أمالي المرتضى الجزء ٢

أمالي المرتضى0%

أمالي المرتضى مؤلف:
تصنيف: مكتبة اللغة والأدب
الصفحات: 403

أمالي المرتضى

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

مؤلف: الشريف أبى القاسم على بن الطاهر أبى أحمد الحسين
تصنيف: الصفحات: 403
المشاهدات: 44201
تحميل: 5713


توضيحات:

بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 403 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 44201 / تحميل: 5713
الحجم الحجم الحجم
أمالي المرتضى

أمالي المرتضى الجزء 2

مؤلف:
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

أمالي المرتضى

للشريف المرتضى علي بن الحسين الموسوي العلوي

الجزء الثاني

تحقيق

محمد أبو الفضل إبراهيم

١

بسم الله الرّحمن الرّحيم

مجلس آخر

[٤٩]

تأويل آية :( وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ الله مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ )

إن سأل سائل عن قوله تعالى:( وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ الله مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ ) [المائدة: ٦٤].

فقال: ما اليد التي إضافتها اليهود إلى الله تعالى، وادّعوا أنها مغلولة؟ وما نرى أنّ عاقلا من اليهود ولا غيرهم يزعم أن لربّه يدا مغلولة، واليهود تتبرأ من أن يكون فيها قائل بذلك؛ وما معنى الدعاء عليهم بـ( غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ) (١) وهو تعالى ممن لا يصحّ أن(١) يدعو على غيره؟ لأنه تعالى قادر على أن يفعل ما يشاء، وإنما يدعو الداعي بما لا يتمكّن من فعله طلبا له.

الجواب، قلنا: يحتمل أن يكون قوم من اليهود وصفوا الله تعالى بما يقتضي تناهي مقدوره، فجرى ذلك مجرى أن يقولوا: إنّ يده مغلولة، لأنّ عادة الناس جارية بأن يعبّروا بهذه العبارة عن هذا المعنى، فيقولون: يد فلان منقبضة عن كذا، ويده لا تنبسط إلى كذا، إذا أرادوا وصفه بالفقر والقصور، ويشهد بذلك قوله تعالى في موضع آخر:( لَقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ ) [آل عمران: ١٨١]، ثم قال تعالى مكذبا لهم:( بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ ) ؛ أي أنه ممّن لا يعجزه شيء، وثنّى اليدين تأكيدا للأمر، وتفخيما له؛ ولأنه أبلغ في المعنى المقصود من أن يقول: بل يده مبسوطة.

وقد قيل أيضا: إن اليهود وصفوا الله تعالى بالبخل، واستبطئوا فضله ورزقه؛ وقيل:

إنهم قالوا على سبيل الاستهزاء: إن إله محمد الّذي أرسله؛ يداه إلى عنقه؛ إذ ليس يوسّع عليه وعلى أصحابه، فردّ الله قولهم وكذّبهم بقوله:( بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ ) ، واليد هاهنا الفضل

____________________

(١ - ١) حاشية ف (من نسخة): (وهو تعالى لا يصح أن).

٢

والنعمة، وذلك معروف في اللغة، متظاهر في كلام العرب وأشعارهم.

ويشهد له من الكتاب قوله تعالى:( وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ ) [الإسراء: ٦٩]، ولا معنى لذلك إلاّ الأمر بترك إمساك اليد عن النفقة في الحقوق؛ وترك الإسراف، إلى القصد والتوسط.

ويمكن أن يكون الوجه في تثنية النعمة من حيث أريد بها نعم الدنيا ونعم الآخرة؛ لأن الكل - وإن كانت نعم الله تعالى - فمن حيث اختص كلّ واحد من الأمرين بصفة تخالف صفة الآخر صارا كأنهما جنسان أو قبيلان.

ويمكن أيضا(١) أن يكون بتثنية النعمة(١) أنه أريد بها النعم الظاهرة والباطنة.

فأما قوله تعالى:( غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ) ، ففيه وجوه:

أوّلها: أن يكون ذلك على غير سبيل الدّعاء؛ بل على جهة الإخبار منه عز وجل عن نزول ذلك بهم؛ وفي الكلام ضمير (قد) قبل قوله:( غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ) ، وموضع غُلَّتْ نصب على الحال، كأنّه تعالى قال: وقالت اليهود كذا وكذا؛ في حال ما غلّ الله تعالى أيديهم ولعنهم، أو حكم بذلك فيهم؛ ويسوغ إضمار (قد) هاهنا كما ساغ في قوله عز وجل:( إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ. وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ ) [يوسف: ٢٦، ٢٧] والمعنى: فقد صدقت، وقد كذبت.

وثانيها أن يكون معنى الكلام وقالت اليهود يد الله مغلولة فغلّت أيديهم، أو وغلّت أيديهم، وأضمر تعالى الفاء والواو؛ لأنّ كلامهم تمّ، واستؤنف بعده كلام آخر؛ ومن عادة العرب أن تحذف فيما يجري مجرى هذا الموضع؛ من ذلك قوله تعالى:( وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً ) [البقرة: ٦٧] أراد:

____________________

(١ - ١) حاشية الأصل (من نسخة): (يكون المراد بتثنيته النعمة).

٣

فقالوا أتتخذنا هزوا، فاضمر تعالى الفاء؛ لتمام كلام موسى عليه السلام، ومنه قول الشاعر:

لما رأيت نبطا أنصارا

شمّرت عن ركبتي الإزارا(١)

كنت لها من النّصارى جارا

أراد: (وكنت)، فأضمر الواو.

وثالثها أن يكون القول خرج مخرج الدعاء؛ إلا أن معناه التعليم من الله تعالى لنا والتأديب؛ فكأنه جلّت عظمته وقفنا على الدعاء عليهم، وعلّمنا ما ينبغي أن نقول فيهم، كما علّمنا الاستثناء في غير هذا الموضع بقوله تعالى:( لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ الله آمِنِينَ ) [الفتح: ٢٧]، وكل ذلك جلي واضح، والمنة للّه.

تأويل خبر [ (لعن الله السّارق؛ يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده) ]

إن سأل سائل عن الخبر الّذي روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (لعن الله السّارق؛ يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده).

الجواب، قلنا: قد تعلق بهذا الخبر صنفان من الناس؛ فالخوارج تتعلّق به، وتدّعي أنّ القطع يجب في القليل والكثير؛ وتستشهد على ذلك بظاهر قوله تعالى:( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما ) [المائدة: ٣٨]، ويتعلق بهذا الخبر أيضا الملحدة والشّكاك، ويدّعون أنه مناقض للرواية المتضمّنة أنه لا قطع إلاّ في ربع دينار. ونحن نذكر ما فيه:

فأول ما نقوله إنّ الخبر مطعون عند أصحاب الحديث على سنده، وقد حكى ابن قتيبة في تأويله وجها عن يحيى بن أكثم، طعن عليه وضعّفه، وذكر عن نفسه وجها آخر؛ نحن نذكرهما وما فيهما، ونتبعهما بما نختاره.

____________________

(١) حاشية ف: (أهل السواد يقال لهم النبط، لأنهم يستخرجون النبط وهو الماء).

٤

قال ابن قتيبة: كنت حضرت يوما مجلس يحيى بن أكثم بمكة، فرأيته يذهب إلى أنّ البيضة في هذا الحديث بيضة الحديد التي تغفر الرأس في الحرب، وأن الحبل من حبال السفن، قال: وكلّ واحد من هذين يبلغ ثمنه دنانير كثيرة؛ قال: ورأيته يعجب بهذا التأويل، ويبدي فيه ويعيد، ويرى أنه قطع به حجة الخصم.

قال ابن قتيبة. وهذا إنما يجوز على من لا معرفة له باللغة ومخارج الكلام، وليس هذا موضع تكثير لما يأخذه السارق فيصرفه إلى بيضة تساوي دنانير؛ وحبل لا يقدر السارق على حمله؛ ولا من عادة العرب والعجم أن يقولوا: قبح الله فلانا! عرّض نفسه للضرر في عقد جوهر، وتعرّض لعقوبة الغلول في جراب مسك؛ وإنما العادة في مثل هذا أن يقال: لعنه الله، تعرّض للقطع في حبل رثّ، أو إداوة خلق، أو كبّة شعر؛ وكلّ ما كان من ذلك أحقر كان أبلغ.

قال: والوجه في الحديث أن الله تعالى لما أنزل على رسوله صلى الله عليه وآله:( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا ) ؛ قال رسول الله صلى عليه وآله: (لعن الله السارق؛ يسرق البيضة فتقطع يده)، على ظاهر ما أنزل عليه(١) في ذلك الوقت، ثمّ أعلمه الله تعالى بعد أن القطع لا يكون إلاّ في ربع دينار فما فوقه، ولم يكن عليه السلام يعلم من حكم الله تعالى إلا ما علّمه الله تعالى، وما كان الله يعرّفه ذلك جملة جملة، بل بيّن(٢) شيئا بعد شيء.

قال سيدنا أدام الله علوّه: ووجدت أبا بكر الأنباري يقول: ليس الّذي طعن به ابن قتيبة(٣) على تأويل الخبر بشيء؛ قال: لأن البيضة من السلاح ليست علما في كثرة الثمن ونهاية علوّ القيمة؛ فتجري مجرى العقد من الجوهر، والجراب من المسك؛ اللّذين هما ربّما ساويا الألوف من الدنانير، والبيضة من الحديد ربّما اشتريت بأقلّ مما يجب فيه القطع، وإنما أراد عليه السلام أنه يكتسب قطع يده بما لا غنى له به، لأن البيضة من السلاح لا يستغني بها أحد، والجوهر والمسك في اليسير منهما غنى.

____________________

(١) ف: (إليه).

(٢) حاشية الأصل (من نسخة):) بل يبين له).

(٣ - ٣) م: (ليس الّذي ذكر ابن قتيبة).

٥

قال سيدنا أدام الله أيامه: والّذي نقوله إن ما طعن به ابن الأنباري على كلام ابن قتيبة متوجّه؛ وليس في ذكر البيضة والحبل تكثير كما ظنّ؛ فيشبه العقد والجراب من المسك؛ غير أنه يبقى في ذلك أن يقال: أي وجه لتخصيص البيضة والحبل بالذكر، وليس هما النهاية في التقليل؛ وإن كان كما ذكره ابن الأنباري؛ من أنّ المعنى أنه يسرق ولا يستغنى به؛ فليس ذكر ذلك بأولى من غيره؛ ولا بدّ من ذكر وجه في ذلك.

وأما تأويل ابن قتيبة فباطل لأن النبي صلى الله عليه وآله لا يجوز أن يقول ما حكاه عند سماع قوله تعالى:( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ ) ؛ لأن الآية مجملة مفتقرة إلى بيان؛ ولا يجوز أن يحملها أو يصرفها إلى بعض محتملاتها دون بعض بلا دلالة؛ على أنّ أكثر من قال: إن الآية غير مجملة، وأن ظاهر القول يقتضي العموم يذهب إلى أن ما اقتضى تخصيصها بسارق دون سارق لم يتأخر عن حال الخطاب بها؛ فكيف يصحّ ما قاله ابن الأنباري أن الآية تقدمت، ثم تأخر تخصيص السارق؛ ولو كان ذلك كما ظنّ لكان المتأخر ناسخا للآية.

وعلى تأويله هذا يقتضي أن يكون كلّ الخبر منسوخا؛ وإذا أمكن تأويل أخباره عليه السلام على ما لا يقتضي رفع أحكامها ونسخها كان أولى.

والأشبه أن يكون المراد بهذا الخبر أنّ السارق يسرق الكثير الجليل، فتقطع يده، ويسرق الحقير القليل فتقطع يده؛ فكأنه تعجيز له، وتضعيف لاختياره، من حيث باع يده بقليل الثمن؛ كما باعها بكثيره.

وقد حكى أهل اللغة أن بيضة القوم وسطهم، وبيضة الدار وسطها، وبيضة السنام شحمته، وبيضة الصّيف معظمه، وبيضة البلد الّذي لا نظير له؛ وإن كان قد يستعمل ذلك في المدح والذم على سبيل الأضداد، وإذا استعمل في الذم فمعناه أنّ الموصوف بذلك حقير مهين، كالبيضة التي تفسدها النعامة فتتركها ملقاة لا تلتفت إليها.

فمما جاء من ذلك في المدح قول أخت عمرو بن عبد ودّ ترثيه، وتذكر قتل أمير المؤمنين

٦

عليه السلام له؛ وقيل إنّ الأبيات لامرأة من العرب؛ غير أخته:

لو كان قاتل عمرو غير قاتله

لكنت أبكي عليه آخر الأبد(١)

لكنّ قاتله من لا يعاب به(٢)

من كان يدعى قديما بيضة البلد(٣)

وقال آخر في المدح:

كانت قريش بيضة فتفلّقت

فالمخّ خالصه(٤) لعبد مناف

وقال آخر في الذمّ.

تأبى قضاعة أن تعرف لكم نسبا

وابنا نزار، فأنتم بيضة البلد(٥)

أراد: (أن تعرف) فأسكن.

وقال آخر في ذلك:

لكنّه حوض من أودى بإخوته

ريب الزّمان فأمسى بيضة البلد(٦)

فقد صار معنى البيضة كلّه يعود إلى التفخيم والتعظيم.

وأما الحبل فذكر على سبيل المثل؛ والمراد المبالغة في التحقير والتقليل؛ كما يقول القائل:

____________________

(١) من نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (عليها).

(٢) حاشية الأصل (من نسخة):

* لكنّ قاتل عمرو لا يعاب به*

(٣) البيتان في شرح المرزوقي لحماسة أبي تمام: ٨٠٤ واللسان (بيض).

(٤) من نسخة بحاشيتي الأصل، ف: (خالصها).

(٥) اللسان (بيض)، ونسبه إلى الراعي يهجو ابن الرقاع العاملي وقبله:

لو كنت من أحد يهجى هجوتكم

ياابن الرّقاع، ولكن لست من أحد

(٦) من أبيات في حماسة أبي تمام - بشرح المرزوقي ٨٠٢ - ٨٠٤، وفي اللسان (بيض) منسوبة إلى صنان بن عباد اليشكري؛ وقبله:

لما رأى شمط حوضي له ترع

على الحياض أتاني غير ذي لدد

لو كان حوض حمار ما شربت به

إلاّ بإذن حمار آخر الأبد

٧

ما أعطاني فلان عقالا، وما ذهب من فلان عقال، ولا يساوي كذا نقيرا؛ كل ذلك على سبيل المثل والمبالغة في التقليل؛ وليس الغرض بذكر الحبل الواحد من الحبال على الحقيقة؛ وإذا كان على هذا تأويل الخبر زال عنه المناقضة التي ظنّت؛ وبطلت شبهة الخوارج في أن القطع يجب في القليل والكثير.

أخبرنا(١) أبو عبيد الله المرزباني قال حدثني أبو عبيد الله الحكيمي قال حدثني يموت بن المزرّع قال حدثني أبو زينب(٢) عليّ بن ثابت قال، قال الأصمعي:(٣) تصرفت في الأسباب على باب الرشيد(٣) مؤملا للظّفر(٤) به؛ والوصول إليه؛ حتى إني صرت لبعض حرسه خدينا؛ فإني في ليلة قد نثرت السعادة والتوفيق فيها الأرق بين أجفان الرشيد إذ خرج خادم فقال:

أبالحضرة(٥) أحد ينشد(٦) الشّعر؟ فقلت: الله أكبر! ربّ قيد مضيقة قد حلّه التيسير، فقال لي الخادم: ادخل، فلعلّها أن تكون ليلة تعرّس في صباحها بالغنى إن فزت بالحظوة عند أمير المؤمنين؛ فدخلت فواجهت الرشيد في بهوه(٧) ، والفضل بن يحيى إلى جانبه، فوقف الخادم بي بحيث يسمع التسليم، فسلّمت فردّ السلام ثم قال: ياغلام، أرحه قليلا يفرخ روعه؛ إن كان قد وجد للروعة حسّا، فدنوت قليلا ثم قلت: ياأمير المؤمنين، إضاءة مجدك، وبهاء كرمك، مجيران لمن نظر إليك عن اعتراض أذيّة؛ فقال: ادن، فدنوت، فقال: أشاعر أم راوية؟ فقلت: راوية لكل ذي جدّ وهزل؛ بعد أن يكون محسنا؛ فقال: تالله ما رأيت ادّعاء أعمّ! فقلت: أنا على الميدان، فأطلق من عناني ياأمير المؤمنين، فقال: (قد أنصف القارة من راماها(٨) ) ؛ ثم قال: ما معنى

____________________

(١) روى البغدادي الخبر في خزانة الأدب ٢: ٢٦٧ - ٢٦٩؛ عن الغرر.

(٢) حاشية ف (من نسخة): (أبو وهب).

(٣ - ٣) ف، حاشية الأصل (من نسخة): (تصرفت بي الأسباب على باب الرشيد).

(٤) د، ونسخة بحاشيتي الأصل، ف: (الظفر).

(٥) حاشية الأصل (من نسخة): (أما بالحضرة).

(٦) حاشية الأصل (من نسخة): (يحسن).

(٧) حاشية الأصل (من نسخة): (بهو).

(٨) في مجمع الأمثال للميداني (١: ٤٢): (القارة: قبيلة؛ وهم عضل والديش ابنا الهول بن خزيمة؛ وإنما سموا قارة لاجتماعهم والتفافهم لما أراد الشداخ أن يفرقهم في بني كنانة؛ فقال شاعرهم:

دعونا قادة لا تنفرونا

فنجفل مثل إجفال الظّليم

٨

هذه الكلمة بدءا؟ قلت: فيها قولان؛ القارة هي الحرّة من الأرض، وزعمت الرواة أن القارة كانت رماة للتبابعة(١) ، والملك إذ ذاك أبو حسّان، فواقف(٢) عسكره عسكرا للسّغد(٣) ، فخرج فارس من السّغد، قد وضع سهمه في كبد قوسه فقال: أين رماة العرب؟ فقالت العرب: (أنصف القارة من راماها) فقال لي الرشيد: أصبت، ثم قال: أتروي لرؤبة بن العجاج والعجاج شيئا، فقلت: هما شاهدان لك بالقوافي؛ وإن غيّبا عن بصرك بالأشخاص، فأخرج من ثني فرشه رقعة ثم قال: أنشدني:

* أرّقني طارق همّ أرقا(٤) *

فمضيت فيها مضي الجواد في متن ميدانه، تهدر بي أشداقي(٥) ، فلما صرت إلى مديحه لبني أمية تثنيت لساني إلى امتداحه للمنصور في قوله:

____________________

وهم رماة الحدق في الجاهلية، وهم اليوم في اليمن). وفي اللسان (قور): (زعموا أن رجلين النقيا؛ أحدهما قاري والآخر أسدي، فقال القاري: إن شئت صارعتك وإن شئت راميتك، فقال:

اخترت المراماة؛ فقال القاري: قد أنصفتني؛ وأنشد:

قد أنصف القارة من راماها

إنّا إذا ما فئة نلقاها

* نردّ أولاها على أخراها*

ثم انتزع له سهما، فشك فؤاده). ونقل صاحب اللسان أيضا عن ابن بري: (إنما قيل: (أنصف القارة من رماها) لحرب كانت بين قريش وبين بكر بن عبد مناة بن كنانة، وكانت القارة مع قريش، فلما التقى الفريقان راماهم الآخرون حين رمتهم القارة، فقيل: قد أنصفكم هؤلاء الذين سادوكم في العمل الّذي هو صناعتكم، وأراد الشداخ أن يفرق القارة في قبائل كنانة فأبوا).

(١) حاشية الأصل: (التبابعة ملوك العرب الجاهلية؛ وكانوا يكونون باليمن؛ الواحد تبع).

(٢) المواقفة: أن تقف مع غيرك، ويقف معك في حرب أو خصومة.

(٣) حاشية الأصل: (السغد: بين سمرقند وبخارى).

(٤) مطلع أرجوزة طويلة لرؤبة، يمدح فيها مروان بن الحكم، وهي في ديوانه ١٠٨ - ١١٥، وبعد هذا البيت:

* وركض غربان غدون نعّقا*

(٥) حاشية الأصل (من نسخة): (تهدر بها أشداقي).

٩

* قلت لزير لم تصله مريمه(١) *

 فلما رآني قد عدلت من أرجوزة إلى غيرها قال: أعن حيرة أم عن عمد؟ قلت: عن عمد تركت كذبه إلى صدقه فيما وصف به المنصور من مجده، فقال الفضل: أحسنت بارك الله عليك! مثلك يؤهل لمثل هذا المجلس. فلما أتيت على آخرها قال لي الرشيد: أتروي كلمة عدي بن الرقاع:

* عرف الدّيار توهّما فاعتادها(٢) *

قلت: نعم، قال: هات، فمضيت فيها حتى إذا صرت إلى وصفه الجمل قال لي الفضل:

ناشدتك الله أن تقطع علينا ما أمتعنا به من السهر في ليلتنا هذه بصفة جمل أجرب، فقال الرشيد:

اسكت، فالإبل هي التي أخرجتك عن دارك، واستلبت تاج ملكك، ثم ماتت وعملت جلودها سياطا ضربت بها أنت وقومك، فقال الفضل: لقد عوقبت(٣) على غير ذنب والحمد للّه! فقال الرشيد: أخطأت، الحمد للّه على النّعم، ولو قلت: وأستغفر الله لكنت مصيبا، ثم قال لي: امض في أمرك، فأنشدته حتى إذا بلغت إلى قوله:

* تزجي أغنّ كأنّ إبرة روقه*

استوى جالسا وقال: أتحفظ في هذا ذكرا؟ قلت: نعم، ذكرت الرواة أنّ الفرزدق قال: كنت في المجلس وجرير إلى جانبي، فلما ابتدأ عدي في قصيدته قلت لجرير مسرّا إليه: هلمّ نسخر من هذا الشامي، فلما ذقنا كلامه يئسنا منه؛ فلما قال:

* تزجي أغنّ كأنّ إبرة روقه*

____________________

(١) مطلع أرجوزة أخرى لرؤبة أيضا، وهي في ديوانه: ١٤٩ - ١٥٩ وفي حاشية الأصل: (يقال: هو زير نساء إذا كان يحبهن ويزورهن كثيرا، وأصله: زور، فعل، من الزيارة، ومريم اسم عشيقته).

(٢) بقيته:

* من بعد ما درس البلى أبلادها*

وهو مطلع قصيدة في الطرائف الأدبية ٨٧ - ٩١.

(٣) في حاشيتي الأصل، ف: (الإشارة بالمعاقبة إلى إسماع الرشيد كلامه الموحش الخشن إياه، وهو يعيره بالعجم ويذكر غلبة العرب الذين هم أصحاب الجمال عليهم، وسلبهم ملكهم).

١٠

 - وعدي كالمستريح - قال جرير: أما تراه يستلب بها مثلا! فقال الفرزدق: يالكع، إنه يقول:

* قلم أصاب من الدّواة مدادها*

فقال عدي:

* قلم أصاب من الدّواة مدادها(١) *

فقال جرير: كان سمعك مخبوءا(٢) في صدره! فقال لي: اسكت شغلني سبّك عن جيّد الكلام؛ فلما بلغ إلى قوله:

ولقد أراد الله إذ ولاّكها

من أمّة إصلاحها ورشادها(٣)

قال الأصمعي: فقال لي: ما تراه قال إذ أنشده الشاعر هذا البيت؟ فقلت: قال: كذا أراد الله، فقال الرشيد: ما كان في جلالته ليقول هذا، أحسبه قال: ما شاء(٤) الله! قلت:

وكذا جاءت الرواية، فلما أتيت على آخرها قال لي: أتروي لذي الرّمة شيئا؟ قلت: الأكثر، قال: فماذا أراد بقوله:

ممرّ أمرّت متنه أسديّة

ذراعية حلاّلة بالمصانع(٥)

قلت: وصف حمار وحش، أسمنه بقل روضة تواشجت أصوله، وتشابكت فروعه، عن مطر سحابة كانت بنوء الأسد في الذّراع من ذلك. فقال الرشيد: أرح، فقد وجدناك ممتعا، وعرفناك محسنا، ثم قال: أجد ملالة ونهض، فأخذ الخادم يصلح عقب النعل في رجله وكانت عربيّة، فقال الرشيد: عقرتني ياغلام، فقال الفضل: قاتل الله الأعاجم، أما إنها

____________________

(١) حاشية ف: (يصف ظبية تسوق ولدا، في صوته غنة، ثم شبه رأس قرنه بقلم أصاب طرفه المداد.

وأراد بالروق رأس القرن، وروق كل شيء: أوله).

(٢ - ٢) حاشية الأصل (من نسخة): (كأن سمعك مخبوء في قلبه).

(٣) حاشية الأصل: (عدي قال: (وفسادها)، والأصمعي أنشد: (رشادها).

(٤) حاشية الأصل: قوله (ما شاء الله) على الطريقة المعهودة أي ما شاء الله كان، كأنه يشير إلى أن دولته في مشيئة الله تعالى).

(٥) ديوانه: ٣٦١، وروايته:

* يمانية حلّت جنوب المضاجع*

١١

لو كانت سندية لما احتجت إلى هذه الكلفة(١) ، فقال الرشيد: هذه نعلي ونعل آبائي، كم تعارض فلا تترك من جواب ممضّ! ثم قال: ياغلام؛ يؤمر صالح الخادم بتعجيل ثلاثين ألف درهم على هذا الرجل في ليلته ولا يحجب في المستأنف، فقال الفضل: لولا أنه مجلس أمير المؤمنين ولا يأمر فيه غيره لأمرت لك بمثل ما أمر لك به، وقد أمرت لك به، إلاّ ألف درهم، فتلقّ الخادم صباحا.

قال الأصمعي: فما صليت من غد إلاّ وفي منزلي تسعة وخمسون ألف درهم.

____________________

(١) في خزانة الأدب: (الكلمة).

١٢

مجلس آخر

[٥٠]

تأويل آية :( الله وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ )

إن سأل سائل عن قوله تعالى:( الله وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ) [البقرة: ٢٥٧].

فقال: أليس ظاهر هذه الآية يقتضي أنه هو الفاعل للإيمان فيهم؟ لأن النور هاهنا كناية عن الإيمان والطاعات، والظلمة كناية عن الكفر والمعاصي، ولا معنى لذلك غير ما ذكرناه.

وإذا كان مضيفا للإخراج إليه فهو الفاعل لما كانوا به خارجين، وهذا خلاف مذهبكم.

الجواب، قلنا: أما النور والظلمة المذكوران في الآية فجائز أن يكون المراد بهما الإيمان والكفر، وجائز أيضا أن يراد بهما الجنة والنار، والثواب والعقاب فقد تصحّ الكناية عن الثواب والنعيم في الجنة بأنه نور، وعن العقاب في النار بأنه ظلمة، وإذا كان المراد بهما الجنة والنار ساغ إضافة إخراجهم من الظلمات إلى النور إليه تعالى؛ لأنه لا شبهة في أنه جل وعز هو المدخل للمؤمن الجنة، والعادل به عن طريق النار. والظاهر بما ذكرناه أشبه؛ لأنه يقتضي أنّ المؤمن الّذي ثبت كونه مؤمنا يخرج من الظلمة إلى النور؛ فلو حمل على الإيمان والكفر لتناقض المعنى، ولصار تقدير الكلام:

أنه يخرج المؤمن الّذي قد تقدّم كونه مؤمنا من الكفر إلى الإيمان؛ وذلك لا يصحّ.

وإذا كان الكلام يقتضي الاستقبال في إخراج من قد ثبت كونه مؤمنا كان حمله على دخول الجنة والعدول به عن طريق النار أشبه بالظاهر.

على أنا لو حملنا الكلام على الإيمان والكفر لصحّ، ولم يكن مقتضيا لما توهموه، ويكون وجه إضافة الإخراج إليه، وإن لم يكن الإيمان من فعله من حيث دلّ وبيّن وأرشد ولطّف وسهّل؛ وقد علمنا أنه لولا هذه الأمور لم يخرج المكلّف من الكفر إلى الإيمان، فيصح

١٣

إضافة الإخراج إليه تعالى لكون ما عددناه من جهته. وعلى هذا يصحّ من أحدنا إذا أشار على غيره بدخول بلد من البلدان ورغّبه في ذلك، وعرّفه ما فيه من الصلاح، أو بمجانبة فعل من الأفعال أن يقول: أنا أدخلت فلانا البلد الفلاني؛ وأنا أخرجته من كذا وكذا وأنتشته منه؛ ويكون وجه الإضافة ما ذكرناه من الترغيب، وتقوية الدواعي.

ألا ترى أنه تعالى قد أضاف إخراجهم من النور إلى الظلمات، إلى الطواغيت، وإن لم يدلّ ذلك على أن الطاغوت هو الفاعل للكفر في الكفار؛ بل وجه الإضافة ما تقدم؛ لأن الشياطين يغوون ويدعون إلى الكفر، ويزيّنون فعله، فتصح إضافته إليهم من هذا الوجه، والطاغوت هو الشيطان وحزبه، وكلّ عدو للّه تعالى صدّ عن طاعته، وأغرى(١) بمعصيته يصحّ إجراء هذه التّسمية عليه؛ فكيف اقتضت الإضافة الأولى أن الإيمان من فعل الله تعالى في المؤمن، ولم تقتض الإضافة الثانية أنّ الكفر من فعل الشياطين في الكفار؛ لولا بله المخالفين وغفلتهم!

وبعد، فلو كان الأمر على ما ظنوه لما صار الله تعالى وليّا للمؤمنين، وناصرا لهم على ما اقتضته الآية، والإيمان من فعله تعالى لا من فعلهم؛ ولم كان خاذلا للكفار ومضيفا لولايتهم إلى الطاغوت والكفر من فعله تعالى فيهم؟ ولم فصل بين الكافر والمؤمن في باب الولاية، وهو المتولي لفعل الأمرين فيهما؟ ومثل هذا لا يذهب على أحد، ولا يعرض عنه إلاّ معاند مغالط لنفسه.

*** أخبرنا أبو عبيد الله المرزباني قال: قال أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري حدثنا أحمد بن حيان قال حدثنا أبو عبد الله بن النطاح قال أخبرنا أبو عبيدة قال، قال عبد الملك بن مسلم:

كتب(٢) عبد الملك بن مروان إلى الحجاج: إنه ليس شيء من لذة الدنيا إلا وقد أصبت منه،

____________________

(١) حاشية الأصل (من نسخة): (أغوى)

(٢) القصة في الأغاني ٩: ١٦٢ - ١٦٥، ووردت مختصرة في الشعر والشعراء ١٠٩ - ١١٠، ونقلها عن ابن قتيبة البغدادي في الخزانة ١: ٢٨٨.

١٤

ولم يبق لي من لذة الدنيا إلاّ مناقلة الإخوان الأحاديث، وقبلك عامر الشعبي، فابعث به إلي يحدثني.

فدعا الحجاج بالشعبي، وجهزه وبعث به إليه، وقرّظه وأطراه في كتابه، فخرج الشعبي حتى إذا كان بباب عبد الملك، قال للحاجب: استأذن لي، قال: من أنت؟ قال: عامر الشعبي؛ قال: حيّاك الله، ثم نهض فأجلسه على كرسيه، فلم يلبث أن خرج الحاجب إليه فقال: ادخل، فدخل، قال: فدخلت فإذا عبد الملك جالس على كرسي، وبين يديه رجل أبيض الرأس واللحية، على كرسي، فسلمت فرد السلام، ثم أومأ إلي بقضيبه، فقعدت عن يساره، ثم أقبل على الّذي بين يديه فقال: ويحك! من أشعر الناس؟ قال: أنا ياأمير المؤمنين، قال الشعبي: فأظلم عليّ ما بيني وبين عبد الملك، ولم أصبر أن قلت: ومن هذا ياأمير المؤمنين الّذي يزعم أنه أشعر الناس! فعجب عبد الملك من عجلتي قبل أن يسألني عن حالي، ثم قال: هذا الأخطل، قلت: ياأخطل، أشعر منك الّذي يقول:

هذا غلام حسن وجهه

مستقبل الخير سريع التّمام(١)

للحارث الأكبر والحارث ال

أصغر والحارث خير الأنام(٢)

خمسة آباء هم ما هم

هم خير من يشرب صوب الغمام

فقال عبد الملك: ردّها عليّ، فرددتها حتى حفظها، فقال الأخطل: من هذا ياأمير المؤمنين؟

فقال: هذا الشعبي، قال: صدق والله، النابغة أشعر مني.

قال الشعبي: ثم أقبل عليّ عبد الملك فقال. كيف أنت ياشعبي؟ قلت: بخير لا زلت

____________________

(١) وفي حاشية الأصل (من نسخة): (مقتبل الخير)، أي يستقبل خيره فيما يؤتنف من الأيام.

(٢) رواية الأغاني وابن قتيبة:

للحارث الأكبر والحارث الأ

صغر والأعرج خير الأنام

وبعده:

ثمّ لهند ولهند وقد

أسرع في الخيرات منه إمام

١٥

به، ثم ذهبت لأصنع معاذيري لما كان من خلافي على الحجّاج مع عبد الرحمن بن محمد الأشعث فقال: مه! فإنا لا نحتاج إلى هذا المنطق، ولا تراه منّا في قول ولا فعل حتى تفارقنا. ثم أقبل عليّ فقال: ما تقول في النابغة؟ قلت: ياأمير المؤمنين، قد فضّله عمر بن الخطاب في غير موطن على جميع الشعراء، وذلك أنّه خرج يوما وببابه وفد غطفان، فقال: يامعاشر غطفان، أي شعرائكم الّذي يقول:

حلفت فلم أترك لنفسك ريبة

وليس وراء الله للمرء مذهب(١)

لئن كنت قد بلّغت عنّي خيانة

لمبلغك الواشي أغشّ وأكذب

ولست بمستبق أخا لا تلمّه

على شعث، أي الرّجال المهذّب!

قالوا: النابغة، قال: فأيّكم الّذي يقول:

فإنك كاللّيل الّذي هو مدركي

وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع(٢)

خطاطيف حجن في حبال متينة

تمدّ بها أيد إليك نوازع(٣)

قالوا: النابغة، قال: أيّكم الّذي يقول:

إلى ابن محرّق أعملت نفسي

وراحلتي وقد هدت العيون(٤)

أتيتك عاريا خلقا ثيابي

على خوف تظنّ بي الظّنون

فألفيت الأمانة لم تخنها

كذلك كان نوح لا يخون

قالوا: النابغة، قال: هذا أشعر شعرائكم.

____________________

(١) ديوانه ١٣ - ١٢، وفي م بعد هذا البيت:

ألم تر أنّ الله أعطاك سورة

ترى كلّ ملك دونها يتذبذب

لأنّك شمس والملوك كواكب

إذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب

ولم يذكر البيتان في الأصول المخطوطة.

(٢) ديوانه: ٥٥.

(٣) خطاطيف: جمع خطاف، وهو ما يخرج به الدلو من البئر. وحجن:

معوجة، واحدها أحجن. ونوازع: جواذب.

(٤) أصله: (هدأت)، بالهمز.

١٦

ثم أقبل عبد الملك على الأخطل فقال: أتحبّ أنّ لك قياضا بشعرك شعر أحد من العرب، أم تحب أنك قلته؟ فقال: لا والله؛ إلاّ أني وددت أني كنت قلت أبياتا قالها رجل منّا، كان والله مغدف القناع(١) ، قليل السّماع، قصير الذراع، قال: وما قال؟ فأنشده:

إنّا محيّوك فاسلم أيّها الطّلل

وإن بليت، وإن طالت بك الطّيل(٢)

ليس الجديد به تبقى بشاشته

إلاّ قليلا، ولا ذو خلّة يصل(٣)

والعيش لا عيش إلاّ ما تقرّبه

عين، ولا حال إلاّ سوف تنتقل

إن ترجعي من أبي عثمان منجحة

فقد يهون على المستنجح العمل(٤)

والنّاس من يلق خيرا قائلون له

ما يشتهي، ولأمّ المخطئ الهبل

قد يدرك المتأنّي بعض حاجته

وقد يكون مع المستعجل الزّلل

قال الشعبي: فقلت: قد قال القطامي أفضل من هذا، قال: وما قال؟ قلت: قال(٥) :

طرقت جنوب رحالنا من مطرق

ما كنت أحسبه قريب المعنق(٦)

حتى أتيت إلى آخر القصيدة، فقال عبد الملك: ثكلت القطامي أمّه! هذا والله الشعر.

قال: فالتفت إلى الأخطل فقال: ياشعبي، إنّ لك فنونا في الأحاديث، وإنّ لنا فنّا واحدا، فإن رأيت ألاّ تحملني على أكتاف قومك، فأدعهم حرضا! قلت: لا أعرض لك

____________________

(١) مغدف القناع، أي خامل الذكر.

(٢) ديوان القطامي ٣٢، وجمهرة الأشعار ٣١٣ - ٣١٦، والطيل: جمع طيلة، هي الدهر.

(٣) الضمير في (به)، للدهر في البيت الّذي قبله، وهو:

كانت منازل منّا قد نحلّ بها

حتى تغيّر دهر خائن خبل

(٤) الخطاب للناقة، ومنجحة: ظافرة. والمستنجح: طالب النجاح.

(٥) حاشية الأصل: (القطامي، هو عمير بن شييم بن عمر بن عباد).

(٦) اللسان (عنق)، والمعنق: المكان الّذي أعنقت منه؛ أي سرت؛ يقول: لم أظن أنها تقدر على أن تعنق وتسرع من هذا المكان. والعنق: ضرب من السير السريع؛ يقال: عانق وأعنق إذا أسرع.

١٧

في شيء من الشعر أبدا، فأقلني هذه المرة، قال: من يكفل بك؟ قلت: أمير المؤمنين، فقال عبد الملك: هو عليّ ألاّ يعرض لك أبدا.

ثم قال: ياشعبي، أي شعراء الجاهلية كان أشعر من النساء؟ قلت: خنساء، قال:

ولم فضّلتها على غيرها؟ قلت: لقولها:

وقائلة - والنّعش قد فات خطوها(١)

لتدركه -: يالهف نفسي على صخر!

ألا ثكلت أمّ الّذين غدوا به

إلى القبر! ماذا يحملون إلى القبر!

فقال عبد الملك: أشعر منها والله ليلى الأخيلية حيث تقول:

مهفهف الكشح والسّربال منخرق

عنه القميص لسير اللّيل محتقر

لا يأمن النّاس ممساه ومصبحه

في كلّ فجّ، وإن لم يغز ينتظر(٢)

ثم قال: ياشعبي، لعله شقّ عليك ما سمعته؟ فقلت: إي والله ياأمير المؤمنين أشدّ المشقّة! إني لمحدّثك منذ شهرين لم أفدك إلا أبيات النابغة في الغلام، ثم قال: ياشعبي، إنما أعلمناك هذا، لأنّه بلغني أنّ أهل العراق يتطاولون على أهل الشام ويقولون: إن كانوا غلبونا على الدولة، فلن يغلبونا على العلم والرواية، وأهل الشام أعلم بعلم أهل العراق من أهل العراق؛ ثم ردّد عليّ أبيات ليلى حتى حفظتها، وأذن لي فانصرفت، فكنت أول داخل وآخر خارج.

***

قال سيدنا أدام الله تمكينه: والصحيح في الرواية أن البيتين اللذين رواهما عبد الملك ونسبهما إلى ليلى الأخيلية لأعشى باهلة(٣) ، يرثي المنتشر بن وهب الباهلي(٤) ، وهذه القصيدة

____________________

(١) حاشية الأصل: (الحرض: الّذي أذيب حزنا وهما). والحرض يوصف به المفرد، مذكرا ومؤنثا، والمثنى والجمع بلفظ واحد.

(٢) ديوانها: ٩٢

(٣) ذكره الآمدي في المؤتلف والمختلف ص ١٤ فقال: (أعشى باهلة يكنى أبا قحفان، جاهلي، واسمه عامر بن الحارث، أحد بني عامر ابن عوف بن وائل بن معن، ومعن أبو باهلة، وباهلة امرأة من همدان، وهو الشاعر المشهور صاحب القصيدة المرثية في أخيه لأمه، المنتشر).

(٤) هو المنتشر بن وهب بن سلمة بن كراثة بن هلال بن عمرو -

١٨

من المراثي المفضّلة المشهورة بالبلاغة والبراعة وهي(١) :

إني أتتني لسان لا أسرّ بها

من علو لا عجب منها ولا سخر(٢)

فظلت مكتبئا حرّان أندبه

وكنت أحذره، لو ينفع الحذر!

فجاشت النّفس لما جاء جمعهم

وراكب جاء من تثليث معتمر(٣)

يأتي على الناس لا يلوى على أحد

حتى التقينا، وكانت بيننا مضر(٤)

إنّ الّذي جئت من تثليث تندبه

منه السماح ومنه النّهي والغير(٥)

____________________

ابن سلامة؛ كان رئيسا فارسا، وكان رئيس الأبناء يوم أرمام، وهو أحد يومي مضر في اليمن وكان يوما عظيما. (خزانة الأدب ١: ٩١).

(١) القصيدة في الأصمعيات ٣٢ - ٣٤، وأمالي اليزيدي ١٣ - ١٨، وجمهرة الأشعار ٢٨٠ - ٢٨٣، والكامل - شرح المرصفي ٨: ٢١١ - ٢١٢، وملحقات ديوان الأعشى ٢٦٦ - ٢٦٨، ونقلها صاحب الخزانة عن الغرر في ١: ٩١ - ٩٢. وذكر أبو العباس المبرد خبر هذه القصيدة فقال: (كانت العرب تقدم مراثي وتفضلها وترى قائلها بها فوق كل مؤبن؛ وكأنهم يرون ما بعدها من المراثي؛ منها أخذت، وفي كنفها تصلح؛ فمنها قصيدة أعشى بأهلة، ويكنى أبا قحافة التي يرثي بها المنتشر بن وهب الباهلي - وكان أحد رجلي العرب، وهم السعاة السابقون في سعيهم، وكان من خبره أنه أسر صلاءة بن العنبر الحارثي، فقال: افد نفسك، فأبى فقال: لأقطعنك أنملة أنملة وعضوا عضوا ما لم تفتد نفسك، فجعل يفعل ذلك به حتى قتله. ثم حج من بعد ذلك ذا الخلصة (وهو بيت كانت خثعم تحجه)، فدلت عليه بنو نفيل بن عمرو بن كلاب الحارثيين فقبضوا عليه، فقالوا: لنفعلن بك كما فعلت بصلاءة، ففعلوا ذلك به، فلقي راكب أعشى باهلة، فقال له أعشى باهلة: هل من جائية خبر؟ قال: نعم، أسرت بنو الحارث المنتشر - وكانت بنو الحارث تسمي المنتشر مجدعا - فلما صار في أيديهم قالوا:

لنقطعنك كما فعلت بصلاءة؛ فقال أعشى باهلة يرثي المنتشر ). وأورد القصيدة.

(٢) اللسان هنا: الرسالة، وأراد بها نعي المنتشر، ولهذا أنث الفعل. وعلو، يريد من مكان عال، ورواية لمبرد: (من عل) (بالضم)؛ وفي حاشية الأصل: (لا سخر، أي لا أقول ذلك سخرية، وقيل معناه:

ولا سخر بالموت).

(٣) جاشت نفسه، أي غثت. وتثليث: موضع بالحجاز قرب مكة؛ ذكره ياقوت واستشهد بالبيت ومعتمر: صفة لراكب؛ وهو بمعنى زائر. وفي حاشية الأصل: (جمعهم، يعني الذين شهدوا مقتله).

(٤) حاشية الأصل (من نسخة): (يأبي على الناس)، وفيها أيضا: (لا يلوى على أحد، أي لم يعرج على أحد حتى أتاني؛ لأني كنت خلصانه).

(٥) أي فقلت للراكب: إن الّذي جئت ...، وتندبه:

تبكي عليه، يقال: ندب الميت، أي بكى عليه وعدد محاسنه. والغير: اسم من غيرت الشيء فتغير، أقامه مقام الأمر.

١٩

تنعى امرأ لا تغبّ الحي جفنته

إذا الكواكب أخطا(١) نوءها المطر(٢)

وراحت الشّول مغبرّا مناكبها(٣)

شعثا تغيّر منها النّي والوبر(٤)

وألجأ الكلب موقوع الصّقيع به(٥)

وألجأ الحي من تنفاحها الحجر(٦)

عليه أوّل زاد القوم قد علموا

ثمّ المطي إذا ما أرملوا جزر(٧)

قد تكظم البزل منه حين تبصره(٨)

حتّى تقطّع في أعناقها الجرر(٩)

أخو رغائب يعطيها ويسألها

يأبى الظّلامة منه النّوفل الزّفر(١٠)

____________________

(١) من نسخة مجاشبتي الأصل، ف: (خوّى، وخوّى سقط، من قولك: خوت الدار: خلت أو سقطت، ومعنى خوّى في البيت: نسب الخي إلى النجوم وهو المحل، يقال: خوت النجوم إذا أمحلت، خيا).

(٢) النعي: خبر الموت، قال الأصمعي: كانت العرب إذا مات ميت له قدر، ركب راكب فرسا، وجعل يسير في الناس ويقول: نعاء فلانا! أي انعه وأظهر خبر وفاته، مبنية على الكسر. ولا يغب، من قولهم: لا يغبنا عطاؤه، أي لا يأتينا بوما دون يوم؛ بل يأتينا كل يوم.

والجفنة: القصعة. وأخطأه كتخطاه: تجاوز. والنوء: سقوط نجم من المنازل في المغرب مع الفجر وطلوع رقيبة من المشرق، يقابله من ساعته كل ليلة إلى ثلاثة عشر يوما؛ وهكذا إلى انقضاء السنة، وكانت العرب تضيف الأمطار والرياح والحر والبرد إلى الساقط منها، يريد أن جفانه لا تنقطع في الشدة والقحط.

(٣) حاشية الأصل: (رواية الأصمعي: (مبامتها) أي مراحها).

(٤) الشول: النوق التي خف لبنها وقد أتى عليها سبعة أشهر أو ثمانية من يوم نتاجها، الواحدة شائلة. والني بالفتح: الشحم

(٥) حاشية الأصل (من نسخة):

* وأحجر الكلب موفوع الصّقيع به*

وأحجرته أنا: ألجأته إلى الحجر.

(٦) الصقيع: الجليد. وتنفاحه: ضربه، وهو مصدر نفحت الريح إذا هبت باردة؛ يقول: إنه لا ينقطع عن إطعام الطعام في شدة البرد حينما يضطر الكلب ما بتلبد على شعره من الجليد الأبيض إلى الدخول في الحجر).

(٧) يريد أنه يرتب على نفسه زاد أصحابه أولا، وإذا فني الزاد نحر لهم. وأرمل الرجل: نفد زاده.

وجزر: قطع، يقال تركهم جزرا للسباع.

(٨) حاشية الأصل: في رواية:

* وتفزع الشّول منه حين يفجؤها*

(٩) كظم البعير كظوما: إذا أمسك عن الجرة، والبزل: جمع بازل؛ وهو الجمل إذا دخل في التاسعة. والحرر: جمع جرة؛ وهي ما يخرجه البعير للاجترار. يقول: تعودت الإبل أنه يعقر منها، فإذا رأته كظمت على جرتها فزعامته.

(١٠) الرغيبة: العطاء الكثير. والنوفل: الكبير العطاء.

والزفر: الكثير الناصر والعدد والعدد (ومنه) للتجريد.

٢٠