الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة

الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة15%

الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة مؤلف:
تصنيف: تاريخ التشيع
الصفحات: 253

  • البداية
  • السابق
  • 253 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 55877 / تحميل: 9594
الحجم الحجم الحجم
الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة

الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة

مؤلف:
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

الشّيعةُ بينَ الأشاعرة والمعتَزلة

هَاشِم مَعروف الحَسني

١

٢

الشّيعةُ بينَ الأشاعرة والمعتَزلة

هَاشِم مَعروف الحَسني

يَعرض الفِرَق الإسلامية السياسية والعقائدية مُنذ نشأتها وأسباب حدوثها، والفِرَق الشيعية ومعتقداتها، ويُثبت أنّ أكثر الفرَق المنسوبة إلى الشيعة لا وجود لها في تاريخ التشيّع ولا واقع لها.

ويَبحث في تاريخ المعتزلة والأشاعرة والمرجئة وغيرهم من الفِرَق والمذاهب وآراءهم ومعتقداتهم في أُصول الإسلام، ويُقارن بينها وبين آراء الشيعة الإمامية في هذه المواضيع، ويُعدّد فِرَق المعتزلة ويتعرّض لبعض آرائهم والفوارق بينهم.

يثبت بالأرقام أنّ الإمامية من الشيعة من أبرز الفِرَق الإسلامية في مختلف العلوم الدينيّة وغيرها، وأنّهم مستقلّون عن غيرهم استقلالاً كاملاً في جميع شؤونهم وحالاتهم، ويبحث عدداً من المواضيع التي تتّصل بموضوع الكتاب معتمداً على أوثق المصادر الشيعية والسُنّية.

٣

بسم الله الرحمن الرحيم

٤

٥

بسم اللّهِ الرحمن الرحيم

( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ) (١).

( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (٢) .

( إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ) (٣) .

قرآنٌ كريم

____________________

(١) سورة الشورى: آية ١٣

(٢) سورة آل عمران: آية ١٠٥

(٣)  سورة الأنعام: آية ١٥٩.

٦

مقدّمة

بسم اللّهِ الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أشرف خلقه وخاتم أنبيائه الذين اختارهم لرسالته، واصطفاهم على الناس أجمعين، وعلى آله الأئمّة الهُداة، الذين جاهدوا في الله حقّ جهاده، وتحمّلوا كلّ أنواع الأذى في سبيله، وارتحلوا عن هذه الدنيا من غير أنْ تعلَق بهم آثامها وتخدعهم بمظاهرها وطيّبات عيشها، والسلام على أصحاب رسول الله الطيّبين الذين اتبعوه بإحسان، وكانوا بأمره يعملون وعلى التابعين لرسول الله، ولأهل بيته في كلّ عصرٍ وزمان ورحمة الله وبركاته.

وبعد، لقد اضطرّتني الكتابة في تاريخ الفقه الجعفري إلى المراجعات الواسعة حول التشريع الإسلامي والفِرَق الإسلامية، وآثارها في مختلف النواحي العلمية، وكانت تستوقفني أشياءٌ وأُمور تثير تعجّبي من هذا الإنسان الذي يستهتر بالقيَم والفضائل، ويستهين بأقدَس الحقوق والواجبات في سبيل أغراضه وشهَواته، وإذا تحدّث عن القِيَم والفضائل

٧

والدين، فإنّما يتحدّث ويدافع عنها بقلبه ولسانه حيث لا يجِد سبيلاً للوصول إلى أغراضه إلاّ عن طريقها.

لقد وجدت وأنا أتتبّع المصادر التي تبحث في التشريع والفِرَق والعقائد الإسلامية، أنّ جميع العناصر والأحزاب كانت تقف في اتجاهٍ معاكس للشيعة، وتألّبت عليهم منذ أقدَم العصور الإسلامية، وجرّدتهم من كلّ خصائصهم وميّزاتهم ليكونوا منسيّين خاملين، واستعمل معهم الحكّام حرب الإبادة في أكثر المواقف التي ثاروا فيها لإحقاق الحق، وإحياء العدل، وإنصاف المظلومين، ولمّا لم تُجْدِ جميع هذه المحاولات للقضاء على التشيّع لجأوا إلى الافتراء عليهم، فوضعوا بين أحاديثهم آلاف الأحاديث، ونسبوا إليهم بعض الآراء التي تتنافى مع نصوص القرآن والسنّة، وخلقوا فِرَقاً لا أصل لها ولا وجود إلاّ بين شفاههم وفي كتبهم نسبوها إلى التشيّع، وقالوا عنهم ما شاءت السياسة، وما شاء محترفوها، الذين لا يهمّهم إلاّ أنْ تُبنى عروشهم ولو على جماجم الأنبياء والأولياء والأبرياء.

وجاء الكتاب بعد ذلك فدوّنوا كلّ ما سمِعوه ووجدوه في كتب المتقدّمين بدون تمحيص ولا تحقيق، ولكنّ قافلة التشيّع لم تُثنِ عزيمتها تلك الأراجيف، ولم تقف تلك الصعاب في طريق الركب الشيعي الزاحف نحو المجد والخلود الدائمَين.

إنّهم بالرغم مِن جميع تلك المحاولات لم يستطيعوا إخماد ذلك الضوء الذي يستمدّ من نور النبوّة ووحي القرآن قوّته ومبادئه وتعاليمه مباشرة.

لقد انتشرت المذاهب الإسلامية في القرن الثاني وما بعده في الأُصول والفروع، وأصبح لكلّ عالم مذهب له أنصار وأتباع، يدافعون عنه ويناضلون من أجل بقائه وانتشاره، وتعدّدت الفِرَق، وتباينت الآراء في أكثر الأصول الإسلامية، فتراشقوا بالتكفير والتفسيق، وشتّى أنواع التُّهَم، وقال المحدّثون والفقهاء عن المعتزلة ما شاءوا، وفي هذا الجوّ المزدحم بالخلافات والمتناقضات، اتّسع المجال للمشكّكين في العقائد الإسلامية أنْ يَظهروا بما عندهم من الشُّبَه والشكوك، وتيسّر للدسّاسين أنْ يبثّوا سمومهم وأباطيلهم لتشويه العقيدة الإسلامية وإبرازها بغير وجهها الصحيح بلا خوفٍ ولا وجَل من الحكّام وغيرهم؛ لأنّ الحكّام يهمّهم أكثر مِن أيّ شيء كان، أنْ ينصرف الناس بكلّ فئاتهم لمثل هذه الأمور، عن تصرّفاتهم وأعمالهم المنافية للإسلام ومبادئه، في هذا الجوّ الذي راجت

٨

فيه الشُبَه وظهَرت فيه انحرافات المعتزلة في تفكيرهم عن المخطّط الإسلامي في أُصول الدين.

واستبد الجمود بالمحدّثين والفقهاء حتى عزَلوا العقل عن الدين، وجرّدوه عن جميع صلاحيّاته التي أقرّت له بها الأديان قبل أيّ شيء، ونتَج من إفراط المعتزلة في تحكيم العقل، وغلو الفقهاء والمحدّثين في الجمود على حرفية النصوص، خلاف بين الفريقين أُريقت فيه الدماء واستُبيحت الأعراض والأموال.

لقد عاش أئمّة الشيعة وأتباعهم الإماميّة في هذه العصور المزدحمة بالخلافات العقائدية، ورافقوا جميع الأدوار التي مرّت بها هذه الفِرَق، وكانت مدارسهم ومجالسهم تعجّ بالطلاب والعلماء من مختلف العواصم الإسلامية، ولا سيّما البصرة والكوفة وبغداد، مقرّ الفِرَق والأحزاب والمذاهب، ولم يكن يعنيهم من أُمور الدنيا وشؤون السلطان شيءٌ، فاتّجهوا بكلّ ما آتاهم الله من عِلم وحكمة وبيان لحماية العقيدة والدفاع عن الدين، وردّ كيد الغزاة وشُبَه المشكّكين وانحرافات الفرق، ووقفوا موقفاً مستقلاًّ عن غيرهم، يستوحون آراءهم ومبادئهم من الكتاب والسُنّة والعقل، وألّف أصحابهم وتلاميذهم مئات الكتب في مختلف المواضيع التي كانت موضع عناية العلماء والمفكّرين.

وفيها اشتدّت الخصومة بين الفِرق وتعدّدت المذاهب، وبالرغم من أنّ الحكّام كانوا من ألدّ أخصامهم، وقرّبوا المعتزلة أوّلاً منهم، وأخيراً تبنَّوا آراء الأشاعرة، وأقرّوا من مذاهب المسلمين الفقهيّة أربعاً، وتجاهلوا المذهب الجعفري يوم ذاك وهو أوسع انتشاراً، وأكثر إنتاجاً من جميع المذاهب الإسلامية الأُخرى، كما أقرّوا مذهب الأشعري في الأُصول، وتجاهلوا آراء الشيعة فيها، ومؤلّفاتهم الواسعة في مختلف العلوم، بالرغم من كلّ ذلك فقد تجاهلهم الذين كتبوا في التشريع الإسلامي من الشيعة، وتحدّثوا عنهم بصورة خاطفة، كما تحدّثوا عن الخوارج والفِرَق الأُخرى التي مرّت في التاريخ، وماتَت في مهدها، وكان ذلك من أقوى الأسباب التي دعتني للكتابة في تاريخ الفقه الجعفري.

وقد وفّقني الله سبحانه لوضع كتابين في هذا الموضوع صدر أحدهما في العام الماضي، والثاني قبل ثلاثة أشهر تقريباً، وقد نفدت أكثر نسخهما، وأرجو أنْ أوفّق لإخراج الكتاب الثالث الذي لا يزال في مرحلة التصميم، أمّا فيما يتعلّق بالمباحث الكلامية وأُصول العقائد، فلم يستطع كتّاب السُنّة

٩

أنْ يتجاهلوا رأي الأئمّة من أهل البيت ولا رأي الإمامية في هذه المواضيع، ولا تزال آثارهم وكتبهم، وعلى الأخص الكتب التي ألّفها الإمامية في القرن الثالث وما بعده، حيث اتسع المجال للإمامية أكثر من أيّ وقت مضى، فكانت مجالس المفيد والمرتضى والطوسي وغيرهم من علماء الإمامية المنتشرين في العواصم الإسلامية تعجّ بالمناظرات بينهم وبين المعتزلة؛ الذين تحرّروا من الجمود وتقليد المحدّثين، وبين الأشاعرة الذين تبنّت السلطات الحاكمة آراءهم وفرضتها على الناس بحدّ السيوف، لا تزال تلك الآثار والكتب بين أيديهم، فلم يستطيعوا أنْ يتجاهلوهم في هذه الناحية كما تجاهلوهم في عالم التشريع، ولا استطاعوا أنْ يعترفوا بأنّهم مستقلّون عن غيرهم في آرائهم وتفكيرهم؛ لأنّ النزعات الموروثة والأحقاد الكامنة من مئات السنين تأبى لهم الاعتراف بالواقع والاستسلام له، فقالوا:

إنّ الشيعة في عقائدهم وأُصولهم أتباع للمعتزلة وعيال عليهم في هذه المواضيع، وجاء المتأخّرون من كتاب العرب والمستشرقين الأجانب يجترون هذه المقالة بدون تمحيص وتحقيق، وكأنّها من الضروريات التي لا تقبل التشكيك، لقد سرّت هذه المقالة فيما بينهم مع أنْ كتب الإمامية في هذه المواضيع منتشرة في جميع المكاتب العامّة والخاصّة، وهي تعبّر عن آرائهم بكلّ صراحة ووضوح، تلك الآراء التي يخالفون فيها المعتزلة أكثر من جميع الفِرَق.

وقد يلتقون معهم أحياناً كما يلتقون مع الأشاعرة والمُرجِئة في بعض المسائل، هذا بالإضافة إلى أنّ الإمامية أسبق الفِرَق الإسلامية، وتاريخهم يتّصل بتاريخ الإسلام منذ فجره الأوّل، وعليّ بن أبي طالب (عليه السلام) الذي إليه يرجع التشيع قد تكلّم في التوحيد والصفات والعدل والقدر وغير ذلك من المواضيع الكلامية والفلسفية، قبل مولد الاعتزال بعشرات السنين.

قال السيّد المرتضى: إنّ أصول التوحيد والعدل مأخوذة من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام)، وجميع من جاء بعده من المتكلّمين قد اعتمدوا عليه وشرحوا أقواله وآراءه، وروي عن الأئمّة من أبنائه في ذلك ما لا يحصى (١)

____________________

(١) انظر الجزء الأول من الأمالي للسيّد المرتضى ص ١٠٢، وانظر المجلّد الرابع من شرح النهج ص ٥٢٢ قال: وجملة الأمر أنّ مذهب أصحابنا في العدل والتوحيد مأخوذ عن أمير المؤمنين، ومضى يقول: وهذا الموضع مِن المواضع التي صرّح فيها بمذهب أصحابنا بعينه.

١٠

وذكر هذه الحقيقة ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة، وأضاف إلى ذلك أنّ واصل بن عطاء الزعيم الأول للمعتزلة المؤسّس لمذهب الاعتزال، تلمذ على أبي هاشم، وأبو هاشم كان تلميذاً لأبيه محمّد بن الحنفية، ومحمّد تلمذ على أبيه عليّ (عليه السلام) (١) ، ومع ذلك فأكثر المؤلّفين في الفِرَق والعقائد يدّعون أنّ الإمامية قد قلّدوا المعتزلة في عقائدهم، ولم يكوّنوا لأنفسهم رأياً مستقلاًّ فيها.

ويؤكّد ابن المرتضى في كتابه (المنيّة والأمل) أنّ الأئمّة من أهل البيت كالحسن والحسين وعليّ بن الحسين ومحمّد الباقر (عليهم السلام)، كانوا على رأي المعتزلة في أُصول العقائد، ويميل إلى هذا الرأي الشيخ محمّد أبو زهرة في كتابه (الإمام زيد) صفحة ٤٠، وقد ذكرنا أنّ الأئمّة من أهل البيت قد أخذوا عن أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) هذه المواضيع، وذلك قبل أنْ يولد واصل بن عطاء بخمسين عاماً، وقبل أنْ يكون للمعتزلة ومبادئهم وجود في دنيا المسلمين.

ومهما كان الحال فإنّ الذي دعاني لتأليف هذا الكتاب هو تلك الحملات المركّزة ضدّ الإمامية، والافتراءات السافرة، والفِرَق المنسوبة إلى التشيّع، وغير ذلك ممّا أُلصق بهم زوراً وبهتاناً، وكان من أقوى هذه الدواعي في نفسي، ما شاع بين الكتّاب والمؤلّفين في تاريخ الفرَق والمذاهب الإسلامية من أنّ الإمامية تبَع للمعتزلة في أُصول الإسلام، ومقلّدة لهم في ذلك.

وقد استعرضت فيه الفرَق المنسوبة إلى الشيعة وتاريخ مولدها ومعتقداتها، وآراء الفرَق الثلاث الإمامية والمعتزلة الأشاعرة، وعرضْتُها عرضاً موجزاً تارة، ومسهباً أُخرى حسَب المناسبات وبقصد المقارنة بين آراء هذه الفِرَق الثلاث، واشتمل على عدد من المواضيع الأُخرى التي تتّصل بموضوعه، معتمداً على أوثق المصادر السنّية والشيعيّة، وبعد التتبّع الواسع أحسب أنّي استطعت بتوفيق الله أنْ أُثبت أنّ

____________________

(١) انظر المجلّد الثاني من شرح النهج ص ١٢٨، لقد أوردنا هذه المقالة عن ابن أبي الحديد؛ لتأييد ما قُلناه من أنّ الإمامية أسبق من غيرهم في هذه المواضيع، وإنْ كنا لا نقرّ ما يقوله ابن أبي الحديد من أنّ المعتزلة أخذوا مذهبهم عنه (عليه السلام)، لا نقرّ ذلك على إطلاقه؛ لأنّ آراء المعتزلة في أُصول العقائد لا تلتقي مع آراء الإماميّة إلاّ في بعض المسائل كما يبدو ذلك للمتتبّع في فصول هذا الكتاب.

١١

الإمامية مستقلّون في تفكيرهم وآرائهم استقلالاً كاملاً في جميع الأدوار والمراحل التي مرّوا بها، ولا يعتمدون على غير كتاب الله وسنّة نبيّه وعقولهم فيما يعتقدون به ويعملون من أُصولٍ وفروع، ويبدو ذلك للقارئ، بعد قراءة هذا الكتاب واستقصاء مواضيعه استقصاءً كاملاً.

وأرجو أنْ أكون قد وفِّقت لإثبات هذه الحقيقة، ومنه سبحانه استمدّ العون والهِداية والعصمة في القول والعمَل، إنّه أكرمُ مسؤول.

المؤلّف

١٢

تمهيد

لقد كان أوّل شيء قام به النبيّ (صلّى عليه وآله وسلّم) في السنين الأولى من بعثته، هو تأسيس المبادئ الثلاثة التالية:

١ - توجيه الناس إلى إله واحد أحد، وبطلان عبادة الأصنام التي اتخذوها أرباباً من دون الله.

٢ - إنّه عبد الله ورسوله إلى الناس أجمعين، أرسله لينقذ الناس من الجهالة والعمى، ويُمهّد لهم الطريق الذي يضمن لهم الخير والسعادة في الدنيا، والفوز بالنعيم الدائم في الآخرة.

٣ - الإيمان بحياة ثانية بعد هذه الحياة؛ لينال كل إنسان جزاء أعماله: ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ) .

هذه المبادئ الثلاثة هي الأساس الذي بُني عليه صرح الإسلام، وتركّزت عليها جميع أُصوله وفروعه، وبقي النبيّ (صلّى عليه وآله وسلّم) في مكّة بعد أنْ حمل أعباء الرسالة ثلاثة عشَر عاماً، يدعو الناس إلى هذه الأُصول الثلاثة بكلّ ما أُوتي من حكمة ومنطق وبيان وخلق كريم، والقرآن يوحى إليه داعياً لتلك الأُصول بالأساليب التي تألفها طباعهم، وتلتذّ ببيانها الساحر نفوسهم، وقلّما تخلو سورة من سور القرآن عن تأكيد هذه المبادئ بالأساليب المختلفة التي اقتضتها حكمته تعالى، ومع كلّ ذلك فلَم يجد من مشركي قومه إقبالاً

١٣

على دعوته، وإصغاء لنصائحه وتعاليمه، وبالرغم من أنّهم قابلوه بكلّ أنواع الأذى، وتآمروا على حياته مرّاتٍ عديدة، فلم تلن عزيمته، ولم يتردّد لحظة في المضيّ برسالته إلى النهاية، حتى ولو وضعوا الشمس في يمينه والقمر بشماله ثمناً لتركها.

ولمّا هاجر إلى المدينة وجَد فيها بيئةً صالحة لقبول تلك المبادئ وقُلوباً رأت الله يتجلّى في وحي القرآن وتعاليم محمّد وخُلقه وحكمته، فآمَن به أكثر أهل المدينة، وتقبّلوا دعوته بدون تردّد أو تشكيك فاطمأنّ إليهم واطمأنّوا إليه، ومضى يتابع مهمّته بلهفة وإخلاص حتى ملأت القلوب والعقول، فأصبحت عقيدة العرب أجمعين، أُولئك الذين كانوا بالأمس القريب من ألدّ أعدائها، وأشرس خصومها.

ومع أنّ الآيات التي تعرّضت لتلك المبادئ الثلاثة لم تكن متّفقة من حيث تصويرها لله سُبحانه، ففي الآية من سورة الشورى ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، وفي سورة الإخلاص لم يلِد ولم يولد وفي آيةٍ أُخرى لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، وفي غيرها الله نور السموات والأرض مثَل نوره كمشكاة فيها مصباح، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي تؤكّد أنّه لا يشبه شيئاً من مخلوقاته وليس كسائر المحسوسات التي تدركها الحواس، بينما نجد بعض الآيات التي تعرّضت له سُبحانه قد وصفته بما يوهم أنه شبيه بمخلوقاته.

قال سبحانه: ( الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ) ، وقال: ( إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ) ، إلى غير ذلك ممّا يوهم التشبيه والتجسيم، ولكن بالرغم من تلك الآيات التي يتراءى منها لأوّل نظرة عدَم التوافق في ظواهرها، لم يكن للتردّد أو التشكيك في ذلك أثر بينهم، ولا للنزاع الذي حدَث بين المسلمين في القرن الثاني الهجري في صفاته وتحديد ذاته، وخلق الأفعال وغير ذلك من النزاعات التي شاعت بينهم، ومزّقت شملهم وأصبحوا فِرَقاً وأحزاباً لا يتعارفون، كل ذلك لم يكن في حياة الرسول؛ ذلك لأنّهم تقبّلوا ما جاء به القرآن أصلاً كان أو حكماً، وفهموا بفطرتهم السليمة منها المعنى المقصود، ولم يقابلوا بين آيةٍ وآية لمجرّد ذلك الاختلاف اللفظي الذي اقتضته مصلحة البيان والمناسبات الأُخرى، وكان (عليه السلام) حريصاً على أنْ يرجعوا إليه في كلّ ما يعترضهم من الشُبَه والشكوك، ويدعوهم إلى ترك الجدَل والنزاع في هذه المواضيع، وقد جاء في بعض المرويّات عنه أنّه خرَج على أصحابه في بعض الأيّام فوجدهم

١٤

يتنازعون في القدَر، والفريقان يحتجّان بآيات من الكتاب فأغضبه جدالهما، ثمّ قال لهم: (أبهذا أُمرتم؟! إنّما هلَك مَن كان قبلكم بهذا، لقد ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وقد نزل مصدّقاً بعضه بعضاً، انظروا ما أمرتكم به فافعلوه، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه).

لقد كان حريصاً على أنْ يباعد بينهم وبين الجدَل الديني، والنزاع العقائدي؛ لأنّ هذا النوع من الجدَل يفرّق كلمتهم، ويضعف قوّتهم ولا يزيدهم إلاّ حيرة وضلالاً، فالإسلام دين عملي واقعي ليس فيه آراء فلسفية شائكة ولا نظريات علمية معقّدة تبعث الشبه والشكوك في العقول، إنّه ينظّم علاقة الإنسان بربّه كما يرشد الإنسان إلى الواجب عليه نحو نفسه وأُسرته، ويحدّد علاقة الإنسان بالمجتمع الذي يعيش فيه.

إنّ الرسول الكريم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد وجه عنايته إلى إصلاح النفوس ونزع بذور الأحقاد والنفاق منها إصلاحاً عمليّاً على أساس المبادئ التي وضعها له القرآن، فاطمأنت لها قلوبهم وتهذّبت نفوسهم، وبهذا التماسك والترابط الذي أوجده محمّد (صلّى الله عليه وآله) بين أتباعه وأصحابه، استطاعوا أنْ ينشروا الدعوة الإسلامية ويرفعوا لِواء الإسلام عالياً في عواصم الدوَل الكبرى، التي كانت تسيطر على أكبر مجموعة من العالم، أمّا الجدَل الديني، والنزاع العقائدي فلّم يتّجهوا إليه في تلك الفترة من تاريخهم، ولم ينقل عنهم التاريخ في ذلك سِوى بعض الأفكار العابرة التي كانت تعترض بعضهم أحياناً.

وجاء في خطط المقريزي المجلّد الرابع: إنّ مَن أمعَن النظر ووقَف على آثار السلَف، على أنّه لم يرد قط من طريقٍ صحيح أو سقيم، عن أحد من الصحابة على اختلاف طبَقاتهم وكثرة عددهم، أنّهم سألوا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عن معنى شيءٍ ممّا وصَف الربُّ به نفسه في القرآن وعلى لسان محمّد (صلّى الله عليه وآله)، بل كلّهم فهموا معنى ذلك، وسكتوا عن الكلام فيه، ولا فرّق أحدٌ بين كونها صفة ذات أو صفة فِعل، وإنّما أثبتوا له ما أثبته لنفسه بلا جِدال أو نزاع.

وجاء عصر الصحابة بعد عصره، وبالرغم من اتساع رقعة الإسلام وتجدد الحوادث، واتصال العرب بغيرهم من الأُمَم التي خضعت لسلطان الإسلام، بالرغم من ذلك كلّه فقد ساروا على الطريقة التي رسَمَها لهم الرسول، فلَم يتعرّضوا لشيءٍ من العقائد، ولا تنازعوا في أمرٍ من الأُمور التي نهى عن النزاع فيها، ورجعوا إلى الكتاب وأحاديث الرسول لمعرفة أحكام الحوادث، وأضاف بعضهم إليها القياس فيما لا نصّ فيه من كتابٍ

١٥

أو سنّة، ولَم تظهر بوادر هذا النوع من الصراع الفكري في العقائد بين المسلمين إلاّ بعد انتهاء عصر الصحابة، واتسع مع الزمن تدريجياً حتى بلَغ أقصى حدوده في العصر العبّاسي، فتباينت الآراء واختلفت المذاهب، وأصبحوا أحزاباً وفِرَقاً يتراشقون بالتكفير والتفسيق.

ويعزو ذلك بعضُ الكتّاب إلى أفراد ليسوا من عرَب الجزيرة، دخلوا في الإسلام وفي أذهانهم صور عمّا كان يدور حول أديانهم ومعتقداتهم مِن نِزاع وجدَل حول بعض المعتقدات، فسرَت بعضُ تلك المخلّفات إلى المسلمين؛ ونتيجةً لذلك كانت تُثار بعض الشُبُهات أحياناً، فمِن ذلك ما جاء في شرح النهج: إنّ شيخاً سأل عليّاً (عليه السلام) بعد أنْ رجَع من صِفّين: أكان مسيرنا بقضاء الله وقدره؟ فقال عليّ (عليه السلام): (والذي فلَق الحبّة وبرأ النسمة ما هبطنا وادياً ولا علَونا جبَلاً إلاّ بقضاء الله وقدره).

ومُذ سمِع السائل بذلك قال: عند الله احتسب عنائي، ما ليَ من الأجر شيء، ولمّا شرح له الإمام القضاء والقدَر اللذين لا يُمكن للإنسان أنْ يتهرّب منهما ارتاحت نفسه، وقام من مجلسه مستبشراً مطمئناً بحُسن الجزاء، وجاء في بعض الروايات: إنّ عمر بن الخطّاب أُتي بسارقٍ فقال له: لِمَ سرقت؟ قال: قضى الله علَيّ بذلك، فقطَع يده وضربه أسواطاً؛ لأنّه كذَب على الله، فمِن هذين المثالين وغيرهما ندرك أنّ بعض المسلمين قد تفتّحت لهم أبواب جديدة للتفكير في هذه الأُمور، ولكن هذه الأفكار لم تتجاوز أفراداً منهم كانت هذه الانتباهات تبدو منهم أحياناً، ثمّ تكمن في نفوسهم؛ لأنّها لم تجِد أعواناً ولا تجاوباً من أحد، لانصراف المسلمين إلى ما اعتادوا عليه من التسليم والانقياد لكلّ ما جاء به القرآن والرسول.

ومن ناحيةٍ أُخرى لقد انصرفوا في عصر الخلفاء الأربعة بكلّ فئاتهم إلى العمل في الفتوحات، وتوسيع رقعة الدولة، وألّفوا هذه الحياة ولا سيّما بعد أنْ درّت عليهم الخيرات وفتحت في وجوههم أبواباً من ملاذّ الحياة ومُتَع الدنيا، فالمسلمون كلّهم جنودٌ في الدولة، والحروب لم تخمد نارها بينهم وبين الدولتين المجاروتين للجزيرة العربية، مقرّ الدولة الناشئة نحواً من عشرِ سنَوات تقريباً، حتى إذا ما تمّ لهم بسط نفوذهم على البلدان التي كانت تخضَع للفُرس والرومان، اتجهوا إلى غيرها، فلَم تتّسع حياتهم للتفكير في مسائل الدين، ولا للنزاع والجدَل في المسائل التي أصبحت بعد عصرهم موضع عناية العلماء، وقادة الفكر الإسلامي، وعلى أساسها قد تعدّدت الفِرَق الاعتقادية وتباينت فيها آراء العلماء، وأصبحوا فِرَقاً وأحزاباً، ألحّت عليهم الخصومات والخلافات إلى

١٦

حدّ الإسراف والغلوّ في كثير من آرائهم ومعتقداتهم، كما سنُبيّن ذلك في الفصول الآتية، ومجمل القول أنّ عصر الصحابة كان أشبه بعصر الرسول من حيث انصراف المسلمين إلى الناحية العملية فيما يعود إلى الدين، ولم تقَع أيُّ خصومةٍ بينهم في هذه النواحي، وإذا رأينا أفراداً تعلّلوا بالقدَر تهرباً من مسؤوليّات المعاصي أو تكلّموا به، فلا يعني ذلك أنّ البحث في القدر والاختيار كان شائعاً بينهم في تِلك الفترة من تاريخهم، وإنّما هي أفكار كانت تعبر في أذهان فريقٍ من الناس وتموت في مهدها، أو تبقى كامنة في نفوسهم.

أمّا حالة المسلمين في العصر الأموي، فمّما لا شكّ فيه أنّها قد تغيّرت عن عصر الرسول والخلفاء من بعده، فلقد كثُر فيه العلماء وانتشروا في البلاد الإسلامية شرقها وغربها، وتفرّغوا لدراسة الدين عن طريق الحديث والقرآن ليتعرّفوا على أحكام الحوادث التي تجدّدت بسبب اتساع الإسلام واتصالهم بالأُمم التي خضعت للدولة الفاتحة، تلك الأُمم التي كانت تتميّز بخصائصها وأديانها وعاداتها ممّا اضطر المسلمين والعلماء إلى التوسّع في البحث ودراسة القرآن والحديث واللغة؛ ليستعينوا بذلك على معرفة أحكام الجزئيّات التي اقتضتها طبيعة الزمن، لا سيّما وأنّ الكثير منها لا يشبه ما كان في عصر الرسول.

ومِن تلك الدراسة الواسعة للقرآن والحديث انتقل العلماء إلى مرحلة جديدة لم تكن شائعة في العصرَين اللذين سبَقا هذا العصر، واستطاعوا حلّ جملةٍ من المشاكل التي كانوا يبحثون عن أحكامها.

كما استعانوا بالقياس فيما استعصى عليهم حكمه من نصوص الكتاب، بعد الفحص عن أوجه الشبه بين الحوادث المتجدّدة والتي لم تكن على عهد الرسول، وأصبح القياس دليلاً على التشريع عند بعض الفقهاء بالإضافة إلى كتاب الله وسنّة نبيّه الكريم، وممّا لا شكّ فيه أنّ تعمّقهم في دراسة القرآن والحديث كان لها أكبر الأثر في النزاع العقائدي الذي بدَأ في العصر الأموي، واتّسع حتى بلَغ ذروته في العصر العبّاسي، ويبدو ذلك عندما نلاحظ أنّ الخوارج والمُرجِئة والمعتزلة، والأشاعرة وأتباعهم على ما بينهم مِن تباعد في الرأي بلَغ حدّ الإسراف في بعض المسائل، كانوا يحتجّون لآرائهم ومعتقداتهم بالقرآن والحديث، وما ذاك إلاّ؛ لأنّهم وجدوا فيهما ما يصلح أنْ يكون سنَداً لأكثر تلك المباحث التي اختلفت فيها آراء تلك الفِرَق، فالقائلون بأنّ الله يرى بالأبصار، وأنّه جسمٌ كبقيّة الأجسام مثلاً، اعتمدوا على ظواهر بعض الآيات التي يؤدّي الجمود على ظاهرها إلى

١٧

هذه النتيجة، كما وأنّ القائلين بأنّ الأفعال من صنع الله، والقائلين بأنّها من صنع الإنسان قد اعتمدوا على بعض الآيات، واتّخذ منها كلُّ واحدٍ من الفريقين مؤيّداً لرأيه؛ ولذا فإنّ المُجبّرة يحتجّون بقوله تعالى: ( خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) ، وبقوله: ( وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) ، وبقوله: ( أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ) ، وبقوله: ( سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَخْرُصُونَ ) .

كما وأنّ القدرية قد احتجّوا قبل كلِّ شيء بقوله تعالى: ( فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ) ، وبقوله: ( وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً ) ، وبالآيات الكثيرة التي أسندت الأفعال إلى الإنسان مباشرةً، مثل قوله: ( إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) ، وقوله: ( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ) ، وقوله: ( وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ) .

كما وانّ الأحاديث التي وصلَت إلى المسلمين في ذلك العصر لَم تخلُ من التلميح إلى هذه المواضيع، فلقد جاء عن جابر أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: (لا يؤمن عبدٌ حتّى يؤمِن بالقدَر خيره وشرّه، وحتى يعلَم أنّ ما أصابه لم يكُن ليُخطِئه، وما أخطأه لم يكُن ليصيبه)، فدراسة القرآن والحديث لابدّ وأنْ تنتهي بالمسلمين إلى إثارة هذه المواضيع، واختلاف الآراء فيها؛ لأنّ الآيات لم تكن على نسَقٍ واحد في التعبير عن الواقع، وإنّما يختلف التعبير عنه حسب الموارد والمناسبات بالنسبة للمعنى الواحد؛ ولذا جاء في الحديث: (إنّ القرآن يُصدّق بعضه بعضاً).

ومجمل القول إنّ المسلمين الذين عاصروا الرسول والخلفاء الأربعة مِن بعده، آمنوا بكلّ ما جاء به الرسول ونصّ عليه القرآن، واتّجهوا وجهةً عملية أكثر منها علمية، ولم يكُن للجدَل والنزاع بينهم وجود في شيءٍ من صفات الله سبحانه، ولا في اختيار الإنسان وعدمه، ولا من المسائل التي شغلَت تفكيرهم وبدّلَت اتجاههم وعقليّتهم في القرن الثاني من الهجرة؛ ومَرَدّ ذلك إلى الأسباب التالية:

الأول: إنّ المسلمين كانوا يرجعون إلى الرسول في جميع أُمورهم،

١٨

وقد حدّد لهم النواحي العملية فاتّجهوا إلى العمل وصدّقوا بكلّ ما أخبرهم به، وقد أحسّوا منه رغبةً إلى الانصراف عن التفكير والبحث في هذه المواضيع، وفي جملة من المناسبات قال لهم: (ما أمرتكم به فافعلوه، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه)، وكان في جملة ما نهاهم عنه الجدَل والنزاع في ذات الله وصفاته، وأفعال الإنسان وغيرها من المسائل التي انصرفوا بكلّ قواهم في العصر العبّاسي إلى النزاع فيها.

الثاني: إنّ المسلمين بمختلف طبقاتهم قد انصرفوا إلى تأسيس الدولة الإسلامية، ومُنذ أنْ هاجر النبيّ (صلّى الله عليه وآله) من مكّة وقد شغلتهم الحروب والفتوحات عن دراسة القرآن، والتفكير في كلّ شيء عدا ما يرجع إلى تشريع الأحكام، ومعرفة أحكام الحوادث التي تجدّدت بعد التطوّر الذي طرأ على حياتهم بسبب اتساع الإسلام إلى خارج بلاد العرب؛ وبسبب المغانم التي كانت تدرّها عليهم الحروب والفتوحات، وقد جنّدوا كلّ إمكانيّاتهم للقضاء على الدولتين الكبيرتين الواقعتين على مقربة من مقرّ دولتهم الفتيّة الناشئة، وكانت المصلحة تحتّم عليهم المبادرة إلى غزوها؛ لأنّ الدعوة الإسلامية لا ينتظم أمرها ما دام الفُرس والرومان العدوّان القويّان، على مقربةٍ من حدودها، وفي مثل هذه الظروف التي أحاطت بالمسلمين في عصر الصحابة، يتحتّم عليهم الانصراف عن كّل شيءٍ إلاّ عن درء تلك الأخطار الجسيمة التي كانت تحيط بهم.

أمّا بعد أنْ اطمأنّوا على مصيرهم وانتهوا من الفتوحات واحتاجوا إلى دراسة واسعة للقرآن والحديث، واتّجهوا إلى العلم وأسّسوا المدارس في مختلف البلدان والعواصم، اتجهت الأفكار إلى هذه المسائل بجانب غيرها من المسائل الفقهية والعلمية من مختلف المواضيع، واختلفت فيها الآراء كما اختلفت في مسائل الحلال والحرام، وأحكام الحوادث.

الثالث: إنّ العرب الفاتحين قد اتصلوا بغيرهم من الأُمَم التي غزاها الإسلام وخضعت لسلطانه، وأكثر أولئك من الديانات التي كانت منتشرة هنا وهناك قبل الإسلام، وهؤلاء وإنْ دخلوا في الإسلام وخضعوا لأنظمته ومبادئه، إلاّ أنّ ما ورثوه عن آبائهم وأجدادهم في الآراء والمعتقدات لا يُمكن أنْ يزول من أذهانهم بتلك السرعة الخاطفة، ولابدّ وأنْ يقارنوا بين عقيدتهم الجديدة وبين ما استقرّ في أذهانهم من عقائد آبائهم وأجدادهم، وأنْ يُحاكموا بين ما دخلوا فيه مكرهين أو طائعين وبين الأديان التي خرجوا منها، ومعلوم أنّ النزاع في الصفات وحرّية الإرادة والجنّة والنار وغير ذلك لم يكُن من

١٩

مبتكرات المسلمين، وقد تكلّم به فلاسفة اليونان والفرس والنصارى واليهود وغيرهم من الأُمم الأُخرى، وقد شاع بين المؤرّخين أنّ أوّل مَن تكلّم بالقدر في الإسلام رجلٌ نصراني أسلَم ثمّ رجَع عن الإسلام، وعنه أخذ معبد الجهني، وغيلان الدمشقي (١) وهذا مّما يؤيّد أنّ شيوع البحث في المسائل التي اختلفت فيها الآراء وتعددت المذاهب كان منشأه اختلاط المسلمين بغيرهم من الأمم الأخرى، هذا بالإضافة إلى أنّ الذين دخلوا في الإسلام من تلك الأُمم لم يكونوا نمطاً واحداً من حيث إيمانهم بالدين الجديد واطمئنانهم لأُصوله، ففيهم من أظهَر الإسلام وأبطن النفاق والكفر، وهؤلاء كانوا يعملون بالخفاء لتشوبه تعاليمه وطمس أضوائه، فدسّوا في أحاديث الرسول طائفةً من الروايات في الأُصول والفروع، وروّجوا تلك المقالات التي كانت في أذهانهم بين المسلمين فتلقّاها المسلمون بالقبول، ولاسيّما بعد أنْ وجدوا في الكتاب والسنّة ما يُمكن أنْ يكون سنَداً لها.

أمّا في عصر الرسول والخلفاء الأربعة، فلم توجد هذه المفارقات، ولم يتهيّأ للمنافقين أنْ يبثّوا سمومهم، لقُرب عهد الصحابة من نبيّهم (صلّى الله عليه وآله)؛ ولذا فإنْ مرويّات كعب الأحبار وأبي هريرة وأشباههما من الدسّاسين لم تجِد رواجاً إلاّ بعد أنْ انقرض عصر الصحابة الأوّل، وقد روى جماعة من المحدّثين أنّ عمر بن الخطّاب ضرَب أبا هريرة في درّته؛ لأنّه أكثر في الرواية عن الرسول، وتجنّب حديثه جماعة من أعلام الصحابة، وكان كعب الأحبار أسوأ حالاً منه، على أنّ هناك سبباً آخر لا يقلّ خطورةً عمّا ذكرناه؛ وهو ترجمة الكتب الفارسيّة واليونانيّة إلى العربيّة في أوائل القرن الثاني الهجري.

وفي العصر العبّاسي انتشرت الفلسفة اليونانية بين العرب، واختلط المسلمون بغيرهم اختلاطاً واسعاً، وأخذ كلُّ فريقٍ يُعبّر عن نِحْلته وعقيدته من غير حرَج، فانتشر الإلحاد والشكّ بين المسلمين والنزاع بينهم وبين الطوائف الأُخرى، فأمَر المهدي العبّاسي عُلماء الكلام بتأليف الكُتب في الردّ على المُلحدين الذين كانوا يُجادلون بما أخذوه عن اليونانيّين والسريان، والزرادشتية، فاضطرّ المسلمون إلى دراسة كتب الفلسفة؛ ليعرفوا عنها ما ينفعهم في ردودهم ومناظراتهم لأهل تلك الديانات، التي كانت تُحاول وضع الشكوك في الأُصول الإسلامية، وازدادت ترجمة الكتب شيئاً فشيئاً، كما اتسع الجدال والنزاع

____________________

(١) انظر فجر الإسلام لأحمد أمين ص ٢٨٥.

٢٠

بين المسلمين وغيرهم وبين المسلمين أنفسهم، وفي عصر المأمون أنشأ داراً للتأليف والترجمة والمناظرة سمّاها (دار الحكمة) (1) .

وعلى كلّ حال فلقد استفاد المسلمون وغيرهم من النظام الإسلامي الذي يسمَح لغير المسلمين بالإقامة معهم في بلدٍ واحد إذا خضعوا لنظام الحُكم الإسلامي، وكان السرْيان من أهمّ العوامل التي ساعدت المسلمين على التعرّف على الفلسفة اليونانية، بعد أنْ نقلها السرْيان إلى لُغتهم، وانتشرت بواسطتهم في سوريا والعراق، وأنشأوا فيهما مدارس لنشرها وتدريسها، ولمّا فتح المسلمون هذه البلاد كانت تلك المدارس قائمةً بها والفلسفة اليونانية منتشرة فيها، فوجد المسلمون ضرورةً ملحّة لتعلّمها، ولم يكن لديهم مِن سبيل إلاّ استخدام السريان لهذه الغاية، فعلّموها أبناء المسلمين بعد أنْ أفتاهم يعقوب الرهاوي بجواز ذلك.

ثمّ نقلوها من السريانية واليونانية إلى العربية، والذي أخذه المسلمون العرَب من السريان هو الفلسفة اليونانية التي امتزجت بشروح الكتّاب المتأخّرين من رجال الأفلاطونية الحديثة، وهذا النوع من الفلسفة كان مزيجاً من الفلسفة والدين، وأوّل مَن مزج الفلسفة اليونانية بالدين هو (فيلوت) اليهودي، الذي وجِد في أواخر القرن الأوّل قبل الميلاد، وقد رأى هو وجماعة من الفلاسفة اليونانيّين بعد أنْ اختلطوا بعلماء الدين اليهود، أنْ يوفّقوا بين معتقداتهم الفلسفية والقضايا الدينية، وكان من نتيجة ذلك أنْ خرَج بشرحٍ كبير عن الإله والعالَم وعلاقة الله سُبحانه بهذا العالم، وعن الملائكة والجنّ وغير ذلك، وقد شرَح هذه المواضيع شروحاً فلسفية وفّق فيها بين الدين والعلم (2) .

وخلاصة البحث أنّ اختلاط المسلمين بغيرهم من أصحاب الديانات الذين لم يدخلوا في الدين الإسلامي، هذا الاختلاط قد نتج منه إثارة الشكوك حول العقائد الإسلامية وانتشار الإلحاد في البلاد الإسلامية، ممّا اضطرّ المسلمين إلى دراسة الفلسفة اليونانية بواسطة السريان من المسيحيّين المنتشرين في العراق وسوريا، تلك الفلسفة التي كانت مزيجاً من المعتقدات الفلسفية والقضايا الدينية التي تبحث عن الإله والعالم، وعلاقته بمخلوقاته وغير ذلك من المواضيع الدينية الأُخرى، فكان ذلك عاملاً قويّاً لانتشار

____________________

(1) انظر الفِرق الإسلامية لعلي الفارابي ص 136.

(2) المصدر نفسه ص 138 و139.

٢١

الإلحاد والتشكيك في بعض المواضيع الإسلامية التي لم يَعرِف المسلمون خلافاً بها قبل هذا التاريخ، وفي وسط هذا الجوّ المزدحم بالآراء والأفكار الغريبة عن الإسلام والمسلمين، انتشر عِلم الكلام انتشاراً واسعاً بين العلماء لحماية العقيدة الإسلامية من غزو أعداء الإسلام، الذين حاولوا تشكيك المسلمين بأُصوله ومبادئه، ولكنّ المتكلّمين من المسلمين الذين أرادوا حماية العقيدة الإسلامية - على حدّ زعمهم وزعم الكتّاب المتأخّرين (1) - قد تأثّروا بغيرهم وشذّوا في تفكيرهم وآرائهم عن منهج القرآن والرسول؛ ونتَج عن ذلك تعدّد الفِرَق واختلاف الآراء اختلافاً باعَد بينهم إلى أبعد الحدود، وفرّقَهم شِيَعاً وأحزاباً لا يتعارفون.

وفي ذلك الجوّ العلمي المزدحم بالآراء والأفكار المتضاربة، وقف أئمّة الشيعة وتلامذتهم موقفهم الذي اعتادوا أنْ يقِفوه في وجه أعداء الدين، يُناظرون المُشكّكين ويَدحضون آراء الملاحدة والزنادقة، كما ناظروا الفِرَق الإسلاميّة الذين تخطّوا في آرائهم وتفكيرهم النهج الإسلامي الصحيح، والأُصول التي وضعها القرآن والرسول (صلّى الله عليه وآله)، وسنعرض في الفصول الآتية آراء الفِرَق الإسلامية في العقائد ومدى تأثّرها بالفكر الأجنبي والفلسفة اليونانية التي انتشرت بينهم في تلك الفترة من تاريخهم، ومع أنّ الإمامية قد نبغ منهم الكثيرون في عِلم الكلام، وكانوا في طليعة من أخذ من السريان الفلسفة الأفلاطونية الحديثة كما ذكرنا، وعاشوا في وسط ذلك المعترك العلمي، مع ذلك كلّه فلم يتخطّوا في آرائهم في الأُصول وبقيّة المعتقدات الإسلامية، منهج القرآن وتعاليم الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وسيجد القارئ في الفصول الآتية ما يؤكّد هذه الحقيقة..

____________________

(1) المصدر السابق ص 138 و139.

٢٢

الفَصل الأول: الفِرَق الإسلامية الأُولى

وأسباب حدوثها وتاريخ التشيّع ومعناه

ولا بدّ لنا بعد هذا التمهيد - وقبل الدخول في موضوع الكتاب - من عرضٍ لتاريخ بعض الفِرق الإسلامية، التي حدَثت في عهدٍ مبكّر من تاريخ الإسلام، ذلك العهد الذي انقسم المسلمون فيه إلى شيعة وغيرهم، ومِن هاتين الفرقتين تشعّبت الفِرَق الإسلامية التي أنهاها بعضهم إلى ثلاثٍ وسبعين فرقة، وقد روى المحدّثون عن الرسول (صلّى الله عليه وآله) حديثاً يؤيّد هذا الإحصاء جاء فيه: (ستفترق أُمتي من بعدي إلى ثلاث وسبعين فرقة كما افترقت أُمّة موسى وعيسى (عليهما السلام) (1) وكما ذكرنا أنّ الانقسام الأُوّل

____________________

(1) إنّ الذين وضعوا هذا الحديث، وضعوه ليثبتوا أنّ تلك الفِرَق لم تخرج عن الإسلام على ما بينها مِن تباعد وتضارب في الآراء والمعتقدات، في حين أنّ أكثر تلك الفِرَق قد خرجت عن الإسلام في كثير من آرائها ومعتقداتها، كالقرامطة والإسماعيلية السبعية والغُلاة وغيرهم، كما يبدو ذلك ممّا سنعرضه من آراء تلك الفِرَق في الفصول الآتية من هذا الكتاب.

٢٣

بين المسلمين كان مصدراً للانقسامات التي تلَت في العصور المتأخّرة، وإلى هذين الفريقين ترجع سائر الفِرق والمذاهب الإسلامية السياسية وغيرها، وسنتحدّث عن بعض هذه الفرق تمهيداً لموضوع الكتاب، ولعلاقة بعضها بالتشيّع.

ويدّعي أكثر الكتاب من السنّة والمستشرقين: أنّ تاريخ التشيّع يرجع إلى عهد متأخّر عن وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وهم بين قائلٍ برجوعه إلى العصر الأموي الأوّل، وأنّه كان نتيجةً للاضطهاد والتنكيل الذي لحِق أنصار عليّ وبَنيه (عليهم السلام) من الأمويّين، وبين قائلٍ برجوعه إلى العصر الذي بدأ المسلمون فيه يُحاسبون عثمان وأنصاره على تصرّفاتهم وسوء إدارتهم، وقد أسرف جماعة إسرافاً حاقداً على الشيعة فأرجعوه إلى عناصر أجنبية كانت تعمل في الخفاء لتحطيم الإسلام عن هذا الطريق.

وجاء في كتاب النظُم الإسلامية للمستشرق الفرنسي (غودفروا) : أنّ الحزبين الكبيرين الخوارج والشيعة تكوّنا بعد الانشقاق الذي حصَل بعد معركة صِفّين لأسبابٍ سياسية.

وقال جماعة منهم: أنّ عبد الله بن سبَأ لعِب دوراً بارزاً في تكوين فكرة التشيّع، وسنتعرّض لإبطال هذه المزاعم في المحلّ المناسب، ولقد ذكرنا أنّ انقسام المسلمين إلى فرقتين كان في الأيّام الأُولى بعد وفاة الرسول فرقة تمسّكت بحقِّ عليّ في الخلافة، وأُخرى أسرعت إلى اختيار خلف للرسول يتولّى إدارة شؤون المسلمين، وتمّ الاختيار لأبي بكر خليفة للرسول (صلى الله عليه وآله) من بعده، والواقع أنْ التشيع بما هو فِرقة في مقابل جماعة المسلمين لم يكن قبل وفاة الرسول، ولكن المبدأ الذي يرتكز عليه التشيع، وهو نصّ النبيّ على استخلاف عليّ (عليه السلام) من بعده، كان بعد ولادة الإسلام وقبل أنْ يهاجر الرسول من مكّة إلى المدينة بأكثر من ثمانية أعوام تقريباً، وذلك حينما أُوحي إليه: ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) .

وجاء في جملة مِن الروايات أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) جمَع عشيرته والأقربين مِن آله بعد أنْ هيّأ لهم طعاماً، ثمّ دعاهم لمؤازرته والإيمان بدعوته المباركة، وكانوا نحواً من ثلاثين رجلاً، وكان في جملة ما قاله لهم: (أيّكم يؤازرني على هذا الأمر وهو وارثي ووصيّي، يقضي دَيني ويُنجز عِداتي، وخليفتي فيكم من بعدي)، فكرّرها فيهم ثلاثاً أو أربعاً فلم يتقدّم منهم احد غير عليّ (عليه السلام)، كما أورَد ذلك أحمد بن حنبل في مسنده، والثعالبي في تفسيره، وأضاف الثعالبي أنّ النبيّ كرّرها ثلاث مرّات وفي كلّ مرّة يسكت القوم إلاّ عليّاً (عليه السلام)، ولمّا يئس النبيّ من جوابهم قال النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لعليّ: (أنت أخي ووصيّي ووارثي وخليفتي من

٢٤

بعدي) (1) فكان هذا الموقف البذرة الأُولى للتشيّع، وما زال النبيّ (صلّى الله عليه وآله) طوال حياته يتعاهد تلك البذرة، ويُغذّيها بأقواله وأفعاله حتى نمَت وتركّزت في نفوس جماعة من المسلمين عُرفوا بالتشيّع لعليّ وموالاته حتى في حياة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وفي السنة الأخيرة من حياته بعد رجوعه من مكّة المكرّمة، وقبل أنْ يتفرّق عنه المسلمون في محلٍّ يُدعى بالغدير لم يجد الرسول بُدّاً من التنصيص عليه بوصفه واسمه، بعد أنْ نزلت عليه الآية الكريمة: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) .

فاستوقف النبيّ (صلّى الله عليه وآله) تلك الحشود، التي تمثّل مختلف البلاد والطبَقات وتقدر بمِئة ألف أو تزيد وصنع له أصحابه منبراً، ثمّ استدعى عليّاً (عليه السلام) إليه وقبض على ذراعه ونصّ عليه بتلك الصيغة المروية في كتب الحديث بمختلف الأسانيد، وفي جملةٍ منها أنّه بعد أنْ اعترفوا له بأنّه أَولى بالمؤمنين من أنفسهم، قال: (مَن كنت مولاه فعليٌّ مولاه)، فجعل له الولاية التي جعلها له الله والتي اعترف له بها المسلمون، هذا بالإضافة إلى الروايات الكثيرة التي رواها الثقات من السنّة والشيعة، وكلّها تؤكّد المعنى الذي فهمه الشيعة من حديث الغدير المتواتر، على أنّ الحديث المذكور لو تنزّلنا وقلنا: بأنّه لم يشتمل على ذكر الاستخلاف، إلاّ أنّ الملابسات التي أحاطت به والاستدراج الذي اشتمل عليه، واهتمام الرسول بعليّ وحده دون أهل بيته، كلّ ذلك ممّا يؤكّد المعنى الذي فهمه الشيعة من نصوص الحديث.

وفي بعض النصوص التاريخية أنّ المسلمين، بعد أنْ استمعوا لهذا البيان، لم يرتابوا في أنّه قد نصَّ على استخلافه بتلك الصيغة التي تؤدّي معنى أوسع ممّا تؤدّيه الكلمات المتعارفة في مثل المقام؛ ونتيجة لتلك النصوص التي تكرّرت منه (صلّى الله عليه وآله) في جملة من المناسبات، وذلك البيان العام الذي ألقاه في الغدير وتلك الحظوة التي كانت له عند الرسول، نتيجة لذلك كلّه، كان الرأي العام الإسلامي بعد وفاة الرسول متّجهاً نحو عليّ (عليه السلام) ولم يكن التسابق الذي حصل بين المهاجرين والأنصار

____________________

(1) انظر كشف الحق ونهج الصدق للعلاّمة الحلّي ص 101، وتاريخ الطبري وتاريخ أبي الفداء وكتابنا سيرة المصطفى وتاريخ اليعقوبي وأنساب الأشراف وغيرها من مجاميع الحديث والتاريخ.

٢٥

عليها بمجّرد أنْ أعلن نبأ وفاته، إلاّ لسدّ الباب في وجه الأكثرية التي لا تعدِل بعليّ (عليه السلام) أحداً من الناس؛ ولذا أُصيب الجمهور بما يشبه الدهشة لهذا التسابق والتزاحم بين الأنصار من جهة، وبين بعض المهاجرين من جهة أُخرى، والنبيّ لا يزال بين أهله مسجّى على فراش الموت، وعليّ وبنو هاشم وجماعة من إجلاّء الصحابة منصرفون عن دنيا الناس إلى تجهيزه لمقرّه الأخير، وقد تمّت البيعة لأبي بكر بتلك السرعة الخاطفة بدون تمهيد علَني مُسبَق كما يدّعي جماعة من المؤرّخين، ولكنّ الذي انتهت إليه بعد الدراسة أنّها كانت نتيجةً لمؤامرةٍ سابقة على وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله) (1)، وبدون مشورةٍ لأحدٍ من كبار الصحابة الذين لا يجوز تجاهلهم في أبسط الأُمور، فضلاً عن مثل هذا الأمر الذي يجب أنْ تتوفّر في الشخص المختار له أفضل الصفات وأكمل المواهب؛ لأنّه يمثّل الرسول ويحمي القرآن وينفّذ الأحكام كما أنزلها الله في كتابه وعلى نبيّه، ويرعى مصالح الأُمّة بكلّ إخلاصٍ وتجرّد.

بهذا الأُسلوب المرتجل الذي لم يكن نتيجةً لتمحيص الآراء، ولا لاستفتاء شعبي اشتركت فيه جميع الفئات والطبقات تمّت بيعة أبي بكر بعد وفاة الرسول، ولو فرض أنّ الرسول ترك اختيار الخليفة من بعده إلى المسلمين كما يدعون، لقد كان من اللازم التريّث بينما ينتهون من مواراة الرسول في قبره واختيار رأي الأكثرية من المسلمين، ولكنّهم أرادوا استغلال موقف عليّ وبني هاشم المفجوعين؛ مخافة أنْ تفوت من أيديهم عندما ينتهي عليّ (عليه السلام) ومَن معه من بني هاشم وثقات الصحابة، الذين ألْهَتهم تلك الفاجعة عن كلّ شيء.

ونظراً لأنّها لم تقم على أُسس ديمقراطية صحيحة، ولم تكن مستوحاة من المصلحة العُليا التي لابدّ من مراعاتها في الحاكم الجديد؛ نظراً لذلك قال عمر بن الخطّاب عنها بعد أنْ انتهت إليه الخلافة: (كانت بيعة أبي بكر فلْتة وقى الله المسلمين شرّها)، ومع أنّها كانت بهذا الشكل المفاجئ فقد رافقتها موجة من الإرهاب والتضليل، كان لهما أثرهما البالغ على الجماهير، فبينا عمر بن الخطّاب يقف في جموع المحتشدين ينادي إنّ محمّداً لم يمُت، وسيرجع كما رجَع موسى إلى قومه بعد أنْ غاب عنهم أربعين يوماً، وسيقطع أيدي قوم وأرجلهم نراه بعد ساعة هو وجماعة يسوقون الناس بالقوّة إلى سقيفة بني ساعدة لإتمام البيعة لأبي بكر،

____________________

(1) انظر كتابنا سيرة المصطفى ج 2.

٢٦

وفي ذلك يقول الأُستاذ عليّ عبد الرزّاق، في كتابه الخلافة وأُصول الحكم: (وإذا رأيت كيف تمّت البيعة لأبي بكر تبيّن لك أنّها كانت بيعة سياسية ملكيّة، عليها كلّ طوابع الدولة الجديدة المُحدثة، وأنّها قامت كما تقوم الحكومات الجديدة على أساس القوّة والسيف) (1) ، ومهما كان الحال فقد تسارع إلى بيعة أبي بكر جماعة، وتخلّف عنها عدد كبير من المسلمين بينهم بنو هاشم وجماعة من أعيان الصحابة، منهم سلمان الفارسي وعمّار بن ياسر، والزبير بن العوّام، وخزيمة بن ثابت وحذيفة بن اليمان وغيرهم، فقد آثروا التريّث بينما ينجلي موقف عليّ (عليه السلام) صاحب الحقّ الشرعي من هذه المفاجأة التي لم تكن بالحُسبان، وحينما انتهى من تجهيز النبيّ (صلّى الله عليه وآله) إلى مقرّة الأخير لم يستسلم لسطوة الحاكم الجديد، ولم ترهبه الجماهير المحتشدة به، فوقَف يناضل ويدافع عن حقّه السليب، بالرغم ممّا تركته الأحزان في نفسه من الآثار العميقة التي تحمّل مرارتها هو وزوجته السيّدة فاطمة (عليها السلام).

ووقف إلى جانبه جماعة من أعيان الصحابة، ولكنّه بعد أنْ رأى أنّ المضي في موقفه السلبي قد يؤدّي إلى نتائج يجني ثمارها أعداء الإسلام، ولا سيّما والردّة بعد وفاة الرسول وبعد المفاجأة التي أدّت إلى تعيين أبي بكر خليفة للرسول (صلّى الله عليه وآله) قد اتسعت بين عرب البادية، واجتاحت تباشيرها المدن والقرى، وأوشكت أنْ تستعصي بضراوتها على المسلمين، ووجَد جماعة من الأعراب ومِن سكان المدن الذين خضعوا لسلطان الإسلام خوفاً من سطواته، منفَساً لهم باتّساع حركة الردّة بين بعض القبائل العربية من سكان البادية.

بعد أنْ وجد جميع ذلك ورأى أنّ موقفه السلبي من بيعة أبي بكر ربّما يؤدّي إلى نزاع مسلّح يستغلّه المرتدّون والمنافقون، الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر والنفاق، بعد أنْ وضع في حسابه جميع هذه التطوّرات التي قد تحدث، آثر عند ذلك أنْ يكون مع جماعة المسلمين يداً واحدة حرصاً على المصلحة العليا، مصلحة الإسلام، ومضى هو وأتباعه إلى مقرّ الحكومة الجديد، مسجد النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وأعلن للمسلمين بأنّه منذ نشأته وهو جندي مخلص في خدمة الإسلام، ولا يزال مخلصاً وفيّاً مضحّياً في سبيل الإسلام ومبادئه؛ وبذلك يكون قد ضرَب المثل الأعلى في التضحية والوفاء للمبدأ، الذي ناضل من أجله أكثر من عشرين عاماً، ومع أنّ المصلحة العُليا قد فرضت عليه مسايرة الأوضاع الحاضرة والتغاضي عن حقّه

____________________

(1) انظر معالم الفلسفة للشيخ محمّد جواد مغنية ص 200.

٢٧

السليب، فقد بقيَ طوال حياته هو والصحابة المؤمنون بحقّه يثيرون في الأذهان نصوص الرسول على الخلافة من بعده، وتناقلها المحدّثون جيلاً بعد جيل، وأثبتها السنّة والشيعة في كتبهم منذ عصر التدوين الأوّل، ولا يزال علماء الشيعة والمحدّثون منهم يجادلون عن عقيدتهم في الإمامة بتلك المرويّات المتواترة، وجاء في غاية المرام للسيّد هاشم البحراني: (إنّ حديث الغدير قد رواه أهل السنّة بمِئة وثمانين طريقاً)، وهكذا غيره من النصوص التي تمسّك بها الشيعة على إمامة عليّ واستخلافه، وألّف الشيعة مئات الكتب في الإمامة استعرضوا فيها النصوص من الكتاب والسنّة وأوضحوها على واقعها، وأبطلوا جميع الافتراءات التي وضعها الوضّاعون حول الإمامة ونصوصها، وألّف أحد أعلام الشيعة المعاصرين كتاباً أسماه الغدير خرَج منه إلى هذا التاريخ اثنا عشَر مجلّداً ضخماً حول الإمامة ونصوصها، ولا يزال المؤلّف يُتابع الكتابة في هذا الموضوع (1) .

ومهما كان الحال فالتشيّع بمعناه المعروف عند الفقهاء والمتكلّمين والمحدّثين، والذي تتميز به هذه الفِرقة عن فِرق المسلمين، وُلد في حياة الرسول نتيجة لتلك النصوص التي أوردها المحدّثون في كتبهم، وثبت عليه جماعة في الفترة الأولى من تاريخ وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله).

ولولا مراعاة عليّ (عليه السلام) للأوضاع والظروف التي أحاطت الإسلام في تلك الفترة من تاريخه؛ لحدثت تطوّرات في تاريخ الإسلام لا نستطيع أنْ نقدّر مدى أثرها السيّئ على جهود الرسول والوصيّ والمخلصين من الصحابة الكرام، ولكنّه أدرك جميع ذلك، وأحصى ما سيجرّه تصلّبه في موقفه من الغنائم على المرتدّين والمنافقين الذين اضمروا للإسلام الخراب والدمار، ومع أنّ الأحداث الطارئة فرضت عليه أنْ يتساهل ويتسامح، ولكن فكرة استخلافه لم تنته عند هذا الحد، وما كان هذا التسامح ليحدّ من نشاطها، بل أخذت طريقها في النفوس والقلوب، وتضاعف عدد المتشيّعين له على مرور الأيّام، ورجع الكثير من المسلمين إلى الماضي القريب واحتشدت في أذهانهم صور عن مواقف النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، تلك المواقف التي كان يصرّح فيها باستخلاف عليّ من بعده تارة، ويلمح فيها أخرى فالتفّوا حول عليّ (عليه السلام) وأصبحوا من الدعاة الأوفياء له في جميع المراحل التي مرّ بها، وما زال التشيع ينمو وينتشر

____________________

(1) هو الشيخ عبد الحسين الأميني.

٢٨

بين المسلمين في الأقطار المختلفة يدخلها مع الإسلام جنباً إلى جنب، واستحكم أمره في السنين التي استولى فيها على الحكم، فشاعت بين المسلمين أحاديث استخلافه، ووجد الناس من سيرته وزهده وحكمته ما أكد لهم صحّة تلك المرويّات، وأنّه هو المختار لقيادة الأُمّة وحماية القرآن ونشر تعاليمه ومبادئه.

والذي أردناه من هذا العرض الموجز لتاريخ التشيّع، أنّ التشيّع في الإسلام كان جزءاً من الدعوة التي دعا إليها القرآن وبلّغه الرسول إلى الأُمّة في جملة ما بلّغه من تشريعات وأنظمة، وهو بمفهومه الشائع بين المسلمين في هذا العصر وقبله كانت بذرته الأُولى في عصر الرسول وبعد وفاته، والذين تابعوه منذ اللحظة الأُولى عند صدور البلاغ الأول من الرسول (صلّى الله عليه وآله) كانوا يؤمنون بأنّه منصوص عليه من الله وحده، ولم يكن الرسول إلاّ مبلّغاً عن ربّه هذا الأمر كغيره من التكاليف والتشريعات.

أمّا ما ذهب إليه أكثر الكتّاب العرب والمستشرقين من أنّ التشيّع حدَث بعد مقتل عثمان، كما يذهب إلى ذلك الشيخ محمّد أبو زهرة (1) أو بعد واقعة صِفّين كما يدّعي آخرون (2)، كما ذهبت فئة منهم إلى أنّه حدَث بعد انتشار الموالي الذين دخلوا الإسلام من الفُرس وغيرهم، وفئة أُخرى تدّعي أنّ القول بالوصاية أوّل مَن أحدثه عبد الله بن سبأ اليهودي (3) إلى غير ذلك من الآراء الشاذّة التي تردّدت على السنّة الكتاب العرب والأجانب، كلّها لا تمتّ إلى الواقع بأيّ صلة وتنفيها النصوص الإسلامية، وكتب التاريخ، ولابدّ لنا من وقفة مع الأُستاذ (البير نصر) أُستاذ الفلسفة الإسلامية في الجامعة اللبنانية، قال في كتابه أهمّ الفِرَق الإسلامية حول عقيدة الشيعة في الخلافة: (إنّ هذه الفكرة التي تجعل من الإمامة حقّاً إلهيّاً ليست من خصائص التفكير البدوي، حتى ولا من خصائص عرب

____________________

(1) انظر المذاهب الإسلامية ص 48 وقد جاء فيها: لقد انتهى عصر الخليفة الثالث بوجود الشيعة والخوارج، وفي الصفحة نفسها بعد أنْ استعرض الإحداث التي أطاحت بعرش عثمان، قال: (وفي ظِل هذه الفتن نبت المذهب الشيعي).

(2) ومن هؤلاء غودفروا المستشرق الفرنسي.

(3) ومن هؤلاء أحمد أمين في كتابه فجر الإسلام ص 269، ومنهم الدكتور البير نصر نادر أُستاذ الفلسفة الإسلامية في الجامعة اللبنانية.

٢٩

الجزيرة، حيث تسود بينهم روح المساواة. إنّ هذه الفكرة دخلت عليهم من جهة الفُرس الذين كانوا ينظرون إلى ملوكهم بعين الاحترام الزائد، ويعتبرونهم أسمى من باقي البشر؛ وهذا ما يعلّل لنا لماذا تستعمل اللغة الفارسية في الأوساط الشيعية في العراق، لا سيّما الأوساط العلمية مثل النجف وكربلاء والكاظمية).

لقد تابع الدكتور غيره من المستشرقين في هذه النظرية، ولم يعتمد على النصوص الإسلامية ولا على الوقائع التي رافقت تاريخ المسلمين قبل الفتح العربي لبلاد الفُرس، ولو رجع إلى ذلك لوجد أنّ فكرة الوصاية قد رافقت تاريخ الإسلام، وقد آمن بها جماعة من المسلمين من نصوص الرسول التي كان يتلوها على المسلمين بين حين وآخر، ولأجل تلك النصوص وقَف جماعة من المسلمين إلى جانبه بعد وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وذلك قبل اتّصال الفُرس بالعرب بعشرين عاماً تقريباً، وقبل إسلام ابن سبأ الذي يَنسب الكتاب إليه أنّه لعب دوراً هامّاً في هذه الناحية، وكان من أعظم العناصر الأجنبية عناء في ذلك.

ومِن المؤسف أنْ يكتب الدكتور أُستاذ الفلسفة عن الشيعة ما يُبرّئهم منه الواقع والتاريخ وتُدرّس آراؤه وكتبه في الجامعات اللبنانية، مع أنّه يعيش معهم في بلدٍ واحد، ذلك البلد الذي يعيش فيه الشيعة مع غيرهم من الطوائف الأخرى، ويشكلّون أكثر من ثلُث سكّانه، ومن السهل عليه أنْ يتّصل بعلماء الشيعة وكتبهم المنتشرة في أكثر المكاتب وعلى الأخص فيما يرجع لهذه المواضيع، ولو فعل ذلك لسلِم من هذه الأخطاء، ولكنّه شاء أنْ يكون مقلّداً لغيره فأرسل أحكامه بدون تمحيص وتحقيق، وجعل من آثار هذه الحقيقة على حدّ زعمه انتشار اللغة الفارسية في بلاد الشيعة من العراق، ولا سيّما الأوساط العلمية كالنجف وكربلاء والكاظمية، وظنّ أنّه قد اهتدى إلى حقيقة ضاعَت على غيره من الباحثين، مع أنّه لا يزال بعيداً عن الواقع في تعليل هذه الظاهرة التي يدّعيها في الأوساط الشيعية؛ لأنّ بلاد العراق أكثر سكّانها من العرَب، والعربية هي اللغة الشائعة في أكثر المدن والقرى وفي جميع الأوساط العلمية وغيرها، وأكثر المواطنين لا يحسنون غيرها، أمّا المدن الثلاث النجف وكربلاء والكاظمية، هذه المدن يهاجر إليها الشيعة من مختلف البلاد للدراسة والزيارة على اختلاف أصنافهم، وهؤلاء في شؤونهم الخاصّة يتكلّمون بلغاتهم المختلفة، أمّا لغة الدرس وكتب الدراسة وغير ذلك من الشؤون العامّة فهي اللغة

٣٠

العربية، ولا أثَر لغيرها في جميع الشؤون، ولكنّ الدكتور بعد أنْ عزا فكرة التشيّع إلى الفُرس وتخطّى التاريخ الإسلامي الصحيح الذي ينصّ على أنّ التشيّع نشأ في بلاد العرب، ومِن العرب أنفسهم، قبل أنْ يعرف العرب الفُرس بأكثر من عشرين عاماً، بعد هذه النسبة جعل من آثارها انتشار اللغة الفارسية بين شيعة العراق وعلى الأخص الأوساط العلمية، فأضاف إلى خطئه الأوّل خطيئة أُخرى لا مبرّر لها، وقد اشتمل كتابه (نصوص ودروس في أهم الفِرق الإسلامية) على بعض الآراء السطحية والأخطاء التاريخية، وربّما نتعرّض لبيانها حسب المناسبات في الفصول الآتية.

ومهما كان الحال لقد كانت مشكلة الخلافة الإسلامية أُولى المشاكل التي اصطدم بها الركْب الإسلامي، وعلى حسابها انقسم المسلمون إلى فئتين: فئةٌ وقفت إلى جانب عليّ (عليه السلام) معتمدة على النصوص التي وردت في القرآن والسنّة، والفئة الثانية رأت أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فارق الدنيا وترَك للمسلمين حقّ اختيار الحاكم الذي يرونه صالحاً لهم، وقد وقَفت هذه الفئة من النصوص موقفاً سلبيّاً في واقع الأمر، فأنكروا بعضها وتأوّلوا البعض الآخر حيث لم يتمكّنوا من إنكاره.

واختار المسلمون أبا بكر، وهو بدوره قد اختار لها عمر بن الخطّاب من بعده، وانتهت بعده لعثمان بن عفّان بعد أنْ رفَض عليّ العروض التي عرَضها عليه أحد الستّة (عبد الرحمان بن عوف)، وآثر العمل باجتهاده فيما لا نصّ عليه من كتابٍ أو سنّة، على انتهاج سيرة الشيخين أبي بكر وعمر والتقيّد بآرائهما.

لقد انتهت لعثمان بعد أنْ تقبّل العروض بلهْفة ورحابة صدر، مؤثراً سيرة الشيخين وكلّ ما يفرض عليه على رأيه واجتهاده في سبيل الوصول إلى الخلافة مهما كلّفه ذلك من ثمن، هاتان الفئتان هما مصدر الفِرق الإسلامية والنزاع القائم بين المسلمين طيلة هذه القرون المتوالية، وقد اتخذ بعد الفترة الأُولى من تاريخه طابعاً سياسياً أدّى إلى النزاع المسلّح أُريقت فيه دماء المسلمين، وتطوّر البحث بينهم في الخلافة وظهرت فيه أطوار من الجدَل مبنية على التسلسل المنطقي وعلم الكلام، الذي يمتّ بأوثَق الأسباب إلى الفلسفة وقواعدها، ومع أنّ الخلافات التي ظهرت في الإمامة لم تبقَ على بساطتها الأُولى، وتطوّرت بشكلٍ علمي لم تخرج بجوهرها عن النزاع الذي نشأ فيها منذ اليوم الأوّل لوفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وتعود في النهاية إلى أنّ الخلافة، هل يجب أنْ تكون بنصٍّ من الله يقوم الرسول

٣١

بتنفيذه؟ أم تكون باختيار الأُمّة؟ وهل يستمد الخليفة سلطته من الله سبحانه، أم يستمدّها من المؤمنين؟ إلى غير ذلك من النواحي التي برزت في أبحاثهم ومناظراتهم.

الفصلُ الثّاني: الخوارج

يعرض هذا الفصل الأسباب التي أدّت إلى حركة الخوارج والفِرَق التي تشعبت عنهم والأُمم، ومعتقداتهم والآثار التي أحدثتها ثورتهم على الحكّام الأمويّين والعبّاسيّين.

لقد ذكرنا في الفصل السابق أنّ انقسام المسلمين قد ظهر منذ وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله) في الخلافة الإسلامية، وأنّ الحزب المعارض لعليّ ومن معه من بني هاشم والمسلمين قد بايعوا أبا بكر خليفة لرسول الله، وبعد جدالٍ دام بضعة أشهر رأى عليّ (عليه السلام)، أنّ مصلحة الإسلام تقضي عليه بأنْ يكون مع المسلمين يداً واحدة؛ لدفع الأخطار التي أحدقت بالإسلام، فبايع هو ومَن معه مع الاحتفاظ بحقّه الشرعي، واستمرّ أمر المسلمين على هاتين الفرقتين لم يحدث بينهما نزاع مسلّح إلاّ في عهد عثمان (الخليفة الثالث) أدّى إلى

٣٢

الإطاحة بعرشه؛ لأنّه حابى أقاربه وبني أبيه وولّى على المسلمين سُفهاء قومه، مّما أوجب نقمة المسلمين عليه في المدينة وخارجها، واشتركت السيّدة عائشة وطلحة والزبير مع الوفود التي زحَفت إلى المدينة من مختلف البلاد الإسلامية لتشكو إليه ما تقاسيه الأُمّة من جور ولاته واستخفافهم بالمقدّسات الإسلامية وشعائر الدين، وخروجهم عن المخطّط الإسلامي الذي ألفوه واعتادوا عليه، من سيرة الرسول والخليفتين من بعده، ولم يكن لعليّ (عليه السلام) صلة بهذا النزاع ولا حاول أنْ يجني من ورائه أيّ مكسب، وتؤكّد النصوص التاريخية أنّه قد حاول التوفيق بين الثائرين وبين الخليفة أكثر من مرّة، ولكنّ حاشية الخليفة كانت تحول بينه وبين ذلك، بالإضافة إلى تحريض السيّدة عائشة وطلحة والزبير الثوّارَ على المضيِّ في الثورة إلى النهاية.

ولمّا انتهت الثورة بقتل عثمان واختيار عليّ (عليه السلام) من بعده أُصيبت السيّدة عائشة بصدمةٍ عاتية؛ لأنّها كانت تقدّر أنّ قريبها طلحة سيتولّى أُمور المسلمين بعد الخليفة الراحل، بالإضافة إلى ما كانت تكنّه لعليّ (عليه السلام) في نفسها مِن عداءٍ قديم، يرجع إلى عهد الرسول (صلّى الله عليه وآله) فعملت مع رفيقَيها طلحة والزبير والأمويّين الذين كانوا السبَب المباشر لكلّ ما حدَث على الثورة في وجه الحكومة الجديدة، وباشرت قيادة أنصارها إلى المعركة بنفسها، واستطاع معاوية أنْ يغري أهل الشام ويقودهم إلى النزاع المسلّح مع عليّ (عليه السلام)، بعد أنْ علِم أنّ عليّاً لا يقرّه بحال من الأحوال على عمله، ولا يمكن أنْ يستعين به في حكومته فأعلن عصيانه للخليفة الشرعي وخرَج عليه بمَن معه من أهل الشام، فكانت معركة صِفّين التي كادت أنْ تنتهي بالقضاء على معاوية وأتباعه لولا مكيدة ابن العاص التي سهّلت له الخروج من تلك الأزمة ويسّرت له أنْ يصبح ملكاً على المسلمين يتحكّم فيهم بما توحيه له شهَواته.

وانتهت المعركة باختيار حكَمَين أحدهما يُمثّل أهل الشام والآخر يمثّل الجهة الثانية التي يقودها عليّ (عليه السلام)، ونتَجَ من هذا التحكيم الذي فرضه أهل العراق على عليّ فشَل المؤتمرين، وخروج جماعة من جيشه عن طاعته ناقمين على التحكيم الذي فرضوه عليه بالأمس القريب، ووصفوه بالكفر؛ لأنّه حكّم الرجال في دين الله على حدِّ زعمهم، وقد ظهرت بوادر هذه الفرقة في صفّين بعد الاتّفاق على التحكيم، فقد خرَج من صفوف أصحاب عليّ (عليه السلام) رجلٌ يدعى يزيد بن عاصم المحاربي، فحمل على أصحاب عليّ وقتل رجلاً، كما حمَل على أصحاب معاوية وقتل منهم أيضاً وتبرّأ من الفريقين واستقرّت فكرة

٣٣

الخروج في أذهان جماعة من أهل الكوفة، ولم يتمكّنوا من تنفيذها إلاّ بعد رجوعهم من صفّين، وبعد الفشل الذي انتهى إليه المؤتمرون، وبلغ عدد الذين انفصلوا عن جيش عليّ (عليه السلام) اثني عشر ألف جندي ممّن كانوا معه في صفّين، والتجأوا إلى قرية في قرب الكوفة تسمّى حروراء فغلَب عليهم اسم (الحرورية) ، وتولّى قيادتهم عبد الله بن الكوّاء وشبث بن ربعي، وبعد أنْ جرت بينهم وبين عليّ مناظرات كثيرة حول التحكيم، وموقف الحكَمين رجَع ابن الكوّاء عن فكرته والتحق بالكوفة مع ألف رجل منهم، واستمرّ الباقون على فكرتهم الأُولى، وقد تداولوا الرأي حول المكان الذي يتّخذونه مقرّاً لهم فاقترح بعضهم المدائن، وآخرون اختاروا البصرة مقرّاً لثورتهم، وأخيراً اتفقوا على النهروان.

ويرى الدينوري أنّهم كانوا أربعة آلاف فارس بقيادة عبد الله بن وهَب الراسبي (1) بينما يرى الاسفرائيني أنّهم كانوا ضعفَي هذا العدد (2)، وفي طريقهم إلى النهروان التقوا بالصحابي الجليل عبد الله بن خباب بن الأرت ومعه زوجته، فقالوا له: حدّثنا حديثاً سمعته من رسول الله، فقال: حدّثني أبي أنّ رسول الله قال: (ستكون بعدي فتنة، القاعد فيها خيرٌ من القائم، والواقف فيها خيرٌ من السائر، والماشي خيرٌ مِن العادي، ومَن أمكنه أنْ يكون مقتولاً فيها خيرٌ له من أنْ يكون قاتلاً) .

ثمّ قالوا له: ما تقول في أبي بكر وعمر، فأثنى عليهما خيراً كما أثنى على عثمان في السنين الستّة من خلافته، ولمّا سألوه عن التحكيم أجاب: أنّ عليّاً أعلم بكتاب الله منكم وأشدّ توقّياً على دينه وأنفذ بصيرة، فقالوا له: إنّك تتبع الرجال على أسمائهم وجرّوه على شاطئ النهر، فاستجار بكتاب الله وكان معلّقاً برقبته، فقالوا: إنّ الذي تستجير به يأمرنا بقتلك فذبحوه، ثمّ جاؤوا إلى زوجته فبقروا بطنها واستخرجوا منها حملها، وبعد قتله ساوموا نصرانياً على نخلةٍ ليأكلوا ثمرَها فبذلها لهم بدون ثمَن، فرفضوا أنْ يأخذوها إلاّ بثمنها، فقال لهم: ما أعجب ما أرى منكم! تقتلون مثل عبد الله بن خباب ولا تقبلون منّا نخلة إلاّ بثمنها (3)؟ !

ولمّا بلغ عليّاً عدوانهم على الآمنين وفسادهم في الأرض توجّه إليهم في

____________________

(1) انظر الأخبار الطوال للدينوري ص 223.

(2) انظر التبصير في الدين ص 28.

(3) الكامل للمبرد ج 2 ص 143.

٣٤

أربعة آلاف محارب من جيشه، وقبل أنْ يقاتلهم سألَهم عن أسباب خروجهم فأجابوه: لقد قاتلنا معك في البصرة طلحة والزبير وعائشة، فأبحت لنا أموالهم ولم تبِح نساءهم وذراريهم، فقال: (لقد أبحتُ لكم من أموالهم ما كان في المعركة من سلاحٍ ودواب، عِوَضاً عمّا أخذوه من بيت مال المسلمين في البصرة، أمّا نساؤهم وذراريهم فلا ذنبَ لهم لأعاقبهم عليه، ولم يخرجوا مِن حكم المسلمين في ثورتهم لكي نعاملهم معاملة الكفّار والمشركين، ولو أبحت لكم النساء فمَن منكم يأخذ عائشة في سهمه؟)، وأخيراً وبعد أنّ سدّ عليهم جميع الأبواب التي كانوا يرونها مبرّرة لثورتهم قالوا: لم محوت الإمارة عن نفسك في كتاب الصلح بينك وبين معاوية؟ فقال (عليه السلام): (لقد اقتديت برسول الله (صلّى الله عليه وآله) حيث محا الرسالة عن نفسه حين كتَب كتاب الصلح بينه وبين سهيل بن عمرو، وقد أنكر عليه سهيل يومذاك أنْ يضيف لنفسه صفة الرسالة، وقال له: لو كنّا نعلم أنّك رسول الله لما خالفناك، فقال لي رسول الله: امحها فمحوتها وكتبت: هذا ما صالح عليه محمّد بن عبد الله وسهيل بن عمرو، وقد قال لي يوم: إنّك ستبتلى بمثلها).

فرجع منهم إلى طاعته جماعة، وبقيَ منهم أربعة آلاف رجل، وقبل أنْ يقاتلهم استنطقهم عن جريمتهم مع العبد الصالح عبد الله بن خباب وزوجته فأجابوه بلسان واحد: كلّنا قتلناه ولو ظفرنا بك لقتلناك أيضاً، فتوجّه إلى أصحابه وأخبرهم عن مصير هذه الفئة الباغية وعن عدد القتلى منهم، ثمّ حمل عليهم هو ومَن معه فلَم يَسلَم منهم سوى تسعة لاذوا بالفرار من المعركة، وتفرّقوا في البلدان، فذهب منهم اثنان إلى سجستان، واثنان إلى اليمَن، والباقون تفرّقوا بين عمان الأنبار والجزيرة، وواصلوا الدعوة إلى مبدئهم في هذه الأقطار فالتفّ حولهم جماعة كثيرون، ولا تزال بقاياهم إلى اليوم في هذه الأقطار كما جاء في رواية الإسفرايني (1) واستعادوا نشاطهم في عهد الأمويّين فكانت لهم جولات واسعة ومواقف ضارية، أقلقت الحكّام الأمويّين وشغلت جانباً كبيراً من عنايتهم وتفكيرهم.

ويؤكّد بعض الكتّاب أنّ عليّاً (عليه السلام) لم يستأصل جماعة الخوارج في معركة النهروان وغيرها، وأنّ جماعة منهم ممّن لم يشتركوا في معركة

____________________

(1) انظر التبصير في الدين الفصل الذي تحدّث به عن الخوارج.

٣٥

النهروان قد انتشروا في الكوفة وخارجها؛ لترويج فكرتهم وتحريض الناس ضدّ حكومة عليّ (عليه السلام)، وعلى الأخص بعد الفشل الذريع الذي حلّ بهم في تلك المعركة، وقد حاولوا تجديد الثورة فزاروا قتلاهم في النهروان، وتعاهدوا على الأخذ بثأرهم، وتوالت حركاتهم وتحرّكاتهم في مختلف الجهات: في الأنبار والمدائن وسواد الكوفة، وخرَج الخريت بن راشد أحد زعمائهم في الكوفة ومعه ثلاثمِئة فقتَلوا عامل عليّ (عليه السلام) في عمان.

وفي الكامل لابن الأثير أنّه قد اجتمع على الخريت علوج من الأهواز انضمّ إليهم اللصوص والموالي وبعض النصارى وجماعة من العرَب فكسروا الخراج وأخرجوا عامل عليّ (عليه السلام) في تلك البلاد، ويعلّل بعض المستشرقين تحمّس الموالي لفكرة الخوارج، بأنّهم نادوا بمساواة العرَب والموالي في جميع الحقوق حتى في تولّي الخلافة (1)، ومع أنّهم تجمّعوا من مختلف المناطق والجهات، وحاولوا أكثر من مرّة الانتقام لقتلاهم وتوسيع حركتهم الثورية ضدّ الحكم القائم يوم ذاك، وحاولوا إغراء الموالي وبعض المسيحيّين المقيمين في البلاد التي خضعت للإسلام بسقوط الجزية عن المسيحيّين، وجواز استخلاف غير العربي على المسلمين، بالرغم من كلّ ذلك استطاع عليّ (عليه السلام) القضاء على فلولهم الثائرة هنا وهناك بعد الهزيمة الكبرى التي ألمّت بهم في النهروان.

وبعد أنْ فشلت جميع محاولاتهم التي قاموا بها للسيطرة على الحكم ولتعديل النظام الذي كان متّبعاً في اختيار الحاكم، بعد فشلهم في جميع مواقفهم الثورية وغيرها اتجهوا إلى اغتيال عليّ ومعاوية وابن العاص، وانتدبوا لكلّ واحد من الثلاثة رجلاً منهم فنجحوا في اغتيال عليّ (عليه السلام)، وفشَل الآخران في اغتيال معاوية وعمرو بن العاص.

ومهما كان الحال فلقد كانت الفكرة المسيطرة على تصرّفات الخوارج في أوّل أمرهم سياسية خالصة، فأوّل أمر نادوا به هو تخطئة عليّ في قبول التحكيم، ثمّ تخطّوا هذه الفكرة إلى تكفيره وتكفير عثمان في السنين الأخيرة من خلافته، وطلحة والزبير وعائشة، بينما لم يذهَب أحد منهم - على اختلاف فِرَقهم وتباين آرائهم في بعض المسائل - إلى تكفير أبي بكر وعمر، والتهجّم عليهما، ولقد علّلوا تكفير عليّ (عليه السلام) بأمرين أوّلهما: أنّه حكّم في دين الله.

____________________

(1) انظر العراق في ظلّ العهد الأموي للدكتور عليّ الخرطبولي ص 60 و61، وانظر النظم الإسلامية للمستشرق غودفروا، كما نقل عنه الخرطبولي.

٣٦

الثاني: أنّه قد خلَع نفسه من إمارة المؤمنين في وثيقة الهدنة التي كتبها بينه وبين معاوية لإيقاف القتال، أمّا عثمان فيعلّلون كفره بأنّه قد حابى أقاربه وولاّهم على رقاب المؤمنين، مع علمه بسوء تصرّفاتهم واستخفافهم بالإسلام ومبادئه، وعلى ما بينهم من اختلاف في الآراء فقد اتّفقوا على تكفير عليّ والحكَمَين وعثمان وطلحة والزبير وعائشة، كما اتفقوا على أنّ خلافة أبي بكر وعمر خلافة شرعيّة تعبّر عن رأي الأُمّة ورغبة المجموع، ومِن هنا يمكن أنْ نقول: أنْ المصدر الصحيح الذي تستمدّ منه السلطة الحاكمة نفوذها وقوّتها وشرعيّة تصرّفاتها هو الشعب وحده عندهم؛ لأنّهم اعتمدوا في شرعية خلافة أبي بكر وعمر على رضا الشعب ورغبته الأكيدة بها، ولكنّهم قد أضافوا إلى رضا الشعب ورغبته شرطاً آخر وهو الحكم بالحق والعدل، فلو اختار الشعب حاكماً وأجمع على اختياره، ولكنّه انحرف عن الحق والعدالة وجَب عزله ومحاربته.

ومِن هنا ذهبوا إلى تكفير عليّ وعثمان، ومع أنّ خلافتهما كانت برأي الشعب وإرادته، وقد أضافوا إلى المبدأ الذي لابدّ منه في الحكم أمراً آخر، فادّعوا أنّ الخلافة لا تنحصر في القرشيّين ويصلح لها كلّ مسلم حرّاً كان أو عبداً، فالعبد الحبشي وغيره سَواءٌ في ذلك، ولم يعترفوا بالأحاديث المرويّة عن الرسول التي تنص على انحصار الخلافة في القرشيّين، واعتبروها من وضع القرشيين أنفسهم لفرض احتكار السلطة فيما بينهم.

ويُمكن للباحث أنْ يجد لهم مبرّراً في هذا المبدأ الذي اعتمدوه في اختيار الحاكم من جهة أنّ الإسلام لم يفرّق بين لون ولون ولا بين العرب وغيرهم، وجعل مقياس التفاضل الأعمال الصالحات، فالعبد الحبشي بنظر الإسلام أفضل من العربي القرشي إذا كان مخلصاً في إيمانه، عاملاً بما افترضه الإسلام ولو كان العربي منحدراً من أفضل القبائل العربية، وأشرفها حسباً ونسباً، وقد اعتبر جماعة من الكتّاب هذه الفكرة خروجاً على المبدأ الذي اعتمد عليه القرشيّون في اختيار الحاكم، وأيّدوه بما جاء عن الرسول من انحصار الخلافة في القرشيّين، مع أنّ عمر بن الخطّاب هو الذي وضَع نواة هذه الفكرة التي نادى بها الخوارج؛ ذلك أنّه في الأيّام الأخيرة من حياته وهو يستعرض من يصلح للخلافة من بعده قال: لو كان سالم مولى حذيفة حيّاً ما عدَوته، قال ذلك: وفي المسلمين عليّ بن أبي

٣٧

طالب (عليه السلام) وغيره من أعيان المسلمين (1) ، فقد سبَق إلى هذه الفكرة الخوارج بأكثر من عشرين عاماً ولكن الخوارج قد جعلوها موضع التنفيذ، فاختاروا عبد الله بن وهَب الراسبي أحد زعمائهم وجعلوه أميراً عليهم وجاهدوا معه؛ لتحقيق أهدافهم التي كانوا ينادون بها، وأضافوا إلى المبدأين السابقين مبادئ أُخرى، منها أنّ المختار للخلافة لا حقَّ له بالتنازل عنها مهما كانت الظروف فالحقّ للأُمّة وحدها في عزله أو قتله إذا انحرف أو غيّر وبدّل، وعلى أساس هذا المبدأ كفّروا عليّاً (عليه السلام)؛ لأنّه تنازل عن إمارة المؤمنين على حدِّ زعمهم في الوثيقة التي كتبت بينه وبين معاوية، لإيقاف القتال حينما اتفق الطرفان على مبدأ التحكيم.

ومنها أنّ الخلافة ليست من الضروريّات التي لابدّ منها، فإذا لم تتوفّر الشروط اللازمة في الأشخاص يمكن الاستغناء عنها؛ لأنّ حاجة الناس بعضهم إلى بعض متساوية وعلاقتهم متشابكة، وذلك ممّا يمنعهم عن الظلم ويصدّهم عن الجور وعدم الإنصاف (2) ، لقد تبلورت فكرة الخوارج واتّضحت أهدافهم بعد أنْ مضى على بدء ثورتهم شطر من الزمن، أمّا في بداية أمرهم فلم تكن لهم أهداف منظمة.

ولم تنبثق حركتهم الثورية الأُولى عن الأهداف التي برزت في العصر الأموي، ولم تذكر المراجع التاريخية شيئاً قبل خروجهم على عليّ (عليه السلام) بعد فشَل الحكمَين في التوصّل إلى حلٍّ مُرضٍ لدى الطرفين، وليس ببعيد أنْ تكون فكرة انحصار الخلافة في القرشيّين التي كان يؤمن بها القسم الأكبر من المسلمين، والتي من شأنها ملكيّتهم لها يتوارثونها جيلاً بعد جيل، هذه الفكرة كانت تحزّ في نفوس الكثيرين من العرب، ولا سيّما وقد وصلت إلى غلمان الأمويّين وفسّاقهم، وهؤلاء لم تكن لهم في النفوس تلك القداسة، وبالإضافة إلى ذلك فإنّ قادة الثورة ينتمون إلى قبائل عربية لها مِن ماضيها وحاضرها ما يدعوهم إلى الطموح إليها وانتزاعها من أيدي الأمويّين، ولا أقلّ من التخلّص من سيطرة القرشيّين واستعلائهم على الناس.

والذي يؤيّد ذلك ما أورده العبادي في كتابه (صور من التاريخ الإسلامي) قال: أنّ الخوارج كانوا عرباً من قبائل تميم وحنيفة وربيعة

____________________

(1) انظر شرح النهج لابن أبي الحديد مجلّد 1 ص 64.

(2) انظر العراق في ظلّ الحكم الأموي ص 63 وما بعدها.

٣٨

الذين كان لهم في الجاهلية شأنٌ كبير بين العرَب، وقد اعتنقوا الإسلام لإعجابهم بمبادئه الديمقراطية، وأبلوا في الفتوح بلاءً عظيماً، وطمعوا في مجدٍ جديد يضيفونه إلى مجدهم التليد، ولكنّهم غلبوا على أمرهم، واستأثرت ارستقراطية مكّة والمدينة فأعادوا حركة الردّة ولكن في صورة إسلامية، وبدأ هذا في موقفهم من التحكيم؛ ويؤيّد ذلك أنّهم على اختلاف فِرقهم مجمعون على أنّ الخلافة ليست حقّاً للقرشيّين وحدهم، وإنّما هي حقٌّ للأفضل من جميع المسلمين على اختلاف ألوانهم وأجناسهم، وقد هيّأ لهم هذا المبدأ الأنصار والأتباع من الموالي وغيرهم ممّن انضموا إليهم في حركاتهم في وجه الأمويّين والعبّاسيّين، هذا بالإضافة إلى أنّ أكثرهم كانوا من عرب البادية الذين دخلوا في الإسلام على فقرهم وسذاجة تفكيرهم.

ومع أنّ الإسلام قد احتل جانباً من نفوسهم وقلوبهم، إلاّ أنّهم لم يتجرّدوا من النزعات القبلية وظلّت معهم تسيطر عليهم وتسيرهم أحياناً من حيث لا يشعرون، وهم بحكم طبيعتهم لم يتعوّدوا الخضوع للسلطان ولم يألفوا الحكم المفروض عليهم أنْ يعيشوا في ظلّه خاضعين لأنظمته وقوانينه؛ ولذا فإنّهم لا يرون وجود الحاكم من الضرورات الملحّة كما ذكرنا سابقاً؛ لأنّ تشابك الناس بالمصالح والأغراض يحتّم عليهم التناصف والتحابب، فالحاكم عندهم ليس من الضرورات التي لابدّ منها.

وهذه النظرية مستمدّة من طبيعتهم؛ لأنّهم لم يعتادوا الخضوع للحاكم، وعلى الأخص تلك الحكومات التي تعاقبت في العصر الأموي والتي كانت تنظر إلى سائر الفئات والأجناس نظرة احتقار وازدراء، ويتمثّل ذلك فيما جاء عن بعض ملوكهم (ألا وأنّ السواد بستانٌ لقريش)، فهذه الكلمة تعبّر عن مدى استغلال الأمويّين إلى جميع العناصر والألوان واستئثارهم بخيرات الأرض، وتسخيرهم للطبَقات الكادحة لمصالحهم وأهوائهم.

ومهما كان الحال فقد اختلفت آراء الكتّاب القدامى والمحدّثين في تعليل ظهور الخوارج وصمودهم في وجه الشدائد والضربات القاسية وعلى الأخص في العصر الأموي، فبعضهم يؤكّد ما ذكرناه، بينما يرى آخرون أنّ مردّ ذلك هو تشدّدهم في الدين الناتج عن جهلهم في المبادئ الإسلامية، فقد فسّروا الدين حسب أفهامهم واجتهاداتهم معتمدين على تفكيرهم الساذج، واعتبروا أنفسهم أنّهم المسلمون دون سِواهم، وأوجبوا جهاد مَن خالفهم حتى يعودوا إلى حظيرة الدين ويعملوا بفروعه، بالإضافة إلى

٣٩

إيمانهم بأُصوله وبجانب آرائهم السياسية التي بدأت تظهر وتتبلور كلّما اتسعت حركتهم وامتد نفوذهم، بجانب ذلك، ظهَرت لهم آراء في الدين تناولوا فيها الأصول والفروع، ولكنّها سطحية ساذجة لم يعتمدوا فيها على البحث والدراسة لنصوص الكتاب والسنّة، ولا على آراء الصحابة والعلماء الذين عاصروهم؛ لذا فإنّ المتتبّع في آرائهم وفتاويهم يراهم يتخطّون الأُصول التي اتبعها القرآن والرسول، والأساليب التي اتّبعها المسلمون في مقام التشريع واستنباط الأحكام، ويبدو ذلك واضحاً من آرائهم في بعض الأصول والفروع كما أوردها كتاب الفرق والمذاهب الإسلامية وإلى القرّاء أمثلة من آرائهم وتشريعاتهم:

لقد اتّفقوا بجميع فِرَقهم على تكفير مرتكب الكبيرة من الذنوب، وأنّ فاعلها يخلد في النار، ولم يُنسب الخلاف لأحدٍ منهم إلاّ للنجدات، أتباع نجدة بن عامر الحنفي (1)، وكان يرى أنّ الدين أمران: معرفة الله ورسوله، والإقرار بما جاء من عند الله جملة، وتحريم دماء المسلمين وأموالهم، وما سِوى ذلك فالناس معذورون فيه بجهالتهم حتى تقوم عليهم الحجّة، وأضافوا إلى ذلك: أنّ مَن خاف العذاب على المجتهد المخطئ في الأحكام فهو كافر، ومَن تثاقل عن الهجرة إليهم فهو منافق، واستحلّوا دماء وأموال المقيمين في دار التقيّة وهم الذين لم يهاجروا إليهم تقية، وحرّموا أموال وأعراض موافقيهم ولو كانوا ممّن وجَب إقامة الحدِّ عليهم لجناية أو سرقة، كما ادعوا بأنّ الإصرار على الذنب كبيراً كان أو صغيراً يُوجب الشرك، ومَن زنى وفعل جميع المنكرات والكبائر غير مصرٍّ عليها لا يخرج عن الإسلام، بينما يرى الأزارقة أنّ كلّ كبيرة توجب الكفر، وأنّ جميع مخالفيهم كفّار، ولا حدّ على مَن قذَف المحصنين من الرجال، وأنّ أطفال المشركين يدخلون النار مع آبائهم (2)، ويذهب العطوية المنتسبون

____________________

(1) خرج نجدة مع جماعته من اليمامة قاصداً الأزارقة أتباع نافع بن الأزرق، فاستقبلهم جماعة من أتباع نافع وأخبروا نجدة بما أحدثه من أعمال لا ترضيهم وأنّهم برِئوا منه، فبايعوا نجدة عليهم وقد أرسل ابنه مع جماعة منهم إلى القطيف فقتَل جماعة من رجالهم واستباح أموالهم ونساءهم، انظر مقالات الإسلاميّين لابن الحسَن الأشعري ج 1 ص 162.

(2) انظر المصدر السابق ص 165.

٤٠

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253