مطارحات في الفكر المادي والفكر الديني

مطارحات في الفكر المادي والفكر الديني0%

مطارحات في الفكر المادي والفكر الديني مؤلف:
تصنيف: أديان وفرق
الصفحات: 174

مطارحات في الفكر المادي والفكر الديني

مؤلف: محمد مهدي شمس الدين
تصنيف:

الصفحات: 174
المشاهدات: 29111
تحميل: 3023

توضيحات:

مطارحات في الفكر المادي والفكر الديني
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 174 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 29111 / تحميل: 3023
الحجم الحجم الحجم
مطارحات في الفكر المادي والفكر الديني

مطارحات في الفكر المادي والفكر الديني

مؤلف:
العربية

مطارحات في الفكر المادي والفكر الديني

تأليف

محمد مهدي شمس الدين

١

هذا الكتاب

نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنينعليهما‌السلام للتراث والفكر الإسلامي

بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى قريبة إنشاء الله تعالى.

٢

تقديم

بسم اللّه الرحمن الرحيم

هذه مطارحات في الفكر الديني والفكر المادي كتبت القسم الثاني منها ونشرت معظمه منذ سنين في ملحق جريدة النهار البيروتية في حلقات أُسبوعية فيما بين ٢٢ شباط سنة ١٩٧٠ و ١٧ أيار سنة ١٩٧٠.

وكنت أُقدر ان الحاجة إلى هذه المطارحات قد انتهت بنشرها واذاعتها في الناس عن طريق الصحافة الاسبوعية، ولذا فلا داعي لاعادة نشرها في كتاب.

ولكن نفراً كبيراً كريماً من علماء الدين والمعنيين بقضايا الفكر الاسلامي او الفكر الديني بوجه عام، ومن الطلاب الجامعيين يرون أن الحاجة إلى هذه المطارحات لم تنته بنشرها في الصحافة، بل الحاجة اليها متجددة لأنها ملأت فراغاً كبيراً في هذا الحقل من حقول المواجهة الفكرية بين الدين والمادية، ولأنها أضاءت مساحات كبيرة وهامة، ربما كان غموضها

٣

باعثاً على الحيرة والشك عند المؤمن، وحافزاً على التجني وإطلاق الأحكام الخاطئة على الدين عند من في قلوبهم مرض.

وهم يرون أن هذه الحاجة المتجددة تقضي بنشر هذه المطارحات في كتاب يسهل تداوله والرجوع إليه.

وقد رغب إلى بعض من ذكرت أن أُوضح - في هذه المطارحات - أثر المادية في مأساة العالم الثالث من خلال معاناته الأليمة من الرأسمالية والماركسية. وقد استجبت لهذه الرغبة النبيلة فكتبت القسم الأول من هذه المطارحات عندما قررت نشرها في كتاب.

إن القسم الأول يكمل القسم الثاني. فحين يعرض القسم الثاني للمادية على مستوى الفكر والفلسفة يعرض القسم الأول للمادية على مستوى السياسة والعلاقات الدولية، وبذلك يقدم الوجه التجريبي للمادية في السياسة.

وإذ كنت أُعدّ هذا الكتاب للنشر كانت تدوي في أُذني أنباء العدوان الاسرائيلي على وطني لبنان في أقدس بقاعه، وهي جنوبه - جبل عامل - أرض العلم والتقوى، والانسانية العالية ونبل الأخلاق. وأرى بعيني آثار العدوان الوحشي في عشرات الالوف من النازحين من القرويين المدنيين العزل يتدفقون على بيروت وغيرها فأعيش مأساة العالم الثالث كله في لوحة حية ترسمها الصهيونية بالحديد والنار على لحمي ودمي، أعيش المأساة، لا كشاهد عليها، وإنما كضحية ووقود لها، وأرى كيف أن مادية عصرنا تنفذ فصلاً من جريمتها ضد الانسانية على يد آلة شيطانية من آلاتها الاجرامية المجرمة هي القوة الصهيونية التي تمثل ذراعاً من أذرع المادية التي تسوط بها العالم الثالث... آه ما أشد مرارة الحياة في هذه الأيام

٤

بعد سنوات ثلاث من المعاناة اليومية لآلام الناس في الفتنة اللبنانية البشعة التي هي مشهد آخر من مشاهد تلاعب المادية بمصائر العالم الثالث.

وعلى أي حال فليس أمامنا الآن سوى أن ننتظر ما يقوم به المجتمع الدولي من خلال مجلس الأمن ومنظمة الامم المتحدة تجاه العدوان الاسلاائيلي علينا، وبانتظار ذلك أشعر ان علينا العمل لاعادة النازحين إلى قراهم لئلا تجد الصهيونية أمامها أرضاً خالية من السكان تبعث فيها مطامع جديدة.

ومهما حاولت القوى التي تقف وراء الصهيونية أن تسقي غرسها الشيطاني هذا بدماء العرب وتغذية بأرضهم فلن تستطيع أَبداً أن تجعل الصهيونية أصيلة في فلسطين، ستبقى نبتة غريبة ملعونة ترفضها الأرض، وترفضها الامة، وترفضها حركة التاريخ، وتقتلعها ارادة اللّه بايدي عباده الأبرار وارادتهم وعزمهم. إن الصهاينة يجتمعون في فلسطين لشِّر يومٍ لهم في التاريخ، متى يشرق هذا اليوم...؟ إننا لا نعلم، ولكنه آتٍ لا ريب فيه، ذلك وعد اللّه والله لا يخلف الميعاد:

١ -( وَلا يَحسَبَنّ الذينَ كَفَرا سَبَقُوا إنهم لا يعجزون ) (١) .

٢ -( لا تَحسَبَنّ الذيِنَ كَفَروا مُعْجزينَ في الأرْضِ، وَمَأوَاهُمُ النارُ ولبئسَ المَصير ) (٢) .

إن علينا أن نعدَّ أُمتنا لهذا اليوم الموعود، ونصونها من التلوث والفساد والانحلال بما تفرزه المادية في الثقافة وأساليب الحياة من سموم

____________________

(١) سورة الانفال (مدنية - ٨) الاية ٥٩.

(٢) سورة النور (مدنية - ٢٤) الاية: ٥٧.

٥

تفسد شخصية الانسان وتذهب بأصالته وتجعله بذلك إحدى نفايات أُمته التي تضعف تماسكها، وتوهن قوتها.

* * *

آمل أن تساهم هذه المطارحات في تعزيز المناعة الفكرية أمام غزو المادية من خلال الماركسية أو من خلال الرأسمالية، وفي معونة الباحثين عن ضياء ينير ظلام دروبهم، وعن هدى يخرجهم من ظلمات الكفر أو حيرة الشك إلى نور الإيمان باللّه، والحمد للّه رب العالمين.

بيروت محمد مهدي شمس الدين

ربيع الثاني ١٣٩٨ هجري

آذار (مارس) ١٩٧٨ م

٦

القِسمُ الأوّل

١ - المادية في الرأسمالية والماركسية ومأساة إنسان عصرنا

٢ - الماركسية والعلم والسياسة

المادية في الرأسمالية والماركسية ومأساة إنسان عصرنا

هذا كتاب يتضمن مطارحات بين الفكر المادي - كما تعرضه النظرية الماركسية - والفكر الديني متمثلاً بالاسلام.

وهذه النظرة المادية الخالصة إلى أصل الكون والحياة والانسان هي النقطة الأرخميدية، نقطة الخلاف الرئيسية بين الاسلام وبين الماركسية، وعنها تتفرع الخلافات الاخرى.

ونريد أن نثير هنا سؤالاً هاماً:

إذا كانت الماركسية مادية فهل الرأسمالية - ضدها الايديولوجي وخصمها السياسي - روحانية تؤمن بقوة وراء الطبيعة يرجع إليها الخلق والأمر؟

٧

إذا كانت الماركسية، انطلاقاً من ماديتها، ترفض الايمان باللّه، ومن ثم فهي ترفض الاعتراف بالنبوة والوحي، ومن ثم فهي ترفض الاعتراف بالدين، بل وتحاربه وتعتبره خصماً عليها أن تقضي عليه في ظاهر التركيب المؤسسي الاجتماعي وفي باطن الضمير الانساني لتخلص الانسان من آثاره الضارة في تخدير الشعوب، ولتمكن لنفسها في الوعي الانساني فتدفع بالانسان إلى إسعاد نفسه وعالمه... إذا كانت الماركسية هكذا فهل الرأسمالية مضادة لها في هذه النظرات والمواقف؟ هل تعترف الرأسمالية باللّه؟ ومن ثم فهل تعترف بالنبوة والوحي؟ ومن ثم فهل تعترف بالدين، وكيف تعترف بالدين؟.

الحق أن الرأسمالية ذات مظهر خادع روَّاغ من هذه الجهة تغر الناظر السطحي إليها فيحسب أنها مذهب في الحياة للدين فيه مكان مكين.

ولكن الباحث الذي تتجاوز ملاحظته السطح الخادع سرعان ما يكتشف أن الرأسمالية من هذه الجهة والخلاف بينهما في الاسلوب لا في جوهر الموقف. وسيرى الباحث المتعمق أن الرأسمالية كالماركسية مادية.

فالرأسمالية تتعامل مع الكون والحياة والانسان من منطلق مادي لا يترك مجالاً لمسألة وجود اللّه وما يتفرع عنها من وحي ونبوة وأديان وشرائع دينية. وغاية الفرق بينهما هي:

ان الماركسية نظام فلسفي يدعي لنفسه الشمول. وهذا يقضي منطقياً بأن ينفي كل نظام فكري آخر مغاير له ويدعي مجافاته للحقيقة وبطلانه. ولما كانت عقيدة وجود خالق للكون خارج عنه، على النحو الذي تبشر به الأديان السماوية - مضادة لعقيدة هذا النظام الفلسفي المادي النافية

٨

بِحكم تفسيرها المادي للكون والحياة والانسان - لوجود خالق للكون وما فيه ومن فيه خارج عنه، فلا بد له أن ينفي العقيدة الدينية وأن ينفي كل ما يتفرع عنها من عقيدة بالوحي والنبوة والشرائع والقيم المستمدة من الوحي، ولا بد له من أن يبحث لكل هذه الثوابت في ثقافة الانسان وحضارته على مدى التاريخ عن تفسير مادي يتفق مع أُصوله وقواعده الفلسفية المادية.

أما الرأسمالية فليست نظاماً فلسفياً، إنها طريقة حياة، ولكنها ليست طريقة ساذجة، بل هي قائمة على معطيات فكرية لخليط من الفلسفات أدت جميعها إلى تكوين نظرة مادية إلي الكون والحياة والانسان. فمن المعلوم أن الرأسمالية لم تغد نظاماً ومنهجاً إلا على أنقاض الفكر الديني المسيحي الذي قضت عليه الفلسفات التي رفضت معتقدات الكنيسة ونظامها وأخلاقها، وأحلت محلها نظرة مادية إلى الكون والحياة والانسان، وأنظمة وأخلاقاً مستمدة من هذه النظرة المادية.

ولكن الرأسمالية مع كونها طريقة حياة مادية، تقوم على أفكار مادية، أبقت على الكنيسة بعد أن جردتها من سلطانها الزمني تجريداً كاملاً أو شبه كامل. إلا أنها لم تبق عليها باعتبارها مؤسسة فاعلة في الحياة موجهة لها، منظمة لنشاطاتها، بل باعتبارها مؤسسة تستهوي عقائدها وطقوسها فئة من الناس لا تزال مؤمنة بها. وهذا أمر لا يظير الرأسمالية في شيء ما دامت الكنيسة لا تقحم نفسها في الشؤون التي تقوم عليها طريقة الحياة الرأسمالية ولا تعطل أيَّ نشاط من أنشطتها. بل إن مفكري الرأسمالية في الاقتصاد والسياسة والاجتماع رأوا أن المؤسسة الدينية ليست عديمة الفائدة في شأن تنفيذ الخطط التي وضعتها الدوائر الرأسمالية لاحتلال العالم القديم والجديد في آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية. وليست

٩

عديمة النفع في الصراع الذي تخوضه القوى الرأسمالية مع الطبقة العاملة. كما أنها - كما تبين أخيراً - ليست عديمة النفع في الصراع الايديولوجي ذي الأهداف السياسية والاقتصادية بين الرأسمالية والشيوعية التي لم تقلَّ يوماً ما طموحاً عن غريمتها الرأسمالية إلى احتلال العالم القديم والجديد في آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية.

وإذن فقد أبقت الرأسمالية على المؤسسة الدينية لا لأن الرأسمالية تؤمن باللّه واليوم الآخر، وتؤمن بالوحي والنبوة، وتؤمن بالأديان والشرائع والقيم الدينية، فهي - باعتبارها طريقة حياة مبنية على نظرة مادية - لا تعني بهذه الامور على الإطلاق. قد يكون في المجتمعات الرأسمالية مؤمنون وقد يكون فيها ملحدون، فهي تتسع لهؤلاء وهؤلاء ولكن هذا لا يعني أنها مبنية على الايمان الديني بوجه من الوجوه. وإنما أبقت على المؤسسات الدينية لأنها - أولاً - ليست موقفاً فلسفياً ينفي ما يخالفه ويضاده من أفكار ومؤسسات من الناحية الفكرية النظرية، ولأنها - ثانياً - قدرت - وهي المسوقة بفكرة الربح - أن المؤسسات الدينية يمكن أن تكون ذات فائدة كبرى، في عمليات احتلال العالم، وفي الصراع الطبقي، وفي الصراع الايديولوجي مع الماركسية في السباق بينهما لاحتلال العالم.

وإذن، فالتفاوت في الموقف من الدين بين الماركسية والرأسمالية ليس ناشئاً من خلاف نظري مبدئي حول الدين، فكلاهما من الناحية النظرية المبدئية في موقع واحد بالنسبة إلي الدين، فهما لا يعترفان به، ولا يأخذان بتوجيهه في سياساتهما الداخلية والخارجية، ومناهجمها الاجتماعية والتعليمية والثقافية والاقتصادية. التفاوت بين الماركسية والرأسمالية بالنسبة إلى الدين هو في الموقف من الناحية العملية، الماركسية تنفيه وتحاربه

١٠

لأنها نظام فلسفي يفترض فيه - كأي نظام فلسفي غيره - أن ينفي ويبطل كل ما عداه من أنظمة ونظريات تفسر الكون والحياة والانسان بطريقة أُخرى. ولكن هذا الموقف المبدئي من الدين لا يمنع الماركسية من مهادنة الدين ومؤسساته ورجاله وتملقهم حين تكتشف حاجاتها إليهم في توجهاتها السياسية وصراعاتها، وحين ترى أن الدين يحقق لها فائدة عملية كما حدث من قيادات الاتحاد السوفياتي اثناء الحرب العالمية الثانية وما بعدها في مناسبات كثيرة جداً. والرأسمالية تنفي الدين وتحارب تدخله في شؤون الحياة والسياسة لأنها طريقة حياة قائمة على نظرة مادية إلى الكون والحياة والانسان. وهذا لا يمنعها من أن تهادنه بالابقاء على مؤسساته وبعض امتيازاتها لأنه ليس لها موقف فلسفي مبدئي منه من جهة ولأنها قد تحقق عن طريقه بعض المنافع التي تعزز قدرتها على الربح وعلى الكسب السياسي من جهة أُخرى. ولكنها تحاربه في رجاله وفي مؤسساته حين يقف من خلال بعض هذه المؤسسات وبعض هؤلاء الرجال أمام عدوانها ونهبها للشعوب المستضعفة وتسلطها السياسي كما حدث في حالات كثيرة في العصر الحديث في اروبا وافريقيا وامريكا اللاتيتية. وقد تحالفه حين تستطيع ترويض رجاله ومؤسساته لتغطية مخططاتها في استعمار الشعوب ونهب خيراتها وربطها بالفلك السياسي للرأسمالية الذي يجعلها أسيرة مواقف الرأسمالية في السياسة العالمية ومؤسساتها الاحتكارية الكبرى.

* * *

هذا هو