الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة

الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة15%

الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة مؤلف:
تصنيف: تاريخ التشيع
الصفحات: 253

  • البداية
  • السابق
  • 253 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 55892 / تحميل: 9594
الحجم الحجم الحجم
الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة

الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة

مؤلف:
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة


1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

كأنّ مكاكيّ الجواء غديّة *** نشاوى سلاف من رحيق مفلفل

كأنّ السباع فيه غرقى عشيّة *** بأرجائه القصوى، أنا بيش عنصل

فأنت ترى الى امرى‏ء القيس كيف يلحظ أن المطر قد أسقط نخل تيماء كلّه، و جرف أبنيتها فلم يبق منها إلا المشيد بالجنادل و الصخور. أما جبل «ثبير» المعتز بشموخه على ما حوله من الأرض الواطئة، فقد غطاه المطر إلاّ رأسه، فبدا كشيخ قوم ملتفّ بكساء مخطط. و تتابع الأمطار طوفانها حول الجبال ثم تلقي أثقالها جميعا في الصحارى التي ظلّت زمنا قاحلة لا نبت فيها و لا رواء، فإذا بها تنبت عشبا و زهرا ملوّنا يشبه الثياب الملونة الحسناء التي ينشرها التاجر اليماني امام أعين الناس. و قد أحسن المطر إلى هذه الصحارى المجدبة فإذا هي رياض زاهية تغنّي بها الطير طربة سكرى أمّا الوحوش الضارية التي كانت تستبيح لنفسها افتراس الضعيف من الحيوان و الطير، فقد ذلّها المطر و أغرقها فطفت على الماء كأنها جذور البصل البرّي.

و هكذا يبدو المطر في خاطر الشاعر الجاهلي الكبير، الذي يتابع رحلته حتى النهاية، و كأنه يمثّل قوة الوجود المدبّرة. فهو قويّ عادل كريم ينصر الصعفاء الممثّلين بالأرض الواطئة و صغار الطير، فيملأ الوادي بالنبت و الزهر و اللون و يدخل الفرحة على قلوب العصافير فتطرب و تغنّي. و يداعب الأقوياء الممثّلين بالجبال التي يضايقها من كل جانب و يضعف من شأنها. و يفتك بذوي البطش الممثلين بالسباع الضارية فيقهرها و يغرقها و يجعلها تافهة و هذا عليّ يحسّ أمام الغيث ما أحسّه امرؤ القيس من تمثيله القوة العادلة الكريمة، فيقول في خاتمة حديث طويل: «فلما ألقت السحائب بعاع ما استقلّت به(١) من العب‏ء المحمول عليها، أخرج به من هوامد الأرض النبات(٢) و من زعر الجبال الأعشاب(٣) فهي تبهج بزينة رياضها

____________________

(١) البعاع: ثقل السحاب من الماء. و ألقى السحاب بعاعه: أمطر كل ما فيه.

(٢) الهوامد من الأرض: ما لم يكن بها نبات.

(٣) زعر، مجمع أزعر، و هو: الموضع القليل النبات.

٢١

و تزدهي بما ألبسته من ريط أزاهيرها(١) و حلية ما سمطت به(٢) من ناضر أنوارها، و جعل ذلك بلاغا للأنام و رزقا للأنعام» ثم إن عليّا يوجز الفكرة البعيدة في ما شاهده امرؤ القيس من عمل المطر في الجبال و السباع، بهذه الكلمة: «من تعظّم على الزمان أهانه» و إن هذه الروائع التي عبرت بنا في هذا الفصل، لتنبع كلّها من معين واحد بالرغم من اختلاف موضوعاتها و تباين أغراضها و تباعد ظروفها. ففيها جميعا هذه الاصالة في الفكر و الحس و الخيال و الذوق، التي تربط بين صاحبها و جملة الكائنات في وحدة وجودية مطلقة و أراك حيث رحت في أدب عليّ بن أبي طالب، شاعرا بهذه الاصالة التي تحدوه أبدا إلى اكتناه الروابط الخفية الكامنة وراء مظاهر الحياة و الموت، و وراء الأشكال التي تختلف على الحقيقة الواحدة الثابتة التي لا تختلف. و ما نزعته التوحيدية الجامحة إلا نزعة الأديب الحق يريد أن يركّز الوجود، في عقله و قلبه على السواء، على أصول لا يجوز فيها قديم و لا جديد و يتبيّن من نهج البلاغة ان نظريات ابن أبي طالب الاجتماعية و الأخلاقية، تنبع بصورة مباشرة أو غير مباشرة من هذه النظرة الواحدة الشاملة الى الوجود. فما أقرب الموت من الحياة في سنّة الوجود. و ما أقرب طرفي الخير و الشر. و ما أكثر ما يجتمع الحزن و السرور في قلب واحد في وقت معا، و الكسل و النشاط في جسد واحد. «فربّ بعيد هو أقرب من قريب في أدب ابن أبي طالب و ربّ رجاء يؤدي الى الحرمان، و تجارة تؤول الى الخسران». و ليس عجيبا أن يجوز في الناس قول ابن أبي طالب: «من حفر لأخيه بئرا وقع فيها، و من هتك حجاب غيره انكشفت عورات بيته، و من تكبّر على الناس ذلّ» فالدائرة الوجودية الواحدة تقضي على الناس و الأشياء و الكائنات جميعا بالخضوع لقاعدتها

____________________

(١) ريط، جمع ريطة بالفتح و هي كل ثوب رقيق ليّن.

(٢) سمط الشي‏ء: علقت عليه السموط و هي: الخيوط تنظم في القلادة.

٢٢

التعادلية التي أدركها الإمام بحدسه و عقله و حسّه على السواء، إدراكا عجيبا لشدة ما فيه من الوضوح ثم لكثرة ما يمدّ صاحبه بالقوة على الكشف، فإذا به يعبّر عن هذا الإدراك بكلمات تؤلف قواعد رياضية تتناول المظاهر و تنفذ منها الى ما وراءها من أصول وجودية عميقة ثابتة.

و هكذا يستوي ابن أبي طالب و قمم الوجود على صعيد واحد من النظرة الى الحياة الواحدة، و الاحساس العميق بالوجود الواحد، فإذا بأدبه صرخات متلاحقة تنطلق من قلب عبقريّ يريد أن ينفذ إلى الأشياء حتى يرى أغوارها فيطمئن الى هذا الإدراك، و حتى يعقل ما تباين منها ثابتا على قاعدة، و ما اختلف منها نابعا من أصل، و ما تباعد منها مضموما في وحدة طرفاها الأزل و الأبد

٢٣

الاسلوب و العبقريّة الخطابيّة

بيان لو نطق بالتقريع لانقضّ على لسان العاصفة انقضاضا و لو هدّد الفساد و المفسدين لتفجّر براكين لها أضواء و أصوات و لو دعا إلى تأمّل لرافق فيك منشأ الحسّ و أصل التفكير فساقك الى ما يريده سوقا و وصلك بالكون وصلا و يندمج الشكل بالمعنى اندماج الحرارة بالنار و الضوء بالشمس و الهواء بالهواء، فما أنت إزاءه إلا ما يكون المرء قبالة السيل إذ ينحدر و البحر إذ يتموّج و الريح إذ تطوف أما إذا تحدّث اليك عن بهاء الوجود و جمال الخلق، فإنما يكتب على قلبك بمداد من نجوم السماء و من اللفظ ما له وميض البرق، و ابتسامة السماء في ليالي الشتاء، هذا من حيث المادة. أما من حيث الأسلوب، فعليّ بن أبي طالب ساحر الأداء. و الأدب لا يكون إلاّ بأسلوب، فالمبنى ملازم فيه للمعنى، و الصورة لا تقلّ في شي‏ء عن المادة.

و أيّ فنّ كانت شروط الإخراج فيه أقل شأنا من شروط المادة

٢٤

و إن قسط علي بن أبي طالب من الذوق الفني، أو الحسّ الجمالي، لممّا يندر وجوده.

و ذوقه هذا كان المقياس الطبيعي الضابط للطبع الأدبي عنده. أما طبعه هذا فهو طبع ذوي الموهبة و الاصالة الذين يرون فيشعرون و يدركون فتنطلق ألسنتهم بما تجيش به قلوبهم و تنكشف عنه مداركهم انطلاقا عفويا. لذلك تميّز أدب عليّ بالصدق كما تميّزت به حياته.

و ما الصدق إلا ميزة الفن الأولى و مقياس الأسلوب الذي لا يخادع.

و إن شروط البلاغة، التي هي موافقة الكلام لمقتضى الحال، لم تجتمع لأديب عربي كما اجتمعت لعليّ بن أبي طالب. فإنشاؤه مثل أعلى لهذه البلاغة، بعد القرآن. فهو موجز على وضوح، قويّ جيّاش، تامّ الانسجام لما بين ألفاظه و معانيه و أغراضه من ائتلاف، حلو الرنّة في الأذن موسيقيّ الوقع. و هو يرفق و يلين في المواقف التي لا تستدعي الشدة.

و يشتدّ و يعنف في غيرها من المواقف، و لا سيما ساعة يكون القول في المنافقين و المراوغين و طلاّب الدنيا على حساب الفقراء و المستضعفين و أصحاب الحقوق المهدورة. فأسلوب عليّ صريح كقلبه و ذهنه، صادق كطويته، فلا عجب أن يكون نهجا للبلاغة.

و قد بلغ أسلوب عليّ من الصدق حدّا ترفّع به حتى السجع عن الصنعة و التكلّف.

فإذا هو على كثرة ما فيه من الجمل المتقاطعة الموزونة المسجّعة، أبعد ما يكون عن الصنعة، و أقرب ما يكون من الطبع الزاخر.

فانظر الى هذا الكلام المسجّع و الى مقدار ما فيه من سلامة الطبع: «يعلم عجيج الوحوش في الفلوات، و معاصي العباد في الخلوات، و اختلاف النينان في البحار الغامرات، و تلاطم الماء بالرياح العاصفات» أو إلى هذا القول من إحدى خطبه: «و كذلك السماء و الهواء، و الرياح و الماء، فانظر الى الشمس و القمر، و النبات و الشجر، و الماء و الحجر، و اختلاف هذا الليل و النهار، و تفجّر هذه البحار، و كثرة الجبال، و طول هذه القلال، و تفرّق هذه اللغات، و الألسن المختلفات الخ...» و أوصيك خيرا بهذا السجع الجاري مع الطبع: «ثم زيّنها بزينة الكواكب، و ضياء الثواقب(١) و أجرى فيها سراجا مستطيرا(٢) و قمرا

____________________

(١) الثواقب: المنيرة المشرقة.

(٢) سراجا مستطيرا: منتشر الضياء. و يريد به الشمس.

٢٥

منيرا، في فلك دائر، و سقف سائر الخ». فإنك لو حاولت إبدال لفظ مسجوع في هذه البدائع جميعا، بآخر غير مسجوع، لعرفت كيف يخبو إشراقها، و يبهت جمالها، و يفقد الذوق فيها أصالته و دقّته و هما الدليل و المقياس. فالسجع في هذه الأقوال العلوية ضرورة فنية يقتضيها الطبع الذي يمتزج بالصناعة امتزاجا حتى لكأنهما من معدن واحد يبعث النثر شعرا له أوزان و أنغام ترفق المعنى بصور لفظية من جوّها و من طبيعتها.

و من سجع الإمام آيات تردّ النغم على النغم ردّا جميلا، و تذيب الوقع في الوقع على قرارات لا أوزن منها على السمع و لا أحبّ ترجيعا. و مثال ذلك ما ذكرناه من سجعاته منذ حين، ثم هذه الكلمات الشهيات على الأذن و الذوق جميعا: «أنا يوم جديد، و أنا عليك شهيد، فاعمل فيّ خيرا، و قل خيرا» و إذا قلنا إن أسلوب عليّ تتوفّر فيه صراحة المعنى و بلاغة الأداء و سلامة الذوق، فإنما نشير إلى القارى‏ء بالرجوع الى «روائع نهج البلاغة» هذا ليرى كيف تتفجّر كلمات عليّ من ينابيع بعيدة القرار في مادّتها، و بأيّة حلّة فنيّة رائعة الجمال تمور و تجري.

و إليك هذه التعابير الحسان في قوله: «المرء مخبوء تحت لسانه» و في قوله: «الحلم عشيرة» أو في قوله: «من لان عوده كثفت أغصانه» أو في قوله: «كلّ وعاء يضيق بما جعل فيه إلاّ وعاء العلم فإنّه يتّسع» أو في قوله أيضا: «لو أحبّني جبل لتهافت». أو في هذه الأقوال الرائعة: «العلم يحرسك و أنت تحرس المال. ربّ مفتون بحسن القول فيه. إذا أقبلت الدنيا على أحد أعارته محاسن غيره، و إذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه. ليكن أمر الناس عندك في الحق سواء. افعلوا الخير و لا تحقروا منه شيئا فإنّ صغيره كبير و قليله كثير.

هلك خزّان المال و هم أحياء. ما متّع غنيّ إلاّ بما جاع به فقير».

ثمّ استمع إلى هذا التعبير البالغ قمّة الجمال الفنّي و قد أراد به أن يصف تمكّنه من التصرف بمدينة الكوفة كيف شاء، قال: «ما هي إلاّ الكوفة أقبضها و أبسطها...» فأنت ترى ما في أقواله هذه من الأصالة في التفكير و التعبير، هذه الأصالة التي تلازم الأديب الحقّ بصورة مطلقة و لا تفوته إلاّ إذا فاتته الشخصية الأدبية ذاتها.

٢٦

و يبلغ أسلوب عليّ قمّة الجمال في المواقف الخطابية، أي في المواقف التي تثور بها عاطفته الجيّاشة، و يتّقد خياله فتعتلج فيه صور حارّة من أحداث الحياة التي تمرّس بها. فإذا بالبلاغة تزخر في قلبه و تتدفّق على لسانه تدفّق البحار. و يتميّز أسلوبه، في مثل هذه المواقف، بالتكرار بغية التقرير و التأثير، و باستعمال المترادفات و باختيار الكلمات الجزلة ذات الرنين. و قد تتعاقب فيه ضروب التعبير من إخبار الى استفهام الى تعجّب الى استنكار. و تكون مواطن الوقف فيه قويّة شافية للنفس. و في ذلك ما فيه من معنى البلاغة و روح الفن. و اليك مثلا على هذا خطبة الجهاد المشهورة، و قد خطب عليّ بها الناس لما أغار سفيان بن عوف الأسدي على مدينة الأنبار بالعراق و قتل عامله عليها: «هذا أخو غامد(١) قد بلغت خيله الأنبار و قتل حسّان بن حسّان البكري و أزال خيلكم عن مسالحها و قتل منكم رجالا صالحين.

«و قد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة، و الأخرى المعاهدة، فينزع حجلها، و قلبها، و رعاثها، ثم انصرفوا وافرين ما نال رجلا منهم كلم، و لا أريق لهم دم، فلو أن امرءا مسلما مات من بعد هذا أسفا، ما كان به ملوما، بل كان به عندي جديرا.

«فيا عجبا و اللّه يميت القلب و يجلب الهمّ اجتماع هؤلاء على باطلهم و تفرّقكم عن حقكم. فقبحا لكم حين صرتم غرضا يرمى: يغار عليكم و لا تغيرون، و تغزون و لا تغزون، و يعصى اللّه و ترضون» فانظر الى مقدرة الإمام في هذه الكلمات الموجزة. فإنه تدرّج في إثارة شعور سامعيه حتى وصل بهم الى ما يصبو اليه. و سلك الى ذلك طريقا تتوفّر فيه بلاغة الاداء و قوة التأثير.

فإنه أخبر قومه بغزو سفيان بن عوف الأنبار، و في ذلك ما فيه من عار يلحق بهم. ثم أخبرهم بأن هذا المعتدي إنما قتل عامل أمير المؤمنين في جملة ما قتل، و بأن هذا المعتدي لم يكتف بذلك بل أغمد سيفه في نحور كثيرة من رجالهم و أهليهم.

____________________

(١) اذا شئت شرحا للمفردات و التعابير الغريبة الواردة في هذه الخطبة، فارجع اليها في مكانها من هذا الكتاب.

٢٧

و في الفقرة الثانية من الخطبة توجّه الإمام إلى مكان الحميّة من السامعين، الى مثار العزيمة و النخوة من نفس كل عربي، و هو شرف المرأة. و عليّ يعلم أن من العرب من لا يبذل نفسه إلاّ للحفاظ على سمعة امرأة و على شرف فتاة، فإذا هو يعنّف هؤلاء القوم على القعود دون نصرة المرأة التي استباح الغزاة حماها ثم انصرفوا آمنين، ما نالت رجلا منهم طعنة و لا أريق لهم دم.

ثم إنه أبدى ما في نفسه من دهش و حيرة من امر غريب: «فإنّ أعداءه يتمسكون بالباطل فيناصرونه، و يدينون بالشر فيغزون الأنبار في سبيله، فيما يقعد أنصاره حتى عن مناصرة الحق فيخذلونه و يفشلون عنه.

و من الطبيعي ان يغضب الإمام في مثل هذا الموقف، فإذا بعبارته تحمل كل ما في نفسه من هذا الغضب، فتأتي حارّة شديدة مسجّعة مقطّعة ناقمة: فقبحا لكم حين صرتم غرضا يرمى: يغار عليكم و لا تغيرون، و تغزون و لا تغزون. و يعصى اللّه و ترضون» و قد تثور عاطفته و تتقطّع فإذا بعضها يزحم بعضا على مثل هذه الكلمات المتقطّعة المتلاحقة: «ما ضعفت، و لا جبنت، و لا خنت، و لا وهنت» و قد تصطلي هذه العاطفة بألم ثائر يأتيه من قوم أراد لهم الخير و ما اردوه لأنفسهم لغفلة في مداركهم و وهن في عزائمهم، فيخطبهم بهذا القول الثائر الغاضب، قائلا: «ما لي أراكم أيقاظا نوّما، و شهودا غيّبا، و سامعة صمّاء، و ناطقة بكماء الخ» و الخطباء العرب كثيرون، و الخطابة من الأشكال الأدبية التي عرفوها في الجاهلية و الاسلام و لا سيّما في عصر النبي و الخلفاء الراشدين لما كان لهم بها من حاجة. أمّا خطيب العهد النبويّ الأكبر فالنبيّ لا خلاف في ذلك. أمّا في العهد الراشدي، و في ما تلاه من العصور العربية قاطبة، فإنّ أحدا لم يبلغ ما بلغ إليه عليّ بن أبي طالب في هذا النحو. فالنطق السهل لدى عليّ كان من عناصر شخصيته و كذلك البيان القويّ بما فيه من عناصر الطبع و الصناعة جميعا. ثم إنّ اللّه يسّر له العدّة الكاملة لما تقتضيه الخطابة من مقوّمات أخرى على ما مرّ بنا. فقد ميّزه اللّه بالفطرة السليمة، و الذوق الرفيع، و البلاغة الآسرة، ثم بذخيرة

٢٨

من العلم انفرد بها عن أقرانه، و بحجّة قائمة، و قوّة إقناع دامغة، و عبقريّة في الارتجال نادرة. أضف إلى ذلك صدقه الذي لا حدود له و هو ضرورة في كلّ خطبة ناجحة، و تجاربه الكثيرة المرّة التي كشفت لعقله الجبّار عن طبائع الناس و أخلاقهم و صفات المجتمع و محرّكاته. ثم تلك العقيدة الصلبة التي تصعب مداراتها و ذلك الألم العميق الممزوج بالحنان العميق، و بطهارة القلب و سلامة الوجدان و شرف الغاية.

و إنّه من الصعب أن تجد في شخصيات التاريخ من اجتمعت لديه كلّ هذه الشروط التي تجعل من صاحبها خطيبا فذّا، غير عليّ بن أبي طالب و نفر من الخلق قليل، و ما عليك إلاّ استعراض هذه الشروط، ثم استعراض مشاهير الخطباء في العالمين الشرقي و الغربي، لكي تدرك أنّ قولنا هذا صحيح لا غلوّ فيه.

و ابن أبي طالب على المنبر رابط الجأش شديد الثقة بنفسه و بعدل القول. ثم إنه قويّ الفراسة سريع الإدراك يقف على دخائل الناس و أهواء النفوس و أعماق القلوب، زاخر جنانه بعواطف الحريّة و الانسانية و الفضيلة، حتّى إذا انطلق لسانه الساحر بما يجيش به قلبه أدرك القوم بما يحرّك فيهم الفضائل الراقدة و العواطف الخامدة.

أمّا إنشاؤه الخطابي فلا يجوز وصفه إلاّ بأنه أساس في البلاغة العربية. يقول أبو الهلال العسكري صاحب «الصناعتين»: ليس الشأن في إيراد المعاني وحدها و إنّما هو في جودة اللفظ، أيضا، و صفائه و حسنه و بهائه و نزاهته و نقائه و كثرة طلاوته و مائه مع صحة السبك و التركيب و الخلوّ من أود النظم و التأليف.

من الألفاظ ما هو فخم كأنه يجرّ ذيول الأرجوان أنفة و تيها. و منها ما هو ذو قعقعة كالجنود الزاحفة في الصفيح. و منها ما هو كالسيف ذي الحدّين. و منها ما هو كالنقاب الصفيق يلقى على بعض العواطف ليستر من حدّتها و يخفّف من شدّتها. و منها ما له ابتسامة السماء في ليالي الشتاء من الكلام ما يفعل كالمقرعة، و منه ما يجري كالنبع الصافي.

كل ذلك ينطبق على خطب عليّ في مفرداتها و تعابيرها. هذا بالإضافة إلى أنّ الخطبة تحسن إذا انطبعت بهذه الصفات اللفظية على رأي صاحب الصناعتين، فكيف بها إذا كانت،

٢٩

كخطب ابن أبي طالب، تجمع روعة هذه الصفات في اللفظ إلى روعة المعنى و قوّته و جلاله و إليك شيئا مما قلناه في الجزء الثالث من كتابنا «الإمام عليّ صوت العدالة الإنسانية» بصدد بيان الإمام، لا سيما ما كان منه في خطبه: نهج للبلاغة آخذ من الفكر و الخيال و العاطفة آيات تتّصل بالذوق الفنّي الرفيع ما بقي الانسان و ما بقي له خيال و عاطفة و فكر، مترابط بآياته متساوق، متفجّر بالحسّ المشبوب و الإدراك البعيد، متدفّق بلوعة الواقع و حرارة الحقيقة و الشوق إلى معرفة ما وراء هذا الواقع، متآلف يجمع بين جمال الموضوع و جمال الإخراج حتى ليندمج التعبير بالمدلول، أو الشكل بالمعنى، اندماج الحرارة بالنار و الضوء بالشمس و الهواء بالهواء، فما أنت إزاءه إلاّ ما يكون المرء قبالة السيل إذ ينحدر و البحر إذ يتموّج و الريح إذ تطوف. أو قبالة الحدث الطبيعي الذي لا بدّ له أن يكون بالضرورة على ما هو كائن عليه من الوحدة لا تفرّق بين عناصرها إلاّ لتمحو وجودها و تجعلها إلى غير كون بيان لو نطق بالتقريع لانقضّ على لسان العاصفة انقضاضا و لو هدّد الفساد و المفسدين لتفجّر براكين لها أضواء و أصوات و لو انبسط في منطق لخاطب العقول و المشاعر فأقفل كلّ باب على كلّ حجّة غير ما ينبسط فيه و لو دعا إلى تأمّل لرافق فيك منشأ الحسّ و أصل التفكير، فساقك إلى ما يريده سوقا، و وصلك بالكون وصلا، و وحّد فيك القوى للاكتشاف توحيدا. و هو لو راعاك لأدركت حنان الأب و منطق الأبوّة و صدق الوفاء الانساني و حرارة المحبّة التي تبدأ و لا تنتهي أمّا إذا تحدّث إليك عن بهاء الوجود و جمالات الخلق و كمالات الكون، فإنّما يكتب على قلبك بمداد من نجوم السماء بيان هو بلاغة من البلاغة، و تنزيل من التنزيل. بيان اتّصل بأسباب البيان العربي ما كان منه و ما يكون، حتى قال أحدهم في صاحبه ان كلامه دون كلام الخالق و فوق كلام المخلوق

٣٠

و خطب علي جميعا تنضح بدلائل الشخصية حتى لكأنّ معانيها و تعابيرها هي خوالج نفسه بالذات، و أحداث زمانه التي تشتعل في قلبه كما تشتعل النار في موقدها تحت نفخ الشمال. فإذا هو يرتجل الخطبة حسّا دافقا و شعورا زاخرا و إخراجا بالغا غاية الجمال.

و كذلك كانت كلمات عليّ بن أبي طالب المرتجلة، فهي أقوى ما يمكن للكلمة المرتجلة أن تكون من حيث الصدق، و عمق الفكرة، و فنّية التعبير، حتى انها ما نطقت بها شفتاه ذهبت مثلا سائرا.

فمن روائعه المرتجلة قوله لرجل أفرط في مدحه بلسانه و أفرط في اتّهامه بنفسه: «أنا دون ما تقول و فوق ما في نفسك».

و من ذلك أنه لمّا اعتزم أن يقوم وحده لمهمّة جليلة تردّد فيها أنصاره و تخاذلوا، جاءه هؤلاء و قالوا له و هم يشيرون إلى أعدائه: يا أمير المؤمنين نحن نكفيكهم. فقال من فوره: «ما تكفونني أنفسكم فكيف تكفوني غيركم؟ إن كانت الرعايا قبلي لتشكو حيف رعاتها، فإنني اليوم لأشكو حيف رعيّتي، كأنّي المقود و هم القادة».

و لمّا قتل أصحاب معاوية محمد بن أبي بكر فبلغه خبر مقتله قال: «إن حزننا عليه قدر سرورهم به، ألا إنّهم نقصوا بغيضا و نقصنا حبيبا».

و سئل: أيهما أفضل: العدل أم الجود؟ فقال: «العدل يضع الأمور مواضعها، و الجود يخرجها من جهتها، و العدل سائس عامّ، و الجود عارض خاصّ، فالعدل أشرفهما و أفضلهما».

و قال في صفة المؤمن، مرتجلا: «المؤمن بشره في وجهه، و حزنه في قلبه، أوسع شي‏ء صدرا، و أذلّ شي‏ء نفسا.

يكره الرفعة، و يشنأ السمعة، طويل غمّه، بعيد همّه، كثير صمته، مشغول وقته، شكور صبور، سهل الخليقة، ليّن العريكة» و سأله جاهل متعنّت عن معضلة، فأجابه على الفور: «اسأل تفقّها و لا تسأل تعنّتا فإنّ الجاهل المتعلم شبيه بالعالم، و إنّ العالم المتعسّف شبيه بالجاهل المتعنّت»

٣١

و الخلاصة أنّ عليّ بن أبي طالب أديب عظيم نشأ على التمرّس بالحياة و على المرانة بأساليب البلاغة فإذا هو مالك ما يقتضيه الفنّ من أصالة في شخصية الأديب، و من ثقافة خاصّة تنمو بها الشخصية و تتركز الأصالة.

أمّا اللغة، لغتنا العربية الحبيبة التي قال فيها مرشلوس في المجلد الأول من كتابه «رحلة الى الشرق» هذا القول الذكيّ: «اللغة العربية هي الأغنى و الأفصح و الأكثر و الألطف وقعا بنى سائر لغات الأرض. بتراكيب أفعالها تتبع طيران الفكر و تصوّره بدقّة، و بأنغام مقاطعها الصوتية تقلّد صراخ الحيوانات و رقرقة المياه الهاربة و عجيج الرياح و قصف الرعد»، أمّا هذه اللغة، بما ذكر مرشلوس من صفاتها و بما لم يذكر، فإنّك واجد أصولها و فروعها، و جمال ألوانها و سحر بيانها، في أدب الامام عليّ و كان أدبا في خدمة الإنسان و الحضارة

٣٢

٣٣

٣٤

العدالة الكونيّة و ما يمثّله علىّ منها

٣٥

تكافؤ الوجود

و أحسّ عليّ أنّ هذا الكون العظيم متعاون متكافل فكان من ذلك أن الريح إذا اشتدّت حرّكت الأغصان تحريكا شديدا، و إذا أجفلت قلعت الأشجار و هاجت لها العناصر، و أنها إذا لانت و جرت فويق الأرض جريا خفيفا سكرت بها صفحات الماء و سكنت تحتها الأشياء و أدرك كذلك أن قوة الوجود الشاملة ترعى هشيم النبت بقانون ترعى به الورق الأخضر و الزرع الذي استوى على سوقه و اهتزّ للريح و أسقط ابن أبي طالب نظرية التجّار بقول تناوله من روح الوجود و كأنه يشارك به الكون في التعبير عمّا في ضميره نظرة واحدة يلقيها المرء على الكون الخارجي و أحواله: على النجوم الثابتة في سعة الوجود و الكواكب السابحة في آفاق الأبد، و على الشمس المشرقة و السحاب العارض و الريح ذات الزفيف، و على الجبال تشمخ و البحار تقصفها القواصف أو يسجو على صفحاتها الليل،

٣٦

تكفيه لأن يثق بأنّ للكون قانونا و أنّ لأحواله ناموسا واقعا كلّ منهما تحت الحواسّ و قائما بكل مقياس.

و نظرة واحدة يلقيها المرء على ما يحيط به من الطبيعة القريبة و أحوالها: على الصيف إذ يشتدّ حرّه و تسكن ريحه، و الخريف إذ يكتئب غابه و تتناوح أهواؤه و تعبس فيه أقطار السماء، و الشتاء إذ ترعد أجواؤه و تضطرب بالبروق و تندفع أمطاره عبابا يزحم عبابا و تختلط غيومه حتى لتخفي عليك معالم الأرض و السماء، و الربيع يبسط لك الدنيا آفاقا نديّة و أنهارا غنيّة و خصبا و رواء و جنانا ذات ألوان، كافية لأن تجعله يثق بأنّ لهذه الطبيعة قانونا و أنّ لأحوالها ناموسا واقعا كلّ منهما تحت الحواسّ و قائما بكل مقياس.

و نظرة فاحصة واحدة يلقيها المرء على هذي و ذاك، كافية لتدلّه على أنّ هذه النواميس و القوانين صادقة ثابتة عادلة، يقوم منطقها الصارم بهذه الصفات، و فيها وحدها ما يبرّر وجود هذا الكون العظيم ألقى ابن أبي طالب تلك النظرة على الكون فوعى وعيا مباشرا ما في نواميسه من صدق و ثبات و عدل، فهزّه ما رأى و ما وعى، و جرى في دمه و مشى في كيانه و اصطخب فيه إحساسا و فكرا، فتحرّكت شفتاه تقولان: «ألا و إنه بالحق قامت السماوات و الأرض».

و لو حاولت أن تجمع الصدق و الثبات و العدل في كلمة واحدة، لما وجدت لفظة تحويها جميعا غير لفظة «الحق». ذلك لما يتّحد في مدلولها من جوهر الكلمات الثلاث و أدرك ابن أبي طالب في أعماقه أنّ المقايسة تصحّ أصلا و فرعا بين السماء و الأرض اللتين قامتا بالحقّ و استوتا بوجوده المتلازمة الثلاثة: الصدق و الثبوت و العدل، و بين الدولة التي لا بدّ لها أن تكون صورة مصغّرة عن هذا الكون القائم على أركان سليمة ثابتة، فإذا به يحيا في عقله و ضميره هذه المقايسة على صورة عفوية لا مجال فيها لواغل من الشعور أو لغريب من التفكير، ثم لا يلبث أن يقول: «و أعظم ما افترض من تلك الحقوق حقّ الوالي على الرعية، و حقّ الرعيّة على الوالي فريضة فرضها اللّه لكلّ على كلّ، فجعلها نظاما لألفتهم، فليست تصلح الرعيّة إلاّ بصلاح الولاة، و لا يصلح الولاة إلاّ باستقامة الرعيّة. فإذا أدّت الرعيّة إلى الوالي حقّه،

٣٧

و أدّى الوالي إليها حقّها، عزّ الحقّ بينهم، و اعتدلت معالم العدل و جرت على أذلالها السّنن(١) فصلح بذلك الزمان و طمع في بقاء الدولة. و إذا غلبت الرعيّة واليها، أو أجحف الوالي برعيّته، اختلفت هنالك الكلمة و ظهرت معالم الجور و تركت محاجّ السّنن فعمل بالهوى و عطّلت الأحكام و كثرت علل النفوس، فلا يستوحش لعظيم حقّ عطّل(٢) و لا لعظيم باطل فعل فهنالك تذلّ الأبرار و تعزّ الأشرار و تعظم تبعات اللّه عند العباد» و أوصيك خيرا بهذا الإحكام للروابط العامة الكبرى بين عناصر الدولة على لسان علي، ثم بين الأعمال الخيّرة المنتجة و بين ثبوت هذه العناصر على أسس من الحق، أو قل من الصدق و الثبوت و العدل: وجوه الحق الثلاثة التي تقوم بها السماوات و الأرض.

و أحسّ عليّ أن هذا الكون العظيم متعاون متكافل فكان من ذلك أنّ الريح إذا اشتدّت حرّكت الأغصان تحريكا شديدا، و إذا أجفلت قلعت الأشجار و هاجت لها العناصر، و أنّها إذا لانت و جرت فويق الأرض جريا خفيفا سكرت بها صفحات الماء و سكنت تحتها الأشياء.

و أحسّ أن الشمس إذا ألقت على الأرض نورها بدت معالم الأرض للعيون و الأذهان، و إذا خلّتها خلّت عليها من الظلمة ستارا. و أنّ النبتة تنمو و تزهو و تورق و قد تثمر، و هي شي‏ء يختلف في شكله و غايته عن أشعّة النهار و جسم الهواء و قطرة الماء و تراب الأرض، و لكنها لا تنمو و لا تورق إلاّ بهذه الأشعّة و هذا الجسم و هذه القطرة و هذا التراب.

و أحسّ أنّ الماء الذي «تلاطم تيّاره و تراكم زخّاره» كما يقول، إنّما «حمل على متن الريح العاصفة و الزعزع القاصفة». و أنّ الريح التي «أعصف اللّه مجراها و أبعد منشأها» مأمورة على بعد هذا المنشأ «بتصفيق الماء الزخّار و إثارة موج البحار، تعصف به

____________________

(١) أذلال، جمع ذل بكسر الذال و ذل الطريق: محجّته، و هي جادته، أي وسطه. و جرت السنن أذلالها، أو على أذلالها: جرت على وجوهها.

(٢) أي، اذا عطل الحق لا تأخذ النفوس وحشة أو استغراب لتعوّدها تعطيل الحقوق و أفعال الباطل، و لاستهانتها بما تفعل.

٣٨

عصفها بالفضاء و تردّ أوّله إلى آخره، و ساجيه إلى مائره(١) حتى يعبّ عبابه». و من زينة الأرض و بهجة القلوب هذه النجوم و هذي الكواكب، و ضياء الثواقب(٢) و السراج المستطير(٣) و القمر المنير أحسّ ابن أبي طالب من وراء ذلك جميعا أنّ هذا الكون القائم بالحقّ، إنّما ترتبط عناصره بعضها ببعض ارتباط تعاون و تساند، و أنّ لقواه حقوقا افترضت لبعضها على بعض، و أنّها متكافئة في كلّ وجوهها متلازمة بحكم وجودها و استمرارها.

فأدرك في أعماقه أنّ المقايسة تصحّ أصلا و فرعا بين هذه العناصر المتعاونة المتكافئة، و بين البشر الذين لا بدّ لهم أن يكوّنوا متعاونين متكافئين بحكم وجودهم و استمرارهم، فهم من أشياء هذا الكون يجري عليهم ما يجري على عناصره جميعا من عبقريّة التكافل الذي يراه عليّ فرضا عليهم لا يحيون إلاّ به و لا يبقون. فإذا به يلفّ عالم الطبيعة الجامدة و عالم الإنسان بومضة عقل واحدة، و انتفاضة إحساس واحدة، ليستشفّ عدالة الكون القائم على وحدة من الصدق و الثبات و العدل، مطلقا هذا الدستور الذي يشارك به الكون في التعبير عن ضميره، قائلا: «ثم جعل من حقوقه حقوقا افترضها لبعض الناس على بعض، فجعلها تتكافأ في وجوهها، و يوجب بعضها بعضا، و لا يستوجب بعضها إلاّ ببعض» و من هذا المعين أيضا قول له عظيم يقرّر به أنّ دوام نعمة من النعم مرهون بما فرض على صاحبها من واجب طبيعيّ نحو إخوانه البشر، و أن عدم القيام بهذا الواجب كاف وحده لأن يزيلها و يفنيها: «من كثرت النّعم عليه كثرت الحوائج إليه. فمن قام فيها بما يجب عرّضها للدوام و البقاء، و من لم يقم فيها بما يجب عرّضها للزوال و الفناء».

____________________

(١) الساجي: الساكن. و المائر: الذي يذهب و يجي‏ء، أو المتحرك مطلقا. و عبّ عبابه: ارتفع علاه.

(٢) الثواقب: المنيرة المشرقة.

(٣) المستطير: المنتشر الضياء. و الشراج المستطير: الشمس.

٣٩

ففي هذين القولين من التعبير عن عدالة الكون، و الناس من موجوداته، ما لا يحتاج إلى كثير من الايضاح. فحقوق العباد على لسان عليّ يكافى‏ء بعضها بعضا. فهي أشبه ما تكون بحقّ الماء على الريح، و النبتة على الماء، و الماء على الشمس، و الشمس على قانون الوجود. و هذه السنّة التي تفرض على الإنسان ألاّ يستحقّ شيئا من الحقوق إلاّ بأدائه حقوقا عليه، ليست إلاّ سنّة الكون العادلة القائمة بهذا العدل.

و لينظر القارى‏ء في هذا الأمر نظرا سديدا ثم ليقل رأيّه في ما رأى. فإنّه إن فعل أدرك لا شكّ أنّ هذه القاعدة التي بلغ ابن أبي طالب بها الى جذور العدالة الكونية، ثابتة لا تغيّر نفسها و لا شذوذ ينقضها.

فعناصر هذا الكون لا تأخذ إلا قدر ما تعطي، و لا يكسب بعضها إلاّ ما يخسره بعضها الآخر. فإذا أخذت الأرض من الشمس نورا و دف‏ءا، أعطت الوجود من عمرها قدر ما أخذت. و كذلك إذا أخذت من الليل ظلاّ يغمرها. و إذا تناولت الزهرة من عناصر الكون الكثيرة ما يحييها و ينميها و يعطيها عبيرا شهيّا، فلسوف يأخذ النور و الهواء من لونها و عطرها بمقدار ما أعطياها، حتى إذا تكامل انعقادها و بلغت قمة حياتها، تعاظم مقدار ما تدفعه من عمرها، فإذا بالحياة و الموت يتنازعانها حتى تسلم إليه أوراقها و جذعها.

أما الأرض فتبتلع منها كل ما كانت قد منحتها إياه.

و البحر لا يستعيد الى جوفه إلاّ ما أعطى السماء من غيوم و البرّ من أمطار.

و كذلك الانسان في حياته الخاصة. فهو لا يحظى بلذة إلاّ بفراق أخرى يدفعها، قاصدا أو غير قاصد، عوضا عمّا أخذ. و هو لا يولد إلا و قد تقرّر أنه سيموت. يقول عليّ: «و مالك الموت هو مالك الحياة» و عن هذا التوازن الحكيم في قانون الكون برحابه و أفلاكه، و أرضه و سمائه، و جامداته و أحيائه، يعبّر ابن أبي طالب بهذه الكلمة التي تجمع سداد الفكر الى عنف الملاحظة إلى عبقرية البساطة: «و لا تنال نعمة إلاّ بفراق أخرى» و لينظر الناظرون في هذا القول فإنّهم إن فعلوا وثقوا بأنّه الواقع الذي يرتسم كلمات هي أشبه بالقاعدة الرياضية التي لا يمكن الخروج عليها.

٤٠

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

ومهما كان الحال فالآيات التي تنفي الشفاعة لابدّ وأنْ يراد منها نفيها عن الكفّار والجاحدين، وليس لدينا من النصوص ما يمنع ثبوتها بالمعنيّين، زيادة الثواب ودفع المضار، أمّا انحصارها في زيادة المنافع كمّا يدعيه المعتزلة فليس في النصوص ما يؤيّده.

الإحباط

الإحباط في عرف الفقهاء المتكلّمين أنْ يكون أحد العملين مسقطاً وماحياً لآثار العمل السابق، فكما يسقط الثواب بالمعاصي، كذلك يسقط العقاب بما يفعله الإنسان من الطاعات والخيرات، وبعبارة أوجز: الإحباط هو أنْ يكون المتأخّر ماحياً للمتقدّم من خيرٍ أو شر، وهذه المسألة من المسائل التي اختلفت فيها آراء الفِرَق الإسلامية، فالمعتزلة يدّعون أنْ الإنسان إذا عبَد الله طول حياته، وفعل معصيةً من المعاصي التي تُسمّى كبيرة في عُرف الفقهاء تبطِل جميع أعماله السابقة (١) وقد وافقهم على ذلك الخوارج، وبلَغ بهم الإسراف إلى حدٍّ أنّهم يحكمون بكفر العُصاة وجميع مخالفيهم، وعلى هذا الأساس كانوا ينادون بكُفر عليّ إمام المسلمين (عليه السلام)؛ لأنّه ارتكب معصيةً في التحكيم بعد الحروب الدامية التي وقَعت بينه وبين معاوية بن أبي سُفيان على حدِّ زعمهم.

وذهب عبد السلام الجبائي، من متأخّري المعتزلة، إلى أنّ الطاعات السابقة على المعاصي يسقط منها بمقدار المعاصي، وتبقى المعاصي على حالها، فمن أطاع عشرين مرّة، وعصى عشر مرّات يسقط من طاعاته بمقدار معاصيه، وتبقى معاصيه على حالها، ولو زادت معاصيه على طاعاته تذهب طاعاته بكاملها وتبقى معاصيه.

ومن ذلك يتبيّن أنّ الإحباط عنده يختصّ بطرفٍ واحد، فالمعاصي

____________________

(١) انظر ص ٣٠٩.

٢٢١

تحبط (١) الطاعات، أمّا الطاعات مهما بلَغت من الكثرة فلا تحبِط من المعاصي شيئاً، أمّا ابنه أبو هاشم فقد ذهب إلى أنّ الإحباط يكون من الطرفين، فكما تحبِط الطاعات المعاصي كذلك تحبط المعاصي الطاعات، فمَن أطاع عشراً وعصى عشرين، تذهب طاعاته بما يُقابلها من المعاصي، ولا يبقى له سوى الزائد من معاصيه، وهذا هو المراد من الموازنة المنسوبة إليه في كُتب الكلام.

أمّا الأشاعرة فقد أنكروا الإحباط؛ لأنّهم يدّعون أنّه لا يجب على الله ثواب المطيعين ولا عقاب العاصين، وله أنْ يُعذّب المطيع ويعاقب العاصي، فالطاعات لا تستوجب الثواب كما لا تستوجب المعاصي العقاب، وبناءً على ذلك يبقى مجال للبحث في هذه المسألة عندهم.

وأمّا المُرجِئة فقد وافقوا المعتزلة على مبدأ الإحباط، ولكن الإيمان بالله عندهم يحبط جميع المعاصي مهما بلغت، وجميع المعاصي لا تحبط الإيمان، وذلك عمَلاً بالمبدأ العام الذي ترتكز عليه فكرة الإرجاء، (لا تضرّ مع الإيمان معصية، ولا تنفع مع الكفر طاعة).

أمّا الإمامية فقد أنكروا الإحباط، لقوله تعالى: ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) ، هذا بالإضافة إلى أنّ الإحباط يؤدّي إلى عدم الوفاء بالوعد والوعيد لأنّه تعالى قد وعد المطيعين بالثواب وتوعّد العاصين بالعقاب، ولازم الإحباط عدَم الثواب على الطاعات، وهو يتنافى مع ما ذهب إليه المعتزلة من وجوب الوفاء بالوعد، على أنّه يلزم من القول به نسبة الظلم إلى الله؛ لأنّ من أساء وأطاع، وكانت معاصيه أكثر من طاعاته يصبح بمنزلة مَن لم يُطِع في حياته كلّها، كما وإنْ كانت طاعاته أكثر يصبح بمنزلة مَن لَم يعصِ الله أبداً، ومع التساوي يصبح بمنزلة مَن لم يفعل شيئاً.

أمّا الآيات التي استدلّ بها المعتزلة على الإحباط مثل قوله تعالى: ( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ) ، وقوله: ( وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ) ، هذه الآيات وغيرها ممّا استدلّ بها أنصار هذا القول لا تدلّ على الإحباط الذي يدّعيه المعتزلة؛ لأنّها واردة

____________________

(١) نفس المصدر ص ٣١٠.

٢٢٢

بالنسبة للمرتدّين والمشركين بالله سبحانه، ولا نزاع من أحد في أنّ الجحود والشرك يحبطان جميع الأعمال الصالحات، وقال نصير الدين محمّد بن الحسن الطوسي: الإحباط باطل لأنّه يستلزم الظلم، ولقوله تعالى: ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) ، وإلى ذلك ذهب العلاّمة في شرح التجريد، والشيخ المفيد في أوائل المقالات (١).

ويؤيد ذلك قوله تعالى: ( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً ) ، ومقتضى هذه الآية أنّ جميع الأعمال التي يعملها الإنسان خيراً كانت أم شرّاً يجدها يوم القيامة بكاملها، ولا يذهب منها شيء لا بالطاعات ولا بالمعاصي.

أمّا الذي ادعاه الجبائي فمَع أنّه من أسوأ أنواع الظلم، مخالف لنصّ الآية، قال تعالى: ( مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلاّ مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) ، وقال في آيةٍ أُخرى: ( وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ ) ، ومن هاتين الآيتين يتبيّن أنّ السيّئة لا يُمكن أنْ تتغلّب على الحسنة؛ لأنّ الله يضاعفها له ويُبقي السيّئة على حالها.

كما وأنّ ما ذهب إليه أبو هاشم الجبائي لا دليل عليه من كتاب أو سنّة، ولا يؤيده العقل والمنطق؛ لأنّ الإنسان إذا كانت طاعاته خمساً مثلاً، ومعاصيه عشراً، فعند أبي هاشم تسقط من معاصيه خمس في مقابل طاعاته، مع أنّه ليس إسقاط واحدة من الخمسَتَين بأَولى من إسقاط الخمسة الثانية، وحينئذٍ فأمّا أنْ تسقطا معاً وهو خلاف مذهبه؛ لأنّه يُصرّح ببقاء الخمسة الزائدة، وأمّا أنْ لا يسقط شيء منهما فلا يتحقّق الإحباط.

على أنّه بناء على الموازنة التي يدعيها، لو كانت الطاعات بعدد المعاصي، فلازمه القول بسقوطهما معاً وعليه فإنْ سقَط أحدهما قبل الآخر، لم يسقط المتأخّر بالمتقدّم عليه؛ لأنّه بعد سقوطه لا يبقى له تأثير في إسقاط الآخر وإنْ تقارن سقوطهما لزِم وجودهما معاً قبل سقوطهما، مع أنّ وجود كلٍّ منهما ينفي وجود الآخر ويُمانعه (٢) .

وعلى كلّ حال فالإمامية يُخالفون جميع الفِرَق في هذه المسألة حتى

____________________

(١) انظر التجريد للطوسي وشرحه للعلاّمة ص ٢٦٠ وأوائل المقالات ص ٥٧.

(٢) انظر المواقف ص ٣١٠ وشرح التجريد ص ٢٦١.

٢٢٣

الأشاعرة القائلين بعدَم الإحباط؛ لأنّهم إنّما قالوا بذلك بعد أنْ بنوا على أنّ الإنسان لا يستحقّ على أعماله شيئاً، سَواء كانت خيراً أم شرّاً، ولله أنْ يُعاقب المُحسن ويُثيب العُصاة المتمرّدين عليه، فالإحباط الذي يدعيه المعتزلة والمرجئة لا مورد له عند الأشاعرة؛ لأنّه يتفرّع على الثواب والعقاب المرتّبين على الأفعال، والإنسان لا يستحقّ على أفعاله شيئاً على حدّ زعمهم، فإنْ أثابه فبفضله وإنْ عاقبه فبعدله.

الإيمان

يتّصل الخلاف في حقيقة الإيمان بتاريخ مولد الاعتزال، وذلك حينما اشتدّت حمَلات الخوارج على الحكّام الأمويّين وعلى جميع من لَم يؤازرهم في حروبهم مع الحكّام، وكان شعارهم تكفير العُصاة وجميع المخالفين لهم، وزعموا أنْ لا واسطة بين الكفر والإسلام، فمَن اقّر ولم يعمل بما جاء به الإسلام كان كافراً، وفي مقابل هذا التصرّف والغلوّ ظهَر القول بالإرجاء، الذي يرجع في حقيقته إلى أنّ الإيمان تصديق بالقلب وإقرارٌ باللسان، ولا تضرّ معه المعاصي مهما بلغت، وقد عد منهم الشهرستاني في الملل والنحل أصنافاً أربعة، وكلّها تتّفق على أنّ المعاصي لا تسلب العبد صفة الإيمان، ولا تدخله النار، فالعمل ليس شرطاً في الإيمان ولا جزءاً من حقيقته عند جميع المرجئة على اختلاف أقسامهم وفِرَقهم (١).

وعلى كلّ حال لقد كان لحدوث هذه الآراء في الإسلام مَنفسٌ للحكّام المستهترين في الدين، والذين كانوا هدَفاً للهجَمات المتوالية من الخوارج، بل وحتى من الفقهاء والمحدّثين الذين كانوا ينعتونهم بالفِسق والزندقة، فلمّا ظهَر المرجئة بآرائهم، وجَد الحكّام فيها سلاحاً لصدّ تلك الهجَمات العنيفة من جانب الخوارج وغيرهم؛ لأنّهم كفّار - بزعم الخوارج - مستحقّون

____________________

(١) انظر الفصل الذي تحدّث به الشهرستاني عنهم مِن صفحة ٢٢٢ إلى صفحة ٢٣٤.

٢٢٤

للعقاب على رأي الفقهاء وغيرهم، بينما ينعتهم المُرجئة بالإيمان، ويُمنّونهم السلامة من العقاب، وكما ذكرنا سابقاً لابدّ وأنْ يكون للحكّام رأيٌ في إشاعة هذه الأفكار وترويجها؛ لأنّها تخدم مصالحهم وشهَواتهم، وتعطيهم صفة الإيمان في وقتٍ هم من أحوج الناس إليها، ولا سيّما بعد أنْ نادى الخوارج بكفرهم، والقسم الأكبر من العلماء بفسقهم ونفاقهم، ويؤيّد ذلك أنهم أدخلوا جماعة منهم في مناصب الدولة وقرّبوهم من قصورهم ومجالسهم.

ومهما كان الحال فقد اختلفت آراء الفِرَق الإسلامية في حقيقة الإيمان أشدّ الاختلاف، فالأشاعرة والفقهاء يرَون أنّه عبارة عن تصديق الرسول بما جاء به جملةً وتفصيلاً، وأضاف المحدّثون إلى ذلك العمل بالأركان، وعند الجهميّة وجماعة من الفقهاء أنّه عبارة عن معرفة الله والرسول، ولازم هذا القول أنْ يكون من عُرف الله ورسوله ولَم ينطِق بالشهادتين مؤمناً، وعند الخوارج أنّ الإيمان هو العمل بما جاء به الرسول سَواء في ذلك الواجبات والمستحبّات، أمّا المعتزلة فأكثرهم أنّه تصديق وإقرار وعمل، فلا يوصف المسلم بالإيمان إلاّ إذا اجتمعت فيه هذه الخصال، ولذا فإنّهم لا يعدّون العاصي مؤمناً؛ لأنّ الإيمان تصديقٌ وعمل، كما لا يعدّونه كافراً لإقراره بالشهادتين، ولكونه مصدّقاً لِما جاء به الرسول من عند الله، وإذا مات كان من المخلّدين في النار، ولا يسمّى مسلماً إلاّ بقصد تمييزه عن الذمّيّين والمشركين لا مَدحاً ولا تكريماً (١) .

وقد عدّ المؤرّخون وكتّاب الفِرَق أبا حنيفة من المرجئة؛ لأنّه يرى أنّ الإيمان إقرارٌ باللسان وتصديق بالجنان ومنهما معاً يتكوّن الإيمان، كما يرى تلازم الإسلام مع الإيمان.

وجاء في مناظرةٍ جرَت بينه وبين الجهم بن صفوان - كما أوردها الحلّي في مناقب أبي حنيفة - إنّ مَن مات عارفاً بالله وصفاته، وأنّه واحدٌ لا شريك له ولم يقرّ بلسانه، مات كافراً من أهل النار، ولا يكون المؤمن مؤمناً حتى ينطق بما عرفه وآمن به.

وجاء عنه أنّه قسّم الإيمان إلى أقسام ثلاثة:

أحدها: أنْ يُصدّق بقلبه ويقرُّ بلسانه، وبذلك يصبح مؤمناً عند

____________________

(١) انظر أبا حنيفة للشيخ محمّد أبي زهرة ص ١٤٧ عن ابن أبي الحديد في شرح النهج.

٢٢٥

الله وعند الناس.

الثاني: أنْ يصدّق بقلبه ولا يقرّ بلسانه تقيّةً أو خوفاً فيكون مؤمناً عند الله وحده، ولا يكون مؤمناً عند الناس.

الثالث: أنْ يقرّ بلسانه ولا يصدّق بقلبه، فيكون مؤمناً عند الناس، وكافراً عند الله.

ومن ذلك يتبيّن أنّ الإيمان الكامل الذي يصحّ وصف الإنسان به، لابدّ فيه من الإقرار باللسان عنده، أمّا العمل بالطاعات فليس شرطاً في صدق الإيمان، وعلى أساس ذلك فقد ذهب إلى أنّ الإيمان لا ينقص ولا يزيد، ولا مجال لوصفه بأحد هذين الوصفين، ولكن التفاوت بفعل الطاعات وترك المحرّمات، وبذلك يحصل التفاوت والتفاضل بين الناس، أمّا مِن حيث الإيمان فلا مزيّةً لأحدٍ على آخر (١)، ومهما كان الحال فقد استدلّ الأشاعرة على أنّ الإيمان هو التصديق بما جاء به الرسول (صلّى الله عليه وآله) ببعض الآيات الدالّة على ذلك منها قوله تعالى:

( أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ ) وبقوله: ( وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) وقوله: ( إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ) ، وغير ذلك من الآيات التي تنصّ على أنّ الإيمان ينبع من القلب وحده، كما استدلّوا أيضاً ببعض الآيات التي ورد العمل فيها معطوفاً على الإيمان، محتجّين بذلك بأنّ العطف يقتضي المغايرة، وأضافوا إلى ذلك أنّ بعض الآيات تؤكّد أنّ الإقرار باللسان لا يجدي في صدق الإيمان، قال تعالى: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ) ، وقال في آيةٍ أُخرى: ( قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) (٢) ، أمّا القائلون بكفاية الإقرار باللسان في صِدْق الإيمان، فقد استدلّوا بما تواتر عن الرسول (صلّى الله عليه وآله) حيث أنّه كان يكتفي بالإقرار بالشهادتين في ترتيب أحكام الإيمان والإسلام بمجرّد ذلك، وبدون تفحّص عمّا وراء الإقرار باللسان (٣).

____________________

(١) انظر أبا حنيفة لأبي زهرة ص ١٧١ وما بعدها.

(٢) ولا يخفى أنّ الآيات التي استدلّ بها الأشاعرة، لا تدلّ على أكثر من اعتبار التصديق في الإيمان، ولا دلالة فيها على أنّ الإقرار باللسان ليس معتبراً فيه.

(٣) القائلون بذلك هم الكرامية.

٢٢٦

وجواب هؤلاء ما جاء في الآية الكريمة: ( قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) ، فقد نصّت على عدَم كفاية الإقرار باللسان في صحّة وصف المسلم بالإيمان.

أمّا المعتزلة الذين قالوا بأنّ الإيمان تصديقٌ وإقرارٌ وعمل، فقد استدلّوا بالآيات التي تنصّ على أنّ الدين هو فِعْل الواجبات وترك المحرّمات، قال تعالى: ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ ) ، والإسلام هو الإيمان ولو كان غيره لم يكن مقبولاً؛ لقوله تعالى: ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) ، فالإيمان المغاير للإسلام غير مقبولٍ عند الله.

كما استدلّوا على ذلك أيضاً ببعض الأحاديث مثل قولهِ (صلّى الله عليه وآله): (لا يزني الزاني وهو مؤمن)، وغير ذلك ممّا يدل أنّ المعصية تتنافى مع الإيمان، وأضافوا إلى ذلك أنّ الإيمان لو كان هو التصديق وحده، لزِم أنْ لا يصدِق على النائم والساهي، لعدَم كونه مصدّقاً في هذه الحالة (١).

أمّا الإمامية فقد ذهبوا إلى أنّ الإيمان هو التصديق بالله وحده وصفاته وعدله، وبالنبوّة وكلّ ما جاء به النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وأضافوا إلى ذلك التصديق بإمامة الاثني عشر، والمنسوب إلى المحقّق الطوسي المعروف بخاجا نصير المِلّة والدين، أنّ الإيمان عبارة عن التصديق بهذه الأُمور مع الإقرار باللسان، قال ولا يكفي الأوّل، لقوله تعالى: ( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ) ، حيث إنّه أثبت للكفّار التصديق القلبي مع جحودهم بها بألسنتهم، ولا يكفي الثاني لقوله تعالى: ( قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ) ، ولقوله: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ) ، ففي الآيتين أثبت لهم التصديق باللسان، ونفى عنهم الإيمان (٢).

وكلامه في قواعد العقائد ينصّ على أنّه عبارة عن التصديق بالقلب، قال: إنّ أُصول العقائد عند الشيعة ثلاثة: التصديق بوحدانيّة الله تعالى

____________________

(١) انظر المواقف ج ٤ ص ٢٢٢ وما بعدها.

(٢) انظر حقائق الإيمان للشهيد الثاني زين الدين العاملي ص ١٢٣، وعبارته في التجريد الذي شرحه العلاّمة تنصّ على ذلك ص ٢٧٠.

٢٢٧

في ذاته، والعدل في أفعاله، والتصديق بنبوة الأنبياء، والتصديق بإمامة الأئمّة المعصومين من بعد الأنبياء (عليه السلام)، ولم يعتبر الإقرار شرطاً فيه، لقوله تعالى: ( أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ ) ، ولقوله: ( وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) ، فمِن هاتين الآيتين يُستفاد أنّ محلّه القلب بدون شيءٍ آخر، نعم يكون الإقرار باللسان كاشفاً عنه في الغالب، والعمَل بالطاعات من ثمراته ولوازمه، وليس ببعيد أنْ يكون اعتبار الإقرار شرطاً فيه، عند القائلين بذلك من الإماميّة باعتبار أنّه كاشف عنه في الغالب، لا من جهة أنّه داخل في حقيقته، ولا سيما بملاحظة بأنّ المعتقد بوجود الله ووحدانيّته ورسله، إذا مات قبل أنْ ينطق بالشهادتين، أو منعه مانع عن النطق بهما، لا يلتزمون بأنّه يموت كافراً (١).

وكما ذكرنا يُمكن أنّ يكون الإقرار شرطاً في تحقّق الإيمان ظاهراً، ويكون كاشفاً عن واقع حاله، والحكم عليه بالإيمان ظاهراً موقوف على الإقرار بما اعتقده واطمأنّ به؛ لأنّ التعبير عمّا في النفس لا يكون في الغالب إلاّ بالكلام، ومهما كان الحال فالذي ذهب إليه أكثر الإمامية من المتقدّمين منهم والمتأخّرين أنّه عبارة عن التصديق بالقلب، وليس الإقرار باللسان جزءاً من حقيقته، وكلّهم متّفقون على أنّ العمل بالطاعات وترك المحرّمات ليسا من أركانه، ولا يتوقّف عليهما.

وقد أورد الشهيد الثاني بعض الآيات والأحاديث المؤيدة لذلك، وفي بعض الآيات وردت الأعمال معطوفةً على الإيمان، والعطف مقتضٍ للمغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، وأضاف إلى الآيات والأحاديث الإجماع أيضاً، قال: إنّ الأُمّة أجمعت على أنّ الإيمان شرطٌ لسائر العبادات والأعمال المقرِّبة من الله سبحانه، ولو كان العمل بالطاعات من أركان الإيمان، لزِم أنْ يكون الشيء شرطاً لنفسه (٢) .

وجاء في بعض المرويّات عن الأئمّة (عليهم السلام) في تحديد الإيمان، انّه تصديقٌ وإقرارٌ وعمل، فمِن ذلك ما رواه حمّاد بن عثمان، عن عبد الرحيم القصير قال: كتبت مع عبد الملك بن أعيَن إلى أبي عبد الله (عليه السلام) أسأله عن الإيمان، ما هو؟ فكتب إليّ مع عبد الملك بن أعيَن: (الإيمان هو الإقرارُ باللسان،

____________________

(١) انظر ص ١٠٣ و١٢٦ من حقائق الإيمان.

(٢) انظر الكتاب المذكور ص ١١٣ و١١٤.

٢٢٨

وعقد القلب، وعملٌ بالأركان، والإيمان بعضه من بعض).

وجاء في رواية محمّد بن مسلم عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: سألته عن الإيمان، فقال: (شهادة أنْ لا إله إلاّ الله، وإقرارٌ بما جاء مِن عند الله وما استقرّ في القلوب من التصديق بذلك)، فقلت له: أليس الشهادة عملاً؟ قال: (بلى)، قلت: العمل من الإيمان؟ قال: (نعم، لا يكون الإيمان إلاّ بعمل، والعمل منه).

وجاء في روايةٍ أُخرى عن عجلان بن أبي صالح، أنّه الشهادتان والإقرار بما جاء من عند الله، والصلاة والزكاة وصوم شهر رمضان، وحجّ البيت وولاية وليّنا، والدخول مع الصادقين (١) هذه الروايات بالإضافة إلى ضعف سندها لا تدلّ على أنّ العمل داخلٌ في حقيقة الإيمان، ومِن الغريب أنّها في مقام تحديد الإيمان الكامل الموجب للنعيم الدائم، ويؤيّده أنّه ذكر سائر الواجبات وأضاف إليها الدخول مع الصادقين وعداوة عدوّهم، ولا شكّ بأنّ القيام بجميع هذه الأعمال، والالتزام بها يكشف عن أعلى مراتب الإيمان بالله، والتصديق بما جاءت به رسله وكتبه.

وكما وقَع الخلاف بين الفِرَق الإسلامية في حقيقة الإيمان، وقَع الخلاف بينهم في أنّ الإيمان والإسلام متّحدان أو متغايران، وقد نَسب الشيخ المفيد إلى الإمامية أنّهم يقولون بأنّ الإسلام مغاير للإيمان بنحوِ العموم والخصوص المطلق.

قال في أوائل المقالات: (واتّفقت الإمامية أنّ الإسلام غير الإيمان، وأنّ كلّ مؤمنٍ مسلم، وليس كلّ مسلمٍ مؤمناً، وأنّ الفَرْق بين هذين المعنيَين في الدين كما كان في اللسان، ووافقهم على هذا القول المرجئة وأصحاب الحديث، وأجمعت المعتزلة وكثير من الخوارج والزيدية على خلاف ذلك، وزعموا أنّ كلّ مسلمٍ مؤمن، وأنّه لا فَرْق بين الإسلام والإيمان في الدين) (٢).

ويلزمهم على هذا أنّ يكون المُقصّر في أداء الواجبات والطاعات خارجاً عن الإسلام والإيمان؛ لأنّهم اعتبروا في حقيقة الإيمان فعل الواجبات وترك المحرّمات، وإذا كانا متّحدين لزِم أنْ يكون المقصّر خارجاً عنهما، ولا يلتزم بذلك أحد من المسلمين، حتى المعتزلة أنفسهم، فإنّهم لا يمنعون من وصف

____________________

(١) نفس المصدر ص ١٢٢.

(٢) انظر أوائل المقالات للمفيد ص ١٥.

٢٢٩

العُصاة بالإسلام.

وقد وافقهم على ذلك المحقّق الطوسي المعروف بخاجا نصير الدين، فقد نقل عنه الشهيد الثاني في رسالته المسمّاة (حقائق الإيمان) أنّ الإسلام والإيمان متّحدان حقيقةً، ولكنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) قد رتّب أحكام الإسلام على من يقرّ بالشهادتين بمجرّد إقراره بهما ما لَم يعلم كذِب المقِر، تسهيلاً على الناس ودفعا للحرَج، واستدلّ على ذلك بأنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) كان يكتفي بهما في ترتيب أحكام الإسلام.

وأيّد اتحادهما حقيقة بقوله تعالى: ( فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) .

والاستدلال بهذه الآية إنّما يصحّ بناءً على أنّ غير بمعنى الاستثناء المتّصل المفرّغ، وعليه يكون حاصل الكلام (فما وجدنا فيها من بيوت المؤمنين إلاّ بيتاً من المسلمين)، ومِن المعلوم أنّه لم يكن فيها يومذاك إلاّ بيتِ النبيّ لوط، وهُم الذين أخرجهم منها قبل إنزال العقوبة على تلك المدينة، ولابدّ وأنْ يكون المستثنى المتّصل من جنس المستثنى منه ومن مصاديقه، ولازم ذلك اتّحاد المؤمن والمسلم، إذ لا يُمكن في المقام فرض عموم المستثنى، كما وأنّه لم يقل أحد بأنّ الإيمان أعمّ من الإسلام (١).

وقد رجّح الشهيد الثاني اتحادهما، ولكنّ الظاهر من بعض الآيات ومن معاملة النبيّ لِمَن أقرّ بالشهادتين معاملة المسلم، أنّ الإسلام أوسَع واعمّ من الإيمان، وقد جاء عنه أنّه قال: (أُمرت أنْ أُقاتل الناس حتى ينطقوا بكلمة الشهادة، فإذا نطقوا بها كففت عنهم) ، هذا بالإضافة إلى أنّ الإسلام والإيمان من الأُمور الاعتبارية الراجعة إلى من بيده الاعتبار، وقد أطلق مَن بيده الاعتبار لفظ الإسلام على من اقرّ بالشهادتين، وظاهر هذا الإطلاق انّه كان على سبيل الحقيقة، ولم يثبت انّه أطلقه عليهم تجوزاً باعتبار ترتيب

____________________

(١) انظر حقائق الإيمان ص ١٣٩، ولا يخفى أنّ الاستثناء الوارد في هذه الآية لا يدلّ على اتحادهما ويكفي في صحّته تصادق المستثنى والمستثنى منه على هذا الفرد، ولا ينافي ذلك كون الإسلام أعمّ من الإيمان.

٢٣٠

أحكام الإسلام لا غير، أمّا الإيمان فحيث لم يتساهل في وصفهم به، ونفاه عن بعض من لم يكن مستقرّاً في قلوبهم، لذلك كان لابدّ فيه من التصديق بما جاء به الإسلام جملة وتفصيلاً.

مرتكب الكبيرة

لقد كان اتصال العرب بغيرهم من الأُمم التي غزاها الإسلام، وخضعت لسلطانه وأنظمته، هذا الاتصال كان بداية لحياة جديدة، وتطوّر شمل جميع مرافق الحياة، سَواء في ذلك الاقتصادية والاجتماعية والفكرية، وظهرت آثار هذا التحوّل في حياة المسلمين وتفكيرهم وجميع اتجاهاتهم في العصر الأموي الأوّل، فكان هذا الدور بداية لنهضة واسعة تمّ تكاملها، وأينعت ثمارها بعد استقرار الأُمور في يد العبّاسيّين.

ويبدو ذلك واضحاً عندما نلاحظ ذلك النشاط الفكري الذي قطع أشواطاً بعيدة في أقلّ من ربع قرن من الزمن، فأنتج الفكر العربي الإسلامي في مختلف العلوم الإسلامية، وتخطّاها إلى بقيّة العلوم التي لم يَعرِف عنها العرب قليلاً ولا كثيراً قبل تلك الفترة من تاريخهم.

وكان الصراع العقائدي بين الفِرَق والمذاهب الإسلامية، يحتلّ القسم الأكبر من تفكيرهم، ولعِب المعتزلة دوراً بارزاً في هذا الميدان، وأصبحوا بنظر الكتّاب والمؤلّفين الزعماء الأقوياء لتلك الحلقات العلمية الواسعة الأطراف.

وعلى كلّ حال فقد ذكرنا سابقاً أنّ طلائع مذهب الاعتزال قد أطلت في العصر الأموي بواسطة واصل بن عطاء الزعيم الأوّل من زعمائهم، كما يدّعي أكثر الكتّاب، وكان من روّاد مجالس الفقهاء في البصرة، كما كان التلميذ المقرّب من الحسن البصري شيخ البصرة وصاحب الحلقة الشهيرة، التي كانت تجري فيها مختلف البحوث العلمية والفكرية.

وفي ذلك العصر كان الخوارج يعلنون تكفير العُصاة والحكّام الأمويّين، ولمّا شاعت مقالتهم بين الناس وأصبحت موضع جدَلٍ بين العلماء والفقهاء،

٢٣١

لم يكن لهم غنىً عن الرجوع إلى الحسن البصري، فجرى فيها البحث في مجلسه، وكثرت فيها الآراء والأقوال، فقال الحسن البصري: هو منافق لأنه أظهر الإيمان وأبطن الكفر، ووقف واصل بن عطاء في مجلس شيخه وادعى بأنّه في منزلةٍ بين المنزلتين، فلا يصحّ وصفه بالإيمان؛ لأنّ الإيمان تصديقٌ وإقرارٌ وعمَل، ولا بالكفر؛ لأنّه مقرٌّ بالشهادتين، ويقوم ببعض الطاعات.

ولمّا احتدم النزاع بينه وبين أُستاذه في هذه المسألة اعتزل مجلس أُستاذه، واستقلّ في زاويةٍ من زوايا المسجد، هو وأتباعه ومعه صهره عمرو بن عبيد - أحد أقطاب المعتزلة في عصره - فقال الحسن البصري: لقد اعتزَلَنا واصل، فأصبح هذا الوصف عَلَماً على كلّ مَن يرى رأيه في هذه المسألة، كما يدّعي أكثر كتّاب الفِرَق والمذاهب، وفي ذلك يقول واصل بن عطاء:

إنّ الإيمان عبارة عن خصال إذا اجتمعت في الإنسان يكون مؤمناً، وصاحب الكبيرة لم يستكمل تلك الخصال، فلا يسوغ وصفه بالإيمان، كما لا يصحّ وصفه بالكفر؛ لأنّه مصدّقٌ بالله ورسوله، ويصحّ أنْ نسمّيه مسلماً يتميّز عن الذمّيّين الذين لا يقرّون بالشهادتين، وأضاف إلى ذلك أنّ مرتكب الكبيرة يُخلّد في جهنّم، ووافقه على ذلك جميع المعتزلة، وقد أدعى أبو زهرة أنّ المعتزلة يذهبون إلى أنّ مرتكب الكبيرة يُعذّب في جهنّم بمقدار جرمه ونسب القول بالخلود في جهنّم إلى واصل بن عطاء وحده (١)، وهذا الرأي مخالفٌ لنصوصهم ولإجماع كتّاب الفِرَق والمؤرّخين.

وقد خالَف المعتزلة في ذلك المرجئة وجميع أهل السنّة، والإمامية، وقد ذكرنا أنّ غلاة المرجئة يدّعون بأنّه لا تنفع مع الكفر طاعة، كما لا تضرّ مع الإيمان معصية مهما كان نوعها، أمّا المحدّثون والفقهاء والأشاعرة فقد قالوا بأنّ مرتكب الكبيرة لا يخرج عن الإيمان لمجرّد ذلك، وتبقى له صفة الإيمان؛ لأنّه تصديقٌ بالله ووحدانيّته ورسله وكتبه.

ومهما كان الحال فقد استدلّ المعتزلة لإثبات مذهبهم، بأنّ الإيمان تصديقٌ وإقرارٌ وعمَل، فإذا لم يعمَل يختل ركن من أركان الإيمان فلا يكون مؤمناً، كما لا يكون كافراً في ظاهر الحال، لإجماع الصحابة والتابعين،

____________________

(١) انظر الإمام الصادق ص ١٥٠.

٢٣٢

والفقهاء في جميع العصور على معاملته معاملة المسلمين، وقد ذكرنا أنّه من اللازم أنّه يكون كافراً بمقتضى تحديدهم للإيمان، ولكنّهم توسّعوا في وصفه بالمسلم تمشّياً مع السيرة المستمرّة بين المسلمين في ترتيب آثار الإسلام عليه (١) وقد ذكرنا سابقاً رأي الخوارج في هذه المسألة في أثناء حديثنا عنهم (٢).

أمّا الإمامية فقد ذهبوا في هذه المسألة إلى أنّ مرتكب الكبيرة لا يخرج عن الإيمان بالمعصية مهما كان نوعها؛ لأنّه لا يُعتبر في الإيمان أكثر من التصديق بالقلب عند أكثر الإمامية، وقد ذكرنا أنّ بعضهم أضاف إليه الإقرار باللسان (٣)، فالعُصاة إذا لم يبلغ بهم الحال إلى الجحود والتشكيك لا يخرجون عن الإيمان، وبذلك يلتقي الإمامية مع الأشاعرة ومع المعتدلين من المرجئة، وهم مرجئة أهل السنّة - كما ذكرنا ـ، أمّا القائلون بأنّ الإيمان لا تضرّ معه معصية، فهؤلاء فرقة مستقلّة بنفسها؛ لأنّ الإيمان وحده عندهم يغفر الذنوب جميعاً، كما يمحق الكفر جميع الطاعات والأعمال الصالحات (٤).

وأسوأ منهم حالاً بعض متطرّفي المرجئة القائلون بأنّ الإيمان هو المعرفة، فمَن كان عارفاً بالله ورسله وبما جاءوا به، لو أعلن الكفر بلسانه، وعبَد الأوثان أو اعتنق اليهودية والنصرانية في دار الإسلام، ومات على ذلك كان كامل الإيمان، وقد تبرّأ الشيعة وأئمّتهم من هؤلاء وغيرهم ممّن استهانوا بمبادئ الإسلام، وسهّلوا للعُصاة أتباع الشهوات والأهواء، ولعنوهم في النوادي والمجتمعات، وأوضحوا للناس آراءهم ومعتقداتهم بدافع الحرص على مبادئ الإسلام، والغيرة على الأحكام التي فرضها الله على الناس، وحذّرهم من مخالفتها، وتوعّدهم بالعقاب الأليم إذا انحرفوا عنها، وجاء عن زيد بن علي بن الحسين (عليه السلام) اللهمّ إنّي أبرأ إليك من المرجئة الذين أطمعوا الفسّاق في عفو الله.

ومهما كان الحال فالفِرَق الثلاث: الإمامية والمعتزلة والأشاعرة،

____________________

(١) انظر المواقف ص ٣٣٦ وما بعدها وشرح التجريد ص ٢٧٠.

(٢) راجع الفصل الذي وضعناه للبحث عن الفرق الإسلامية.

(٣) القائل بذلك هو الطوسي في تجريده ومعه جماعة من المتقدّمين والمتأخرّين.

(٤) انظر شرح التجريد، والإمام الصادق لأبي زهرة ص ١٤٣ وما بعدها.

٢٣٣

متّفقون على أنّ مرتكب الكبيرة مستحقٌّ للعقاب إذا لم يتب من معصيته، ولكن المعتزلة يدّعون بأنّه من المخلّدين في جهنّم، والإمامية والأشاعرة يرون أنّ الخلود في جهنّم لا يكون إلاّ للكافرين بالله؛ لأنّ العدل الإلهي يقضي بأنّ لا يضيع على الإنسان شيءٌ من أعماله، وقد جاء في بعض الآيات أنّ الله لا يضيع أجر مَن أحسن عملاً، وأنّه لا يضيع عملَ عاملٍ من ذكر وأنثى، وقال تعالى: ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ) ، ( وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلاّ مِثْلَهَا ) ، هذا بالإضافة إلى أنّ ما يدعيه المعتزلة يؤدّي إلى نسبة أسوأ أنواع الظلم إلى الله سبحانه؛ لأنّه على حسب زعمهم يلزم أنْ يخلّد في جهنّم مَن عبَد الله مخلصاً عشرات السنين لمجرّد أنّه ارتكب كبيرةً في آخر حياته، وهذا من الظلم الفاحش الذي لا يقرّه العقل، ولا يتّفق مع النصوص القرآنية والنبوية (١).

واستدلّ المعتزلة على استحقاق مرتكبي الكبيرة للعقاب الدائم، بالإضافة إلى مبدأ الإحباط الذي بنوا عليه، بأنّ استحقاقهم العقاب الدائم مضرّةٌ خالصة، واستحقاقهم الثواب منفعةٌ خالصة دائمة، والجمع بين الاستحقاقين محال عقلاً، كالجمع بين الثواب والعقاب، ولابدّ من انتفاء أحدهما، وقد فرضنا أنّه يستحقّ العقاب على فعلِ الكبيرة، وإذا وجِد أحد الأمرين المتنافِيَين لابدّ من انتفاء الثاني.

وأُجيبوا على ذلك، بأنّ هذا النوع من الاستدلال من المغالطات التي لا ترتكز على أساسٍ صحيح؛ لأنّ القائلين بأنّ مرتكب الكبيرة لا يُخلّد في جهنّم، يدّعون الترتيب الخارجي بين الاستحقاقين بمعنى أنّه يُعذّب أوّلاً بمقدار جرمه، ثمّ ينتقل إلى النعيم مكافأةً له على أعماله الصالحات، والمنافاة التي يدّعيها الخصم إنّما تلزم لو قيّدنا الاستحقاق بالدوام، ولا موجب لهذا التقييد، على أنّ هذا الدليل على تقدير سلامته، لا يُلزم الأشاعرة بشيء؛ لأنّهم يدّعون بأنّ الإنسان لا يستحقّ شيئاً على أعماله، ولله أنْ يُعاقب المطيع ويثيب العُصاة (٢).

____________________

(١) انظر الفصول المختارة من كتاب العيون والمحاسن للمفيد ص ١٣٢ وشرح التجريد ص ٢٦١.

(٢) انظر المواقف ج ٤ ص ٣٠٤.

٢٣٤

واستدلّ المعتزلة أيضاً بقوله تعالى: ( وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا ) ، وبقوله: ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا ) ، ولكنّ الإنصاف أنّ هذه الآيات ليست نصّاً فيما يدّعيه المعتزلة، فإنّ الخلود الوارد فيها يمكن أنْ يُراد منه طول المكث في جهنّم، كما يُمكن أنْ يكون لخصوصيّةٍ في قتلِ المؤمن ومعصية الله والرسول، تلك الخصوصية تكشف عن كُفر هذا النوع من العُصاة، وعلى أيّ الأحوال لابدّ من تأويل هذه الآيات بما يتناسب مع عدل الله سبحانه ولطفه بعباده.

الوعد والوعيد

هذه المسألة من المسائل الخَمس التي يُبنى عليها مذهب الاعتزال، قال أبو الحسن الخيّاط في كتابه الانتصار: وليس أحدٌ يستحقّ اسم الاعتزال حتى يجمع الأُصول الخمسة: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنزاع في وجوبها عليه سُبحانه وعدمه لا يجري على مذهب الأشاعرة؛ لأنّهم يدّعون أنّ الإنسان لا يستحقّ على الله شيئاً، ولا يقبح من الله شيء أيضاً، ومع أنّه قد وعد المطيعين بالثواب تفضّلاً منه، وتوعّد العُصاة بالعقاب لا يجب عليه شيء ممّا وعده أو توعّد به، وله أنْ يُعذّب المطيع ويثيب العُصاة، وإنّما يصحّ النزاع فيها عند القائلين باستحقاق المطيعين والعاصين للثواب والعقاب.

وقد ذهب المعتزلة إلى وجوب الوفاء عليه تعالى بوعده ووعيده، فيجب عليه تعذيب العُصاة، وإعطاء المطيعين ما وعدهم به، واستدلّوا على ذلك، بأنّه سبحانه قد توعّد بالعقاب على المعاصي، وأخبرهم بنوع العقاب الذي يستحقّونه، فلو قلنا بعدَم وجوب الوفاء عليه لزِم الخُلف والكذِب فيما أخبر به وكلاهما قبيح عليه تعالى، وأيضاً لو علم الناس بأنّ الله سيعفو عنهم، وأنّ العقاب الذي وعد به قد لا يحصل، تضعف من

٢٣٥

نفوسهم دوافع الامتثال، فإنّ الكثير من الناس لولا خوفهم من العقاب، واعتقادهم بوقوعه لا يطيعون حُكماً، ولا ينتهون عن معصيةٍ ينهى عنها الله.

وأُجيبوا على ذلك بأنّ عدَم الوفاء بما توعّد به لا يُعدّ خلفاً منه بنظر الناس، بل يرونه مستحسناً؛ لأنّه من باب العفو والإحسان اللذين هما من حقوقه ومِن صفاته الثابتة لذاته تعالى، وقد أخبر عن نفسه بأنّه الغفور الرحيم وأنّه لا يغفر أنْ يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لِمَن يشاء من عباده ، ولو افترضنا أنّ ذلك يُعد خلفاً، لو افترضنا ذلك، فليس كلّ خلف قبيحاً؛ لأنّ هذا النوع من الخلف مستحسن عند العقلاء والناس أجمعين، إلاّ عند المعتزلة (١) .

وقال الإمامية: يجب على الله أنْ يفي بما وعَد ولا يجب عليه الوفاء بما توعّد به؛ لأنّ وجوب الوفاء بالوعد من العدل والإنصاف الواجبين عليه تعالى، هذا بالإضافة إلى أنّ التكاليف إنّما شُرّعت لمنفعة العباد، ويجب عليه إيصال النفع لهم، على أنّ عدَم الوفاء مستقبَح بنظر الناس والعقلاء، ولا يجب عليه أنْ يفي بما توعّد به؛ لأنّ العقاب حقٌّ له سبحانه، وله أنْ يسقطه باعتباره حقّاً مملوكاً له، وقد دلّت النصوص المرويّة عن أئمّة الشيعة على ذلك، فقد جاء في بعض المرويّات عنهم أنّ أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: (إنّ رسول الله قال: مَن وعده الله ثواباً على عملٍ فهو منجزه له، ومَن أوعده على عملٍ عقاباً، فهو فيه بالخيار).

وقال إبراهيم بن العبّاس: كنّا في مجلس الإمام الرضا (عليه السلام) نتذاكر فيما يدّعيه المعتزلة في الكبائر، وأنّها لا تغفر لهم، فقال الإمام الرضا: (قال أبو عبد الله الصادق: لقد نزَل القرآن بخلافِ قول المعتزلة، قال سُبحانه: ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ ) ).

وجاء عن محمّد بن عمر أنّ الإمام موسى بن جعفر قال: (لا يخلّد في النار إلاّ أهل الكفر والجحود، وأهل الشرك والضلال) (٢).

____________________

(١) انظر الفصول المختارة من العيون والمحاسن، والمواقف ص ٣٠٤.

(٢) انظر كتاب التوحيد للصدوق محمّد بن بابويه القمّي ص ٢١٧ و٢١٨.

٢٣٦

البَداء

لقد شاع بين الكتّاب والباحثين في العقائد على اختلاف فِرَقهم، أنّ البَداء من مختصّات الشيعة، وأنّه من عقائدهم التي يؤمنون بها، وأوّل من قال به المختار الثقفي على حدّ زعمهم، وجاء في التعليقة على الملل والنحل للشهرستاني، أنّ الكيسانية، قد نسبوا البَداء إلى الله حينما بعث مصعب بن الزبير جيشاً مجهّزاً إلى غزو المختار، فأرسل إليه المختار جيشاً بقيادة أحمد بن شميط مؤَلّفاً من ثلاثة آلاف مقاتل، وقال لهم: قد أُوحي إليّ أنّ الظفر سيكون لكم، ولمّا انهزم ابن شميط، بعد المعارك التي دارت بينه وبين مصعب بن الزبير، قال له المختار: إنّ ربّي قد وعَدَني النصر، ثمّ بدا له، وتلا عليه قوله تعالى: ( يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) .

وكان في بعض الأحيان يخبر أصحابه بأُمور ينسبها إلى الله يستغل بذلك المغفّلين والبسطاء من أتباعه، فإذا انكشف لهم خلاف ما أخبر به، قال لهم: بدا لربّكم (١)، ويبدو مِن رواية الشهرستاني وغيره من المؤلّفين في الفِرَق، أنّ المختار أوّل من قال بالبَداء ونسبه إلى الله ليخدع العوام والسذَّج من أتباعه، وقد راجت مقالته هذه بين الشيعة وأصبحت من عقائدهم، وقال بها الإمامية ونسبوها إلى أئمّتهم (عليهم السلام)، وعدّها المؤلّفون وأهل السنّة وصمةً على التشيّع، ولا سيّما بعد أنْ فهموا منه تبدّل إرادة الله سبحانه وتجدّد علمه بالأصلح والأحسن.

ووجدوا من الشيعة من يقول به، عمَلاً ببعض المرويّات عن الأئمّة (عليهم السلام)، وقبل أنْ نبيّن المعنى المراد من البّداء الوارد في أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) والذي يقول به الشيعة، لابدّ من بيان المعنى الذي يتحمّله هذا اللفظ، لقد وردت هذه الكلمة في القرآن والحديث، قال تعالى: ( وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ) ، وقال: ( وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا ) ، وهو في الآيتين بمعنى الظهور والإبانة، وقد يطلق ويراد منه تغير الإرادة وتبدّل العزَم تبعاً لتغير العلم، وهذا هو البَداء المنسوب إلى الإمامية على حدّ زعم أهل السنّة وبعض الكتّاب، وهو الذي أحدثه المختار الثقفي كما جاء في مرويّاتهم.

____________________

(١) انظر الملل والنحل ج ١ ص ٢٣٨ والتبصير في الدين ص ٣٧.

٢٣٧

وقد يطلق ويراد منه تعليق أمرٍ على آخر، ولازم ذلك عدم حصول المشروط إذا لم يحصل الشرط، وقد ورد في جملة من المرويّات عن الأئمّة، أنّ مَن وصّل رحِمه مدّ الله في حياته، وضاعف له الرزق، ومعنى ذلك أنّ الله جعل لصلة الأرحام هذه الآثار، فإذا أوجَد الإنسان هذا الأمر ترتّب عليه أثره وإنْ لم يحصل الأثر المجعول لِعَدم حصول شرطه، أمّا البَداء بمعنى تغير إرادته وتبدّل عزمه الناشئين عن تجدّد علمه، فلَم يَقُل به أحد من الشيعة ويرَونه ضلالاً وفساداً في العقيدة.

وأمّا البَداء بالمعنيَين الآخرين، فهو الذي يقولون به، ولا يلزم منه أيّ محذور بالنسبة إليه تعالى؛ لأنّ ظهور أمرٍ للإنسان كان خافياً عليه، أو تعليقَ أمرٍ على حصول شرطه كما ذكرنا بالنسبة إلى صلة الأرحام مثلاً، هذا النحو من البَداء المصطلح عليه عندهم، لا يلزم منه تبدّل في الإرادة، ولا تجدّد في معلوماته تعالى: والنصوص التي وردت عن الأئمّة حول البَداء، ليس فيها ما يمنع من إرادة هذا المعنى منه.

قال الشيخ المفيد في أوائل المقالات: الذي أقوله في البَداء هو ما يقوله المسلمون بأجمعهم في النسخ وأمثاله من الإفقار بعد الإغناء، والإمراض بعد الإعفاء، والإماتة بعد الإحياء، والزيادة في الآجال والأرزاق بسبب بعض الأعمال، والذي جوّز إطلاق لفظ البَداء على ذلك بعض الآيات والنصوص الواردة عن الأئمّة (عليهم السلام).

وقال الشيخ أبو جعفر الصدوق: فالمعنى في قول الإمامية بدا لله في كذا أي ظهر منه، وهو خاص فيما يظهر مِن الفعل الذي كان وقوعه مستبعداً بنظر الإنسان.

ومجمل القول أنّ البَداء بمعنى أنّ الله يقدر ويعلم ثمّ ينسخ ما قدّر وما علِم بأمرٍ آخر، هذا النوع من البَداء لم يقُل به الشيعة؛ لأنّه مستلزم لتغيّر علمه وتبدّل إرادته وعدَم إحاطته بما كان وسيكون، وجاء في الحديث عن منصور بن حازم قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام): هل يكون اليوم شيءٌ لم يكن في عِلم الله بالأمس؟ قال: (لا، مَن قال هذا أخزاه الله)، قلت أرأيت ما كان، أرأيت ما هو كائن إلى يوم القيامة، أليس في علم الله؟ قال: (بلى، قبل أنْ يخلق الله الخلْق).

وأمّا البَداء بالمعنيَين الآخرين فهو الذي يقولون به، كما تبيَّن ذلك من

٢٣٨

كلام الصدوق والمفيد، وقال في كنز الفوائد (١) : إنّ المراد من البَداء أنْ يظهر للناس خلاف ما توهّموه، وينكشف لهم غير ما كانوا يعتقدون من دوام الأمر واستمراره، وسُمّيَ بداءً لمشابهته لِمَن يأمر بالشيء أو يجزم به، ثمّ ينهى عنه في وقته.

وله مناظرة حوله مع أحد أعلام المعتزلة، أكّد له فيها أنّ البَداء الذي يقول به الشيعة لا يختلف عمّا يقول به غيرهم، إلاّ بالاسم، ولا يعنون به تبدّل إرادة الله وتغيّر علمه، فهو نظير ما لو أمَر السيّد عبده بعملٍ من الإعمال، فأظهر العبد استعداده للقيام بذلك العمل وإنجازه، وقبل أنْ يُباشر نهاه عن القيام به، فقد بدا للعبد غير ما كان يعتقد حيث إنّه اعتقد دوام إرادة السيّد وبقاءها، فلمّا نهاه عنه ظهَر له خلاف ما كان يعتقد، مع أنّ الآمر يعلم بإطاعته له وإقدامه على العمل، ولكنّه إنّما أمره به ليظهر للناس انقياده لأوامره.

ومِن أمثلة ذلك ما حكَاه الله سبحانه في كتابه الكريم عن إبراهيم وولده إسماعيل، حيث أوحى إليه في نومه أنْ يذبح ولده إسماعيل، ولمّا تهيّأ لذبحه وأظهر ولده رضاه واستعداده لتنفيذ أمر الله فيه، نهاه الله عن ذبحه، فقد بدا لإبراهيم بعد النهي غير ما كان يعتقده، وإرادة الله سُبحانه لم تتعلّق بالذبح وإنّما تعلّقت بمقدّماته من القصد، والقيام بكلّ ما يتوقّف عليه الذبح كأخذ السكّين ووضعها في العنق وغير ذلك، وقد أطلق على هذا النوع من العمل ذبحاً تجوّزاً وتوسّعاً في الكلام (٢) .

وفي مرويّات الشيعة عن أئمّتهم (عليهم السلام)، إنّه لابدّ من الإقرار لله بالبَداء فقد روى ابن أبي عمير عن مرازم بن حكيم أنّه قال: سمِعت أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) يقول: (ما تنبّأ نبيٌّ قط حتى يقرّ لله عزّ وجل بخمس: بالبَداء، والمشيئة، والسجود، والعبودية، والطاعة)، وقال الريّان بن الصلت: سمِعت الرضا (عليه السلام) يقول: (ما بَعث الله نبيّاً إلاّ بتحريم الخمر والإقرار له بالبَداء).

وجاء في رواية محمّد بن مسلم في تفسير البَداء، أنّه تعالى يقدّم ما يشاء ويؤخّر ما يشاء، وروى زرارة بن أعيَن عن الباقر (عليه السلام)، أنّ الإقرار

____________________

(١) محمّد بن عليّ الكراجكي المتوفّى سنة ٤٤٩ ص ١٠٣ و١٠٤ و١٠٥ والكراجكي هذا هو أحد أعلام الإمامية في القرن الرابع والخامس الهجري، وكان من تلاميذ الشيخ المفيد.

(٢) المصدر السابق ص ١٠٥.

٢٣٩

لله بالبَداء من أفضل أنواع الطاعات ؛ وذلك لأنّ الإقرار له بالبداء اعترافٌ له بالقدرة على كلّ شيء: الإحياء بعد الإماتة، والإفقار بعد الإغناء، والإمراض بعد الإعفاء، والزيادة في الآجال والأرزاق عند حصول أسبابها: فقد جاء في الحديث عن الرسول (صلّى الله عليه وآله): (لا يردّ القدَر إلاّ الدعاء، وأنّ الرجل ليُحرَم الرزق بخطيئة يعملها، ولا يزيد في العمر إلاّ البِر)، وإنّما يكون ذلك بعلم الله سبحانه وقضائه، فقد قضى أنّ العبد إذا أحسن لأرحامه يزداد عمره ويتّسع رزقه، ولا يلزم من ذلك تبدّل في إرادته ولا تغيّر في علمه، فكلّ ما يجري وما يكون قد أحاط به علمه، وسبَق فيه قضاؤه.

وقد روى العيّاشي عن ابن سنان أنّ أبا عبد الله الصادق قال: (إنّ الله يقدّم ما يشاء ويؤخّر ما يشاء، ويمحو ما يشاء، ويثبت ما يشاء وعنده أُمّ الكتاب)، ثمّ قال: (فكلّ أمرٍ يريده الله فهو في علمه قبل أنْ يصنعه، ليس شيء يبدو له إلاّ وقد كان في علمه، إنّ الله لا يبدو له عن جهل).

وفي بعض المرويّات عن الأئمّة (عليهم السلام) إنّ القضاء الحتمي المعبّر عنه باللوح المحفوظ، وبالعلم المخزون لا يُمكن أنْ يقع فيه البَداء، والذي يقَع فيه البَداء هو القضاء الموقوف على أنْ لا تتعلّق إرادة الله بخلافه، ومن المعلوم أنّ إرادة الله إنّما تتعلّق بخلافه باعتبار حصول بعض الأعمال، أو حصول شرط يقتضي محو ذلك الشيء وإثبات خلافه، فالبَداء في التكوينات كالنسخ في الشرعيّات لا يلزم منه محذور بالنسبة إليه تعالى، بل هو إقرارٌ له بالقدرة المطلقة على حدوث الأشياء وبقائها، وفي نفس الوقت لا يوجب انقطاع أمَل العبد بتوفيقه للطاعات وإبعاده عن المعاصي والمنكرات (١) .

____________________

(١) انظر البيان في تفسير القرآن للمرجع الأعلى للطائفة الشيعية السيّد أبي القاسم الخوئي ص ٢٧٢.

٢٤٠

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253