تجلي القرآن في نهج البلاغة

تجلي القرآن في نهج البلاغة0%

تجلي القرآن في نهج البلاغة مؤلف:
تصنيف: مفاهيم القرآن
الصفحات: 129

  • البداية
  • السابق
  • 129 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 1571 / تحميل: 1860
الحجم الحجم الحجم
تجلي القرآن في نهج البلاغة

تجلي القرآن في نهج البلاغة

هذا الكتاب نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

مؤلف:

شبكة الإمامين الحسنين (ع)للتراث الإسلامي

تجلّي القرآن

في

نهج البلاغة

تأليف

آية الله محمد تقي مصباح اليزدي


١
شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي WWW.ALHASSANAIN.COM شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام)للتراث و الفكر الإسلامي

هذا الكتاب

نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي

بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى قريبة إنشاء الله تعالى.

٢

بسم الله الرّحمن الرّحيم

٣

مصباح اليزدي ، محمّد تقي ، ١٩٣٤

تجلّي القرآن في نهج البلاغة / محمّد تقي مصباح اليزدي ، المترجم : ماجد الخاقاني

قم : مركز إصدارات الإمام الخميني ( رحمه الله ) للتعليم والبحث ، ٢٦٧ ، علوم القرآن ، ١٧

عربي

عناوين الكتب بشكل معلومات في أسفل الصفحة .

١ ـ علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، الإمام الأوّل ، ٢٣ قبل الهجرة ، ٤٠ ق ، نهج البلاغة ـ نقد وتفسير ، ٢ ـ علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، الإمام الأوّل ، ٢٣ قبل الهجرة .

٤٠ ق ـ نهج البلاغة ـ الأبعاد القرآنية . إلف . الخاقاني ماجد ، المترجم . ب . مركز إصدارات مؤسسة الإمام الخميني ( رحمه الله ) للتعليم والبحث . ج . العنوان .

٤٠٤٣ ق ٥٥ م ٠٨ / ٣٨

المكتبة الوطنية الإيرانية

٤

تجلّي القرآن في نهج البلاغة

آية الله محمّد تقي مصباح اليزدي

المترجم :

ماجد الخاقاني

مركز انتشارات مؤسسة آموزشي وپژوهشي إمام خميني ( قدس سرّه الشريف )

٥

* تجلّي القرآن في نهج البلاغة

* المؤلّف : آية الله محمّد تقي مصباح اليزدي

* المترجم : ماجد الخاقاني

* الناشر : مركز إصدارات مؤسسة الإمام الخميني ( رحمه الله ) للتعليم والبحث ، بيت الكاتب

* المطبعة : الارمغان البصير

* الطبعة وتاريخ النشر : الأُولى ، ١٤٢٦ هـ

* عدد النسخ : ٢٠٠٠

٦

الفهرست

المقدمة - ٩

الفصل الأَوّل : منزلة القرآن في المجتمع الديني

القرآن الكتاب السماوي الوحيد بين يدي الإنسان - ١٥

حديث القرآن - ١٦

النبي وبيان القرآن - ١٨

تذكير بأمرين - ٢٠

دور القرآن في الحياة - ٢١

القرآن دليل الخطوط العامة - ٢٢

نموذج من الخطوط العامة في القرآن - ٢٣

تجلّي العطاء الإلهي في قيام الحكومة الإسلامية - ٢٥

علاج المشكلات الاجتماعية في ظل اتّباع القرآن - ٢٦

تنظيم الشؤون الاجتماعية في ضوء توجيهات القرآن - ٢٧

دور الهدف في الحياة الاجتماعية - ٢٨

الغنى في ظل اتّباع القرآن - ٣٢

القرآن دواء لأعظم الأدواء - ٣٤

الحكمة من بعض الابتلاءات - ٣٧

التكريم الظاهري والحقيقي للقرآن الكريم - ٤٢

القرآن نور حقيقي - ٤٤

مصابيح القرآن وأنواره - ٤٦

٧

فلاح اتّباع القرآن في يوم القيامة - ٤٨

التنبيه والإيقاظ - ٥٠

سرّ النجاح ودور القرآن - ٥١

إبراهيم أسوة التسليم والعبودية في القرآن الكريم - ٥٢

الفصل الثاني : فهم وتفسير القرآن

المشكلة الحقيقية - ٥٧

وصية علي ( عليه السلام ) في التعاطي مع القرآن - ٥٩

التفسير بالرأي - ٦١

إرشادات علي ( عليه السلام ) لتجنّب التفسير بالرأي - ٦٣

رؤيتان للقرآن والمعارف الدينية - ٦٤

التعددية الدينية أو إنكار الدين في إطار القراءات المتعددة - ٦٦

ضرورة اكتساب الأهلية لفهم القرآن وتفسيره - ٧٠

المراتب المختلفة لمعاني القرآن وفهم معارفه - ٧١

اختصاص تفسير القرآن - بمعنى تفصيل الأحكام - بالنبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) والأئمة المعصومين ( عليهم السلام ) - ٧٤

فهم علوم أهل البيت ( عليهم السلام ) مقدمة لفهم وتفسير القرآن - ٧٥

تفسير القرآن بالقرآن - ٧٦

الالتزام بأُصول وقواعد الحوار العقلائي في فهم القرآن - ٧٧

ملائمة فهم المفسّرين لقابلياتهم - ٧٨

وجوب معرفة القرائن الكلامية - ٧٩

وجود الصور الكلامية في القرآن الكريم - ٨٠

الفصل الثالث : القرآن والغزو الثقافي

امتزاج الحق بالباطل - ٨٣

شبهة عدم بلوغ حقيقة الدين - ٨٧

التلقين والتكرار سلاح مهم لدى الشياطين - ٩٠

الاستناد إلى المتشابهات ، أسلوب آخر في مواجهة القرآن - ٩١

الحكمة من وجود المتشابهات في القرآن - ٩٢

٨

مزج الحق والباطل ، سلاح آخر بيد المنحرفين - ٩٧

القراءات المختلفة ، حربة لمجابهة القرآن - ٩٩

دافع وهدف المعارضين للثقافة الدينية من وجهة نظر القرآن - ١٠٠

موقف القرآن إزاء الفتنة في الدين - ١٠٣

١ ـ الفتنة العسكرية - ١٠٤

٢ ـ الفتنة الثقافية - ١٠٤

تحذير القرآن من الفتنة الثقافية - ١٠٥

الشرك في ثوب جديد - ١٠٦

نبوءة القرآن بوقوع الفتنة في الدين - ١٠٨

التنبّؤ بالفتن بعد الرسول - ١١٠

١ ـ الفتنة بالمال - ١١٠

٢ ـ الفتنة العقائدية - ١١١

٣ ـ التبريرات الكاذبة ، أخطر فتنة - ١١٢

تعتيم الأجواء لتضليل الرأي العام - ١١٤

محرّفو العلوم الدينية من منظار علي ( عليه السلام ) - ١١٥

تعامل عبيد الدنيا المتظاهرين بالإسلام مع القرآن - ١١٨

تحذير علي ( عليه السلام ) للناس - ١٢١

دوافع الجهلاء المتظاهرين بالعلم في تحريف علوم الدين في منظار علي ( عليه السلام ) - ١٢٣

٩

١٠

المقدمة

بالرغم من اعتقادنا بأنّ القرآن الكريم أعظم هدية إلهية لبني البشر ، وأنفس تراث خلّفه النبي الأكرم ( صلّى الله عليه وآله ) بين المسلمين ، فإنّ الأمّة الإسلامية ما أبدت ولا تبدي اهتماماً للانتفاع من هذا التراث العظيم .

فبعد وفاة النبي الأكرم ( صلّى الله عليه وآله ) عاش المجتمع الإسلامي محروماً من التمسك بهذا الحبل الإلهي المتين ، بالرغم من تأكيداته ( صلّى الله عليه وآله ) الكثيرة بوجوب الرجوع إلى القرآن ، والعمل به باعتباره الثقل الأكبر ، وتعلّم علوم القرآن عن أهل البيت ( عليهم السلام ) باعتبارهم الثقل الأصغر ، وبالنتيجة فقد أُقصي المجتمع الإسلامي عن موقعه الحقيقي الذي بشّر به القرآن بقوله : ( وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنْتُم مُؤْمِنِينَ ) (١) ، واليوم لا مفرّ من الاعتراف بالحقيقة المرّة من أنّ المجتمع الإسلامي قد تجرّع خسائر لا تُعوّض ؛ بسبب ابتعاده عن حقيقة القرآن وعلوم أهل البيت ( عليهم السلام ) .

ولكن رغم ابتعاد المسلمين عن حقيقة القرآن ، وغربة هذه الجوهرة السماوية والهبة الرحمانية ، فإنّ الاهتمام بظاهره لاقى رواجاً وازدهاراً جيداً بين الفينة والأخرى في أوساط المسلمين .

إنّ عامة المسلمين يعرفون القرآن كتاباً مقدّساً وسماوياً ، نزل على القلب المبارك للنبي ( صلّى الله عليه وآله ) في ليلة القدر ، وهم يكنون له الإجلال ، فاليوم احتلت طباعة القرآن الكريم بورق من النوع الممتاز ، وتجليدات مذهّبة ، وتلاوته وحفظه ، والإلمام بالعلوم التي تتناول

ــــــــــــــــ

(١) آل عمران : ١٣٩ .

١١

ظواهر القرآن من قبيل التجويد وما شابه ذلك ، مكانةً متميزةً في ثقافة المسلمين ونشهد بين الحين والآخر إقامة مسابقات حفظ وقراءة القرآن الكريم في البلدان الإسلامية وعلى مستوى دولي ، وهذا بحد ذاته موضع استبشار .

ولا يخفى أنّ ازدهار القرآن الكريم في سائر البلدان الإسلامية مدين إلى حدّ كبير للإمام الخميني ( رحمه الله ) ، وانتصار الثورة الإسلامية في إيران ، فبعد بيان الإمام الخميني ( رحمه الله ) حول إدارة الحرمين الشريفين من قِبل مجلس يضم الدول الإسلامية ، بادرت السعودية إلى إعمار وتوسيع الحرمين الشريفين ، والى جانب ذلك قامت بطبع ونشر المصحف وإهدائه إلى الحجّاج من البلدان الإسلامية ؛ للإيحاء من خلال ذلك بأنّها السبّاقة في التبليغ للإسلام والقرآن ، ولتحول دون اهتمام الشعوب والبلدان الإسلامية بإيران الإسلام .

على أية حال ، إنّ الاهتمام بظاهر القرآن والابتعاد عن حقيقته ، من أعظم المشاكل التي ما فتئت الشعوب الإسلامية تتلقى الضربات التي لا يمكن تلافيها بسببها ، فمن الواضح أنّ المسلمين ما لم يتجاوزوا ظاهر القرآن إلى باطنه ، ولم ينتقلوا من القول إلى العمل لا تتحقق هداية القرآن بحقهم .

إنّ هذا الكتاب ليس بصدد البحث في أسباب ابتعاد المسلمين عن حقيقة القرآن والعترة بعد وفاة النبي الأكرم ( صلّى الله عليه وآله ) ، فما ورد في هذا الكتاب تجلّيات من حقيقة القرآن في منظار نهج البلاغة ، وعلى لسان القرآن الكريم نفسه ، فيعرف الباحث القرآن ويتعرف على عظمته من خلال منظار أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، كما جرى التطرّق لبعض الشبهات التي تثار من قبل بعض المعاندين والرد عليها ، وفي الختام تمّ وعلى لسان القرآن الناطق أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) بيان الأسباب والدوافع الشيطانية وراء إثارة مثل هذه الشبهات .

جدير بالذكر أنّ موضوعات هذا الكتاب هي في الحقيقة عدة محاضرات ألقاها

١٢
شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) للتراث والفكر الإسلامي WWW.ALHASSANAIN.COM شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام)للتراث و الفكر الإسلامي

سماحة آية الله مصباح اليزدي في مدينة قم خلال شهري رمضان للعامين ١٣٧٧ و ١٣٧٨ هـ . ش . من هنا فقد تركّز السعي على أن لا تحدث نقيصة أو زيادة أو تغيير في المطالب التي أدلى بها الأستاذ قدر الإمكان ، وجرى العمل فقط لتقريب لغة الحديث إلى لغة الكتابة إلى حدّ ما ؛ لذلك من الطبيعي أن لا ترى تلك الدقة المتعارف عليها في التحرير والتنقيح بشكل تام ومِئة بالمِئة في هذا الكتاب .

وفي الختام نتقدم بالشكر للمحقّق الجليل سماحة حجة الإسلام محمدي الذي قام بتحرير هذا الكتاب ، وكذلك سماحة حجة الإسلام نادري الذي تولّى أمر التنقيح ، سائلين البارئ المنّان المزيد من التوفيق .

مركز إصدارات مؤسسة الإمام الخميني ( رحمه الله ) للتعليم والبحث

١٣

١٤

الفصل الأَوّل

منزلة القرآن في المجتمع الديني

١٥

١٦

القرآن الكتاب السماوي الوحيد بين يدي الإنسان

لو أردنا التطرّق لكل ما جاء حول القرآن في نهج البلاغة فإنّ البحث يطول كثيراً ، فلقد تناول الإمام علي ( عليه السلام ) في أكثر من عشرين خطبة في نهج البلاغة وصف القرآن ومنزلته ، وقد يختص أكثر من نصف خطبة أحياناً لبيان منزلة القرآن ودوره في حياة المسلمين ، وواجبهم إزاء هذا الكتاب السماوي ، ونحن نكتفي هنا بتوضيح بعض توصيفات نهج البلاغة بشأن القرآن الكريم .

يقول الإمام علي ( عليه السلام ) في الخطبة ١٣٣ : ( وَكِتَابُ اللَّهِ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ نَاطِقٌ لا يَعْيَى لِسَانُهُ ) ، فالقرآن في متناولكم وأمامكم ، وعلى العكس من الكتب السماوية لسائر الأديان من قبيل كتاب النبي موسى والنبي عيسى ( عليهما السلام ) فإنّ القرآن بين أيديكم ، وحري القول إنّ الكتاب المقدس لم يكن في متناول عامة الناس في الأُمم السابقة ، لا سيما يهود بني إسرائيل ، بل كانت هنالك نسخ معدودات من التوراة موجودة عند علماء اليهود ، ولم يكن بمقدور عامة الناس مطالعة التوراة .

وكان الوضع وما زال أكثر مدعاة للقلق فيما يخص كتاب النبي عيسى ( عليه السلام ) ؛ لأنّ ما يعرف اليوم بالإنجيل في أوساط المسيحيين ليس بذلك الكتاب الذي نزل على النبي عيسى المسيح ( عليه السلام ) ، بل هي مضامين جُمعت على أيدي أشخاص ، وعرفت بالأناجيل الأربعة ، وعليه فإنّ الأمم السابقة كانت محرومةً من الوصول إلى الكتب السماوية ، لكن الوضع مختلف بشأن القرآن ، فلقد كانت كيفية نزول القرآن وقراءته وتعلّمه من قِبل

١٧

النبي الأكرم ( صلّى الله عليه وآله ) بنحو كان الناس يستطيعون تعلّمه وحفظ آياته ، وأن يكون القرآن في متناولهم بشكل كامل .

من الخصائص المهمة الأخرى لهذا الكتاب السماوي ، هي أنّ الله سبحانه وتعالى مَنَّ على الأمّة الإسلامية ، وتعهد بنفسه الحفاظ على القرآن الكريم من أي خطر ، بالإضافة إلى أنّ النبي الأكرم ( صلّى الله عليه وآله ) اهتم بتعليم المسلمين القرآن ، وحفظ آيات الله ، بحيث أنّ عدداً كبيراً من المسلمين كانوا على عهد رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) حفّاظاً للقرآن ، ويحتفظون بنسخ الآيات التي كانت تنزل تواً ، ويقومون بحفظها تدريجياً ، فكان القرآن يصبح في متناول الجميع عن طريق استنساخ هذه النسخ ، أو تناقلها من صدر حافظ إلى صدر حافظ آخر .

يقول علي ( عليه السلام ) : ( كِتَابُ اللَّهِ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ ) ، أي كتاب الله فيما بينكم وفي متناولكم ، ( نَاطِقٌ لا يَعْيَى لِسَانُهُ ) ، من المناسب التركيز والتأكيد على هذه العبارة ؛ إذ يصرّح ( عليه السلام ) أنّ هذا الكتاب ناطق لا يعتري لسانه التعب ، فلا يملّ من الكلام ولا يتلكأ ، إنّه بناء لا تهتز أركانه ، وظافر لا تُهزم أعوانه .

حديث القرآن

من ناحية يقول الإمام علي ( عليه السلام ) في نهج البلاغة واصفاً القرآن : إنّه كتاب ناطق يتكلم ولا يعيى من الكلام ، وهو يتحدث ويدلي بكلامه بكل وضوح ، ومن ناحية أخرى يقول إنّ القرآن ليس ناطقاً ويجب استنطاقه ، وأنا الذي أُبيّن القرآن لكم ، وجاء في بعض العبارات أحياناً أنّ القرآن ( صامت ناطق ) (١) فما معنى هذا الكلام يا ترى ؟

يبدو أنّ هذه العبارة تبيّن نظرتين مختلفتين لهذا الكتاب السماوي ، فرؤية فيها القرآن كتاب مقدّس لكنّه صامت منزوي لا يكلم أحداً ولا لأحد علاقة به ، وفي رؤية

ـــــــــــــــ

(١) نهج البلاغة : الخطبة ١٤٧ ، جدير بالذكر أنّ كافة الهوامش المذكورة في هذا الكتاب عن نهج البلاغة تستند إلى نهج البلاغة لفيض الإسلام .

١٨

أخرى كتاب ناطق يوجّه خطابه لجميع الناس يدعوهم لاتّباعه ، ويبشّر أتباعه بالسعادة والفلاح .

من البديهي أنّ القرآن الذي صفته التقدّس فقط ، هو كلمات وعبارات وآيات مسطورة على الورق ، يوليه المسلمون احتراماً ، ويقبّلونه ويضعونه في أفضل مكان من بيوتهم ، وقد يتلونه في المجالس أحياناً دون أن يتوجّهوا إلى حقيقته ومعناه ، إذا ما نظرنا إلى القرآن بهذه النظرة فهو كتاب صامت لا يتحدث بصوت مسموع ، ومَن يمتلك مثل هذه النظرة لن يسمع كلام القرآن ، ولن يعالج القرآن الكريم له مشكلة .

بناءً على هذا نحن مكلّفون بالتزام الرؤية الثانية ، أي أن نعتبر القرآن كتاب الحياة ، ونعدّ أنفسنا لسماع كلام القرآن الكريم ، الذي يمثّل بأسره تعاليم الحياة ، وذلك من خلال خلق روح التسليم أمام الله سبحانه وتعالى ، وفي مثل هذه الحالة يكون القرآن ناطقاً يحدّث الناس ويهديهم في كافة المجالات .

بالإضافة إلى هذا التفسير الذي قدّمناه لصمت القرآن ونطقه ، ثَمّة معنى أكثر عمقاً لهذا الأمر ، وذلك المعنى هو ما يقصده علي ( عليه السلام ) ، وعلى أساس هذا المعنى الخاص يقول ( عليه السلام ) إنّ القرآن صامت ويجب استنطاقه ، وأنا الذي أُبيّن لكم القرآن ، وها نحن نتطرق لتوضيح صامتية القرآن وناطقيته بالمعنى الثاني ، وهو في الحقيقة بيان لمعناه الحقيقي :

بالرغم من أنّ القرآن الكريم كلام الله جلّ وعلا ، وأنّ حقيقة هذا الكلام الإلهي وكيفية صدوره ونزوله ليست معروفة لدينا ، ولكن بما أنّ الغاية من نزوله هداية الناس ، فإنّ هذا الكلام الإلهي قد تنزّل بحيث أصبح على هيئة كلمات وعبارات وآيات ، يتسنى قراءتها وسماعها بالنسبة للبشر ، ولكن في نفس الوقت ليس الأمر بأن تكون مضامين جميع آياته يسيرة الفهم والمنال بالنسبة للعاديين من الناس ، ويصبح بمقدور الناس أنفسهم بلوغ مقاصد الآيات دون تفسير وبيان من قِبل النبي ( صلّى الله عليه وآله ) ، والأئمة

١٩

المعصومين ( عليهم السلام ) ، والراسخين في العلم ، منها على سبيل المثال تفصيل وبيان جزئيات الأحكام الواردة في القرآن ، وكذلك هنالك آيات مجملة في القرآن الكريم تحتاج إلى بيان وإيضاح .

بناءً على هذا ، فالقرآن صامت في الكثير من الأبعاد ، أي ليس من السهل الاستفادة منه بالنسبة لعوام الناس دون تفسير وبيان ممّن له ارتباط بالغيب وملمّ بالعلوم الإلهية .

النبي وبيان القرآن

من واجبات النبي ( صلّى الله عليه وآله ) إزاء الأمّة بيان آيات الله ، يقول القرآن الكريم مخاطباً النبي ( صلّى الله عليه وآله ) : ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذّكْرَ لِتُبَيّنَ لِلنّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ ) (١) أي أنّنا أنزلنا إليك القرآن وواجبك أن تقرأه على الناس ، وتبيّن لهم معارفه ؛ لأنّه وكما تقدمت الإشارة القرآن كلام الله ، ورغم أنّه تنزّل كثيراً حتى ظهر بصورة كلمات وآيات ، وأصبح في متناول المسلمين ، لكن معارفه من العمق بحيث يتعذر فهمها كثيراً بالنسبة للعاديين من البشر ؛ لذلك فإنّ القرآن من هذه الناحية صامت عند البسطاء من الناس ، ويحتاج إلى تفسير وبيان النبي ( صلّى الله عليه وآله ) والأئمة المعصومين ( عليهم السلام ) . وعلى هذا الأساس خاطب الله سبحانه نبيه قائلاً : ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذّكْرَ لِتُبَيّنَ لِلنّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ ) .

بناءً على هذا أنّ لآيات القرآن تفسيرها الخاص بها ، وهذا التفسير وبيانه وعلومه عند النبي ( صلّى الله عليه وآله ) والأئمة المعصومين ( عليهم السلام ) ، وهم بدورهم قد وضعوا معارف القرآن بين أيدي المسلمين ، وأسمعوا الناس بلاغ القرآن .

إذن ، القرآن بهذا المعنى ناطق ، والنبي ( صلّى الله عليه وآله ) والأئمة ( عليهم السلام ) قاموا ببيان علوم القرآن ، ولكن ينبغي الانتباه إلى أنّ القرآن يدلي بحديثه بمنأى عن ميول مخاطبه ، سواء كان مطابقاً لمنى قلب الإنسان أو مخالفاً لهواه ، ولا يحق لشياطين الإنس أن يفرضوا رغباتهم على القرآن ، ويفسّروا كلام الله بآرائهم تحت

ــــــــــــــــ

(١) النحل : ٤٤ .

٢٠