الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة

الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة15%

الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة مؤلف:
تصنيف: تاريخ التشيع
الصفحات: 253

  • البداية
  • السابق
  • 253 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 55880 / تحميل: 9594
الحجم الحجم الحجم
الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة

الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة

مؤلف:
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة


1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

المروية عن عليّ (عليه السلام) وأبنائه الأئمّة الهُداة، حقيقة التوحيد في كلماتهم كما أوردها الكتّاب والمؤلّفون في الفِرَق عن المعتزلة بدون تفاوت إلاّ في بعض النقاط التي سنُنبه عليها في المباحث الآتية:

فقد روى محمّد بن بابويه المعروف بالصدوق، في كتابه التوحيد، عن الهيثم بن عبد الله الرماني، عن عليّ بن موسى الرضا، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد بن عليّ، عن أبيه عليّ بن الحسين، عن الحسين بن عليّ (عليه السلام)، أنّ عليّاً (عليه السلام) خطَب الناس في مسجد الكوفة، فقال: (الحمد لله الذي لا مِن شيءٍ كان، ولا مِن شيءٍ كوّن ما قد كان، مستشهد بحدوث الأشياء على أزليّته، وبما وسَمَها من العجز على قدرته، وبما اضطرّها إليه من الفناء على دوامه، لم يخلُ منه مكان فيُدرك بأنّيته، ولا له شبيه مثالٍ فيوصف بكيفيّته، ولم يغِب عن علمه شيءٌ فيعلم بحيثيّته، مباينٌ لجميع ما أحدث في الصفات، وممتنعٌ عن الإدراك بما ابتدع من تصريف الذوات، لا تحويه الأماكن لعظمته، واحدٌ لا بعدد، ودائمٌ لا بأمَد، وقائم لا بعمَد، ليس بجنسٍ فتعادله الأجناس، ولا بشبحٍ فتضارعه الأشباح، ولا كالأشياء فتقَع عليه الصفات) (١).

وجاء في توحيد الصدوق أنّ رجلاً سأله في البصرة عن حقيقة التوحيد فقال: (إنّ القول بالوحدانية يصحّ على أربعة أوجه: اثنان منها لا تجوز عليه سبحانه، واثنان ثابتان له. فأمّا ما لا يجوز منها عليه، فقول القائل: واحد يلاحظ العدَد؛ لأنّ ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد، ولذا كفَر من قال: إنّ الله ثالث ثلاثة، وكذا إطلاق الواحد عليه يلاحظ أنّه واحد من الناس، ويُراد بذلك النوع من الجنس، وهذا لا يجوز عليه سبحانه؛ لأنّه تشبيه، وجلّ ربنا عن ذلك وتعالى علوّاً كبيراً، وأمّا اللذان يجوَّزان عليه سبحانه فهما الواحد بمعنى نفي الشبيه له، وبمعنى أنّه لا ينقسم في وجودٍ ولا عقلٍ ولا وهمٍ، كذلك ربّنا عزّ وجل) (٢).

وبهذا التحديد القصير لحقيقة التوحيد جمَع كل ما ذكره المعتزلة في

____________________

(١) انظر توحيد الصدوق ص ٥٢ تجد الخطبة بكاملها حول صفات الله سبحانه وبيان حقيقة التوحيد كما يليق بذاته تعالى.

(٢) انظر المصدر السابق ص ٦٧.

١٤١

معنى الوحدانية؛ لأنّ ما لا شبيه له في الأشياء، لا يكون جسماً، ولا يوصَف بصفات الأجسام، ولا يُحدّ بشيء من الأشياء، وليس له أبعاض وأجزاء، ولا يجري عليه زمان ولا تحيط به الحواس، إلى غير ذلك من الأوصاف التي أوردها المعتزلة لبيان حقيقة التوحيد، كما وأنّ ما لا ينقسم في وجودٍ أو عقلٍ أو وهم، لا يشبه شيئاً من مخلوقاته، ولا يكون محلاًّ للأعراض والحوادث، لأنّ انقسام الشيء ولو في عالم الذهن لا يُمكن أنْ يكون إلاّ باعتبار أجزائه، وعوارضه، وإذا لم يصحّ فيه الانقسام، لابدّ وأنْ يكون مجرّداً عن جميع الحالات والكيفيّات.

وجاء عنه أنّه قال: (إنّ الله ليس بشبح فيرى، ولا بجسمٍ فيجرى، ولا بذي غايةٍ فيتناهى، ولا بمحدِث فيبصر، ولا بمستتر فيكشف، كلمّ موسى تكليماً بلا جوارح وأدوات، ومَن زعَم أنّ إله الخلق محدود فقد جهل الخالق المعبود) (١) .

وجاء عن الفتح بن يزيد الجرجاني أنّه سأل الإمام الرضا (عليه السلام): هل يعلم الله الشيء الذي لم يكن أنْ لو كان كيف يكون؟ فقال: (أمّا سمعت إليه يقول: ( لو كان فيهما آلهةً إلاّ الله لفسدتا ) ، وقوله: ( وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) ، وقال، عن أهل النار: ( أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا ) ، وقال: ( وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ ) ، فقد أثبت سبحانه لنفسه أنّه يعلم الشيء الذي لم يكن لو كان كيف يكون) (٢).

وقد أورد الإمام (عليه السلام) هذه الآيات التي أثبتت له العِلم بما لم يكن، إلزاماً للقائلين بأنّ العلم لا يتعلّق بالمعدوم حيث شاع القول بذلك في عصره على أحد زعماء المعتزلة (٣).

وأورد الصدوق في كتابه التوحيد جملة أُخرى من الأحاديث عن الأئمّة (عليهم السلام)، في تحديد معنى التوحيد تتضمّن تنزيه الله سبحانه عمّا أثبته له المشبّهة والمحدّثون من أهل السنّة، كما أورد السيّد الرضي في نهج البلاغة مجموعة من خطَب أمير المؤمنين (عليه السلام) حول هذا المعنى، وهو

____________________

(١) نفس المصدر ص ٦١.

(٢) نفس المصدر ص ٤٨.

(٣) وتنسب هذه المقالة إلى الجهم بن صفوان أوّل المتكلّمين في القدر، وإلى هشام بن محمّد الغوطي أحد زعماء المعتزلة في عصر الإمام الرضا (عليه السلام).

١٤٢

أوّل مَن تطرّق لهذه المواضيع من المسلمين وذلك قبل وجود المعتزلة بعشرات السنين.

أمّا التوحيد عند الأشاعرة الذين يمثّلون رأي المحدّثين والفقهاء، وعامّة أهل السنّة، فقد قال أبو الحسن الأشعري في كتابه (مقالات الإسلاميّين) في وصفه: (إنّ الله واحدٌ أحد لم يتّخذ صاحبةً ولا ولداً، وهو على عرشه كما تنصّ الآية: ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) ، وأنّ له يدَين بلا كيف لقوله: ( خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ) ، ولقوله: ( بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ) ، وله عينان، لقوله: ( تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ) ، وله وجه لقوله: ( وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ ) ، وأنّ أسماء الله لا يُقال أنّها غير الله كما يدّعي المعتزلة والخوارج، وله علم لقوله: ( أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ) ، ولقوله: ( وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ ) ، وأثبتوا له القوّة لقوله تعالى: ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ) .

وأضافوا إلى ذلك أنّ سيّئات العباد يخلقها الله، وجميع الأعمال مخلوقةٌ له سبحانه، ولا يقدر العباد أنْ يخلقوا منها شيئاً، وأنّه يقدر أنْ يصلح الكافرين ويلطف بهم ليكونوا مؤمنين، ولكنّه أراد أنْ لا يصلحهم ولا يلطف بهم، وأرادهم كافرين، وأنّ الله يُرى بالأبصار يوم القيامة كما يرى القمر ليلة تمامه، يراه المؤمنون دون الكافرين؛ لأنّهم عنه محجوبون، وأنّه ينزل إلى السماء الدنيا فيقول: هل مِن مستقر (١).

وقد أورد الأسفراييني في كتابه التبصير عن معتقدات أهل السنّة (٢) والجماعة ما هو قريب من ذلك، والأشاعرة كغيرهم من المذاهب الإسلامية، يثبتون له بعض الصفات وينفون عنه غيرها، ولكنّهم يختلفون اختلافاً واقعياً في كيفية اتصافه بتلك الصفات، ومع أنّهم ينفون عنه الجسمية والمكان والحلول يثبتون له ما لا ينفكّ عن هذه الأُمور، ويبدو ممّا ذكرناه من مجمل عقيدة الأشاعرة وأتباعهم المحدّثين أنْ بين رأيهم في حقيقة التوحيد من جهة، ورأي الإمامية والمعتزلة من جهة أُخرى تفاوتاً موجباً لتغايره بلحاظ كل من الرأيين.

____________________

(١) انظر مقالات الإسلاميّين لأبي الحسن الأشعري ص ٣٣٠ وما بعدها إلى صفحة ٣٣٣.

(٢) انظر التبصير في الدين ص ١٤٩ وما بعدها.

١٤٣

وقد اتفقت الفِرَق الثلاث على أنّ صفاته منها ما هو ذاتي ثابت لذاته: كالعلم والقدرة والحياة، والإرادة والسميع، والبصير، ومنها ما هو إضافي يثبت لذاته بعد وجود المنشأ لانتزاعها: كالرازق، والخالق، والمالك، والمميت، وغير ذلك ممّا تتّصف به الذات بعد وجود منشأ لانتزاعها؛ لأنّ صدق الخالق والمالك والرازق والمُميت عليه سبحانه، إنّما صحّ باعتبار وجود المخلوق والمملوك، والإماتة، ولا شكّ بحدوث هذه الصفات تبَعاً لمنشأ انتزاعها أمّا الصفات الذاتية، فالأشاعرة وبعض المعتزلة يدّعون أنّها قديمة مغايرة لذاته، فهو عالمٌ بعلم، وقادرٌ بقدرة، وسميعٌ بسمع وهكذا الحال في بقية الصفات، وأمّا الإمامية فقد اتفقوا على أنّ صفاته ليست أُموراً زائدة على ذاته، وإلاّ لزِم تعدد القديم، أو حدوث الصفات ولا يُمكن الالتزام بكلٍّ منهما (١).

ولقد قسّم المتكلّمون الصفات إلى قسمين سلبية وثبوتية، فالسلبية هي نفي ما لا يليق بذاته عنه، ككونه جسماً آو جوهراً وعرضاً وغير ذلك، والثبوتية، فهي التي تليق بذاته كالعلم والقدرة والسمع والبصر والمُحيي والرازق وغيرها من الصفات التي أثبتها له المتكلّمون والفلاسفة الإسلاميّون.

وقد اتفق الإمامية والمعتزلة على عدم كونه جسماً؛ لأنّ كونه جسماً يلزمه أنْ يكون متحيّزاً، وأنْ يكون جوهراً لو كان متحيّزاً، وإذا كان جوهراً، فإمّا أنْ لا ينقسم أصلاً أو ينقسم، وكلاهما لا يجوز عليه سبحانه.

أمّا الأوّل: فلأنّ الجوهر الذي لا ينقسم هو الجزء الذي لا يتجزّأ، والجزء الذي لا يتجزّأ أصغر الأشياء، وتعالى الله عن ذلك.

وأمّا الثاني: فلو انقسم كان جسماً مركّباً، والتركيب الخارجي يتنافى مع الوجوب الذاتي، هذا بالإضافة إلى أنّه لو كان متحيّزاً، لكان مساوياً لسائر المتحيّزات في الماهية، واللازم من ذلك، إمّا القِدَم أو الحدوث؛ لأنّ المتماثلات لابدّ من توافقها في الأحكام (٢).

____________________

(١) انظر المواقف للإيجي ص ٤٥ وما بعدها من الجزء الثامن.

(٢) انظر المواقف للإيجي الجزء الثامن من المجلّد الرابع ص ٢٠ و٢١ وما بعدهما تجد عرضاً وافياً لبقية الأدلّة على نفي الجسمية ولوازمها من التحيّز وخلافه.

١٤٤

ولم يخالف بذلك سوى المشبّهة، وهم الحنابلة والكرامية، فقد ذهبوا إلى إنّه متحيّز بجهة العلو، ويظهر من الأشعري أنّ عقيدة أهل السنّة بأجمعهم على ذلك (١)، وعلى أيّ الأحوال فالمشبّهة من الحنابلة والمحدّثين، يدّعون أنّه متحيّز كبقية الأجسام بنحوٍ يصحّ الإشارة إليه، وهو مماس للصفحة العليا من العرش على حد تعبيرهم، ويجوز عليه التحوّل من مكانٍ إلى آخر، وأنّ العرش يئط من تحته أطيط الرحل الجديد تحت الركب الثقيل، ويزيد عن العرش من كلّ جهة أربعة أصابع وأضافوا إلى ذلك أنّ المؤمنين المخلصين يعانقونه في الآخرة.

وادعى بعض الحشوية من المحدّثين أنّه جسمٌ مركّب من لحمٍ ودم، وقال آخرون: إنّه نور يتلألأ كالسبيكة البيضاء، ويبلغ طوله سبعة أشبار بشبر نفسه، وقال آخرون: أنّه شيخٌ أشمط الرأس واللحية، إلى غير ذلك من الانحرافات والخرافات التي لا يقرّها العقل ولا المنطق، ولا مصدر لها من كتاب أو سنّة، وليس في القرآن سِوى بعض الآيات التي قد يتراءى لأوّل نظرة فيها أنّه جسم كبقية الأجسام، ولكنّها محاطة بآيات أُخرى، ونصوص من السنّة، وقرائن في تلك الآيات الموهمة لكونه جسماً، تؤكّد أنّ المعنى الموهوم من ظاهرها غير مراد منها.

وقال بعضهم، في تفسير قوله تعالى ( فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ) : إنه يقعد معه على سريره، وادعى معاذ العنبري - أحد الحشوية من السنّة - أنّ الله على صورة إنسان، وله كلّ ما للإنسان حتى الفرج، وأضاف بعضهم انّه رأى صورة آدم فخلق نفسه على مثالها، وأنّه يضحك حتى تبدو نواجذه، وفي رجليه نعلان من ذهب في روضةٍ خضراء تحمله الملائكة، وأنّ الملائكة مخلوقة من زغَب ذراعيه.

وجاء عن داود الظاهري أنّ الملائكة عادته حينما اشتكى من وجَع في عينيه، وينزل إلى السماء الدنيا في النصف من شعبان في كلّ عام، وفي الآخرة لا يعرفه الناس إلاّ بعد أنْ يظهر لهم العلامة التي امتاز بها في ساقه، فإذا كشف لهم عن ساقه سجدوا له، ورووا أنّ فاطمة بنت محمّد (صلّى الله عليه وآله) تأتي يوم القيامة وعليها قميص الحسين (عليه السلام) لتخاصم يزيد بن معاوية إلى الله؛ لأنّه قتل ولدها الحسين، وسبى عياله وأطفاله، فإذا رآها الله

____________________

(١) انظر ص ٣٢٣ من مقالات الإسلاميّين في الفصل الذي عقده لبيان عقيدة أهل السنّة.

١٤٥

سبحانه دعا يزيد بن معاوية إليه وادخله تحت قوائم عرشه، كي لا تظفر به فاطمة (عليه السلام)، فيدخل يزيد ويختبئ منها، ثمّ تتظلّم فاطمة وتبكي، فيخرج الله سبحانه لها قدمه، وبها جرح من سهم نمرود، على حدّ زعمهم، فيقول لها: انظري إلى جرح قدمي، هذا من آثار سهم نمرود وقد عفوت عنه.

وفي شرح النهج لابن أبي الحديد إنّهم رووا في الصحاح أنّ آدم مخلوق على صورته تعالى، وأنّ النار عندما تتغيّظ وتزفر لا تسكن حتى يضع رجله فيها، ويُنسب إلى حمّاد بن أبي سلَمة الأُستاذ الأوّل لأبي حنيفة وأحد فقهاء الرأي، إنّ الله ينزل ليلة عرَفة من السماء إلى الأرض على جملٍ أحمر في هودجٍ من ذهب (١) .

والقول بالتجسيم لازم لكلّ من يلتزم بظواهر الآيات كالحنابلة وأتباعهم، أمّا الأشاعرة فمع أنّهم يلتزمون بظواهر الآيات بدون تصرّف فيها، فقد التزموا بأنّ لله وجهاً ويدين وعيناً، ولكنّهم اعتبروها أوصافاً قائمة بذاته تهرّباً من التجسيم الذي يدّعيه بعض الحنابة والحشوية تمشّياً مع العقل الذي يرى التجسيم منافياً للوحدانية (٢).

وجاء عن عليّ (عليه السلام) حول المشبّهة والمُجسّمة: (كذب العادلون بك إذ شبّهوك بأصنامهم، ونحلوك حلية المخلوقين بأوهامهم، وجزّأوك تجزئة المجسّمات بخواطرهم، وأشهد أنّ مَن ساواك بشيء مِن خلقك فقد عدل بك، والعادل بك كافرٌ بما نزلت به محكمات آياتك، ونطقت به شواهد حُجج بيّناتك) (٣).

وقد بالغ الكتّاب والمؤلّفون في الفِرَق والمذاهب في نسبة التجسيم إلى هشام بن الحكم، ونسبوا إليه بعض المقالات المنافية لأُصول الاسلام، والتي لا يقرّها العقل، ولا تنسجم مع سيرة هشام وعلمه وصلته بالأئمّة من أهل البيت (عليه السلام)، فقد جاء في التبصير للأسفراييني، أنّه كان يقيس

____________________

(١) انظر ما ذكرنا من أقوال المجسّمة وأدلّتهم الجزء الثامن من المواقف ص ٢٦، وشرح النهج لابن أبي الحديد طبع مصر ج ١ ص ٢٩٤ و٢٩٥ وما بعدها.

(٢) انظر شرح النهج ٢٩٦.

(٣) شرح النهج لابن أبي الحديد ج ٢ ص ١٤٤.

١٤٦

معبوده على الناس، وأنّه سبعة أشبار بشبره وأنّه يتلألأ نوراً، وحكى عنه أبو الهذيل العلاّف أحد زعماء المعتزلة وقد سأله: أيّهما أكبر معبوده أم جبل أبي قبيس؟ فقال: إنّ الجبل لا يرقى عليه تعالى، وحكى عنه أبو الحسن الأشعري في مقالات الإسلاميّين، أنّه قال: إنّ الله جسمٌ محدودٌ عريضٌ عميق طويل، طوله مثل عرضه وعمقه مثل طوله، وأنّه ذو لونٍ وطعمٍ ورائحة ومجسة إلى غير ذلك من المقالات التي ينسبها إليه كتّاب الفِرَق وغيرهم، وقد وصفه المعتزلة بالخروج عن الاسلام، وهاجمه الجبائي وغيره منهم، وقال فيه بعضهم:

ما بال مَن ينتحل الاسلام

متّخذاً إمامه هشاما (١)

ويبدو من ذلك أنّ الحملات العنيفة التي واجهها هشام، من أخصامه المعتزلة والمحدّثين والفقهاء من السنّة كانت بدافع التشنيع عليه؛ لأنّه كان يُخاصم الفريقين ويناظرهم ولا يثبتون له في جميع مواقفهم معه، كما تؤكّد ذلك المرويّات في ترجمته، وليس في كلماته ما يشير إلى التجسيم المنسوب إليه، وكلّ ما ورد عنه أنّه قال: إنّ الله جسم لا كالأجسام، قال ذلك على سبيل المعارضة والجدَل لأخصامه المعتزلة القائلين بأنّه شيء لا كالأشياء، وهذا النوع من الجدَل لا يدلّ على أنّه اتخذه رأياً له، ولا مذهباً يدين به كما يدّعي كتّاب الفِرَق والمذاهب.

ولو افترضنا أنّه كان يدين بذلك، فليس في هذا الرأي ما يوجب الكفر والإلحاد كما وصفه بذلك النظّام والجبائي وغيرهما من المعتزلة والمحدّثين، وليس في كلماته ما يشير إلى حديث الأشبار السبعة من قريب أو بعيد التي نسبها إليه الجاحظ والنظّام، هذا بالإضافة إلى أنّ هشام بن الحكم كان من تلامذة الأئمّة من أهل البيت (عليه السلام) الذين أعلنوا حرباً لا هوادة فيها على المجسّمة وأصحاب المقالات التي لا تتّفق مع قداسة الخالق وتنزيهه عن صفات مخلوقاته، وكان على صلةٍ أكيدة بهم، ومفضّلاً على الأجلّة من شيوخ أصحابهم.

وقال فيه الإمام الصادق (عليه السلام): (لا تزال مؤيّداً بروح القدس يا

____________________

(١) انظر التبصير في الدين ص ١٠٦ ومقالات الإسلاميّين ج ١ ص ٢٥٧ والشافي للسيّد المرتضى ص ١١.

١٤٧

هشام، ما نصرتنا بلسانك)، وجاء عنه أيضاً أنّه دخل على الإمام الصادق وكان شابّاً قبل أنْ يختطّ عارضاه بالشعر، وفي مجلسه أجلاّء الشيوخ من شيعته وتلاميذه، فوسّع له في مجلسه، وأدناه منه ثمّ قال: (هذا ناصرنا بقلبه ويده ولسانه)، وقال فيه مّرة أُخرى: (هشام بن الحكم رائد حقّنا، والمؤيّد لصِدقنا، والدافع لباطل أعدائنا، مَن تبعه وتبِع أمره تبعنا، ومَن خالفه وألحَد فيه فقد خالفنا وألحد فينا)، إلى غير ذلك من المرويّات الكثيرة في فضله وسلامة عقيدته، والتي تؤكّد بصراحة أنّه كان يُطبّق مبدأ الأئمّة من أهل البيت وتعاليمهم في أقواله وأفعاله وآرائه.

وكيف تصحّ في حقّه تلك التهم والمقالات الفاسدة المنافية لأُصول الإسلام ونصوص القرآن، مع تعظيم الأئمّة له، وتقديرهم لجهوده وجهاده؟ إنّ نسبة هذه المقالات إلى هشام بن الحكَم وجوازها عليه لا ينفكّ عن جوازها على الأئمّة أنفسهم الذين رفعوا شأنه، وفضّلوه على الأجلّة من أصحابهم.

وممّا يؤكّد عدم صحّة تلك المرويّات عنه أنّها لم ترِد عن غير أعداء الشيعة وأعدائه بصورة خاصة؛ لأنّه وقف لهم ولغيرهم من الملحدين وأهل البِدَع والمنحرفين بالمرصاد، وله مواقف حاسمة مع عمرو بن عبيد أحد زعماء المعتزلة، وإبراهيم بن سيار النظّام وغيرهما في الإمامة وغيرها من الأصول الإسلاميّة، وجاء فيما رواه أبو عمر الكشّي في رجاله، أنّ إبراهيم النظام كان ينكر بقاء أهل الجنّة إلى الأبد، مدّعياً أنّ البقاء الأبدي لا يكون لغير الله، وقد جرى حوار بينه وبين هشام بن الحكَم حول هذا الموضوع، قال فيه هشام: إنّ بقاء الله لا يحتاج إلى سبب وعلّة، وبقاؤهم لا يكون إلاّ بسبب، هو إرادة الله ومشيئته، فلا يلزم من بقائهم مشاركتهم لله سبحانه.

ولمّا أصرّ النظّام على أنّهم بعد استيفاء نصيبهم من النعيم يجمدون على الحالة التي كانوا عليها، قال هشام: أوَلَيس في الجنّة كلّ ما تشتهي الأنفس؟ ومِن الجائز أنْ يشتهوا البقاء فيها إلى الأبد، قال النظّام: نعم ولكنّهم لا يلهمون إلى ذلك، وإنْ سألوه أعطاهم ما يريدون.

قال هشام: فلو أنّ رجلاً من أهل الجنّة نظر إلى ثمرة من ثمارها، فتدلّت إليه الشجرة ليقطف منها تلك الثمرة، ثمّ حانت منه لفتة أُخرى، فنظر إلى ثمرةٍ أُخرى منها فمدّ يده ليأخذها فأدركه الجمود الذي تدّعيه،

١٤٨

ويداه معلقتان بشجرتين فارتفعت الأشجار يصبح والحالة هذه مصلوباً، أَفبلغك أنّ في الجنّة مصلوباً؟ قال النظّام: إنّ ذلك محال، فقال هشام: إنّ ما أتيت به أمحل منه يا جاهل.

ومهما كان الحال، فالخصومة الشديدة التي كانت بينه وبين أصحاب المقالات والآراء المخالفة لأُصول الاسلام، ولا سيّما خصومته لأقطاب المعتزلة كعمرو بن عبيد، والنظّام والجاحظ وأمثالهم، هذه الخصومة هي التي دفَعت أعداءه إلى الكذِب والتشويش عليه، ولو افترضنا أنّه كان من القائلين بالتجسيم، وأنّه كان دَيصانياً في بداية أمره، ثمّ أصبح جهمياً، وأخيراً أصبح إمامياً متحمّساً لفكرة الإمامية، ولو افترضنا أنّه كان ديصانياً وجهمياً قبل تشيّعه لأهل البيت (عليه السلام)، فلابدّ وأنْ يكون قد رجَع عن القول بالتجسيم بعد المرحلة الأخيرة التي استقرّ عليها، كما يبدو ذلك من سيرته، ومعاملة الأئمّة الهداة (عليه السلام) له.

وجاء في بعض المرويّات أنّ الإمام جعفر بن محمّد (عليه السلام) قد منعه من الدخول عليه؛ لأنّه يقول بالتجسيم، واعتذر عن ذلك بأنّه لم يعلم بأنّه يتخطى رأي إمامه بذلك، أمّا بعد أنْ علم بذلك، فهو تائب إلى الله (١)، على أنّ ذلك كلّه مجرّد افتراض، والرواية المذكورة لا تؤيّدها الدراسة لتاريخ هشام بن الحكم وتتبّع آثاره، والذي تؤيّده الشواهد المتعدّدة أنّ هشاماً منذ نشأته لم ينحرف عن التشيّع، وقضى مدّة حياته صلباً في تشيعه، وخصماً عنيداً لكلّ مَن يُحاول التشويش عليه من أيّ فرقةٍ كان.

والرواية الحاكية لخصومته مع عمرو بن عبيد في البصرة حول الإمامة، تنصّ على أنّه كان يوم ذاك في مطلع شبابه، لم يختط عارضاه بالشعر كما جاء فيها، وقد جاء في الشافي للسيّد المرتضى، أنّ الإمام الصادق كان يرفعه على شيوخ أصحابه مع حداثة سنّه، وأنّه وهو في ريعان شبابه كان يُدافع ويناضل عن التشيّع وأُصوله (٢).

ومن ذلك نستفيد أنّه لم يعتنق غير التشيّع مذهباً، ولم يتبنّ غير أُصوله وفروعه، وكيف يجوز في حقّه أنْ يكون ديصانياً تارة، وجهمياً أُخرى، مع كونه خصماً عنيداً لأعداء التشيّع قبل أنْ يختطّ عارضاه

____________________

(١) انظر هشام بن الحكم للشيخ عبد الله نعمة.

(٢) انظر الشافي للسيّد المرتضى ص ١٢ و١٣.

١٤٩

بالشعر أي في مطلع شبابه وهذا السنّ لا يُساعد عادة على استعراض المذاهب ودراستها والتنقّل من مذهب إلى مذهب، على أنّ هذه النسبة جاءته مِن قِبل أخصامه المعتزلة الذين كانوا يرونه من أنكد أخصامهم الأقوياء، ونسَج المتأخّرون منهم على منوالهم، وما زال الكتّاب يلصقون به وبغيره من أعلام الشيعة، كلّ ما يُسيء إلى سمعتهم ويُوهن من أُمورهم، ويجترون أقوال المتقدّمين بدون تحقيق أو تمحيص.

وجاء في تاريخ الفِرَق الإسلامية أنّ أصل التشبيه يرجع إلى طائفتين: طائفة الروافض من الشيعة، وطائفة الحشوية من المحدّثين، ويمثّل الطائفة الأُولى هشام بن الحكم (١)، وقد ذكرنا أنّ مصدر إلصاق هذه التهمة به هو الكلمة المنسوبة إليه وهي، (إنّه جسمٌ لا كالأجسام)، وهي على تقدير صدورها منه صورة ثانية عن مقالة المعتزلة، (إنّه شيءٌ لا كالأشياء)، والمقصود منها أنّه لا يشبه شيئاً من مخلوقاته، ولا تدلّ على أكثر من ذلك، ومع ذلك فقد استباحوا إلصاق هذه المقالات الباطلة به، ولم ينسبوا إلى الأشعري والمحدّثين القول بالتشبيه والتجسيم، مع أنّ كلماتهم أدلّ على التجسيم المطلق من هذه الكلمة.

قال أبو الحسن الأشعري، في شرح معتقدات أهل السنّة: (إنّ الله يُرى بالأبصار يوم القيامة، كما يُرى القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون ولا يراه الكافرون، وأنّه ينزل إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من مستغفر؟ وله يدان وعينان ووجه وغير ذلك من الأعضاء، وعقّب ذلك بقوله: وبكلّ ما ذكرنا من قولِهم نقول وإليه نذهب (٢)، وذكر في التبصير نحواً من ذلك، واستدلّ على رؤية الله سُبحانه بأنّ ما لا تصحّ رؤيته لم يتقرّر وجوده، هذا بالإضافة إلى ما ذكرناه سابقاً عن الحنابلة الذين أنزلوه إلى مستوى البشر، ومع ذلك فالشيعة عند عليّ الغرابي، هُم المشبّهة والمجسّمة بزعامة هشام بن الحكَم.

أمّا القائلون بأنّ له يداً وعيناً ووجهاً وأنّه يُرى بالأبصار، وينزل إلى السماء الدنيا وغير ذلك ما هو ثابت عن أهل السنّة الأشاعرة وغيرهم،

____________________

(١) انظر تاريخ الفِرَق الإسلامية لعلي الغرابي.

(٢) انظر صفحة٣٢٠ وما بعدها إلى ص٣٢٥ الجزء الأول من مقالات الإسلاميّين، وانظر التبصير في الدين ص١٣٨.

١٥٠

هؤلاء هم الموحّدون الحقيقيّون عند الغرابي وغيره من كتّاب السنّة.

ومن صفاته السلبية، أنّه ليس بجوهر ولا عرض؛ إذ لو كان جوهراً لكان متحيّزاً، والتحيز يلزمه التجسيم وكونه محتاجاً إلى غيره، هذا بالإضافة إلى أنّ الجوهر وجوده غير ماهيته، والواجب متّحد وجوداً وماهية، ولو كان عرضاً احتاج إلى محل يعرض عليه؛ لأنّ الأعراض إنّما تتقوّم بغيرها.

ومنها أنّه ليس زمانياً بمعنى أنّ وجوده لا يحتاج إلى الزمان، ولو كان زمانياً لزِم كون الزمان قديماً، وكونه مفتقراً إلى غيره كما هو الحال في كلّ زماني، مضافاً إلى أنّ الزمان يتجدّد، والحال في المتجدّد لابدّ وأنْ يكون متجدّداً، وتعالى الله عن ذلك، وليس معنى كونه قديماً هو التقدّم الزماني، كما وأنّ بقاءه لا يعني وجوده في زمانين أو أكثر، وإلاّ لزِم كونه زمانياً.

ومنها أنّه لا يتّحد بغيره لامتناع صيرورة الشيئين شيئاً واحداً، وينسب القول بذلك إلى الصوفية؛ لأنّهم يدّعون بأنّه متّحد بأبدان العارفين، وأنّه نفس الوجود، وكلّ موجود هو الله على حدّ زعمهم.

ومنها أنّه لا يحلّ بغيره؛ لأنّ الحال مفتقر إلى المحل، وكلّ مفتقر إلى غيره ممكن، مضافاً إلى أنّ الحلول يستدعي التبعية، والغني بذاته لا يكون تابعاً لغيره، ولو افترضنا ذلك لزِم كون المحل قديماً فيتعدّد القديم، والقول بالحلول منسوبٌ إلى المتصوّفة القائلين بأنّ الله يحل في أبدان العارفين، وأنّ الإنسان متى وصل إلى أعلى مراتب المعرفة فقد اتحد مع الإله، فتسقط عنه جميع التكاليف.

وفكرة الحلول والاتحاد لازمة لقول النصارى في المسيح، لأنّه تعالى إمّا حالٌّ في المسيح أو متّحدٌ معه، أو أنّ صفته قد حلّت فيه، وعلى جميع التقادير إمّا أنْ يكون الحلول ببدن المسيح أو بنفسه، وقد بيّنا أنّ الاتّحاد محال عقلاً مع فرض الاثنينية، والحلول يؤدّي إلى النتائج التي ذكرناها (١).

ومنها أنّه لا يتّصف بشيء من الأعراض المحسوسة بالحسّ الظاهر أو الباطن كالطعم واللون والرائحة والألم، والحقد، والحزن، والخوف وغير ذلك؛ لأنّ هذه كلّها من توابع المزاج والأجسام المركّبة من عناصر

____________________

(١) انظر المواقف جزء ٨ ص ٢٩ و٣٠ وكشف الحق ونهج الصدق للعلاّمة الحلّي ص ١٧.

١٥١

مختلفة، وأجزاء متباينة لكلّ واحد منها آثار وخواص تخصّه، وقد أثبتنا أنّه تعالى ليس بجسمٍ لتكون له هذه الآثار والخصائص الثابتة للأجسام.

الصفات الوجودية

لقد ذكرنا سابقاً أنّ المتكلّمين قسّموا الصفات إلى قسمين ثبوتية وسلبية، وقد ذكرنا قسماً من الصفات السلبية، أمّا الصفات الوجودية فهي إمّا راجعة للذات ابتداءً وبلا توسّط شيءٍ آخر، وأمّا أنْ تكون صفة للذات باعتبار الأفعال الصادرة عنها، قال الشيخ المفيد: (صفات الله على ضربين، أحدهما منسوبٌ إلى الذات، فيقال عنها أنّها صفاتٌ للذات، وثانيهما منسوبٌ إلى الأفعال فتكون صفة لها، والمراد من صفات الذات هو كونها مستحقّة لها استحقاقاً لازماً، لا لشيء سِواها، ومعنى صفات الأفعال، هو أنّها تجب بوجود الفعل ولا تجب قبل وجوده.

فصفات الذات له تعالى، هي وصْفَه بأنّه حيٌّ عالمٌ قادر، ألا ترى أنّه لم يَزل مستحقّاً لهذه الصفات ولا يزال، ووصْفُنا له بصفات الأفعال معناه أنّه قبل صدور الفعل لا يصحّ وصفه سبحانه بتلك الصفة، فقبل خلقه الخلْق لا يُوصف بأنّه خالق، وقبل إماتته الخلق لا يقال عنه مميت، إلى غير ذلك مّن الصفات التي لا يصحّ حملها على الذات إلاّ بعد وقوع الفعل منه سبحانه.

وأضاف إلى ذلك أنّ صفات الذات لا يوصف صاحبها بأضدادها، ولا يخلو منها، أمّا صفات الأفعال فيوصف مستحقّها بضدّها كما يصحّ خلوّه عنها، فلا يوصف بالموت ولا بالعجز ولا بالجهل، كما لا يوصف بخلوّه عن الحياة والعلم والقدرة؛ لأنّ هذه الصفات ثابتة لذاته تعالى، ويصحّ أنْ يقال فيه أنّه غير خالق اليوم ولا رازق لزيد، ولا محيي للميّت الفلاني،  ولا مُبدِئ لشيء في هذه الحالة) (١).

____________________

(١) انظر تصحيح اعتقادات الصدوق للشيخ المفيد ص ١١.

١٥٢

والمتحصّل من ذلك أنّ نسبة الصفات إليه تعالى ليست على نهجٍ واحد؛ لأنّ منها ما يُنسب إلى ذاته ابتداءً ولا توسّط لشيء، ومنها ما ينسب لذاته بلحاظ ما يصدر عنه من الأفعال، والظاهر أنّ القسم الثاني من الصفات ليس داخلاً في النزاع القائم بين الأشاعرة وغيرهم، في أنّ صفاته عين ذاته أم غيرها؟ لأنّ هذه الصفات إنّما تجري عليه سبحانه بلحاظ ما يصدر عنه، فهي تابعة لمنشأ انتزاعها، كما وأنّ القسم الأوّل من الصفات لا إشكال في أنّه الموضوع للنزاع القائم بين الطرفين الأشاعرة وغيرهم، وقبل الإشارة إلى وجهة نظر الفريقين في هذه المسألة، لابدّ من البحث في الصفات وبيان المراد منها مع الإشارة إلى رأي الفلاسفة والمتكلّمين منها على ضوء ما جاء في كلماتهم حول هذه المواضيع.

القُدرة

وقد عدّوا من جملة صفات الذات القدرة، ومعناها عند المتكلّمين، أنّه لا شيء من الفعل والترك ضروري بالنسبة إليه سبحانه؛ لأنّه قد أوجد هذا الكون بنظامه حسب مشيئته، ولو لم يشأ لم يكن، وقال الفلاسفة: إنّ القدرة بهذا المعنى نقصان لا يليق بذاته سبحانه، وإيجاده للكون هو من لوازم ذاته، فيمتنع خلوّه منه، فالقدرة لازمة له كلزوم العلم وسائر الصفات الكمالية، فكما يستحيل انفكاكها عنه، يستحيل انفكاك القدرة عنه، وفي جواب ذلك قال المتكلّمون: أنّه لو لم تكن القدرة بمعنى إنْ شاء فعل وإنْ شاء ترَك بحيث لم يكن الفعل والترك ضروريّين، يلزم أحد أُمور أربعة، إمّا نفي الحادث، أو عدَم استناده إلى المؤثّر، أو التسلسل، أو تخلّف الأثر عن المؤثّر.

بيان الملازمة، أنّه لو كان موجباً بذاته، إمّا أنْ لا يوجد حادث أو يوجد، فإنْ لم يوجد لزِم نفي الحادث، وهو مُخالف للضرورة والوجدان، وإنْ وجِد حادث، فإمّا أنْ لا يستند الحادث الموجود إلى مؤثّر موجد، أو

١٥٣

يستند، فإنْ لم يستند الى مؤثّر، لزِم عدم استناد الحادث إلى مؤثّر، وإنْ استند الحادث الموجود إلى مؤثّر، فإمّا أنْ يكون المؤثّر قديماً أو حادثاً، فإنْ لم يكن قديماً ولا منتهياً إلى القديم، لابدّ له من مؤثّر، وذلك المؤثّر إذا لم يكن قديماً أو منتهياً إلى القديم، لابدّ له من مؤثّر آخر، فيلزم التسلسل، وإنْ كان المؤثّر منتهياً إلى القديم لزِم تخلّف الأثر عن المؤثّر؛ لأنّا قد فرضناه حادثاً منتهياً إلى القديم الموجب بذاته، ولازم ذلك كون الأثر مقارناً للموجب، ولو كان مقارناً خرَج عن كونه حادثاً، ولزم تعدد القديم، وهو خلاف المفروض (١).

والقدرة الثابتة لذاته تعالى تشمل جميع الأشياء، حسنة كانت أم قبيحة، لأنّ المقتضى للقدرة على جميع الممكنات، هو ذاته، ونسبتها إلى جميع الممكنات متساوية، وإذا ثبتت على بعضها ثبتت على البعض الآخر، ولم يُخالف بذلك إلاّ الفلاسفة وبعض المعتزلة. أما الفلاسفة، فقالوا: إنّ الله واحد والواحد لا يصدر عنه أكثر من واحد، فلا يقدر على جميع الممكنات، ولذا التزموا بأنّ الله أوجد العقل الأوّل، وبقية المُمكنات تصدر عنه بالوسائط.

وذهب المجوس إلى أنّ الله لا يقدر إلاّ على الخير، أمّا الشرّ فليس من مقدوره، وإنّما هو من فعل الشيطان، كما ذهب النظام وأتباعه من المعتزلة إلى أنّ الله لا يقدر على القبيح، لأنّه مع العلم بقبحه يكون فعله سفَهاً، وإنْ كان جاهلاً بقبحه يكون ناقصاً، وتعالى الله عن ذلك.

وذهب أبو القاسم البلخي وجماعة منهم إلى أنْ الله لا يقدر على ما أقدر عليه عباده؛ لأنّه أمّا أنْ يكون طاعة مشتملة على المصلحة أو معصية فيه المفسدة، أو مجرّداً عنهما، والجميع لا يجوز عليه تعالى لأن أفعاله لا تكون لهذه الاعتبارات (٢) .

وذهب الجبائيان إلى أنّ الله لا يقدر على عين فعل العبد؛ لأنّه لو أراد الله فعلاً من أفعال العبد، وأراد العبد عدمه فإنّ وقعا اجتمع النقيضان، وإنْ لم يقعا، ارتفع النقيضان، وإنْ وقع أحدهما لا يكون الثاني مقدوراً.

____________________

(١) انظر المواقف ج ٨ ص ٥٠ وشرح التجريد للعلامة الحلّي.

(٢) انظر مقالات الإسلاميّين ص ٢٥١، المواقف ص ٦٣.

١٥٤

والجواب، إمّا عن شبهة المجوس، فإنّ القدرة على الشرّ، لا تستلزم فعله، لوجود الصارف عنه أحياناً.

وأمّا عن دعوى النظام وأتباعه، فعلى مبدأ الأشاعرة المنكرين للقبح والحُسن الذاتيّين، لا يلزم أيّ محذور من قدرته على القبيح؛ لأنّ تعلّق القدرة به يكشف عن عدم قبحه، وأمّا على مبدأ الإمامية، فالمراد من قدرته على الحسن والقبيح، أنّه يدعو إلى الحسن بدون أنْ يكون له صارف عنه، أمّا القبيح فمع أنّه داخل تحت قدرته كغيره من الممكنات لا داعي له إلى فعله، بالإضافة إلى وجود الصارف عنه، وعدم صدوره عنه لا يدلّ على نفي القدرة عنه، فهو مقدور باعتبار ذاته، وممتنع عليه عرَضاً لوجود الصارف عنه.

وأمّا عن دعوى البلخي، فالطاعة والعبث وغيرهما من الاعتبارات إنّما تَعرِض للأفعال الصادرة من العبد، ولا تؤثّر في ذاتيّة الفعل، فكونه طاعة أو معصية وصْفان يعرضان للفعل من حيث قصد الفاعل، والدواعي القائمة بنفسه وما يُرافق الفعل من آثار سيّئة أو طيّبة، وبالنسبة إليه تعالى لا تجري فيه جميع هذه الاعتبارات.

وأمّا عن دعوى الجبائيّين وأتباعهما، فلو تعلّقت إرادة الله سُبحانه بالفعل لا يمكن أنْ تؤثّر إرادة العبد المتعلّقة بالترك؛ لأنّها أقوى منها، وهذا لا يمنع من كون الترك مقدوراً للعبد في هذه الحالة ذاتاً، وإنْ امتنع في حقّه عرَضاً لوجود المزاحم الأقوى منها تأثيراً.

العلم

ومنها أنّه عالمٌ بالكون وما فيه، من غير فَرقٍ بين الكلّيات والجزئيّات، والأعدام الممكنة والممتنعة، والجواهر والأعراض، وكلّ ما كان وما يكون في الخارج أو الذهن، ويؤيّد هذه الدعوى على عمومها ما جاء في الآية من سورة الأنبياء: ( عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) والآية من سورة الإنعام:

١٥٥

( وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) .

وممّا يدل على ذلك أنّه أوجد الموجودات على أكمل الوجوه، وأتقن صنعها، وغير العالم يستحيل أنْ يصدر منه الفعل المتقن مرّة بعد أُخرى، هذا بالإضافة إلى أنّ كلّ شيءٍ سِواه ممكن، والممكن لابدّ في وجوده من علّة تقتضي إيجاده، وذاته تعالى هي العلّة في إيجاد جميع الموجودات والممكنات، وهو عالم بذاته، والعلم بالعلّة يستتبع العلم بالمعلول الصادر عنها من غير فَرقٍ بين أقسام الممكنات وأنواعها، وقد ادعى بعض المتكلّمين، أنّ الله لا يعلم ذاته؛ لأنّ العلم إضافة بين العالم والمعلوم، ولابدّ من المغايرة بينهما، فلو قلنا بأنّه يعلم ذاته يلزم مغايرة علمه لذاته.

والجواب عن هذه الدعوى، إنّ المغايرة بين العلم والمعلوم يكفي فيها أنْ تكون اعتبارية، وهي موجودة في المقام، فذاته من حيث إنّها عالمة، مغايرة لها من حيث إنّها معلومة، ويكفي هذا النوع من المغايرة بالنسبة إليه سبحانه.

وادّعى آخرون بأنّ الله لا يعلم الجزئيات ولا الشيء قبل وجوده، أمّا أنّه لا يعلم الجزئيات فلأنّها تتغيّر وتتبدّل وإذا تغيّر المعلوم وتبدّل لابدّ من تغيّر العلم، وقد ثبت أنّ علمه عين ذاته فيلزم الذات تغيّرها، وأمّا عدم علمه بالأشياء قبل وجودها، فلأنّه لو تعلّق بها العلم، كان وجودها واجباً فيلزم انقلاب الممكن واجباً، إذ لو لم توجد لزم انقلاب علمه جهلاً.

والجواب عن الدعوى الأُولى، إنّ العلم بالجزئيات لا يتغيّر حتى ولو تغيّر الجزئي المعلوم؛ لأنّ المتغيّر هو الإضافة المتعلّقة بالمعلوم، فزيد إذا وجد ينسب وجوده إلى علم الله وإذا انعدم تنتفي نسبة وجوده إلى علمه، أمّا العلم فهو على حاله لم يتغيّر ولم يتبدّل، فالتغير في الإضافات، لا في الذات ولا في الصفات الحقيقية الثابتة للذات، وهذا نظير قولنا: زيد يقدر على عمرو فلو مات عمرو لا تنتفي قدرة زيد عليه، ولكنّ هذه الإضافة الخاصّة قد انتفت بموت عمرو؛ ولأنّها أمرٌ اعتباري لا وجود له خارجاً.

والجواب عن الدعوى الثانية، بأنّ تعلّق علمه بالمتجدّدات لا يُخرجها عن كونها ممكنة ذاتاً؛ لأنّ علمه تعلّق بها على هذه الصفة، فإذا وجب وجودها بعد ذلك لوجود سببه، لا تخرج عن إمكانها الذاتي؛ لأنّ وجوبها

١٥٦

لحصول سببه، وكلّ ممكن قد يُصبح واجباً بالعرض ولا مانع من اجتماعهما (١) .

____________________

(١) شرح التجريد للعلاّمة الحلّي ص١٧٦ والمواقف ص٧١ وما بعدها ومعالم الفلسفة للشيخ محمّد جواد مغنية ص١٣٩.

١٥٧

الحياة والإرادة

ومنها أنّه حيّ مُريد لأنّه عالمٌ قادر، وكلّ عالمٍ قادر لابدّ وأنْ يكون حيّاً، وليست الحياة بالنسبة إليه كالحياة بالنسبة لغيره، فحياة غيره هي عبارة عن اعتدال المزاج والحركة والحس، وغير ذلك من المقوّمات أمّا بالنسبة إليه سُبحانه، فعند الإمامية القائلين بوحدة الذات والصفات عبارة عن معنى سلبي، أي لا يستحيل عليه أنْ يعلم ويقدر؛ لأنّ ثبوت الصفة فرع عن عدم استحالتها، وعند الأشاعرة وبعض المعتزلة القائلين بتغاير الصفات مع الذات، أنّها صفة توجب صحّة العلم الكامل والقدرة الشاملة، إذ لولا اختصاصه بصفة توجب صحّة العلم والقدرة، لكان اختصاصه بصحّة العلم والقدرة ترجيحاً بدون مرجح (٢).

وأمّا كونه مريداً فقد اتّفق الجميع على ذلك بدليل أنّه سبحانه أوجد بعض الممكنات دون بعض، مع أنّ قدرته تعمّ جميع الممكنات وعلمه محيطٌ بجميع الكائنات، ولا سبب لذلك إلاّ تعلّق إرادته ببعضها دون البعض الآخر، وقد اختلفوا في معنى إرادته سبحانه، فأبو الحسين الصالحي والنظّام والجاحظ والعلاّف، وأبو القاسم البلخي وغيرهم، ذهبوا إلى أنّها عبارة عن علمه بما في الفعل من المصالح والمنافع، وتسمّى عندهم (بالداعي إلى إيجاد الفعل).

وقال النجّار: إنّها معنىً سلبي، بمعنى أنّه غير مستكره ولا مغلوب.

____________________

(٢) انظر شرح التجريد ص ١٧٧ والمواقف ص ٨١.

١٥٨

وقال الكعبي: إنّ إرادته بالنسبة لأفعال نفسه علمه بالمصلحة، ولأفعال غيره أمَره بها. وقال الحكماء: إنّها العلم بالنظام على الوجه الأكمل، ويسمّونها (العناية)، وقال ابن سينا: (العناية هي إحاطة علم الأوّل تعالى بالكل، وبما يجب أنْ يكون عليه الكل، حتى يكون على أحسن النظام).

وقال الأشاعرة والحنابلة والجبائيان من رؤساء المعتزلة، إنّها صفة زائدة على العِلم، وفي شرح التجريد أنّها عبارة عن الداعي إلى الفعل، وليست أمراً زائداً على الذات كما يدّعي الأشاعرة؛ للزوم تعدّد القدماء وليست أمراً حادثاً في ذاته، كما يدّعي الكراميّة، أو لا في محل كما يدّعي أبو علي وأبو هاشم من المعتزلة، إذ لو كانت حادثة في ذاته أو لا في محل لزِم التسلسل، لاحتياج الحادث إلى موجد بإرادة، والكلام بعينه يجري في الإرادة الثانية (١).

وقال الشيخ المفيد في أوائل المقالات: أنّ إرادته لأفعاله هي نفس أفعاله، وإرادته لأفعال خلقه أمره بالأفعال، وبذلك جاءت الآثار عن أئمة الهدى مَن آل محمّد (عليه السلام) وهو مذهب الإمامية إلا من شذّ منهم (٢).

ومن صفاته تعالى، أنّه سميعٌ بصير، قال الإيجي في المواقف، والعلاّمة الحلّي في شرح التجريد ما حاصله أنّ ذلك ممّا علم بالضرورة من دين محمّد (صلّى الله عليه وآله)، واتّفق عليه جميع المسلمين، ودلّ عليه القرآن الكريم واستدل جماعة على ثبوت هذين الوصفين له، بأنّه قد ثبت اتصافه بالحياة وكل حيّ لابدّ وأن يتّصف بالسمع والبصر، إذ لو لم يتّصف بهما لاتّصف بضدّهما، واتّصافه بضدّهما نقصٌ لا يجوز عليه سبحانه، والمراد منهما علمه بالمسموعات، والمبصرات؛ لأنّ السمع والبصر الثابتان له، لو كانا بآلة تشبه الآلات الموجودة لدى سائر مخلوقاته، لزم كونه جسماً مركباً من أجزاء متباينة، لكلّ جزء منها وظيفة تختصّ به، وذلك ممتنع بالنسبة إليه تعالى كما ذكرنا سابقاً، فلابدّ وأنْ يكون المراد منهما غير السمع والبصر

____________________

(١) انظر شرح التجريد ص ١٧٧ والمواقف ص ٨١.

(٢) انظر أوائل المقالات للشيخ المفيد ص ١٩.

١٥٩

الثابتين لغيره من المخلوقات (١).

قال الشيخ المفيد: إنّ استحقاق القديم سُبحانه لهذه الصفات كلّها من جهة السمع دون القياس ودلائل العقول، وأنّ المعنى في جميعها العلم، فالمراد من كونه سميعاً وبصيراً، علمه بالمسموعات والمبصرات وأضاف قائلاً: ولست أعلم من متكلّمي الإمامية خلافاً في هذا الباب وهو مذهب البغداديين من المعتزلة، وقد خالف فيه المشبهة من أصحاب الصفات، والبصريّون من أصحاب الاعتزال (٢)، وهو مذهب الفلاسفة والكعبي، وأبي الحسين البصري.

وذهب الأشاعرة وجمهور المعتزلة إنّهما صفتان زائدتان على العلم (٣) .

____________________

(١) انظر المواقف ص ٨٨ الجزء الثامن، فإنّه بعد أنْ أورد هذا الاستدلال أبطله، وانتهى أخيراً إلى القول بأنّ العمدة في إثبات هذين الوصفين له تعالى ظواهر الآيات الدالّة على ذلك.

(٢) انظر أوائل المقالات ص ٢١.

(٣) انظر المواقف ص ٨٩، والظاهر أنّهم يعتمدون على ظواهر النصوص في ذلك وعبارة المواقف تنصّ على أنّ الأكثرية الغالبة من المعتزلة متّفقون مع الأشاعرة في هذه المسألة.

١٦٠

التكلّم

ومن صفاته الثبوتية التكلّم، ولم يُخالف بذلك أحد من المسلمين، ويكفي في إثبات هذه الصفة له بالإضافة إلى النصوص الكثيرة، الكتب المنزلة على أنبيائه كالتوراة والإنجيل والقرآن، ولا خلاف من أحد من المسلمين في ذلك، وإنّما النزاع بينهم في أنّ كلامه حادث أو قديم، وقد برز هذا النزاع بين المعتزلة والمحدّثين منذ أنْ ظهر الاعتزال، ونشَط كلّ من الفريقين لتأييد مذهبه في هذه المسألة، وتراشقوا بالسباب والتفسيق والتُهَم المفتعلة، ولا سيّما بعد أنْ وجَد المعتزلة من يناصرهم ويتبنّى

١٦١

آراءهم من الحكّام العبّاسيّين، كالمأمون والمعتصم والواثق، وهؤلاء الذين حاولوا فرض آرائهم على المسلمين بالقوّة، وأرغموا الفقهاء والمحدّثين على القول بها.

وكما ذكرنا أنّ زعماء المعتزلة كانوا على خلاف في أكثر المسائل والمناهج التي اتبعوها مع العلماء والمحدّثين، ولم يبلغ النزاع أشدّه بين هاتين الفئتين إلاّ بعد أنْ ظهر المعتزلة بفكرة خلق القرآن، فكانت هذه الفكرة من أبرز المسائل التي تضاربت فيها آراؤهم، مع أنّ خلافهم في بعض المسائل ربّما يكون له مساس في الدين أكثر من هذه المسألة، كمسألة خلق الأفعال، ورؤية الله وانتهاء نعيم الآخرة وخلق الجنّة والنار وغير ذلك ممّا اختلفت فيه آراؤهم، وتباينت فيه مذاهبهم، فمسألة خلق الأفعال مثلاً مع أنّها أكثر تعقيداً من غيرها من المسائل الكلامية وصلتها بالدين أوثق من بقيّة المسائل النظرية، ولها أثرها على حياة الإنسان في جميع أفعاله وتصرّفاته، ومع ذلك فلم ينته الخلاف فيها بين الفريقين إلى الحدّ الذي انتهى أليه في خلق القرآن، ولعلّ مردّ ذلك إلى أنّ الخلاف بينهما قبل أنْ يلقى تأييداً من الحكّام، كان لا يتجاوز حدود الجدل، واستعمال الأدلة المنطقية، التي كانت تبرز في مناهج المعتزلة ومناظراتهم وحلقات التدريس.

وقد تأصّل العِداء بينهم وبين غيرهم من العلماء، وأصبح اسم المعتزلة عند المحدّثين والفقهاء تعبيراً آخر عن الإلحاد والزندقة والتمرّد على نصوص الوحي، كما أصبح اسم المحدّثين والفقهاء يمثّل الجمود والتقليد الأعمى للسلَف، وحينما وجَد المعتزلة أنّ المأمون العبّاسي متّجه إليهم ومقتنع بمناهجهم ونزعاتهم الفكرية، استغلّوه لصالحهم، ووجدوا من فكرة خلْق القرآن، ما يُساعدهم على التنكيل بأخصامهم الذين رموهم بالزندقة والإلحاد، واستطاعوا إقناعه بأنّ القول بعدَم خلق القرآن يُضاهي قول النصارى في المسيح، ويؤدّي إلى القول بتعدّد القدماء، وقد مهّد لهم الأُمور أحد فقهائهم أحمد بن أبي دؤاد ، وكان من المقرّبين إليه، وأوثقهم في نفسه، فكتب إلى الولاة في العواصم الإسلامية أنْ يختبروا الفقهاء والمحدّثين في مسألة خلق القرآن، وفرَض عليهم أنْ يعاقبوا كلّ مَن لا يرى رأي المعتزلة في هذه المسألة.

وجاء المعتصم والواثق من بعده فطبّقا سيرته وسياسته مع أخصام المعتزلة، وبلغت المحنة أشدّها على المحدّثين، وبقيَ أحمد بن حنبل ثمانية

١٦٢

عشَر شهراً بين أيدي الجلاّدين يسومونه سوء العذاب، فلَم يتراجع عن رأيه، ولمّا جاء المتوكّل العبّاسي وأظهر مناصرته له ولأتباعه وأقصى أخصامهم المعتزلة، أحسّ الفقهاء بالفرج وتبدّل الموقف، وكادت المحنة أنْ تحيط بأُولئك الذين كانوا بالأمس القريب يفرضون آراءهم بقوّة السلطان، ومن ذلك يبدو أنّ مسألة خلق القرآن قد استغلّها المعتزلة للتنكيل بأخصامهم الذين رموهم بالزندقة والإلحاد، وكانت من أبرز المسائل في تاريخ المعتزلة والمحدّثين لأنّ النزاع فيها لم يقِف عند حدود الاستدلال والمناظرات العلمية، كما هو الحال في غيرها من المسائل التي تباينت فيها آراء الفريقين، بل تخطّى هذه الحدود إلى الحبس والتشريد والقتل.

ووجد الحكّام السبيل ممهّداً للانتقام من كلّ معارضٍ لسياستهم ومنكرٍ لتصرّفاتهم، وتستّروا بهذه المسألة لتحقيق أغراضهم، وقد أحدَث هذا النوع من التدخّل ضجّةً في الأوساط العلمية والشعبية، كانت لمصلحة الفقهاء والمحدّثين، وعاد على المعتزلة بالفشل والخسران، فقد حصل الفقهاء والمحدّثون بسبب موقف الحكّام منهم هذا الموقف العِدائي على عطف جميع الطبقات الشعبية، وازدادت الثقة بهم؛ لأنّهم أظهروا تصلّباً في دينهم، وتحمّلوا المشاقّ في الدفاع عن عقيدتهم بالرغم من تصلّب الحكّام في مناصرة أخصامهم المعتزلة.

ومهما كان الحال، فالمحدّثون والعلماء وأتباعهم الأشاعرة يدّعون أنّ الكلام صفة لله سبحانه، وكلّ صفاته قديمة قائمة بذاته، ويعبّرون عن تلك الصفة بالكلام النفسي، أمّا الأصوات والحروف والكلمات الموجودة في الكتب السماوية، فليست كلاماً على وجه الحقيقة، وإنّما هي معبّرة عن كلامه وحاكية له، وقد تختلف بالأزمنة والأمكنة واللغات وغير ذلك، والكلام الحقيقي لا يختلف ولا يتغيّر، وكما تدلّ عليه الألفاظ تدلّ عليه الإشارة والكناية، وهو مغاير لتلك الدلالات بجميع أنواعها، كما وأنّه صفة ثالثة غير العلم والإرادة قائمٌ بذاته، أمّا الألفاظ والعبارات والحروف الحاكية لكلامه فقد خلقها في الأنبياء والملائكة، وفي الشجرة التي كلّم موسى بواسطتها، وغير ذلك من الوسائط، ولم يُخالف بذلك أحد من أهل السنّة سِوى الحنابلة، فقد ادعوا بأنّ كلامه هو الحروف والأصوات، وهي قائمة بذاته وقديمة بقِدَمه، حتى أنّ جِلد المصحف وغلافه قديمان فضلاً عن ألفاظه

١٦٣

وعباراته وحروفه (1) .

أمّا المعتزلة فقد ذهبوا إلى أنّ كلام الله هو الألفاظ والحروف الموجودة في التوراة والإنجيل والقرآن، وقد خلقه في أذهان الأنبياء والملائكة المبلّغين، وفي الشجرة التي كلّمت موسى كما خلَق سائر الكائنات والموجودات، ولا شيء غير ما في هذه الكتب يصحّ أنْ نُسمّيه كلاماً، كما يدّعي الأشاعرة وأتباعهم، فتكون صفة التكلّم بالنسبة إليه تعالى إضافية كالخالق والرازق وغيرهما من الصفات الإضافية التي يوصَف بها بعد وجود منشئها.

واستدلّوا على ذلك بالأدلّة العقلية والنقلية.

أمّا العقل فلأنّه لو كان قديماً لزِم وجود الأمر والخبر في الأزَل، ولا مأمور ولا سامع في تلك المرتبة، فيكون الأمر والخبَر سفَهاً، وهو منزّه عن ذلك.

الثاني: لو كان كلامه قديماً كالعلم والقدرة لتساوت نسبته إلى جميع الأشياء، كما هو الحال فيهما، حيث إنّ تعلّقهما بالأشياء لذاتهما، ولمّا كان الحُسْن والقُبح عند الأشاعرة بالشرع لا بالعقل، يلزَم تعلّق أمره ونهيه بالأفعال كلّها، فيكون كلّ فعل مأموراً به ومنهيّاً عنه؛ لأنّ أوامره ونواهيه من جملة كلامه وهما قديمان كما يزعم الأشاعرة وأتباعهم، والقديم تستوي نسبته إلى جميع ما يتعلّق به، ولا يحتاج تعلّقه بالأشياء إلى سبب، وإلاّ لكان حادثاً (2).

وأمّا الأدلّة النقلية فهي الآيات التي تنصّ على أنّه محدَث، كقوله تعالى: ( مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ ) وقوله: ( وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ ) وقوله: ( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) ، وكلمة (كن) عبارة عن جملة كلامه المتأخّر عن إرادته، وقوله: ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ ) وإذ من ظروف الزمان، والواقع في هذا الظرف لابّد وأنْ يكون زمانيّاً حادثاً، إلى غير ذلك من الآيات التي استدلّ بها المعتزلة على أنّ كلامه مخلوقٌ وحادثٌ كغيره من الكائنات والمخلوقات (3).

ويلتقي الإمامية مع المعتزلة في هذه المسألة من حيث إنّ كلامه كسائر

____________________

(1) انظر المواقف ص 92 من المجلّد الرابع الجزء الثامن.

(2) المواقف ص 96.

(3) انظر المصدر السابق ص 98.

١٦٤

المُحدَثات التي أوجدها الله سبحانه، قال العلاّمة الحلّي: لا شكّ أنّ الله تعالى متكلّم على معنى أنّه أوجد حروفاً وأصواتاً مسموعة قائمة بالأجسام، كما كلم موسى من الشجرة، فأوجد فيها الأصوات والحروف، وقد خالف الأشاعرة عقولهم وعقول سائر البشر، واثبتوا له تعالى كلاماً لا يفهمونه هم ولا غيرهم، وأضاف قائلاً: والعقل والسمع يتطابقان على أنّ كلامه محدَث ليس بأزَلي؛ لأنّه مركب من الحروف والأصوات، ويمتنع اجتماع حرفين دفعة واحدة، فلابدّ وأنْ يكون أحدهما سابقاً على الآخر، والمسبوق حادث بالضرورة، والسابق على الحادث بزمان متناه حادث بالضرورة أيضاً (1).

وفي المرويّات عن أئمّة الشيعة ما يؤكّد أنّهم كانوا لا يستسيغون البحث والجدَل في هذا الموضوع؛ لأنّ التشدّد في هذه المسألة وأمثالها ليس من الدين، والخصومة فيها لم تكن لإحقاق الحق، وإزاحة الشكوك، وهب أنْ الإنسان اعتقد بمقالة الأشعري وأتباعه والتزم بالكلام النفسي، وبنى على أنّ الألفاظ والحروف المنزلة على الأنبياء معبّرة عنه على حدّ زعم أصحاب هذا الرأي، فهل تستساغ تلك الضجّة التي أثارها المعتزلة؟ وأودَت بحياة جماعة من الفريقين، واتّسمت بطابع الانتقام، بعد أنْ كانت معركة فكرية كغيرها من المعارك التي كانت قائمة بين العُلماء والباحثين من الفلاسفة وغيرهم، والذي يستفاد من النصوص أنّه لا يجوز تخطّي الأوصاف التي وردت في القرآن، ولم يرد في القرآن ما يشير إلى استعمال هذا الوصف، لذلك فقد أنكر الأئمّة (عليه السلامة) على المعتزلة الذين وصفوا بهذه الصفة، كما أنكروا على الأشاعرة وأتباعهم الذين جعلوه قديماً مغايراً لمّا جاء به الوحي.

فقد جاء في رواية الحسَن بن خالد: قال: قلت للإمام عليّ بن موسى (عليه السلام): ما تقول في القرآن أخالقٌ هو أم مخلوق؟ قال (عليه السلام): (ليس بخالقٍ ولا مخلوق، ولكنّه كلام الله)، وجاء عن عليّ الهادي (عليه السلام) أنّه قال: (نحن نرى أنّ الجدَل في القرآن بِدْعة، اشترك فيها السائل والمُجيب، فتعاطى السائل ما ليس له، وتكلّف المُجيب ما ليس عليه، وليس الخالق إلاّ الله، وما سِواه مخلوق، والقرآن كلام الله، لا تجعل له اسماً من عندك فتكون من الضالّين)، وقال الإمام الصادق (عليه السلام): القرآن محدَث غير

____________________

(1) انظر كشف الحق ونهج الصدق للعلاّمة الحلّي ص 18 و19.

١٦٥

مخلوق، وغير أزلي مع الله سُبحانه (1) .

ومجمَل القول أنّ موقف الإمامية من هذه المسألة المستمدّ من أئمّتهم (عليه السلام)، بعيد عن المغالاة والتشدّد البارزين في آراء الفريقين، وإنْ كان يلتقي مع المعتزلة من حيث إنّه مُحدَث كغيره من الكائنات، ويخالفونهم في إطلاق هذا الوصف عليه؛ لأنّه لم يوصف به في القرآن ولا في السنّة، بالإضافة إلى أنّ هذه الصفة أيّ كلمة مخلوق كما تؤدّي معنى المُحدَث، كذلك تؤدّي معنى الاختلاق، كما جاء في بعض النصوص (2)، فعدَم استعمالها أليَق بذاته تعالى.

____________________

(1) انظر توحيد الصدوق ص 228 وما بعدها.

(2) انظر أوائل المقالات للشيخ المُفيد ص 19.

١٦٦

صفاته عين ذاته

بعد أنْ ثبت أنّ لله صفات ذاتية وقَع النزاع بين الأشاعرة والمحدّثين من جهة وبين الإمامية وجماعة من المعتزلة من جهةٍ ثانية، في أنّ تِلك الصفات التي تجري عليه سُبحانه، هل هي صفات واقعيّة مغايرة لذاته تعالى؟ أو أنّها عين ذاته، بمعنى أنّه ليس وراء ذاته شيء يُسمّى العلم، والقدرة، والسمع، والبصر والحياة وغيرها، ويرجع هذا القول إلى أنّه عالمٌ وسميع، وقادرٌ وبصير، وحيٌّ بذاته لا بشيء زائد عنها يقتضي ثبوت هذا الوصف.

كما يرجع القول الأوّل إلى أنّه قادرٌ بقدرةٍ زائدة على ذاته، وعالمٌ بعِلم، وبصير ببصَر، وهكذا بقية الصفات، فالأشاعرة وأتباعهم يدّعون أنّ صفاته قديمة وزائدة على ذاته، فهو عالمٌ بعلمٍ مغايرٍ لذاته، ومُريدٌ بإرادة وحيّ بحياة، واستدلّوا على ذلك بأُمور أهمّها: أنّ هذه الصفات لو كانت عين ذاته، ومتّحدة معها مفهوماً، لم يكن لحملها على الذات فائدة، ولزِم من حملها عليها حمل الشيء على نفسه.

١٦٧

الثاني: إنّ هذه الصفات لو كانت عين ذاته، لزِم كون المعنى المتحصّل من جميعها واحداً، مع أنّ معانيها مختلفة وجداناً.

الثالث: قياس الغائب على الحاضر، ولا شكّ في أنّ صدق العالِم على الحاضر وهو الإنسان مثلاً بواسطة علمه، وصدق السميع والبصير عليه بواسطة بصره وسمعه، فكذلك بالنسبة إليه تعالى (1) .

والجواب عن الأوّل والثاني: إنّ نسبة هذه الصفات مع بعضها ومع الذات القدسيّة، إنْ لوحظَت من حيث مفهوم كلّ واحدة من هذه الصفات ومفهوم ذاته تعالى، فالتغاير موجود من هذه الجهة؛ لأنّ مفهوم كلّ واحدة منها مغاير لمفهوم الصفة الأُخرى ولذاته تعالى، ويكفي في صحّة حمل كلّ واحدة منها على الذات، ومغايرة كلّ واحدة للأُخرى هذا المقدار من المغايرة، وإنْ لوحظ من حيث الواقع والحقيقة، فالجميع شيء واحد، ولكن هذا النحو من المغايرة الحقيقية ليس شرطاً في صحّة الوصف وصدقه على الذات.

والجواب عن الثالث: إنّ قياس شيء على شيء إنّما يصحّ عند القياسيّين لوجود علّة مشتركة بين المقيس والمقيس عليه، والله سبحانه ليس كمثله شيء، ولا يشترك مع مخلوقاته في شيء ليصحّ قياسه عليها، هذا بالإضافة إلى أنّ المقتضى لثبوت هذه الصفات في الشاهد مغاير لثبوتها في الغائب (2).

واستدلّ الإمامية ومن وافقهم من المعتزلة بما حاصله، أنّ الصفات لو كانت غير الذات لا تخلو، إمّا أنْ تكون قديمة أو حادثة، فلو كانت قديمة لزِم تعدّد القديم، وهو أسوَأ من قول النصارى الذين أثبتوا ثلاثة قدماء: الأب، والابن، وروح القدس، وأصحاب هذا القول يلزمهم أكثر من ذلك (3)، ولو كانت حادثة يلزم خلوّ الذات عن هذه الصفات ولو آناً

____________________

(1) انظر المواقف الجزء الثامن ص 47 و48.

(2) انظر المصدر السابق.

(3) انظر كشف الحق ونهج الصدق للعلاّمة الحلّي ص 21 فقد نقل عن فخر الدين الرازي، أنّ النصارى كفروا لأنّهم اثبتوا ثلاثة، وأصحابنا، ويعني بهم الأشاعرة اثبتوا تسعة وتسعين.

١٦٨

ما، ويلزم افتقار ذاته إلى العلم ليصحّ وصفه بالعالم، وافتقارها إلى القدرة ليصحّ وصفه بالقادر وهكذا بقيّة الصفات، فيكون ناقصاً بذاته وكاملاً بغيره، ولا يُمكن لأحدٍ أنْ يلتزم بذلك (1) .

وقد خالف عبد السلام الجبائي المكنّى بأبي هاشم، الإمامية والأشاعرة، وادّعى أنّ ثبوت صفاته تعالى لذاته لا بواسطة صفة أُخرى غير الذات، كما يدّعي الأشاعرة وأتباعهم، ولا هي عين الذات كما يدّعي الإمامية وبعض المعتزلة، فقال: إنّ الله سبحانه لا يوصف بالعالِم لوجود صفة العلم، كما يدعي الأشاعرة، ولا بذاته كما يدّعي الفريق الآخر، وإنّما يوصف بذلك لوجود صفة قائمة بالذات حقيقة مغايرة لها، وتلك الصفة تسمّى حالاً، وأضاف إلى ذلك أنّها لا معلومة ولا مجهولة، ولا موجودة ولا معلومة.

وقد وافقه على هذه المقالة أبو بكر الباقلاّني، وأبو المعالي الجويني، ومن أجل ذلك سمّاهم المتكلّمون أصحاب الأحوال، وجاء في أوائل المقالات للمفيد، أنّ أبا هاشم قد فارق سائر أهل التوحيد بهذه المقالة، وقال السيّد المرتضى تلميذ المفيد: سمعت الشيخ المفيد يقول: ثلاثة أشياء لا تعقل، وقد اجتهد المتكلّمون في تحصيل معانيها من معتقديها بكلّ حيلة فلَم يظفروا منهم إلاّ بعبارات تناقض مفهوم الكلام: اتحاد النصرانية، وكسب النجارية وأحوال البهشمية (2) .

ومهما كان الحال، فمذهب الإمامية أنّ صفاته عين ذاته، وليس وراءها شيء آخر يُسمّى حالاً كما يدّعي الجبائي، ولا صفة أُخرى قائمة بالذات بنحوٍ تكون الصفات متعلّقة بها كما يدّعي الأشاعرة، والمحدّثون، وفي شرح التجريد للعلاّمة الحلّي: (إنّ الله يستحيل أنْ يتّصف بصفةٍ زائدة على ذاته بأيّ نحوٍ كانت؛ لأنّ وجوب الوجود يقتضي الاستغناء عن كلّ شيء، فلا يفتقر في كونه قادراً إلى صفة القدرة، ولا في كونه عالماً

____________________

(1) انظر المواقف ص 48 حيث أشار إلى دليل الإمامية والمعتزلة وأجاب عنهما.

(2) انظر ص 18 من أوائل المقالات، وص 19 من التعليقة على الكتاب المذكور والمراد باتحاد النصرانية كون الأب والابن والروح القدس شيئاً واحداً، وأحوال البهشمية، هو الحال القائل به الجبائي وأتباعه، والنجارية هُم أتباع الحسين بن محمّد النجار من متكلّمي المُجبّرة، وكان يدّعي أنّ الأعمال مخلوقة لله وكون الفعل طاعة أو معصية حقيقتان واقعتان بقدرة العبد.

١٦٩

إلى صفة العلم، ولا إلى غير ذلك من المعاني والأحوال).

وجاء عن الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) كما في رواية الحسين بن خالد قال: سمعت الرضا يقول: (لم يزل الله سبحانه عليماً قادراً حيّاً قديماً سميعاً بصيراً)، قلت: يا ابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، إنّ قوماً يقولون إنّه عالمٌ بعلم، وقادرٌ بقدرة، وحيٌّ بحياة، وقديمٌ بقِدَم، وسميعٌ بسمع، فقال (عليه السلام): (من قال بذلك ودان به فقد اتخذ مع الله آلهةً أُخرى، وليس من ولايتنا على شيء)، ثمّ قال: (لم يزَل الله سُبحانه عليماً قادراً حيّاً سميعاً بصيراً لذاته، تعالى عمّا يقول المشركون والمشبّهون علوّاً كبيراً).

وقد أورد الصدوق في كتابه التوحيد، طائفة من المرويّات عن الأئمّة حول هذا الموضوع، وكلّها تنصّ على اتحاد صفاته مع ذاته فالتغاير الذي لابدّ منه بين الصفة والموصوف بالنسبة إليه تعالى، يكون اعتبارياً لا غير، وإلى ذلك يرجع ما جاء في بعض النصوص الصريحة في نفي الصفات عنه، ومن أمثلة ذلك، المروي عن عليّ (عليه السلام) في بيان حقيقة التوحيد، قال (عليه السلام): (وكمال توحيده الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه بشهادةِ كلّ صفةٍ أنّها غير الموصوف، فمَن وصَف الله فقَد قرَنه، ومَن قرنه فقد ثنّاه، ومن ثنّاه فقد جزّأه، ومن جزّأه فقد جهله)، إلى كثير من كلامه في نهج البلاغة الذي يؤكّد هذا المعنى.

ولابدّ وأنْ يكون نفي الصفات عنه بلحاظ الواقع والحقيقة؛ لأنّ وصفه بهذا اللحاظ يستدعي تلك اللوازم التي ذكرها (عليه السلام)، أمّا وصفه بتلك الصفات بلحاظ التغاير الاعتباري، فلا محذور فيه، وأنْ كانت الصفة عين الموصوف واقعاً وحقيقة كما جاء في جملة من النصوص (1).

____________________

(1) انظر توحيد الصدوق ص 130 وما بعدها.

١٧٠

الرؤية

اتفق الإمامية على أنّ الله سُبحانه لا يُرى في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأنّ ما لا يكون جسماً ولا حالاً في الجسم، ولا واقعاً في جهة أو مكان أو حيّز، ولا يكون مقابلاً لا يُمكن رؤيته، وقد نصّت على ذلك الآيات، والروايات عن أئمّة أهل البيت (عليه السلام).

قال سُبحانه: ( لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ ) ، وفي آيةٍ أُخرى مخاطباً لموسى بن عمران: ( لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ) ، وهذه الآية لا تدل على نفي الرؤية فحسب، بل تدلّ على استحالتها بالنسبة إليه سبحانه؛ لأنّه قد ربطها باستقرار الجبل في مكانه، واستقراره في حال كونه متزلزلاً من المحالات، وإلاّ لزِم أنْ يكون ساكناً ومتحرّكاً في حالة واحدة، فهو أشبه بقوله تعالى: ( وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ) ، وإذا امتنعت رؤيته على أنبيائه، كانت بالنسبة إلى غيرهم أولى بالامتناع (1).

وجاء في آيةٍ أُخرى: ( لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ) وروى صفوان بن يحيى، قال: سألني أبو قرّة أنْ أدخله على الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) فاستأذنته في ذلك فأذِن لي، فقال أبو قرّة: إنّا روينا أنّ الله سبحانه قسّم الرؤية والكلام بين اثنين، فجعل الكلام لموسى، والرؤية لمحمّد (صلّى الله عليه وآله)، فقال أبو الحسن الرضا (عليه السلام): (فمَن المبلّغ عن الله ألي الثقلين الجنّ والإنس: ( لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ ) ، ( وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ) ، و ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) أليس محمّداً؟) قال: بلى!

قال: (فكيف يجيء رجلٌ إلى الخلق جميعاً فيخبرهم أنّه جاء من عند الله، ويدعوهم إلى الله بأمر الله، ويقول لهم: لا تدركه الأبصار، ولا يحيطون به علماً، وليس كمثله شيء؟! ثمّ يقول لهم: أنا رأيته بعيني، وأحطت به عِلماً، وهو على صورة البشر، أما يستحون، ما قدرت الزنادقة

____________________

(1) وقد جاء في تفسيرها عن الرضا (عليه السلام): أنّ بني إسرائيل بعد أنْ ألحّوا على موسى ليريهم ربّه، أوحى الله إليه أنْ يسأله ذلك، ولمّا طلب من ربّه هذا الأمر أوحى إليه: (إنّك لنْ تراني ولكن انظر إلى الجبل فإنْ استقرّ مكانه فسوف تراني، فلمّا تجلّى ربّه للجبل) بآياته (جعله دكاً وخر موسى صعقاً، فلمّا أفاق، قال: تبت إليك وأنا أوّل المؤمنين) بأنّك لا تُرى.

١٧١

أن ترميه بهذا!).

قال أبو قرّة: إنّه قال: (ولقد رآه نزلة أُخرى).

قال أبو الحسن الرضا (عليه السلام): (إنّ بعد هذه الآية ما يدلّ على أنّه لم يرَه، حيث قال: ( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ) ، أي ما كذَب فؤاد محمّد، وما رأت عيناه، ثمّ أخبر بما رأى، وقال: ( لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ) ، وآيات الله غير الله، وقد قال: ( وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ) ، وإذا رأته الأبصار فقد أحاطت بهِ علماً) (1).

ويتّفق المعتزلة مع الإمامية في هذه المسألة، وهي من جملة المسائل التي خالفوا فيها المحدّثين والأشاعرة، أمّا غيرهم من أهل السنّة فقد ذهبوا إلى إمكانها في الدنيا ووقوعها في الآخرة (2)، واستدلّوا بأنّا نرى الأعراض، والألوان والجواهر، ولا سبب لذلك إلاّ وجود هذه الأشياء، وهذا السبب بعينه موجود بالنسبة إليه تعالى.

والجواب عن ذلك، أنّ وجود الله سبحانه ليس كوجود غيره، إذ وجوده نفس حقيقته ونفس ذاته، ولا يلزم من كون الوجود في بعض الماهيّات علّة لشيء، أنْ يكون الوجود في غيرها علّة لذلك الشيء لمجرّد اشتراكهما في أصلِ الوجود، على أنّ وجود الواجب ليس كوجود غيره من المُمكنات، بل هو نحوٌ آخر من أنحاء الوجود متميّز عن غيره من بقيّة الموجودات.

هذا بالإضافة إلى أنّ هذا الدليل غير مطّرد بالنسبة إلى غير الواجب أيضاً، فإنّ كثيراً من الصفات النفسانية كالعلم والشجاعة والكرم وغيرها، مع أنّها موجودة ولكنّها لا ترى، فليس كلّ موجود يُرى كما يدّعي الأشاعرة وأتباعهم، ثمّ إنّ مجرّد الوجود ليس سبباً تامّاً للرؤية؛ لأنّه يتوقّف عن حصول الشرط وهو مقابلة الرائي للمرئي، ويستحيل ذلك بالنسبة إليه تعالى؛ لأنّه ليس جسماً ولا في جهة من الجهات، ولا يشبه الموجودات في جميع حالاته.

واستدلّوا أيضاً ببعض الآيات الموهمة لذلك، منها أنّ موسى طلب

____________________

(1) توحيد الصدوق باب الرؤية.

(2) أمّا الأشاعرة فقد ذهبوا إلى جواز رؤيته تعالى، وقال الآمدي: اجتمعت الأئمّة من أصحابنا على أنّ رؤيته في الدنيا والآخرة جائزة عقلاً، واختلفوا في جوازهما سمعاً فأثبته بعضهم ونفاه آخرون، انظر المواقف ص 115.

١٧٢

من ربّه أنْ يراه، ولو كانت ممتنعة، لكان طلبه لغواً، واللغو لا يجوز على الأنبياء، كما استدلّوا بقوله تعالى: ( وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ) ، واستقرار الجبل ليس محالاً على حدِّ زعمهم، فكذا الرؤية؛ لأنّها معلقة عليه.

وقد ذكرنا سابقاً أنّ هذه الآية تدلّ على استحالة الرؤية، لا على إمكانها؛ لأنّ استقرار الجبل في حال تزلزله من المحالات التي لا يقرّها العقل، والمعلّق على المحال، محال مثله (1)، ومنها ما ورَد في وصف أهل الجنّة، قال: ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) ، والنظَر المقرون بالله يفيد معنى الرؤية، كما في قول القائل:

نظرت إلى مَن أحسن الله وجهه

فيا نظرة كادت على وامقٍ تقضي

والجواب عن ذلك، إنّ النظر إلى الشيء لا يستلزم رؤيته، كما يُمكن أنْ تكون بمعنى منتظرة، أو على حذفِ شيءٍ من الكلام، فيكون المعنى إلى ثواب ربّها ناظرة، وقد أكّد الأشاعرة وقوع الرؤية في الآخرة للمؤمنين، أمّا الكفّار فلا يرونه على حدّ زعمهم؛ لأنّهم عن ربّهم محجوبون كما تنصّ على ذلك الآية، أمّا غيرهم من أهل السنّة فقالوا بجوازها ووقوعها في الدنيا والآخرة، ويتأكّد هذا القول عند القائلين بأنّه جسمٌ مؤلّف كما تتألّف منه سائر الأجسام، وقد اتخذ لنفسه مكاناً خاّّّّّّصّاً، ويضحك حتى تبدو نواجذه، كما أوردنا ذلك في أوائل هذا الفصل (2).

____________________

(1) وهذا الجواب لا يكفي لردّ المجوّزين للرؤية؛ لأنّ استقرار الجبل إنّما يكون محالاً في حال تحرّكه أمّا في زمانها فليس مُالاً لإمكان تبدّل الحركة بالاستقرار، فالجواب الذي ذكره الإمام الرضا عنها هو المتعيّن في المقام.

(2) انظر ص 117 من المواقف وما بعدها، وشرح التجريد ص 183 ومقالات الإسلاميّين ص 321 وكشف الحق ونهج الصدق للعلاّمة الحلّي ص 11.

١٧٣

الجبر والاختيار، أو القضاء والقدر

لقد شاع إطلاق لفظ القدرية بين المؤلّفين في الفِرَق الإسلامية، وبين الكتّاب والباحثين على القائلين بأنّ الإنسان هو الذي يخلق أفعاله، بإرادته واختياره، وليس لله سبحانه مشيئة في ذلك، كما شاع إطلاقها على القائلين بأنّ الأفعال مخلوقة لله ومقدرة على الإنسان سَواء كانت خيراً أم شرّاً، وبذلك يكون لفظ القدر من الألفاظ المستعملة في معنيَين متضادّين، وهو بمعناه الأوّل يُرادف الاختيار وبمعناه الثاني يُرادف الجبر.

وكانت هذه المسألة ولا تزال من أعقد المسائل الكلامية التي شاع النزاع فيها في القرن الأوّل الإسلامي بين العلماء والمتكلّمين، وبقيَت موضع عناية الباحثين والمفكّرين طوال هذه القرون، وبالرغم من توجّه الأفكار إليها بالبحث وإعطائها تلك الأهميّة، بالرغم من ذلك، فلَم يلتقِ العلماء الباحثون فيها على رأيٍ واحد، ولا استطاعوا أنْ يتّفقوا على الحلول التي تزيح الشُبَه والشكوك حول أفعال الإنسان، وتحديد المسؤوليّة المترتبة عليها.

ويؤكّد أكثر الكتّاب أنّ الذين أثاروا موضوع الجبر والاختيار في العهد المبكّر من تاريخ الإسلام، وسهّلوا طريق انتشاره بين المسلمين كانوا ينتمون إلى بعض الديانات التي سبقت الإسلام، وأنّ هؤلاء كانوا يُحاولون الدسّ بين المسلمين وخلْق الشُبه في أذهانهم، وشاعت فكرة الجبريّين ووجدت منفذاً إلى العقول والأفكار، وتحمّس للدفاع عنها عددٌ كبير من المفكّرين والباحثين وبخاصّة القضاة والحكّام وهؤلاء يرحبّون بها؛ لأنّها تضَع مسؤولية تصرّفاتهم وجورهم على الخالق، وتسهّل لهم ممارسة الشهوات والملذّات.

مع أنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) قد نهى عن الخوض في أمثال هذه المواضيع التي لا تزيد الباحث إلاّ حيرةً وضلالاً، وحدّد لهم الإيمان بقوله، كما جاء عنه: (الإيمان أنْ تؤمن بالله واليوم الآخر وملائكته ورُسُله، وتؤمن بالقدر خيره وشرّه)، ومع ذلك، فقد ظهرت بوادر التفكير في موضوع القضاء والقدر بعد وفاته، عندما توالت الفِتَن، واختلط المسلمون بغيرهم من الأُمَم ذات الديانات القديمة، الذين دخلوا في الإسلام، وفي أذهانهم بعض الآراء والمعتقدات التي لا تزال تحتلّ تفكيرهم وتسيطر على عقولهم.

ففي عصر عليّ (عليه السلام) وبعد رجوعه من صفّين، قام إليه شيخ من

١٧٤

أنصاره، فقال له: أخبرنا عن مسيرنا إلى الشام، أكان بقضاء الله وقدره أم لا؟

فقال له الإمام (عليه السلام): (والذي فلَق الحبّة وبرَأ النسمة، ما وطئنا موطئاً، ولا هبَطنا وادياً، إلاّ بقضاء الله وقدره).

فقال الشيخ: عند الله احتسب عنائي، ما أرى لي من الأجر شيئاً!

ثمّ أنّ الإمام أوضح له المراد من القدر، فقال: (أيّها الشيخ، لقد عظّم الله أجركم في مسيركم وأنتم سائرون، وفي منصرفكم وانتم منصرفون، ولم تكونوا في شيءٍ من أحوالكم مُكرَهين ولا مضطرّين).

فقال الشيخ: كيف القضاء والقدر ساقانا؟ فقال: (ويحك لعلّك ظننت قضاءً لازماً، وقدَراً حتماً، لو كان ذلك لبطَل الثواب والعقاب، والوعد والوعيد، والأمر والنهي، ولم تأتِ لائمةٌ مِن الله لمذنبٍ، ولا مَحْمَدةٌ لمُحسِن، ولم يكن المُحسِن أولى بالمدح من المسيء، ولا المسيء أولى بالذمّ من المُحسِن، تلك مقالةُ عبّاد الأوثان، وجنود الشيطان، وشهود الزور، أهل العمى عن الصواب، وهم قدرية هذه الأُمّة ومجوسها).

وأضاف الإمام (عليه السلام) يقول: (إنّ الله أمر تخييراً ونهى تحذيراً وكلّف تيسيراً، ولم يُعصَ مغلوباً، ولم يُطَع كارهاً، ولَم يُرسِل الرُسل إلى خلقه عبَثاً، والقضاء والقدَر هما الأمر من الله والحكم، وأمر الله لا يوجب إلجاء العبد وسلْب اختياره، فالله سبحانه يأمر ويحكم وللعبد حرّيته وإرادته في الإطاعة والعصيان).

والذي يُستفاد من هذه الرواية أنّ القضاء والقدر هما الأوامر والنواهي المتعلّقة بالأفعال وهما لا يوجبان سلْب اختيار المكلّف وإرادته، ويظهر من بعض المرويّات أنّ القضاء والقدر هما علم الله الأزلي، بما يختاره الإنسان من خيرٍ أو شر، قبل ورود الأوامر والنواهي المتعلّقة بالأفعال، وقد جاء عن الرسول (صلّى الله عليه وآله) في ذلك أنّ الله قدّر المقادير قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة (1).

وقد ورد القضاء في الكتاب بمعنى العلم، قال سبحانه: ( إِلاّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا ) وبمعنى الإعلام، لقوله: ( وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ

____________________

(1) انظر توحيد الصدوق ص 377.

١٧٥

الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ ) وبمعنى الحكم لقوله: ( وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ ) ، وبمعنى الحكم لقوله: ( فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ) ، وبمعنى الأمر لقوله: ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيَّاهُ ) وبمعنى الخلق والفعل، والإتمام وغير ذلك من المعاني المختلفة التي استعمل فيها لفظ القضاء في الكتاب الكريم.

ومهما كان الحال فقد خاض المسلمون في مسألة اختيار الإنسان وعدمه وتشعّبت فيها آراؤهم، واختلفت مناهجهم في البحث فيها، لذلك فإنّ أقوالهم وآراءهم في هذه المسألة بعد الإحصاء والتتبّع فيها لا تنتهي بالباحث إلى حلٍّ يتناسب مع حكمة الخالق ولطفه بعباده.

وقد ذكرنا أنّ لفظ القدرية كما يُطلق على القائلين بالاختيار، كذلك يُطلق على الجبريّة الخالصة، وهؤلاء يلتقون مع الأشاعرة والفقهاء من أهل السنّة، كما يلتقي القائلون باختيار العبد مع المعتزلة، وجاء في شذرات الذهب، أنّ أصحاب واصل بن عطاء قالوا بنفي القدرة عن الله سبحانه، وإسنادها إلى العباد (1).

وقد ذكر المؤلّفون في الفِرَق والاعتقادات أنّ أوّل من تكلّم في القدَر رجلٌ من أهل العراق كان نصرانياً دخل الإسلام ورجع عنه، ومنه أخذ معبَد الجهني وغيلان الدمشقي، فتولّى معبد الجهني نشر فكرة القدر بمعنى الاختيار في العراق، وتولّى نشرها في الشام غيلان الدمشقي، واستمرّ معبد في نشر هذه الفكرة زمناً طويلاً، وأخيراً انضمّ إلى عبد الرحمان بن الأشعث في ثورته على الأمويّين، فلمّا انهزم ابن الأشعث كان معبد الجهني من جملة الأسرى، فقتله الحجّاج بن يوسف الثقفي، وقيل: إنّ الذي تولّى قتله صلْباً عبد الملك بن مروان.

وأمّا غيلان الدمشقي فقد تولّى نشر فكرة الاختيار والدعاية لها بالشام، وقد جرت بينه وبين عمر بن عبد العزيز مناظرة حولها، واستطاع أنْ يقنعه بفساد هذه الفكرة، فوعده غيلان بالرجوع عنها، وكان من نتيجة ذلك أنْ ولاّه عمر بن عبد العزيز بيع ما في خزائن الأمويّين من التُحَف والذخائر فتولّى له ذلك، وأكثر من السباب والشتائم للأمويّين الماضين، فأضمرها له هشام بن عبد الملك، فلمّا تولّى الخلافة استدعاه هو والفقيه

____________________

(1) انظر المجلّد الأوّل من شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي ص 183.

١٧٦

الأوزاعي ليتناظرا في القدر، ولمّا أفحمه الأوزاعي، أمر هشام بن عبد الملك بقتله فقتلوه بعد أنْ قطعوا يديه ورجليه.

وجاء في رواية ابن نباتة أنّ عمر بن عبد العزيز لمّا بلغه قوله استدعاه، وقال له: ما تقول؟

- قال: أقول ما قال الله.

- قال: وما قال الله؟

- قال: إنّ الله يقول: ( هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ) ، ومضى يقرأ حتى انتهى إلى قوله: ( إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ) .

- قال له عمر: اقرأ، فلمّا بلغ قوله: ( وَمَا تَشَاءُونَ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ ) ، قال له يا ابن الأتانة، تأخذ بالفرْع وتدَع الأصل؟

وجاء في الانتصار لعبد الرحيم الخيّاط المعتزلي، أنّ هشام بن الحكَم قال لغيلان: ويحَك يا غيلان، لقد أكثر الناس فيك فنازعنا بأمرك، فإنْ كان حقّاً اتبعناك وإنْ كان باطلاً نزَعت عنه، فاستدعى هشام ميمون بن مهران ليكلّمه، فقال له غيلان: أشاء الله أنْ يُعصى؟ فأجابه ميمون: أفعُصيَ كارهاً؟ فسكَت غيلان، فقطَع هشام بن الحكّم يديه ورجليه (1) .

أمّا القائلون بالقدر بمعناه المعروف عند الجهميّة والأشاعرة وجمهور أهل السنّة، فهم الجبريّة، فقد جاء عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فيهم أنّهم مجوس هذه الأُمّة وقد جاءه رجلٌ فقال له: رأيت أهل فارس ينكحون بناتهم وأخواتهم، فإنْ قيل لهم لِمَ تفعلون ذلك؟ قالوا: قضاء الله وقدره، فقال (صلّى الله عليه وآله): (سيكون في أُمّتي مَن يقول بمثل هذه المقالة  وأُولئك مجوس هذه الأُمّة).

ويدّعي أكثر المؤلّفين في الفِرَق، أنّ أوّل مَن دعا إلى هذه الفكرة من المسلمين الجعد بن درهم مولى بني الحكَم، وكان من سكّان الشام ويتّصل بجماعة من اليهود، ومنهم أخذ فكرة الجبر، وقد لازم الأمويّين وتولّى لهم تربية أولادهم، ومنه أخذها الجهم بن صفوان، حينما التقى معه في الكوفة، ولأنّه كان من دعاة هذه الفكرة والعاملين على إشاعتها كان مقرّباً من قصور الخُلفاء ومحاطاً بعنايتهم؛ لأنّ فكرة الجبر تخلق لهم المبرّرات

____________________

(1) انظر الانتصار لابن الخيّاط ص 139.

١٧٧

لتصرّفاتهم، وانهماكهم في الملذّات والشهَوات.

وروى ابن قُتيبة، أنّ عطاء بن يَسار كان قاضياً للأمويّين، ويرى رأي معبد الجهني، فدخل على الحسن البصري، وقال له: يا أبا سعيد، إنّ هؤلاء الملوك يسفكون دماء المسلمين ويأخذون أموالهم، ويقولون إنّما تجري أعمالنا على قضاء الله وقدره، فقال له الحسن البصري: كذِب أعداء الله، ولقد راج هذا المذهب وانتشر بين جماهير المسلمين، وليس ببعيد أنّ يكون للحكّام أثر في رواجه وانتشاره، ولقد تولّى نشره الجهم بن صفوان في العراق وخراسان، وكان كاتباً لشريح بن الحارث، وخرَج معه على نصر بن سيار، وأخيراً قتله مسلم بن أحوَز المازني في أُخريات أيّام بني أُمّية، ومِن بعده انتقل أتباعه إلى نهاوند، واتخذوها مقرّاً لهم، واستمرّ هذا المذهب في تلك البلاد إلى أنْ ظهَر أبو منصور الماتريدي في أوائل القرن الرابع، فتغلّب أبو منصور عليهم، ونشر مذهبه في تلك البلاد (1).

والذي أراه أنّ الجهم بن صفوان، وإنْ كان من دعاة هذه الفكرة ومِن العاملين على إشاعتها في تلك الفترة من تاريخ الاسلام، ولكنّ ذلك لا يعني أنّها لم تختلج أذهان المسلمين الأوّلين؛ لأنّ القرآن المرجع الأوّل لهم، وقد تعرّض لهذا الموضوع في كثير من المناسبات، وموقفه منها لم يكن واضحاً تمام الوضوح، ففي بعض آياته ما يُشعِر بالجبر، كما يشعر بعضها بالاختيار أيضاً، ولذا فإنّ كلاًّ من الفريقين يؤيّد مذهبه بالآيات القرآنيّة، هذا بالإضافة إلى أنّ جماعة من المسلمين في عصر النبيّ (صلّى الله عليه وآله) والصحابة قد اعترضتهم شبهة الجبر والاختيار، ورجعوا إلى الرسول للوقوف على واقع الحال، وحينما سأله بعضهم عن مقالة الفُرس الذين ينكحون بناتهم وأخواتهم، قال (صلّى الله عليه وآله): (سيكون في أُمّتي من يقول بذلك، وأُولئك هم مجوس هذه الأُمّة).

وقد ذكرنا حديث الشيخ مع عليّ (عليه السلام) بعد رجوعه من صفّين، كما جاء عن ابن عبّاس، أنّه خاطب جبرية أهل الشام، قائلاً: (أمّا بعد أتأمرون الناس بالتقوى وبكم ضلّ المتّقون، وتنهون عن المعاصي وبكم ظهَر العاصون؟! يا أبناء سلَف المنافقين، وأعوان الظالمين، وخزّان مساجد الفاسقين! هل

____________________

(1) انظر المذاهب الإسلاميّة لأبي زهرة ص 175 والملل والنحل ص 113 من المجلّد الأوّل.

١٧٨

منكم إلاّ مفترٍ على الله ليجعل إجرامه عليه سبحانه، وينسبها علانيةً إليه؟!)، إلى غير ذلك من الآثار التي تؤيّد أنّ فكرة الجبر ليست من مخترعات صفوان الجهمي، ولا مِن مختصّاته، بل كانت تعترض أذهان المسلمين من قبله، ولكن مثيري هذه الشُبَه لم يجدوا مَن يناصرهم لإشاعتها، ولا إقبالاً عليها من أحد، ولا اختلفت فيها الآراء كما كانت تختلف في كثير من المسائل الفرعية، ولعلّ مردّ ذلك للأسباب التالية:

الأوّل: إنّ المسلمين كانوا يتقيّدون بحرفيّة النصوص الإسلامية، من غير نظرٍ إلى العِلل والأسباب، وانصرفوا عن التفكير بغير الكتاب والحديث.

الثاني: إنّهم اتجهوا بكلّ إمكانياتهم المادّية والفكرية إلى الفتوحات وتوسيع رقعة الإسلام، وقد شغلتهم الحروب والغزَوات عن جميع الشؤون التي لا تتّصل بهذا الأمر، كما ذكرنا ذلك سابقاً.

الثالث: إنّ الرسول نفسه كان ينهى عن البحث والخوض في هذه المواضيع وقد حدّد لهم الإيمان، وفرض عليهم أنْ يؤمنوا بالقدَر خيره وشرّه، بدون زيادةٍ أو تعليل؛ لأنّ البحث عن القدر وماهيته وحقيقته لا يزيد الباحث إلاّ حيرةً وضلالاً.

وجاء عن عليّ (عليه السلام) أنّه قال لرجلٍ سأله عن القدر: (إنّ القدر بحرٌ عميق فلا تلِجه، وطريقٌ مظلم فلا تسلكه، وسرُّ الله في الأرض فلا تكلّفه) (1) .

ومهما كان الحال فقد اختلفت آراء العلماء والباحثين في هذه المسألة أشدّ الاختلاف، وتعصّب كلُّ فريقٍ لرأيه فيها حتى أصبح يرى آراء غيره ضلالاً وجحوداً، فالجبرية الخالصة والقدرية، يتقابلان تقابلاً كلّياً فيها؛ لأنّ أُولئك يرون الإنسان كريشة في مهبّ الريح، لا يملك شيئاً من أفعاله وتصرّفاته، وهؤلاء يرون أنّ الله قد ترَك العبد وشأنه، فلَم يتدخّل بشيء من أُموره، ونسب إليهم نفي العلم الأزلي والإرادة الأزلية عنه، أمّا الأشاعرة أتباع أبي الحسن الأشعري، الذي جاء لإحياء رأي المحدّثين والفقهاء من أهل السنّة كما يدّعي، هؤلاء يذهبون إلى أنّ أعمال العباد مخلوقة لله، ومقدورة له، لقوله تعالى: ( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) ،

____________________

(1) انظر توحيد الصدوق ص 374.

١٧٩

ومع أنّ الفعل مخلوق لله ومقدور له، وللعبد قدرة على الفعل مقارنةً لقدرة الله الخالق للأفعال، ولكن تلك القدرة لا تؤثّر في إيجاد الفعل، ولا في نسبته إليه، وهو بهذه القدرة المقارنة يستحقّ الثواب والعقاب، وقد سمّاه كسباً، واشتهرت نسبة الكسب إليه (1).

أمّا المعتزلة فرأيهم في هذه المسألة لا يعدو رأي القدرية، وقد ذكرنا سابقاً أنّ واصل بن عطاء كان يَرى رأي معبد الجهني في القدر، وكان يتستّر به ونُسِب إليه الاعتزال؛ لأنّه اعتزل رأي جمهور الفقهاء في هذه المسألة كما ذكر ذلك بعض كتّاب الفِرَق والمؤلّفين (2).

أمّا الماتريدية ، أتباع محمّد بن محمود المعروف بأبي منصور الماتريدي الحنَفي، الذي نشَر فقه الأحناف فيما وراء النهر بسمرقند وجهاتها، فقد عاصَر الأشعري وكلاهما كان خصماً للمعتزلة، غير أنّ الأشعري عاش في البصرة موطن الاعتزال وعاش هو فيما وراء النهر، ولكلّ واحدٍ منهما منهجٌ خاص في الردّ عليهم وتفنيد آرائهم ونظرياتهم، مع الاحتفاظ بالنصوص الإسلامية والتقيّد بها.

إلاّ أنّ الماتريدي ينطلق أحياناً مع العقل ويرى له صلاحيّة واسعة في بعض المواضيع أكثر من الأشعري، ففي مسألة الحُسن والقبح العقليّين يتّفق هو والمعتزلة في أنّ للأشياء حُسناً ذاتياً وقُبحاً ذاتياً، إلاّ أنّ المعتزلة يدّعون أنّ ما يقرّر العقل حُسنه يكون واجباً بحكم العقل والشرع، وما يدرك العقل قُبحه يكون محرّماً، بينما الماتريدي يرى أنّ لا تكليف إلاّ بعد الشرع؛ لأنّ العقل ليس له صلاحية الاستقلال، أمّا الأشعري فيلتقي مع المحدّثين والفقهاء في هذه المسألة إلتقاءً كلّياً، ويرى خلوّ الأشياء عن الحسن والقبح الذاتيّين، أمّا في مسألة الجبر والاختيار فهو مع الأشعري والمحدّثين من ناحية أنّ الأفعال من صنع الله وحده، ولكنّه يلتجئ إلى نوعٍ آخر من الكسب الذي يدّعيه الأشعري لتصحيح الثواب والعقاب.

وهنا يقرّر الماتريدي أنّ لا شيء في هذا الوجود إلاّ وهو مخلوق لله سبحانه، وأنّ إثبات الخلق لغيره شِركٌ صريح، والثواب والعقاب تابع لاختيار العبد بمقتضى الحكمة والعدالة، ومع أنّ الأفعال مخلوقة لله

____________________

(1) انظر المذاهب الإسلامية لأبي زهرة ص 275، والملل والنحل للشهرستاني ص 132.

(2) التبصير في الدين ص 64 وفجر الإسلام ص 298، وشذرات الذهب ج 1 ص 183.

١٨٠

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253