دراسات في الكافي للكليني، والصحيح للبخاري

دراسات في الكافي للكليني، والصحيح للبخاري0%

دراسات في الكافي للكليني، والصحيح للبخاري مؤلف:
تصنيف: كتب متنوعة
الصفحات: 357

دراسات في الكافي للكليني، والصحيح للبخاري

مؤلف: هاشم معروف الحسني
تصنيف:

الصفحات: 357
المشاهدات: 18323
تحميل: 1149

توضيحات:

دراسات في الكافي للكليني، والصحيح للبخاري
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 357 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 18323 / تحميل: 1149
الحجم الحجم الحجم
دراسات في الكافي للكليني، والصحيح للبخاري

دراسات في الكافي للكليني، والصحيح للبخاري

مؤلف:
العربية

دراسات في الكافي للكليني، والصحيح للبخاري

تأليف:

هاشم معروف الحسني

١

٢

٣

٤

٥

٦

يعرض هذا الكتاب لمحة عن الكتابة قبل الاسلام ومراحلها بعده، وعن الحديث ومراحل تدوينه واقسامه واصنافه، وعن علمي الدراية والرجال، ويتعرض للصحابة والعدالة وآراء المحدثين والفقهاء فيهما، ويقارن بين العدالة التي اثبتها المحدثون لجميع الصحابة وبين العصمة التي اثبتها الشيعة لأئمتهم (ع) كما يتعرض لموقف كل من الشيعة والسنة من الرواة ومجاميع الحديث، وللبخاري والكليني وتاريخهما والى صحيح البخاري والكافي ومكانتهما عند الفريقين ويقدم امثلة منهما في مختلف المواضيع الى غير دلك مما يتصل بموضوع الكتاب مع الاختصار والتوضيح حسب الامكان، ويعتمد في جميع مباحثه على المصادر الموثوقة عند الفريقين.

مقدمة

بسم اللّه الرحمن الرحيم

بسم الله و الصلاة على محمد وآل بيته وصحبه الطيبين

وبعد....

لقد وجدت وانا ادرس تاريخ التشريع واصوله اسرافاً في التهم وغلواً لا مبرر له من السنة والشيعة في احكامهم على الفقهاء والمحدثين من الفريقين، ذلك الغلو الذي اتخذ طابع التعصب الطائفي الذي اطاح بالقيم واحدث فجوة بينهما فرقتهم شيعاً واحزاباً، واصبحوا ينظرون من هذه الزاوية وحدها الى آثارهم ومؤلفاتهم على اختلاف انواعها ومقاصدها، مع العلم بأن تلك المؤلفات وبخاصة ما الفه الفريقان في الحديث يمكن الاستفادة منه والاعتماد عليه الى ابعد الحدود، ما دام ينتهي في واقعه الى مصدر واحد وهو الرسول الاعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله الذي يروي عنه الفريقان السنة بوسائطهم، والشيعة بواسطة أئمتهم (ع) وغيرهم من الموثوقين، ولكنهم بدلاً من دراستها دراسة واعية شاملة بقصد الاستفادة

٧

منها وتصفيتها انكمش كل فريق على مؤلفاته وآثاره، واتهم الآخر بالتعصب والانحراف عن الحق، وقال السنة: ان الشيعة لا يقبلون الا المرويات عن أئمتهم على شرط ان يكون الراوي لها امامياً، ويرفضون جميع المرويات ولو كانت عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله اذا رواها غيرهم صحابياً كان ام غيره ولو كان في اعلى درجات الايمان والاستقامة، وقد نبهت على خطأ هؤلاء الغلاة في كتابي المبادئ العامة للفقه الجعفري بما حاصله انه اذا كان بين الشيعة من لا يعتمد على مرويات الموثوقين من السنة عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله فهو لا يمثل الشيعة، ولا يعبر عن رأيهم في هذه المسألة، لان كتب الحديث والرجال التي تعد بالعشرات تنص على قبول مرويات الثقات من السنة وغيرهم، ولدينا من الارقام ما يؤكد هذه الحقيقة كما سنتعرض لذلك في الفصول الآتية من هذا الكتاب.

والى جانب هذه النسبة الى الشيعة، نجد الشيعة انفسهم ينسبون الى السنة بانهم لا يعتمدون على مرويات الشيعة ويطرحون الحديث اذا كان رواته كلهم او بعضهم من الشيعة استناداً الى كثير من المصادر السنية التي تؤكد هذه الحقيقة، تلك المصادر التي ينص بعضها على وجوب طرح الحديث لمجرد انه يتفق مع بعض معتقداتهم، او لان فيه رائحة التشيع، هذا بالاضافة الى ما ينسبه كل فريق الى الآخر من خلال بعض المرويات المدونة في مجاميع الحديث عند الطرفين بدون تدبر في مضامينها وتحقيق في اسانيدها وقبل ردها الى الاصول المقررة عند الفريقين، ونتيجة لهذا الاسراف والغلو في الاتهامات ولما تولد عن ذلك من المضاعفات اتسعت المسافة بينهما واتخذت شكلاً كريهاً بعيداً عن منطق الدين والحق، ونبذ كل منهما ما عند الآخر من ثروة فكرية يمكن الاستفادة منها الى ابعد الحدود

وكان بالامكان لو كانت النفوس طيبة، وتجرد الباحثون الى طلب

٨

الحق الاستفادة من كتب الحديث واستغلالها لخدمة الدين سنية كانت ام شيعية لانها وان اختلفت من حيث رواتها ومصادرها الا انها تلتقي في كثير من محتوياتها ومضامينها، وتعبر عن السنة النبوية المطهرة، بالرغم من اننا لا نؤمن بكل ما جاء فيها من المرويات سواء في ذلك الصحاح الستة المعتمدة عند السنة، او الكتب الاربعة التي يعتمدها الشيعة من المصادر الموثوقة في جملتها بين كتب الحديث.

اجل اقول ذلك وبين يدي كتابان من كتب الحديث وهما الصحيح للبخاري والكافي للكليني، ولست مبالغاً اذا قلت بانهما من اوثق الكتب في موضوع الحديث عند السنة والشيعة واغناها بالآثار الاسلامية التي تناولت جميع الشؤون الاسلامية وامدت الفكر بالانتاج والابداع في مختلف المواضيع، ذلك لان ما جاء به الاسلام من القوانين والانظمة والاخلاق والآداب وغير ذلك من المناهج التربوية والاجتماعية وضع اصول هذه المناهج وقواعدها القرآن اولاً، وتعهدات السنة بتفاصيلها وتوضيح مشكلاتها ومجملاتها، وستبقى السنة الى جانب القرآن مصدراً غنياً بتلك الثروة التي تمد الاسلام بالخلود والبقاء حتى يرث الله الارض ومن عليها.

ولو وقف المسملون بعد وفاة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله من السنة موقفاً سليماً وعملوا على تدوينها وجمعها من صدور الحفاظ قبل أن تأكلهم الحروب والغزوات، وقبل ان تعبث بها ايدي الدساسين والمخربين، لو وقفوا منها هذا الموقف لقطعوا الطريق على هؤلاء وغيرهم من المرتزقة الذين كانوا يتقربون الى الحكام بوضع الاحاديث التي تمس اخصامهم السياسيين وتؤيد عروشهم، ولكن الحكام بعد وفاة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله بدلاً ان يفسحوا المجال لجمعها من الصدور قبل ان تعبث بها الايدي، منعوا من تدوينها وجمعها في الكتب بحجة المحافظة والحرص على كتاب الله كي

٩

لا تحتل مكانته من القلوب والنفوس، كما تحدد اكثر الروايات موقف الخليفة الثاني من هذه المسألة.

ومهما كان الحال فقد عبثت الايدي في الحديث بسبب هذا الموقف السلبي من تدوينه، ولعبت السياسة والطائفية دورهما البغيض في مرويات المحدثين من السنة والشيعة كما شاء لها الهوى والغرض حتى حدثت تلك الفجوة العميقة بين الفريقين، واصبحت المجاميع الشيعية بنظر اخوانهم من السنة اداة طيعة لهدم الدين، وتشويه معالمه، لان اصحابها ورواة احاديثها وضاعون كذابون على حد زعمهم، تفوح منهم رائحة الرفض وتبدو من محتوياتها مبادئ التشيع الهدامة على حد تعبير بعضهم، والشيء الطبيعي في مثل هذه الحالات ان يكون لهذا التعصب آثاره السيئة في نفوس الشيعة التي تفرض عليهم ان ينظروا الى صحاح السنة ومجاميعهم نظرة مليئة بالريبة والحذر والتشكيك لا سيما وهم يرون البخاري بصفته من اوثق المؤلفين عند السنة وكتابه من اصح المجاميع في الحديث لا يروي عن جعفر بن محمد الصادق ولا عن الائمة من ولده الاطهار، ويروي عن الاشرار والفجار كمعاوية ومروان بن الحكم وعمران بن حطان الخارجي، الذي فرض عبد الرحمن بن ملجم وامتدحه لانه قتل امام المسلمين وسيدهم علياً (ع) ويعتمد على العشرات ممن لم تتوفر فيهم الشروط التي تيسر للباحث الاطمئنان بصدور الحديث عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وغيره من اعلام الصحابة الذين اخذوا من الرسول مباشرة، لهذا ولغيره من الاسباب والملابسات كان من المفروض على الشيعة ان يقفوا من مرويات السنة موقف المتحفظ الذي يريد ان يستوحي اقواله واعماله من الواقع الذي يحسه ويطمئن اليه، واذا شذ بعضهم عن هذا المبدأ وتأثر بالاستفزازات الموجهة الى الشيعة ووقف من مرواياتهم موقفاً سلبياً متنكراً لما فيها من الغرر والدرر فهو لا يعبر عن رأي الشيعة ولا يمثلهم في مثل هذه المواضيع.

١٠

ومهما كان الحال فقد الف الشيعة في الحديث عشرات الكتب خلال القرون الثلاثة من الهجرة وكانت هذه الكتب مصدراً للكتب الاربعة التي الفها الكليني والصدوق، والطوسي في القرنين الرابع والخامس، كما الف السنة في الحديث بعد ان اتجه العلماء الى التدوين العشرات من الكتب بما في ذلك الصحاح الستة في الفترة نفسها، وظهر من خلال المدونات الشيعية، ان الشيعة قد اعتمدوا على مرويات الائمة اكثر من غيرها باعتبارهم المصدر الامين الحاكي لاقوال الرسول وافعاله، واخذوا عنهم اكثر مدوناتهم، كما اتجه السنة فيما دونوه الى غيرهم ممن يثقون به من الرواة والصحابة، واعتبروا الائمة (ع) من ولد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله كغيرهم من الرواة والفقهاء يخضعون للنقد والتجريح والتوثيق، فروى عنهم فريق، وتجاهلهم آخرون ولعل محمد بن اسماعيل البخاري الوحيد بين اصحاب الصحاح من حيث تجاهله لاكثر الائمة وتلامذتهم المنتشرين في جميع البلدان وبخاصة البلاد التي رحل اليها في طلب الحديث كمدن العراق والحجاز وغيرهما.

ونظراً لان الكافي من ابرز كتب الحديث عند الشيعة، والصحيح للبخاري من اصح المجاميع عندهم قد اخترتهما لهذه الدراسات التي تضمنها هذا الكتاب بروح مجردة عن التعصب والهوى، متحرياً الحق اينما كان، وابراز بعض الحقائق التي احيطت بالغموض والتشويش، نتيجة لعامل السياسة والطائفية والزمن وغير ذلك من الملابسات والاسباب كما واني قد حاولت التخفيف من حدة الموقف الذي اوجد تلك الفجوة الواسعة بين الفريقين، وعرضت لهذه الغاية بعض موارد الالتقاء بين الجامعين وما تفرد به كل منهما مما يتفق مع روح الاسلام وسماحته وما هو بعيد عنها، ولم اجد بداً من الوقوف عند بعض المرويات والتعليق عليها احياناً بدافع الحرص على كرامة السنة وتنزيهها عما الصق بها زوراً وبهتاناً.

١١

كما واني عندما وقفت بجانب الكليني في بعض المواضيع لم يكن ذلك مني بدافع التحيز له، ويستطيع القارئ ان يتأكد من هذه الحقيقة من موقفي معه في كثير من مروياته في كتابه الحجة، وانما وقفت الى جانبه في بعض المواضيع لانه قد تعرض لاعنف الهجمات من بعض مؤلفي السنة بدون مبرر لذلك.

ومن امثلة ذلك الهجوم الذي تعرض له من ابي زهرة في كتابيه الامام الصادق (والامام زيد بن علي) لانه دون في الكافي بعض المرويات التي تشعر بتحريف القرآن، فقد اتهمه ابو زهرة وغيره بالنفاق من اجل ذلك، ورعا الى التشكيك بجميع مروياته، مع العلم بان احاديث التحريف التي تستر بها المهاجمون للكليني رواها البخاري وغيره من المحدثين في مجاميعهم بشكل اوسع واصرح في التحريف مما رواه الكليني حول هذا الموضوع، ومع ذلك لم يتعرض البخاري وغيره من المحدثين لمثل تلك الهجمات والاتهامات ولم يطالبوا بطرح مرويات تلك الصحاح بكاملها، كما طالبوا بذلك بالنسبة لمرويات الكافي، ولا اغالي اذا قلت بأن الحملات التي وجهت الى الكافي، لو وجهت الى البخاري وحده في موضوع يشترك فيه مع الكليني لوقفت الى جانبه بنفس الروح التي وقفت فيها الى جانب الكليني.

ومجمل القول هو اني قد اخذت على نفسي في الدراسات التي تضمنها هذا الكتاب ان لا اجامل احداً، ولا احابي فريقاً مهما كانت النتيجة، ولا اقول الا ما اعتقد انه الحق، لا ابتغي من وراء ذلك الا رضا الله سبحانه فان وقفت لذلك فما ابالي بغضب من سواه، وان اخطأني الحظ فارجو ان احظى برضاه فيما بقي من عمري.

وقد اعتمدت في جميع المواضيع التي اشتمل عليها هذا الكتاب على المصادر الموثوقة عند الفريقين السنة والشيعة، ومنه سبحانه استمد التوفيق لما يرضيه ويقربني اليه والاخلاص في العمل انه قريب مجيب.

١٢

الفصل الاول : لمحات عن الكتابة والحديث ومراحل تدوينه

لا يخرج الباحث في احوال العرب وتاريخهم صفر اليدين من معرفة العرب للكتابة، ذلك لان الدراسات العلمية تؤكد ان العرب ولا سيما سكان الاطراف الشمالية للجزيرة قد تعلموا الكتابة واتقنوها قبل الاسلام بزمن بعيد، نتيجة لاتصالهم الوثيق بالفرس والرمان، وتدل المصادر التاريخية ان جماعات كثيرة عن عرب الحيرة قد اتقنوا اللغة الفارسية وكتابتها، وتولى بعضهم ادارة دواوين ملوك الفرس والترجمة لهم والاشراف على الكثير من شؤونهم، ومن هؤلاء عدي بن زيد وولده اللذان كانا من الصق العرب بقصور الفرس والامارات العربية بالحيرة وغيرها.

وجاء في فجر الاسلام لاحمد امين، ان لعرب الحيرة وامرائهم وتاريخهم اثراً كبيراً في الادب العربي والحياة العقلية للعرب عامة كما تدل على ذلك احاديث جذيمة الابرش واساطير الزباء، والخورنق والسدير وما جاء حول سنمار باني الخورنق، ويوما النعمان، يوم بؤسه ويوم نعيمه وغير ذلك من القصص والاساطير التي احتلت الصدارة في شعر العرب وآدابهم قبل ظهور الاسلام، وظلت زمناً طويلاً تحتل الصدارة في المدونات التاريخية والقصصية بعد ظهور الاسلام.

١٣

١٤

١٥

وجاء في الاعلاق النفيسه (لابن رسته) ان عرب الحيرة علموا قريشاً الزندقة في الجاهلية والكتابة في صدر الاسلام، ولا يعنينا تقييم هذه النصوص من الناحية العلمية والتاريخية بل اوردناها كشاهد على ان الامية لم تكن متفشية بين العرب بالشكل الذي يتصوره بعض الكتاب والمستشرقين و بخاصة عرب الحيرة وبادية الشام لانهم عاشوا زمناً طويلاً مع جيرانهم الفرس والرمان، وبحكم الظروف التي كانت تحيط بهم والمراحل التي مروا بها مع تلك الامم المتحضرة ليس من البعيد عليهم ان يتعلموا الكتابة، وان يأخذوا عنهم العلوم والعادات التي تمس حياتهم وتسهل لهم سبل العيش والحياة الحرة الكريمة كما لا نستبعد ان يكون لعرب الحجاز ميزة على غيرهم من عرب الجزيرة من هذه النواحي ذلك لانهم جعلوا مكة المكرمة قاعدة لتجارتهم التي كانت تسيطر على الاسواق في الشام ومصر، حيث كان الحجازيون يشترون السلع من اليمنيين والاحباش، لتصديرها على حسابهم الى اسواق الشام ومصر، وعلى تجارة المكيين كان يعتمد الرومان في اكثر الحاجيات وقد بالغ بعض المستشرقين فادعى انهم اتخذوا من مكة نفسها بيوتاً استخدموها للتجارة والتجسس على العرب، وكانت قبيلة قريش من اشهر القبائل العربية التي كانت تتعاطى التجارة، وجاء في الكشاف وغيره من كتب التفسير، ان القرشيين كانوا يرحلون في الشتاء الى اليمن، وفي الصيف الى الشام، والذي سهل لهم الاستيراد والتصدير، والاستيلاء على الاسواق، ان العرب كانوا يعظمون البيت ويحترمون جيرانه وخدامه وقد امتازت بذلك قريش عن غيرها من سائر العرب لانها تحصنت بجواره من غزو العرب وقطاع الطرق(١) .

وليس بالبعيد عادة ان تزودها هذه الرحلات المتتالية بسبب اتصالها

____________________

(١)انظر فجر الاسلام لاحمد امين ص ١٣ و ١٤

١٦

المباشر بتلك الامم المتحضرة ببعض المنافع، بالاضافة الى الفوائد المادية التي كانت تدرها هذه الرحلات، ومن ايسر ما يمكن ان تجره على المكيين هذه المهنة هي تعلم الكتابة والقراءة، هذا بالاضافة الى ان يهود المدينة كانوا يحسنون الكتابة ويعلمونها الصبيان قبل هجرة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله اليها كما تؤكد ذلك بعض النصوص التاريخية.

ومن مجموع ذلك تبين ان الكتابة لم تكن بتلك الندرة بين المكيين كما يدعي البلاذري في (فتوح البلدان) حيث قال: «لقد ظهر الاسلام وبين القرشيين سبعة عشر رجلاً يحسنون الكتابة لا غير وفي الاوس والخزرج سكان المدينة أحد عشر رجلاً تعلموها من جيرانهم اليهود ».

واذا صح ان الذين كانوا يحسنون الكتابة لا يجاوزون هذا العدد الضئيل فلا بد وان تكون في غيرهم معدومة او اقل من ذلك، وبعد ملاحظة الظروف التي احاطت بالمكيين وبخاصة القرشيين منهم الذين كانوا على اتصال دائم بالامم المتحضرة نستبعد كل البعد ان يكون هذا الاحصاء الذي ادعاه البلاذري وغيره صحيحاً وفي نفس الوقت لا نبالغ في تقديره، ولا ندعي انتشارها بينهم كما كانت بين جيرانهم الفرس والرومان، لان العلم والكتابة ينتشران حيث توجد الحضارة ويكثر العمران، والحجازيون يفقدون جميع هذه النواحي.

ومما يؤكد ان الامية كانت تغلب على العرب قبل ظهور الاسلام الآية من سورة الجمعة،( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَ يُزَکِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْکِتَابَ وَ الْحِکْمَةَ وَ إِنْ کَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ ) .

وجاء في غيرها من الآيات ما يؤكد أن النبي نفسه كان امياً لا يحسن الكتابة ولا القراءة كما تدل على ذلك النصوص القرآنية والنبوية.

١٧

قال تعالى: (الذين يتبعون الرسول الامي الذي يجدونه مكتوباً في التوراة)وجاء عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله انه قال: انا امة امية لا نكتب ولا نحسب الى غير ذلك من النصوص والحوادث التي تؤكد ان الامية كانت تغلب على العرب قبل الاسلام، ولا يتنافى ذلك مع ما ذكرناه اولاً من ان عرب الحيرة ومكة بصورة خاصة من بين عرب الجزيرة كانوا يقرؤون ويكتبون، فانا لم نقصد من ذلك ان الاغلبية منهم كانوا يحسنونها كغيرهم من الامم المتحضرة والذي اردناه انه قد كان بينهم عدد لا يستهان به يحسنون الكتابة والقرائة بحكم الظروف والملابسات التي كانت تحيط بهم ولا يتنافى ذلك مع جهل الاغلبية لها.

ومهما كان الحال فالتحديد الذي ذكره البلاذري لغير الاميين، والغلو الذي ذهب اليه بعض المستشرقين من مساواة العرب لغيرهم في هذه الناحية، هذان الرأيان لا تؤيدهما الدراسات العلمية ولا النصوص الاسلامية كما ذكرنا.

ومما لا شك فيه ان الكتابة قد بدأت تتنشر في مكة وما حولها بظهور الاسلام على نطاق اوسع مما كانت عليه اولا بسبب التحول الذي طرأ على العرب نتيجة لاعتناقهم الدين الجديد الذي يدعو الى العلم ويحث عليه.

وتؤكد المصادر التاريخية ان مساجد المدينة التسعة كانت محط انظار المسلمين، يتعلمون فيها القرآن وتعاليم الاسلام والكتابة وغير ذلك مما تدعو اليه الحاجة، والى جانب هذه المساجد انتشرت المكاتب لتعليم الصبيان ومحاربة الامية باشكالها، وعندما نلاحظ موقف النبي من الاسرى الذين كانوا يحسنون القراءة والكتابة بعد نجاحه في معركة بدر الكبرى واعفاءهم من الفدية التي فرضها على كل اسير حسب امكانياته

١٨

مع العلم بانه كان هو و دولته الفتية الناشئة في امس الحاجة الى المال عندما نلاحظ ذلك ونتأكد بانه قد اعفاهم منها، وفرض على كل اسير منهم ان يعلم عشرة من الاميين في مقابلها، ندرك مدى اهتمامه في محاربة الجهل والامية حتى استطاع في خلال سنوات معدودات ان يهيّئ عدداً كبيراً يقرؤن ويكتبون، ويحسنون ادارة الاعمال وتصريف الامور، ومضت حركة التعليم تتسع بين المسلمين في انحاء الجزيرة، والرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله يغذيها بما تيسر لديه من الموارد المحدودة، ويحث عليها بمختلف الاساليب والمناسبات، وقد بلغ به الحرص على توجيه الناس نحو التعليم، ان جعل طلب العلم من الفرائض، وقال كلمته المشهورة، (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة) وقال ايضاً: (اطلبوا العلم ولو بالصين) والوصول الى الصين في عصره اعسر من الوصول الى القمر في عصرنا هذا، وكان من نتيجة تلك الجهود التي بذلها لمحاربة الامية ان اصبح المتعلمون من المسلمين وابنائهم يعدون بالالوف، بعد ان كانوا لا يتجاوزون العشرات كما يظهر من احصاءات المؤلفين الذين كتبوا في هذه المواضيع.

ويؤيد ذلك ما جاء عن ابي الدرداء. انه قال لبعض جلسائه اعدد من يقرأ عندي القرآن فعدهم فبلغوا الفا وستماية.

وكان لكل عشرة مقرئ، (اي معلم) وابو الدرداء يشرف على الجميع(١) .

ومن مجموع ذلك نستطيع ان نؤكد ان تأخير المسلمين عن تدوين الحديث والآثار الاسلامية لا يعود بالدرجة الاولى الى ندرة وسائل التدوين وتفشي الامية كما يدعي بعض المؤلفين من العرب والمستشرقين،

____________________

(١)انظر السنة قبل التدوين، عن النهاية في طبقات القراء، والتهذيب لابن عساكر.

١٩

ذلك لان وسائل التدوين لم تكن بتلك الندرة حتى قبل ظهور الاسلام كما ذكرنا، ولو تنازلنا عن جميع الشواهد والادلة التي ذكرناها وقلنا ان العرب قبل الاسلام على اختلاف مناطقهم لا يحسنون الكتابة، لو افترضنا ذلك بالنسبة للعرب قبل الاسلام، فلا يصح هذا الافتراض بعد ظهور الاسلام وبعد تلك الجهود التي بذلها الرسول الاعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله لمحاربة الجهل والامية، فلا بد لنا والحال هذه من تلمس الاسباب التي صرفت المسلمين عن تدوين احاديث الرسول خلال القرن الاول من الهجرة، ومن خلال المصادر التي تعرضت لهذا الموضوع قديماً وحديثاً نجد ان اكثرها تعزو ذلك الى الرسول نفسه، اعتماداً على المرويات عنه، والى الخليفة الثاني الذي اشتهر بمعارضة فكرة التدوين، وتوعد الناس بالعقاب عليها، فرووا عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله انه قال: لا تكتبوا عني شيئاً، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه. وقد اخذ الخليفة الثاني بهذا النص حينما راجت فكرة التدوين بين المسلمين كما يدعي بعض المؤلفين وعلله بان التدوين قد يؤدي الى التباس القرآن بالحديث وانصراف المسلمين عن كتاب الله الى اقواله واحاديثه كما جرى ذلك بالنسبة الى الامم السابقة.

وفي مقابل الرواية التي تنص على ان الرسول نهاهم عن تدوين اقواله وافعاله رووا عنه انه رخص لعبد الله بن عمرو بن العاص ان يكتب عنه ما يشاء فجمع من احاديثه الصحيفة المسماة بالصادقة، وانه قال لرجل من الانصار: استعن على حفظك بيمينك، وقال لانس بن مالك: قيدوا العلم بالكتابة، الى غير ذلك من المرويات ونظراً لتعارض هذه الطائفة من المرويات عنه للروايات المانعة، رجح اكثر المحدثين بانه نهى عنه اولاً مخافة ان يختلط حديثه بالقرآن الكريم ولما تركز القرآن في نفوسهم واحتل منها المكان اللائق به، واصبحوا يميزونه عن غيره اباح لهم ان يكتبوا عنه ما يشاؤون، ونتيجة هذا الجمع بين هاتين الطائفتين من المرويات

٢٠