بحوث في الملل والنّحل الجزء ٢

بحوث في الملل والنّحل0%

بحوث في الملل والنّحل مؤلف:
تصنيف: أديان وفرق
الصفحات: 394

بحوث في الملل والنّحل

مؤلف: الشيخ جعفر السبحاني
تصنيف:

الصفحات: 394
المشاهدات: 153
تحميل: 4


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 394 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 153 / تحميل: 4
الحجم الحجم الحجم
بحوث في الملل والنّحل

بحوث في الملل والنّحل الجزء 2

مؤلف:
العربية

عن الفعل فهي متقارنة مع الفعل ، غير متعلقة إلّا بمقدور واحد والأشاعرة لما
اختارت تبعاً لمؤسس المنهج كون القدرة مع الفعل ، نفت صلاحية تعلقها
بمقدورين ، فضلاً عن الضدين ، وبما أنك عرفت أن النزاع في المسألة السابقة
أشبه باللفظي ، يكون النزاع هنا أيضاً مثله .

قال الإمام الرازي : « قد تطلق القدرة على القوة العضلية ، التي هي
مبدأ الآثار المختلفة في الحيوان ، بحيث لو انضم إليها إرادة كل واحد من
الضدين حصل دون الآخر ، ولا شك أن نسبتها إلى الضدين على السواء
وقد تطلق على القوة المستجمعة لشرائط التأثير ، ولا شك في امتناع تعلقها
بالضدين ، وإلّا اجتمعا في الوجود ، بل هي بالنسبة إلى كل مقدور ، غيرها
بالنسبة إلى مقدور آخر ، لاختلاف الظروف بحسب كل مقدور فلعل
الأشعري أراد بالقدرة ، المعنى الثاني ، فحكم بأنها لا تتعلق بالضدين ، ولا
هي قبل الفعل ، والمعتزلة أرادت بها المعنى الأول ، فذهبوا إلى أنها تتعلق
بالضدين وأنها قبل الفعل » (١)

ثم إنّ أبا الحسن الأشعري لما اختار لزوم مقارنة القدرة مع الفعل وامتناع
تقدمها عليه ، وقع في تكليف الكفار بالإيمان في زمان كفرهم في حيرة ، كما قام
بتأويل كثير من الآيات الصريحة في تقدم القدرة على الفعل ، وإليك نماذج منها :

١ ـ إنّ الكفار مكلفون بالإيمان كما هو صريح الكتاب ، فلو كانت
القدرة موجودة مع الفعل لكان تكليفهم بالإيمان في حال الكفر تكليفاً بالمحال ،
وهذا من النقوض الواضحة التي سعى الشيخ الأشعري وتلاميذ منهجه في حلها
ولم يأتوا بشيء مقنع .

٢ ـ قال سبحانه :( أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ
فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ
) (٢)

اتفق مشاهير المفسرين على أن الضمير في « يطيقونه » يرجع إلى الصيام ،
____________________

(١) شرح المواقف : ج ٦ ص ١٥٤

(٢) سورة البقرة : الآية ١٨٤

١٨١

والمراد أن الذين يقدرون على الصيام لكن بعسر وشدة يجوز لهم الإفطار ،
والفدية لكل يوم بطعام مسكين فالآية نص في تقدم الاستطاعة على العمل
قال في المنار : « إنّ الذين لا يستطيعون الصوم إلّا بمشقة شديدة ، عليهم فدية
طعام مسكين في كل يوم يفطرون فيه » (١)

والشيخ الأشعري تكلف بإرجاع الضمير إلى الإطعام ، والمعنى : وعلى
الذين يطيقون الإطعام ويعجزون عن الصيام ، عليهم الفدية .

يلاحظ عليه : أنَّ مرجع الضمير غير مذكور على تفسيره أولاً ، والعجز
عن الصيام الذي هو المهم لم يذكر في الآية لا تصريحاً ولا تلويحاً ، والإطعام
واجب مطلقاً للعاجز وغيره ثانياً .

٣ ـ قال سبحانه :( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ
سَبِيلًا
) (٢) فالآية صريحة في أن المستطيع بالفعل يجب عليه الحج في المستقبل

وقد تكلف الشيخ في تفسير الاستطاعة بالمال ، ويعني الزاد والراحلة
وقال : « ولم يرد استطاعة البدن التي في كونها كون مقدورها » .

يلاحظ عليه أولاً : أنَّ تفسير الاستطاعة بخصوص ما ذكره لا دليل
عليه ، مع أن استطاعة البدن ركن مثل المال ، وثانياً : أنَّهُ لو انضم إليه البدن
لما كان في كونه ، كون مقدوره ، أعني نفس عمل الحج ، لأن للزمان وشهور
الحج دخلاً في تحقق المقدور .

٤ ـ قوله تعالى :( وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ
أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ
) (٣)

ترى أن المنافقين يحلفون بعدم الإستطاعة على الخروج إلى الجهاد والله
يكذبهم ويقول : إِنّهم مستطيعون ولا يريدون الخروج ، قال سبحانه : ( وَلَوْ

____________________

(١) المنار : ج ٢ ص ١٥٦

(٢) سورة آل عمران : الآية ٩٨

(٣) سورة التوبة : الآية ٤٢

١٨٢

أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ) (١)

وقد فسر الشيخ الإستطاعة بالمال ، وقال : « إنّهم كانوا يجدون المال ، وكانت المحاورة بينهم وبين النبي ( صلی الله عليه وآله وسلم ) في الجدة وإذا
كان كذلك فنحن لا ننكر تقدم المال للفعل ، وإنّما أنكرنا تقدم استطاعة السلوك
للفعل » (٢)

يلاحظ عليه : أنَّ هؤلاء الواجدين للمال لم يكونوا خارجين عن حالتين :
الصحة والسلامة ، المرض والضعف فعلى الأول كانت الاستطاعة بعامة
أجزائها موجودة قبل الفعل ، أعني الخروج إلى الجهاد ، وعلى الثاني لم يكونوا
مخاطبين بالخروج إلى الجهاد لقوله سبحانه : ( وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ) (٣)

إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي هي ظاهرة في تقدم الاستطاعة على
الفعل ، وقد أتعب الشيخ نفسه في تأويل هذه الآيات بما لا يرضى به من له إلمام
بتفسير الآيات وتوضيحها .

والعجب أن الشيخ يتهجم على المعتزلة تبعاً لأهل الحديث ، لتأويلهم
الآيات والروايات الظاهرة في أن لله يداً ووجهاً ورجلاً ، مع أنه يتكلف التأويل
في هذا الباب عند تفسير كثير من الآيات الظاهرة في خلاف ما تبناه .

وإن كنت في شك مما ذكرنا فلاحظ تأويله قوله سبحانه ، في قصة سليمان
حكاية عن عفريت من الجن ( قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن
يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ
õ قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ
وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ
) (٤)

فانظر صراحة الآية في أن العفريت يصف نفسه بالقوة والاستطاعة قبل
أن يفعل .

____________________

(١) سورة التوبة : الآية ٤٦

(٢) اللمع : ص ١٠٦

(٣) سورة النور : الآية ٦١

(٤) سورة النمل : الآية ٣٨ ـ ٣٩

١٨٣

وبعد ذلك فانظر إلى تكلف الشيخ في تفسير الآية حيث يقول : عنى
العفريت بقوله « وإني عليه لقوي أمين » إن استطعت ذلك وتكلفته وأردته ، أو
عنى منه : إن شاء الله ، أو عنى منه : إن قواني الله تعالى عليه .

والعجب أنه يتنبأ ويقول : « ولو لم يعلم سليمان أن العفريت أضمر شيئاً
من ذلك لكذبه ورد عليه قوله » أو ليس هذا تخرصاً على الغير ؟ .

ونحن لا نعلق على التأويل الذي أتى به الشيخ ، ولا على التنبؤ الذي
نسبه إلى سليمان شيئاً ، بل نرجع القضاء في ذلك إلى وجدان القاری ء الحر ،
ونقول : هكذا يتلاعب الإنسان بالآيات القرآنية بسبب أفكاره المسبقة (١)

التكليف بما لا يطاق

إنّ الوجدان السليم والعقل الفطري يحكم بامتناع تكليف ما لا يطاق ،
أما إذا كان الآمر إنساناً فلأنه بعد وقوفه على أن المأمور غير مستطيع لإيجاد
الفعل ، وغير قادر عليه ، فلا تنقدح الإرادة في لوح نفسه وضمير روحه ، ولا
يبلغ تصور الفعل والتصديق بفائدته إلى مرحلة العزم والجزم بطلبه من المأمور ،
وبعثه من صميم القلب نحو الشيء المطلوب ، إذ كيف يمكن أن يطلب شيئاً
بطلب جدي ممن يعلم أنه عاجز ، وهل يمكن لإنسان أن يطلب الثمرة من
الشجرة اليابسة ، أو المطر من الأحجار والأتربة الجامدة ، ولأجل ذلك يقول
المحققون : إنّ مرجع التكليف بما لا يطاق إلى كون نفس التكليف محالاً ، وإِنَّ
الإرادة الجدية لا تنقدح في ضمير الأمر هذا كله إذا كان الآمر إنساناً ، وأما إذا
كان الآمر هو الله سبحانه ، فالأمر فيه واضح من جهتين :

١ ـ إنّ التكليف بما لا يطاق أمر قبيح عقلاً ، فيستحيل عليه سبحانه من
حيث الحكمة أن يكلف العبد ما لا قدرة له عليه ولا طاقة له به ، ويطلب منه
فعل ما يعجز عنه ويمتنع منه ، فلا يجوز له أن يكلف الزمن ، الطيران إلى
السماء ، ولا الجمع بين الضدين ، ولا إدخال الجمل في خرم الإبرة ، إلى غير
ذلك من المحالات الممتنعة .

____________________

(١) راجع في ما نقلناه عن الشيخ الأشعري حول الآيات ، اللمع ص ٩٩ ـ ١٠٩

١٨٤

٢ ـ الآيات الصريحة في أنه سبحانه لا يكلف الإنسان إلّا بمقدار قدرته
وطاقته ، قال سبحانه : ( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ) (١) وقال تعالى :
( وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ) (٢) وقال عزّ من قائل :( وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ
أَحَدًا
) (٣)

والظلم هو الإضرار بغير المستحق ، وأيّ إضرار أعظم من هذا ، تعالى
الله عن ذلك علواً كبيراً .

ومع هذه البراهين المشرقة سلك الأشعري غير هذا الصراط السوي ،
وجوز التكليف بما لا يطاق ، واستدل عليه بالآيات التالية :

١ ـ( أُولَٰئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ
مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا
يُبْصِرُونَ
) (٤) وقد أُمروا أن يسمعوا الحق وكلفوه ، فدل ذلك على جواز
تكليف ما لا يطاق ، وأن من لم يقبل الحق ولم يسمعه على طريق القبول لم يكن
مستطيعاً .

٢ ـ( وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي
بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
) (٥) قال : الآية تدل على جواز تكليف ما لا
يطاق ، فقد أُمروا بإعلام وهم لا يعلمون ذلك ولا يقدرون عليه .

٣ ـ( يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ õ
خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ
سَالِمُونَ
) (٦) قال : فإذا جاز تكليفه إياهم في الآخرة ما لا يطيقون ، جاز
ذلك في الدنيا .

____________________

(١) سورة البقرة : الآية ٢٨٦

(٢) سورة فصلت : الآية ٤٦

(٣) سورة الكهف : الآية ٤٩

(٤) سورة هود : الآية ٢٠

(٥) سورة البقرة : الآية ٣١

(٦) سورة القلم : الآية ٤٢ ـ ٤٣

١٨٥

٤ ـ( وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ
الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا
) (١)
قال : وقد أمر الله تعالى بالعدل ، ومع ذلك أخبر عن عدم الاستطاعة على أن
يعدل (٢)

يلاحظ عليه :

أما الآية الأُولى : فيظهر ضعف الاستدلال بها بتفسير مجموع جملها :

« أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض » : إِنَّهم لم يكونوا معجزين لله
سبحانه في حياتهم الأرضية وإن خرجوا عن زي العبودية وافتروا على الله
الكذب ، ولكن ما غلبت قدرتهم قدرة الله » .

« وما كان لهم من دون الله من أولياء » : إنّهم وإن اتخذوا أصنامهم أولياء
ولكنها ليست أولياء حقيقة ، وليس لهم من دون الله تعالى .

« يضاعف لهم العذاب » : يجازون بما أتوا به من الغي والظلم والأعمال
السيئة » .

« ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون » هذه الجملة في مقام التعليل
يريد أنهم لم يكفروا ولم يعصوا أمر الله ، لأجل غلبة إرادتهم على إرادة الله ، ولا
لأن لهم أولياء من دون الله ، بل لأنهم ما كانوا يستطيعون أن يسمعوا ما يأتيهم
من إنذار وتبشير ، أو يذكر لهم من البعث والزجر من قبله سبحانه ، وما كانوا
يبصرون آياته ، حتى يؤمنوا بها ، ولكن كل ذلك لا لأجل أنهم كانوا غير
مستطيعين أن يسمعوا ويبصروا من بداية الأمر ، بل لأنهم أنفسهم سلبوا هذه
النعم بالذنوب فصارت وسيلة لكونهم ذوي قلوب لا يفقهون بها ، وذوي أعين
لا يبصرون بها ، وذوي آذان لا يسمعون بها ، فصاروا كالأنعام بل أضل
منها » (٣)

____________________

(١) سورة النساء : الآية ١٢٩

(٢) لاحظ اللمع : ص ٩٩ ، ١١٣ ، ١١٤

(٣) اقتباس من قوله سبحانه :( لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا . ) سورة الأعراف : الآية ١٧٩

١٨٦

إنّ الآيات الكريمة صريحة في أن عمل الإنسان وتماديه في الغي ينتهي إلى
صيرورة الإنسان أعمى وأصم وأبكم ، قال سبحانه : ( فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ
قُلُوبَهُمْ
) (١)

وقال سبحانه :( وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ ) (٢)

وعلى ذلك فالآية التي استدل بها الشيخ ، نظير قوله سبحانه :( خَتَمَ
اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ
) (٣) وقوله سبحانه :
( وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) (٤)

ولكن كل ذلك في نهاية حياتهم بعد تماديهم في الغي وأما في ابتداء
حياتهم فقد أعطى للجميع قدرة الإبْصار والاستماع والتفكر والتعقل قال
سبحانه : ( وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ
السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
) (٥) ولكن الإنسان ربما يبلغ به
الغي إلى درجة ينادي فيها ويقول : ( لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ
السَّعِيرِ
õ فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقًا لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ ) (٦)

وباختصار ، الآية تحكي عن عدم استطاعتهم السمع ، ولكن السبب في
حصول هذه الحالة لهم ، هو أنفسهم باختيارهم ، وهذا لا ينافي وجود
الاستطاعة قبل التمادي في الغي ، وما يتوقف عليه التكليف هو القدرة الموجودة
قبل سلبها عن أنفسهم .

ومن القواعد المسلمة في علم الكلام قولهم : « الامتناع بالاختيار لا
ينافي الاختيار » .

____________________

(١) سورة الصف : الآية ٥

(٢) سورة البقرة : الآية ٢٦

(٣) سورة البقرة : الآية ٧

(٤) سورة الأنعام : الآية ١١٠

(٥) سورة النحل : الآية ٧٨

(٦) سورة الملك : الآية ١٠ ـ ١١

١٨٧

إلى هنا تعرفت على مفاد الآية ، ووقفت على أنها لا تمت إلى ما يدعيه
الشيخ بصلة ، وهلم معي ندرس الآيات الباقية :

وأما الآية الثانية ، أعني قوله سبحانه :( أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ ) فليس
الأمر فيها للتكليف والبعث نحو المأمور به ، بل للتعجيز ، مثل قوله سبحانه :
( وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم
مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
) (١)

إن لصيغة الأمر معنى واحداً وهو إنشاء الطلب ، لكن الغايات من
الإنشاء تختلف حسب اختلاف المقامات ، فتارة تكون الغاية من الإنشاء ، هي
بعث المكلف نحو الفعل جداً ، وهذا هو الأمر الحقيقي الذي يثاب فاعله
ويعاقب تاركه ، ويشترط فيه القدرة الإستطاعة ، وأخرى تكون الغاية أموراً
غيره ، وعند ذلك لا ينتزع منه التكليف الجدي ، وذلك كالتعجيز في الآية
السابقة ، وكالتسخير في قوله سبحانه : ( كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ‎ ) (٢) والإهانة ،
مثل قوله : ( ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ) (٣) ، أو التمني ، مثل قول
امری ء القيس في معلقته :

ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي

بصبح وما الإصباح منك بأمثل

إلى غير ذلك من الغايات والحوافز التي تدعو المتكلم إلى التعبير عن
مقاصده بصيغة ، الأمر ، وذلك واضح لمن ألقى السمع وهو شهيد .

وأما الآية الثالثة فليست الدعوة إلى السجود فيها عن جد وإرادة
حقيقية ، بل الغاية من الدعوة إيجاده الحسرة في المشركين التاركين للسجود حال
استطاعتهم في الدنيا والآية تريد أن تبين أنهم في أوقات السلامة رفضوا
الإطاعة والإمتثال ، وعند العجز ـ بعد ما كشف الغطاء عن أعينهم ورأوا
العذاب ـ هموا بالسجود ، ولكن أنى لهم ذلك ، وإليك تفسير جمل الآية .

____________________

(١) سورة البقرة : الآية ٢٣

(٢) سورة البقرة : الآية ٦٥

(٣) سورة الدخان : الآية ٤٩

١٨٨

« يوم يكشف عن ساق » الجملة كناية عن اشتداد الأمر وتفاقمه ، وإن لم
يكن هناك كشف ولا ساق ، وذلك لأن الإنسان عند الشدة يكشف عن
ساقيه ، ويخوض غمار الحوادث وهذا كما يقال للأقطع الشحيح : يده
مغلولة ، وإن لم يكن هناك يد ولا غل .

« ويدعون إلى السجود » : لا طلباً ولا تكليفاً جدياً ، كما زعمه الشيخ أبو
الحسن ، بل لازدياد الحسرة على تركهم السجود في الدنيا مع سلامتهم .

« فلا يستطيعون » : لسلب السلامة منهم(١) أو لاستقرار ملكة
الاستكبار في سرائرهم ، واليوم تبلى السرائر (٢)

« خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة » : تكون أبصارهم خاشعة ويغشاهم في
ذلك اليوم ذلة .

« وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون » : إنّهم لما دعوا إلى
السجود في الدنيا فامتنعوا عنه مع صحتهم وصحة أبدانهم ، يدعون إلى
السجود في الآخرة ولكن لا يستطيعون ، وذلك لتزداد حسرتهم وندامتهم على ما
فرطوا حين دعوا إليه في الدنيا وهم سالمون أصحاء .

ومجموع جمل الآية تعرب بوضوح عن أن الدعوة فيها لا تكون عن
تكليف جدي ، بل لغايات أخرى لا يشترط فيها القدرة .

وأما الآية الرابعة ، فلا شك أن الله سبحانه أمر بالعدالة من يتزوج أكثر
من واحدة قال سبحانه : ( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً ) (٣) وفي الوقت
نفسه أخبر في آية أخرى عن عدم استطاعة المتزوجين أكثر من واحدة على أن
يعدلوا ولكن نهى عن التعلق التام بالمحبوبة منهن ، والإعراض عن الأخرى
رأساً ، حتى تصير كالمعلقة لا متزوجة ولا مطلقة ، قال سبحانه : ( وَلَن
____________________

(١) الكشاف : ج ٣ ص ٢٦١

(٢) الميزان : ج ٢٠ ص ٤٦ ، والمعنى الأول الذي قال به صاحب الكشاف أظهر لما في الآية التالية
من قوله « وهم سالمون » .

(٣) سورة النساء : الآية ٣

١٨٩

تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا
كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا
) (١)

وبالتأمل في جمل الآية ، يظهر أن العدالة التي أمر بها ، غير العدالة التي
أخبر عن عدم استطاعة المتزوج القيام بها فالمستطاع منها هو الذي يقدر عليه
كل متزوج بأكثر من واحدة ، وهو العدالة في الملبس والمأكل والمسكن ، وغيرها
من الحقوق الزوجية التي يقوم بها الزوج بجوارحه ، ولا صلة لها بباطنه .

وأما غير المستطاع منها فهو المساواة في إقبال النفس والبشاشة والأنس ،
لأن الباعث عليها الوجدان النفسي والميل القلبي ، وهو مما لا يملكه المرء ولا
يحيط به اختياره .

والآية بصدد التنبيه على أن العدل الكامل بين النساء غير مستطاع ، ولا
يتعلق به التكليف ، ومهما حرص الإنسان على أن يجعل المرأتين كالغرارتين
المتساويتين في الوزن لا يستطيعه ، وهذا هو العدل الحقيقي التام (٢)

وباختصار : إِنَّ المنفي هو العدل الحقيقي الواقعي من غير تطرف
أصلاً ، وهو ليس محلاً للتكليف ، والمثبت المشروع الذي أمر به هو العدل
التقريبي الذي هو في وسع كل متزوج بأكثر من واحدة (٣)








____________________

(١) سورة النساء : الآية ١٢٩

(٢) المنار : ج ٥ ص ٤٤٨

(٣) الميزان : ج ٥ ص ١٠٦

١٩٠

( ١٢ )
رؤية الله بالأبصار

إنّ رؤية الله تعالى في الآخرة مما اهتم الأشعري بإثباته اهتماماً بالغاً في
كتابيه : « الإبانة » و « اللمع » وركز عليها في الأول من ناحية السمع ، وفي
الثاني من ناحية العقل .

قال في « الإبانة » : وندين بأن الله تعالى يُرى في الآخرة بالأبصار كما
يرى القمر ليلة البدر ، يراه المؤمنون ، كما جاءت الروايات عن
رسول الله » (١)

وقال في « اللمع » : إن قال قائل : لم قلتم إِنَّ رؤية الله بالأبصار جائزة
من باب القياس ؟ قيل له : قلنا ذلك لأن ما لا يجوز أن يوصف به الله تعالى
ويستحيل عليه ، لا يلزم في القول بجواز الرؤية » (٢)

ولإيقاف القاری ء على حقيقة الحال نبحث عن الأُمور التالية :

١ ـ سرد الأقوال وتعيين محل النزاع

٢ ـ دليل القائلين بجواز الرؤية من العقل

٣ ـ دليل القائلين بالجواز من القرآن

٤ ـ دليل القائلين بالجواز من السنة

____________________

(١) الإبانة : ص ٢١

(٢) اللمع : ص ٦١ بتلخيص

١٩١

٥ ـ استدلال المنكرين بالعقل

٦ ـ استدلال المنكرين بالسمع

الأمر الأول : في نقل الآراء حول الرؤية

المشهور بين أهل الحديث ، وصرح به إمامهم أحمد حنبل ، هو القول
بجواز الرؤية في الآخرة ، قال : « والأحاديث في أيدي أهل العلم عن النبي :
أن أهل الجنة يرون ربهم ، لا يختلف فيها أهل العلم فينظرون إلى الله » (١)

وقال الأشعري في بيان عقائد أهل الحديث والسنة : « يقولون إِنَّ الله
سبحانه يرى بالأبصار يوم القيامة كما يُرى القمر ليلة البدر ، يراه المؤمنون ، لا
يراه الكافرون لأنهم عن الله محجوبون ، قال الله تعالى : ( كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ
يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ
) وإنّ موسى سأل الله سبحانه الرؤية في الدنيا ، وإنّ الله
سبحانه تجلى للجبل فجعله دكاً ، فأعلمه بذلك أنه لا يراه في الدنيا ، بل يراه
في الآخرة » (٢)

ولكن الظاهر من الآمدي أنَّ القائلين بالجواز لا يخصونه بالآخرة بل
يقولون بجوازها في الدنيا أيضاً ، وإنّما اختلفوا في أنه هل ورد دليل سمعي على
جوازها في الدنيا أولاً ، بعد ما اتفقوا على وروده في الآخرة ، قال : « اجتمعت
الأئمة من أصحابنا على رؤية الله تعالى في الدنيا والآخرة جائزة عقلاً ، واختلفوا
في جوازها سمعاً ، فأثبته بعضهم ونفاه آخرون » (٣)

وعلى كل تقدير فقد نقل الأشعري في مقالات الإسلاميين أقوالاً كثيرة
حول الرؤية لا يستحق أكثرها أن تذكر ، ونشير إلى بعضها إجمالاً :

إنّ جماعة يقولون : يجوز أن نرى الله بالأبصار في الدنيا ، ولسنا ننكر أن
يكون بعض من نلقاه في الطرقات .

____________________

(١) الرد على الزنادقة : ص ٢٩

(٢) مقالات الإسلاميين : ص ٣٢٢

(٣) شرح المواقف : ج ٨ ص ١١٥

١٩٢

وأجاز عليه بعضهم في الأجسام ، وأصحاب الحلول إذا رأوا إنساناً
يستحسنونه لم يدروا لعل آلهتهم فيه .

وأجاز كثير ممّن جوّز رؤيته في الدنيا ، مصافحته وملامسته ومزاورته
إياه ، وقالوا إِنَّ المخلصين يعانقونه في الدنيا والآخرة إذا أرادوا ذلك ، حكي
ذلك عن بعض أصحاب « مظهر » و « كهمس » .

وقال « ضرار » و « حفص الفرد » : إنّ الله لا يُرى بالأبصار ، ولكن
يخلق لنا يوم القيامة حاسة سادسة ، غير حواسنا فندركه بها (١)

يقول ابن حزم : إنّ الرؤية السعيدة ليست بالقوة الموضوعة في العين ،
بل بقوة أخرى موهوبة من الله (٢)

هذه هي بعض الأقوال المطروحة في المسألة من جانب بعض أهل
الحديث ، وليس ذلك بعجيب من أهل التجسيم ، وإنّما العجب ممن يتجنب
التجسيم ويعد نفسه من أهل التنزيه والبراءة من التشبيه ، ويقول ـ مع ذلك ـ
بالرؤية ، كالأشاعرة عامة .

ولأجل ذلك ذهبت المعتزلة والإمامية والزيدية إلى امتناع رؤيته سبحانه في
الدنيا والآخرة ، وقالوا بأن القول لا يفارق التجسيم والتشبيه ، كما ستقف عليه
عند سرد براهينهم إن شاء الله .

أهل الكتاب ومسألة الرؤية

وقد يدين بالرؤية أهل الكتاب قبل أهل الحديث والأشاعرة ، ووردت
رؤيته في العهد القديم ، وإليك مقتطفات منها :

١ ـ « رأيت السيد جالساً على كرسي عال . فقلت : ويل لي لأن عينيَّ
قد رأتا الملك رب الجنود » ( أشعيا ج ٦ ص ١ ـ ٦ ) والمقصود من السيد هو
الله جلّ ذكره .

____________________

(١) مقالات الإسلامين : ص ٢٦١ ـ ٢٦٥ و ٣١٤

(٢) الفصل : ج ٣ ص ٢

١٩٣

٢ ـ « كنت أرى أنه وضعت عروش وجلس القديم الأيام ، لباسه
أبيض كالثلج ، وشعر رأسه كالصوف النقي وعرشه لهيب نار » ( دانيال
٧ : ٩ ) .

٣ ـ « أما أنا فبالبر أنظر وجهك » ( مزامير داود : ١٧ : ١٥ )

٤ ـ « فقال منوح لامرأته : نموت موتاً لأننا قد رأينا الله » ( القضاة
١٣ : ٢٣ ) .

٥ ـ « فغضب الرب على سليمان ، لأن قلبه مال عن الرب ، إله إسرائيل
الذي تراءى له مرتين » ( الملوك الأول ١١ : ٩ ) .

٦ ـ « وقد رأيت الرب جالساً على كرسيه وكل جند البحار وقوف لديه »
( الملوك الأول ٢٢ : ١٩ ) .

٧ ـ « كان في سنة الثلاثين في الشهر الرابع في الخامس من الشهر وأنا بين
المسبيين عند نهر خابور ، أن السماوات انفتحت فرأيت رؤى الله ـ إلى أن
قال : ـ هذا منظر شبه مجد الرب ، ولما رأيته خررت على وجهي وسمعت صوت
متكلم » ( حزقيال ١ : ١ و ٢٨ ) .

والقائلون بالرؤية من المسلمين ، وإن استندوا إلى الكتاب والسنة ودليل
العقل ، لكن غالب الظن أن القول بالرؤية ، تسرب إلى المسلمين من
المتظاهرين بالإسلام كالأحبار والرهبان ، وربما صاروا مصدراً لبعض الأحاديث
في المقام ، وصار ذلك سبباً لجرأة طوائف من المسلمين على جوازها ، واستدعاء
الأدلة عليها من النقل والعقل .

ما هو محل النزاع

إنّ محل النزاع هو رؤية الله سبحانه بالأبصار رؤية حقيقية ، ولكن
المجسمة يقولون بها بلا تنزيه ، والأشاعرة يقولون بها مع التنزيه ، أي بدون
استلزام ما يمتنع عليه سبحانه ، من المكان والجهة .

وأما الرؤية القلبية ، ومشاهدة الواجب من غير الطرق الحسية فخارج

١٩٤

عن مصب البحث ، إذ لم يقل أحد بامتناعها

والقائلون بالرؤية مع التنزيه على فرقتين : فرقة تعتمد على الأدلة العقلية
دون السمعية ، وفرقة أخرى على العكس .

فمن الأُولى : سيف الدين الآمدي ، أحد مشايخ الأشاعرة في القرن
السابع ( ٥٥١ ـ ٦٣١ هـ ) ، يقول : لسنا نعتمد في هذه المسألة على غير
المسلك العقلي الذي أوضحناه ، إذ ما سواه لا يخرج عن الظواهر السمعية ،
وهي مما يتقاصر عن إفادة القطع واليقين ، فلا يذكر إلّا على سبيل
التقريب (١)

ومن الثانية : الرازي في عديد من كتبه كمعالم الدين ص ٦٧ والأربعين
ص ١٩٨ ، والمحصل ص ١٣٨ ، فقال : إنّ العمدة في جواز الرؤية ووقوعها
هو السمع ، وعليه الشهرستاني في « نهاية الأقدام » ص ٣٦٩ .

هذه هي الأقوال الدارجة حول الرؤية وقد عرفت ما هو محل النزاع

الأمر الثاني : الأدلة العقلية على جواز الرؤية

قد عرفت أنَّ طرف النزاع في المقام هو الأشاعرة ، وفي مقدمهم الشيخ
الأشعري ، وهم من أهل التنزيه ، فلأجل ذلك يطرحون المسألة بشكل
يناسب مذهبهم .

يقول التفتازاني : ذهب أهل السنة إلى أن الله تعالى يجوز أن يرى وأن
المؤمنين في الجنة يرونه منزهاً عن المقابلة والجهة والمكان (٢)

وهذه القيود التي ذكرها التفتازاني ، وإن كانت غير واردة في كلام
صاحب المنهج ، ولكن الفكرة بهذه الصورة قد نضجت في طوال قرون متمادية ،
إنّما الكلام في إمكان وقوع هذه الرؤية ، أي أن تتحقق الرؤية بالأبصار ، ولكن
____________________

(١) غاية المرام في علم الكلام : ص ١٧٤

(٢) شرح المقاصد : ج ٢ ص ١١١

١٩٥

مجردة عن المقابلة والجهة والمكان ، وهذا ما يصعب تصوره للإنسان فتحقق
الرؤية ـ سواء قلنا بأنها تتحقق بانطباع صورة المرئي في العين كما عليه العلم
الحديث ، أو بخروج الشعاع كما عليه بعض القدماء ـ في غير هذه الظروف
أشبه بترسيم أسد بلا رأس ولا ذنب على جسم بطل ؛ ولأجل ذلك يحاول
التفتازاني أن يصحح هذا النوع من الرؤية ويقول :

إنّا إذا عرفنا الشمس مثلاً بحد أو رسم ، كان نوعاً من المعرفة ، ثم إذا
أبصرناها وغمضنا العين ، كان نوعاً آخر فوق الأول ، ثم إذا فتحنا العين
حصل نوع آخر من الإدراك فوق الأولين نسميه الرؤية ، ولا تتعلق في الدنيا إلّا
بما هو في جهة ومكان ، فمثل هذه الحالة الإدراكية ، هل تصح أن تقع بدون
المقابلة والجهة ، وأن تتعلق بذات الله تعالى منزهاً عن الجهة والمكان ، أو
لا (١)

يلاحظ عليه :

أولاً : أنَّ الرؤية الأُولى أيضاً قبل الغمض ، تصدق عليها الرؤية ،
وليس الاختلاف بين الرؤيتين إلّا في الوضوح والخفاء والقصر والطول ، ولكنه
إنّما خص النزاع بالرؤية الثانية لأجل ما ورد في الروايات ، من أن المؤمنين يرون
ربهم يوم القيامة كفلق البدر .

ثانياً : أنّ الرؤية قائمة بأمور ثمانية : ١ ـ سلامة الحاسة ٢ ـ المقابلة أو
حكمها كما في رؤية الصور المنطبعة في المرآة ٣ ـ عدم القرب المفرط ٤ ـ عدم
البعد كذلك ٥ ـ عدم الحجاب بين الرائي والمرئي ٦ ـ عدم الشفافية ، فإن ما
لا لون له كالهواء لا يرى ٧ ـ قصد الرؤية ٨ ـ وقوع الضوء على المرئي وانعكاسه
منه إلى العين .

فلو قلنا بأن هذه الشرائط ليست إلزامية بل هي تابعة لظروف خاصة ،
ولكن قسماً منها يعد مقوماً للرؤية بالأبصار ، وهو كون المرئي في حيز خاص ،

____________________

(١) شرح المقاصد ج ٢ ص ١١١

١٩٦

وتحقق نوع مقابلة بين الرائي والمرئي وعند ذلك كيف يمكن أن تتحقق الرؤية
بلا بعض هذه الشرائط .

ثم إن بعض المثقفين من الأشاعرة لما وقعوا في مخمصة إزاء هذه
الإشكالات ، التجأوا إلى أمر آخر ، وهو القول بأن كل شيء في الآخرة غيره في
الدنيا وهذا الكلام وإن كانت عليه مسحة من الحق ، لكن لا يعنى به أن
حقيقة الأشياء في الآخرة تباين حقيقتها في الدنيا ، وهذا مثل أن يقال : إن
حقيقة المربع والمثلث في الآخرة غيرهما في الدنيا ، أو إن نتيجة « ٢ × ٢ » تصير في
الآخرة خمسة ، بحجة أن كل شيء في الآخرة غيره في الدنيا ، وإنّما المراد من
القاعدة هو أن كل ما يوجد من الأشياء في الآخرة يكون بأكمل الوجود وأمثله ،
لا أنه يباينه على وجه الإطلاق يقول سبحانه : ( كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ
رِّزْقًا قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا
) (١)

ثم إنّ الأشعري وبعده تلاميذ منهجه استدلوا على الجواز بوجهين :
أحدهما يرجع إلى الجانب السلبي ، وأنه لا يترتب على القول بالرؤية شيء
محال ، والآخر إلى الجانب الإيجابي ، وأن مصحح الرؤية في الأشياء هو
الوجود ، وهو مشترك بين الخالق والمخلوق .

ثم أكدوا الأدلة العقلية بالأدلة السمعية ، وعلى ذلك فيقع الكلام في
تحرير أدلتهم في مقامين : الأدلة العقلية ، والأدلة السمعية ونقدم العقلية :

الدليل العقلي الأول لجواز الرؤية

إنّ تجويز الرؤية لا يستلزم شيئاً مما يستحيل عليه سبحانه ، فلا يلزم كونه
حادثاً أو إثبات حدوث معنى فيه ، أو تشبيهه أو تجنيسه ، أو قلبه عن حقيقته ،
أو تجويره أو تظليمه ، أو تكذيبه ثم أخذ الأشعري في شرح نفي هذه اللوازم
على وجه مبسوط ونحن نقتطف منه جملتين :

١ ـ « ليس في جواز الرؤية إثبات حدث ، لأن المرئي لم يكن مرئياً لأنه
____________________

(١) سورة البقرة : الآية ٢٥

١٩٧

محدث ، ولو كان مرئياً لذلك للزم أن يرى كل محدث وذلك باطل »

٢ ـ « ليس في إثبات الرؤية لله تعالى تشبيه »(١)

يلاحظ على الفقرة الأولى : أنَّ الملازمة ممنوعة ، إذ لقائل أن يقول : إنّ
الحدوث ليس شرطاً كافياً في الرؤية حتى يلزم رؤية كل محدث ، بل هو شرط
لازم يتوقف على انضمام سائر الشروط ، وبما أن بعضها غير متوفّر في المجردات
المحدثات ، لا تقع عليه الرؤية .

ويلاحظ على الفقرة الثانية : أنه اكتفى بمجرد ذكر الدعوى ، ولم يعززها
بالدليل ، مع أن مشكلة البحث هي التشبيه الذي أشار إليه ، فإن حقيقة الرؤية
قائمة بالمقابلة ولو بالمعنى الوسيع ، ولولاها لا تتحقق ، والمقابلة لا تنفك عن
كون المرئي في جهة ومكان ، وهذا يستلزم كونه سبحانه ذا جهة ومكان ، وهو
نفس التشبيه والتجسيم وكيف يقول إن تجويز الرؤية لا يستلزم التشبيه ؟ « ما
هكذا تورد يا سعد الإبل » !

وهناك إشكال آخر التفت إليه الشيخ ، فعرضه وأجاب عنه ، ونحن
نعرض الإشكال والجواب بنصهما ، قال :

فإن عارضونا بأن اللمس والذوق والشم ، ليس فيه إثبات الحدث ، ولا
حدوث معنى في الباري تعالى ، قيل لهم : قد قال بعض أصحابنا إِنَّ اللمس
ضرب من ضروب المماسات ، وكذلك الذوق وهو اتصال اللسان واللهوات
بالجسم الذي له الطعم ، وإنّ الشم هو اتصال الخيشوم بالمشموم الذي يكون
عنده الإدراك له ، وإنّ المتماسين إنّما يتماسان بحدوث مماسين فيهما ، وإنّ في
إثبات ذلك إثبات حدوث معنى في الباري .

يلاحظ عليه : أنَّ التفريق بين الأبصار وسائر الإدراكات الحسية تفريق
بلا جهة ، وما ذكره من أن المتماسين إنّما يتماسان بحدوث مماسين فيهما .
مجمل جداً ، وذلك لأنه إن أراد أن اللمس يوجب حدوث نفس المماسين وذاتهما
فهو ممنوع ، لأن ذاتهما كانتا موجودتين قبل تحقق اللمس ، وإن أراد حدوث
____________________

(١) اللمع : ص ٦١ ـ ٦٢

١٩٨

وصف مادي ورابطة جسمانية ، وهي التي عبر عنها بقوله « إنّ اللمس ضرب
من ضروب المماسات » فتلك الحالة أيضاً حادثة عند الإبصار ، غاية الأمر أن
اللمس ضرب من ضروب المماسات ، والإبصار ضرب من ضروب المقابلات ،
وبإعمال كل واحد من الحواس تتحقق إضافة بين الحاسة والمحسوس ، وفي ظلها
يتحقق الإبصار واللمس والشم والذوق .

وأضف إلى ذلك ما نقله عن بعض أصحابه في نقد السؤال الماضي
وحاصله :

إنّ لمسنا أو ذوقنا أو شمنا إياه سبحانه ، يتصور على صورتين :

١ ـ أن يحدث الله تعالى للذائق أو الشام أو اللامس إدراكاً من غير أن
يحدث في الباري تعالى معنى .

٢ ـ تلك الصورة لكن يحدث فيه سبحانه معنى ، فالثاني غير جائز ،
والأول جائز ، ولكن الأمر في التسمية إلى الله ، إِنْ أمرنا أن نسميه لمساً وذوقاً
وشماً سميناه ، وإن منعنا أمتنعنا (١)

يلاحظ عليه :

أولاً : أنَّ معنى ذلك أن يكون سبحانه مشموماً ملموساً ، مذوقاً ، إذا لم
يحدث فيه معنى بشمنا ، وذوقنا ، ولمسنا ، وهذا في نهاية الضعف لا تجتری ء
عليه المجسمة ، فكيف بالمنزهة .

وثانياً : أنَّ إيجاده سبحانه في جوارحنا إدراكاً ، حتى يتحقق في ظله لمسه
وذوقه ، وشمه ، بلا حدوث معنى فيه ، أشبه بترسيم الأسد على عضد
البطل ، من غير رأس ولا ذنب ، لأن واقعية أعمال هذه الحواس لا تنفك عن
تحقق إضافة ورابطة بينها وبين المحسوس من غير فرق بين الإبصار وغيره ،
وهذه الإضافة إضافةً مقولية قائمة بالطرفين وقد التزم المجيب بامتناع هذا
القسم ، وإنّما سوغ قسماً آخر ، غير معقول ولا متصور .

____________________

(١) اللمع : ص ٦٢

١٩٩

وباختصار : إِنّ الدليل السلبي الذي اعتمد عليه الشيخ الأشعري غير
كاف ، لأن الرؤية تستلزم التشبيه ، أي ما يستحيل عليه سبحانه من كونه
طرف الإضافة المقولية الحاصلة بينه وبين الحواس .

الدليل العقلي الثاني لجواز الرؤية

إنّ الوجود هو المصحح للرؤية ، وهو مشترك بين الواجب وغيره وقد نسبه
في المواقف إلى الشيخ الأشعري والقاضي وأكثر أئمة الأشاعرة (١)

وحاصله : أنَّ الرؤية مشتركة بين الجوهر والعرض ، ولا بد للرؤية
المشتركة من علة واحدة وهي إمّا الوجود أو الحدوث ، والحدوث لا يصلح
للعلية ، لأنه أمر عدمي ، فتعين الوجود ، والوجود مشترك بين الواجب
والممكن ، فينتج أن صحة الرؤية مشتركة بين الواجب والممكن .

وقد اعترض على ذلك البرهان في الكتب الكلامية ، حتى من جانب
نفس الأشاعرة (٢) ، بكثير ولكنا نعتمد في نقض هذا البرهان على ما يبطله من
أساسه ، فنقول :

إنّ الحصر في كلامه غير حاصر ، فمن أين علم أن مصحح الرؤية هو
الوجود ؟ إذ من المحتمل أن يكون الوجود شرطاً لازماً ، لا شرطاً كافياً ،
ويكون الملاك هو الوجود الممكن ، وليس المراد من الممكن في قولنا « الوجود
الممكن » الإمكان الذاتي ، الذي يقع وصفاً للماهية ، حتى يقال بأن الماهية
ووصفها « الإمكان » من الأمور العدمية والاعتبارية لا تصلح أن تكون جزء
العلة ، بل المراد هو الإمكان الذي يقع وصفاً للوجود ، ومعناه كون الوجود
متعلقاً بالغير قائماً به ، كقيام المعنى الحرفي بالمعنى الاسمي ، وليس الإمكان بهذا
المعنى شيئاً غير حقيقة الوجود الإمكاني ، كما أنّ الوجوب ليس وراء نفس حقيقة
____________________

(١) شرح المواقف : ج ٨ ص ١١٥

(٢) تلخيص المحصل : ص ٣١٧ ، غاية المرام : ص ١٦٠ ، شرح التجريد القوشجي :
ص ٤٣١ وغيره .

٢٠٠