وجوب الأصلح على الله سبحانه، وكان لا يرى ذلك أبو الحسن الأشعري، فقال له: ما قولك في ثلاثة: مؤمن، وكافر، وصبي؟
قال الجبائي: المؤمن من أهل الدرجات، والكافر من أهل الدركات، والصبي من أهل النجاة.
قال الأشعري: فإنْ أراد الصبي أنْ يرقى إلى أهل الدرجات بعد موته صبياً، هل يمكن ذلك أمْ لا؟
قال الجبائي: لا يمكن ذلك؛ لأنّ المؤمن إنّما نال هذه الدرجات بالطاعة، وليس للطفل مثلها.
قال أبو الحسن الأشعري: للطفل أنْ يقول له: إنّ التقصير ليس منّي، فلو أحييتني كنت أعمَل الطاعات كعمل المؤمن.
فردّ عليه الجبائي: إنّ الله يقول له: كنتُ أعلم أنّك لو بقيت لعصيت، فراعيت مصلحتك، وأمَتك قبل أنْ تنتهي إلى سنّ التكليف.
فقال الأشعري: فللكافر إذن أنْ يقول له: لقد عَلِمت حالي كما علِمت حال الطفل، فهلاّ راعيت مصلحتي مثله، وأمَتني قبل سنّ التكليف؛ كي لا أقع في معصيتك التي نلتُ بها العقاب؟
وعندما وصل النزاع بينهما إلى هذا الحدّ رأى الجبائي نفسه عاجزاً فأعرض عنه
وقد أورَد نظير هذه المحاورة بينهما الأسفراييني، في معرض النقض على المعتزلة القائلين بوجوب الأصلح على الله سبحانه، ويؤكّد جماعة من كتّاب الفِرَق الإسلامية أنّ الأشعري بعد هذه المناظرات التي جرَت بينه وبين أُستاذه الجبائي، قد اعتكف في بيته مدّة طويلة انقطع فيها عن جميع الناس، وتفرّغ للمقارنة بين آراء المعتزلة، وآراء المُحدّثين والفقهاء، وبعد دراسة واسعة لآراء الفريقين ووقف على جوانب النقص فيها، كوّن لنفسه رأياً وخرج على الناس، ودعاهم إلى الاجتماع في مسجد البصرة، وبعد الصلاة وقَف خطيباً بتلك الجماهير المحتشدة، ثمّ قال: أيها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أُعرّفه بنفسي، أنا عليّ بن إسماعيل بن إسحق الأشعري، كنت أقول بخلق القرآن، وأنّ