يبهر العقل ، فلا يكاد يتصوره ، قال مؤكدا له :( كَذلِكَ ) أي الأمر كما ذكرنا سواء لا مرية فيه. ولما كان ذلك لا يتم السرور به إلا بالأزواج قال :( وَزَوَّجْناهُمْ ) أي قرناهم كما تقرن الأزواج ، وليس المراد به العقد لأنه فعل متعد بنفسه وهو لا يكون في الجنة لأن فائدته الحل ، والجنة ليست بدار كلفة من تحليل أو تحريم ، وذكر مظهر العظمة تنبيها على كمال الشرف( بِحُورٍ ) أي على حسب التوزيع بجواري بيض حسان نقيات الثياب( عِينٍ ) أي واسعات الأعين.

( يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلاً مِنْ رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧) فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩) )

٨٣

ولما كان الإنسان في الدنيا يخشى كلفة النفقات ، وصف ما هنالك من سعة الخيرات فقال :( يَدْعُونَ ) أي يطلبون طلبا هو بغاية المسرة( فِيها بِكُلِ ) لا يمتنع عليهم صنف من الأصناف ببعد مكان ولا فقد أوان ، ولا غير ذلك من الشأن ، وقال :( فاكِهَةٍ ) إيذانا بأن ذلك مع سعته ليس فيها شيء لإقامة البينة وإنما هو للتفكه ومجرد التلذذ. ولما كان التوسع في التلذذ يخشى منه غوائل جمة قال :( آمِنِينَ ) أي وهم في غاية الأمن من كل مخوف.

ولما ذكر الأمان ، وكان أخوف ما يخاف أهل الدنيا الموت ، قال :( لا يَذُوقُونَ فِيهَا ) أي الجنة( الْمَوْتَ ) أي لا يتجدد لهم أوائل استطعامه فكيف بما وراء ذلك. ولما كان المراد نفي ذلك على وجه يحصل معه القطع بالأمن على أعلى الوجوه ، وكان الاستثناء معيار العموم ، وكان من المعلوم أن ما كان في الدنيا من ذوق الموت الذي هو معنى من المعاني قد استحال عوده ، قال معللا معلقا على هذا المحال :( إِلَّا الْمَوْتَةَ ) ولما كان المعنى مع إسناد الذوق إليهم لا يلبس لأن ما قبل نفخ الروح ليس مذوقا ، عبر بقوله :( الْأُولى ) وقد أفهم التقييد بالظرف أن النار يذاق فيها الموت ، والوصف بالأولى أن المذوق موتة ثانية ، فكان كأنه قيل : لكن غير المتقين ممن كان عاصيا فيدخل النار فيذوق فيها موتة أخرى ـ كما جاء في الأحاديث(١) الصحيحة ، ويجوز أن يجعل وصف المتقين أعم من الراسخين وغيرهم ، فيكون الحكم على المجموع ، أي أن الكل لا يذوقون ، وبعضهم ـ وهم من أراد الله من العصاة ـ يذوقونه في غيرها وهو النار ، ويجوز أن تكون الموتة الأولى كانت في الجنة المجازية فلا يكون تعليقا بمحال ، وذلك أن المتقي لم يزل فيها في الدنيا مجازا بما له من التسبب وبما سبق من حكم الله له بها ، قالصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «المؤمن إذا عاد أخاه لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع ، قيل : وما خرفة الجنة؟ قال : جناها»(٢) «وإذا مررتم برياض الجنة فارتعوا»(٣) وكذا المحكوم له بما هو فيها عند الموت وبعده بما له من التمتع بالنظر ونحوه من الأكل للشهداء وغير ذلك مما ورد في الأخبار الصحيحة ، ومن ذلك ما رواه البخاري عن أنس رضي الله عنه أن عمه النضر رضي الله عنه

__________________

(١) يأتي بعد حديثين.

(٢) أخرجه مسلم ٢٥٦٨ وأحمد ٥ / ٢٧٧ وابن حبان ٢٩٥٧ وابن أبي شيبة ٣ / ٢٣٣ من حديث ثوبان.

(٣) أخرجه أحمد ١٢١١٤ والترمذي ٣٥١٠ عن أنس وفيه البناني ضعيف هو محمد بن ثابت. وأخرجه الترمذي ٣٥٠٩ عن أبي هريرة والمكي مجهول. وأخرجه الطبراني ٢٠ / (٣٢٦) عن معاذ بنحوه وفيه الربذي وهو ضعيف. وأخرج له شاهدا أبو يعلى ١٨٦٥ و ٢١٣٨ والبزار ٣٠٦٤ والحاكم ١ / ٤٩٤ ـ ٤٩٥ عن جابر ، وإسناده ضعيف ، فيه أيوب بن خالد ومولى غفرة ، وهما ضعيفان ، فالحديث حسن إن شاء الله تعالى بشواهده.

٨٤

قال يوم أحد : يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر إني لأجد ريحها من دون أحد ، ثم قاتل حتى قتل. ثم يكون تمام ذلك النعيم بالجنة بعد البعث ، قال ابن برجان : الدنيا إذا تحققت في حق المؤمن المتقي وتتبع النظر فيها فإنها جنة صغرى لتوليه سبحانه إياهم فيها وقربه منهم ونظره إليهم وذكرهم له وعبادتهم إياه وشغلهم به وهو معهم أينما كانوا.

ولما كان السياق للمتقين قال :( وَوَقاهُمْ ) أي جملة المتقين في جزاء ما اتقوه( عَذابَ الْجَحِيمِ ) أي التي تقدم إصلاء الأثيم لها ، وأما غير المتقين من العصاة فيدخل الله من أراد منهم النار فيعذر كلّا منهم على قدر ذنوبه ثم يميتهم فيها ويستمرون إلى أن يأذن الله في الشفاعة فيهم فيخرجهم ثم يحييهم بما يرش عليهم أهل الجنة من ماء الحياة ، روى الإمام أحمد في مسنده ومسلم في الإيمان من صحيحه وابن حبان في الشفاعة من سننه والدارمي في صفة الجنة والنار من سننه المشهور بالمسند ، وابن أبي حاتم في تفسيره عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم :أما أهل النار الذين هم أهلها ـ وقال الدارمي : الذين هم للنار ـفإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ، ولكن ناس منكم أصابتهم النار بذنوبهم ، ـ أو قال :بخطاياهم ـ فأماتهم الله إماتة ، وقال الإمام أحمد : فيميتهم إماتة ، وقال الدارمي : فإن النار تصيبهم على قدر ذنوبهم فيحرقون فيها حتى إذا كانوا فحما أذن في الشفاعة فجيء بهم وقال الدارمي :فيخرجون من النار ضبائر ضبائر فنبتوا على أنهار الجنة ، ثم قيل :يا أهل الجنة ، أفيضوا عليهم ، فينبتون ، وقال الدارمي فتنبت لحومهم نبات الحبة في حميل السيل(١) . الضبائر قال عبد الغافر الفارسي في مجمع الرغائب : جمع ضبارة مثل عمارة وعمائر : جماعات الناس ، وروى أبو يعلى عن أنس رضي الله عنه عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال :يدخل ناس في النار حتى إذا صاروا فحما أدخلوا الجنة ، فيقول أهل الجنة : من هؤلاء؟ فيقال : هؤلاء الجهنميون (٢) ، ولأحمد بن منيع عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «يوضع الصراط» فذكر شفاعة المؤمنين في إخوانهم بعد جواز الصراط وإذن الله لهم في إخراجهم ، قال : «فيخرجونهم منها فيطرحونهم في ماء الحياة فينبتون نبات الزرع في غثاء السيل»(٣) ، ولابن أبي عمر عن عبيد بن عمير رضي الله عنه قال : قال رسول

__________________

(١) أخرجه أحمد ٣ / ١١ و ٧٨ ومسلم ١٨٥ والدارمي ٢ / ٣٣١ وابن ماجة ٤٣٠٩ وابن خزيمة في التوحيد ص ٢٨٢ وابن حبان ١٨٤ وغيرهم عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه.

(٢) أخرجه أحمد ١١٨٤٩ و ١٢٤٨٦ و ١٣٢٦٦ عن أنس رضي الله تعالى عنه.

(٣) مسند أحمد بن منيع لم ير الضوء بعد وقد أخرجه أحمد بن حنبل ١٠٦٩٧ عن أبي سعيد والحاكم ٤ / ٥٨٣ و ٥٨٤ و ٥٨٥ عنه أيضا وهو حديث صحيح.

وأخرجه أحمد ١٠٦٩٣ مختصرا عنه رضي الله تعالى عنه وكذا الترمذي ٢٥٩٨.

٨٥

اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم :يخرج الله قوما من النار بعد ما امتحشوا فيها وصاروا فحما فيلقون في نهر على باب الجنة يسمى نهر الحياة ، فينبتون فيه كما تنبت الحبة في حميل السيل ـ أو كما تنبت الثعارير ـ فيدخلون الجنة ، فيقال : هؤلاء عتقاء الرحمن . الثعارير ـ بالثاء المثلثة والعين والراء المهملتين : نبات كالهليون ، وروى الترمذي ـ وقال : حسن صحيح ـ وروي من غير وجه عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم :يعذب ناس من أهل التوحيد في النار حتى يكونوا فيها حمما ثم تدركهم الرحمة فيخرجون ويطرحون على أبواب الجنة فيرش عليهم أهل الجنة الماء فينبتون كما تنبت الغثاء في حمالة السيل ثم يدخلون الجنة (١) .

ولما كان السياق للمتقين ، فكان ربما ظن أن هذا الذي فعل بهم حق لهم لا بد ولا محيد عنه ، بين أن الأمر على غير ذلك ، وأنه سبحانه لو واخذهم ولم يعاملهم بفضله وعفوه لهلكوا ، فقال :( فَضْلاً ) أي فعل بهم ذلك لأجل الفضل ، ولذلك عدل عن مظهر العظمة فقال تعالى :( مِنْ رَبِّكَ ) أي المحسن إليك بكمال إحسانه إلى اتباعك إحسانا يليق بك ، قال الرازي في اللوامع : أصل الإيمان رؤية الفضل في جميع الأحوال. ولما عظمه تعالى بإظهار هذه الصفة مضافة إليهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، زاد في تعظيمه بالإشارة بأداة البعد فقال :( ذلِكَ ) أي الفضل العظيم الواسع( هُوَ ) أي خاصة( الْفَوْزُ ) أي الظفر بجميع المطالب( الْعَظِيمُ ) الذي لم يدع جهة الشرف إلا ملأها.

ولما قدم سبحانه في هذه السورة ما للقرآن من البركة بما اشتمل عليه من البشارة والندارة والجمع والفرق ، وذكرهم بما يقرون به من أنه مبدع هذا الكون مما يستلزم إقرارهم بتوحيده المستلزم لأنه يفعل ما يشاء من إرسال وإنزال وتنبيه وبعث وغير ذلك ، وهددهم بما لا يقدر عليه غيره من الدخان والبطشة ، وفعل بعض ذلك ، وذكرهم بما يعرفون من أخبار من مضى من قروم القرون وأنهم مع ذلك كله أنكروا البعث ، ثم ذكر ما يقتضي التحذير والتبشير ـ كل ذلك في أساليب فأتت كل المدى ، فأعجزت جميع القوى ، مع ما لها من المعاني الباهرة ، والبدائع الزاهرة القاهرة ، سبب عن قوله فذلكة للسورة :( فَإِنَّما يَسَّرْناهُ ) أي جعلنا له يسرا عظيما وسهولة كبيرة.

ولما كان الإنسان كلما زادت فصاحته وعظمت بلاغته ، كان كلامه أبين وقوله أعذب وأرصن وأرشق وأمتن ، وكانصلى‌الله‌عليه‌وسلم أفصح الناس وأبعدهم لذلك من التكلف ، أضافه إليه فقط فقال :( بِلِسانِكَ ) أي هذا العربي المبين وهم عرب تعجبهم الفصاحة

__________________

(١) أخرجه أحمد ١٤٧٧٦ والترمذي ٢٥٩٧ عن جابر ، قال الترمذي : حسن صحيح.

٨٦

( لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) أي ليكونوا عند من يراهم وهو عارف بلسانهم ممن شأنه كشأنهم على رجاء من أن يتذكروا أن هذا القرآن شاهد بإعجازه بصحة ما فيه من التوحيد والرسالة وغيرهما مما سبق إليك وجلى عليك وإلا لقدروا هم وهم أفصح الناس على معارضة شيء منه فيتذكروا ما غفلوا عنه من أنه عزيز بإهلاكه الجبابرة ، وأنه حكيم بنصبه الآيات لأنبيائه وتأييدهم بالمعجزات ، ومن أن الكبير منهم لا يرضى أن يطعن أحد في كبريائه ولا أن يترك من له عليه حكم وهو تحت قهره أن يبغي بعضهم على بعض ثم لا ينصر المظلوم منهم على ظالمه ويأخذ بيده حتى لا يستوي المحسن بالمسيء ، فإذا تذكروا ذلك مع ما يعرفون من قدرة الملك وكبريائه وحكمته علموا قطعا أنه لا بد من البعث للتمييز بين أهل الصلاح والفساد ، والفصل بين جميع العباد ، فتسبب عن ذلك قوله :( فَارْتَقِبْ ) أي ما رجيتك به من تذكرهم المستلزم لهدايتهم.

ولما كانوا يظهرون تجلدا ولددا أنهم لا يعبؤون بشيء من القرآن ولا غيره مما يأتي به ولا يعدون شيئا منه آية ، أخبر عما يبطنون من خوفهم وانتظارهم لجميع ما يهددهم به مؤكدا لأجل ظن من حمل تجلدهم على أنه جلد فقال :( إِنَّهُمْ ) وزاد الأمر بالإخبار بالاسم الدال على الثبات والدوام فقال :( مُرْتَقِبُونَ ) أي تكليفهم أنفسهم المراقبة وإجهادهم أفكارهم في ذلك دائم لا يزايلهم بل قد قطع قلوبهم وملأ صدورهم ، فقد انطبق آخر السورة على أولها ، بل وعلى المراد من مجملها ومفصلها ، بذكر الكتاب والارتقاب لأنواع العذاب ـ والله الهادي إلى الصواب ، إنه الكريم الوهاب.

٨٧

بسم الله الرحمن الرّحيم

سورة الجاثية مكية ـ آياتها سبع وثلاثون وتسمى الشريعة

( حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥) )

مقصودها الدلالة على أن منزل هذا الكتاب ـ كما دل عليه في الدخان ـ ذو العزة لأنه لا يغلبه شيء وهو يغلب كل شيء ، والحكمة لأنه لم يضع شيئا إلا في أحكم مواضعه ، فعلم أنه المختص بالكبرياء ، فوضع شرعا هو في غاية الاستقامة لا تستقل العقول بإدراكه ولا يخرج شيء منه عنه ، أمر فيه ونهى ، ورغب ورهب ثم بطن حتى أنه لا يعرف ، ثم ظهر حتى أنه لا يجهل ، فمن المكلفين من حكم عقله وجانب هواه فشهد جلاله فسمع وأطاع ، ومنهم من تبع هواه فضل عن نور العقل فزاغ وأضاع فاقتضت الحكمة ولا بد أن يجمع سبحانه الخلق ليوم الفصل فيظهر كل الظهور ويدبن عباده ليشهد رحمته المطيع وكبرياءه العاصي ، وينشر العدل ويظهر الفضل ، ويتجلى في جميع صفاته لجميع خلقه ، وعلى ذلك دل اسمها الشريعة ، واسمها الجاثية واضح الدلالة فيه إذا تؤمل كل من آيتيهما ـ والله سبحانه وتعالى الهادي.( بِسْمِ اللهِ ) الذي تفرد بتمام العز والكبرياء( الرَّحْمنِ ) الذي أحكم رحمته البيان العام للسعداء والأشقياء( الرَّحِيمِ ) الذي خص بملابس طاعته الأولياء( حم ) أي حكمة محمد إليها المنتهى كما تقدم في الدخان ما أفهم إنزاله من أم الكتاب جملة إلى بيت العزة ، ودل على بركته مما دل على حكمة منزله وعزته بالبشارة والنذارة والإيقاع بالمجرمين بعد طول الحلم والأناة والنجاة للمتقين وغير ذلك من أمور هي في غاية الدلالة على ذلك لأنها راجعة إلى الحس لمن ألقى السمع ، وهو شهيد ، وأشار إلى سهولتها على من تأمل هذا الذكر المترجم بلسان أعلى الخلق وأكملهم وأشرفهم خلائق وأفضلهم ، ابتدأ هذه بالإعلام بأنه زاد ذلك يسرا وسهولة بإنزاله منجما بحسب الوقائع مطابقا لها أتم مطابقة بعد إنزاله جملة من أم

٨٨

الكتاب ثم مرتبا لما أنزل منه ترتيبا يفهم علوما ويوضح أسرارا غامضة مهمة فقال :( تَنْزِيلُ الْكِتابِ ) أي إنزال الجامع لكل خير مفرقا لزيادة التسهيل في التفهيم والإبلاغ في اليسر في التعليم وغير ذلك من الفضل العميم وزاده عظما بقوله :( مِنَ اللهِ ) أي كائن من المحيط بصفات الكمال.

ولما كان ـ كما مضى ـ للعزة والحكمة أعظم بركة هنا قال :( الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ) فكان كتابه عزيزا حكيما لا كما تقول الكفرة من أنه شعر أو كذب أو كهانة لأنه لا حكمة لذلك ولا عزة بحيث يلتبس أمره بأمر هذا الكتاب المحيط بدائرة الحكمة والصواب ، ودل بشواهد القدرة وآثار الصنعة من نسخة هذا الكتاب على الصفتين وعلى وحدانيته فيهما اللازم منه تفرده المطلق فقال مؤكدا لأجل من ينكر ذلك ولو بالعمل ، وترغيبا في تدقيق النظر بتأمل آيات الوجود التي هذا الكتاب شرح لمغلقها وتفصيل لمجملها ، وإيماء إلى أنها أهل لصرف الأفكار إلى تأملها( إِنَّ فِي ) ولما كانت الحواميم ـ كما روى أبو عبيدة في كتاب الفضائل عن ابن عباس رضي الله عنهما ـ لباب القرآن ، حذف ما ذكر في البقرة من قوله «خلق» ليكون ما هنا أشمل فقال :( السَّماواتِ ) أي ذواتها بما لها من الدلالة على صانعها وخلقها على ما فيها من العبر بما فيها من المنافع وعظيم الصنعة وما لها من الشفوف الدال على تعددها بما فيها من الكواكب( وَالْأَرْضِ ) كذلك وبما حوت من المعادن والمعايش والمنابع والمعاون( لَآياتٍ ) أي دلائل على وحدانيته وجميع كماله ، فإن من المعلوم أنه لا بد لكل من ذلك من صانع متصف بذلك( لِلْمُؤْمِنِينَ ) أي لأنهم برسوخهم في هذا الوصف الشريف أهل للنظر لأن ربهم يهديهم بإيمانهم فشواهد الربوبية لهم منهما لائحة ، وأدلة الإلهية فيهما واضحة ، ولعله أشار بالتعبير بالوصف إلى أنه لا بد في رد شبه أهل الطبائع من تقدم الإيمان ، وأن من لم يكن راسخ الإيمان لم يخلص من شكوكهم.

وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما تضمنت السور المتقدمة إيضاح أمر الكتاب وعظيم بيانه وأنه شاف كاف وهدى ونور ، كان أمر من كفر من العرب أعظم شيء لانقطاعهم وعجزهم وقيام الحجة به عليهم حتى رضوا بالقتل والخزي العاجل وما قاموا بادعاء معارضته ولا تشوفوا إلى الإسناد إلى عظيم تلك المعارضة ، أتبع ذلك تعالى تنبيها لنبيه والمؤمنين إلى ما قد نصبه من الدلائل سواه مما صد المعرض عن الاعتبار بها أو ببعضها مجرد هواه ، ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ، فقال تعالى بعد القسم بالكتاب المبين( إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ ) أي لو لم تجئهم يا محمد بعظيم آية الكتاب فقد كان لهم فيما نصبنا من الأدلة أعظم برهان وأعظم تبيان( أَوَلَمْ

٨٩

يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى ) [الروم : ٨] فلما نبه بخلق السماوات والأرض ، أتبع بذكر ما بث في الأرض فقال( وَفِي خَلْقِكُمْ وَما ) بث( فِيهِما مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ ) أي في دخول أحدهما على الآخر بألطف اتصال وأربط انفصال( لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ ) ثم نبه على الاعتبار بإنزال الماء من السماء وسماه رزقا بحط القياس فقال( وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ) ثم قال( وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) الاستدلال بهذه الآي يستدعي بسطا يطول ، ثم قال( تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِ ) أي علاماته ودلائله( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ) ثم قال( فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ ) أبعد ما شاهدوه من شاهد الكتاب وما تضمنه خلق السماوات والأرض وما فيهما وما بينهن من عجائب الدلائل الواضحة لأولي الألباب ، فإذا لم يعتبروا بشيء من ذلك فبماذا يعتبر ، ثم أردف تعالى بتقريعهم وتوبيخهم في تصميمهم مع وضوح الأمر فقال( وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ) الآيات الثلاث ، ثم قال( هذا هُدىً ) وأشار إلى الكتاب وجعله نفس الهدى لتحمله كل أسباب الهدى وجميع جهاته ، ثم توعد من كفر به ثم أردف ذلك بذكر نعمه وآلائه ليكون ذلك زائدا في توبيخهم ، والتحمت الآي عاضدة هذا الغرض تقريعا وتوبيخا ووعيدا وتهديدا إلى آخر السورة ـ انتهى.

ولما ذكر سبحانه بالنظر في آيات الآفاق ، أتبعها آيات الأنفس فقال :( وَفِي خَلْقِكُمْ ) أي المخالف لخلق الأرض التي أنتم منها بالاختيار والعقل والانتشار والقدرة على السار والضار( وَما يَبُثُ ) أي ينشر ويفرق بالحركة الاختيارية بثا على سبيل التجدد والاستمرار( مِنْ دابَّةٍ ) مما تعلمون ومما لا تعلمون بما في ذلك من مشاركتكم في الحركة بالاختيار والهداية للمنافع بإدراك الجزئيات ومخالفتكم في الصورة والعقل وإدراك الكليات وغير ذلك من مخالفة الأشكال والمنافع والطبائع ونحوها( آياتٌ ) أي على صفات الكمال ولا سيما العزة والحكمة ، وهي على قراءة حمزة والكسائي ويعقوب بالنصب هنا ، وفي الذي بعده عطف الآيتين على حيز إن في الآية الأولى من الاسم والخبر ، فلهذه الآية نظر إلى التأكيد ، وهو على قراءة الجماعة مبتدأ بالعطف على «إن» وما في حيزها ، وهي أبلغ لأنها تشير إلى أن ما في تصوير الحيوان وجميع شأنه من عجيب الصنع ظاهر الدلالة على الله فهو بحيث لا ينكره أحد ، فهو غني عن التأكيد ، ويجوز أن تكون الآية على قراءة النصب من الاحتباك : حذف أولا الخلق بما دل عليه ثانيا ، وثانيا ذوات الأنفس بما دل عليه من ذوات السماوات أولا.

٩٠

ولما كانت آيات الأنفس أدق وأدل على القدرة والاختيار بما لها من التجدد والاختلاف ، قال :( لِقَوْمٍ ) أي فيهم أهلية القيام بما يحاولونه( يُوقِنُونَ ) أي يتجدد لهم العروج في درجات الإيمان إلى أن يصلوا إلى شرف الإيقان ، فلا يخالطهم شك في وحدانيته ؛ قال الحرالي في تفسير( أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ : ) آية النفس منبهة على آية الحس ، وآية الحس منبهة على آية النفس ، إلا أن آية النفس أعلق ، فهي لذلك أهدى ، غاية آية الآفاق الإيمان ، وغاية آية النفس اليقين.

ولما ذكر الظرف وما خلق لأجله من الناس ، ضم إليهم بعض ما خلقه لأجلهم لشرفه بالحياة ، أتبعه ما أودع الظرف من المرافق لأجل الحيوان فقال :( وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ ) بذهاب أحدهما ووجود الآخر بعد ذهابه على التعاقب آية متكررة للدلالة على القدرة على الإيجاد بعد الإعدام بالبعث وغيره ، وجر «اختلاف» بتقدير «في» فينوب حرف العطف مناب عامل واحد للابتداء عند من رفع «آيات» ، ومناب «إن» عند من نصب ، فلم يلزم نيابته مناب عاملين مختلفين في الابتداء في الرفع وفي «إن» في النصب.

ولما كان المطر أدل مما مضى على البعث والعزة ، لأن الشيء كلما قل الإلف له كان أمكن للتأمل فيه ، أولاه إياه فقال :( وَما أَنْزَلَ اللهُ ) أي الذي تمت عظمته فنفذت كلمته. ولما كان الإنزال قد يستعمل فيما أتى من علو معنوي وإن لم يكن حسيا ، بين أن المراد هنا الأمران فقال :( مِنَ السَّماءِ ) .

ولما كانت منافع السماء غير منحصرة في الماء قال :( مِنْ رِزْقٍ ) أي مطر وغيره من الأسباب المهيئة لإخراج الرزق( فَأَحْيا بِهِ ) أي بسببه وتعقبه( الْأَرْضَ ) أي الصالحة للحياة ، ولذلك قال :( بَعْدَ مَوْتِها ) أي يبسها وتهشم ما كان فيها من النبات وانقلابه بالاختلاط بترابها ترابا ، فإذا نزل عليها الماء جمعه منها فأخرجه على ما كان عليه كلما تجدد نزوله ، ولذلك لم يأت بالجار إشارة إلى دوام الحياة بالقوة إن لم يكن بالفعل.

ولما ذكر ما يشمل الماء ، ذكر سبب السحاب الذي يحمله فقال :( وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ ) في كل جهة من جهات الكون وفي كل معنى من رحمة وعذاب وغير ذلك من الأسباب ، ولم يذكر الفلك والسحاب كما في البقرة لاقتضاء اللبابية المسماة بها الحواميم ، ذلك لأنهما من جملة منافع التصريف ، وتوحيد حمزة والكسائي أبلغ لأن تصريف الشيء الواحد في الوجوه الكثيرة أعجب( آياتٌ ) قراءة الرفع أبلغ لإشارتها بعدم الحاجة إلى التأكيد إلى أن ما في الآية ظاهر الدلالة على القدرة والاختيار للصانع بما في التصريف من الاختلاف ، والماء بما يحدث عنه من الإنبات أوضح دلالة من بقيتها على

٩١

البعث ، ولأجل شدة ظهورها ناط الأمر فيها بالعقل فقال :( لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) وقال القالي : والمعنى أن المنصفين لما نظروا في السماوات والأرض وأنه لا بد لهما من صانع آمنوا ، فإذا نظروا في خلق أنفسهم ونحوها ازدادوا إيمانا فأيقنوا ، فإذا نظروا في سائر الحوادث عقلوا واستحكم علمهم.

( تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦) وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آياتِ اللهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٨) وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً اتَّخَذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٩) مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئاً وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠) هذا هُدىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (١١) اللهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) )

ولما ذكر هذه الآيات العظيمات ، وكانت كلها مشتركة في العظم ، بعد ما أشار إلى تباين رتبها في الخفاء والجلاء بفواصلها ، قال مشيرا إلى علو رتبها بأداة البعد :( تِلْكَ ) أي الآيات الكبرى( آياتُ اللهِ ) أي دلائل المحيط بصفات الكمال التي لا شيء أجلى ولا أظهر ولا أوضح منها. ولما كان كأنه قيل : ما لها؟ قال ، أو يكون المراد : نشير إليها حال كوننا( نَتْلُوها ) أي نتابع قصها( عَلَيْكَ ) سواء كانت مرئية أو مسموعة ، متلبسة( بِالْحَقِ ) أي الأمر الثابت الذي لا يستطاع تحويله فليس بسحر ولا كذب ، فتسبب عن ذلك حينئذ الإنكار عليهم وعلى من يطلب إجابتهم إلى المقترحات طمعا في إيمانهم في قوله تعالى :( فَبِأَيِّ حَدِيثٍ ) أي خبر عظيم صادق يتجدد علمهم به يستحق أن يتحدث به ، واستغرق كل حديث فقال :( بَعْدَ اللهِ ) أي الحديث الأعظم عن الملك الأعلى( وَآياتِهِ ) أي والحديث عن دلالاته العظيمة( يُؤْمِنُونَ ) من خاطب ـ وهم الجمهور ـ ردوه على قوله «وفي خلقكم» وهو أقوى تبكيتا ، وغيرهم وهم أبو عمرو وحفص عن عاصم وروح عن يعقوب رأوا أن ذلك الخطاب صرف إلى خطاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم في قوله( نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ) .

ولما كان لا يبقى على الكفر نوع بقاء فضلا عن الإصرار بعد هذا البيان إلا من يستحق النكال لمجاهرته بالعناد ، قال على وجه الاستنتاج مهددا :( وَيْلٌ ) أي مكان معروف في جهنم( لِكُلِّ أَفَّاكٍ ) أي مبالغ في صرف الحق عن وجهه( أَثِيمٍ ) أي مبالغ في اكتساب الإثم وهو الذنب ، وعمل ما لا يحل مما يوجب العقاب ، وفسر هذا بقوله :( يَسْمَعُ آياتِ اللهِ ) أي دلالات الملك الأعظم الظاهرة حال كونها( تُتْلى ) أي

٩٢

يواصل استماعه لها بلسان القال أو الحال من أيّ تال كان ، عالية( عَلَيْهِ ) بجميع ما فيها من سهولة فهمها وعذوبة ألفاظها وظهور معانيها وجلالة مقاصدها مع الإعجاز فكيف إذا كان التالي أشرف الخلق.

ولما كانت تلاوتها موجبة لإقلاعه فكان إصراره مع بعد رتبته في الشناعة مستبعدا كونه قال :( ثُمَّ يُصِرُّ ) أي يدوم دواما عظيما على قبيح ما هو فيه حال كونه( مُسْتَكْبِراً ) أي طالبا الكبر عن الإذعان وموجدا له. ولما كان مع ما ذكر من حاله يجوز أن يكون سماعه لها ، خفف من مبالغته في الكفر ، بين أنها لم تؤثر فيه نوعا من التأثير ، فكان قلبه أشد قسوة من الحجر فقال :( كَأَنْ ) أي كأنه( لَمْ يَسْمَعْها ) فعلم من ذلك ومن الإصرار وما قيد به من الاستكبار أن حاله عند السماع وقبله وبعده على حد سواء ، وقد علم بهذا الوصف أن كل من لم ترده آيات الله تعالى كان مبالغا في الإثم والإفك ، فكان له الويل. ولما كان الإصرار معناه الدوام المتحكم ، لم يذكر الوقر الذي هو من الأمراض الثابتة كما ذكره في سورة لقمان ، قال ابن القطاع وابن ظريف في أفعالهما : أصر على الذنب والمكروه : أقام ، وقال عبد الغافر الفارسي في المجمع : أصررت على الشيء أي أقمت ودمت عليه ، وقال ابن فارس في المجمل : والإصرار : العزم على الشيء والثبات عليه ، وقال أبو عبد الله القزاز في ديوانه ونقله عنه عبد الحق في واعيه : وأصل الصر الإمساك ، ومنه يقال : أصر فلان على كذا ، أي أقام عليه وأمسكه في نفسه وعقده لأنه قد يقول ما ليس في نفسه وما لا يعتقده ، والرجل مصر على الذنب أي ممسك له معتقد عليه ، ثم قال : من الإصرار عليه وهو العزم على أن لا يقلع عنه ، وقال الأصفهاني تبعا لصاحب الكشاف : وأصله من أصر الحمار على العانة ، وهو أن ينحني عليها صارا أذنيه.

ولما أخبر عن ثباته على الخبث ، سبب عنه تهديده في أسلوب دال ـ بما فيه من التهكم ـ على شدة الغضب وعلى أنه إن كان له بشارة فهي العذاب فلا بشارة له أصلا فقال تعالى :( فَبَشِّرْهُ ) أي على هذا الفعل الخبيث( بِعَذابٍ ) لا يدع له عذوبة أصلا( أَلِيمٍ ) أي بليغ الإيلام.

ولما بين تعالى كفره بما يسمع من الآيات ، أتبعه ما هو أعم منه فقال :( وَإِذا عَلِمَ ) أي أيّ نوع كان من أسباب العلم( مِنْ آياتِنا ) أي على ما لها من العظمة بإضافتها إلينا( شَيْئاً ) وراءه وكان كلما رأوا الإنسان في غاية التمكن منه ، قال مبينا للعذاب :( جَهَنَّمُ ) أي تأخذهم لا محالة وهم في غاية الغفلة عنها بترك الاحتراز منها ، ويحسن التعبير بالوراء أن الكلام في الأفاك ، وهو انصراف الأمور عن أوجهها إلى اقفائها فهو

٩٣

ماش أبدا إلى ورائه فهو ماش إلى النار بظهره ، ويستعمل ، «وراء» في الأمام ، فيكون حينئذ مجازا عن الإحاطة أي تأخذهم من الجهة التي هم بها عالمون والجهة التي هم بها جاهلون ، فتلقاهم بغاية التجهم والعبوسة والغيظ والكراهة ضد ما كانوا عليه عند العلم بالآيات المرئية والمسموعة من الاستهزاء الملازم للضحك والتمايل بطرا وأشرا ، ومثل ما كانوا عليه عند الملاقاة للمصدقين بتلك الآيات.

ولما كانوا يظهرون الركون إلى ما بأيديهم من الأعراض الفانية ، قال :( وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ) أي في دفع ذلك( ما كَسَبُوا ) أي حصلوا من الأمور التي أفادتهم العز الذي أورثهم الاستهزاء( شَيْئاً ) أي من إغناء. ولما كان هؤلاء لما هم عليه من العمى يدعون إغناء آلهتهم عنهم ، قال مصرحا بها :( وَلا مَا اتَّخَذُوا ) أي كلفوا أنفسهم أي كلفوا أنفسهم بأخذه مخالفين لما دعتهم إليها فطرهم الأولى السليمة من البعد عنها.

ولما كان كفرهم إنما هو الإشراك ، فكانوا يقولون «الله» أيضا ، قال معبرا بما يفهم سفول ما سواه :( مِنْ دُونِ اللهِ ) أي أدنى رتبة من رتب الملك الأعظم( أَوْلِياءَ ) أي يطمعون في أن يفعلوا معهم ما يفعله القريب من النفع والذب والدفع( وَلَهُمْ ) مع عذابهم بخيبة الأمل( عَذابٌ عَظِيمٌ ) لا يدع جهة من جهاتهم ولا زمانا من أزمانهم ولا عضوا من أعضائهم إلا ملأه.

ولما أخبر عما لمن أعرض عن الآيات بما هو أجل موعظة وأردع زاجر عن الضلال ، قال مشيرا إلى ما افتتح به الكلام من المتلو الذي هذا منه :( هذا ) أي التنزيل المتلو عليكم( هُدىً ) أي عظيم جدا بالغ في الهداية كامل فيها ، فالذين اهتدوا بآيات ربهم لأنهم ـ لم يغتروا بالحاضر لكونه زائلا فاستعملوا عقولهم فآمنوا به لهم نعيم مقيم( وَالَّذِينَ كَفَرُوا ) أي ستروا ما دلتهم عليهم مرائي عقولهم به ـ هكذا كان الأصل ، ولكنه نبه على أن كل جملة من جمله ، بل كل كلمة من كلماته دلالة واضحة عليه سبحانه فقال :( بِآياتِ رَبِّهِمْ ) أي وهذه التغطية بسبب التكذيب بالعلامات الدالة على وحدانية المحسن إليهم فضلوا عن السبيل لتفريطهم في النظر لغرورهم بالحاضر الفاني( لَهُمْ عَذابٌ ) كائن( مِنْ رِجْزٍ ) أي عقاب قذر شديد جدا عظيم القلقلة والاضطراب متتابع الحركات ، قال القزاز : الرجز والرجس واحد( أَلِيمٌ ) أي بليغ الإيلام ، الآية من الاحتباك : ذكر الهدى أولا دليلا على الضلال ثانيا ، والكفر والعذاب ثانيا دليلا على ضدهما أولا ، وسره أنه ذكر السبب المسعد ترغيبا فيه ، والمشقى ترهيبا منه.

ولما ذكر سبحانه وتعالى صفة الربوبية ، ذكر بعض آثارها وما فيها من آياته ، فقال مستأنفا دالا على عظمتها بالاسم الأعظم :( اللهُ ) أي الملك الأعلى المحيط بجميع

٩٤

صفات الكمال. ولما كان آخر الآيات التي قدمها الرياح ، ذكر ما يتصرف بتسييرها فقال :( الَّذِي سَخَّرَ ) أي وحده من غير حول منكم في ذلك بوجه من الوجوه( لَكُمُ ) أيها الناس بركم وفاجركم( الْبَحْرَ ) بما جعل فيه مما لا يقدر عليه إلا واحد لا شريك له فاعل بالاختيار من القابلية للسير فيه بالرقة والليونة والاستواء مع الريح الموافقة وأنه يطفو عليه ما كان من الخشب مع ما علم من صنعته على هذا الوجه الذي تم به المراد( لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ ) أي السفن( فِيهِ بِأَمْرِهِ ) ولو كانت موقرة بأثقال الحديد الذي يغوص فيه أخف شيء منه كالإبرة وما دونها.

ولما كان التقدير : لتعبروا بذلك فتعلموا أنه بقدرته خاصة لتؤمنوا به ، عطف عليه قوله :( وَلِتَبْتَغُوا ) أي تطلبوا بشهوة نفس واجتهاد بما تحملون فيه من البضائع وتتوصلون إليه من الأماكن والمقاصد بالصيد والغوص وغير ذلك( مِنْ فَضْلِهِ ) لم يصنع شيئا منه سواه. ولما كان التقدير : لتظهر عليكم آثار نعمته ، عطف عليه قوله تعالى :( وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) أي ولتكونوا بحيث يرجو منكم من ينظر حالكم ذلك شكر من أنعم عليكم به ليزيدكم من فضله في الدنيا والآخرة.

( وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣) قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٥) )

ولما ذكر آية البحر لعظمتها ، عم بمنافع الخافقين دلالة على أنه ما خلق ذلك كله على عظمه إلا لنا ، تنبيها على أن الأمر عظيم فقال تعالى :( وَسَخَّرَ لَكُمْ ) أي خاصة ولو شاء لمنعه( ما فِي السَّماواتِ ) بإنزاله إليكم منبها على أنها بحيث لا يمكنكم الوصول إليه بوجه ، وأكد بإعادة الموصول لأن السياق للدلالة على عزته وحكمته الدالتين على توحده باستحقاق العبادة الذي هم له منكرون كما دلتا على توحده بالإيجاد والسيادة وهم معترفون بذلك بألسنتهم ، وأفعالهم أفعال من ينكره ، فقال :( وَما فِي الْأَرْضِ ) وأوصلكم إليه ولو شاء لجعلكم كما في السماء لا وصول لكم إليه ، وأكد ما دل على ما مضى من العموم بقوله :( جَمِيعاً ) حال كون ذلك كله من أعيان تلك الأشياء ومن تسخيرها( مِنْهُ ) لا صنع لأحد غيره في شيء منه في ذلك ، قال الرازي في اللوامع : قال أبو يعقوب النهرجوري : سخر لك الكل لئلا يسخرك منها شيء ، وتكون مسخرا لمن سخر لك الكل وهو الله تعالى ، فإنه يقبح بالمخدوم أن يخدم خادمه ، وقال القشيري : ما من شيء من الأعيان الظاهرة إلا ومن وجه للانسان به انتفاع ، فمن أن يستسخرك ما هو مسخر لك.

٩٥

ولما صح أنه لا شريك له في شيء من الخلق لا من الذوات ولا من المعاني ، حسن جدا قوله ، مؤكدا لأن عملهم يخالفه :( إِنَّ فِي ذلِكَ ) أي الأمر العظيم وهو تسخيره لنا كل شيء في الكون( لَآياتٍ ) أي دلالات واضحات على أنهم في الالتفات إلى غيره في ضلال مبين بعد تسخيره لنا ما لنا من الأعضاء والقوى على هذا الوجه البديع مع أن من هذا المسخر لنا ما هو أقوى منا( لِقَوْمٍ ) أي ناس فيهم أهلية للقيام بما يجعل إليهم( يَتَفَكَّرُونَ ) أنه المتوحد باستحقاق الإلهية فلا يشركون به شيئا.

ولما علمت دلائل التوحيد على وجه علم منه أنه قد بسط نعمه على جميع خلقه طائعهم وعاصيهم ، فعلمت بواسطة ذلك الأخلاق الفاضلة والأفعال الحميدة ، وكان على المقبل عليه المحب له التخلق بأوصافه ، أنتج قوله مخاطبا لأفهم خلقه عنه وأطوعهم له الذي الأوامر إنما هي له من شدة طواعته تكوين لا تكليف :( قُلْ ) أي بقالك وحالك( لِلَّذِينَ آمَنُوا ) أي ادعوا التصديق بكل ما جاءهم من الله : اغفروا تسننا به من أساء إليكم. ولما كان هذا الأمر في الذروة من اقتضاء الإحسان إلى المسيء فكيف بالصفح عنه ، كان كأنه علة مستقلة في الإقبال عليه والقبول منه والإعراض عن مؤاخذة المسيء ، فإن ذلك يقدح في كمال الإقبال عليه مع أن من كان يريد هو سبحانه الانتقام منه فهو يكفي أمره ، ومن لم يرد ذلك منه فلا حيلة في كفه بوجه فالاشتغال به عبث فنبه على ذلك بأن جعل جواب الأمر قوله :( يَغْفِرُوا ) أي يستروا سترا بالغا.

ولما كان العاقل من سعى جهده في نفع نفسه ، وكان الأذى لعباد الله مظنة لتوقع الغضب منه وقادحا فيما يرجى من إحسانه قال :( لِلَّذِينَ ) وعبر في موضع (أساؤا إليهم) بقوله تعالى :( لا يَرْجُونَ ) أي حقيقة ومجازا ، والتعبير في موضع الخوف بالرجاء لما فيه من الاستجلاب والترغيب والتأليف والاستعطاف ، وقال بعد ما نبه عليه بتلك العبارة من جليل الإشارة :( أَيَّامَ اللهِ ) أي مثل وقائع الملك الأعظم المحيط بصفات الكمال في الأمم الخالية بإدالة الدول تارة لهم وأخرى عليهم ، وفيه أعظم ترغيب في الحث على الغفران للموافق في الدين ، وتنبيه على أنه لا يقدم على الإساءة إلى عبيده إلا من أعرض عنه ، فصار حاله حال الآئس من صنائعه سبحانه في جزائه للمسيء والمحسن في الأيام والليالي ، وعبر بالاسم الشريف تنبيها على ما له من الجلال والجمال في معاملة كل منهما ، قال ابن برجان : وهذه الآية وشبهها من النسي المذكور في قوله تعالى( ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها ) [البقرة : ١٠٦] وليس بنسخ بل هو حكم يجيء ويذهب بحسب القدرة على الانتصار ، وكان ينزل مثل هذا بمكة والمسلمون في ضعف ، ونزل بعد الهجرة آية الجهاد والأمر بالمعروف ، وتركت هذه وأمثالها مسطورة

٩٦

في القرآن لما عسى أن يدور من دوائر أيام الله ومن أيامه إزالة أهل الكفر تنبيها للمسلمين ليراجعوا أمرهم ويصلحوا ما بينهم وبين ربهم.

ولما كان من قوصص على جنايته في الدنيا ، سقط عنه أمرها في الآخرة ، وكان المسلط للجاني في الحقيقة إنما هو الله تعالى وكان تسليطه إياه لحكم بالغة تظهر غاية الظهور في الآخرة ، علل الأمر بالغفران مهددا للجاني ومسليا للمجني عليه :( لِيَجْزِيَ ) أي الله في قراءة الجماعة بالتحتانية والبناء للفاعل ، ونحن بما لنا من العظمة في قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي بالنون ، وبناه أبو جعفر للمفعول فيكون النائب عن الفاعل الخير أو الشر بتقدير حرف الجر لجزائهم في الدنيا وفي الآخرة حيث يظهر الحكم وينجلي الظلم.

ولما كان ربما جوزي جميع الجناة ، وربما عفي عن بعضهم بالتوبة عليه أو غيرها تفضلا لحكم أخرى ويثاب المظلوم على ظلامته لمثل ذلك قال :( قَوْماً ) أي من الجناة وإن كانوا في غاية العلو والكبرياء والجبروت ومن المجني عليهم وإن كانوا في غاية الضعف( بِما ) أي بسبب الذي( كانُوا ) أي في جبلاتهم وأبرزوه إلى الخارج( يَكْسِبُونَ ) أي يفعلون على ظن أنه ينفعهم أو بسبب كسبهم من خير أو شر ، والحاصل أنه تعالى يقول : أعرض عمن ظلمك وكل أمره إليّ فإني لا أظلمك ولا أظلم أحدا ، فسوف أجزيك على صبرك أجزيه على بغيه وأنا قادر ، وأفادت قراءة أبي جعفر الإبلاغ في تعظيم الفاعل وأنه معلوم ، وتعظيم ما أقيم مقامه وهو الجزاء بجعله عمدة مسندا إليه لأن عظمته على حسب ما أقيم مقامه ، فالتقدير لكون الفعل يتعدى إلى مفعولين كما قال تعالى( وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً ) [الدهر : ١٢] ليجزي الملك الأعظم الجزاء الأعظم من الخير للمؤمن والشر للكافر قوما ، فجعل الجزاء كالفاعل وإن كان مفعولا كما جعل «زيد» فاعلا في مات زيد وإن كان مفعولا في المعنى : تنبيها على عظيم تأثير الفعل فإنه لا انفكاك عنه لأنه يجعل متمكنا من المجزي تمكن المجزي من جزائه ومحيصا به لأن الله تعالى بعظم قدرته يجعل عمل الإنسان نفسه جزاء له ، قال الله تعالى( سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ ) [الأنعام : ١٣٩] بما كانوا يعملون ، ويجوز أن يكون النائب عن الفاعل ضمير «الذين» بالنظر إلى لفظه فيكون المعنى : سيجزي الذين آمنوا ناسا كانوا أقوياء على القيام في أذاهم بسبب أذاهم لهم فيجعل كلّا منهم فداء لكل منهم من النار ، وربما رأوا بعض آثار ذلك في الدنيا ، روى مسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا ، وما

٩٧

تواضع أحد إلا رفعه اللهعزوجل (١) . ولأحمد والترمذي واللفظ له وقال حسن صحيح عن أبي كبشة الأنماري رضي الله عنه أنه سمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : ثلاث أقسم عليهن وأحدثكم حديثا فاحفظوه : ما نقص مال عبد من صدقة ، وما ظلم عبد مظلمة صبر عليها إلا زاده الله عزا ، ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله باب فقر(٢) ـ أو كلمة نحوها ، وروى الحاكم وصحح إسناده ، قال المنذري : وفيه انقطاع عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال : «من سره أن يشرف له البنيان وترفع له الدرجات فليعف عمن ظلمه ويعط من حرمه ويصل من قطعه»(٣) .

ولما رغب سبحانه ورهب وتقرر أنه لا بد من الجزاء ، زاد في الترغيب والترهيب بأن النفع والضر لا يعدوهم فقال شارحا للجزاء :( مَنْ عَمِلَ صالِحاً ) قال أو جل( فَلِنَفْسِهِ ) أي خاصة عمله يرى جزاءه في الدنيا أو في الآخرة( وَمَنْ أَساءَ ) أي كذلك إساءة قلت أو جلت( فَعَلَيْها ) خاصة إساءته كذلك ، وذلك في غاية الطهور لأنه لا يسوغ في عقل عاقل أن ملكا يدع عبيده من غير جزاء ولا سيما إذا كان حكيما وإن كانت نقائص النفوس قد غطت على كثير من العقول ذلك ومن جزائه أنه يديل المسيء على المحسن لهفوة وقعت له ليراجع حاله بالتوبة.

ولما كان سبحانه قادرا لا يفوته شيء كان بحيث لا يعجل فأخر الجزاء إلى اليوم الموعود :( ثُمَ ) أي بعد الابتلاء بالإملاء في الدنيا والحبس في البرزخ( إِلى رَبِّكُمْ ) أي المالك لكم وحده لا إلى غيره( تُرْجَعُونَ ) .

( وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٦) وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧) ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩) )

__________________

(١) تقدم في الجزء الذي قبله ، وهو حديث صحيح.

(٢) أخرجه أحمد ١٧٥٧٠ والترمذي ٢٣٢٥ عن أبي كبشة رضي الله تعالى عنه ، وإسناده صالح.

(٣) أخرجه الحاكم ٢ / ٢٩٥ عن أبيّ بن كعب رضي الله تعالى عنه ، وصححه ، وتعقبه الذهبي بأن إسحاق لم يدرك عبادة ، وأبا أمية ضعفه الدارقطني. قلت : حجاج بن نصير وإسحاق بن يحيى ضعيفان ، فهذا إسناد تالف. تنبيه : ظاهر كلام المؤلف أن الحديث موقوف من قول أبيّ بل هو مرفوع لكن الراجح وقفه.

٩٨

ولما علم بهذه الحكم ما افتتحت به السورة من أن منزل هذا الكتاب عزيز حكيم ، فكان التقدير فذلكة لذلك : فلقد آتيناك الكتاب والحكم والنبوة وفضلناك وأمتك على العالمين وأرسلناك لتنبه الناس على ما أمامهم وكان قومه بعد ائتلافهم على الضلال قد اختلفوا بهذا الكتاب الذي كان ينبغي لهم أن يشتد اجتماعهم به واستنصارهم من أجله ، عطف عليه مسليا قوله :( وَلَقَدْ آتَيْنا ) أي على ما لنا من العظمة والقدرة الباهرة( بَنِي إِسْرائِيلَ ) نبي الله ابن عمكم إسحاق نبي الله ابن أبيكم إبراهيم خليل الله عليهم الصلاة والسّلام( الْكِتابَ ) الجامع للخيرات وهو يعم التوراة والإنجيل والزبور وغيرها مما أنزل على أنبيائهم( وَالْحُكْمَ ) أي العلم والعمل الثابتين ثبات الاحكام بحيث لا يتطرق إليهما فساد بما للعلم من الزينة بالعمل ، وللعمل من الإتقان بالعلم( وَالنُّبُوَّةَ ) التي تدرك بها الأخبار العظيمة التي لا يمكن اطلاع الخلق عليها بنوع اكتساب منهم ، فأكثرنا فيهم من الأنبياء( وَرَزَقْناهُمْ ) بعظمتنا لإقامة أبدانهم( مِنَ الطَّيِّباتِ ) من المن والسلوى وغيرهما من الأرزاق اللدنية وغيرها( وَفَضَّلْناهُمْ ) بما لنا من العزة( عَلَى الْعالَمِينَ ) وهم الذين تحقق إيجادنا لهم في زمانهم وما قبله فإنا آتيناهم من الآيات المرئية والمسموعة وأكثرنا فيهم من الأنبياء ما لم نفعله لغيرهم ممن سبق ، وكل ذلك فضيلة ظاهرة( وَآتَيْناهُمْ ) مع ذلك( بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ ) الموحى به إلى أنبيائهم من الأدلة القطعية والأحكام والمواعظ المؤيدة بالمعجزات ، ومن صفات الأنبياء الآتين بعدهم وغير ذلك مما هو في غاية الوضوح لمن قضينا بسعادته ، وذلك أمر يقتضي الألفة والاجتماع وقد كانوا متفقين وهم في زمن الضلال لا يختلفون إلا اختلافا يسيرا لا يضر مثله ولا يعد اختلافا.

ولما كان حالهم بعد هذا الإيتاء مجملا ، فصله فقال تعالى :( فَمَا اخْتَلَفُوا ) أي أوقعوا الاختلاف والافتراق بغاية جهدهم ، ولما لم يكن اختلافهم مستغرقا لجميع الزمن الذي بعد الإيتاء ، أثبت الجار فقال :( إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ ) الذي من شأنه الجمع على المعلوم ، فكان ما هو سبب الاجتماع سببا لهم في الافتراق لأن الله تعالى أراد ذلك وهو عزيز.

ولما كان هذا عجبا ، بين علته محذرا من مثلها فقال :( بَغْياً ) أي للمجاوزة في الحدود التي اقتضاها لهم طلب الرئاسة والحسد وغيرهما من نقائص النفوس. ولما كان البغي على البعيد مذموما ، زاده عجبا بقوله :( بَيْنَهُمْ ) واقعا فيهم لم يعدهم إلى غيرهم ، وقد كانوا قبل ذلك وهم تحت أيدي القبط في غاية الاتفاق واجتماع الكلمة على الرضا بالذل ، ولذلك استأنف قوله الذي اقتضاه الحال على ما يشاهده العباد من أفعال الملوك فيمن خالف أوامرهم ، مؤكدا لأجل إنكارهم :( إِنَّ رَبَّكَ ) أي المحسن

٩٩

إليك بإرسالك وتكثير أمتك وحفظهم مما ضل به القرون الأولى وبيان يوم الفصل الذي هو محط الحكمة بيانا لم يبينه على لسان أحد ممن سلف( يَقْضِي بَيْنَهُمْ ) بإحصاء الأعمال والجزاء عليها ، لأن هذا مقتضى الحكمة والعزة( يَوْمَ الْقِيامَةِ ) الذي ينكره قومك الذين شرفناهم برسالتك مع أنه لا يجوز في الحكمة إنكاره( فِيما كانُوا ) أي بما هو لهم كالجبلة( فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) بغاية الجهد متعمدين له بخلاف ما كان يقع منهم خطأ فإنه يجوز في الحكمة أن يتفضل عليهم بالعفو عنه فقد علم أنه لا يجوز في الحكمة أصلا أن يترك المختلفون من غير حكم بينهم لأن هذا لا يرضاه أقل الملوك فإنه لا يعرف الملك إلا بالقهر والعزة ولا يعرف كونه حكيما إلا بالعدل ، وإذا كان هذا لا يرضاه ملك فكيف يرضاه ملك الملوك ، وإذا كان هذا القضاء مقتضى الحكمة كان لا فرق فيه بين ناس وناس ، فهو يقتضي بينكم أيضا كذلك ، ومن التأكيد للوعد بذلك اليوم التعبير باسم الرب مضافا إليهصلى‌الله‌عليه‌وسلم .

ولما كان معنى هذا أنه سبحانه وتعالى جعل بني إسرائيل على شريعة وهددهم على الخلاف فيها ، فكان تهديدهم تهديدا لنا ، قال مصرحا بما اقتضاه سوق الكلام وغيره من تهديدنا منبها على علو شريعتنا :( ثُمَ ) أي بعد فترة من رسلهم ومجاوزة رتب كثيرة عالية على رتبة شريعتهم( جَعَلْناكَ ) أي بعظمتنا( عَلى شَرِيعَةٍ ) أي طريقة واسعة عظيمة ظاهرة مستقيمة سهلة موصلة إلى المقصود هي جديرة بأن يشرع الناس فيها ويخالطوها مبتدئة( مِنَ الْأَمْرِ ) الذي هو وحينا وهو حياة الأرواح كما أن الأرواح حياة الأشباح.

ولما بين بهذه العبارة بعض فضلها على ما كان قبلها ، سبب عنه قوله موجها الخطاب إلى الإمام بما أراد به المأمومين ليكون أدعى إلى اجتهادهم ، فإن أمرهم تكليف وأمر إمامهم تكوين :( فَاتَّبِعْها ) أي بغاية جهدك. ولما كانت الشريعة العقل المحفوظ الذي أخبر الله أنه به يأخذ وبه يعطي ، كان الإعراض عنها إلى غيرها إنما هو هوى ، ولما كان أحاد الأمة غير معصومين أشار إلى العفو عن هفواتهم بقوله تعالى :( وَلا تَتَّبِعْ ) أي تتعمدوا أن تتبعوا( أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) أي لا علم لهم أو لهم علم ولكنهم يعملون عمل من ليس لهم علم أصلا من كفار العرب وغيرهم ، فإن من تعمد اتباعهم فعلت بهم ما فعلت ببني إسرائيل حيث لعنتهم على لسان داود وعيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسّلام بعد ما لعنتهم على لسان موسى عليه الصلاة والسّلام ، ثم علل هذا النهي مهددا بقوله : مؤكدا تنبيها على أن من خالف أمر الله لأجل أحد كان عمله عمل من يظن أنه يحميه :( إِنَّهُمْ ) وأكد النفي فقال تعالى :( لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ ) أي لا

١٠٠