الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة

الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة15%

الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة مؤلف:
تصنيف: تاريخ التشيع
الصفحات: 253

  • البداية
  • السابق
  • 253 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 55874 / تحميل: 9594
الحجم الحجم الحجم
الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة

الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة

مؤلف:
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة


1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

ومهما كان الحال فالآيات التي تنفي الشفاعة لابدّ وأنْ يراد منها نفيها عن الكفّار والجاحدين، وليس لدينا من النصوص ما يمنع ثبوتها بالمعنيّين، زيادة الثواب ودفع المضار، أمّا انحصارها في زيادة المنافع كمّا يدعيه المعتزلة فليس في النصوص ما يؤيّده.

الإحباط

الإحباط في عرف الفقهاء المتكلّمين أنْ يكون أحد العملين مسقطاً وماحياً لآثار العمل السابق، فكما يسقط الثواب بالمعاصي، كذلك يسقط العقاب بما يفعله الإنسان من الطاعات والخيرات، وبعبارة أوجز: الإحباط هو أنْ يكون المتأخّر ماحياً للمتقدّم من خيرٍ أو شر، وهذه المسألة من المسائل التي اختلفت فيها آراء الفِرَق الإسلامية، فالمعتزلة يدّعون أنْ الإنسان إذا عبَد الله طول حياته، وفعل معصيةً من المعاصي التي تُسمّى كبيرة في عُرف الفقهاء تبطِل جميع أعماله السابقة (١) وقد وافقهم على ذلك الخوارج، وبلَغ بهم الإسراف إلى حدٍّ أنّهم يحكمون بكفر العُصاة وجميع مخالفيهم، وعلى هذا الأساس كانوا ينادون بكُفر عليّ إمام المسلمين (عليه السلام)؛ لأنّه ارتكب معصيةً في التحكيم بعد الحروب الدامية التي وقَعت بينه وبين معاوية بن أبي سُفيان على حدِّ زعمهم.

وذهب عبد السلام الجبائي، من متأخّري المعتزلة، إلى أنّ الطاعات السابقة على المعاصي يسقط منها بمقدار المعاصي، وتبقى المعاصي على حالها، فمن أطاع عشرين مرّة، وعصى عشر مرّات يسقط من طاعاته بمقدار معاصيه، وتبقى معاصيه على حالها، ولو زادت معاصيه على طاعاته تذهب طاعاته بكاملها وتبقى معاصيه.

ومن ذلك يتبيّن أنّ الإحباط عنده يختصّ بطرفٍ واحد، فالمعاصي

____________________

(١) انظر ص ٣٠٩.

٢٢١

تحبط (١) الطاعات، أمّا الطاعات مهما بلَغت من الكثرة فلا تحبِط من المعاصي شيئاً، أمّا ابنه أبو هاشم فقد ذهب إلى أنّ الإحباط يكون من الطرفين، فكما تحبِط الطاعات المعاصي كذلك تحبط المعاصي الطاعات، فمَن أطاع عشراً وعصى عشرين، تذهب طاعاته بما يُقابلها من المعاصي، ولا يبقى له سوى الزائد من معاصيه، وهذا هو المراد من الموازنة المنسوبة إليه في كُتب الكلام.

أمّا الأشاعرة فقد أنكروا الإحباط؛ لأنّهم يدّعون أنّه لا يجب على الله ثواب المطيعين ولا عقاب العاصين، وله أنْ يُعذّب المطيع ويعاقب العاصي، فالطاعات لا تستوجب الثواب كما لا تستوجب المعاصي العقاب، وبناءً على ذلك يبقى مجال للبحث في هذه المسألة عندهم.

وأمّا المُرجِئة فقد وافقوا المعتزلة على مبدأ الإحباط، ولكن الإيمان بالله عندهم يحبط جميع المعاصي مهما بلغت، وجميع المعاصي لا تحبط الإيمان، وذلك عمَلاً بالمبدأ العام الذي ترتكز عليه فكرة الإرجاء، (لا تضرّ مع الإيمان معصية، ولا تنفع مع الكفر طاعة).

أمّا الإمامية فقد أنكروا الإحباط، لقوله تعالى: ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) ، هذا بالإضافة إلى أنّ الإحباط يؤدّي إلى عدم الوفاء بالوعد والوعيد لأنّه تعالى قد وعد المطيعين بالثواب وتوعّد العاصين بالعقاب، ولازم الإحباط عدَم الثواب على الطاعات، وهو يتنافى مع ما ذهب إليه المعتزلة من وجوب الوفاء بالوعد، على أنّه يلزم من القول به نسبة الظلم إلى الله؛ لأنّ من أساء وأطاع، وكانت معاصيه أكثر من طاعاته يصبح بمنزلة مَن لم يُطِع في حياته كلّها، كما وإنْ كانت طاعاته أكثر يصبح بمنزلة مَن لَم يعصِ الله أبداً، ومع التساوي يصبح بمنزلة مَن لم يفعل شيئاً.

أمّا الآيات التي استدلّ بها المعتزلة على الإحباط مثل قوله تعالى: ( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ) ، وقوله: ( وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ) ، هذه الآيات وغيرها ممّا استدلّ بها أنصار هذا القول لا تدلّ على الإحباط الذي يدّعيه المعتزلة؛ لأنّها واردة

____________________

(١) نفس المصدر ص ٣١٠.

٢٢٢

بالنسبة للمرتدّين والمشركين بالله سبحانه، ولا نزاع من أحد في أنّ الجحود والشرك يحبطان جميع الأعمال الصالحات، وقال نصير الدين محمّد بن الحسن الطوسي: الإحباط باطل لأنّه يستلزم الظلم، ولقوله تعالى: ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) ، وإلى ذلك ذهب العلاّمة في شرح التجريد، والشيخ المفيد في أوائل المقالات (١).

ويؤيد ذلك قوله تعالى: ( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً ) ، ومقتضى هذه الآية أنّ جميع الأعمال التي يعملها الإنسان خيراً كانت أم شرّاً يجدها يوم القيامة بكاملها، ولا يذهب منها شيء لا بالطاعات ولا بالمعاصي.

أمّا الذي ادعاه الجبائي فمَع أنّه من أسوأ أنواع الظلم، مخالف لنصّ الآية، قال تعالى: ( مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلاّ مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) ، وقال في آيةٍ أُخرى: ( وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ ) ، ومن هاتين الآيتين يتبيّن أنّ السيّئة لا يُمكن أنْ تتغلّب على الحسنة؛ لأنّ الله يضاعفها له ويُبقي السيّئة على حالها.

كما وأنّ ما ذهب إليه أبو هاشم الجبائي لا دليل عليه من كتاب أو سنّة، ولا يؤيده العقل والمنطق؛ لأنّ الإنسان إذا كانت طاعاته خمساً مثلاً، ومعاصيه عشراً، فعند أبي هاشم تسقط من معاصيه خمس في مقابل طاعاته، مع أنّه ليس إسقاط واحدة من الخمسَتَين بأَولى من إسقاط الخمسة الثانية، وحينئذٍ فأمّا أنْ تسقطا معاً وهو خلاف مذهبه؛ لأنّه يُصرّح ببقاء الخمسة الزائدة، وأمّا أنْ لا يسقط شيء منهما فلا يتحقّق الإحباط.

على أنّه بناء على الموازنة التي يدعيها، لو كانت الطاعات بعدد المعاصي، فلازمه القول بسقوطهما معاً وعليه فإنْ سقَط أحدهما قبل الآخر، لم يسقط المتأخّر بالمتقدّم عليه؛ لأنّه بعد سقوطه لا يبقى له تأثير في إسقاط الآخر وإنْ تقارن سقوطهما لزِم وجودهما معاً قبل سقوطهما، مع أنّ وجود كلٍّ منهما ينفي وجود الآخر ويُمانعه (٢) .

وعلى كلّ حال فالإمامية يُخالفون جميع الفِرَق في هذه المسألة حتى

____________________

(١) انظر التجريد للطوسي وشرحه للعلاّمة ص ٢٦٠ وأوائل المقالات ص ٥٧.

(٢) انظر المواقف ص ٣١٠ وشرح التجريد ص ٢٦١.

٢٢٣

الأشاعرة القائلين بعدَم الإحباط؛ لأنّهم إنّما قالوا بذلك بعد أنْ بنوا على أنّ الإنسان لا يستحقّ على أعماله شيئاً، سَواء كانت خيراً أم شرّاً، ولله أنْ يُعاقب المُحسن ويُثيب العُصاة المتمرّدين عليه، فالإحباط الذي يدعيه المعتزلة والمرجئة لا مورد له عند الأشاعرة؛ لأنّه يتفرّع على الثواب والعقاب المرتّبين على الأفعال، والإنسان لا يستحقّ على أفعاله شيئاً على حدّ زعمهم، فإنْ أثابه فبفضله وإنْ عاقبه فبعدله.

الإيمان

يتّصل الخلاف في حقيقة الإيمان بتاريخ مولد الاعتزال، وذلك حينما اشتدّت حمَلات الخوارج على الحكّام الأمويّين وعلى جميع من لَم يؤازرهم في حروبهم مع الحكّام، وكان شعارهم تكفير العُصاة وجميع المخالفين لهم، وزعموا أنْ لا واسطة بين الكفر والإسلام، فمَن اقّر ولم يعمل بما جاء به الإسلام كان كافراً، وفي مقابل هذا التصرّف والغلوّ ظهَر القول بالإرجاء، الذي يرجع في حقيقته إلى أنّ الإيمان تصديق بالقلب وإقرارٌ باللسان، ولا تضرّ معه المعاصي مهما بلغت، وقد عد منهم الشهرستاني في الملل والنحل أصنافاً أربعة، وكلّها تتّفق على أنّ المعاصي لا تسلب العبد صفة الإيمان، ولا تدخله النار، فالعمل ليس شرطاً في الإيمان ولا جزءاً من حقيقته عند جميع المرجئة على اختلاف أقسامهم وفِرَقهم (١).

وعلى كلّ حال لقد كان لحدوث هذه الآراء في الإسلام مَنفسٌ للحكّام المستهترين في الدين، والذين كانوا هدَفاً للهجَمات المتوالية من الخوارج، بل وحتى من الفقهاء والمحدّثين الذين كانوا ينعتونهم بالفِسق والزندقة، فلمّا ظهَر المرجئة بآرائهم، وجَد الحكّام فيها سلاحاً لصدّ تلك الهجَمات العنيفة من جانب الخوارج وغيرهم؛ لأنّهم كفّار - بزعم الخوارج - مستحقّون

____________________

(١) انظر الفصل الذي تحدّث به الشهرستاني عنهم مِن صفحة ٢٢٢ إلى صفحة ٢٣٤.

٢٢٤

للعقاب على رأي الفقهاء وغيرهم، بينما ينعتهم المُرجئة بالإيمان، ويُمنّونهم السلامة من العقاب، وكما ذكرنا سابقاً لابدّ وأنْ يكون للحكّام رأيٌ في إشاعة هذه الأفكار وترويجها؛ لأنّها تخدم مصالحهم وشهَواتهم، وتعطيهم صفة الإيمان في وقتٍ هم من أحوج الناس إليها، ولا سيّما بعد أنْ نادى الخوارج بكفرهم، والقسم الأكبر من العلماء بفسقهم ونفاقهم، ويؤيّد ذلك أنهم أدخلوا جماعة منهم في مناصب الدولة وقرّبوهم من قصورهم ومجالسهم.

ومهما كان الحال فقد اختلفت آراء الفِرَق الإسلامية في حقيقة الإيمان أشدّ الاختلاف، فالأشاعرة والفقهاء يرَون أنّه عبارة عن تصديق الرسول بما جاء به جملةً وتفصيلاً، وأضاف المحدّثون إلى ذلك العمل بالأركان، وعند الجهميّة وجماعة من الفقهاء أنّه عبارة عن معرفة الله والرسول، ولازم هذا القول أنْ يكون من عُرف الله ورسوله ولَم ينطِق بالشهادتين مؤمناً، وعند الخوارج أنّ الإيمان هو العمل بما جاء به الرسول سَواء في ذلك الواجبات والمستحبّات، أمّا المعتزلة فأكثرهم أنّه تصديق وإقرار وعمل، فلا يوصف المسلم بالإيمان إلاّ إذا اجتمعت فيه هذه الخصال، ولذا فإنّهم لا يعدّون العاصي مؤمناً؛ لأنّ الإيمان تصديقٌ وعمل، كما لا يعدّونه كافراً لإقراره بالشهادتين، ولكونه مصدّقاً لِما جاء به الرسول من عند الله، وإذا مات كان من المخلّدين في النار، ولا يسمّى مسلماً إلاّ بقصد تمييزه عن الذمّيّين والمشركين لا مَدحاً ولا تكريماً (١) .

وقد عدّ المؤرّخون وكتّاب الفِرَق أبا حنيفة من المرجئة؛ لأنّه يرى أنّ الإيمان إقرارٌ باللسان وتصديق بالجنان ومنهما معاً يتكوّن الإيمان، كما يرى تلازم الإسلام مع الإيمان.

وجاء في مناظرةٍ جرَت بينه وبين الجهم بن صفوان - كما أوردها الحلّي في مناقب أبي حنيفة - إنّ مَن مات عارفاً بالله وصفاته، وأنّه واحدٌ لا شريك له ولم يقرّ بلسانه، مات كافراً من أهل النار، ولا يكون المؤمن مؤمناً حتى ينطق بما عرفه وآمن به.

وجاء عنه أنّه قسّم الإيمان إلى أقسام ثلاثة:

أحدها: أنْ يُصدّق بقلبه ويقرُّ بلسانه، وبذلك يصبح مؤمناً عند

____________________

(١) انظر أبا حنيفة للشيخ محمّد أبي زهرة ص ١٤٧ عن ابن أبي الحديد في شرح النهج.

٢٢٥

الله وعند الناس.

الثاني: أنْ يصدّق بقلبه ولا يقرّ بلسانه تقيّةً أو خوفاً فيكون مؤمناً عند الله وحده، ولا يكون مؤمناً عند الناس.

الثالث: أنْ يقرّ بلسانه ولا يصدّق بقلبه، فيكون مؤمناً عند الناس، وكافراً عند الله.

ومن ذلك يتبيّن أنّ الإيمان الكامل الذي يصحّ وصف الإنسان به، لابدّ فيه من الإقرار باللسان عنده، أمّا العمل بالطاعات فليس شرطاً في صدق الإيمان، وعلى أساس ذلك فقد ذهب إلى أنّ الإيمان لا ينقص ولا يزيد، ولا مجال لوصفه بأحد هذين الوصفين، ولكن التفاوت بفعل الطاعات وترك المحرّمات، وبذلك يحصل التفاوت والتفاضل بين الناس، أمّا مِن حيث الإيمان فلا مزيّةً لأحدٍ على آخر (١)، ومهما كان الحال فقد استدلّ الأشاعرة على أنّ الإيمان هو التصديق بما جاء به الرسول (صلّى الله عليه وآله) ببعض الآيات الدالّة على ذلك منها قوله تعالى:

( أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ ) وبقوله: ( وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) وقوله: ( إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ) ، وغير ذلك من الآيات التي تنصّ على أنّ الإيمان ينبع من القلب وحده، كما استدلّوا أيضاً ببعض الآيات التي ورد العمل فيها معطوفاً على الإيمان، محتجّين بذلك بأنّ العطف يقتضي المغايرة، وأضافوا إلى ذلك أنّ بعض الآيات تؤكّد أنّ الإقرار باللسان لا يجدي في صدق الإيمان، قال تعالى: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ) ، وقال في آيةٍ أُخرى: ( قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) (٢) ، أمّا القائلون بكفاية الإقرار باللسان في صِدْق الإيمان، فقد استدلّوا بما تواتر عن الرسول (صلّى الله عليه وآله) حيث أنّه كان يكتفي بالإقرار بالشهادتين في ترتيب أحكام الإيمان والإسلام بمجرّد ذلك، وبدون تفحّص عمّا وراء الإقرار باللسان (٣).

____________________

(١) انظر أبا حنيفة لأبي زهرة ص ١٧١ وما بعدها.

(٢) ولا يخفى أنّ الآيات التي استدلّ بها الأشاعرة، لا تدلّ على أكثر من اعتبار التصديق في الإيمان، ولا دلالة فيها على أنّ الإقرار باللسان ليس معتبراً فيه.

(٣) القائلون بذلك هم الكرامية.

٢٢٦

وجواب هؤلاء ما جاء في الآية الكريمة: ( قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) ، فقد نصّت على عدَم كفاية الإقرار باللسان في صحّة وصف المسلم بالإيمان.

أمّا المعتزلة الذين قالوا بأنّ الإيمان تصديقٌ وإقرارٌ وعمل، فقد استدلّوا بالآيات التي تنصّ على أنّ الدين هو فِعْل الواجبات وترك المحرّمات، قال تعالى: ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ ) ، والإسلام هو الإيمان ولو كان غيره لم يكن مقبولاً؛ لقوله تعالى: ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) ، فالإيمان المغاير للإسلام غير مقبولٍ عند الله.

كما استدلّوا على ذلك أيضاً ببعض الأحاديث مثل قولهِ (صلّى الله عليه وآله): (لا يزني الزاني وهو مؤمن)، وغير ذلك ممّا يدل أنّ المعصية تتنافى مع الإيمان، وأضافوا إلى ذلك أنّ الإيمان لو كان هو التصديق وحده، لزِم أنْ لا يصدِق على النائم والساهي، لعدَم كونه مصدّقاً في هذه الحالة (١).

أمّا الإمامية فقد ذهبوا إلى أنّ الإيمان هو التصديق بالله وحده وصفاته وعدله، وبالنبوّة وكلّ ما جاء به النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وأضافوا إلى ذلك التصديق بإمامة الاثني عشر، والمنسوب إلى المحقّق الطوسي المعروف بخاجا نصير المِلّة والدين، أنّ الإيمان عبارة عن التصديق بهذه الأُمور مع الإقرار باللسان، قال ولا يكفي الأوّل، لقوله تعالى: ( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ) ، حيث إنّه أثبت للكفّار التصديق القلبي مع جحودهم بها بألسنتهم، ولا يكفي الثاني لقوله تعالى: ( قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ) ، ولقوله: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ) ، ففي الآيتين أثبت لهم التصديق باللسان، ونفى عنهم الإيمان (٢).

وكلامه في قواعد العقائد ينصّ على أنّه عبارة عن التصديق بالقلب، قال: إنّ أُصول العقائد عند الشيعة ثلاثة: التصديق بوحدانيّة الله تعالى

____________________

(١) انظر المواقف ج ٤ ص ٢٢٢ وما بعدها.

(٢) انظر حقائق الإيمان للشهيد الثاني زين الدين العاملي ص ١٢٣، وعبارته في التجريد الذي شرحه العلاّمة تنصّ على ذلك ص ٢٧٠.

٢٢٧

في ذاته، والعدل في أفعاله، والتصديق بنبوة الأنبياء، والتصديق بإمامة الأئمّة المعصومين من بعد الأنبياء (عليه السلام)، ولم يعتبر الإقرار شرطاً فيه، لقوله تعالى: ( أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ ) ، ولقوله: ( وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) ، فمِن هاتين الآيتين يُستفاد أنّ محلّه القلب بدون شيءٍ آخر، نعم يكون الإقرار باللسان كاشفاً عنه في الغالب، والعمَل بالطاعات من ثمراته ولوازمه، وليس ببعيد أنْ يكون اعتبار الإقرار شرطاً فيه، عند القائلين بذلك من الإماميّة باعتبار أنّه كاشف عنه في الغالب، لا من جهة أنّه داخل في حقيقته، ولا سيما بملاحظة بأنّ المعتقد بوجود الله ووحدانيّته ورسله، إذا مات قبل أنْ ينطق بالشهادتين، أو منعه مانع عن النطق بهما، لا يلتزمون بأنّه يموت كافراً (١).

وكما ذكرنا يُمكن أنّ يكون الإقرار شرطاً في تحقّق الإيمان ظاهراً، ويكون كاشفاً عن واقع حاله، والحكم عليه بالإيمان ظاهراً موقوف على الإقرار بما اعتقده واطمأنّ به؛ لأنّ التعبير عمّا في النفس لا يكون في الغالب إلاّ بالكلام، ومهما كان الحال فالذي ذهب إليه أكثر الإمامية من المتقدّمين منهم والمتأخّرين أنّه عبارة عن التصديق بالقلب، وليس الإقرار باللسان جزءاً من حقيقته، وكلّهم متّفقون على أنّ العمل بالطاعات وترك المحرّمات ليسا من أركانه، ولا يتوقّف عليهما.

وقد أورد الشهيد الثاني بعض الآيات والأحاديث المؤيدة لذلك، وفي بعض الآيات وردت الأعمال معطوفةً على الإيمان، والعطف مقتضٍ للمغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، وأضاف إلى الآيات والأحاديث الإجماع أيضاً، قال: إنّ الأُمّة أجمعت على أنّ الإيمان شرطٌ لسائر العبادات والأعمال المقرِّبة من الله سبحانه، ولو كان العمل بالطاعات من أركان الإيمان، لزِم أنْ يكون الشيء شرطاً لنفسه (٢) .

وجاء في بعض المرويّات عن الأئمّة (عليهم السلام) في تحديد الإيمان، انّه تصديقٌ وإقرارٌ وعمل، فمِن ذلك ما رواه حمّاد بن عثمان، عن عبد الرحيم القصير قال: كتبت مع عبد الملك بن أعيَن إلى أبي عبد الله (عليه السلام) أسأله عن الإيمان، ما هو؟ فكتب إليّ مع عبد الملك بن أعيَن: (الإيمان هو الإقرارُ باللسان،

____________________

(١) انظر ص ١٠٣ و١٢٦ من حقائق الإيمان.

(٢) انظر الكتاب المذكور ص ١١٣ و١١٤.

٢٢٨

وعقد القلب، وعملٌ بالأركان، والإيمان بعضه من بعض).

وجاء في رواية محمّد بن مسلم عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: سألته عن الإيمان، فقال: (شهادة أنْ لا إله إلاّ الله، وإقرارٌ بما جاء مِن عند الله وما استقرّ في القلوب من التصديق بذلك)، فقلت له: أليس الشهادة عملاً؟ قال: (بلى)، قلت: العمل من الإيمان؟ قال: (نعم، لا يكون الإيمان إلاّ بعمل، والعمل منه).

وجاء في روايةٍ أُخرى عن عجلان بن أبي صالح، أنّه الشهادتان والإقرار بما جاء من عند الله، والصلاة والزكاة وصوم شهر رمضان، وحجّ البيت وولاية وليّنا، والدخول مع الصادقين (١) هذه الروايات بالإضافة إلى ضعف سندها لا تدلّ على أنّ العمل داخلٌ في حقيقة الإيمان، ومِن الغريب أنّها في مقام تحديد الإيمان الكامل الموجب للنعيم الدائم، ويؤيّده أنّه ذكر سائر الواجبات وأضاف إليها الدخول مع الصادقين وعداوة عدوّهم، ولا شكّ بأنّ القيام بجميع هذه الأعمال، والالتزام بها يكشف عن أعلى مراتب الإيمان بالله، والتصديق بما جاءت به رسله وكتبه.

وكما وقَع الخلاف بين الفِرَق الإسلامية في حقيقة الإيمان، وقَع الخلاف بينهم في أنّ الإيمان والإسلام متّحدان أو متغايران، وقد نَسب الشيخ المفيد إلى الإمامية أنّهم يقولون بأنّ الإسلام مغاير للإيمان بنحوِ العموم والخصوص المطلق.

قال في أوائل المقالات: (واتّفقت الإمامية أنّ الإسلام غير الإيمان، وأنّ كلّ مؤمنٍ مسلم، وليس كلّ مسلمٍ مؤمناً، وأنّ الفَرْق بين هذين المعنيَين في الدين كما كان في اللسان، ووافقهم على هذا القول المرجئة وأصحاب الحديث، وأجمعت المعتزلة وكثير من الخوارج والزيدية على خلاف ذلك، وزعموا أنّ كلّ مسلمٍ مؤمن، وأنّه لا فَرْق بين الإسلام والإيمان في الدين) (٢).

ويلزمهم على هذا أنّ يكون المُقصّر في أداء الواجبات والطاعات خارجاً عن الإسلام والإيمان؛ لأنّهم اعتبروا في حقيقة الإيمان فعل الواجبات وترك المحرّمات، وإذا كانا متّحدين لزِم أنْ يكون المقصّر خارجاً عنهما، ولا يلتزم بذلك أحد من المسلمين، حتى المعتزلة أنفسهم، فإنّهم لا يمنعون من وصف

____________________

(١) نفس المصدر ص ١٢٢.

(٢) انظر أوائل المقالات للمفيد ص ١٥.

٢٢٩

العُصاة بالإسلام.

وقد وافقهم على ذلك المحقّق الطوسي المعروف بخاجا نصير الدين، فقد نقل عنه الشهيد الثاني في رسالته المسمّاة (حقائق الإيمان) أنّ الإسلام والإيمان متّحدان حقيقةً، ولكنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) قد رتّب أحكام الإسلام على من يقرّ بالشهادتين بمجرّد إقراره بهما ما لَم يعلم كذِب المقِر، تسهيلاً على الناس ودفعا للحرَج، واستدلّ على ذلك بأنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) كان يكتفي بهما في ترتيب أحكام الإسلام.

وأيّد اتحادهما حقيقة بقوله تعالى: ( فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) .

والاستدلال بهذه الآية إنّما يصحّ بناءً على أنّ غير بمعنى الاستثناء المتّصل المفرّغ، وعليه يكون حاصل الكلام (فما وجدنا فيها من بيوت المؤمنين إلاّ بيتاً من المسلمين)، ومِن المعلوم أنّه لم يكن فيها يومذاك إلاّ بيتِ النبيّ لوط، وهُم الذين أخرجهم منها قبل إنزال العقوبة على تلك المدينة، ولابدّ وأنْ يكون المستثنى المتّصل من جنس المستثنى منه ومن مصاديقه، ولازم ذلك اتّحاد المؤمن والمسلم، إذ لا يُمكن في المقام فرض عموم المستثنى، كما وأنّه لم يقل أحد بأنّ الإيمان أعمّ من الإسلام (١).

وقد رجّح الشهيد الثاني اتحادهما، ولكنّ الظاهر من بعض الآيات ومن معاملة النبيّ لِمَن أقرّ بالشهادتين معاملة المسلم، أنّ الإسلام أوسَع واعمّ من الإيمان، وقد جاء عنه أنّه قال: (أُمرت أنْ أُقاتل الناس حتى ينطقوا بكلمة الشهادة، فإذا نطقوا بها كففت عنهم) ، هذا بالإضافة إلى أنّ الإسلام والإيمان من الأُمور الاعتبارية الراجعة إلى من بيده الاعتبار، وقد أطلق مَن بيده الاعتبار لفظ الإسلام على من اقرّ بالشهادتين، وظاهر هذا الإطلاق انّه كان على سبيل الحقيقة، ولم يثبت انّه أطلقه عليهم تجوزاً باعتبار ترتيب

____________________

(١) انظر حقائق الإيمان ص ١٣٩، ولا يخفى أنّ الاستثناء الوارد في هذه الآية لا يدلّ على اتحادهما ويكفي في صحّته تصادق المستثنى والمستثنى منه على هذا الفرد، ولا ينافي ذلك كون الإسلام أعمّ من الإيمان.

٢٣٠

أحكام الإسلام لا غير، أمّا الإيمان فحيث لم يتساهل في وصفهم به، ونفاه عن بعض من لم يكن مستقرّاً في قلوبهم، لذلك كان لابدّ فيه من التصديق بما جاء به الإسلام جملة وتفصيلاً.

مرتكب الكبيرة

لقد كان اتصال العرب بغيرهم من الأُمم التي غزاها الإسلام، وخضعت لسلطانه وأنظمته، هذا الاتصال كان بداية لحياة جديدة، وتطوّر شمل جميع مرافق الحياة، سَواء في ذلك الاقتصادية والاجتماعية والفكرية، وظهرت آثار هذا التحوّل في حياة المسلمين وتفكيرهم وجميع اتجاهاتهم في العصر الأموي الأوّل، فكان هذا الدور بداية لنهضة واسعة تمّ تكاملها، وأينعت ثمارها بعد استقرار الأُمور في يد العبّاسيّين.

ويبدو ذلك واضحاً عندما نلاحظ ذلك النشاط الفكري الذي قطع أشواطاً بعيدة في أقلّ من ربع قرن من الزمن، فأنتج الفكر العربي الإسلامي في مختلف العلوم الإسلامية، وتخطّاها إلى بقيّة العلوم التي لم يَعرِف عنها العرب قليلاً ولا كثيراً قبل تلك الفترة من تاريخهم.

وكان الصراع العقائدي بين الفِرَق والمذاهب الإسلامية، يحتلّ القسم الأكبر من تفكيرهم، ولعِب المعتزلة دوراً بارزاً في هذا الميدان، وأصبحوا بنظر الكتّاب والمؤلّفين الزعماء الأقوياء لتلك الحلقات العلمية الواسعة الأطراف.

وعلى كلّ حال فقد ذكرنا سابقاً أنّ طلائع مذهب الاعتزال قد أطلت في العصر الأموي بواسطة واصل بن عطاء الزعيم الأوّل من زعمائهم، كما يدّعي أكثر الكتّاب، وكان من روّاد مجالس الفقهاء في البصرة، كما كان التلميذ المقرّب من الحسن البصري شيخ البصرة وصاحب الحلقة الشهيرة، التي كانت تجري فيها مختلف البحوث العلمية والفكرية.

وفي ذلك العصر كان الخوارج يعلنون تكفير العُصاة والحكّام الأمويّين، ولمّا شاعت مقالتهم بين الناس وأصبحت موضع جدَلٍ بين العلماء والفقهاء،

٢٣١

لم يكن لهم غنىً عن الرجوع إلى الحسن البصري، فجرى فيها البحث في مجلسه، وكثرت فيها الآراء والأقوال، فقال الحسن البصري: هو منافق لأنه أظهر الإيمان وأبطن الكفر، ووقف واصل بن عطاء في مجلس شيخه وادعى بأنّه في منزلةٍ بين المنزلتين، فلا يصحّ وصفه بالإيمان؛ لأنّ الإيمان تصديقٌ وإقرارٌ وعمَل، ولا بالكفر؛ لأنّه مقرٌّ بالشهادتين، ويقوم ببعض الطاعات.

ولمّا احتدم النزاع بينه وبين أُستاذه في هذه المسألة اعتزل مجلس أُستاذه، واستقلّ في زاويةٍ من زوايا المسجد، هو وأتباعه ومعه صهره عمرو بن عبيد - أحد أقطاب المعتزلة في عصره - فقال الحسن البصري: لقد اعتزَلَنا واصل، فأصبح هذا الوصف عَلَماً على كلّ مَن يرى رأيه في هذه المسألة، كما يدّعي أكثر كتّاب الفِرَق والمذاهب، وفي ذلك يقول واصل بن عطاء:

إنّ الإيمان عبارة عن خصال إذا اجتمعت في الإنسان يكون مؤمناً، وصاحب الكبيرة لم يستكمل تلك الخصال، فلا يسوغ وصفه بالإيمان، كما لا يصحّ وصفه بالكفر؛ لأنّه مصدّقٌ بالله ورسوله، ويصحّ أنْ نسمّيه مسلماً يتميّز عن الذمّيّين الذين لا يقرّون بالشهادتين، وأضاف إلى ذلك أنّ مرتكب الكبيرة يُخلّد في جهنّم، ووافقه على ذلك جميع المعتزلة، وقد أدعى أبو زهرة أنّ المعتزلة يذهبون إلى أنّ مرتكب الكبيرة يُعذّب في جهنّم بمقدار جرمه ونسب القول بالخلود في جهنّم إلى واصل بن عطاء وحده (١)، وهذا الرأي مخالفٌ لنصوصهم ولإجماع كتّاب الفِرَق والمؤرّخين.

وقد خالَف المعتزلة في ذلك المرجئة وجميع أهل السنّة، والإمامية، وقد ذكرنا أنّ غلاة المرجئة يدّعون بأنّه لا تنفع مع الكفر طاعة، كما لا تضرّ مع الإيمان معصية مهما كان نوعها، أمّا المحدّثون والفقهاء والأشاعرة فقد قالوا بأنّ مرتكب الكبيرة لا يخرج عن الإيمان لمجرّد ذلك، وتبقى له صفة الإيمان؛ لأنّه تصديقٌ بالله ووحدانيّته ورسله وكتبه.

ومهما كان الحال فقد استدلّ المعتزلة لإثبات مذهبهم، بأنّ الإيمان تصديقٌ وإقرارٌ وعمَل، فإذا لم يعمَل يختل ركن من أركان الإيمان فلا يكون مؤمناً، كما لا يكون كافراً في ظاهر الحال، لإجماع الصحابة والتابعين،

____________________

(١) انظر الإمام الصادق ص ١٥٠.

٢٣٢

والفقهاء في جميع العصور على معاملته معاملة المسلمين، وقد ذكرنا أنّه من اللازم أنّه يكون كافراً بمقتضى تحديدهم للإيمان، ولكنّهم توسّعوا في وصفه بالمسلم تمشّياً مع السيرة المستمرّة بين المسلمين في ترتيب آثار الإسلام عليه (١) وقد ذكرنا سابقاً رأي الخوارج في هذه المسألة في أثناء حديثنا عنهم (٢).

أمّا الإمامية فقد ذهبوا في هذه المسألة إلى أنّ مرتكب الكبيرة لا يخرج عن الإيمان بالمعصية مهما كان نوعها؛ لأنّه لا يُعتبر في الإيمان أكثر من التصديق بالقلب عند أكثر الإمامية، وقد ذكرنا أنّ بعضهم أضاف إليه الإقرار باللسان (٣)، فالعُصاة إذا لم يبلغ بهم الحال إلى الجحود والتشكيك لا يخرجون عن الإيمان، وبذلك يلتقي الإمامية مع الأشاعرة ومع المعتدلين من المرجئة، وهم مرجئة أهل السنّة - كما ذكرنا ـ، أمّا القائلون بأنّ الإيمان لا تضرّ معه معصية، فهؤلاء فرقة مستقلّة بنفسها؛ لأنّ الإيمان وحده عندهم يغفر الذنوب جميعاً، كما يمحق الكفر جميع الطاعات والأعمال الصالحات (٤).

وأسوأ منهم حالاً بعض متطرّفي المرجئة القائلون بأنّ الإيمان هو المعرفة، فمَن كان عارفاً بالله ورسله وبما جاءوا به، لو أعلن الكفر بلسانه، وعبَد الأوثان أو اعتنق اليهودية والنصرانية في دار الإسلام، ومات على ذلك كان كامل الإيمان، وقد تبرّأ الشيعة وأئمّتهم من هؤلاء وغيرهم ممّن استهانوا بمبادئ الإسلام، وسهّلوا للعُصاة أتباع الشهوات والأهواء، ولعنوهم في النوادي والمجتمعات، وأوضحوا للناس آراءهم ومعتقداتهم بدافع الحرص على مبادئ الإسلام، والغيرة على الأحكام التي فرضها الله على الناس، وحذّرهم من مخالفتها، وتوعّدهم بالعقاب الأليم إذا انحرفوا عنها، وجاء عن زيد بن علي بن الحسين (عليه السلام) اللهمّ إنّي أبرأ إليك من المرجئة الذين أطمعوا الفسّاق في عفو الله.

ومهما كان الحال فالفِرَق الثلاث: الإمامية والمعتزلة والأشاعرة،

____________________

(١) انظر المواقف ص ٣٣٦ وما بعدها وشرح التجريد ص ٢٧٠.

(٢) راجع الفصل الذي وضعناه للبحث عن الفرق الإسلامية.

(٣) القائل بذلك هو الطوسي في تجريده ومعه جماعة من المتقدّمين والمتأخرّين.

(٤) انظر شرح التجريد، والإمام الصادق لأبي زهرة ص ١٤٣ وما بعدها.

٢٣٣

متّفقون على أنّ مرتكب الكبيرة مستحقٌّ للعقاب إذا لم يتب من معصيته، ولكن المعتزلة يدّعون بأنّه من المخلّدين في جهنّم، والإمامية والأشاعرة يرون أنّ الخلود في جهنّم لا يكون إلاّ للكافرين بالله؛ لأنّ العدل الإلهي يقضي بأنّ لا يضيع على الإنسان شيءٌ من أعماله، وقد جاء في بعض الآيات أنّ الله لا يضيع أجر مَن أحسن عملاً، وأنّه لا يضيع عملَ عاملٍ من ذكر وأنثى، وقال تعالى: ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ) ، ( وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلاّ مِثْلَهَا ) ، هذا بالإضافة إلى أنّ ما يدعيه المعتزلة يؤدّي إلى نسبة أسوأ أنواع الظلم إلى الله سبحانه؛ لأنّه على حسب زعمهم يلزم أنْ يخلّد في جهنّم مَن عبَد الله مخلصاً عشرات السنين لمجرّد أنّه ارتكب كبيرةً في آخر حياته، وهذا من الظلم الفاحش الذي لا يقرّه العقل، ولا يتّفق مع النصوص القرآنية والنبوية (١).

واستدلّ المعتزلة على استحقاق مرتكبي الكبيرة للعقاب الدائم، بالإضافة إلى مبدأ الإحباط الذي بنوا عليه، بأنّ استحقاقهم العقاب الدائم مضرّةٌ خالصة، واستحقاقهم الثواب منفعةٌ خالصة دائمة، والجمع بين الاستحقاقين محال عقلاً، كالجمع بين الثواب والعقاب، ولابدّ من انتفاء أحدهما، وقد فرضنا أنّه يستحقّ العقاب على فعلِ الكبيرة، وإذا وجِد أحد الأمرين المتنافِيَين لابدّ من انتفاء الثاني.

وأُجيبوا على ذلك، بأنّ هذا النوع من الاستدلال من المغالطات التي لا ترتكز على أساسٍ صحيح؛ لأنّ القائلين بأنّ مرتكب الكبيرة لا يُخلّد في جهنّم، يدّعون الترتيب الخارجي بين الاستحقاقين بمعنى أنّه يُعذّب أوّلاً بمقدار جرمه، ثمّ ينتقل إلى النعيم مكافأةً له على أعماله الصالحات، والمنافاة التي يدّعيها الخصم إنّما تلزم لو قيّدنا الاستحقاق بالدوام، ولا موجب لهذا التقييد، على أنّ هذا الدليل على تقدير سلامته، لا يُلزم الأشاعرة بشيء؛ لأنّهم يدّعون بأنّ الإنسان لا يستحقّ شيئاً على أعماله، ولله أنْ يُعاقب المطيع ويثيب العُصاة (٢).

____________________

(١) انظر الفصول المختارة من كتاب العيون والمحاسن للمفيد ص ١٣٢ وشرح التجريد ص ٢٦١.

(٢) انظر المواقف ج ٤ ص ٣٠٤.

٢٣٤

واستدلّ المعتزلة أيضاً بقوله تعالى: ( وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا ) ، وبقوله: ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا ) ، ولكنّ الإنصاف أنّ هذه الآيات ليست نصّاً فيما يدّعيه المعتزلة، فإنّ الخلود الوارد فيها يمكن أنْ يُراد منه طول المكث في جهنّم، كما يُمكن أنْ يكون لخصوصيّةٍ في قتلِ المؤمن ومعصية الله والرسول، تلك الخصوصية تكشف عن كُفر هذا النوع من العُصاة، وعلى أيّ الأحوال لابدّ من تأويل هذه الآيات بما يتناسب مع عدل الله سبحانه ولطفه بعباده.

الوعد والوعيد

هذه المسألة من المسائل الخَمس التي يُبنى عليها مذهب الاعتزال، قال أبو الحسن الخيّاط في كتابه الانتصار: وليس أحدٌ يستحقّ اسم الاعتزال حتى يجمع الأُصول الخمسة: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنزاع في وجوبها عليه سُبحانه وعدمه لا يجري على مذهب الأشاعرة؛ لأنّهم يدّعون أنّ الإنسان لا يستحقّ على الله شيئاً، ولا يقبح من الله شيء أيضاً، ومع أنّه قد وعد المطيعين بالثواب تفضّلاً منه، وتوعّد العُصاة بالعقاب لا يجب عليه شيء ممّا وعده أو توعّد به، وله أنْ يُعذّب المطيع ويثيب العُصاة، وإنّما يصحّ النزاع فيها عند القائلين باستحقاق المطيعين والعاصين للثواب والعقاب.

وقد ذهب المعتزلة إلى وجوب الوفاء عليه تعالى بوعده ووعيده، فيجب عليه تعذيب العُصاة، وإعطاء المطيعين ما وعدهم به، واستدلّوا على ذلك، بأنّه سبحانه قد توعّد بالعقاب على المعاصي، وأخبرهم بنوع العقاب الذي يستحقّونه، فلو قلنا بعدَم وجوب الوفاء عليه لزِم الخُلف والكذِب فيما أخبر به وكلاهما قبيح عليه تعالى، وأيضاً لو علم الناس بأنّ الله سيعفو عنهم، وأنّ العقاب الذي وعد به قد لا يحصل، تضعف من

٢٣٥

نفوسهم دوافع الامتثال، فإنّ الكثير من الناس لولا خوفهم من العقاب، واعتقادهم بوقوعه لا يطيعون حُكماً، ولا ينتهون عن معصيةٍ ينهى عنها الله.

وأُجيبوا على ذلك بأنّ عدَم الوفاء بما توعّد به لا يُعدّ خلفاً منه بنظر الناس، بل يرونه مستحسناً؛ لأنّه من باب العفو والإحسان اللذين هما من حقوقه ومِن صفاته الثابتة لذاته تعالى، وقد أخبر عن نفسه بأنّه الغفور الرحيم وأنّه لا يغفر أنْ يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لِمَن يشاء من عباده ، ولو افترضنا أنّ ذلك يُعد خلفاً، لو افترضنا ذلك، فليس كلّ خلف قبيحاً؛ لأنّ هذا النوع من الخلف مستحسن عند العقلاء والناس أجمعين، إلاّ عند المعتزلة (١) .

وقال الإمامية: يجب على الله أنْ يفي بما وعَد ولا يجب عليه الوفاء بما توعّد به؛ لأنّ وجوب الوفاء بالوعد من العدل والإنصاف الواجبين عليه تعالى، هذا بالإضافة إلى أنّ التكاليف إنّما شُرّعت لمنفعة العباد، ويجب عليه إيصال النفع لهم، على أنّ عدَم الوفاء مستقبَح بنظر الناس والعقلاء، ولا يجب عليه أنْ يفي بما توعّد به؛ لأنّ العقاب حقٌّ له سبحانه، وله أنْ يسقطه باعتباره حقّاً مملوكاً له، وقد دلّت النصوص المرويّة عن أئمّة الشيعة على ذلك، فقد جاء في بعض المرويّات عنهم أنّ أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: (إنّ رسول الله قال: مَن وعده الله ثواباً على عملٍ فهو منجزه له، ومَن أوعده على عملٍ عقاباً، فهو فيه بالخيار).

وقال إبراهيم بن العبّاس: كنّا في مجلس الإمام الرضا (عليه السلام) نتذاكر فيما يدّعيه المعتزلة في الكبائر، وأنّها لا تغفر لهم، فقال الإمام الرضا: (قال أبو عبد الله الصادق: لقد نزَل القرآن بخلافِ قول المعتزلة، قال سُبحانه: ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ ) ).

وجاء عن محمّد بن عمر أنّ الإمام موسى بن جعفر قال: (لا يخلّد في النار إلاّ أهل الكفر والجحود، وأهل الشرك والضلال) (٢).

____________________

(١) انظر الفصول المختارة من العيون والمحاسن، والمواقف ص ٣٠٤.

(٢) انظر كتاب التوحيد للصدوق محمّد بن بابويه القمّي ص ٢١٧ و٢١٨.

٢٣٦

البَداء

لقد شاع بين الكتّاب والباحثين في العقائد على اختلاف فِرَقهم، أنّ البَداء من مختصّات الشيعة، وأنّه من عقائدهم التي يؤمنون بها، وأوّل من قال به المختار الثقفي على حدّ زعمهم، وجاء في التعليقة على الملل والنحل للشهرستاني، أنّ الكيسانية، قد نسبوا البَداء إلى الله حينما بعث مصعب بن الزبير جيشاً مجهّزاً إلى غزو المختار، فأرسل إليه المختار جيشاً بقيادة أحمد بن شميط مؤَلّفاً من ثلاثة آلاف مقاتل، وقال لهم: قد أُوحي إليّ أنّ الظفر سيكون لكم، ولمّا انهزم ابن شميط، بعد المعارك التي دارت بينه وبين مصعب بن الزبير، قال له المختار: إنّ ربّي قد وعَدَني النصر، ثمّ بدا له، وتلا عليه قوله تعالى: ( يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) .

وكان في بعض الأحيان يخبر أصحابه بأُمور ينسبها إلى الله يستغل بذلك المغفّلين والبسطاء من أتباعه، فإذا انكشف لهم خلاف ما أخبر به، قال لهم: بدا لربّكم (١)، ويبدو مِن رواية الشهرستاني وغيره من المؤلّفين في الفِرَق، أنّ المختار أوّل من قال بالبَداء ونسبه إلى الله ليخدع العوام والسذَّج من أتباعه، وقد راجت مقالته هذه بين الشيعة وأصبحت من عقائدهم، وقال بها الإمامية ونسبوها إلى أئمّتهم (عليهم السلام)، وعدّها المؤلّفون وأهل السنّة وصمةً على التشيّع، ولا سيّما بعد أنْ فهموا منه تبدّل إرادة الله سبحانه وتجدّد علمه بالأصلح والأحسن.

ووجدوا من الشيعة من يقول به، عمَلاً ببعض المرويّات عن الأئمّة (عليهم السلام)، وقبل أنْ نبيّن المعنى المراد من البّداء الوارد في أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) والذي يقول به الشيعة، لابدّ من بيان المعنى الذي يتحمّله هذا اللفظ، لقد وردت هذه الكلمة في القرآن والحديث، قال تعالى: ( وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ) ، وقال: ( وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا ) ، وهو في الآيتين بمعنى الظهور والإبانة، وقد يطلق ويراد منه تغير الإرادة وتبدّل العزَم تبعاً لتغير العلم، وهذا هو البَداء المنسوب إلى الإمامية على حدّ زعم أهل السنّة وبعض الكتّاب، وهو الذي أحدثه المختار الثقفي كما جاء في مرويّاتهم.

____________________

(١) انظر الملل والنحل ج ١ ص ٢٣٨ والتبصير في الدين ص ٣٧.

٢٣٧

وقد يطلق ويراد منه تعليق أمرٍ على آخر، ولازم ذلك عدم حصول المشروط إذا لم يحصل الشرط، وقد ورد في جملة من المرويّات عن الأئمّة، أنّ مَن وصّل رحِمه مدّ الله في حياته، وضاعف له الرزق، ومعنى ذلك أنّ الله جعل لصلة الأرحام هذه الآثار، فإذا أوجَد الإنسان هذا الأمر ترتّب عليه أثره وإنْ لم يحصل الأثر المجعول لِعَدم حصول شرطه، أمّا البَداء بمعنى تغير إرادته وتبدّل عزمه الناشئين عن تجدّد علمه، فلَم يَقُل به أحد من الشيعة ويرَونه ضلالاً وفساداً في العقيدة.

وأمّا البَداء بالمعنيَين الآخرين، فهو الذي يقولون به، ولا يلزم منه أيّ محذور بالنسبة إليه تعالى؛ لأنّ ظهور أمرٍ للإنسان كان خافياً عليه، أو تعليقَ أمرٍ على حصول شرطه كما ذكرنا بالنسبة إلى صلة الأرحام مثلاً، هذا النحو من البَداء المصطلح عليه عندهم، لا يلزم منه تبدّل في الإرادة، ولا تجدّد في معلوماته تعالى: والنصوص التي وردت عن الأئمّة حول البَداء، ليس فيها ما يمنع من إرادة هذا المعنى منه.

قال الشيخ المفيد في أوائل المقالات: الذي أقوله في البَداء هو ما يقوله المسلمون بأجمعهم في النسخ وأمثاله من الإفقار بعد الإغناء، والإمراض بعد الإعفاء، والإماتة بعد الإحياء، والزيادة في الآجال والأرزاق بسبب بعض الأعمال، والذي جوّز إطلاق لفظ البَداء على ذلك بعض الآيات والنصوص الواردة عن الأئمّة (عليهم السلام).

وقال الشيخ أبو جعفر الصدوق: فالمعنى في قول الإمامية بدا لله في كذا أي ظهر منه، وهو خاص فيما يظهر مِن الفعل الذي كان وقوعه مستبعداً بنظر الإنسان.

ومجمل القول أنّ البَداء بمعنى أنّ الله يقدر ويعلم ثمّ ينسخ ما قدّر وما علِم بأمرٍ آخر، هذا النوع من البَداء لم يقُل به الشيعة؛ لأنّه مستلزم لتغيّر علمه وتبدّل إرادته وعدَم إحاطته بما كان وسيكون، وجاء في الحديث عن منصور بن حازم قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام): هل يكون اليوم شيءٌ لم يكن في عِلم الله بالأمس؟ قال: (لا، مَن قال هذا أخزاه الله)، قلت أرأيت ما كان، أرأيت ما هو كائن إلى يوم القيامة، أليس في علم الله؟ قال: (بلى، قبل أنْ يخلق الله الخلْق).

وأمّا البَداء بالمعنيَين الآخرين فهو الذي يقولون به، كما تبيَّن ذلك من

٢٣٨

كلام الصدوق والمفيد، وقال في كنز الفوائد (١) : إنّ المراد من البَداء أنْ يظهر للناس خلاف ما توهّموه، وينكشف لهم غير ما كانوا يعتقدون من دوام الأمر واستمراره، وسُمّيَ بداءً لمشابهته لِمَن يأمر بالشيء أو يجزم به، ثمّ ينهى عنه في وقته.

وله مناظرة حوله مع أحد أعلام المعتزلة، أكّد له فيها أنّ البَداء الذي يقول به الشيعة لا يختلف عمّا يقول به غيرهم، إلاّ بالاسم، ولا يعنون به تبدّل إرادة الله وتغيّر علمه، فهو نظير ما لو أمَر السيّد عبده بعملٍ من الإعمال، فأظهر العبد استعداده للقيام بذلك العمل وإنجازه، وقبل أنْ يُباشر نهاه عن القيام به، فقد بدا للعبد غير ما كان يعتقد حيث إنّه اعتقد دوام إرادة السيّد وبقاءها، فلمّا نهاه عنه ظهَر له خلاف ما كان يعتقد، مع أنّ الآمر يعلم بإطاعته له وإقدامه على العمل، ولكنّه إنّما أمره به ليظهر للناس انقياده لأوامره.

ومِن أمثلة ذلك ما حكَاه الله سبحانه في كتابه الكريم عن إبراهيم وولده إسماعيل، حيث أوحى إليه في نومه أنْ يذبح ولده إسماعيل، ولمّا تهيّأ لذبحه وأظهر ولده رضاه واستعداده لتنفيذ أمر الله فيه، نهاه الله عن ذبحه، فقد بدا لإبراهيم بعد النهي غير ما كان يعتقده، وإرادة الله سُبحانه لم تتعلّق بالذبح وإنّما تعلّقت بمقدّماته من القصد، والقيام بكلّ ما يتوقّف عليه الذبح كأخذ السكّين ووضعها في العنق وغير ذلك، وقد أطلق على هذا النوع من العمل ذبحاً تجوّزاً وتوسّعاً في الكلام (٢) .

وفي مرويّات الشيعة عن أئمّتهم (عليهم السلام)، إنّه لابدّ من الإقرار لله بالبَداء فقد روى ابن أبي عمير عن مرازم بن حكيم أنّه قال: سمِعت أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) يقول: (ما تنبّأ نبيٌّ قط حتى يقرّ لله عزّ وجل بخمس: بالبَداء، والمشيئة، والسجود، والعبودية، والطاعة)، وقال الريّان بن الصلت: سمِعت الرضا (عليه السلام) يقول: (ما بَعث الله نبيّاً إلاّ بتحريم الخمر والإقرار له بالبَداء).

وجاء في رواية محمّد بن مسلم في تفسير البَداء، أنّه تعالى يقدّم ما يشاء ويؤخّر ما يشاء، وروى زرارة بن أعيَن عن الباقر (عليه السلام)، أنّ الإقرار

____________________

(١) محمّد بن عليّ الكراجكي المتوفّى سنة ٤٤٩ ص ١٠٣ و١٠٤ و١٠٥ والكراجكي هذا هو أحد أعلام الإمامية في القرن الرابع والخامس الهجري، وكان من تلاميذ الشيخ المفيد.

(٢) المصدر السابق ص ١٠٥.

٢٣٩

لله بالبَداء من أفضل أنواع الطاعات ؛ وذلك لأنّ الإقرار له بالبداء اعترافٌ له بالقدرة على كلّ شيء: الإحياء بعد الإماتة، والإفقار بعد الإغناء، والإمراض بعد الإعفاء، والزيادة في الآجال والأرزاق عند حصول أسبابها: فقد جاء في الحديث عن الرسول (صلّى الله عليه وآله): (لا يردّ القدَر إلاّ الدعاء، وأنّ الرجل ليُحرَم الرزق بخطيئة يعملها، ولا يزيد في العمر إلاّ البِر)، وإنّما يكون ذلك بعلم الله سبحانه وقضائه، فقد قضى أنّ العبد إذا أحسن لأرحامه يزداد عمره ويتّسع رزقه، ولا يلزم من ذلك تبدّل في إرادته ولا تغيّر في علمه، فكلّ ما يجري وما يكون قد أحاط به علمه، وسبَق فيه قضاؤه.

وقد روى العيّاشي عن ابن سنان أنّ أبا عبد الله الصادق قال: (إنّ الله يقدّم ما يشاء ويؤخّر ما يشاء، ويمحو ما يشاء، ويثبت ما يشاء وعنده أُمّ الكتاب)، ثمّ قال: (فكلّ أمرٍ يريده الله فهو في علمه قبل أنْ يصنعه، ليس شيء يبدو له إلاّ وقد كان في علمه، إنّ الله لا يبدو له عن جهل).

وفي بعض المرويّات عن الأئمّة (عليهم السلام) إنّ القضاء الحتمي المعبّر عنه باللوح المحفوظ، وبالعلم المخزون لا يُمكن أنْ يقع فيه البَداء، والذي يقَع فيه البَداء هو القضاء الموقوف على أنْ لا تتعلّق إرادة الله بخلافه، ومن المعلوم أنّ إرادة الله إنّما تتعلّق بخلافه باعتبار حصول بعض الأعمال، أو حصول شرط يقتضي محو ذلك الشيء وإثبات خلافه، فالبَداء في التكوينات كالنسخ في الشرعيّات لا يلزم منه محذور بالنسبة إليه تعالى، بل هو إقرارٌ له بالقدرة المطلقة على حدوث الأشياء وبقائها، وفي نفس الوقت لا يوجب انقطاع أمَل العبد بتوفيقه للطاعات وإبعاده عن المعاصي والمنكرات (١) .

____________________

(١) انظر البيان في تفسير القرآن للمرجع الأعلى للطائفة الشيعية السيّد أبي القاسم الخوئي ص ٢٧٢.

٢٤٠

الرجعة

لقد شذّت فئات من المنتسبين للتشيّع عن أُصوله ومبادئه وأفرطوا في آرائهم ونظريّاتهم في أُصول التشيّع، فغالى بعضهم في تعظيم الأئمّة من أهل البيت، وأرجفَ آخرون عليهم، فدسّوا في مبادئهم وتعاليمهم أُموراً ليست من أُصول التشيّع ولا مِن فروعه للتوصّل إلى أغراضهم وأهدافهم، التي لم يجدوا سبيلاً للوصول إليها، إلاّ عن طريق التشيّع والانتساب لأهل البيت، ووجَد أعداء أهل البيت وشيعتهم مجالاً لهم في طعن التشيّع، فاستغلّوا غلوّ المغالين في عليّ وبنيه، وأراجيف أُولئك المفترين على أهل البيت، وسذاجة أُولئك الضعفاء، الذين تتلقّف عقولهم كلّ ما يسمعون بدون تمحيص أو تحقيق.

لقد استعمل أعداء أهل البيت كلّ ما في وسعهم لإضعاف التشيّع وتشويه وجهه الصحيح، فوضعوا حوله مجموعة من الأكاذيب والافتراءات بالإضافة إلى مقالات بعض الفِرَق التي انتسبت إليه، وبقيَت تلك الافتراءات تتلاقفها الأجيال جيلاً بعد جيل، وتعيدها إلى الأذهان فِئات من الحاقدين والمستغلّين، عِلماً بأنّ التشيّع بريء مِن تلك الأباطيل، وبعيد عن تِلك الفِرَق المزعومة بُعد الحقِّ عن الباطل، والضلال عن الرشد.

لقد ماتت تلك الفِرَق في العصر الذي ولدت فيه، ولكنّ الكتّاب الموتورين ما زالوا يُحمّلون الشيعة أوزارهم، ويلصقون بهم هذَيانهم، ويتّخذون من تلك الأقوال والآراء وسيلة للطعن عليهم، مع العِلم بأنّ إحياء هذه المفتريات يثير الضغائن، ولا يخدم إلاّ أعداء الإسلام وأعوانهم.

لو أردنا أنْ نسلك طريقهم، ونحمّل أهل السنّة أوزار الفئات الشاذّة منهم، لوجدنا متّسعاً من القول ومنفذاً فسيحا يسهل لنا أنْ نلصق بهم مذاهب الفِرَق التي تفرّعت منهم، وآراء الأفراد الذين شذّوا في تفكيرهم وأدخلوا على العقيدة الإسلامية أبشع ممّا أدخله الغلاة، وبعض الفِرَق المنسوبة إلى التشيّع، فالحشويّون من السنّة وهم أكثر المحدّثين منهم، يدعون بأنّ لله جسماً كأجسام مخلوقاته، وأضاف بعضهم إلى ذلك بأنّه شكّا من وجع في عينيه، وأفرط آخرون منهم فقالوا: إنّ أهل الجنّة لا يعرفونه إلاّ إذا كشف لهم عن ساقه، وأنّ النمرود أصابه بسهم في رِجله ولا يزال أثره باقياً فيها.

وقال بعضهم: إنّه ينزل ليلة النصف من شعبان إلى سماء هذه الدنيا، ويراه الناس فيها إلى غير ذلك من الهذَيان والكفر المبين، وقد نسب إليه الأشاعرة الجور والظلم كما نسبوا إليه الجهل بالجزئيّات، ويجد المتتبّع

٢٤١

فيما أوردناه في المباحث السابقة مجموعة كبيرة من الآراء والمعتقدات التي تتنافى مع أهل التوحيد، فضلاً عن العقائد المستوحاة من كتاب الله وسنّة نبيّه (صلّى الله عليه وآله)، ومع ذلك فلا نجيز لأنفسنا أنْ نحمّل أهل السنّة أوزار تلك الآراء والمعتقدات ما داموا لا يؤمنون بها.

والشيعة مع أنّهم ينكرون أكثر الفِرَق المنسوبة إلى التشيّع، لو افترضوا وجودها في ظروف خاصة، فهم يتبرّأون منها ومن معتقداتها وآرائها، ومنذ الزمان الذي وجدت فيه وهم يعلنون وينادون بإلحادها، ولكن بدون جدوى وبدون إصغاء وإنصاف، فكلّ مَن كتَب عن تاريخ الإسلام، وعن الفِرَق الإسلامية لابدّ وأنْ يصوّر التشيّع بأقبح الصور، وأبعدها عن الإسلام الصحيح.

وإليك بعض الأمثلة من أُولئك الكتّاب: فالشيخ محمّد أبو زهرة مع أنّه من شيوخ أهل السنّة المعتدلين نسبياً، لقد تحدّث عن البَداء المنسوب إلى الشيعة، ونقل آراء الكبار من علمائهم فيه، تلك الآراء التي لا تتنافى مع آراء غيرهم إلاّ بالاسم على حدّ تعبيره، ومع ذلك فقد نسب إليهم أنّهم يقولون في تفسير البَداء: أنّ الله يقدر ويعلم، ثمّ ينسخ ما قدّر وما علم، وأنّ إرادته وعلمه يتغيران ويتبدلان، وأضاف إلى ذلك أنّهم يفرّقون بين إرادته وعلمه، فهي تنجيزية حادثة تتغيّر وتتبدّل، بخلاف علمه فإنه أزَلي قديم لا يتغيّر ولا يتبدلّ (1)، مع أنّ هذا القول لم يقل به أحد من الإمامية، ولا هو موجود في كتبهم.

وإليك مثلاً آخر، قال أحمد أمين في فجر الإسلام: والحقّ أنّ التشيّع كان مأوى لكلّ مَن أراد هدم الإسلام لعداوة أو حقدٍ، ومنَ كان يريد إدخال تعاليم آبائه من يهودية وزرادشتية وهندية، ومَن كان يريد استغلال بلاده والخروج على مملكته، كل هؤلاء كانوا يتّخذون حبّ أهل البيت ستاراً يخفون وراءه كلّ ما شاءت أهواؤهم، فاليهودية ظهَرَت في التشيّع بالقول بالرجعة، وقال الشيعة: إنّ النار محرّمة على الشيعيّ إلاّ قليلاً، كما قالت اليهود لنْ تمسّنا النار إلاّ أيّاماً معدودات، ومضى يسرد آراء الشيعة كما يُريد أنْ يفهمها لا كما هي عند الشيعة، ويقارن بينها وبين آراء الأُمَم الأُخرى (2) ويحدّد موارد الالتقاء بينهما.

____________________

(1) انظر ص 237 من كتابه الإمام الصادق.

(2) انظر فجر الإسلام ص 276.

٢٤٢

أنّ حديث الرجعة الذي يراه السنّة وغيرهم وصمة على الإمامية، ومستورداً من اليهودية، إذا كانوا يعنون به ما يعتقده الإمامية في الإمام الثاني عشر محمّد بن الحسن العسكري، فالنصوص الشيعية تؤكّد بقاءه حيّاً موجوداً بين الناس في دنياهم الفسيحة الواسعة، وسيظهر في زمنٍ لا يعلمه إلاّ الله، فيحكم الناس بالحقِّ والعدل كما حكَم جدّه الرسول الأمين (صلّى الله عليه وآله)، وعقيدة المهدي المنتظر ليست من مختصّات الإمامية كما يبدو للمتتبّع في المذاهب والمعتقدات.

أمّا رجعة الأموات قبل المحشر فليست من عقائدهم، ولا من ضروريّات مذهبهم، مع العلم بوجود بعض المرويّات عن الأئمّة فيها، ولكن الكثير منهم يدّعون بأنّها من الموضوعات بين أحاديث أهل البيت، وأكثر الذين قالوا بصدورها عن الأئمّة (عليهم السلام)، التزموا بتأويلها وحملها على أقرب الاحتمالات التي لا تتنافى مع العقل، بعد أنْ أعرضوا عن ظواهرها، ولو تغاضينا عن كلّ ذلك وقلنا بأنّها من مختصّات الشيعة، أو الإمامية كما يدّعي بعض الكتّاب كأحمد أمين وأمثاله، ولكنّها ليست من مخترعاتهم، ولا هي مستوردة من اليهودية كما يدّعون؛ لأنّ حديث رجعة الأموات قد ردّده عمر بن الخطّاب في اليوم الذي توفّي به الرسول (صلّى الله عليه وآله) وذلك قبل وجود الكيسانية بستّين عاماً، وقبل اتصال الإمامية باليهود وغيرهم من الأمم الأخرى.

وقد سرَت مقالته بين آلاف المسلمين، وظلّوا يتلاقفونها جيلاً بعد جيل، فلقد روى جماعة من المؤرّخين أنّ عمر بن الخطّاب والمغيرة بن شعبة دخلا على الرسول (صلّى الله عليه وآله) حين وفاته، فقال المغيرة لعمر بن الخطّاب: (إنّ محمّداً قد مات)، فقال له: كذبت ما مات ولنْ يموت حتى يفني المنافقين، ثمّ أخذ يهدّد ويتوعّد كلّ مَن ادعى وفاة النبيّ ومضى يقول: إنّ رجالاً مِن المنافقين يزعمون أنّ رسول الله قد توفّي، وأنّه ما مات ولكنّه ذهَب إلى ربّه، كما ذهب موسى بن عمران، فلقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثمّ رجع، والله ليرجعنّ رسول الله فليقطعنّ أيدي رجال وأرجلهم، ومَن قال أنّه قد مات علَوت رأسه بسيفي هذا.

وبقيَ ساعات من النهار يربد ويرعد، ويقول: لقد غاب وسيرجع إلى قومه، كما رجَع موسى بن عمران، هذا والعبّاس بن عبد المطّلب عمّ الرسول وجماعة من المسلمين يؤكّدون له موته، كما ماتَ غيره من الرُسل والأنبياء، وتلا عليه عمر بن قيس بن زائدة بن الأصم قول الله تعالى:

٢٤٣

( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) ، ومع كلّ هذه المحاولات لإقناعه، فقد استمرّ في تهديده للقائلين بوفاته، وتوعّدهم بالانتقام بعد رجعته وعندما حضَر أبو بكر أقنعه بوفاة الرسول بمجرّد أنْ قرأ عليه قوله تعالى: ( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ) (1).

ومِن ذلك يتبيّن أنّ حديث الرجعة المنسوب إلى الشيعة قال به عمر بن الخطّاب قبل الكيسانية والإمامية، وسَواء كانت مقالته هذه عن نيّةٍ حسنة، أم كانت لإغراضٍ سياسية، كما تؤيّد ذلك الحوادث والملابسات التي اقترنت بمقالته، فالرجعة من مبتكراته، وقد سرَت بين المسلمين جيلاً بعد جيل، ومنه وحده أخذها الكيسانية إذا صحّ أنّهم يقولون بها، ومع أنّ حديث الرجعة قد رواه أكثر المحدّثين عن الخليفة الثاني ولا يجهله أحد من الكتاب والمؤرّخين في الفِرَق الإسلامية، فقد جعلوه من مختصات الشيعة، ومن آرائهم المستوردة من اليهودية.

ومجمل القول أنّ الرجعة ليست من معتقدات الإمامية، ولا من الضروريّات عندهم، والنصوص التي تعرّضت لها، لو صحّت عن الأئمّة (عليهم السلام) لابدّ من تأويلها برجوع سلطان الأئمّة ومبادئهم بظهور محمّد بن الحسَن الإمام الثاني عشر(عليه السلام).

____________________

(1) انظر عبد الله بن سبأ للسيّد مرتضى العسكري ص 42 عن طبقات ابن سعد، ومسند أحمد وأنساب الأشراف، وكنز العمّال، وتاريخ الذهبي واليعقوبي وأبي الفداء وابن شحنة، وسيرة ابن دحلان، وغير ذلك من المصادر الموثوقة عند أهل السنّة، التي أوردت حديث رجعة النبيّ إلى الدنيا كما ادعاها له عمر بن الخطّاب، وتناقلها الرواة في مختلف العصور، وانظر أيضاً شرح النهج لابن أبي الحديد ص 128 و 129.

٢٤٤

الخلاصة

من مجموع ما تقدّم في فصول هذا الكتاب لا أحسب أنّ القارئ المجرّد إذا استقصى مواضيعه استقصاءً كاملاً، وتتبّع آراء الفِرَق والمذاهب الإسلامية وقارن بينها، لا أحسب أنّه يبقى في شكٍّ من أمرِ أُولئك المأجورين الحاقدين على الشيعة وأئمّتهم، الذين شوّهوا الحقائق وسخّروا الأقلام لمصالحهم وشهَواتهم، وجرّدوا الشيعة حتى من أبرز خصائصهم ومميّزاتهم.

لقد قال بعضهم أنّ الإمامية عيال على المعتزلة في أُصول العقائد، ومقلّدون لهم فيها، وقال آخرون: إنّهم منهم في الأُصول، وأرسلوا هذه الأحكام وكأنّها من الضروريّات التي لا تقبل الجدَل ولا تحوم حولها الشُبهات، مع أنّ هذا الادّعاء ليس له ما يؤيّده مِن قريبٍ أو بعيد؛ لأنّ الإمامية منذ أقدم عصورهم كانوا ولا يزالون في طليعة الباحثين والمفكّرين والمؤلّفين، وفي العصر الذي شاع فيه الاعتزال بتأييد الحكّام ومساندتهم، في هذا العصر نبَغ من تلامذة الأئمّة في عِلمَي الحكمة والفلسفة المئات، وكانوا من ألدّ أخصام المعتزلة كما تنصّ على ذلك أوثق المصادر السنّية والشيعيّة، وقد أخذوا عن أئمّتهم (عليهم السلام) واعتمدوا على آرائهم في هذه المواضيع التي عُرِفت عنهم قبل مولد الاعتزال بعشرات السنين.

على أنّا لو أعرضنا عن كلّ ذلك، وعن انحرافات المعتزلة وشذوذهم،

٢٤٥

كما تدلّ عليه آراؤهم، لو أعرضنا عن ذلك ورجعنا إلى الأُصول الخمسة التي هي الأساس لمذهَب الاعتزال والتي بدونها لا يستحقّ أحدٌ هذا الوصف، لو رجعنا إلى ذلك وحده وأعرضنا عن كلّ ما قيل عنهم وما نُسِب إليهم، وقارنّا بين آراء الإمامية في التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لو قارنّا بين آراء الإمامية وآرائهم فيها لا نجد أصلاً من هذه الأُصول يلتقي فيه الطرفان التقاءً كلّياً، حتى في الأصل الخامس منها الذي نصّ عليه القرآن وأكّدته السنّة.

فقال الإماميّة: إنّهما أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان بالنصّ عليهما من الله سبحانه، كما ينصّ على ذلك قوله تعالى: ( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) .

وقول الرسول (صلّى الله عليه وآله): (لتأمرُنّ بالمعروف، ولتنهُنّ عن المنكر أو ليسلّطنّ الله شراركَم على خياركم فيدعو خياركم فلا يُستجاب لهم).

وقال المعتزلة بوجوبهما بحكم العقل لا غير، وذهب الجبائي إلى وجوبهما مطلقاً فيما يدرك العقل حسنه وقبحه، وقال ولده أبو هاشم: إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنْ ترتّب عليهما دفعُ ضررٍ عن الآمر والناهي - ولا يندفع عنهما إلاّ بالأمر - وجَبَا، وإلاّ فلا (1) .

وأمّا الأُصول الأربعة الباقية، فالتوحيد هو الأصل الأوّل عند المسلمين وفي جميع الشرائع والأديان، وقد وضَع له المعتزلة حدوداً تلتقي بظاهرها مع رأي الإمامية فيه، ولكنّهم ذهبوا في بعض مقالاتهم إلى ما ينافي حقيقة التوحيد، ومن ذلك ما جاء عنهم، أنّ الأشياء كانت قبل حدوثها أشياء، والجواهر كانت في حال عدمها جواهر، وكذا الإعراض أيضاً، فالسواد مثلاً كان قبل وجوده سواداً، والحرَكة قبل وجودها حركة، وجميع الأعراض قبل وجودها أعراضاً، وأضافوا إلى ذلك أنّ جميع الأشياء في حال عدمها

____________________

(1) انظر المواقف للإيجي المجلّد الرابع ص 275، وشرح التجريد للعلاّمة الحلّي ص 271 وقال في شرح التجريد بأنّهما لو وجَبا عقلاً لزِم أحد الأمرين، أمّا خلاف الواقع، أو الإخلال بحكمته تعالى، والثاني بقسميه باطل؛ لأنّهما لو وجَبَا عقلاً لوجبا على الله تعالى، ولو وجَبا عليه فإمّا أنْ يكون فاعلاً لهما أو غير فاعل، فإنْ كان فاعلاً لهما لزِم وقوع المعروف وانتفاء المنكر، وهو خلاف الواقع، وإنْ كان غير فاعلٍ لهما، كان مخلاًّ بواجبه، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً.

٢٤٦

ذوات كما هي في حال وجودها بلا فرْق بين الجواهر والأعراض، ولم تكن الأشياء أشياء، ولا الأعراض أعراضاً، ولا الجواهر جواهر بصنعِ صانعٍ وفعل فاعل، بل هما أعراض وجواهر؛ لأنّهما كذلك قبل وجودهما لا بصنع صانع، ولا بفعل فاعل، والصانع قد صنَع لها صفة الوجود لا غير.

وردّ عليهم الإمامية بأنّ الأشياء والأعراض والجواهر، إذا لم تكن أشياءً به ولا ذواتاً بفعله ولا جواهر وأعراضاً بصنعته، وأنّه لم يصنع إلاّ صفة الوجود كما تدّعون، فهل تلك الصفة التي صنعها الصانع نفس الجوهر والعرض أم أنّها شيءٌ آخر؟ فإذا كانت الصفة جوهراً وعرَضاً يكون الجوهر والعرض من فعله، وهو خلاف ما ذهبتم إليه، وإنْ قلتم: إنّها غيرهما، فهل هي شيءٌ أم ليست بشيء؟ فإنْ قلتم: إنّها شيء. يلزمكم أنْ تقولوا: إنّها في حال عدمها شيء، أنّكم ادعيتم إنّ الأشياء قبل وجودها أشياء كما ذكرنا، وإنْ قلتم: إنّها ليست بشيء. فقد نفيتم أنْ يكون الله قد فعل شيئاً، وهو الإلحاد بعينه.

وقد جاء عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) أنّه قال: (لعَن الله المعتزلة، أرادت أنْ توحّد فألحَدَت، ورامت أنْ ترفع التشبيه فأثبَتَت) (1).

أمّا العدل فلقد قالوا بأنّه من أُصولهم وفسّروه بأنّ الإنسان هو الذي يصنَع أفعاله بنفسه كما يدّعي القدرية، وقد ذكرنا أنّ القدر بهذا المعنى يُرادف التفويض، وقد تبنّى هذا الرأي وأصل بن عطاء وأكثر المعتزلة (2) وهؤلاء قد عزَلوا الله عن سلطانه، والقدر بمعنى التفويض يقابل الجبر الذي ذهب إليه الجهم بن صفوان ووافقه عليه المحدّثون والفقهاء والأشاعرة (3).

أمّا الإمامية، فالعدل من أركان الإيمان عندهم، بل ومن أُصول الإسلام، ولكنّهم يقولون بأنّ العبد موجدٌ لأفعاله، إلاّ أنّ مبادئ الفعل

____________________

(1) انظر كنز الفوائد لأبي الفتح محّمد بن عليّ الكراجكي ص 51، والظاهر أنّ الإمام يريد بقوله: (ورامت أنْ ترفع التشبيه فأثبتت)، أنّهم يقولون بأنّه شيءٌ لا كالأشياء، فأثبتوا له الشيئيّة وبذلك يصبح شبيهاً بالأشياء، وإنْ لم يشبهها إلاّ بالشيئية.

(2) قال الغزالي في أربعينه: إنّ المعتزلة أثبتوا لأنفسهم الاختيار الكلّي ونسبوا إلى الله العجز في ضِمن ذلك، فعلوا ذلك تحرّزاً من نسبة الظلم إلى الله فوقعوا في أقبح منه.

(3) انظر المجلّد الأوّل من الملل والنحل ص 252.

٢٤٧

من الإدراك والشوق، والقدرة على إيجاده في الخارج وغير ذلك ممّا لابدّ منه من المقدّمات التي يتوقّف عليها وجود الفعل، هذه المقدّمات من صنع الله سبحانه، والعبد قادر على إيجاد الفعل وتركه، إلاّ أنّ قدرته وجميع مباديه مخلوقة لله سبحانه فالفعل يستند إلى العبد كما يستند الإحراق إلى النار، مع أنّ النار لم تؤثّر الإحراق إلاّ بعد وجود بقيّة المقدّمات، وهذا هو المراد من الوسَط الذي عناه الإمام بقوله: (لا جبرَ ولا تفويض ولكن أمر بين بين).

أمّا الوعد والوعيد، فقد ذكرنا سابقاً أنّ الخلاف بين المعتزلة والإمامية في الوعيد، وأنّ المعتزلة قالوا بوجوب الوفاء به، وقال الإمامية بعدم وجوبه، وقال الإمام الرضا (عليه السلام) في ذلك: (لقد نزَل القرآن بخلاف قولِ المعتزلة في هذه المسألة، قال تعالى: ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ ) ) .

وأمّا مرتكب الكبيرة فقد ذكرنا أنّ الإمامية يرَونه مؤمناً فاسقاً مستحقّاً للعقاب بمقدار جرمه، والمعتزلة يقولون بأنّه بين الإيمان والكفر، ويخلّد في نار جهنّم، هذا بالإضافة إلى بقيّة المسائل التي كانت محلاًّ لاختلاف آراء الفِرَق الإسلامية، كالصفات والحُسن والقُبح العقليّين، ووجوب اللطف والأصلح على الله وعصمة الأنبياء، والإمامة وخلق الجنّة والنار والإحباط والشفاعة وغير ذلك من المباحث الكلامية، هذه المسائل لا يجد الباحث مسألةً منها يتّفق عليها الفريقان اتفاقاً كلّياً.

وإذا أضفنا إلى ذلك بعض الآراء التي نسبها إليهم ابن الراوندي في كتابه (فضائح المعتزلة) ، وغيره من كتّاب الفِرَق وأوردنا قِسماً منها في الفصول السابقة، يتبيّن للقارئ أنّ المسافة بين المعتزلة والإمامية أبعد منها بينهم وبين سائر الفِرَق، وربّما يلتقون مع الأشاعرة والمُرجئة أكثر ممّا يلتقون معهم.

والذي تؤكّده المصادر الشيعية أنّ الخصومة كانت بين علماء الإمامية وبين المعتزلة على أشدّها، وعلى الأخص في القرن الثالث والرابع الذي برَزت فيه معتقدات الإمامية، وانتشرت مؤلّفاتهم في مختلف المواضيع، ذلك العصر الذي تفرّغ فيه العلماء لتصفية الحديث من الموضوعات التي دسّها الحاقدون على أهل البيت بين أحاديثهم في الأصول والفروع، وكانت مجالس المفيد والمرتضى لا تخلو من مُناظرٍ، أو سائلٍ مستعلم فيما يتعلّق بمعتقدات الإمامية، وإذا رجعنا إلى مؤلّفاتهما نجد قسماً كبيراً منها في نقضِ آراء المعتزلة، فلقد ألّف الشيخ المفيد المتوفّى سنة 413 كتاباً في الردّ على الجاحظ المعتزلي، وكتاباً آخر في نقض فضائل المعتزلة، وله كتاب الفصول المختارة من العيون والمحاسن أكثر فيه من

٢٤٨

الردّ على المعتزلة ونقض آرائهم، وله كتاب في الوعيد يُبطِل فيه ما يدّعيه المعتزلة من وجوب الوفاء على الله بالوعيد، وله كُتب أُخرى في الردِّ على جعفر بن حرْب والنظّام والجبائي وغيرهم من أعلام المعتزلة (1).

وجاء في كتابه (الفصول المختارة من العيون والمحاسن): وقول جميع المعتزلة في الوعيد يلزمه نسبة الجور والظلم لله تعالى وتكذيب أخباره، لأنّهم يزعمون أنّ من أطاع الله عزّ وجل ألف سنة ثمّ فارق دنياه ومات مسوّفاً للتوبة، لم يثبه على شيء من طاعاته، وأبطل جميع أعماله، وخلّده بذنبه في نار جهنّم، لا يخرجه منها برحمةٍ منه، ولا بشفاعةِ مخلوق.

وأضاف إلى ذلك، أنّ أبا هاشم الجبائي يدّعي، أنّ الله يخلّد في عذابه مَن لم يترك شيئاً من طاعاته، ولا ارتكب شيئاً من خلافه، ولا فعل قبيحاً نهاه عنه لمجرّد أنّه في وقتٍ من الأوقات لم يفعل ما وجب عليه، ولا خرَج عن الواجب باختياره، ولا بفعلٍ يضادّه، والله سبحانه يقول: ( إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً ) ، ويقول: ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ) ويقول: ( مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلاّ مِثْلَهَا ) ، ويقول: ( إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ) ، ومضى يعدّد المخالفات التي قال بها المعتزلة، وعدّ منها إنكارهم للشفاعة، ولِعذاب القبر، وخلق الجنّة والنار، والمعراج، وانشقاق القمر، وإعجاز القرآن، ووصفهم الأنبياء بالمعاصي، والسهو والنسيان، وغير ذلك من الآراء التي يُخالفون فيها جميع المسلمين على حدّ تعبيره (2) .

وقد ألّف السيّد المرتضى في الردّ على المعتزلة وخالفهم في أكثر آرائهم ومذاهبهم، ولو لم يكن له إلاّ كتابه الشافي في الردّ على كتاب المغني لعبد الجبّار المعتزلي أحد البارزين من أعلامهم لكفى، وقد تصدّى فيه لنقض آراء المعتزلة، ودحض عقائدهم وإبطال مزاعمهم، بأُسلوبٍ قويّ وحجّةٍ متينةٍ غنية بالفكر والبيان، وهو من خيرة مؤلّفات الإمامية في هذا الموضوع، وإذا أضفنا إلى ذلك ما ألّفه المعاصرون للأئمّة (عليهم السلام) في الردّ على المعتزلة، وفي المواضيع التي كانت مسرحاً للخلاف بين المعتزلة وغيرهم، وما ألّفه المتأخّرون عن المفيد والمرتضى في مختلف تلك المواضيع، نجد الإمامية أبعد

____________________

(1) انظر نهج المقال في تحقيق أحوال الرجال للميرزا محمّد ص 317.

(2) انظر ص 132 من الكتاب المذكور.

٢٤٩

الفِرَق عن الاعتزال، ولكن الكتّاب قد اعتادوا الافتراء على الشيعة حتى أصبح ذلك وكأنّه من السنن المتّبعة يأخذها المتأخّر عن المتقدّم كآية منزلة أو سنّة محكمة.

لقد قال أهل السنّة من المتقدّمين الذين عاصروا المعتزلة والإمامية: إنّ الإمامية أتباع المعتزلة في أُصول العقائد ومقلّدة لهم فيها، ذلك بعد أنْ وجدوا الإمامية في ذلك العصر من أبرز المسلمين في مختلف العلوم الإسلامية وغيرها؛ لأنّهم أخذوا عن أهل البيت الذين خرَج العِلم من بيتهم إلى الناس، فما اسطاعوا أنْ يعترفوا لهم بهذه الميزة، وشقّ عليهم أنْ تكون هذه القيادة الفكرية، فألحقوهم بالمعتزلة.

وجاءت الطبقة الثانية من كتّاب السنّة تجترِ هذه المقالة كما هي في كُتب أسلافهم وعلى ألسنة رواتهم، مِن غير أنْ يُمحّصوا الحقَّ من الباطل والهُدى مِن الضلال.

وجاء دور المتأخّرين كأحمد أمين وأمثاله من العرَب والمستشرقين فأخذوها عنهم، حتى أصبح ذلك شائعاً بين أكثر المؤلّفين، وقلّدوهم فيها بعض كتّاب الشيعة المعاصرين من الإمامية تزلّفاً إليهم، وبقصد توجيه الأنظار إلى كتابه (أدَب المرتضى) (1)، فنسب إلى السيّد المرتضى الاعتزال في أُصول العقائد، وأكّد لأكثر من مناسبة أنّه من أعلام المعتزلة في أُصوله (2)، وأضاف إلى ذلك التشيّع منحى من مناحي الاعتزال، من غير أنْ يذكر دليلاً أو مؤيّداً لهذه الادعاءات سِوى افتراءات بعض الكتاب الذين لا يكتبون عن الشيعة إلاّ بقصد التشويش عليهم وطمس أضوائهم.

والسيّد المرتضى الذي يلصق به المؤلّف تهمة الاعتزال هو من أعيان الطبقة الأولى الذين وضعوا أصول التشيع والإسلام كما جاء بها القرآن وأكدتها السنّة النبويّة وأحاديث أهل البيت (عليه السلام)، ولذلك فهو عند الشيعة من المراجع الأولى في أُصول التشيّع.

وما أردناه في هذا الكتاب من آراء الإمامية والمعتزلة ومقالاتهم في

____________________

(1) هو الدكتور عبد الرزّاق محيي الدين، وكان من طلاّب جامعة النجف الدينية، ونعرفه جيداً يوم كان طالباً يحاول أنْ يظهر بمظهر المتجدّد في تفكيره وينتقد بعض العادات والتقاليد.

(2) انظر ص 46 من كتابه وغيرها من الصفحات.

٢٥٠

الأُصول الإسلامية يكفي للردّ عليه وعلى أمثاله من الكتّاب العرَب والأجانب المسلمين وغيرهم، وأنّي حينما أنسب رأياً إلى الإمامية أو إلى غيرهم من الفِرَق الأُخرى، لا أقصد أنّ تِلك الفِرْقة قد أجمعت على ذلك الرأي، بل اعتمد في نسبة الرأي إليها على أقوال علمائها الكبار المؤسّسين لها، وخروج بعض الأفراد على هذا الرأي لا يمنَع من نسبته إليها، كما وأنّي حينما أنسب رأياً إلى الإمامية اعتمد على أقوال الأئمّة (عليهم السلام) والعُلماء الكتّاب كالمفيد والمرتضى والطوسي والعلاّمة الحلّي وأمثالهم ممّن أصبحت أقوالهم وآراؤهم مرجِعاً لِمَن جاء بعدهم، نظراً لأمانتهم ووثاقتهم، وباب الاجتهاد مفتوح لكلّ عالم في غير الضروريّات، من غير فَرقٍ بين الأُصول والفروع، ورائدي في عملي هذا إحقاق الحقّ، وخدَمة الدين، وأسأله سبحانه أنْ يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأنْ يتقبله منّي.

والصلاة والسلام على محمّد وأهل بيته الطاهرين وأصحابه الطيّبين.

٢٥١

الفهرس

مقدّمة 7

تمهيد .13

الفَصل الأول: الفِرَق الإسلامية الأُولى .23

وأسباب حدوثها وتاريخ التشيّع ومعناه 23

الفصلُ الثّاني: الخوارج .32

الفصل الثالث: (في الفِرَق المنسوبة إلى الشيعة) 50

الكيسانيّة 55

الزيدية 63

الفصل الرابع: في المذاهب الاعتقادية 95

المُرجِئة 99

المعتزلة 107

الأشاعرة 129

الفصل الخامس: في المذاهب والمعتقدات ..139

الأُصول التي تجمع المعتزلة 139

الصفات الوجودية 152

القُدرة 153

العلم .155

الحياة والإرادة 158

التكلّم .161

صفاته عين ذاته 167

الرؤية 171

الجبر والاختيار، أو القضاء والقدر 174

الحُسن والقُبح العقليّان .189

٢٥٢

وجوب اللطف والأصلح على الله سبحانه 193

النبوّة 197

الإمامة 199

العصمة 204

الجنّة والنار 215

الشفاعة 218

الإحباط .221

الإيمان .224

مرتكب الكبيرة 231

الوعد والوعيد .235

البَداء 237

الرجعة 241

الخلاصة 245

٢٥٣