الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة

الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة15%

الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة مؤلف:
تصنيف: تاريخ التشيع
الصفحات: 253

  • البداية
  • السابق
  • 253 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 55890 / تحميل: 9594
الحجم الحجم الحجم
الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة

الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة

مؤلف:
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة


1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

بين المسلمين وغيرهم وبين المسلمين أنفسهم، وفي عصر المأمون أنشأ داراً للتأليف والترجمة والمناظرة سمّاها (دار الحكمة) (1) .

وعلى كلّ حال فلقد استفاد المسلمون وغيرهم من النظام الإسلامي الذي يسمَح لغير المسلمين بالإقامة معهم في بلدٍ واحد إذا خضعوا لنظام الحُكم الإسلامي، وكان السرْيان من أهمّ العوامل التي ساعدت المسلمين على التعرّف على الفلسفة اليونانية، بعد أنْ نقلها السرْيان إلى لُغتهم، وانتشرت بواسطتهم في سوريا والعراق، وأنشأوا فيهما مدارس لنشرها وتدريسها، ولمّا فتح المسلمون هذه البلاد كانت تلك المدارس قائمةً بها والفلسفة اليونانية منتشرة فيها، فوجد المسلمون ضرورةً ملحّة لتعلّمها، ولم يكن لديهم مِن سبيل إلاّ استخدام السريان لهذه الغاية، فعلّموها أبناء المسلمين بعد أنْ أفتاهم يعقوب الرهاوي بجواز ذلك.

ثمّ نقلوها من السريانية واليونانية إلى العربية، والذي أخذه المسلمون العرَب من السريان هو الفلسفة اليونانية التي امتزجت بشروح الكتّاب المتأخّرين من رجال الأفلاطونية الحديثة، وهذا النوع من الفلسفة كان مزيجاً من الفلسفة والدين، وأوّل مَن مزج الفلسفة اليونانية بالدين هو (فيلوت) اليهودي، الذي وجِد في أواخر القرن الأوّل قبل الميلاد، وقد رأى هو وجماعة من الفلاسفة اليونانيّين بعد أنْ اختلطوا بعلماء الدين اليهود، أنْ يوفّقوا بين معتقداتهم الفلسفية والقضايا الدينية، وكان من نتيجة ذلك أنْ خرَج بشرحٍ كبير عن الإله والعالَم وعلاقة الله سُبحانه بهذا العالم، وعن الملائكة والجنّ وغير ذلك، وقد شرَح هذه المواضيع شروحاً فلسفية وفّق فيها بين الدين والعلم (2) .

وخلاصة البحث أنّ اختلاط المسلمين بغيرهم من أصحاب الديانات الذين لم يدخلوا في الدين الإسلامي، هذا الاختلاط قد نتج منه إثارة الشكوك حول العقائد الإسلامية وانتشار الإلحاد في البلاد الإسلامية، ممّا اضطرّ المسلمين إلى دراسة الفلسفة اليونانية بواسطة السريان من المسيحيّين المنتشرين في العراق وسوريا، تلك الفلسفة التي كانت مزيجاً من المعتقدات الفلسفية والقضايا الدينية التي تبحث عن الإله والعالم، وعلاقته بمخلوقاته وغير ذلك من المواضيع الدينية الأُخرى، فكان ذلك عاملاً قويّاً لانتشار

____________________

(1) انظر الفِرق الإسلامية لعلي الفارابي ص 136.

(2) المصدر نفسه ص 138 و139.

٢١

الإلحاد والتشكيك في بعض المواضيع الإسلامية التي لم يَعرِف المسلمون خلافاً بها قبل هذا التاريخ، وفي وسط هذا الجوّ المزدحم بالآراء والأفكار الغريبة عن الإسلام والمسلمين، انتشر عِلم الكلام انتشاراً واسعاً بين العلماء لحماية العقيدة الإسلامية من غزو أعداء الإسلام، الذين حاولوا تشكيك المسلمين بأُصوله ومبادئه، ولكنّ المتكلّمين من المسلمين الذين أرادوا حماية العقيدة الإسلامية - على حدّ زعمهم وزعم الكتّاب المتأخّرين (1) - قد تأثّروا بغيرهم وشذّوا في تفكيرهم وآرائهم عن منهج القرآن والرسول؛ ونتَج عن ذلك تعدّد الفِرَق واختلاف الآراء اختلافاً باعَد بينهم إلى أبعد الحدود، وفرّقَهم شِيَعاً وأحزاباً لا يتعارفون.

وفي ذلك الجوّ العلمي المزدحم بالآراء والأفكار المتضاربة، وقف أئمّة الشيعة وتلامذتهم موقفهم الذي اعتادوا أنْ يقِفوه في وجه أعداء الدين، يُناظرون المُشكّكين ويَدحضون آراء الملاحدة والزنادقة، كما ناظروا الفِرَق الإسلاميّة الذين تخطّوا في آرائهم وتفكيرهم النهج الإسلامي الصحيح، والأُصول التي وضعها القرآن والرسول (صلّى الله عليه وآله)، وسنعرض في الفصول الآتية آراء الفِرَق الإسلامية في العقائد ومدى تأثّرها بالفكر الأجنبي والفلسفة اليونانية التي انتشرت بينهم في تلك الفترة من تاريخهم، ومع أنّ الإمامية قد نبغ منهم الكثيرون في عِلم الكلام، وكانوا في طليعة من أخذ من السريان الفلسفة الأفلاطونية الحديثة كما ذكرنا، وعاشوا في وسط ذلك المعترك العلمي، مع ذلك كلّه فلم يتخطّوا في آرائهم في الأُصول وبقيّة المعتقدات الإسلامية، منهج القرآن وتعاليم الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وسيجد القارئ في الفصول الآتية ما يؤكّد هذه الحقيقة..

____________________

(1) المصدر السابق ص 138 و139.

٢٢

الفَصل الأول: الفِرَق الإسلامية الأُولى

وأسباب حدوثها وتاريخ التشيّع ومعناه

ولا بدّ لنا بعد هذا التمهيد - وقبل الدخول في موضوع الكتاب - من عرضٍ لتاريخ بعض الفِرق الإسلامية، التي حدَثت في عهدٍ مبكّر من تاريخ الإسلام، ذلك العهد الذي انقسم المسلمون فيه إلى شيعة وغيرهم، ومِن هاتين الفرقتين تشعّبت الفِرَق الإسلامية التي أنهاها بعضهم إلى ثلاثٍ وسبعين فرقة، وقد روى المحدّثون عن الرسول (صلّى الله عليه وآله) حديثاً يؤيّد هذا الإحصاء جاء فيه: (ستفترق أُمتي من بعدي إلى ثلاث وسبعين فرقة كما افترقت أُمّة موسى وعيسى (عليهما السلام) (1) وكما ذكرنا أنّ الانقسام الأُوّل

____________________

(1) إنّ الذين وضعوا هذا الحديث، وضعوه ليثبتوا أنّ تلك الفِرَق لم تخرج عن الإسلام على ما بينها مِن تباعد وتضارب في الآراء والمعتقدات، في حين أنّ أكثر تلك الفِرَق قد خرجت عن الإسلام في كثير من آرائها ومعتقداتها، كالقرامطة والإسماعيلية السبعية والغُلاة وغيرهم، كما يبدو ذلك ممّا سنعرضه من آراء تلك الفِرَق في الفصول الآتية من هذا الكتاب.

٢٣

بين المسلمين كان مصدراً للانقسامات التي تلَت في العصور المتأخّرة، وإلى هذين الفريقين ترجع سائر الفِرق والمذاهب الإسلامية السياسية وغيرها، وسنتحدّث عن بعض هذه الفرق تمهيداً لموضوع الكتاب، ولعلاقة بعضها بالتشيّع.

ويدّعي أكثر الكتاب من السنّة والمستشرقين: أنّ تاريخ التشيّع يرجع إلى عهد متأخّر عن وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وهم بين قائلٍ برجوعه إلى العصر الأموي الأوّل، وأنّه كان نتيجةً للاضطهاد والتنكيل الذي لحِق أنصار عليّ وبَنيه (عليهم السلام) من الأمويّين، وبين قائلٍ برجوعه إلى العصر الذي بدأ المسلمون فيه يُحاسبون عثمان وأنصاره على تصرّفاتهم وسوء إدارتهم، وقد أسرف جماعة إسرافاً حاقداً على الشيعة فأرجعوه إلى عناصر أجنبية كانت تعمل في الخفاء لتحطيم الإسلام عن هذا الطريق.

وجاء في كتاب النظُم الإسلامية للمستشرق الفرنسي (غودفروا) : أنّ الحزبين الكبيرين الخوارج والشيعة تكوّنا بعد الانشقاق الذي حصَل بعد معركة صِفّين لأسبابٍ سياسية.

وقال جماعة منهم: أنّ عبد الله بن سبَأ لعِب دوراً بارزاً في تكوين فكرة التشيّع، وسنتعرّض لإبطال هذه المزاعم في المحلّ المناسب، ولقد ذكرنا أنّ انقسام المسلمين إلى فرقتين كان في الأيّام الأُولى بعد وفاة الرسول فرقة تمسّكت بحقِّ عليّ في الخلافة، وأُخرى أسرعت إلى اختيار خلف للرسول يتولّى إدارة شؤون المسلمين، وتمّ الاختيار لأبي بكر خليفة للرسول (صلى الله عليه وآله) من بعده، والواقع أنْ التشيع بما هو فِرقة في مقابل جماعة المسلمين لم يكن قبل وفاة الرسول، ولكن المبدأ الذي يرتكز عليه التشيع، وهو نصّ النبيّ على استخلاف عليّ (عليه السلام) من بعده، كان بعد ولادة الإسلام وقبل أنْ يهاجر الرسول من مكّة إلى المدينة بأكثر من ثمانية أعوام تقريباً، وذلك حينما أُوحي إليه: ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) .

وجاء في جملة مِن الروايات أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) جمَع عشيرته والأقربين مِن آله بعد أنْ هيّأ لهم طعاماً، ثمّ دعاهم لمؤازرته والإيمان بدعوته المباركة، وكانوا نحواً من ثلاثين رجلاً، وكان في جملة ما قاله لهم: (أيّكم يؤازرني على هذا الأمر وهو وارثي ووصيّي، يقضي دَيني ويُنجز عِداتي، وخليفتي فيكم من بعدي)، فكرّرها فيهم ثلاثاً أو أربعاً فلم يتقدّم منهم احد غير عليّ (عليه السلام)، كما أورَد ذلك أحمد بن حنبل في مسنده، والثعالبي في تفسيره، وأضاف الثعالبي أنّ النبيّ كرّرها ثلاث مرّات وفي كلّ مرّة يسكت القوم إلاّ عليّاً (عليه السلام)، ولمّا يئس النبيّ من جوابهم قال النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لعليّ: (أنت أخي ووصيّي ووارثي وخليفتي من

٢٤

بعدي) (1) فكان هذا الموقف البذرة الأُولى للتشيّع، وما زال النبيّ (صلّى الله عليه وآله) طوال حياته يتعاهد تلك البذرة، ويُغذّيها بأقواله وأفعاله حتى نمَت وتركّزت في نفوس جماعة من المسلمين عُرفوا بالتشيّع لعليّ وموالاته حتى في حياة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وفي السنة الأخيرة من حياته بعد رجوعه من مكّة المكرّمة، وقبل أنْ يتفرّق عنه المسلمون في محلٍّ يُدعى بالغدير لم يجد الرسول بُدّاً من التنصيص عليه بوصفه واسمه، بعد أنْ نزلت عليه الآية الكريمة: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) .

فاستوقف النبيّ (صلّى الله عليه وآله) تلك الحشود، التي تمثّل مختلف البلاد والطبَقات وتقدر بمِئة ألف أو تزيد وصنع له أصحابه منبراً، ثمّ استدعى عليّاً (عليه السلام) إليه وقبض على ذراعه ونصّ عليه بتلك الصيغة المروية في كتب الحديث بمختلف الأسانيد، وفي جملةٍ منها أنّه بعد أنْ اعترفوا له بأنّه أَولى بالمؤمنين من أنفسهم، قال: (مَن كنت مولاه فعليٌّ مولاه)، فجعل له الولاية التي جعلها له الله والتي اعترف له بها المسلمون، هذا بالإضافة إلى الروايات الكثيرة التي رواها الثقات من السنّة والشيعة، وكلّها تؤكّد المعنى الذي فهمه الشيعة من حديث الغدير المتواتر، على أنّ الحديث المذكور لو تنزّلنا وقلنا: بأنّه لم يشتمل على ذكر الاستخلاف، إلاّ أنّ الملابسات التي أحاطت به والاستدراج الذي اشتمل عليه، واهتمام الرسول بعليّ وحده دون أهل بيته، كلّ ذلك ممّا يؤكّد المعنى الذي فهمه الشيعة من نصوص الحديث.

وفي بعض النصوص التاريخية أنّ المسلمين، بعد أنْ استمعوا لهذا البيان، لم يرتابوا في أنّه قد نصَّ على استخلافه بتلك الصيغة التي تؤدّي معنى أوسع ممّا تؤدّيه الكلمات المتعارفة في مثل المقام؛ ونتيجة لتلك النصوص التي تكرّرت منه (صلّى الله عليه وآله) في جملة من المناسبات، وذلك البيان العام الذي ألقاه في الغدير وتلك الحظوة التي كانت له عند الرسول، نتيجة لذلك كلّه، كان الرأي العام الإسلامي بعد وفاة الرسول متّجهاً نحو عليّ (عليه السلام) ولم يكن التسابق الذي حصل بين المهاجرين والأنصار

____________________

(1) انظر كشف الحق ونهج الصدق للعلاّمة الحلّي ص 101، وتاريخ الطبري وتاريخ أبي الفداء وكتابنا سيرة المصطفى وتاريخ اليعقوبي وأنساب الأشراف وغيرها من مجاميع الحديث والتاريخ.

٢٥

عليها بمجّرد أنْ أعلن نبأ وفاته، إلاّ لسدّ الباب في وجه الأكثرية التي لا تعدِل بعليّ (عليه السلام) أحداً من الناس؛ ولذا أُصيب الجمهور بما يشبه الدهشة لهذا التسابق والتزاحم بين الأنصار من جهة، وبين بعض المهاجرين من جهة أُخرى، والنبيّ لا يزال بين أهله مسجّى على فراش الموت، وعليّ وبنو هاشم وجماعة من إجلاّء الصحابة منصرفون عن دنيا الناس إلى تجهيزه لمقرّه الأخير، وقد تمّت البيعة لأبي بكر بتلك السرعة الخاطفة بدون تمهيد علَني مُسبَق كما يدّعي جماعة من المؤرّخين، ولكنّ الذي انتهت إليه بعد الدراسة أنّها كانت نتيجةً لمؤامرةٍ سابقة على وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله) (1)، وبدون مشورةٍ لأحدٍ من كبار الصحابة الذين لا يجوز تجاهلهم في أبسط الأُمور، فضلاً عن مثل هذا الأمر الذي يجب أنْ تتوفّر في الشخص المختار له أفضل الصفات وأكمل المواهب؛ لأنّه يمثّل الرسول ويحمي القرآن وينفّذ الأحكام كما أنزلها الله في كتابه وعلى نبيّه، ويرعى مصالح الأُمّة بكلّ إخلاصٍ وتجرّد.

بهذا الأُسلوب المرتجل الذي لم يكن نتيجةً لتمحيص الآراء، ولا لاستفتاء شعبي اشتركت فيه جميع الفئات والطبقات تمّت بيعة أبي بكر بعد وفاة الرسول، ولو فرض أنّ الرسول ترك اختيار الخليفة من بعده إلى المسلمين كما يدعون، لقد كان من اللازم التريّث بينما ينتهون من مواراة الرسول في قبره واختيار رأي الأكثرية من المسلمين، ولكنّهم أرادوا استغلال موقف عليّ وبني هاشم المفجوعين؛ مخافة أنْ تفوت من أيديهم عندما ينتهي عليّ (عليه السلام) ومَن معه من بني هاشم وثقات الصحابة، الذين ألْهَتهم تلك الفاجعة عن كلّ شيء.

ونظراً لأنّها لم تقم على أُسس ديمقراطية صحيحة، ولم تكن مستوحاة من المصلحة العُليا التي لابدّ من مراعاتها في الحاكم الجديد؛ نظراً لذلك قال عمر بن الخطّاب عنها بعد أنْ انتهت إليه الخلافة: (كانت بيعة أبي بكر فلْتة وقى الله المسلمين شرّها)، ومع أنّها كانت بهذا الشكل المفاجئ فقد رافقتها موجة من الإرهاب والتضليل، كان لهما أثرهما البالغ على الجماهير، فبينا عمر بن الخطّاب يقف في جموع المحتشدين ينادي إنّ محمّداً لم يمُت، وسيرجع كما رجَع موسى إلى قومه بعد أنْ غاب عنهم أربعين يوماً، وسيقطع أيدي قوم وأرجلهم نراه بعد ساعة هو وجماعة يسوقون الناس بالقوّة إلى سقيفة بني ساعدة لإتمام البيعة لأبي بكر،

____________________

(1) انظر كتابنا سيرة المصطفى ج 2.

٢٦

وفي ذلك يقول الأُستاذ عليّ عبد الرزّاق، في كتابه الخلافة وأُصول الحكم: (وإذا رأيت كيف تمّت البيعة لأبي بكر تبيّن لك أنّها كانت بيعة سياسية ملكيّة، عليها كلّ طوابع الدولة الجديدة المُحدثة، وأنّها قامت كما تقوم الحكومات الجديدة على أساس القوّة والسيف) (1) ، ومهما كان الحال فقد تسارع إلى بيعة أبي بكر جماعة، وتخلّف عنها عدد كبير من المسلمين بينهم بنو هاشم وجماعة من أعيان الصحابة، منهم سلمان الفارسي وعمّار بن ياسر، والزبير بن العوّام، وخزيمة بن ثابت وحذيفة بن اليمان وغيرهم، فقد آثروا التريّث بينما ينجلي موقف عليّ (عليه السلام) صاحب الحقّ الشرعي من هذه المفاجأة التي لم تكن بالحُسبان، وحينما انتهى من تجهيز النبيّ (صلّى الله عليه وآله) إلى مقرّة الأخير لم يستسلم لسطوة الحاكم الجديد، ولم ترهبه الجماهير المحتشدة به، فوقَف يناضل ويدافع عن حقّه السليب، بالرغم ممّا تركته الأحزان في نفسه من الآثار العميقة التي تحمّل مرارتها هو وزوجته السيّدة فاطمة (عليها السلام).

ووقف إلى جانبه جماعة من أعيان الصحابة، ولكنّه بعد أنْ رأى أنّ المضي في موقفه السلبي قد يؤدّي إلى نتائج يجني ثمارها أعداء الإسلام، ولا سيّما والردّة بعد وفاة الرسول وبعد المفاجأة التي أدّت إلى تعيين أبي بكر خليفة للرسول (صلّى الله عليه وآله) قد اتسعت بين عرب البادية، واجتاحت تباشيرها المدن والقرى، وأوشكت أنْ تستعصي بضراوتها على المسلمين، ووجَد جماعة من الأعراب ومِن سكان المدن الذين خضعوا لسلطان الإسلام خوفاً من سطواته، منفَساً لهم باتّساع حركة الردّة بين بعض القبائل العربية من سكان البادية.

بعد أنْ وجد جميع ذلك ورأى أنّ موقفه السلبي من بيعة أبي بكر ربّما يؤدّي إلى نزاع مسلّح يستغلّه المرتدّون والمنافقون، الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر والنفاق، بعد أنْ وضع في حسابه جميع هذه التطوّرات التي قد تحدث، آثر عند ذلك أنْ يكون مع جماعة المسلمين يداً واحدة حرصاً على المصلحة العليا، مصلحة الإسلام، ومضى هو وأتباعه إلى مقرّ الحكومة الجديد، مسجد النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وأعلن للمسلمين بأنّه منذ نشأته وهو جندي مخلص في خدمة الإسلام، ولا يزال مخلصاً وفيّاً مضحّياً في سبيل الإسلام ومبادئه؛ وبذلك يكون قد ضرَب المثل الأعلى في التضحية والوفاء للمبدأ، الذي ناضل من أجله أكثر من عشرين عاماً، ومع أنّ المصلحة العُليا قد فرضت عليه مسايرة الأوضاع الحاضرة والتغاضي عن حقّه

____________________

(1) انظر معالم الفلسفة للشيخ محمّد جواد مغنية ص 200.

٢٧

السليب، فقد بقيَ طوال حياته هو والصحابة المؤمنون بحقّه يثيرون في الأذهان نصوص الرسول على الخلافة من بعده، وتناقلها المحدّثون جيلاً بعد جيل، وأثبتها السنّة والشيعة في كتبهم منذ عصر التدوين الأوّل، ولا يزال علماء الشيعة والمحدّثون منهم يجادلون عن عقيدتهم في الإمامة بتلك المرويّات المتواترة، وجاء في غاية المرام للسيّد هاشم البحراني: (إنّ حديث الغدير قد رواه أهل السنّة بمِئة وثمانين طريقاً)، وهكذا غيره من النصوص التي تمسّك بها الشيعة على إمامة عليّ واستخلافه، وألّف الشيعة مئات الكتب في الإمامة استعرضوا فيها النصوص من الكتاب والسنّة وأوضحوها على واقعها، وأبطلوا جميع الافتراءات التي وضعها الوضّاعون حول الإمامة ونصوصها، وألّف أحد أعلام الشيعة المعاصرين كتاباً أسماه الغدير خرَج منه إلى هذا التاريخ اثنا عشَر مجلّداً ضخماً حول الإمامة ونصوصها، ولا يزال المؤلّف يُتابع الكتابة في هذا الموضوع (1) .

ومهما كان الحال فالتشيّع بمعناه المعروف عند الفقهاء والمتكلّمين والمحدّثين، والذي تتميز به هذه الفِرقة عن فِرق المسلمين، وُلد في حياة الرسول نتيجة لتلك النصوص التي أوردها المحدّثون في كتبهم، وثبت عليه جماعة في الفترة الأولى من تاريخ وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله).

ولولا مراعاة عليّ (عليه السلام) للأوضاع والظروف التي أحاطت الإسلام في تلك الفترة من تاريخه؛ لحدثت تطوّرات في تاريخ الإسلام لا نستطيع أنْ نقدّر مدى أثرها السيّئ على جهود الرسول والوصيّ والمخلصين من الصحابة الكرام، ولكنّه أدرك جميع ذلك، وأحصى ما سيجرّه تصلّبه في موقفه من الغنائم على المرتدّين والمنافقين الذين اضمروا للإسلام الخراب والدمار، ومع أنّ الأحداث الطارئة فرضت عليه أنْ يتساهل ويتسامح، ولكن فكرة استخلافه لم تنته عند هذا الحد، وما كان هذا التسامح ليحدّ من نشاطها، بل أخذت طريقها في النفوس والقلوب، وتضاعف عدد المتشيّعين له على مرور الأيّام، ورجع الكثير من المسلمين إلى الماضي القريب واحتشدت في أذهانهم صور عن مواقف النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، تلك المواقف التي كان يصرّح فيها باستخلاف عليّ من بعده تارة، ويلمح فيها أخرى فالتفّوا حول عليّ (عليه السلام) وأصبحوا من الدعاة الأوفياء له في جميع المراحل التي مرّ بها، وما زال التشيع ينمو وينتشر

____________________

(1) هو الشيخ عبد الحسين الأميني.

٢٨

بين المسلمين في الأقطار المختلفة يدخلها مع الإسلام جنباً إلى جنب، واستحكم أمره في السنين التي استولى فيها على الحكم، فشاعت بين المسلمين أحاديث استخلافه، ووجد الناس من سيرته وزهده وحكمته ما أكد لهم صحّة تلك المرويّات، وأنّه هو المختار لقيادة الأُمّة وحماية القرآن ونشر تعاليمه ومبادئه.

والذي أردناه من هذا العرض الموجز لتاريخ التشيّع، أنّ التشيّع في الإسلام كان جزءاً من الدعوة التي دعا إليها القرآن وبلّغه الرسول إلى الأُمّة في جملة ما بلّغه من تشريعات وأنظمة، وهو بمفهومه الشائع بين المسلمين في هذا العصر وقبله كانت بذرته الأُولى في عصر الرسول وبعد وفاته، والذين تابعوه منذ اللحظة الأُولى عند صدور البلاغ الأول من الرسول (صلّى الله عليه وآله) كانوا يؤمنون بأنّه منصوص عليه من الله وحده، ولم يكن الرسول إلاّ مبلّغاً عن ربّه هذا الأمر كغيره من التكاليف والتشريعات.

أمّا ما ذهب إليه أكثر الكتّاب العرب والمستشرقين من أنّ التشيّع حدَث بعد مقتل عثمان، كما يذهب إلى ذلك الشيخ محمّد أبو زهرة (1) أو بعد واقعة صِفّين كما يدّعي آخرون (2)، كما ذهبت فئة منهم إلى أنّه حدَث بعد انتشار الموالي الذين دخلوا الإسلام من الفُرس وغيرهم، وفئة أُخرى تدّعي أنّ القول بالوصاية أوّل مَن أحدثه عبد الله بن سبأ اليهودي (3) إلى غير ذلك من الآراء الشاذّة التي تردّدت على السنّة الكتاب العرب والأجانب، كلّها لا تمتّ إلى الواقع بأيّ صلة وتنفيها النصوص الإسلامية، وكتب التاريخ، ولابدّ لنا من وقفة مع الأُستاذ (البير نصر) أُستاذ الفلسفة الإسلامية في الجامعة اللبنانية، قال في كتابه أهمّ الفِرَق الإسلامية حول عقيدة الشيعة في الخلافة: (إنّ هذه الفكرة التي تجعل من الإمامة حقّاً إلهيّاً ليست من خصائص التفكير البدوي، حتى ولا من خصائص عرب

____________________

(1) انظر المذاهب الإسلامية ص 48 وقد جاء فيها: لقد انتهى عصر الخليفة الثالث بوجود الشيعة والخوارج، وفي الصفحة نفسها بعد أنْ استعرض الإحداث التي أطاحت بعرش عثمان، قال: (وفي ظِل هذه الفتن نبت المذهب الشيعي).

(2) ومن هؤلاء غودفروا المستشرق الفرنسي.

(3) ومن هؤلاء أحمد أمين في كتابه فجر الإسلام ص 269، ومنهم الدكتور البير نصر نادر أُستاذ الفلسفة الإسلامية في الجامعة اللبنانية.

٢٩

الجزيرة، حيث تسود بينهم روح المساواة. إنّ هذه الفكرة دخلت عليهم من جهة الفُرس الذين كانوا ينظرون إلى ملوكهم بعين الاحترام الزائد، ويعتبرونهم أسمى من باقي البشر؛ وهذا ما يعلّل لنا لماذا تستعمل اللغة الفارسية في الأوساط الشيعية في العراق، لا سيّما الأوساط العلمية مثل النجف وكربلاء والكاظمية).

لقد تابع الدكتور غيره من المستشرقين في هذه النظرية، ولم يعتمد على النصوص الإسلامية ولا على الوقائع التي رافقت تاريخ المسلمين قبل الفتح العربي لبلاد الفُرس، ولو رجع إلى ذلك لوجد أنّ فكرة الوصاية قد رافقت تاريخ الإسلام، وقد آمن بها جماعة من المسلمين من نصوص الرسول التي كان يتلوها على المسلمين بين حين وآخر، ولأجل تلك النصوص وقَف جماعة من المسلمين إلى جانبه بعد وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وذلك قبل اتّصال الفُرس بالعرب بعشرين عاماً تقريباً، وقبل إسلام ابن سبأ الذي يَنسب الكتاب إليه أنّه لعب دوراً هامّاً في هذه الناحية، وكان من أعظم العناصر الأجنبية عناء في ذلك.

ومِن المؤسف أنْ يكتب الدكتور أُستاذ الفلسفة عن الشيعة ما يُبرّئهم منه الواقع والتاريخ وتُدرّس آراؤه وكتبه في الجامعات اللبنانية، مع أنّه يعيش معهم في بلدٍ واحد، ذلك البلد الذي يعيش فيه الشيعة مع غيرهم من الطوائف الأخرى، ويشكلّون أكثر من ثلُث سكّانه، ومن السهل عليه أنْ يتّصل بعلماء الشيعة وكتبهم المنتشرة في أكثر المكاتب وعلى الأخص فيما يرجع لهذه المواضيع، ولو فعل ذلك لسلِم من هذه الأخطاء، ولكنّه شاء أنْ يكون مقلّداً لغيره فأرسل أحكامه بدون تمحيص وتحقيق، وجعل من آثار هذه الحقيقة على حدّ زعمه انتشار اللغة الفارسية في بلاد الشيعة من العراق، ولا سيّما الأوساط العلمية كالنجف وكربلاء والكاظمية، وظنّ أنّه قد اهتدى إلى حقيقة ضاعَت على غيره من الباحثين، مع أنّه لا يزال بعيداً عن الواقع في تعليل هذه الظاهرة التي يدّعيها في الأوساط الشيعية؛ لأنّ بلاد العراق أكثر سكّانها من العرَب، والعربية هي اللغة الشائعة في أكثر المدن والقرى وفي جميع الأوساط العلمية وغيرها، وأكثر المواطنين لا يحسنون غيرها، أمّا المدن الثلاث النجف وكربلاء والكاظمية، هذه المدن يهاجر إليها الشيعة من مختلف البلاد للدراسة والزيارة على اختلاف أصنافهم، وهؤلاء في شؤونهم الخاصّة يتكلّمون بلغاتهم المختلفة، أمّا لغة الدرس وكتب الدراسة وغير ذلك من الشؤون العامّة فهي اللغة

٣٠

العربية، ولا أثَر لغيرها في جميع الشؤون، ولكنّ الدكتور بعد أنْ عزا فكرة التشيّع إلى الفُرس وتخطّى التاريخ الإسلامي الصحيح الذي ينصّ على أنّ التشيّع نشأ في بلاد العرب، ومِن العرب أنفسهم، قبل أنْ يعرف العرب الفُرس بأكثر من عشرين عاماً، بعد هذه النسبة جعل من آثارها انتشار اللغة الفارسية بين شيعة العراق وعلى الأخص الأوساط العلمية، فأضاف إلى خطئه الأوّل خطيئة أُخرى لا مبرّر لها، وقد اشتمل كتابه (نصوص ودروس في أهم الفِرق الإسلامية) على بعض الآراء السطحية والأخطاء التاريخية، وربّما نتعرّض لبيانها حسب المناسبات في الفصول الآتية.

ومهما كان الحال لقد كانت مشكلة الخلافة الإسلامية أُولى المشاكل التي اصطدم بها الركْب الإسلامي، وعلى حسابها انقسم المسلمون إلى فئتين: فئةٌ وقفت إلى جانب عليّ (عليه السلام) معتمدة على النصوص التي وردت في القرآن والسنّة، والفئة الثانية رأت أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فارق الدنيا وترَك للمسلمين حقّ اختيار الحاكم الذي يرونه صالحاً لهم، وقد وقَفت هذه الفئة من النصوص موقفاً سلبيّاً في واقع الأمر، فأنكروا بعضها وتأوّلوا البعض الآخر حيث لم يتمكّنوا من إنكاره.

واختار المسلمون أبا بكر، وهو بدوره قد اختار لها عمر بن الخطّاب من بعده، وانتهت بعده لعثمان بن عفّان بعد أنْ رفَض عليّ العروض التي عرَضها عليه أحد الستّة (عبد الرحمان بن عوف)، وآثر العمل باجتهاده فيما لا نصّ عليه من كتابٍ أو سنّة، على انتهاج سيرة الشيخين أبي بكر وعمر والتقيّد بآرائهما.

لقد انتهت لعثمان بعد أنْ تقبّل العروض بلهْفة ورحابة صدر، مؤثراً سيرة الشيخين وكلّ ما يفرض عليه على رأيه واجتهاده في سبيل الوصول إلى الخلافة مهما كلّفه ذلك من ثمن، هاتان الفئتان هما مصدر الفِرق الإسلامية والنزاع القائم بين المسلمين طيلة هذه القرون المتوالية، وقد اتخذ بعد الفترة الأُولى من تاريخه طابعاً سياسياً أدّى إلى النزاع المسلّح أُريقت فيه دماء المسلمين، وتطوّر البحث بينهم في الخلافة وظهرت فيه أطوار من الجدَل مبنية على التسلسل المنطقي وعلم الكلام، الذي يمتّ بأوثَق الأسباب إلى الفلسفة وقواعدها، ومع أنّ الخلافات التي ظهرت في الإمامة لم تبقَ على بساطتها الأُولى، وتطوّرت بشكلٍ علمي لم تخرج بجوهرها عن النزاع الذي نشأ فيها منذ اليوم الأوّل لوفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وتعود في النهاية إلى أنّ الخلافة، هل يجب أنْ تكون بنصٍّ من الله يقوم الرسول

٣١

بتنفيذه؟ أم تكون باختيار الأُمّة؟ وهل يستمد الخليفة سلطته من الله سبحانه، أم يستمدّها من المؤمنين؟ إلى غير ذلك من النواحي التي برزت في أبحاثهم ومناظراتهم.

الفصلُ الثّاني: الخوارج

يعرض هذا الفصل الأسباب التي أدّت إلى حركة الخوارج والفِرَق التي تشعبت عنهم والأُمم، ومعتقداتهم والآثار التي أحدثتها ثورتهم على الحكّام الأمويّين والعبّاسيّين.

لقد ذكرنا في الفصل السابق أنّ انقسام المسلمين قد ظهر منذ وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله) في الخلافة الإسلامية، وأنّ الحزب المعارض لعليّ ومن معه من بني هاشم والمسلمين قد بايعوا أبا بكر خليفة لرسول الله، وبعد جدالٍ دام بضعة أشهر رأى عليّ (عليه السلام)، أنّ مصلحة الإسلام تقضي عليه بأنْ يكون مع المسلمين يداً واحدة؛ لدفع الأخطار التي أحدقت بالإسلام، فبايع هو ومَن معه مع الاحتفاظ بحقّه الشرعي، واستمرّ أمر المسلمين على هاتين الفرقتين لم يحدث بينهما نزاع مسلّح إلاّ في عهد عثمان (الخليفة الثالث) أدّى إلى

٣٢

الإطاحة بعرشه؛ لأنّه حابى أقاربه وبني أبيه وولّى على المسلمين سُفهاء قومه، مّما أوجب نقمة المسلمين عليه في المدينة وخارجها، واشتركت السيّدة عائشة وطلحة والزبير مع الوفود التي زحَفت إلى المدينة من مختلف البلاد الإسلامية لتشكو إليه ما تقاسيه الأُمّة من جور ولاته واستخفافهم بالمقدّسات الإسلامية وشعائر الدين، وخروجهم عن المخطّط الإسلامي الذي ألفوه واعتادوا عليه، من سيرة الرسول والخليفتين من بعده، ولم يكن لعليّ (عليه السلام) صلة بهذا النزاع ولا حاول أنْ يجني من ورائه أيّ مكسب، وتؤكّد النصوص التاريخية أنّه قد حاول التوفيق بين الثائرين وبين الخليفة أكثر من مرّة، ولكنّ حاشية الخليفة كانت تحول بينه وبين ذلك، بالإضافة إلى تحريض السيّدة عائشة وطلحة والزبير الثوّارَ على المضيِّ في الثورة إلى النهاية.

ولمّا انتهت الثورة بقتل عثمان واختيار عليّ (عليه السلام) من بعده أُصيبت السيّدة عائشة بصدمةٍ عاتية؛ لأنّها كانت تقدّر أنّ قريبها طلحة سيتولّى أُمور المسلمين بعد الخليفة الراحل، بالإضافة إلى ما كانت تكنّه لعليّ (عليه السلام) في نفسها مِن عداءٍ قديم، يرجع إلى عهد الرسول (صلّى الله عليه وآله) فعملت مع رفيقَيها طلحة والزبير والأمويّين الذين كانوا السبَب المباشر لكلّ ما حدَث على الثورة في وجه الحكومة الجديدة، وباشرت قيادة أنصارها إلى المعركة بنفسها، واستطاع معاوية أنْ يغري أهل الشام ويقودهم إلى النزاع المسلّح مع عليّ (عليه السلام)، بعد أنْ علِم أنّ عليّاً لا يقرّه بحال من الأحوال على عمله، ولا يمكن أنْ يستعين به في حكومته فأعلن عصيانه للخليفة الشرعي وخرَج عليه بمَن معه من أهل الشام، فكانت معركة صِفّين التي كادت أنْ تنتهي بالقضاء على معاوية وأتباعه لولا مكيدة ابن العاص التي سهّلت له الخروج من تلك الأزمة ويسّرت له أنْ يصبح ملكاً على المسلمين يتحكّم فيهم بما توحيه له شهَواته.

وانتهت المعركة باختيار حكَمَين أحدهما يُمثّل أهل الشام والآخر يمثّل الجهة الثانية التي يقودها عليّ (عليه السلام)، ونتَجَ من هذا التحكيم الذي فرضه أهل العراق على عليّ فشَل المؤتمرين، وخروج جماعة من جيشه عن طاعته ناقمين على التحكيم الذي فرضوه عليه بالأمس القريب، ووصفوه بالكفر؛ لأنّه حكّم الرجال في دين الله على حدِّ زعمهم، وقد ظهرت بوادر هذه الفرقة في صفّين بعد الاتّفاق على التحكيم، فقد خرَج من صفوف أصحاب عليّ (عليه السلام) رجلٌ يدعى يزيد بن عاصم المحاربي، فحمل على أصحاب عليّ وقتل رجلاً، كما حمَل على أصحاب معاوية وقتل منهم أيضاً وتبرّأ من الفريقين واستقرّت فكرة

٣٣

الخروج في أذهان جماعة من أهل الكوفة، ولم يتمكّنوا من تنفيذها إلاّ بعد رجوعهم من صفّين، وبعد الفشل الذي انتهى إليه المؤتمرون، وبلغ عدد الذين انفصلوا عن جيش عليّ (عليه السلام) اثني عشر ألف جندي ممّن كانوا معه في صفّين، والتجأوا إلى قرية في قرب الكوفة تسمّى حروراء فغلَب عليهم اسم (الحرورية) ، وتولّى قيادتهم عبد الله بن الكوّاء وشبث بن ربعي، وبعد أنْ جرت بينهم وبين عليّ مناظرات كثيرة حول التحكيم، وموقف الحكَمين رجَع ابن الكوّاء عن فكرته والتحق بالكوفة مع ألف رجل منهم، واستمرّ الباقون على فكرتهم الأُولى، وقد تداولوا الرأي حول المكان الذي يتّخذونه مقرّاً لهم فاقترح بعضهم المدائن، وآخرون اختاروا البصرة مقرّاً لثورتهم، وأخيراً اتفقوا على النهروان.

ويرى الدينوري أنّهم كانوا أربعة آلاف فارس بقيادة عبد الله بن وهَب الراسبي (1) بينما يرى الاسفرائيني أنّهم كانوا ضعفَي هذا العدد (2)، وفي طريقهم إلى النهروان التقوا بالصحابي الجليل عبد الله بن خباب بن الأرت ومعه زوجته، فقالوا له: حدّثنا حديثاً سمعته من رسول الله، فقال: حدّثني أبي أنّ رسول الله قال: (ستكون بعدي فتنة، القاعد فيها خيرٌ من القائم، والواقف فيها خيرٌ من السائر، والماشي خيرٌ مِن العادي، ومَن أمكنه أنْ يكون مقتولاً فيها خيرٌ له من أنْ يكون قاتلاً) .

ثمّ قالوا له: ما تقول في أبي بكر وعمر، فأثنى عليهما خيراً كما أثنى على عثمان في السنين الستّة من خلافته، ولمّا سألوه عن التحكيم أجاب: أنّ عليّاً أعلم بكتاب الله منكم وأشدّ توقّياً على دينه وأنفذ بصيرة، فقالوا له: إنّك تتبع الرجال على أسمائهم وجرّوه على شاطئ النهر، فاستجار بكتاب الله وكان معلّقاً برقبته، فقالوا: إنّ الذي تستجير به يأمرنا بقتلك فذبحوه، ثمّ جاؤوا إلى زوجته فبقروا بطنها واستخرجوا منها حملها، وبعد قتله ساوموا نصرانياً على نخلةٍ ليأكلوا ثمرَها فبذلها لهم بدون ثمَن، فرفضوا أنْ يأخذوها إلاّ بثمنها، فقال لهم: ما أعجب ما أرى منكم! تقتلون مثل عبد الله بن خباب ولا تقبلون منّا نخلة إلاّ بثمنها (3)؟ !

ولمّا بلغ عليّاً عدوانهم على الآمنين وفسادهم في الأرض توجّه إليهم في

____________________

(1) انظر الأخبار الطوال للدينوري ص 223.

(2) انظر التبصير في الدين ص 28.

(3) الكامل للمبرد ج 2 ص 143.

٣٤

أربعة آلاف محارب من جيشه، وقبل أنْ يقاتلهم سألَهم عن أسباب خروجهم فأجابوه: لقد قاتلنا معك في البصرة طلحة والزبير وعائشة، فأبحت لنا أموالهم ولم تبِح نساءهم وذراريهم، فقال: (لقد أبحتُ لكم من أموالهم ما كان في المعركة من سلاحٍ ودواب، عِوَضاً عمّا أخذوه من بيت مال المسلمين في البصرة، أمّا نساؤهم وذراريهم فلا ذنبَ لهم لأعاقبهم عليه، ولم يخرجوا مِن حكم المسلمين في ثورتهم لكي نعاملهم معاملة الكفّار والمشركين، ولو أبحت لكم النساء فمَن منكم يأخذ عائشة في سهمه؟)، وأخيراً وبعد أنّ سدّ عليهم جميع الأبواب التي كانوا يرونها مبرّرة لثورتهم قالوا: لم محوت الإمارة عن نفسك في كتاب الصلح بينك وبين معاوية؟ فقال (عليه السلام): (لقد اقتديت برسول الله (صلّى الله عليه وآله) حيث محا الرسالة عن نفسه حين كتَب كتاب الصلح بينه وبين سهيل بن عمرو، وقد أنكر عليه سهيل يومذاك أنْ يضيف لنفسه صفة الرسالة، وقال له: لو كنّا نعلم أنّك رسول الله لما خالفناك، فقال لي رسول الله: امحها فمحوتها وكتبت: هذا ما صالح عليه محمّد بن عبد الله وسهيل بن عمرو، وقد قال لي يوم: إنّك ستبتلى بمثلها).

فرجع منهم إلى طاعته جماعة، وبقيَ منهم أربعة آلاف رجل، وقبل أنْ يقاتلهم استنطقهم عن جريمتهم مع العبد الصالح عبد الله بن خباب وزوجته فأجابوه بلسان واحد: كلّنا قتلناه ولو ظفرنا بك لقتلناك أيضاً، فتوجّه إلى أصحابه وأخبرهم عن مصير هذه الفئة الباغية وعن عدد القتلى منهم، ثمّ حمل عليهم هو ومَن معه فلَم يَسلَم منهم سوى تسعة لاذوا بالفرار من المعركة، وتفرّقوا في البلدان، فذهب منهم اثنان إلى سجستان، واثنان إلى اليمَن، والباقون تفرّقوا بين عمان الأنبار والجزيرة، وواصلوا الدعوة إلى مبدئهم في هذه الأقطار فالتفّ حولهم جماعة كثيرون، ولا تزال بقاياهم إلى اليوم في هذه الأقطار كما جاء في رواية الإسفرايني (1) واستعادوا نشاطهم في عهد الأمويّين فكانت لهم جولات واسعة ومواقف ضارية، أقلقت الحكّام الأمويّين وشغلت جانباً كبيراً من عنايتهم وتفكيرهم.

ويؤكّد بعض الكتّاب أنّ عليّاً (عليه السلام) لم يستأصل جماعة الخوارج في معركة النهروان وغيرها، وأنّ جماعة منهم ممّن لم يشتركوا في معركة

____________________

(1) انظر التبصير في الدين الفصل الذي تحدّث به عن الخوارج.

٣٥

النهروان قد انتشروا في الكوفة وخارجها؛ لترويج فكرتهم وتحريض الناس ضدّ حكومة عليّ (عليه السلام)، وعلى الأخص بعد الفشل الذريع الذي حلّ بهم في تلك المعركة، وقد حاولوا تجديد الثورة فزاروا قتلاهم في النهروان، وتعاهدوا على الأخذ بثأرهم، وتوالت حركاتهم وتحرّكاتهم في مختلف الجهات: في الأنبار والمدائن وسواد الكوفة، وخرَج الخريت بن راشد أحد زعمائهم في الكوفة ومعه ثلاثمِئة فقتَلوا عامل عليّ (عليه السلام) في عمان.

وفي الكامل لابن الأثير أنّه قد اجتمع على الخريت علوج من الأهواز انضمّ إليهم اللصوص والموالي وبعض النصارى وجماعة من العرَب فكسروا الخراج وأخرجوا عامل عليّ (عليه السلام) في تلك البلاد، ويعلّل بعض المستشرقين تحمّس الموالي لفكرة الخوارج، بأنّهم نادوا بمساواة العرَب والموالي في جميع الحقوق حتى في تولّي الخلافة (1)، ومع أنّهم تجمّعوا من مختلف المناطق والجهات، وحاولوا أكثر من مرّة الانتقام لقتلاهم وتوسيع حركتهم الثورية ضدّ الحكم القائم يوم ذاك، وحاولوا إغراء الموالي وبعض المسيحيّين المقيمين في البلاد التي خضعت للإسلام بسقوط الجزية عن المسيحيّين، وجواز استخلاف غير العربي على المسلمين، بالرغم من كلّ ذلك استطاع عليّ (عليه السلام) القضاء على فلولهم الثائرة هنا وهناك بعد الهزيمة الكبرى التي ألمّت بهم في النهروان.

وبعد أنْ فشلت جميع محاولاتهم التي قاموا بها للسيطرة على الحكم ولتعديل النظام الذي كان متّبعاً في اختيار الحاكم، بعد فشلهم في جميع مواقفهم الثورية وغيرها اتجهوا إلى اغتيال عليّ ومعاوية وابن العاص، وانتدبوا لكلّ واحد من الثلاثة رجلاً منهم فنجحوا في اغتيال عليّ (عليه السلام)، وفشَل الآخران في اغتيال معاوية وعمرو بن العاص.

ومهما كان الحال فلقد كانت الفكرة المسيطرة على تصرّفات الخوارج في أوّل أمرهم سياسية خالصة، فأوّل أمر نادوا به هو تخطئة عليّ في قبول التحكيم، ثمّ تخطّوا هذه الفكرة إلى تكفيره وتكفير عثمان في السنين الأخيرة من خلافته، وطلحة والزبير وعائشة، بينما لم يذهَب أحد منهم - على اختلاف فِرَقهم وتباين آرائهم في بعض المسائل - إلى تكفير أبي بكر وعمر، والتهجّم عليهما، ولقد علّلوا تكفير عليّ (عليه السلام) بأمرين أوّلهما: أنّه حكّم في دين الله.

____________________

(1) انظر العراق في ظلّ العهد الأموي للدكتور عليّ الخرطبولي ص 60 و61، وانظر النظم الإسلامية للمستشرق غودفروا، كما نقل عنه الخرطبولي.

٣٦

الثاني: أنّه قد خلَع نفسه من إمارة المؤمنين في وثيقة الهدنة التي كتبها بينه وبين معاوية لإيقاف القتال، أمّا عثمان فيعلّلون كفره بأنّه قد حابى أقاربه وولاّهم على رقاب المؤمنين، مع علمه بسوء تصرّفاتهم واستخفافهم بالإسلام ومبادئه، وعلى ما بينهم من اختلاف في الآراء فقد اتّفقوا على تكفير عليّ والحكَمَين وعثمان وطلحة والزبير وعائشة، كما اتفقوا على أنّ خلافة أبي بكر وعمر خلافة شرعيّة تعبّر عن رأي الأُمّة ورغبة المجموع، ومِن هنا يمكن أنْ نقول: أنْ المصدر الصحيح الذي تستمدّ منه السلطة الحاكمة نفوذها وقوّتها وشرعيّة تصرّفاتها هو الشعب وحده عندهم؛ لأنّهم اعتمدوا في شرعية خلافة أبي بكر وعمر على رضا الشعب ورغبته الأكيدة بها، ولكنّهم قد أضافوا إلى رضا الشعب ورغبته شرطاً آخر وهو الحكم بالحق والعدل، فلو اختار الشعب حاكماً وأجمع على اختياره، ولكنّه انحرف عن الحق والعدالة وجَب عزله ومحاربته.

ومِن هنا ذهبوا إلى تكفير عليّ وعثمان، ومع أنّ خلافتهما كانت برأي الشعب وإرادته، وقد أضافوا إلى المبدأ الذي لابدّ منه في الحكم أمراً آخر، فادّعوا أنّ الخلافة لا تنحصر في القرشيّين ويصلح لها كلّ مسلم حرّاً كان أو عبداً، فالعبد الحبشي وغيره سَواءٌ في ذلك، ولم يعترفوا بالأحاديث المرويّة عن الرسول التي تنص على انحصار الخلافة في القرشيّين، واعتبروها من وضع القرشيين أنفسهم لفرض احتكار السلطة فيما بينهم.

ويُمكن للباحث أنْ يجد لهم مبرّراً في هذا المبدأ الذي اعتمدوه في اختيار الحاكم من جهة أنّ الإسلام لم يفرّق بين لون ولون ولا بين العرب وغيرهم، وجعل مقياس التفاضل الأعمال الصالحات، فالعبد الحبشي بنظر الإسلام أفضل من العربي القرشي إذا كان مخلصاً في إيمانه، عاملاً بما افترضه الإسلام ولو كان العربي منحدراً من أفضل القبائل العربية، وأشرفها حسباً ونسباً، وقد اعتبر جماعة من الكتّاب هذه الفكرة خروجاً على المبدأ الذي اعتمد عليه القرشيّون في اختيار الحاكم، وأيّدوه بما جاء عن الرسول من انحصار الخلافة في القرشيّين، مع أنّ عمر بن الخطّاب هو الذي وضَع نواة هذه الفكرة التي نادى بها الخوارج؛ ذلك أنّه في الأيّام الأخيرة من حياته وهو يستعرض من يصلح للخلافة من بعده قال: لو كان سالم مولى حذيفة حيّاً ما عدَوته، قال ذلك: وفي المسلمين عليّ بن أبي

٣٧

طالب (عليه السلام) وغيره من أعيان المسلمين (1) ، فقد سبَق إلى هذه الفكرة الخوارج بأكثر من عشرين عاماً ولكن الخوارج قد جعلوها موضع التنفيذ، فاختاروا عبد الله بن وهَب الراسبي أحد زعمائهم وجعلوه أميراً عليهم وجاهدوا معه؛ لتحقيق أهدافهم التي كانوا ينادون بها، وأضافوا إلى المبدأين السابقين مبادئ أُخرى، منها أنّ المختار للخلافة لا حقَّ له بالتنازل عنها مهما كانت الظروف فالحقّ للأُمّة وحدها في عزله أو قتله إذا انحرف أو غيّر وبدّل، وعلى أساس هذا المبدأ كفّروا عليّاً (عليه السلام)؛ لأنّه تنازل عن إمارة المؤمنين على حدِّ زعمهم في الوثيقة التي كتبت بينه وبين معاوية، لإيقاف القتال حينما اتفق الطرفان على مبدأ التحكيم.

ومنها أنّ الخلافة ليست من الضروريّات التي لابدّ منها، فإذا لم تتوفّر الشروط اللازمة في الأشخاص يمكن الاستغناء عنها؛ لأنّ حاجة الناس بعضهم إلى بعض متساوية وعلاقتهم متشابكة، وذلك ممّا يمنعهم عن الظلم ويصدّهم عن الجور وعدم الإنصاف (2) ، لقد تبلورت فكرة الخوارج واتّضحت أهدافهم بعد أنْ مضى على بدء ثورتهم شطر من الزمن، أمّا في بداية أمرهم فلم تكن لهم أهداف منظمة.

ولم تنبثق حركتهم الثورية الأُولى عن الأهداف التي برزت في العصر الأموي، ولم تذكر المراجع التاريخية شيئاً قبل خروجهم على عليّ (عليه السلام) بعد فشَل الحكمَين في التوصّل إلى حلٍّ مُرضٍ لدى الطرفين، وليس ببعيد أنْ تكون فكرة انحصار الخلافة في القرشيّين التي كان يؤمن بها القسم الأكبر من المسلمين، والتي من شأنها ملكيّتهم لها يتوارثونها جيلاً بعد جيل، هذه الفكرة كانت تحزّ في نفوس الكثيرين من العرب، ولا سيّما وقد وصلت إلى غلمان الأمويّين وفسّاقهم، وهؤلاء لم تكن لهم في النفوس تلك القداسة، وبالإضافة إلى ذلك فإنّ قادة الثورة ينتمون إلى قبائل عربية لها مِن ماضيها وحاضرها ما يدعوهم إلى الطموح إليها وانتزاعها من أيدي الأمويّين، ولا أقلّ من التخلّص من سيطرة القرشيّين واستعلائهم على الناس.

والذي يؤيّد ذلك ما أورده العبادي في كتابه (صور من التاريخ الإسلامي) قال: أنّ الخوارج كانوا عرباً من قبائل تميم وحنيفة وربيعة

____________________

(1) انظر شرح النهج لابن أبي الحديد مجلّد 1 ص 64.

(2) انظر العراق في ظلّ الحكم الأموي ص 63 وما بعدها.

٣٨

الذين كان لهم في الجاهلية شأنٌ كبير بين العرَب، وقد اعتنقوا الإسلام لإعجابهم بمبادئه الديمقراطية، وأبلوا في الفتوح بلاءً عظيماً، وطمعوا في مجدٍ جديد يضيفونه إلى مجدهم التليد، ولكنّهم غلبوا على أمرهم، واستأثرت ارستقراطية مكّة والمدينة فأعادوا حركة الردّة ولكن في صورة إسلامية، وبدأ هذا في موقفهم من التحكيم؛ ويؤيّد ذلك أنّهم على اختلاف فِرقهم مجمعون على أنّ الخلافة ليست حقّاً للقرشيّين وحدهم، وإنّما هي حقٌّ للأفضل من جميع المسلمين على اختلاف ألوانهم وأجناسهم، وقد هيّأ لهم هذا المبدأ الأنصار والأتباع من الموالي وغيرهم ممّن انضموا إليهم في حركاتهم في وجه الأمويّين والعبّاسيّين، هذا بالإضافة إلى أنّ أكثرهم كانوا من عرب البادية الذين دخلوا في الإسلام على فقرهم وسذاجة تفكيرهم.

ومع أنّ الإسلام قد احتل جانباً من نفوسهم وقلوبهم، إلاّ أنّهم لم يتجرّدوا من النزعات القبلية وظلّت معهم تسيطر عليهم وتسيرهم أحياناً من حيث لا يشعرون، وهم بحكم طبيعتهم لم يتعوّدوا الخضوع للسلطان ولم يألفوا الحكم المفروض عليهم أنْ يعيشوا في ظلّه خاضعين لأنظمته وقوانينه؛ ولذا فإنّهم لا يرون وجود الحاكم من الضرورات الملحّة كما ذكرنا سابقاً؛ لأنّ تشابك الناس بالمصالح والأغراض يحتّم عليهم التناصف والتحابب، فالحاكم عندهم ليس من الضرورات التي لابدّ منها.

وهذه النظرية مستمدّة من طبيعتهم؛ لأنّهم لم يعتادوا الخضوع للحاكم، وعلى الأخص تلك الحكومات التي تعاقبت في العصر الأموي والتي كانت تنظر إلى سائر الفئات والأجناس نظرة احتقار وازدراء، ويتمثّل ذلك فيما جاء عن بعض ملوكهم (ألا وأنّ السواد بستانٌ لقريش)، فهذه الكلمة تعبّر عن مدى استغلال الأمويّين إلى جميع العناصر والألوان واستئثارهم بخيرات الأرض، وتسخيرهم للطبَقات الكادحة لمصالحهم وأهوائهم.

ومهما كان الحال فقد اختلفت آراء الكتّاب القدامى والمحدّثين في تعليل ظهور الخوارج وصمودهم في وجه الشدائد والضربات القاسية وعلى الأخص في العصر الأموي، فبعضهم يؤكّد ما ذكرناه، بينما يرى آخرون أنّ مردّ ذلك هو تشدّدهم في الدين الناتج عن جهلهم في المبادئ الإسلامية، فقد فسّروا الدين حسب أفهامهم واجتهاداتهم معتمدين على تفكيرهم الساذج، واعتبروا أنفسهم أنّهم المسلمون دون سِواهم، وأوجبوا جهاد مَن خالفهم حتى يعودوا إلى حظيرة الدين ويعملوا بفروعه، بالإضافة إلى

٣٩

إيمانهم بأُصوله وبجانب آرائهم السياسية التي بدأت تظهر وتتبلور كلّما اتسعت حركتهم وامتد نفوذهم، بجانب ذلك، ظهَرت لهم آراء في الدين تناولوا فيها الأصول والفروع، ولكنّها سطحية ساذجة لم يعتمدوا فيها على البحث والدراسة لنصوص الكتاب والسنّة، ولا على آراء الصحابة والعلماء الذين عاصروهم؛ لذا فإنّ المتتبّع في آرائهم وفتاويهم يراهم يتخطّون الأُصول التي اتبعها القرآن والرسول، والأساليب التي اتّبعها المسلمون في مقام التشريع واستنباط الأحكام، ويبدو ذلك واضحاً من آرائهم في بعض الأصول والفروع كما أوردها كتاب الفرق والمذاهب الإسلامية وإلى القرّاء أمثلة من آرائهم وتشريعاتهم:

لقد اتّفقوا بجميع فِرَقهم على تكفير مرتكب الكبيرة من الذنوب، وأنّ فاعلها يخلد في النار، ولم يُنسب الخلاف لأحدٍ منهم إلاّ للنجدات، أتباع نجدة بن عامر الحنفي (1)، وكان يرى أنّ الدين أمران: معرفة الله ورسوله، والإقرار بما جاء من عند الله جملة، وتحريم دماء المسلمين وأموالهم، وما سِوى ذلك فالناس معذورون فيه بجهالتهم حتى تقوم عليهم الحجّة، وأضافوا إلى ذلك: أنّ مَن خاف العذاب على المجتهد المخطئ في الأحكام فهو كافر، ومَن تثاقل عن الهجرة إليهم فهو منافق، واستحلّوا دماء وأموال المقيمين في دار التقيّة وهم الذين لم يهاجروا إليهم تقية، وحرّموا أموال وأعراض موافقيهم ولو كانوا ممّن وجَب إقامة الحدِّ عليهم لجناية أو سرقة، كما ادعوا بأنّ الإصرار على الذنب كبيراً كان أو صغيراً يُوجب الشرك، ومَن زنى وفعل جميع المنكرات والكبائر غير مصرٍّ عليها لا يخرج عن الإسلام، بينما يرى الأزارقة أنّ كلّ كبيرة توجب الكفر، وأنّ جميع مخالفيهم كفّار، ولا حدّ على مَن قذَف المحصنين من الرجال، وأنّ أطفال المشركين يدخلون النار مع آبائهم (2)، ويذهب العطوية المنتسبون

____________________

(1) خرج نجدة مع جماعته من اليمامة قاصداً الأزارقة أتباع نافع بن الأزرق، فاستقبلهم جماعة من أتباع نافع وأخبروا نجدة بما أحدثه من أعمال لا ترضيهم وأنّهم برِئوا منه، فبايعوا نجدة عليهم وقد أرسل ابنه مع جماعة منهم إلى القطيف فقتَل جماعة من رجالهم واستباح أموالهم ونساءهم، انظر مقالات الإسلاميّين لابن الحسَن الأشعري ج 1 ص 162.

(2) انظر المصدر السابق ص 165.

٤٠

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

ومجمل القول أنّ الأشاعرة ومعهم المحدّثون والجبائيّان يرَون وجوب نصب الإمام على الأُمّة، والباقون من المعتزلة: بين مَن يقول بوجوب نصبه على الأُمّة بالنص على ذلك من الله وهُم معتزلة البصرة، وبين مَن يقول بوجوبها على الأُمّة بحكم العقل، وهم البغداديّون من المعتزلة، أمّا الإمامية فكلّهم متّفقون على وجوبها من طريق العقل والشرع، وأنّ اختياره يعود إلى الله وحده؛ لأنّ وجود الإمام لطف من الله، يُقرّبهم من الطاعات، ويصدّهم عن المعاصي والمنكرات، واللطف واجب عليه سبحانه بحكم العقل، وقد عين النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لهم الإمام من بعده بأمرٍ من ربّه، ونصّ عليه بوصفه واسمه، كما تؤكّده النصوص الإسلامية السنّية والشيعية.

وقال المُنكرون لوجوب نصب الإمام على الله سبحانه، بأنّ الإمام وإنْ كان وجوده مُقرّباً من الطاعة ومُبعّداً عن المعاصي، ولكن ذلك لا يكفي في وجوبه عليه سبحانه، لجواز أنْ يكون في نصبه مَفسدة خافية على العباد، وما لم يحصل العلم بانتفائها لا يكفي مجرّد كونه مقرّباً في وجوب نصبه إماماً.

وأُجيبوا بأنّ الإمام إذا كان مُقرّباً من الطاعات لا يكون في نصبه أيّ نوع من أنواع المفاسد، ومجرّد احتمال المفسدة لا يمنع من وجوب تعيين الإمام، هذا بالإضافة إلى أنّ أصحاب هذا الرأي يذهبون إلى وجوب نصبه على الله سبحانه، ولا تخفى عليه المصالح والمفاسد، ولا يُمكن أنْ يُعيّن للناس إماماً مع هذا الفرض.

ومن جملة الشُبَه التي أبداها الأشاعرة حول هذا الموضوع، أنّ الإمام إنّما يكون لطفاً إذا كان متصرّفاً بالأمر والنهي، وكانت أُمور الناس بيده وليس لأئمّتكم هذا الشأن، فما تدعونه لطفاً لا تقولون بوجوبه، وما تقولون بوجوبه ليس لطفاً، ولا سيّما بالنسبة لقولكم في الإمام الغائب، فإنّ وجوده متخفّياً عن الناس لا يتّصل بهم ولا يرونه ليس فيه فائدةٌ لأحدٍ منهم، وهل يمكن أنْ يكون مجرّد وجوده، مع أنّه لا يقوم بأيّ عمَل مقرّباً من الله ومبعّداً عن المعاصي؟

وأجاب الإمامية بأنّ القائلين بوجوب نصب الإمام على الله سبحانه يدّعون بأنّ وجود الإمام الذي اختاره الله مقرّب من الطاعات، واللطف حاصلٌ بمجرّد وجوده؛ لأنّه مستعدٌّ للقيام بجميع مسؤوليّاته على أكمل الوجوه وأتمّها، وعلى الأمّة أنْ ترجع إليه فإذا لم ترجِع تكون هي المسؤولة عن تقصيرها، وليس معنى اللطف إلاّ تسهيل أسباب الطاعة على

٢٠١

العباد، وهذا الأمر يحصل بنصب الإمام، فلو رجعوا إليه واستمعوا لنصائحه وإرشاداته، لم يقَعوا في المعاصي والمنكرات، ولكنّهم قد فوّتوا على أنفسهم بإرادتهم واختيارهم فكانوا من الهالكين.

وعلى كلّ حال لقد تفرّد الإمامية في وجوب نصب الإمام بوصفه واسمه، واحتجّوا بقاعدة اللطف وغيرها من الأدلّة، ومع أنّ المعتزلة يقولون بوجوب اللطف والأصلح على الله سبحانه، ولكنّهم لم يلتزموا بها في المقام، مع العلم بأنّه المورد من جزئياتها، والظاهر أنّ الذي يمنعهم عن الالتزام بها في المقام، هو أنّهم لو قالوا بها في هذه المسألة لزِمَهم أنْ يقولوا بعدم صحّة خلافة المتقدّمين على عليّ (عليه السلام)؛ لأنّ قاعدة اللطف تقتضي أنْ يكون الخليفة منصوصاً عليه من الله سبحانه، وهذه المسألة من أبرَز المسائل التي كانت محلاًّ للجدَل والخصومة بينهم وبين الإمامية، ولا سيّما مع هشام بن الحكَم أحد أعلام الإمامية المعروف بقوّة الحجّة وشدّة الخصومة، وله معهم مواقف حاسمة فيها.

فلقد جاء في كتب الحديث أنّه التقى بعمرو بن عبيد الزعيم الثاني للمعتزلة بعد واصل بن عطاء، وهو يخطب في مسجد البصرة حول الإمامة وآراء المذاهب فيها، ونظراً لأنّ خصومته تنحصر - تقريباً - مع الشيعة في هذه المسألة، فقد هاجمهم وحاول تفنيد آرائهم وأدلّتهم التي يعتمدون عليها في الإمامة، وكان هشام بن الحكَم قد حضر مجلسه يومذاك، فقام إليه وتخطّى تلك الحشود الملتفّة به، وهو شاب لم يتجاوز العشرين من عمره، فسأله عن فوائد الحواسّ الخمس واحدة واحدة وعمرو بن عبيد يجيبه عنها، ثمّ سأله عن فائدة القلب، فقال له: إنّ الله خلقه ليميّز الإنسان به ما يَرِد على بقيّة الجوارح؛ لأنّها قد تشكّ في أشياء ولم تدرك غايتها، وعندما تشتبه في شيء تعرضه عليه فيرشدها إلى خيره أو شرّه.

ولمّا انتهى بينهما الحديث إلى هذا الحد قال له هشام: إنّ الله لم يترك جوارحك حتى جعل لها إماماً يكشف لها الحق، وينفي عنها الشك، ويترك هذا الخلق في حيرتهم وضلالهم واختلافهم، بدون إمام يُبيّن لهم ما يختلفون فيه؟! فلَم يستطع عمرو بن عبيد أنْ يردّ عليه بشيء، ولمّا عرفه أدناه من مجلسه، ولم يعد إلى الكلام حتى انصرف عنه.

ومن المعلوم أنّه في مثل هذه المحاورة لم يتخطّ قاعدة اللطف، وإنْ لم ترد باسمها على لسانه؛ لأنّه افترض الإمام بالنسبة إلى الأُمّة كالقلب بالنسبة إلى الإنسان، يرشد الناس إلى الحق والطاعات كما يُرشد القلب الجوارح ويردّها عن حيرتها.

٢٠٢

ولا شكّ، بأنّ هذا النحو من الاستدلال الذي استعمله هشام بن الحكَم مع خصمه المعتزلي قد أخذه عن الأئمّة (عليهم السلام)، فقد جاء عن الإمام جعفر بن محمّد (عليه السلام) أنّه قال له: (لقد نطَق على لسانك روحُ القدس يا هشام)، وبالفعل فإنّ هشاماً في هذه المحاورة كان موفّقاً للغاية، فقد سدّ على خصمه جميع المنافذ، وألزمه بمقالته من حيث لا يشعر.

ومجمل القول أنّ جميع الفِرَق الإسلامية قد خالفت في هذه المسألة، حتى الزيدية، كما يدّعيه بعض الكتّاب في الفِرَق والمذاهب.

وفي أوائل المقالات للمفيد قال: اتفق أهل الإمامة على أنّه لابدّ في كلّ زمان من إمام موجود يحتجّ به الله على عباده المكلّفين، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك، وجوّزوا خلوّ الأزمان الكثيرة من الإمام، وشاركهم الخوارج والزيدية، والمرجئة والعامّة المنتسبون إلى الحديث (١) .

____________________

(١) لقد اعتمدتُ في هذا البحث على المواقف ص ٣٤٦ و٣٤٧، وشرح النهج وشرح التجريد ص ٢٢٧ وأوائل المقالات ص ٨ بالإضافة إلى بعض المصادر الأُخرى

٢٠٣

العصمة

لقد تفرّد الإمامية عن غيرهم من الفِرَق الإسلاميّة في وجوب عصمة الأنبياء والأئمّة جميعهم من الذنوب صغيرها وكبيرها، والسهو والنسيان والخطأ وغير ذلك ممّا يحدث من سائر الناس، قبل بعثة الأنبياء وبعدها، سَواء في ذلك الأحكام وغيرها.

وأكثر المسلمين أثبتوها للأنبياء، ولكنّهم لم يلتزموا بها لهم في جميع الحالات، وعن جميع الذنوب، فالمعتزلة جوّزوا عليهم الصغائر من الذنوب سهواً وتأويلاً، أمّا الأشاعرة فقد جوّزوا عليهم الكبائر والصغائر سهواً إلاّ الكفر والكذب، ووافقهم على ذلك الحشويّة من المحدّثين؛ لأنّ جواز الكذب عليهم يؤدّي إلى إبطال رسالتهم، وإنْ كان المنسوب إلى القاضي أبي

٢٠٤

بكر الباقلاّني جوازه سهواً ونسياناً؛ لأنّ ذلك لا يستلزم جواز كذبهم فيما يخبرون به في حال التفاتهم وتذكرهم.

أمّا الكفر فقد أجمعوا على عصمتهم عنه قبل البعثة وبعدها، ولم يقل بجوازه عليهم سوى الأزارقة من الخوارج، وقد جاء عنهم، أنّه يجوّز على الله أنْ يبعث نبيّاً، يعلم بأنّه سيكفّر بعد بعثته، أمّا بقيّة الذنوب، فما كان منها من الكبائر، فقد منع صدورها منهم الجمهور الأعظم من المسلمين، بما فيهم المعتزلة والأشاعرة، إلاّ أنّ المعتزلة منعوا صدورها منهم بحكم العقل لقاعدة اللطف والأصلح، وغيرهم منع صدورها منهم للنص والإجماع، أمّا صدورها منهم نسياناً، فقد أجازوه عليهم كما أجازوا صدور الصغائر منهم عمداً وسهواً.

والمنسوب إلى الجبائي أنّه أجازها عليهم سهواً لا عمداً، هذا كلّه بعد النبوّة، أمّا قبلها فقد جوز عليهم الأشاعرة وجماعة من المعتزلة الكبائر والصغائر عمداً وسهواً (١) .

وقد استدلّ القائلون بأنّهم معصومون عن الكبائر والصغائر عمداً بالأدلة الكثيرة التي استدلّ بها القائلون بعصمتهم المطلقة، ومجملها أنّه لو صدرت منهم الذنوب لحَرُم اتباعهم فيما يفعلون، مع أنّ الإجماع والنصوص يدلاّن على وجوب متابعتهم في أقوالهم وأفعالهم، ولابدّ من عصمتهم وإلاّ لم تجِز متابعتهم.

ولأنّهم لو أذنبوا لكانوا من جملة الفاسقين الذين لا تُقبل شهادتهم، ومَن لا تقبل شهادته في أُمور الدنيا، لم تقبل في أُمور الدين، ولأنّه لو صدرت منهم المعاصي لكان من اللازم إرشادهم وإرجاعهم إلى الحق، من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك قد يؤدّي إلى إيذائهم واستعمال الشدّة معهم حسب مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

هذا بالإضافة إلى أنّه لو وقعت منهم المعاصي لكانوا من مستحقّي النار؛ لقوله تعالى: ( وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ) ، وكانوا ممّن تعنيهم الآية الكريمة: ( لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ ) ، وأيضاً لو صدرت منهم المعاصي،

____________________

(١) انظر المواقف ج ٤ ص ٢٦٥.

٢٠٥

لكانوا من الظالمين لأنفسهم، من حيث مخالفتهم للأوامر والنواهي، والظالم لا يصلح للنبوّة، لقوله تعالى: ( لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) ، مع أنّ الظالم من أتباع الشيطان وعملائه، والشيطان لا سبيل له على المؤمنين.

قال سبحانه: ( لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) .

إلى غير ذلك من الأدلّة الكثيرة التي استدلّوا بها على عصمة الأنبياء من الكبائر عمداً وسهواً في حال النبوّة، وعن الصغيرة عمداً، وقد أورد الرازي هذه الأدلّة في الأربعين وغيره مِن كتبه، كما أوردها غيره من القائلين بالعصمة المطلقة في جميع الحالات، كما وأنّ القائلين بجواز الكبائر عليهم سهواً في حال نبوّتهم، وجواز الصغائر عليهم عمداً وسهواً في تلك الحالة، قد استدلّوا ببعض الآيات القرآنية التي تدلّ بظاهرها على صدور الذنب من الأنبياء في حال نبوّتهم، كما ورد بالنسبة لآدم، ويوسف وموسى وغيرهم من الأنبياء الذين قصّ الله أحوالهم ببعض الآيات التي تُوهم صدور الذنب منهم (١).

أمّا الشيعة الإمامية فكما ذكرنا، فقد وقفوا من هذه المسألة موقفاً يتناسب مع شرف النبوّة وقداستها، فنزّهوا الأنبياء في جميع أحوالهم عن جميع المعاصي قبل النبوّة وبعدها، واستدلّوا على ذلك - بالإضافة إلى الأدلّة المتقدّمة - بأنّ جواز المعصية عليهم يتنافى مع الغاية التي أُرسلوا من أجلها؛ لأنّ الله سبحانه إنّما أَرسل الرسل لعباده ليعملوا برسالاتهم، ويسيروا على نهجها وهديها قال سُبحانه: ( لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى ) ، وإذا جاز على الأنبياء أنّ يخالفوا ما يأمرون به وينهون عنه، لم يحصل الوثوق بأقوالهم ما دامت لا توافق أفعالهم.

ولو جاز عليهم السهو والخطأ في أقوالهم وأفعالهم، لم يعد ما يمنع من وقوعهما منهم في التبليغ عن الله سبحانه.

وإذا جاز عليهم الكذِب في أقوالهم وأخبارهم ضعُفت ثقتهم ومكانتهم من النفوس، فلا تحصل الغاية التي من أجلها أَرسل الله أنبياءه ورُسله.

كما استدلّوا بالإضافة إلى ما تقدّم، بأنّ النبيّ لو فعَل المعاصي تجب

____________________

(١) انظر المواقف ج ٤ ص ٢٦٤ إلى ص ٢٨٠ حيث أورد جميع الآراء في هذه المسألة وأدلّتها.

٢٠٦

إطاعته ومتابعته، لقوله تعالى: ( أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ) ، ولقوله: ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ) ، ومن حيث إنّه بفعله أصبح عاصياً تحرم متابعته في ذلك الفعل، ولازم ذلك اجتماع الوجوب والحرمة في حقّ المكلّفين، وأيضاً لزِم أنْ يكون أسوأ حالاً من سائر أفراد البشر؛ لأنّه أكثر معرفة لله منهم وأكثرهم عِلماً بأحكامه، والله سبحانه يعاقب الناس ويحاسبهم على حسب عقولهم ومعرفتهم، ولذا فقد ضاعف الله سبحانه العقاب للعاصيات من نساء النبيّ، قال سبحانه: ( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ) .

ومجمل القول أنّ الذي ذهب إليه الشيعة، هو الذي يتناسب مع مقام النبوّة وعظمتها، ويجب أنْ يكون القائم بهذه المهمّة مثالاً للفضيلة بكلّ أنواعها ليسرع الناس إلى تصديقه والعمل بأوامره ونواهيه، وكيف يجوز على الله سبحانه أنْ يُرسل إلى الناس مَن يأمرهم ولا يأتمر وينهاهم ولا ينتهي؟! مع أنّه قد وبّخ مَن كان بهذه الصفة، قال:

( لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ ) (١).

قال الشيخ المفيد في أوائل المقالات: إنّ جميع الأنبياء معصومون عن الكبائر قبل النبوّة وبعدها، وممّا يستخفّ فاعله من الصغائر كلّها (٢) وأمّا ما كان من صغير لا يستخفّ فاعله فجائز وقوعه منهم قبل النبوّة وعلى غيرِ عمد، وممتنع منهم بعدها، وأضاف إلى ذلك أنّ هذا هو مذهب جمهور الإمامية، والمعتزلة بأسرها تُخالف في ذلك (٣)، وهذه العبارة مِن الشيخ المفيد تؤكّد أنّ المعتزلة لا يلتقون مع الإمامية في مسألة العصمة، وكان على صلة بهم، وله معهم مواقف كثيرة حول الأُصول الإسلاميّة، وقلّما يخلو مجلسه من المناظرات معهم وقد جمع السيّد المرتضى كتاباً أكثره في المناظرات التي كانت تجري بين المفيد وخصومه، وأكثرهم من المعتزلة يوم ذاك، وإنْ كان الذي نقله عنهم مؤلّف المواقف، أنّهم لا يجيزون على

____________________

(١) انظر كشف الحق ونهج الصدق ص ٨١ و٨٢ وشرح التجريد للعلاّمة ص ٢١٧.

(٢) وقد مثّلوا لذلك بسرقة الأشياء الحقيرة، كلقمة من الطعام، أو الأكل في السوق وغير ذلك ممّا يُعَد فاعله خسيساً وضيعاً عند الناس، وعلّلوا استثناء هذا النوع من الصغائر، بأنّه يوجب الاستخفاف به.

(٣) انظر أوائل المقالات ص ٣٠.

٢٠٧

الأنبياء الكبائر عمداً، وأنّ ذلك ممتنع منهم عقلاً؛ لأنّه يوجب سقوط هيبتهم من القلوب وانحطاطهم من أعيُن الناس (١).

وعلى كلّ حال فالذي يدّعيه الإمامية في هذه المسألة، هو الذي يتناسب مع مقام النبوّة والرسالة، كما ذكرنا، ويُساعد على تحقيق الأغراض التي بُعِثوا من أجلها؛ لأنّه مكلّف بإصلاح النفوس وتطهيرها من الرذائل، ووضع الحلول الصالحة لمشاكل المجتمع، وإذا كان طاهر النفس صدوقاً أميناً يصدّق أقواله بأفعاله، تسرع النفوس إلى تلبيته والقلوب إلى محبّته، ويكون لأقواله من الآثار ما لا يكون لأقوال العشرات مجتمعين من سائر الناس.

أمّا عصمة الأئمّة فهي من مختصّات الإمامية، ولابدّ من القول بها بعد أنْ قالوا بأنّ نصب الإمام واجب على الله من باب اللطف، كما يجب عليه إرسال الرسُل؛ لأنّه منفّذٌ لما جاء به الرسول وحافظٌ للشرع، وقائمٌ بمهام الرسول كلّها، فلو جاز عليه الخطأ والكذِب لا يحصل الغرض من إمامته، ولأنّ الله جعله إماماً ليهدي الناس إلى الحق، ويصلح أخطاءهم، فلو كان كغيره وجَب على الله أنْ يجعل عليه إماماً يرشده إلى الحق والهدى، وهكذا الكلام بالنسبة إلى الإمام الثاني ولابدّ وأنْ ينتهي الحال إلى إمامٍ لا يجوز عليه الخطأ، وأيضاً لو وقع منه الخطأ لوجَب الإنكار عليه وإرجاعه إلى الحق من باب الأمر بالمعروف، ولَما جاز الاعتماد على أقواله مع أنّه سبحانه قد أمر بإطاعته كما ينصّ على ذلك قوله:

( أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ) ، ولا تجب إطاعته إلاّ إذا كانت أقواله وأفعاله موافقة لأوامر الله ورسوله.

وممّا يدلّ على عصمة الإمام قوله تعالى لإبراهيم: ( إنّي جاعلك للناس إماماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) ، والإمامة عهدٌ من الله فلا يستحقّها الظالم بنصّ الآية، وغير المعصوم ظالم لنفسه ولغيره، والظالم كما يصدق على المتلبّس فعلاً بالمعصية، يصدق على من تلبّس بها في الماضي كما هو الثابت في مباحث المشتق من أُصول الفقه الجعفري، وقد استفاد المتكلّمون الشيعة من هذه الآية مبدأ عاماً في الحاكم الذي يحقّ له أنْ يتولّى أُمور الأُمّة، وهو ليس ببعيد عمّا هو ثابت في القوانين الحديثة،

____________________

(١) انظر المواقف ص ٢٦٤.

٢٠٨

حيث إنّهم يعتبرون كلّ من يرتكب جريمة، أو يعمل عملاً مُشيناً ساقطاً عن الحقوق المدنية كتولّي مناصب الدولة، وغيرهما من الشؤون العامّة (١).

والمراد من العصمة التي يدّعيها الشيعة الإمامية للأئمّة، هي عدَم صدور الكبائر والصغائر منهم عمداً وسهواً، بلا فرْق بين المُشينة وغيرها.

قال المفيد في أوائل المقالات: إنّ الأئمّة معصومون كعصمة الأنبياء، ولا تجوز عليهم صغيرةٌ إلاّ ما قدّمْتُ ذكر جوازه على الأنبياء، ولا يحدث لهم سهوٌ في شيءٍ من الدين، ولا ينسون شيئاً من الأحكام، وعلى هذا المذهب سائر الإمامية إلاّ من شذّ منهم (٢)، ولا يدخل في مفهوم العصمة سلبُ القدرة على المعاصي، ولا كون المعصوم مُلجأ على فعل الطاعات، فإنّ ذلك يستدعي بطلان الثواب والعقاب.

قال صاحب كتاب الياقوت - من قدماء الإمامية ـ: (العصمة لطفٌ يمتنع مَن يختصّ بها من فعل المعصية، لا على وجه القهر بنحوٍ لا تكون له قدرة عليها، بل يكون امتناعه عنها لعدَم الداعي إليها (٣)) .

وليس المراد من عدَم الداعي هو انتفاء القابلية، فإنّ ذلك مرجعه إلى الإلجاء وإنّما المراد منه، أنّ القوّة الخيّرة في الأنبياء والأولياء هي التي تسيطر على شهَوات النفس وأهوائها، مع كونها مقدورةً له.

ولقد بالغ مَن فسّرها باستحالة صدور الذنب؛ لأنّ ذلك يؤدّي إلى الإلجاء، وعدَم استحقاقه للمدح والثواب على أفعاله؛ لأنّها لم تصدر عن إرادة واختيار، هذا بالإضافة إلى أنّها لو كانت بهذا المعنى لم يبقَ لتعلّق النهي بالمحرّمات أثر؛ لأنّ الأفعال المنهي عنها لا تدخل تحت قدرة المعصوم

____________________

(١) انظر شرح التجريد ص ٢٢٧، وكشف الحق ونهج الصدق للعلاّمة ص ٨٥.

(٢) وقد أشار بقوله (إلاّ من شذّ منهم)، إلى الشيخ الصدوق محمّد بن بابويه القمّي، حيث جوّز عليهم السهو والنسيان حتى في الأحكام، كما جوّزه على النبيّ (صلّى الله عليه وآله) اعتماداً على ما ورد في أحاديث السنّة من سهو النبيّ في الصلاة، وقد روى عنه أبو هريرة أنّه صلّى بالناس العصر ركعتين، وانصرف إلى ناحيةٍ في المسجد، وتبعه الناس وفيهم أبو بكر وعمر، وظنّوا أنّ الصلاة قد قصرت، فلم يجرأ أحد على سؤاله غير رجلٍ يدعى ذا اليدين، فلمّا سأله تذكّر النبيّ ورجَع فأتمّ صلاته من حيث سلّم.

(٣) انظر أوائل المقالات للمفيد.

٢٠٩

بناءً على هذا التفسير.

هذا بالإضافة إلى أنّ الصفات التي منها ينطلق الإنسان إلى المعاصي كالرضا والغضب والشهوة وغير ذلك موجودة في الأئمّة والأنبياء، كما هي في سائر الناس، وجاء في الآية الكريمة: ( إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ) ، ولكن تلك الصفات تسيطر على غيرهم من الناس وتسوقهم إلى معصية الله سبحانه، أمّا الأنبياء والأئمّة (عليهم السلام)، فمع أنّهم يحبّون ويكرهون ويرضون ويغضبون، ولكن في حدود أوامر الله ونواهيه، فحبّهم للدنيا ومظاهرها وشهَواتها مغلوبٌ دائماً لرضا الله المسيطر على نفوسهم وقلوبهم، الذي حبّب إليهم الإيمان والطاعات، وأبعدهم عن الفسوق والنفاق.

وجاء عن محمّد بن أبي عُمير - أحد تلامذة الأئمّة المقرّبين منهم - أنّه قال: ما سمِعت ولا استفدت من هشام بن الحكم، على طول صحبتي له، أحسن من كلامه في صفة عصمة الإمام، فلقد سألته يوماً من الأيّام عن الإمام أهو معصوم أم لا؟ قال: نعم، قلت له: فما هي العصمة وبماذا تُعرف؟ قال: إنّ جميع الذنوب لها أربعة أوجُه لا خامس لها: الحرْص والحسَد والغضَب والشهوة، وكلّها منتفية عنه، فلا يجوز أنْ يكون حريصاً على هذه الدنيا وهي تحت يده فعلى ماذا يحرص؟ ولا يجوز أنْ يكون حسوداً؛ لأنّ الإنسان إنّما يحسد مَن هو فوقه وليس فوقه أحد، فكيف يحسد من هو دونه؟!

ولا يجوز أنْ يغضب لشيء من أُمور الدنيا، إلاّ أنْ يكون غضبه لله عزّ وجل، فإنّ الله قد فرَض عليه إقامة الحدود، وأنّ لا تأخذه في الله لومةُ لائم، ولا رأفة في دنياه حتى يُقيم حدود الله عزّ وجل، ولا يجوز أنْ يتّبع الشهَوات ويُؤثر الدنيا على الآخرة؛ لأنّ الله عزّ وجل حبّب إليه الآخرة كما حبّب إلينا الدنيا، فهو ينظر إليها كما ننظر إلى الدنيا، فهل رأيت أحداً ترَك وجهاً حسَناً لوجهٍ قبيح، وطعاماً طيّباً لطعامٍ مُر، وثوباً ليّناً لثوبٍ خشِن، ونعمةً باقية لِدُنيا زائلة (١)؟ !

وهُشام بن الحكَم بهذا التحديد لمفهوم العصمة قرّر أنّها لا تكون إلاّ إذا استطاع الإمام أنْ يتغلّب على هذه الأُصول الأربعة، التي تتفرّع عنها جميع المفاسد، ومنها ينطلق الإنسان إلى المعاصي والمنكرات، وليس في كلامه ما يُشير إلى أنّ هذه الأربعة ليست مقدورة له، بل كل ما يدلّ عليه هذا

____________________

(١) انظر هشام بن الحكم للشيخ عبد الله نعمة ص ٢٠٢.

٢١٠

الكلام إنّ الدواعي التي تثير الحسَد والغضب والشهوة والحرص إلى الوقوع في الرذيلة، لا وجود لها عند الإمام (عليه السلام) بمعنى أنّها مغلوبةٌ لقوةِ الخير الموجودة فيه.

ومجمل القول أنّ العصمة ليس لها مفهوم يتخطّى إمكانيّات الإنسان، بنحوٍ يكون هذا المخلوق البشَري إنساناً آخر له طبيعة غير طبائع الناس. إنّ المعصوم في رأي هشام بن الحكَم ورأي جميع الشيعة إنسانٌ يغضب ويرضى ويحزن ويفرَح ويتلذّذ ويتألّم ويحبّ ويكره إلى غير ذلك من صفات الإنسان، وهذه الحالات وإنْ كانت من شأنها أنْ تسيطر على الإنسان، وتسوقه إلى المعاصي والمنكرات واتباع الشهوات والملذّات، إلاّ أنّها في الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) تكون مغلوبة للقوة الخيّرة التي تصرفهم إلى الطاعات وتسيطر على الدواعي التي تحرّك إلى المعصية بنحوٍ تصبح تلك الدواعي معدومةَ التأثير وكأنّها لم تكن.

وقد ذهب الإمامية إلى أنّ الإمام لابدّ وأنْ يكون أفضل الناس وأكملهم؛ لأنّ ترجيحه على غيره وتعيينه إماماً من بين سائر الناس لابدّ وأنْ يكون لأمرٍ لا يوجد في غيره، وإلاّ كان ترجيحه بلا مُرجّح.

ولأنّ تقديم المفضول على الفاضل لا يقرّه العقل؛ لأنّ الأفضل أعرَف بالواقع وأهدى إلى الحق، ومحلّ للثقة والاطمئنان مِِن جميع الطبَقات قال سبحانه: ( أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمْ مَنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) .

وهذا الشرط من مختصّات الإمامية، فالأشاعرة والمحدّثون من أهل السنّة وأكثر المعتزلة، وإنْ ذهبوا إلى أنّ المتقدّم من الخلفاء الأربعة أفضل من المتأخّر اعتماداً على بعض المرويّات عندهم (١) إلاّ أنّهم لا يعتبرون الأفضلية شرطاً في الخلافة؛ لأنّ أمر الإمام عندهم يرجع إلى الأُمّة وحدها وليس لله أمرٌ أو نهي في ذلك، فهي التي تقرّر مصيرها وتختار مَن تراه.

____________________

(١) فلقد رووا أنّ الرسول (صلّى اّلله عليه وآله) قال: ما ينبغي لقومٍ فيهم أبو بكر أنْ يتقدّم عليه غيره، وأنّه قال: ما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيّين والرُسُل على رجلٍ أفضل من أبي بكر، وأنّ الآية الكريمة ( وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى ) نزَلَت في أبي بكر.

كما رووا في عمر بن الخطّاب وعثمان بن عفّان أحاديث تنصّ على أفضليّتهما على سائر الخلق.

٢١١

وأمّا المعتزلة، فقد ذهَب المتقدّمون منهم كعمرو بن عبيد، وواصل بن عطاء، وإبراهيم بن سيار المعروف بالنظّام، وعمرو بن بحر الجاحظ، وثمامة بن أشرس، وهشام بن عمر الغوطي، ويوسف بن عبد الله الشحّام، وغيرهم من معتزلة البصرة إلى أنّ أبا بكر أفضل من غيره، وقد ذكرنا سابقاً أنّ عمرو بن عبيد كان يدّعي أنّ عليّاً قد فسَق بسبب القتال الذي دار بينه وبين أهل البصرة وأهل الشام، بينما كان يرى زميله واصل بن عطاء فسق أحد اثنين عليّ ومعاوية، ولا يجيز لهما شهادةً على باقة بقل، أمّا الباقون من المعتزلة وهُم معتزلة بغداد، فقد ادعى ابن أبي الحديد في شرح النهج أنّهم يقولون بأفضليّة عليّ (عليه السلام) عن أبي بكر وعثمان وأنّ الأفضلية ليست من شروط الخلافة (١).

ويؤكّد الشيخ أبو زهرة أنّ الزيدية وعلى رأسهم الإمام زيد بن عليّ يرون هذا الرأي، وينكرون النصّ على عليّ (عليه السلام) (٢) وقد ذكرنا سابقاً في حديثنا عن الزيدية، أنّ المنسوب إلى زيد بن عليّ لا تؤيّده النصوص التاريخية، وقد نصّ المسعودي في مروج الذهب، وأبو الحسن الأشعري في مقالات الإسلاميّين أنّ الجارودية أتباع زياد بن المنذر الجارود، وهم الفرقة الأُولى من الزيدية الذين عاصروا زيداً، هؤلاء كانوا يذهبون إلى النص على عليّ (عليه السلام) وقد نصّ هو على إمامة ولَدَيه الحسن والحسين (عليهما السلام)، والناس قد ضلّوا بعدولهم عنه (٣).

وزياد بن المنذر كان من المعاصرين لزيد بن عليّ، ولم يكن بعيداً عنه وعلى تقدير أنّه كان من القائلين بإمامته، فلابدّ وأنْ يكون قد استوحى شروط الإمامة ووظائف الإمام منه، ومن المستبعد أنْ يُخالف رأيه في إمامة جدّه عليّ (عليه السلام).

وقد أثبتنا سابقاً أنّ زيداً لم يخرج في مبادئه وآرائه عن المخطّط الذي رأسه آباؤه لشيعتهم وأتباعهم، ولم يكن في ثورته على الأمويّين داعياً لنفسه، ولا مخالفاً للأئمّة من أهل البيت (عليهم السلام).

ومن مجموع ما تقدّم يتبيّن أنّ المسلمين على اختلاف فِرَقهم ومذاهبهم متّفقون على أنّه لابدّ للمسلمين من إمام يقوم مقام الرسول (صلّى الله عليه وآله) في تنظيم

____________________

(١) انظر شرح النهج لابن أبي الحديد المجلّد الأوّل ص ١٣.

(٢) انظر الإمام زيد ص ١٨٨ و١٨٩.

(٣) انظر مقالات الإسلاميّين ج ١ ص ١٣٣، ومروج الذهب للمسعودي.

٢١٢

أُمورهم وإقامة الحدود وتنفيذ الأحكام، وغير ذلك من المصالح التي لابدّ من رعايتها، ولم يُخالف بذلك سوى العجاردة من الخوارج، ومحلّ الخلاف بينهم في أنّ نصبه واجب على الله كما يدّعي الإمامية، أو على الأُمة بحكم العقل كما يدّعي القسم الأكبر من المعتزلة، أو بطريق النقل كما يدّعي الأشاعرة وبعض المعتزلة، كما تبيّن أنّ الإمامية يُخالفون جميع الفِرَق في مسألتي العصمة والأفضلية، واعتبروهما وصفين لازِمَين للإمام، أمّا أهل السنّة فقد ذهبوا إلى أنّ الإمام لا يكون إماماً شرعياً إلاّ بشروطٍ أربعة:

الأوّل: أنْ يكون قرشيّاً، واحتجّوا لذلك ببعض المرويّات عن الرسول في فضل قريش، واختصاصهم بهذا الأمر، فلقد رووا عنه أنّه قال: لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقيَ فيهم اثنان، وروى معاوية بن أبي سفيان عنه أنّه قال: إنّ هذا الأمر في قريش لا يُعاديهم أحد إلاّ أكبّه الله على وجهه، وقد خالف في ذلك الخوارج وجماعة من المعتزلة، وجوّزوا إمامة المَوالي والعبيد، كما ذكرنا سابقاً.

وعلى كلّ حال فالنصوص التي أوردها المحدّثون والأشاعرة لانحصار الخلافة في القرشيّين ليست واردة في مقام الجعل، ولا يُستفاد منها تأسيسَ أصلٍ عام لتكون مرجعاً في هذه المسألة، وكلّ ما يُستفاد منها الأخبار عمّا سيقع في المستقبل، فلا تصلح دليلاً على أنّها حقٌّ من حقوقهم، ولا محلّ لهذا الشرط عند الإمامية؛ لأنّها من الحقوق المجعولة لعليّ ووُلْده على مذهبهم، كما لا محلّ له عند الزيدية، لاختصاصها بولد فاطمة (عليها السلام) كما هو المنسوب إليهم، ولأنّها بالنصّ من الله عند الشيعة، والله أعلم حيث يجعل رسالته.

الشرط الثاني: البيعة العامّة التي تشمل الموجّهين من أهل الرأي والعلماء، والجنود والجمهور الأعظم من المسلمين، ولابدّ فيها من الرضا والاختيار، فلا تنعقد مع الإكراه والإجبار، وهي معاهدة قائمة بين الشعب والحاكم المختار، فعلى الشعب أنْ يسمع ويطيع، وعلى الحاكم أنْ يقيم الحدود والفرائض ويسير على النهج المستفاد من الكتاب والسنّة، وهؤلاء يدّعون بأنّ الصحابة والبقيّة من المسلمين قد تسابقوا إلى بيعة أبي بكر، ولم يتخلّف أحد من أولي الرأي والصحابة عنه (١)، مع أنّ الحوادث التي رافقت بيعة أبي بكر تؤكّد أنّ المتخلّفين عنه كانوا من أبرز صحابة الرسول، وأقربهم إليه، وقد تصلّبوا في موقفهم بالرغم من موجة الإرهاب التي رافقت

____________________

(١) انظر المذاهب الإسلامية لأبي زهرة ص ١٣٢ والمواقف ص ٣٥٠.

٢١٣

استخلافه في بداية الأمر، كما ذكرنا في الفصل الأول من هذا الكتاب.

وجاء في المواقف أنّ إجماع أهل الحلّ والعقد، لم يقم عليه دليل من العقل أو السمع، فيكفي فيها الواحد والاثنان، ويجب أتّباع الإمام على أهل الإسلام، وذلك لعلمنا أنّ الصحابة مع صلابتهم في الدين قد اكتفوا بذلك، فقد عقدها أبو بكر لعمر، وعبد الرحمان بن عوف لعثمان، ولم يشترطوا اجتماع مَن في المدينة (١).

الشرط الثالث: الشورى، والمراد بها أنْ يكون اختياره نتيجةً للتشاور وتمحيص الآراء بنحوٍ لا تستقل بتعيينه فِئة دون أُخرى ولا فرد أو أفراد مخصوصون، وقد ادعوا أنّ استخلاف أبي بكر وعمر وعثمان كان نتيجةً لتداول المسلمين فيما بينهم، واتّفاقهم على هؤلاء الأشخاص (٢)، مع أنّه من الثابت تاريخيّاً أنّ أبا بكر عيّن عمر بن الخطّاب في حياته، وفرضه على المسلمين فرضاً، واعترضه جماعة فلَم يتراجع، كما وأنّ عمر بن الخطّاب جعل أمرها لواحد من ستّة أشخاص، ولم يترك لهم الاختيار المطلق، بل وضَع لهم القيود والشروط التي تنتهي بها إلى الشخص الذي أراده، وقد وقع الأمر كذلك، حينما رفض عليّ (عليه السلام) التقيّد برأي الشيخين أبي بكر وعمر.

الشرط الرابع: أنْ يكون الخليفة عادلاً لا يندفع مع أهوائه، ولا يؤثّر أحداً على آخر لهوى في نفسه، يعامل الناس بالعدل ولو كانوا من أعدائه، ويطبّق القانون على الجميع بدون محاباةٍ لأحد، ومع أنّهم يعتبرون هذا الشرط في الحاكم، فقد ذهبوا إلى أنّه لو خرَج على القانون الإسلامي فلا يجوز الخروج عليه، ولو كان ظالماً فاسقاً، وأنّ طاعته أولى من الخروج عليه، وقال أحمد بن حنبل: لا يجوز الخروج على الأُمراء بالسيف وأنْ جاروا، وإلى ذلك ذهب مالك في موطئه، والشافعي في كتبه، وقد رووا عن الرسول (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: (مَن ولّي عليه والٍ فرآه يأتي شيئاً من معصية الله فليكره ما يأتي من معصيته، ولا ينزعنّ يداً عن طاعة) ، وأنّه قال: (أفضل الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمّة المسلمين) .

أمّا الإمامية وبعض المعتزلة والخوارج، فإنّهم يرَون جهاده إذا خرَج

____________________

(١) انظر ص ٣٥٣ من الكتاب المذكور.

(٢) انظر المذاهب الإسلامية، ص ١٥٣ والمواقف ص ٣٥٣.

٢١٤

على المبادئ الإسلامية واجباً، ولا يجوز السكوت عليه إذا أمكَن مقاومته ولو أدّى إلى إراقة الدماء، وعند الإمامية أنّ جهاد الظالمين من أفضل الطاعات وأكثرها ثواباً وأجراً، ومرويّاتهم عن الأئمّة تؤكّد وجوب جهادهم ومقاومتهم، وهذا المبدأ من الضرورات عند الشيعة كما وأنّ القرآن الكريم لم يجعل للظالمين سلطاناً على أحدٍ من الناس، قال تعالى: ( لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ ) .

وفي الآية من سورة التوبة: ( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ ) .

ومجمل القول أنّ الأشاعرة والمُحدّثين والفقهاء وفريقاً من المعتزلة مع أنّهم يشترطون عدالة الحاكم، يقولون بأنّ ولايتهِ ماضية حتى ولو كان فاسقاً ظالماً جائراً، فلا يجوز الخروج عليه ولو توفّرت القوّة الكافية لإراحة العباد منه، ولا فَرْقَ عندهم بين الخليفة المختار، وبين مَن استولى على الأُمور بالقوّة والغلَبة أمثال يزيد بن معاوية وغيره من الحكّام الجائرين، والخارجين في سيرتهم على المبادئ الإسلامية، ونصوص القرآن؛ لأنّ الخروج عليه يؤدّي إلى الفتنة وإراقة الدماء، ولأنّ الصبر عليه أولى من الدخول في فتنةٍ جديدة، ولو ترتّب على بقائه إراقة الدماء وانتهاك الحُرُمات.

الجنّة والنار

لقد اتفق الأشاعرة والمحدّثون وعبد السلام الجبائي، وبشر بن المعتمر وأبو الحسين البصري، على أنّ الجنّة والنار مخلوقتان، واستدلّوا على ذلك بالآيات الكريمة التي تنصّ على وجودهما، ومن ذلك الآيات التي تنصّ على أنّ آدم وحوّاء قد سكنا الجنّة وأكلا من ثمارها، قال تعالى: ( وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ

٢١٥

الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ) .

وذهب أكثر المعتزلة إلى أنّهما سيُخلقان يوم يَحشر الله الناس للجزاء، لعدَم الفائدة من خلقهما قبل ذلك اليوم، كما استدلّوا أيضاً بقوله تعالى:

( أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ ) ، والجمع بين هذه الآية وقوله تعالى: ( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ ) ، حيث إنّ مفاد الأوّل أنّ مأكولها دائم، والثانية تفيد أنّ لا شيء يسلم من الفناء، فلو قلنا بأنّهما مخلوقتان لزِم تناقض الآيتين، فلابدّ وأنْ نلتزم بعدم وجودهما فعلاً، وأنّهما سيوجدان في يوم الجزاء.

وأجاب الأشاعرة عن هذه الشبهة، إنّ دوام أُكلها لا يُراد منه دوام الشيء بعينه، ليحصل التعارض بين الآيتين المذكورتين؛ لأنّ الشيء الشخصي إذا أكلته النار لا يتّصف بالبقاء، وإنّما يُراد به الدوام النوعي، أي كلّما أكلت شيئاً يحل محلّه شيء آخر، وبهذا الاعتبار يستمر أُكلها، ويتحقّق المراد من الآية الثانية.

واستدلّوا أيضاً بقوله تعالى: ( وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ) ، وكون السموات والأرض عرضاً لها لا يتصوّر إلاّ بعد فناء العالم بأسره، وإلاّ لزِم تداخل الأجسام بعضها ببعض؛ لأنّ وجودَ جرمٍ في جرمٍ بمقداره، يقتضي كون الجُرمين واحداً أو وجود الخلاء بينهما.

والجواب أنّ الآية في مقام التشبيه، والمراد أنّ عرضها كعرض السموات والأرض، بدليل ورود هذا التشبيه في بعض الآيات الأخرى، وليس المراد أنّ السموات والأرض عرضاً لها بنحو تكون الجنّة خالية فيهما، ويلزم بناء على ذلك أنّ تكون المخلوقات الموجودة فيهما، يلزم أنْ تكون في الجنّة بناء على وجودها فيهما.

أمّا الإمامية فقد اجمعوا على خلقهما، قال العلاّمة في شرح التجريد: وقد دلّ السمع على أنّ الجنّة والنار مخلوقتان الآن وجميع المعارضات متأوّلة، والنصوص التي تصرّح بوجودهما تبلغ حدّ التواتر.

وجاء في أوائل المقالات، أنّ الإجماع قائم على أنّهما مخلوقتان، بالإضافة إلى الأخبار الكثيرة، وقد خالَف في ذلك الخوارج والمعتزلة وبعض الزيدية، واستطرد يقول: إنّ المتأخّرين من المعتزلة كأبي هاشم يدّعون أنّ خلقهما عبَث قبل المحشر، والله لا يعبث في فعله (١) .

____________________

(١) انظر شرح التجريد ص ٢٧٠ وأوائل المقالات ص ١٠٣، والمواقف ص ٣٠١.

٢١٦

وقد دلّت النصوص من القرآن والحديث على وجودهما، فمِن النصوص القرآنية قوله تعالى: ( هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ * يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ) ، وفي كثير من الآيات ورَد التعبير عنهما بصيغة الماضي التي تدلّ على وجودهما كقوله: ( أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ) ، وقوله في آيةٍ أُخرى: ( أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ) ، وغير ذلك من الآيات الكثيرة التي تؤكّد وجودهما.

وجاء في رواية عبد السلام بن صالح الهِرَوِي، المعروف بأبي الصلْت، أنّ رسول الله قد دخل الجنّة ورأى النار حينما عرَج إلى السماء، قال أبو الصلْت: فقلت للإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام): أهُما اليوم مخلوقتان؟ قال: (نعم، وأنّ رسول الله قد دخل الجنّة ورأى النار). قال: فقلت له: إنّ قوماً يقولون إنّهما مقدّرتان وغير مخلوقتين. فقال (عليه السلام): (ما أُولئك منّا ولا نحن منهم، من أنكَر خلق الجنّة والنار فقد كذّب النبيّ وكذّبنا، وليس مِن ولايتنا على شيء، ويُخلّد في نار جهنّم) (١) .

____________________

(١) انظر الاحتجاج للطبرسي ص ٢٢٢.

٢١٧

الشفاعة

لقد ورَد ذكر الشفاعة في بعض آيات الكتاب الكريم، ووَرَدت جملة من الأحاديث عن الرسول (صلّى الله عليه وآله) مؤكِّدة لِما جاء في القرآن، ولأجل ذلك فقد ذهب الإمامية إلى أنّ النبيّ والأئمّة يشفعون، يوم يقوم الناس للحساب، لبعض المؤمنين ممّن ارتكبوا بعض المخالفات، وقد دلّت النصوص على أنّ الله يقبل شفاعتهم، منها ما جاء عن الرسول أنّه قال: (ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أُمتي)، وجاء عن الإمام محمّد الباقر (عليه السلام) أنّه قال: (إنّ قوله تعالى: ( فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ * فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) يدلّ على الشفاعة وذلك أنّ أهل النار لو لم يرَوا يوم القيامة

٢١٨

شافعين يشفعون لبعض من استحقّوا العقاب، فيشفعون ويخرجون بشفاعتهم من النار، أو يُعفَون منها بعد الاستحقاق لما عظمت حسراتهم، ولا صدر عنهم هذا المقال، ولكنّهم لمّا رأوا شافعاً يشفع فيُشفّع، وصديقاً حميماً يشفع لصديقه عظمت حسراتهم عند ذلك، فقالوا: فما لنا من شافعين ولا صديق حميم) (١).

وجاء في أوائل المقالات للشيخ المفيد: اتفقت الإمامية أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يشفع يوم القيامة لجماعة من مرتكبي الكبائر من أُمّته، وأنّ أمير المؤمنين يشفَع في أصحاب الذنوب من شيعته، وأنّ أئمّة آل محمّد (عليه السلام) يشفعون كذلك ويُنجّي الله بشفاعتهم كثيراً من الخاطئين، ووافقهم على ذلك المرجئة وجماعة من المحدّثين.

وجاء عن الرسول (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: (إنّي أشفع يوم القيامة فأُشفّع، ويشفع عليّ فيُشفّع، وأنّ أدنى المؤمنين شفاعة يوم القيامة يشفع في أربعين من إخوانه)، وأجمعت المعتزلة على خلافهم، وزعَمت أنّ شفاعة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) للمطيعين دون العاصين، وأنّه لا يشفع في مستحقّ العقاب من الخلق أجمعين (٢).

وقال في المواقف: إنّ المسلمين قد اتّفقوا على الشفاعة، ولكنّهم قد اختلفوا في المشفوع له، فالمحدّثون والأشاعرة والإمامية، ذهبوا إلى أنّها لأهل الكبائر من المسلمين، أمّا المعتزلة فقد ذهبوا إلى أنّها لزيادة ثواب المؤمنين المستحقّين للجنّة، واستدلّوا على أنّها ليست ماحية للذنوب عن العُصاة بقوله تعالى: ( وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ ) وبقوله: ( وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ) وبقوله: ( وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ) ، إلى غيره ذلك من الآيات الظاهرة في أنّ الإنسان لا ينفعه إلاّ عمله وإطاعته لله سبحانه.

وجاء عن أبي الحسن الخيّاط - أحد أعلام المعتزلة - أنّه كان يحتجّ على القائلين بالشفاعة بقوله تعالى: ( أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ

____________________

(١) انظر الفصول المختارة من كتاب العيون والمحاسن للمفيد ص ٥٢.

(٢) انظر أوائل المقالات ص ٥١ و ٥٣.

٢١٩

مَنْ فِي النَّارِ ) ، قال: إّن الآية تنصّ على أنّ من استحقّ العذاب لا يُمكن للرسول أنْ ينقذه من جهنّم، وقال المفيد في جوابه: إنّ القائلين بالشفاعة لا يدّعون بأنّ الرسول هو المُنقذ للمستحقّين النار، وإنّما الذي يدّعونه أنّ الله سبحانه ينقذهم منها إكراماً لنبيّه والطيّبين من أهل بيته (عليهم السلام).

هذا بالإضافة إلى أنّ مَن حقّت عليهم كلمة العذاب هُم الكفّار، وليس في المسلمين مَن يدّعي أنّ الرسول وغيره يشفعون لهم (١)، وأمّا بقية الآيات التي استدلّ بها المعتزلة على إبطال الشفاعة، فقد أجاب القائلون بالشفاعة عنها، بأنّها مختصّة بالكفّار كما تدلّ على ذلك أكثر التفاسير، ولابدّ من حملها على ذلك، بعد ملاحظة النصوص الكثيرة التي تؤكّد أنّ النبيّ والأئمّة يشفعون للمذنبين من المؤمنين.

وقال في شرح التجريد: إنّ قوله تعالى: ( مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ ) لا يدلّ على نفي الشفاعة؛ لأنّ نفي المُطاع لا يستلزم نفي المُجاب؛ وذلك لأنّ المراد من الشفاعة غنّ النبيّ مثلاً يرجو الله في العفو عن بعض المذنبين فيُجاب إلى ذلك، ولا يكون بذلك مطاعاً، والآية لا تدلّ على أكثر مِن أنّ الظالم ليس له شفيعٌ مطاع، والقائلون بالشفاعة لا يدّعون ذلك (٢).

هذا بالإضافة إلى أنّ قوله تعالى: ( وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضَى ) ، يقرّ مبدأ الشفاعة لِمَن ارتضاه الله، وأهل الذنوب لا يخرجون عن الإيمان بذنوبهم، ولا سيّما إذا ندموا على فعلها، وقد جاء عن محمّد بن أبي عُمير أنّ الإمام موسى بن جعفر قال: (حدّثني أبي عن آبائه عن عليّ (عليه السلام) أنّه قال: سمِعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: إنّما شفاعتي لأهل الكبائر من أُمّتي)، فأما المحسنون منهم فما عليهم من سبيل، ثمّ قال: مَن سرّته حسنة وساءته سيّئة فهو مؤمن، ومَن لم يندَم على ذنبٍ ارتكبه فليس بمؤمن ولم تجِب له الشفاعة) (٣).

على أنّه لو كان المراد منها زيادة الثواب كما يدّعيه المعتزلة، لزِم أنْ يكون جميع المؤمنين شُفَعاء للنبيّ (صلّى الله عليه وآله)؛ لأنّهم يطلبون له من الله ذلك.

____________________

(١) انظر الفصول المختارة ص ٥٠.

(٢) انظر شرح التجريد ص ٢٦٣، والمواقف ص ٢١٣.

(٣) انظر توحيد الصدوق ص ٤١٩.

٢٢٠

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253