الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة

الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة15%

الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة مؤلف:
تصنيف: تاريخ التشيع
الصفحات: 253

  • البداية
  • السابق
  • 253 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 55901 / تحميل: 9594
الحجم الحجم الحجم
الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة

الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة

مؤلف:
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة


1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

سبحانه، فقد أوجد للعبد قدرة على اختيار الفعل المخلوق له، وبهذه القدرة يستطيع أنْ يكسب الفعل المخلوق فيه ويستطيع أنْ لا يكسبه، فيكون مختاراً في هذا الكسب، ويستحقّ بسببها الثواب والعقاب، أمّا القدرة عند الأشعري فلا أثر لها في وجود الفعل، وإنّما تكون مقارنة لوجوده، ولذا قيل في مقام الردّ عليه، أنّ هذا لا يخرج الإنسان عن كونه مجبوراً في أفعاله، ووجود قدرة من هذا النوع عاطلة عن العمل لا يُصحّح الثواب ولا العقاب على الأفعال (1).

ومهما كان الحال فقد استدلّ القائلون بأنّ الأفعال مخلوقة لله بأمور، منها أنّ فعل العبد مقدور لله؛ لأنّ قدرته تشمل الكائنات كلّها، وما كان مقدوراً لله لابدّ وأنْ يقع بقدرة الله وحده، وإنْ وقع بقدرة العبد لزِم تعطيل قدرته تعالى، وإنْ وقَع بهما معاً، لزِم اجتماع قدرتين مؤثّرتين على مقدورٍ واحد.

والجواب أنّ مجرّد كون الفعل مقدوراً له سبحانه لا يستلزم كونه من أفعاله، إذ ليس كلّ مقدور له يجب أنْ يكون من فعله.

الثاني: لو كان العبد موجداً لأفعاله باختياره واستقلاله، لوجَب أنْ يعلم تفاصيلها، بيان ذلك أنّ الأفعال المتفاوتة كيفية وكمّية إذا صدرت من الفاعل لابدّ وأنْ تكون مقصودة له؛ لأنّ وقوع ذلك الفعل دون غيره لابدّ وأنْ يكون بالقصد إليه بخصوصه، واختياره دون غيره يتوقّف على العلم به، فصدور الأفعال يتوقّف على العلم بها مع أنّ النائم قد تصدر منه بعض الأفعال بدون أنْ يشعر بها ويدرك كمّية ذلك الفعل وكيفيّته، وكذلك قد تصدر بعض الحركات الجزئية من الإنسان من دون تصوّرٍ لها، ومن ذلك يتبيّن أنّ الفاعل هو الله لتخلّف العلم بالفعل عن الفعل بالنسبة إلى الإنسان.

والجواب أنّ إيجاد الفعل لا يستلزم العلم به، فإنّ الفاعل قد يصدر عنه الفعل بمقتضى طبيعته، كالإحراق الصادر عن النار بمقتضى طبيعتها، من غير أنْ توصف بالعلم وعدمه، والذي لابدّ من العلم معه هو إيجاد الفعل مع القصد إليه، ويكفي فيه العلم الإجمالي الحاصل بين

____________________

(1) انظر المواقف المجلّد الرابع ص 146، والمذاهب الإسلامية ص 302، وشرح التجريد ص 189.

١٨١

الابتداء بالفعل والانتهاء منه، بالنسبة إلى حركاته الجزئية التي يتكوّن منها الفعل (1).

الثالث: إنّ الإنسان لو كان موجِداً لأفعاله بقدرته واختياره لابدّ وأنْ يكون متمكّناً من فعلها وتركها، وترجيح فعلها على تركها، لابدّ وأنْ يكون لمرجّح وذلك المرجّح يجب أنْ لا يكون من العبد؛ لأنّه لو كان منه احتاج إلى مرجّح أيضاً، وهكذا فيلزم التسلسل، فلابدّ وأنْ يكون المرجّح من الله وإذا كان منه كان واجب الصدور؛ لأنّه إذا لم يجب منه الفعل مع انتهاء المرجّح إلى الله سبحانه، جاز إيجاد الفعل وعدمه فإذا أوجده الإنسان في وقتٍ دون آخر، لزِم أنْ يكون له مرجّح، اقتضى وجوده في ذلك الوقت دون غيره، فيلزم أنْ لا يكون المرجّح الأوّل تاماً ومقتضياً لوجود الفعل، وذلك يقتضي عدم كونه مرجّحاً.

والجواب أنّ الأفعال بلحاظ قدرة العبد لا تتّصف بغير الإمكان، فإذا وجِدت جميع الدواعي للفعل يكون واجباً، وهذا لا يُوجب خروج الفعل عن كونه مقدوراً؛ لأنّ كلّ قادر لابدّ من صدور الفعل عنه عند صدور دواعيه، ويجري ذلك بالنسبة إليه تعالى، ولو قلنا أنّ وجود الداعي يجعل الفعل واجباً، يلزم أنْ تكون أفعاله غير اختيارية، وقد تخلّص الأشاعرة عن هذا النقض بأنّ ترجيح الفعل على الترك لا يحتاج إلى مرجّح آخر، بل يكون بمجرّد اختيار أحد طرفَي المقدور، الذي يلازم عدَم وجود الداعي إلى الطرف الآخر، وهذا الجواب بعينه يجري في أفعال الإنسان أيضاً (2).

الرابع: لو كان الإنسان قادراً على أفعاله وموجداً لها، لزِم اجتماع قادرين على مقدورٍ واحد؛ لأنّ الله قادر على كلّ شيء، فلو كان العبد قادراً أيضاً، اجتمعت القدرتان فلو أراد العبد إيجاد فعل وأراد الله عدمه، فلو وقع مرادهما اجتمع النقيضان، وإنْ وقَع أحدهما لزِم الترجيح بدون مرجّح.

والجواب: إنّا نلتزم في مثل ذلك بوقوع مراد الله؛ لأنّ قدرته أقوى

____________________

(1) انظر المواقف ص 148 وشرح التجريد ص 190.

(2) المصدر السابق ص 190 وص 151 وما بعدها من المواقف.

١٨٢

من قدرة العبد، ولا نحتاج إلى فرضِ مرجّحٍ آخر في مثل ذلك.

ومن جملة أدلّتهم أنّه لو كان الإنسان موجِداً للإيمان، لكانت بعض أفعال العباد خيراً من فعل الله تعالى؛ لأنّه أوجد القِرَدَة والخنازير، والإيمان خيرٌ منهما.

والجواب: إنّ الإيمان إنّما كان خيراً باعتبار ما يترتّب عليه من الثواب والمدح لا باعتبار ذاته، والمدْح والثواب من فعل الله سبحانه (1).

واستدلّ المعتزلة على أنّ الأعمال من فعل العباد بأنّه إذا لم يكن الإنسان موجِداً لأفعاله، لا يصحّ التكليف بالأمر والنهي، ولا التأديب الذي وعَدَت به الشرائع والأديان ولا المدح والذم، ويلزم أنْ لا يبقى فرقٌ بين مَن أحسن ومَن أساء؛ لعدم صدور الأفعال الحسَنَة والسيّئة من العباد، ويلزم أنْ يكون الله ظالماً لعباده لأنّه خلق فيهم المعاصي وعذّبهم عليها، كما احتجّوا ببعض الآيات الكريمة الدالّة على أنّ الإنسان خالقٌ لأفعاله، ويدلّ بعضها دلالة صريحة على صدور الفعل منه مباشرة.

قال سبحانه: ( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ) ، ( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) ، ( فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ ) ، ( كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ) ، كما يدلّ بعضها الآخر على أنّ المطيع سيُلاقي نتيجةَ أعماله الطيّبة والعاصي يُعاقَب بمعصيته.

قال سبحانه: (الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ)، ( الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) ، ( مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلاّ مِثْلَهَا ) .

وفي قسم منها ما يؤكّد أنّ الإنسان يفعل باختياره من غير أنْ يكون مسيّراً لإرادة قاهرة له على العمل، قال تعالى: ( فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ) ، ( اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) .

وتنصّ جملة أُخرى من الآيات على اعتراف الإنسان بمعاصيه وصدورها منه بمحض اختياره، ولو كانت من فعل الله، لكان للعصاة الحجّة البالغة على الله، إذا أراد أنْ يحاسبهم على سيّئات أعمالهم، قال سبحانه: ( مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ) ، وفي آية

____________________

(1) انظر المصدرين السابقين.

١٨٣

أُخرى: ( كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ ) ، إلى غير ذلك من النصوص القرآنية التي تُفيد بمنطوقها ولوازمها أنّ الإنسان وحده يصنع أعماله، ويقدر على خلقها وإبداعها.

وكما ذكرنا سابقاً أنّ أصحاب هذه المقالات قد وجدوا في النصوص الإسلامية ما يؤيّد آراءهم ومذاهبهم في أُصول العقائد، ولذلك فإنّهم أوّل ما يعتمدون عليها في إثبات مذاهبهم وآرائهم لإعطاء نظريّاتهم وفلسفتهم الصبغة الدينية.

وقد أضاف الأشاعرة والجهمية إلى أدلّتهم السابقة أدلّة أُخرى من الكتّاب تؤيّد مذهبهم في أفعال العباد، منها قوله تعالى: ( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) وقوله: ( وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجاً ) ، وقوله: ( يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ) ، وأمثال هذه الآيات التي لو نظرنا إليها مجرّدةً عن القرائن والملابسات المحيطة بها، لم تكن بعيدة عن هذه الفكرة، ولكن بعد التثبّت في معانيها وملاحظة سياقها ومواردها يتكشّف المراد منها ويبتعد عمّا ذهبوا إليه، هذا بالإضافة إلى أنّ الآيات التي تعارض هذا الرأي أكثر وأصرح في الدلالة على اختيار الإنسان في جميع أعماله وتصرّفاته، ولو تغاضينا عن كلّ ذلك، وافترضنا تُساوي الآيات القرآنية من حيث الدلالة على المذهبين عدداً ودلالة، فلابدّ من تأويل الطائفة التي تؤيّد بظاهرها رأي الأشاعرة؛ لأنّ تلك الطائفة تتّفق مع العقل والوجدان الحاكمَين بأنّ الإنسان هو الفاعل لإعماله.

والبرهان مهما بلَغ في قوّته ونتائجه لا يُمكن أنْ يقوى على الوجدان أو يتغلّب عليه، والإنسان يرى ويعلم من نفسه أنّه إذا أراد أمراً وانتفت الموانع عن وجوده يتحقّق منه باختياره وإرادته، ولا يرى نفسه مسيراً على عمل من أعماله.

ومُجمَل القول أنّ أصحاب هذا الرأي لم يخالفوا الوجدان وحُكم العقل فحسب، بل جوّزوا على الله الظلم والجور على عباده، مع أنّه لعن الظالمين وتوعّد الجائرين والعابثين بالعذاب والعقاب، وأيّ ظلم أفحش وأفظع من أنْ يعذّب عباده على عمل يصدر منه مباشرة أو تسبيباً، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً، فلو افترضنا صراحة الآيات فيما ذهبوا إليه، لابدّ مِن تأويلها بما يتناسب مع عدالة الله سبحانه ولطفه بعباده، ومع حُكم العقل الذي لا يقرّ الظلم من العباد فضلاً عن الله تعالى، كما وأنّ

١٨٤

الآيات التي استدلّ بها المعتزلة ليست صريحة في القول الذي ذهبوا إليه؛ لأنّهم يرون رأي معبد الجهمي وغيلان الدمشقي، وهما من القائلين بأنّ للإنسان الاختيار المطلق في أفعاله وأعماله (1)، لأنّها لا تدلّ على أكثر من أنّ الإنسان هو الفاعل وعنه تصدّر جميع أعماله، أمّا التفويض الكلّي المقابل للجبر فليس فيها ما يشير إلى ذلك، وقد ذكرنا أنّ القول بالجبر ليس بأسوأ حالاً من هذا القول؛ لأنّه يؤدّي إلى تعدّد الشركاء وعزل الله عن سلطانه.

أمّا الإمامية، وهم أسبَق الفرق الإسلامية السياسية والعقائدية، فقد وقفوا موقفاً وسَطاً بين المعتزلة والأشاعرة، فلَم يذهبوا إلى رأي الأشاعرة ولا إلى رأي المعتزلة وأتباعهم القدرية، فقالوا: إنّ الإنسان موجد لأفعاله، ولكن بالقدرة التي أودعها الله فيه، وبتلك القدرة بعد وجود الدواعي للفعل وانتفاء الموانع عنه يصدر الفعل من الفاعل، ويُنسب إليه مباشرةً كما يُنسب الإحراق إلى النار، في حين أنّها لا تؤثّر الإحراق إلاّ بعد اتصالها بالجسم وانتفاء الموانع عن تأثيرها فيه.

ولا يكون مجبوراً في هذه الحالة؛ لأنّ قدرته لم تتعلّق بطرفِ الوجود فقط أو بالطرف الآخر، بل هي بالنسبة إلى الطرفين متساوية، كما لا يصحّ نسبة الفعل إلى الله تعالى لمجرّد أنّه أوجد في الإنسان القدرة على فعل الشيء وتركه؛ لأنّ القدرة على فعل الشيء وتركه ليست سبباً تامّاً لإيجاد الفعل أو لتركه، وإنّما هي من قبيل المُعِد أو قابلية المحل الذي يتوقّف عليه تأثير العلّة كما ذكرنا بالنسبة إلى مُحرِقيّة النار.

فمَن دفع إلى شخصٍ مالاً ومكّنه من التصرّف فيه لا يكون هو الفاعل للحرام، فيما إذا استعمله ذلك الشخص في المحرّمات، ليكون ملجأ على فعله، ولا يصحّ نسبة الفعل إلى مَن دفع المال؛ لأنّ تمكينه إيّاه من التصرّف ليس سبباً تامّاً في إيجاد الفعل ليكون منسوباً إليه، بل هو أشبه بالشرائط التي تقتضيها طبيعة العلّة المؤثّرة والتي لا تمنع من نسبة الفعل إلى تلك العلّة.

ولو كلّف الله عباده بدون أنْ يخلق فيهم القدرة على الفعل وعدمه،

____________________

(1) كما يدّعي بعض كتّاب الفِرَق ومنهم الأسفراييني في التبصير، وعليّ الغرابي في كتابه الفِرَق.

١٨٥

لزِم التكليف بغير المقدور وهو قبيح عقلاً وشرعاً وبذلك لا يكون الإنسان مجبوراً في أفعاله، كما يدّعي الجهمية وأتباعهم الأشاعرة القائلون بأنّ نسبة الأفعال إلى الإنسان أشبه ما تكون بنسبة الجريان إلى النهر، في قولنا جرى النهر. وغير ذلك من القضايا التي ينسب فيها الفعل إلى غير فاعله تجوّزاً.

وقد ذكرنا سابقاً أنّ الكسب الذي ادعاه الأشاعرة لتصحيح التكليف والثواب والعقاب لا ينفع في المقام، ما دامت القدرة التي يدّعيها الأشعري غير مؤثّرة في إيجاد الفعل كما ذكرنا (1) كما لا يكون مختاراً بالمعنى الذي ذهب إليه القدرية الخالصة، كمعبد الجهمي وأتباعه المعتزلة، كما يدّعي مؤلّف التبصير في الدين صفحة 61 من كتابه التبصير في الدين، حيث ادعى إجماع المعتزلة على أنّ الله لا يقدر على شيء من أفعالهم.

ومجمل القول أنّ مذهب الإمامية في هذه المسألة مستقلٌّ بنفسه عن جميع المذاهب فيها، فالجهمية والأشاعرة ينسبون الأفعال إلى الله من غير أنْ يكون للإنسان أيُّ أثرٍ في إيجادها، والقدرية لم يجعلوا لله أثَراً في أفعال الإنسان، ونفوا عنه العلم الأزَلي والإرادة الأزَلية المتعلّقين بالأفعال.

والذي نقله جماعة من المؤلّفين عن المعتزلة إنّهم يذهبون إلى أنّ الأفعال تصدر عن العباد بالقدرة المتعلّقة بالأفعال، بعد تعلّق إرادته بالفعل، فإنْ كان طاعة كان الله مريداً له بمعنى أنّه طلب من عباده اتباعه على وجه الاختيار، وليست إرادته تعالى موجبة لوقوع أحد طرَفَي المقدور؛ لأنّه بناءً على ذلك يكون العبد ملجأ على فعله، وإنْ كان فعل العبد معصية لم يكن مريداً له بكلا معنيَيّ الإرادة المتقدّمتين،؛ لأنّه على الأوّل يكون الفعل واجباً،

____________________

(1) لقد جوّز الأشاعرة التكليف بغير المقدور، حيث ذهبوا إلى أنّ القدرة على الفعل لا تتقدّم عليه، بل توجد معه بنحو المقارنة، ويلزمهم على ذلك تعلّق التكليف بغير المقدور، كما يلزمهم الاستغناء عن القدرة في هذا الحال؛ لأنّ الحاجة إلى القدرة هي لإخراج الفعل من حيّز العَدَم إلى حيّز الوجود، ولابدّ منها قبل وجوده، أمّا حال وجوده فإنّه يصبح واجباً فلا يبقى للقدرة تأثير في إيجاده، وهذا القول قد أورده عنهم العلاّمة في كشف الحقّ ونهج الصدْق ص 68 و69 كما أورده الكراجكي في كتابه كنز الفوائد ص 43.

١٨٦

وعلى الثاني يلزم تعلّق طلبه بالمعصية (1).

ولهم آراء أُخرى حول هذا الموضوع قد تعرّض في المواقف لها كما تعرّض لها غيره من المؤلّفين في كُتب الكلام (2). ونحن لا يعنينا استقصاء جميع الآراء ولا تحقيق الصحيح منها، وإنّما الذي يهمّنا المقارنة بين آراء هذه الفِرَق من حيث مجموعها وبين رأي الإمامية، وإذا كانت نسبة الأفعال إلى العباد عند المعتزلة بهذا النحو، فيلتقون مع الإمامية في هذه المسألة إلى حدٍّ ما، ومهما كان الحال فسَواء قالوا بمقالة القدرية أم بغيرها، فالأمامية يقولون بأنّ الأفعال من صنع الإنسان بعد أنْ أقدره الله على فعلها وتركها، والخير والشر واقعان باختيار الإنسان، لأنّه يقدر على وجودهما وتركهما، والقدرة التي وهبها الله للإنسان لم تتعلّق بأحد الطرفين، كما وأنّ إرادة الله ليس معناها ترجيح أحدهما على الآخر، وإنّما هي بالنسبة إلى الخير لا تتعدّى تعلّق الطلب به، وبالنسبة إلى الشر طلب تركه.

وسلام الله على أمير المؤمنين (عليه السلام) القائل في جواب من سأله عن التوحيد والعدل: (التوحيد أنْ لا تتوهّمه والعدل أنْ لا تتّهمه)، فالقائل بأنّه خالقٌ للأفعال، فقد اتهمه بالظلم، والقائل بأنّه يكلّف العباد ما لا يطيقون فقد نسَب إليه القبيح، والقائل بأنّه لا يقدر على أعمال عباده، وأنّ كلّ أعمالهم بإرادتهم ولا شأن له فيها قد اتهمه بالعجز.

وروى سليمان بن جعفر الجعفري عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) أنّه قال في جواب مَن سأله عن الجبْر والتفويض: (ألا أعطيكم في ذلك أصلاً لا تختلفون فيه ولا تخاصمون عليه أحداً إلاّ كسرتموه؟ إنّ الله عزّ وجل لم يُطَع بالإكراه، ولم يُعصَ بغَلَبَة، ولم يَهمِل العباد في ملكه، فهو المالك لِما ملّكهم والقادر على ما أقدرهم عليه، فإنْ ائتمر العباد بطاعته، لم

____________________

(1) انظر كشف الفوائد للعلامة الحلّي في شرح قواعد العقائد لنصير الدين الطوسي ص 44.

(2) ومن جملتها ما ذهب إليه أبو بكر الباقلاني الأشعري، وهو أنّ ذات الأفعال تقَع بقدرة الله وتكون من فعله، أمّا صفات الأفعال فهي بقدرة العبد، فضرب اليتيم يقع بقدرة الله وهو الموجَِد له، وكونه تأديباً ليكون طاعة يستحقّ الثواب عليه، أو إيذاء يستحقّ عليه العقاب من فعل العبد، وبذلك يصح الثواب والعقاب.

١٨٧

يكن عنها صاداً، ولا منها مانعاً، وإنْ ائتمروا بمعصيته فشاء أنْ يحول بينهم وبين ذلك فعل، وأنْ لم يحل وفعلوه فليس هو الذي أدخلهم فيه).

وهذه الرواية تنصّ على أنّه سبحانه هو الذي أقدر عباده على أفعالهم، كما تنصّ على أنّهم في أفعالهم مختارون، ولم يحلّ الله بينهم وبين معاصيهم مع قدرته على ذلك كي لا يكونوا ملجئين في أفعالهم.

وجاء عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام): (لا جبرَ ولا تفويض ولكن أمرٌ بين الأمرين) وقال الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) في شرح هذه الكلمة (القائل بالجبر كافر، والقائل بالتفويض مشرك، والمراد من (الأمر بين الأمرين) ، هو وجود السبيل إلى إتيان ما أُمِروا وترك ما نُهوا عنه، والإرادة والمشيئة من الله في ذلك: بالنسبة إلى الطاعات الأمر بها والرضا لها، وبالنسبة إلى المعاصي النهي عنها والسخط لها والخذلان عليها، وما مِن فعلٍ يفعله العباد من خيرٍ أو شرٍّ إلاّ ولله فيه قضاء، والقضاء هو الحُكم عليهم بما يستحقّونه من الثواب والعقاب في الدنيا والآخرة (1).

والمراد من وجود السبيل الذي ورد في كلام الإمام (عليه السلام)، هو إيجاد القدرة في الإنسان على وجود الفعل وعدمه، وبذلك يصحّ الثواب والعقاب وتندَفع جميع الشُبَه الواردة حول هذه المسألة.

____________________

(1) انظر الاحتجاج للطبرسي ص 225.

١٨٨

الحُسن والقُبح العقليّان

اتفق الأشاعرة والمحدّثون والفقهاء من السنّة على أنّ القبيح هو المنهي عنه شرعاً، والحُسن الذي لم يرد عنه نهي من الشارع، سَواء ورَد به أمرٌ إلزامي أم لم يرد، فتدخل فيه حتى المباحات، أمّا الإمامية ومَن وافقهم من المعتزلة، فقد ذهبوا إلى أنّ الأشياء منها ما هو حسِن لذاته،

١٨٩

وإنْ لم يرد به أمرٌ شرعي ومنها ما هو قبيحٌ لذاته، ويستحقّ فاعله اللوم والذم وإنْ لم يرِد به نهيٌ من الشارع، وقبل بيان أدلّة الطرفين لابدّ من بيان المراد من الحُسن والقُبح اللذين ادعاهما الإمامية وأتباعهم، وأنكرهما الأشاعرة وعموم أهل السنّة، وقد ذكروا للحُسن والقُبح معاني ثلاثة:

الأوّل: صفتا الكمال والنقص، فحسن الشيء كماله وقبحه نقصانه.

الثاني: الموافقة لغرض الآمر وعدمها، فإذا وافق مطلوب الآمر كان حسناً وإلا كان قبيحاً.

الثالث : ما يترتّب على الشيء من مَدْحٍ وذم.

أمّا الحُسن والقبح بالمعنى الأوّل والثاني فليسا محلاًّ للخلاف بين جميع الفِرَق، وكلّهم متّفقون على أنّ العقل يحكم بالحُسن والقبح بهذين الاعتبارين، وأمّا المعنى الثالث للحسن والقبح فهو الذي ادعاه الإمامية وأتباعهم وأنكره الأشاعرة وغيرهم من فقهاء أهل السنّة ومحدّثيهم، فالإمامية والمعتزلة يدّعون أنّ في بعض الأفعال حُسناً ذاتياً أمَر بها الشارع أو لَم يأمر، وفي بعضها قبحاً ذاتياً يستحقّ فاعلها اللوم والذم نهى عنها الشارع أو لم يَنه، ومثّلوا للحسن الذاتي بالصدق والإحسان، وللقبح الذاتي بالكذِب والظلم وغيرهما ممّا يراه العُقلاء قبيحاً حتى ولو لم ترِد به الشرائع والأديان، ولو كان الحسن والقبح موقوفين على أوامر الشارع ونواهيه، لَما حكم بحسن الصدق والإحسان وقبح الكذب والظلم مَن ينكر الشرائع والأديان.

هذا بالإضافة إلى أنّه يلزم أنْ لا يقبح من الله شيء حتى إظهار المعجزة على أيدي الكذابين، وذلك يؤدّي إلى عدَم معرفة الأنبياء، ولجاز على الله أنْ يأمر بالكفر وتكذيب الأنبياء وغير ذلك، لدوران القبح والحسن مدار الأمر والنهي الشرعيّين، فإذا أمَر بهذه الأشياء كان أمره مقتضياً لحسنها، وإذا نهى عن الصدق وردّ الوديعة والإحسان إلى اليتيم كانت هذه الأُمور قبيحة، إلى غير ذلك من اللوازم الفاسدة التي لا يمكن للأشاعرة الالتزام بها.

ثمّ إنّ المعتزلة القائلين بالحسن والقبح في الأفعال: بين من يقول بأنّهما ذاتيان وهم المتقدّمون منهم، وبين مَن يقول بثبوتهما في الأشياء لوجود صفة في الأفعال تقتضي حسنها أو قبحها، وهم المتأخّرون من المعتزلة، ويدّعي الجبائي - أحد أعلامهم المتأخّرين - أنّ حُسن الأشياء وقُبحِها بالوجوه والاعتبارات، فضرْب اليتيم بذاته لا يتّصف بأيّ صفة منهما ولكنّه يكون

١٩٠

حُسناً إذا وقَع بقصد تأديب اليتيم، وقبيحاً إذا وقع بقصد الإساءة إليه، واحتجّ الأشاعرة وأتباعهم على إنكارهما بأنّ الإنسان ليس مختاراً في أفعاله، والفعل إذا لم يكن اختيارياً لا يوصف بالحسن والقبح، وبأنّهما لو كانا ذاتيّين للأفعال يلزم أنْ لا يتغيّر الفعل بالوجوه والاعتبارات؛ لأنْ ما بالذات لا يتغّير مع أنّ القبيح قد يصبح حسناً والحسن قد يصبح قبيحاً، فالكذب يحسن إذا منع عن قتل نبي أو ولي مثلاً، بل قد يجِب أحياناً لبعض الأغراض والمصالح العامّة التي اهتمّ بها الشارع وأولاها المزيد من عنايته، ومن ذلك يتبيّن أنّهما ليسا ذاتيّين في الأفعال.

والجواب أنّ القائلين بالحسن والقبح الذاتيّين، إنّما يقولان بهما بلحاظ ذوات الأفعال مع قطع النظر عن العناوين الأُخرى الطارئة التي تبدّل وجه الشيء وتشتمل على مصلحة أقوى من المفسدة القائمة بذاته، وتختلف الأشياء في ذلك اختلافاً بيناً، فبعضها يكون علّة للقبح بحيث لا يختلف مهما اختلفت عناوينه واعتباراته كالظلم، فإنّه أينما وجِد وكيفما اتفق حصوله لا يمكن أنْ يكون حسناً، وبعض الأشياء ليست بذاته علّة للقبح والحسن، وإنّما تكون بذواتها مقتضية له كالكذب مثلاً، فإنّ ذات الكذِب مع قطع النظر عن جميع العناوين مقتضية للقبح، كما وأنّ الصدق مقتضٍ للحسن، ولا ينافي ذلك أنْ يطرأ عليهما عنوانٌ آخر يمنَع عن تأثير ذلك المقتضى في الجهة التي يقتضيها، وليس ذلك إلاّ لأنّ اقتضاءهما للحسن والقبح، ليس كاقتضاء العلّة لمعلولها (1) .

وللأشاعرة أدلّة أُخرى موجودة في كتب الكلام، وكلّها مغالطة لا ترتكز على المنطق الصحيح، ولا يؤيّدها الدليل والبرهان، فإنكار الحسن والقبح في الأفعال إنكارٌ للضروريات ومغالطة سافرة للوجدان، فإنّ الصدق والكذِب والظلم والإحسان إلى الضعفاء والأيتام وأشباه ذلك لا يرتاب العقل بحسن بعضها وقبح البعض الآخر، وبمدح المحسن وذمّ المسيء، سَواء ورد الشرع بذلك أو لم يرد، كما وأنّ العقل لا مجال له في كثير من الأُمور التي شرّعها الإسلام، كوجوب الوفاء بالعقود وأكل الميتة، والصلاة والصيام، وغير ذلك من الواجبات والمحرّمات الشرعية، فإنّ العقل في هذه وأمثالها لا

____________________

(1) انظر كفاية الشيخ كاظم الخراساني في أُصول الفقه الجعفري، ووسائل الشيخ الأنصاري.

١٩١

يحكم بحسن ولا بقبح، بل يكون مقلّداً للشرع فيها.

ويدّعي الأشاعرة وأتباعهم أنّ استقباح الظلم والكذب، واستحسان مكارم الأخلاق وأطايب الصفات، وإنْ كان بحكم العقل، إلاّ أنّ المنشأ في ذلك هو التديّن بالشرائع التي كانت تحرِص على التديّن بهذه المبادئ وانتشارها بين الناس، أو لما يترتّب عليها من الأغراض عند العقلاء، ولا دليل على استقباحها واستحسانها لذاتها مجرّدة عن هذه الاعتبارات (1).

وقد تبيّن ممّا ذكرنا أنّ الإمامية لم يتّفقوا مع المعتزلة في هذه المسألة اتفاقاً كلّياً؛ لأنّ المعتزلة بين موافق للإمامية، وبين من يقول بهما ولكن بالوجوه والاعتبارات كالجبائي وأتباعه، كما وأنّ بعضهم يلتزم بالحسن والقبح قبل ورود الشرع لصفة في الأفعال تقتضيهما، ومردّ ذلك إلى عدَم كونهما ذاتيّين في الأفعال.

____________________

(1) انظر المستصفى للغزالي ص 36.

١٩٢

وجوب اللطف والأصلح على الله سبحانه

اللطف: هو ما يكون المكلّف معه أقرب إلى فعل الطاعات وأبعَد عن فعل المعاصي، على نحوٍ لا يبلِغ حدّ الإلجاء من الله سُبحانه، وهو بهذا المعنى لابدّ منه عند الإمامية؛ لأنّه لا يفعل بعباده إلاّ الأصلح والأنفع لهم، ولا يدّخر عنهم شيئاً ينفعهم في دنياهم وآخرتهم، وقد أنكره الأشاعرة وقالوا: إنّ كلّ ما يفعله بعباده أو يأمرهم به يكون حسناً منه، أمّا المعتزلة فقد أوجبه أكثرهم؛ لأنّه من مقتضيات العدل الواجب في حقّه تعالى، فترك اللطف المقرّب من طاعته، والأصلح لهم يتنافى مع كونه عادلاً، ويلتقي معهم الإمامية في أصلِ وجوبه، ولكنّه عند المعتزلة من موجبات عدله ولو فعل بعباده خلافه كان ظالماً لهم، أمّا عند الإمامية فلأنّه متّصف بالجود والكرم، ومِن لوازم هذَين الوصفين أنْ لا يمنع عن عباده صلاحاً ولا نفعاً، وأضاف

١٩٣

الكراجكي المتوفّى في أوائل القرن الخامس الهجري فرْقاً آخر بين الإمامية ومتأخّري المعتزلة، فقال: إنّه عند المعتزلة إنّما يجب من جهة العدل، والعدل لا يقتضي أكثر من وجوب الصلاح والنافع عليه تعالى لعباده، أمّا الأصلح والأنفع فلا يجبان عليه، وعند الإمامية لا يتمّ اللطف إلاّ بالأصلح والأنفع، وإذا لم يفعل بهم لم يكن جواداً ولا كريماً (1).

وقد أنكر أصل وجوبه بشر بن المعتمر - أحد أقطاب المعتزلة - واستدلّ القائلون بوجوبه بأنّ اللطف يسهّل لهم إطاعة الأوامر والنواهي؛ لأنّ الغاية من التكليف إيجاد المأمور به وترك المنهي عنه، وإذا لم يسهّل الآمر لعباده أسباب الامتثال كان ناقضاً لغرضه، وكان كمَن دعا إنساناً إلى أمرٍ وهو يعلم بأنّه لا يطيعه فيه.

واللطف المقرّب من الطاعة مرّة يكون من فعل الآمر وأُخرى يكون من فعل المكلّف، وثالثة يكون خارجاً عنهما: أمّا ما كان من فعل الله سبحانه، فيجب على الله بمقتضى جوده وكرمه أنْ يبذله لهم؛ تسهيلاً لإطاعة أوامره واجتناب نواهيه، ليكون المكلّف أقرب إلى الطاعة مع تساوي قدرته لها ولعدمها، وأمّا ما يكون من فعل المكلّف فالله سبحانه من حيث إنّه عالمٌ بما تتوقّف عليه الإطاعة، وامتثاله أوامره وتحصيل أغراضه، لابدّ وأنْ يُكلّفهم تحصيل ذلك الشيء ويُعلمهم به؛ لأنّ امتثال أوامره وتحصيل أغراضه لا يكون بدونه، فيكون إعلامهم به أو إيجابه عليهم من المقدّمات التي تسهّل لهم الإطاعة، وتحصيل أغراضه ومقاصده.

وأمّا الذي لا يكون من فعل الآمر ولا من فعل المكلّف المأمور، فلا يجب عليه؛ لأنّه ليس من فعله ولا من فعل المكلّف ليلزمه به، ولا هو داخل تحت قدرته ليتعلّق به التكليف، وفي مثل ذلك يكون التكليف بالمأمور به مشروطاً بحصول ذلك الشيء، فيما إذا كان الغرض من التكليف لا يحصل بدونه (2) ، ويكون أشبه بالمقدّمات الوجوبيّة التي لا يجب تحصيلها كما هو مقرّر في محلّه.

واستدلّ الأشاعرة على عدَم وجوب اللطف على الله بأنّه لو قلنا بوجوبه،

____________________

(1) انظر كنز الفوائد للكراجكي ص 52.

(2) انظر أوائل المقالات للمفيد ص 26 وشرح التجريد للعلامة الحلي ص 202 وما بعدها والمواقف المجلد الرابع الجزء الثامن ص 196.

١٩٤

للزم أنْ يكون في كلّ عصر نبيّ، وفي كلّ بلدٍ معصوم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؛ لأنّ اللطف عند القائلين به هو المقرّب من الطاعة، ومن أظهر مصاديقه الأنبياء والأولياء، مع أنّ القائلين بوجوبه لا يلتزمون بذلك.

وقد أجاب القائلون باللطف عن ذلك بأنّ الأنبياء الذين أرسلهم الله لهداية البشر وإنقاذهم من الضلالة، قد أرشدوا إلى الطاعات ونهوا عن المنكرات، ووعدوا المطيعين بالنعيم الدائم، والعاصين بالعذاب الأليم، وتركوا من النصائح والتعاليم ما هو كفيل لأنْ يقرّبهم من طاعته، وامتثال أحكامه والقائلون باللطف لا يدّعون بأنّ عليه أنْ يوفّر لهم جميع أنواع المقرّبات من الطاعة والمرغّبات فيها.

على أنّ هذا النقض لا يتوجّه على الإمامية؛ لأنّهم يدّعون أنّ الإمام موجود في كلّ عصر وزمان، ووجوده بين الناس وأنّ لم يكن معروفاً بشخصه من جملة أقسام اللطف المقرّب منه سبحانه، هذا بالإضافة إلى أنّهم يرون أنّ الحكّام في كلّ عصر لابدّ وأنّ تتوفّر فيهم صفات الحاكم العادل العالم بالإحكام، ولا شكّ بأنّ هذه الصفات لو توفّرت بالحكّام لسهّلت على الناس فعل الطاعات، وأبعدتهم عن المعاصي والمنكرات.

وقال الأشاعرة: إنّ الكفّار حينما كُلّفوا بالإيمان، إمّا أنْ يُكلّفوا به مع وجود اللطف أو مع عدمه، ولا مجال لدعوى أنّهم قد كُلّفوا بالإيمان مع وجود اللطف؛ لأنّهم لو كلّفوا به مع وجود اللطف لحصل منهم الإيمان حتماً، فلابدّ وأنْ يكون تكليفهم في حال عدمه، وعدم اللطف منه سبحانه في ظرف تكليفهم، إمّا لأنّه غير قادر عليه ولازم ذلك نسبة العجز إليه سبحانه تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً، فلابدّ وأنْ يكون مع فرض قدرته عليه، ولازم ذلك إخلاله بالواجب عليه بناءً على وجوب اللطف عليه سبحانه كما يزعم القائلون بذلك؛ لأنّا قد فرضنا كونه قادراً عليه، ومع ذلك كلّف الكفّار بالإيمان بدون أنْ يوجد اللطف المقرّب لهم من طاعته.

والجواب: إنّ الله سبحانه حينما كلّف الكفّار بالإيمان لم يكلّفهم به إلاّ بعد أنْ سهّل لهم طريق الطاعة، ووعَدَهم بالثواب الجزيل والعطاء الكريم وأوجَد لهم المقرِّبات من طاعته، وما يبعدهم عن معصيته، وهذا المقدار من التسهيل للطاعة هو اللطف الواجب عليه سبحانه، وقد بينّا أنّ معنى اللطف هو المقرّب من الطاعة، والمرجِّح لوجود المكلّف به على عدَمِِِه على نحوٍ يُصبح المكلّف أقرب إلى الطاعة منه إلى المعصية، وهذا المعنى متحقّق منه سبحانه.

١٩٥

أمّا حصول المكلّف به فليس داخلاً في مفهوم اللطف، ولا شرطاً فيه؛ لأنّه بهذا الشرط يكون العبدُ ملجأ على فعله، وقد ذكرنا أنّ اللطف لا يسلب اختيار الإنسان (1)، وقد جرَت محاورة حول وجوب اللطف والأصلح على الله بين الجبائي وتلميذه أبي الحسن الأشعري، ويدّعي كتّاب الفِرَق والمذاهب أنّ لهذه المحاورة أثراً في انفصال التلميذ عن أُستاذه، وإعلانه الحرب عليه وعلى أسلافه من شيوخ المعتزلة.

ومُجملها أنّ الأشعري سأل أُستاذه، عن إخوة ثلاثة عاش أحدهم مطيعاً والآخر عاصياً، والثالث مات صغيراً.

فقال الجبائي: المطيع في الجنّة، والعاصي في النار، والصغير لا له ولا عليه.

فقال الأشعري: لو قال الثالث لربّه: لو أبقيتني لأكبر فأطيعك وأدخل الجنّة.

قال الجبائي: يُقال له لو كبرت اخترت المعصية ودخلت النار بسببها.

قال الأشعري: لو قال له الثاني: لِمَ لَم تمتني صغيراً كي لا أعصيك، فأستحقّ النار.

فوقف الجبائي عن جوابه، وقد أبدينا رأينا سابقاً حول الأسباب التي دعت الأشعري إلى التراجع عن مذهب الاعتزال بعد تلك الدراسة الطويلة التي استمرت نحواً من أربعين عاماً في أثناء حديثنا عن الأشاعرة ومناهجهم، وذكرنا أنّ الاختلاف في الرأي أحياناً لا يؤدّي إلى هذا البُعد الشاسع بين التلميذ وأُستاذه، ولا يوجب تأسيس جبهتين متقابلتين بهذا النحو من التقابل الذي كان بينهما.

____________________

(1) انظر شرح التجريد ص 202، والمواقف ص 196 من المجلّد الرابع الجزء الثامن.

١٩٦

النبوّة

اتفق المسلمون والفلاسفة وغيرهم من أهل الأديان على وجوب بعثة الرسُل على الله سبحانه عقلاً ونقلاً، ولم يُخالف في وجوبها عقلاً سِوى الأشاعرة وأتباعهم؛ لأنّ العقل وحده لا يكفي لإدراك كلّ ما هو حسن وقبيح واقعاً، وقد بينّا أنّ القائلين بالحسن والقبح العقليّين لم يثبتوا للعقل الإحاطة بكلّ شيء، وانّ كثيراً من الأشياء لم يدرك من أمرها شيئاً إلاّ بعد أنْ كشف الشارع بواسطة التكليف، عن حسنها أو قبحها، وقد دلّت النصوص القرآنية على أنّه سبحانه لا يُعذّب أحداً إلاّ بعد إتمام الحجّة عليه، بإرسال الرسل وتسهيل أسباب الطاعة، قال سبحانه:

( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) ، والرسول لُطفٌ من الله سبحانه، أمّا لأنّه من مقتضيات عدله أو لأنّه من آثار كرَمِه وجوده كما يدّعي الإمامية، وممّا لا شكّ فيه أنّ الرسول الذي يبلّغ عن الله، ويبيّن للناس ما يترتّب على الطاعات من الجزاء، وعلى المعاصي من العقاب من أظهر مصاديق اللطف الواجب على الله سبحانه، هذا بالإضافة إلى أنّ التكاليف السمعية ألطاف في الواجبات العقلية؛ لأنّها تقرّب الإنسان من امتثال أحكام العقل، ولا سيّما إذا واظب الإنسان على امتثال الواجبات السمعية، ولا تتمّ الواجبات السمعية إلاّ بالرسُل، وما لا يتمّ الواجب إلاّ به يكون واجباً.

أمّا الأشاعرة وأتباعهم القائلون بأنّ العقل لا يُدرك حُسناً ولا قبحاً، ولا يستقل في أحكامه، فينحصر وجوبها عندهم بطريق النقل، ومهما كان الحال فلَم يخالف في وجوبها سوى البراهمة وقالوا: إنّ الرسول إنْ جاء بما يوافق العقل، لم يكن له فائدة، وإنْ خالفه فيجب طرحه والأخذ بحكم العقل، وقد وافقهم على ذلك الصابئة، والقائلون بالتناسخ (1)، وجواب هؤلاء، أنّ العقل وإنْ كان يُدرك حسن بعض الأفعال وقبح بعضها، ولكنّه يجهل كثيراً من أحكام العبادات والمعاملات، والميراث والأحوال الشخصية، وغير ذلك ممّا شرّعه الإسلام، ولا يُمكن معرفة تلك الأحكام إلاّ بواسطة الرسُل، وادّعى بعض المعتزلة بأنّ البعثة إنّما تجب على الله سبحانه إذا عُلِم من حال البشر أنّهم يؤمنون بالرسول المرسَل، و‘نْ علم أنّهم لا يؤمنون به لا تجب عليه، وتكون مستحسنة منه لإتمام الحجّة؛ كي لا يقول أحدٌ: ( لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً ) .

____________________

(1) وذهب بعض البراهمة إلى نبوّة آدم لا غير، وأضاف بعضهم إليه إبراهيم، كما يدّعي الصابئة نبوّة إدريس وشيث لا غير.

١٩٧

وقال أبو هاشم الجبائي: لا تجِب إلاّ إذا أراد تشريع أُمور لا يستقلّ بها العقل، أمّا والده الجبائي فقد أوجبها حتى ولو لم يأت الرسول إلاّ بما حكم به العقل، وقال: إنّه يكفي من فوائدها أنْ تؤكّد أحكام العقل (1) وبعض المنكرين للنبوّات قالوا: إنّها لا تكون إلاّ بالمعجزة، وهي مستحيلة عادةً، وادعى آخرون بأنّ المعجزة وإنْ لم تكن مستحيلة، لكنّها لا تدلّ على صدق مدعيها، وبالغ آخرون فقالوا بأنّها حجّة على مَن شاهدها لأنّها تفيده العلم، أمّا الغائبون فلا تفيدهم العلم، ولو تواترت فالتواتر لا يفيد إلاّ الظن، والظن لا يكفي في العقليات، إلى غير ذلك من المذاهب والآراء الفاسدة، ولا يعنينا أنْ نستقصي كل ما قيل حول هذا الموضوع (2).

____________________

(1) وقال جماعة من المعتزلة: إنّها لا تجب على الله دائماً، وإنّما تجب عندما تقتضيها المصلحة.

(2) انظر المواقف ص 230 وما بعدها، وشرح التجريد ص 117، ومعالم الفلسفة ص 160 وما بعدها.

١٩٨

الإمامة

من المعلوم أنّ النزاع في الإمامة بين المسلمين كان ولا يزال من أبرَز ما حدَث في تاريخ الإسلام، ونتَج عنه انحراف فئات من المسلمين عن الطريق القويم منذ وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، فانقسموا بسبب نزاعهم في الإمامة إلى طوائف وأحزاب، وقامت بينهم المعارك والحروب أُريقت فيها الدماء، واستُبيحت الأعراض وتبدلّت المفاهيم، واختلفت القِيَم، وما زال المسلمون يُعانون من آثار هذا الانحراف، المتاعب والانقسامات التي تجاوزت أبعد الحدود، وتخطّت مسألة الإمامة إلى غيرها من المسائل المتعلّقة بأُصول الدين وفروعه، وأصبح من المتعسّر تقريباً على أيٍّ كان إصلاح ما حدث، وسدّ تلك الفجوة العميقة التي حدَثت نتيجة لذلك الصراع الذي دام طوال هذه

١٩٩

القرون، ما دام كلّ فريق يحرص بكلّ ما أُوتي من قوّة وتفكير لتأييد مذهبه وانتشاره.

ولابدّ لنا من الإشارة إلى آراء الفِرَق الإسلامية الكبرى في الإمامة، وصِلة كلّ واحدٍ منها بالآخر، فالإمام والخليفة لفظتان تعبّران عن معنىً واحد، وهو الرياسة العامّة في أُمور الدين والدنيا نيابة عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وسمّي القائم بهذه المهمّات إماماً؛ لأنّ الناس يسيرون وراءه فيما يُشرّع لهم ويرشدهم إليه، وسُمّيَ بالخليفة، كما كان الشائع في عصر الراشدين وما بعده؛ لأنّه يخلف الرسول في إدارة شؤون الأُمّة وقيادتها.

وكما كان تعيين الخليفة بعد الرسول موضعَ جدَلٍ وخلاف أدّى إلى انقسامهم وتمزيق وحدتهم، كذلك حصلت بينهم أنواع أُخرى من الجدَل والنزاع، وتطوّر بعد ذلك إلى النزاع في وجوب نصب الإمام على الله سبحانه وعدمه، فأنكره جماعة وأثبته آخرون، والقائلون بوجوبه بين مَن يقول بوجوبه على الله سبحانه عقلاً، وبين من يقول بوجوبه على الأُمّة بحكم العقل.

أمّا الأشاعرة ومعهم المحدّثون والجبائيّان من المعتزلة (1) فقد قالوا بعدم وجوبه بالنصّ الشرعي على الأُمّة، والباقون من المعتزلة أوجبوه عقلاً، على الأُمّة أيضاً، وذهب الإمامية إلى وجوبه على الله بحكم العقل، ولم يُعارض في أصل وجوب نصب الإمام سِوى العجاردة من الخوارج، ومعهم حاتم الأصم أحد شيوخ المعتزلة (2)، وادعى هؤلاء بأنّ الواجب على الأُمّة التعاون والتعاضد لإحياء الحق وإماتة الباطل، ومع قيام الأُمّة بهذا الواجب لا يبقى للإمام فائدة تستدعي تسلّطه على العباد.

أمّا إذا اختلفت الأُمّة ولم تتعاون على نشرِ العدل وإحقاق الحق، فيجب عليها تعيين مَن يقوم بهذه المهمّات، وبالتالي فإنّ الإمامة لا تجب بالشرع ولا بالعقل، وإنّما تجب للمصلحة أحياناً، أمّا بقيّة الخوارج فهم كغيرهم من المسلمين، يرونَها من الضرورات التي لابدّ منها لحفظ النظام وإحقاق الحق، ولكنّها لا تجب على غير الأُمّة، ويتعيّن بإجماع أهل الحلّ والعقد على شخصٍ منهم، كما فعل المسلمون الأوّلون في تعيين أبي بكر وعمر على حدّ تعبيرهم.

____________________

(1) وهما الجبائي وولده أبو هاشم.

(2) المتوفّى سنة 237.

٢٠٠

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

ومهما كان الحال فالآيات التي تنفي الشفاعة لابدّ وأنْ يراد منها نفيها عن الكفّار والجاحدين، وليس لدينا من النصوص ما يمنع ثبوتها بالمعنيّين، زيادة الثواب ودفع المضار، أمّا انحصارها في زيادة المنافع كمّا يدعيه المعتزلة فليس في النصوص ما يؤيّده.

الإحباط

الإحباط في عرف الفقهاء المتكلّمين أنْ يكون أحد العملين مسقطاً وماحياً لآثار العمل السابق، فكما يسقط الثواب بالمعاصي، كذلك يسقط العقاب بما يفعله الإنسان من الطاعات والخيرات، وبعبارة أوجز: الإحباط هو أنْ يكون المتأخّر ماحياً للمتقدّم من خيرٍ أو شر، وهذه المسألة من المسائل التي اختلفت فيها آراء الفِرَق الإسلامية، فالمعتزلة يدّعون أنْ الإنسان إذا عبَد الله طول حياته، وفعل معصيةً من المعاصي التي تُسمّى كبيرة في عُرف الفقهاء تبطِل جميع أعماله السابقة (١) وقد وافقهم على ذلك الخوارج، وبلَغ بهم الإسراف إلى حدٍّ أنّهم يحكمون بكفر العُصاة وجميع مخالفيهم، وعلى هذا الأساس كانوا ينادون بكُفر عليّ إمام المسلمين (عليه السلام)؛ لأنّه ارتكب معصيةً في التحكيم بعد الحروب الدامية التي وقَعت بينه وبين معاوية بن أبي سُفيان على حدِّ زعمهم.

وذهب عبد السلام الجبائي، من متأخّري المعتزلة، إلى أنّ الطاعات السابقة على المعاصي يسقط منها بمقدار المعاصي، وتبقى المعاصي على حالها، فمن أطاع عشرين مرّة، وعصى عشر مرّات يسقط من طاعاته بمقدار معاصيه، وتبقى معاصيه على حالها، ولو زادت معاصيه على طاعاته تذهب طاعاته بكاملها وتبقى معاصيه.

ومن ذلك يتبيّن أنّ الإحباط عنده يختصّ بطرفٍ واحد، فالمعاصي

____________________

(١) انظر ص ٣٠٩.

٢٢١

تحبط (١) الطاعات، أمّا الطاعات مهما بلَغت من الكثرة فلا تحبِط من المعاصي شيئاً، أمّا ابنه أبو هاشم فقد ذهب إلى أنّ الإحباط يكون من الطرفين، فكما تحبِط الطاعات المعاصي كذلك تحبط المعاصي الطاعات، فمَن أطاع عشراً وعصى عشرين، تذهب طاعاته بما يُقابلها من المعاصي، ولا يبقى له سوى الزائد من معاصيه، وهذا هو المراد من الموازنة المنسوبة إليه في كُتب الكلام.

أمّا الأشاعرة فقد أنكروا الإحباط؛ لأنّهم يدّعون أنّه لا يجب على الله ثواب المطيعين ولا عقاب العاصين، وله أنْ يُعذّب المطيع ويعاقب العاصي، فالطاعات لا تستوجب الثواب كما لا تستوجب المعاصي العقاب، وبناءً على ذلك يبقى مجال للبحث في هذه المسألة عندهم.

وأمّا المُرجِئة فقد وافقوا المعتزلة على مبدأ الإحباط، ولكن الإيمان بالله عندهم يحبط جميع المعاصي مهما بلغت، وجميع المعاصي لا تحبط الإيمان، وذلك عمَلاً بالمبدأ العام الذي ترتكز عليه فكرة الإرجاء، (لا تضرّ مع الإيمان معصية، ولا تنفع مع الكفر طاعة).

أمّا الإمامية فقد أنكروا الإحباط، لقوله تعالى: ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) ، هذا بالإضافة إلى أنّ الإحباط يؤدّي إلى عدم الوفاء بالوعد والوعيد لأنّه تعالى قد وعد المطيعين بالثواب وتوعّد العاصين بالعقاب، ولازم الإحباط عدَم الثواب على الطاعات، وهو يتنافى مع ما ذهب إليه المعتزلة من وجوب الوفاء بالوعد، على أنّه يلزم من القول به نسبة الظلم إلى الله؛ لأنّ من أساء وأطاع، وكانت معاصيه أكثر من طاعاته يصبح بمنزلة مَن لم يُطِع في حياته كلّها، كما وإنْ كانت طاعاته أكثر يصبح بمنزلة مَن لَم يعصِ الله أبداً، ومع التساوي يصبح بمنزلة مَن لم يفعل شيئاً.

أمّا الآيات التي استدلّ بها المعتزلة على الإحباط مثل قوله تعالى: ( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ) ، وقوله: ( وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ) ، هذه الآيات وغيرها ممّا استدلّ بها أنصار هذا القول لا تدلّ على الإحباط الذي يدّعيه المعتزلة؛ لأنّها واردة

____________________

(١) نفس المصدر ص ٣١٠.

٢٢٢

بالنسبة للمرتدّين والمشركين بالله سبحانه، ولا نزاع من أحد في أنّ الجحود والشرك يحبطان جميع الأعمال الصالحات، وقال نصير الدين محمّد بن الحسن الطوسي: الإحباط باطل لأنّه يستلزم الظلم، ولقوله تعالى: ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) ، وإلى ذلك ذهب العلاّمة في شرح التجريد، والشيخ المفيد في أوائل المقالات (١).

ويؤيد ذلك قوله تعالى: ( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً ) ، ومقتضى هذه الآية أنّ جميع الأعمال التي يعملها الإنسان خيراً كانت أم شرّاً يجدها يوم القيامة بكاملها، ولا يذهب منها شيء لا بالطاعات ولا بالمعاصي.

أمّا الذي ادعاه الجبائي فمَع أنّه من أسوأ أنواع الظلم، مخالف لنصّ الآية، قال تعالى: ( مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلاّ مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) ، وقال في آيةٍ أُخرى: ( وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ ) ، ومن هاتين الآيتين يتبيّن أنّ السيّئة لا يُمكن أنْ تتغلّب على الحسنة؛ لأنّ الله يضاعفها له ويُبقي السيّئة على حالها.

كما وأنّ ما ذهب إليه أبو هاشم الجبائي لا دليل عليه من كتاب أو سنّة، ولا يؤيده العقل والمنطق؛ لأنّ الإنسان إذا كانت طاعاته خمساً مثلاً، ومعاصيه عشراً، فعند أبي هاشم تسقط من معاصيه خمس في مقابل طاعاته، مع أنّه ليس إسقاط واحدة من الخمسَتَين بأَولى من إسقاط الخمسة الثانية، وحينئذٍ فأمّا أنْ تسقطا معاً وهو خلاف مذهبه؛ لأنّه يُصرّح ببقاء الخمسة الزائدة، وأمّا أنْ لا يسقط شيء منهما فلا يتحقّق الإحباط.

على أنّه بناء على الموازنة التي يدعيها، لو كانت الطاعات بعدد المعاصي، فلازمه القول بسقوطهما معاً وعليه فإنْ سقَط أحدهما قبل الآخر، لم يسقط المتأخّر بالمتقدّم عليه؛ لأنّه بعد سقوطه لا يبقى له تأثير في إسقاط الآخر وإنْ تقارن سقوطهما لزِم وجودهما معاً قبل سقوطهما، مع أنّ وجود كلٍّ منهما ينفي وجود الآخر ويُمانعه (٢) .

وعلى كلّ حال فالإمامية يُخالفون جميع الفِرَق في هذه المسألة حتى

____________________

(١) انظر التجريد للطوسي وشرحه للعلاّمة ص ٢٦٠ وأوائل المقالات ص ٥٧.

(٢) انظر المواقف ص ٣١٠ وشرح التجريد ص ٢٦١.

٢٢٣

الأشاعرة القائلين بعدَم الإحباط؛ لأنّهم إنّما قالوا بذلك بعد أنْ بنوا على أنّ الإنسان لا يستحقّ على أعماله شيئاً، سَواء كانت خيراً أم شرّاً، ولله أنْ يُعاقب المُحسن ويُثيب العُصاة المتمرّدين عليه، فالإحباط الذي يدعيه المعتزلة والمرجئة لا مورد له عند الأشاعرة؛ لأنّه يتفرّع على الثواب والعقاب المرتّبين على الأفعال، والإنسان لا يستحقّ على أفعاله شيئاً على حدّ زعمهم، فإنْ أثابه فبفضله وإنْ عاقبه فبعدله.

الإيمان

يتّصل الخلاف في حقيقة الإيمان بتاريخ مولد الاعتزال، وذلك حينما اشتدّت حمَلات الخوارج على الحكّام الأمويّين وعلى جميع من لَم يؤازرهم في حروبهم مع الحكّام، وكان شعارهم تكفير العُصاة وجميع المخالفين لهم، وزعموا أنْ لا واسطة بين الكفر والإسلام، فمَن اقّر ولم يعمل بما جاء به الإسلام كان كافراً، وفي مقابل هذا التصرّف والغلوّ ظهَر القول بالإرجاء، الذي يرجع في حقيقته إلى أنّ الإيمان تصديق بالقلب وإقرارٌ باللسان، ولا تضرّ معه المعاصي مهما بلغت، وقد عد منهم الشهرستاني في الملل والنحل أصنافاً أربعة، وكلّها تتّفق على أنّ المعاصي لا تسلب العبد صفة الإيمان، ولا تدخله النار، فالعمل ليس شرطاً في الإيمان ولا جزءاً من حقيقته عند جميع المرجئة على اختلاف أقسامهم وفِرَقهم (١).

وعلى كلّ حال لقد كان لحدوث هذه الآراء في الإسلام مَنفسٌ للحكّام المستهترين في الدين، والذين كانوا هدَفاً للهجَمات المتوالية من الخوارج، بل وحتى من الفقهاء والمحدّثين الذين كانوا ينعتونهم بالفِسق والزندقة، فلمّا ظهَر المرجئة بآرائهم، وجَد الحكّام فيها سلاحاً لصدّ تلك الهجَمات العنيفة من جانب الخوارج وغيرهم؛ لأنّهم كفّار - بزعم الخوارج - مستحقّون

____________________

(١) انظر الفصل الذي تحدّث به الشهرستاني عنهم مِن صفحة ٢٢٢ إلى صفحة ٢٣٤.

٢٢٤

للعقاب على رأي الفقهاء وغيرهم، بينما ينعتهم المُرجئة بالإيمان، ويُمنّونهم السلامة من العقاب، وكما ذكرنا سابقاً لابدّ وأنْ يكون للحكّام رأيٌ في إشاعة هذه الأفكار وترويجها؛ لأنّها تخدم مصالحهم وشهَواتهم، وتعطيهم صفة الإيمان في وقتٍ هم من أحوج الناس إليها، ولا سيّما بعد أنْ نادى الخوارج بكفرهم، والقسم الأكبر من العلماء بفسقهم ونفاقهم، ويؤيّد ذلك أنهم أدخلوا جماعة منهم في مناصب الدولة وقرّبوهم من قصورهم ومجالسهم.

ومهما كان الحال فقد اختلفت آراء الفِرَق الإسلامية في حقيقة الإيمان أشدّ الاختلاف، فالأشاعرة والفقهاء يرَون أنّه عبارة عن تصديق الرسول بما جاء به جملةً وتفصيلاً، وأضاف المحدّثون إلى ذلك العمل بالأركان، وعند الجهميّة وجماعة من الفقهاء أنّه عبارة عن معرفة الله والرسول، ولازم هذا القول أنْ يكون من عُرف الله ورسوله ولَم ينطِق بالشهادتين مؤمناً، وعند الخوارج أنّ الإيمان هو العمل بما جاء به الرسول سَواء في ذلك الواجبات والمستحبّات، أمّا المعتزلة فأكثرهم أنّه تصديق وإقرار وعمل، فلا يوصف المسلم بالإيمان إلاّ إذا اجتمعت فيه هذه الخصال، ولذا فإنّهم لا يعدّون العاصي مؤمناً؛ لأنّ الإيمان تصديقٌ وعمل، كما لا يعدّونه كافراً لإقراره بالشهادتين، ولكونه مصدّقاً لِما جاء به الرسول من عند الله، وإذا مات كان من المخلّدين في النار، ولا يسمّى مسلماً إلاّ بقصد تمييزه عن الذمّيّين والمشركين لا مَدحاً ولا تكريماً (١) .

وقد عدّ المؤرّخون وكتّاب الفِرَق أبا حنيفة من المرجئة؛ لأنّه يرى أنّ الإيمان إقرارٌ باللسان وتصديق بالجنان ومنهما معاً يتكوّن الإيمان، كما يرى تلازم الإسلام مع الإيمان.

وجاء في مناظرةٍ جرَت بينه وبين الجهم بن صفوان - كما أوردها الحلّي في مناقب أبي حنيفة - إنّ مَن مات عارفاً بالله وصفاته، وأنّه واحدٌ لا شريك له ولم يقرّ بلسانه، مات كافراً من أهل النار، ولا يكون المؤمن مؤمناً حتى ينطق بما عرفه وآمن به.

وجاء عنه أنّه قسّم الإيمان إلى أقسام ثلاثة:

أحدها: أنْ يُصدّق بقلبه ويقرُّ بلسانه، وبذلك يصبح مؤمناً عند

____________________

(١) انظر أبا حنيفة للشيخ محمّد أبي زهرة ص ١٤٧ عن ابن أبي الحديد في شرح النهج.

٢٢٥

الله وعند الناس.

الثاني: أنْ يصدّق بقلبه ولا يقرّ بلسانه تقيّةً أو خوفاً فيكون مؤمناً عند الله وحده، ولا يكون مؤمناً عند الناس.

الثالث: أنْ يقرّ بلسانه ولا يصدّق بقلبه، فيكون مؤمناً عند الناس، وكافراً عند الله.

ومن ذلك يتبيّن أنّ الإيمان الكامل الذي يصحّ وصف الإنسان به، لابدّ فيه من الإقرار باللسان عنده، أمّا العمل بالطاعات فليس شرطاً في صدق الإيمان، وعلى أساس ذلك فقد ذهب إلى أنّ الإيمان لا ينقص ولا يزيد، ولا مجال لوصفه بأحد هذين الوصفين، ولكن التفاوت بفعل الطاعات وترك المحرّمات، وبذلك يحصل التفاوت والتفاضل بين الناس، أمّا مِن حيث الإيمان فلا مزيّةً لأحدٍ على آخر (١)، ومهما كان الحال فقد استدلّ الأشاعرة على أنّ الإيمان هو التصديق بما جاء به الرسول (صلّى الله عليه وآله) ببعض الآيات الدالّة على ذلك منها قوله تعالى:

( أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ ) وبقوله: ( وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) وقوله: ( إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ) ، وغير ذلك من الآيات التي تنصّ على أنّ الإيمان ينبع من القلب وحده، كما استدلّوا أيضاً ببعض الآيات التي ورد العمل فيها معطوفاً على الإيمان، محتجّين بذلك بأنّ العطف يقتضي المغايرة، وأضافوا إلى ذلك أنّ بعض الآيات تؤكّد أنّ الإقرار باللسان لا يجدي في صدق الإيمان، قال تعالى: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ) ، وقال في آيةٍ أُخرى: ( قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) (٢) ، أمّا القائلون بكفاية الإقرار باللسان في صِدْق الإيمان، فقد استدلّوا بما تواتر عن الرسول (صلّى الله عليه وآله) حيث أنّه كان يكتفي بالإقرار بالشهادتين في ترتيب أحكام الإيمان والإسلام بمجرّد ذلك، وبدون تفحّص عمّا وراء الإقرار باللسان (٣).

____________________

(١) انظر أبا حنيفة لأبي زهرة ص ١٧١ وما بعدها.

(٢) ولا يخفى أنّ الآيات التي استدلّ بها الأشاعرة، لا تدلّ على أكثر من اعتبار التصديق في الإيمان، ولا دلالة فيها على أنّ الإقرار باللسان ليس معتبراً فيه.

(٣) القائلون بذلك هم الكرامية.

٢٢٦

وجواب هؤلاء ما جاء في الآية الكريمة: ( قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) ، فقد نصّت على عدَم كفاية الإقرار باللسان في صحّة وصف المسلم بالإيمان.

أمّا المعتزلة الذين قالوا بأنّ الإيمان تصديقٌ وإقرارٌ وعمل، فقد استدلّوا بالآيات التي تنصّ على أنّ الدين هو فِعْل الواجبات وترك المحرّمات، قال تعالى: ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ ) ، والإسلام هو الإيمان ولو كان غيره لم يكن مقبولاً؛ لقوله تعالى: ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) ، فالإيمان المغاير للإسلام غير مقبولٍ عند الله.

كما استدلّوا على ذلك أيضاً ببعض الأحاديث مثل قولهِ (صلّى الله عليه وآله): (لا يزني الزاني وهو مؤمن)، وغير ذلك ممّا يدل أنّ المعصية تتنافى مع الإيمان، وأضافوا إلى ذلك أنّ الإيمان لو كان هو التصديق وحده، لزِم أنْ لا يصدِق على النائم والساهي، لعدَم كونه مصدّقاً في هذه الحالة (١).

أمّا الإمامية فقد ذهبوا إلى أنّ الإيمان هو التصديق بالله وحده وصفاته وعدله، وبالنبوّة وكلّ ما جاء به النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وأضافوا إلى ذلك التصديق بإمامة الاثني عشر، والمنسوب إلى المحقّق الطوسي المعروف بخاجا نصير المِلّة والدين، أنّ الإيمان عبارة عن التصديق بهذه الأُمور مع الإقرار باللسان، قال ولا يكفي الأوّل، لقوله تعالى: ( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ) ، حيث إنّه أثبت للكفّار التصديق القلبي مع جحودهم بها بألسنتهم، ولا يكفي الثاني لقوله تعالى: ( قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ) ، ولقوله: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ) ، ففي الآيتين أثبت لهم التصديق باللسان، ونفى عنهم الإيمان (٢).

وكلامه في قواعد العقائد ينصّ على أنّه عبارة عن التصديق بالقلب، قال: إنّ أُصول العقائد عند الشيعة ثلاثة: التصديق بوحدانيّة الله تعالى

____________________

(١) انظر المواقف ج ٤ ص ٢٢٢ وما بعدها.

(٢) انظر حقائق الإيمان للشهيد الثاني زين الدين العاملي ص ١٢٣، وعبارته في التجريد الذي شرحه العلاّمة تنصّ على ذلك ص ٢٧٠.

٢٢٧

في ذاته، والعدل في أفعاله، والتصديق بنبوة الأنبياء، والتصديق بإمامة الأئمّة المعصومين من بعد الأنبياء (عليه السلام)، ولم يعتبر الإقرار شرطاً فيه، لقوله تعالى: ( أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ ) ، ولقوله: ( وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) ، فمِن هاتين الآيتين يُستفاد أنّ محلّه القلب بدون شيءٍ آخر، نعم يكون الإقرار باللسان كاشفاً عنه في الغالب، والعمَل بالطاعات من ثمراته ولوازمه، وليس ببعيد أنْ يكون اعتبار الإقرار شرطاً فيه، عند القائلين بذلك من الإماميّة باعتبار أنّه كاشف عنه في الغالب، لا من جهة أنّه داخل في حقيقته، ولا سيما بملاحظة بأنّ المعتقد بوجود الله ووحدانيّته ورسله، إذا مات قبل أنْ ينطق بالشهادتين، أو منعه مانع عن النطق بهما، لا يلتزمون بأنّه يموت كافراً (١).

وكما ذكرنا يُمكن أنّ يكون الإقرار شرطاً في تحقّق الإيمان ظاهراً، ويكون كاشفاً عن واقع حاله، والحكم عليه بالإيمان ظاهراً موقوف على الإقرار بما اعتقده واطمأنّ به؛ لأنّ التعبير عمّا في النفس لا يكون في الغالب إلاّ بالكلام، ومهما كان الحال فالذي ذهب إليه أكثر الإمامية من المتقدّمين منهم والمتأخّرين أنّه عبارة عن التصديق بالقلب، وليس الإقرار باللسان جزءاً من حقيقته، وكلّهم متّفقون على أنّ العمل بالطاعات وترك المحرّمات ليسا من أركانه، ولا يتوقّف عليهما.

وقد أورد الشهيد الثاني بعض الآيات والأحاديث المؤيدة لذلك، وفي بعض الآيات وردت الأعمال معطوفةً على الإيمان، والعطف مقتضٍ للمغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، وأضاف إلى الآيات والأحاديث الإجماع أيضاً، قال: إنّ الأُمّة أجمعت على أنّ الإيمان شرطٌ لسائر العبادات والأعمال المقرِّبة من الله سبحانه، ولو كان العمل بالطاعات من أركان الإيمان، لزِم أنْ يكون الشيء شرطاً لنفسه (٢) .

وجاء في بعض المرويّات عن الأئمّة (عليهم السلام) في تحديد الإيمان، انّه تصديقٌ وإقرارٌ وعمل، فمِن ذلك ما رواه حمّاد بن عثمان، عن عبد الرحيم القصير قال: كتبت مع عبد الملك بن أعيَن إلى أبي عبد الله (عليه السلام) أسأله عن الإيمان، ما هو؟ فكتب إليّ مع عبد الملك بن أعيَن: (الإيمان هو الإقرارُ باللسان،

____________________

(١) انظر ص ١٠٣ و١٢٦ من حقائق الإيمان.

(٢) انظر الكتاب المذكور ص ١١٣ و١١٤.

٢٢٨

وعقد القلب، وعملٌ بالأركان، والإيمان بعضه من بعض).

وجاء في رواية محمّد بن مسلم عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: سألته عن الإيمان، فقال: (شهادة أنْ لا إله إلاّ الله، وإقرارٌ بما جاء مِن عند الله وما استقرّ في القلوب من التصديق بذلك)، فقلت له: أليس الشهادة عملاً؟ قال: (بلى)، قلت: العمل من الإيمان؟ قال: (نعم، لا يكون الإيمان إلاّ بعمل، والعمل منه).

وجاء في روايةٍ أُخرى عن عجلان بن أبي صالح، أنّه الشهادتان والإقرار بما جاء من عند الله، والصلاة والزكاة وصوم شهر رمضان، وحجّ البيت وولاية وليّنا، والدخول مع الصادقين (١) هذه الروايات بالإضافة إلى ضعف سندها لا تدلّ على أنّ العمل داخلٌ في حقيقة الإيمان، ومِن الغريب أنّها في مقام تحديد الإيمان الكامل الموجب للنعيم الدائم، ويؤيّده أنّه ذكر سائر الواجبات وأضاف إليها الدخول مع الصادقين وعداوة عدوّهم، ولا شكّ بأنّ القيام بجميع هذه الأعمال، والالتزام بها يكشف عن أعلى مراتب الإيمان بالله، والتصديق بما جاءت به رسله وكتبه.

وكما وقَع الخلاف بين الفِرَق الإسلامية في حقيقة الإيمان، وقَع الخلاف بينهم في أنّ الإيمان والإسلام متّحدان أو متغايران، وقد نَسب الشيخ المفيد إلى الإمامية أنّهم يقولون بأنّ الإسلام مغاير للإيمان بنحوِ العموم والخصوص المطلق.

قال في أوائل المقالات: (واتّفقت الإمامية أنّ الإسلام غير الإيمان، وأنّ كلّ مؤمنٍ مسلم، وليس كلّ مسلمٍ مؤمناً، وأنّ الفَرْق بين هذين المعنيَين في الدين كما كان في اللسان، ووافقهم على هذا القول المرجئة وأصحاب الحديث، وأجمعت المعتزلة وكثير من الخوارج والزيدية على خلاف ذلك، وزعموا أنّ كلّ مسلمٍ مؤمن، وأنّه لا فَرْق بين الإسلام والإيمان في الدين) (٢).

ويلزمهم على هذا أنّ يكون المُقصّر في أداء الواجبات والطاعات خارجاً عن الإسلام والإيمان؛ لأنّهم اعتبروا في حقيقة الإيمان فعل الواجبات وترك المحرّمات، وإذا كانا متّحدين لزِم أنْ يكون المقصّر خارجاً عنهما، ولا يلتزم بذلك أحد من المسلمين، حتى المعتزلة أنفسهم، فإنّهم لا يمنعون من وصف

____________________

(١) نفس المصدر ص ١٢٢.

(٢) انظر أوائل المقالات للمفيد ص ١٥.

٢٢٩

العُصاة بالإسلام.

وقد وافقهم على ذلك المحقّق الطوسي المعروف بخاجا نصير الدين، فقد نقل عنه الشهيد الثاني في رسالته المسمّاة (حقائق الإيمان) أنّ الإسلام والإيمان متّحدان حقيقةً، ولكنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) قد رتّب أحكام الإسلام على من يقرّ بالشهادتين بمجرّد إقراره بهما ما لَم يعلم كذِب المقِر، تسهيلاً على الناس ودفعا للحرَج، واستدلّ على ذلك بأنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) كان يكتفي بهما في ترتيب أحكام الإسلام.

وأيّد اتحادهما حقيقة بقوله تعالى: ( فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) .

والاستدلال بهذه الآية إنّما يصحّ بناءً على أنّ غير بمعنى الاستثناء المتّصل المفرّغ، وعليه يكون حاصل الكلام (فما وجدنا فيها من بيوت المؤمنين إلاّ بيتاً من المسلمين)، ومِن المعلوم أنّه لم يكن فيها يومذاك إلاّ بيتِ النبيّ لوط، وهُم الذين أخرجهم منها قبل إنزال العقوبة على تلك المدينة، ولابدّ وأنْ يكون المستثنى المتّصل من جنس المستثنى منه ومن مصاديقه، ولازم ذلك اتّحاد المؤمن والمسلم، إذ لا يُمكن في المقام فرض عموم المستثنى، كما وأنّه لم يقل أحد بأنّ الإيمان أعمّ من الإسلام (١).

وقد رجّح الشهيد الثاني اتحادهما، ولكنّ الظاهر من بعض الآيات ومن معاملة النبيّ لِمَن أقرّ بالشهادتين معاملة المسلم، أنّ الإسلام أوسَع واعمّ من الإيمان، وقد جاء عنه أنّه قال: (أُمرت أنْ أُقاتل الناس حتى ينطقوا بكلمة الشهادة، فإذا نطقوا بها كففت عنهم) ، هذا بالإضافة إلى أنّ الإسلام والإيمان من الأُمور الاعتبارية الراجعة إلى من بيده الاعتبار، وقد أطلق مَن بيده الاعتبار لفظ الإسلام على من اقرّ بالشهادتين، وظاهر هذا الإطلاق انّه كان على سبيل الحقيقة، ولم يثبت انّه أطلقه عليهم تجوزاً باعتبار ترتيب

____________________

(١) انظر حقائق الإيمان ص ١٣٩، ولا يخفى أنّ الاستثناء الوارد في هذه الآية لا يدلّ على اتحادهما ويكفي في صحّته تصادق المستثنى والمستثنى منه على هذا الفرد، ولا ينافي ذلك كون الإسلام أعمّ من الإيمان.

٢٣٠

أحكام الإسلام لا غير، أمّا الإيمان فحيث لم يتساهل في وصفهم به، ونفاه عن بعض من لم يكن مستقرّاً في قلوبهم، لذلك كان لابدّ فيه من التصديق بما جاء به الإسلام جملة وتفصيلاً.

مرتكب الكبيرة

لقد كان اتصال العرب بغيرهم من الأُمم التي غزاها الإسلام، وخضعت لسلطانه وأنظمته، هذا الاتصال كان بداية لحياة جديدة، وتطوّر شمل جميع مرافق الحياة، سَواء في ذلك الاقتصادية والاجتماعية والفكرية، وظهرت آثار هذا التحوّل في حياة المسلمين وتفكيرهم وجميع اتجاهاتهم في العصر الأموي الأوّل، فكان هذا الدور بداية لنهضة واسعة تمّ تكاملها، وأينعت ثمارها بعد استقرار الأُمور في يد العبّاسيّين.

ويبدو ذلك واضحاً عندما نلاحظ ذلك النشاط الفكري الذي قطع أشواطاً بعيدة في أقلّ من ربع قرن من الزمن، فأنتج الفكر العربي الإسلامي في مختلف العلوم الإسلامية، وتخطّاها إلى بقيّة العلوم التي لم يَعرِف عنها العرب قليلاً ولا كثيراً قبل تلك الفترة من تاريخهم.

وكان الصراع العقائدي بين الفِرَق والمذاهب الإسلامية، يحتلّ القسم الأكبر من تفكيرهم، ولعِب المعتزلة دوراً بارزاً في هذا الميدان، وأصبحوا بنظر الكتّاب والمؤلّفين الزعماء الأقوياء لتلك الحلقات العلمية الواسعة الأطراف.

وعلى كلّ حال فقد ذكرنا سابقاً أنّ طلائع مذهب الاعتزال قد أطلت في العصر الأموي بواسطة واصل بن عطاء الزعيم الأوّل من زعمائهم، كما يدّعي أكثر الكتّاب، وكان من روّاد مجالس الفقهاء في البصرة، كما كان التلميذ المقرّب من الحسن البصري شيخ البصرة وصاحب الحلقة الشهيرة، التي كانت تجري فيها مختلف البحوث العلمية والفكرية.

وفي ذلك العصر كان الخوارج يعلنون تكفير العُصاة والحكّام الأمويّين، ولمّا شاعت مقالتهم بين الناس وأصبحت موضع جدَلٍ بين العلماء والفقهاء،

٢٣١

لم يكن لهم غنىً عن الرجوع إلى الحسن البصري، فجرى فيها البحث في مجلسه، وكثرت فيها الآراء والأقوال، فقال الحسن البصري: هو منافق لأنه أظهر الإيمان وأبطن الكفر، ووقف واصل بن عطاء في مجلس شيخه وادعى بأنّه في منزلةٍ بين المنزلتين، فلا يصحّ وصفه بالإيمان؛ لأنّ الإيمان تصديقٌ وإقرارٌ وعمَل، ولا بالكفر؛ لأنّه مقرٌّ بالشهادتين، ويقوم ببعض الطاعات.

ولمّا احتدم النزاع بينه وبين أُستاذه في هذه المسألة اعتزل مجلس أُستاذه، واستقلّ في زاويةٍ من زوايا المسجد، هو وأتباعه ومعه صهره عمرو بن عبيد - أحد أقطاب المعتزلة في عصره - فقال الحسن البصري: لقد اعتزَلَنا واصل، فأصبح هذا الوصف عَلَماً على كلّ مَن يرى رأيه في هذه المسألة، كما يدّعي أكثر كتّاب الفِرَق والمذاهب، وفي ذلك يقول واصل بن عطاء:

إنّ الإيمان عبارة عن خصال إذا اجتمعت في الإنسان يكون مؤمناً، وصاحب الكبيرة لم يستكمل تلك الخصال، فلا يسوغ وصفه بالإيمان، كما لا يصحّ وصفه بالكفر؛ لأنّه مصدّقٌ بالله ورسوله، ويصحّ أنْ نسمّيه مسلماً يتميّز عن الذمّيّين الذين لا يقرّون بالشهادتين، وأضاف إلى ذلك أنّ مرتكب الكبيرة يُخلّد في جهنّم، ووافقه على ذلك جميع المعتزلة، وقد أدعى أبو زهرة أنّ المعتزلة يذهبون إلى أنّ مرتكب الكبيرة يُعذّب في جهنّم بمقدار جرمه ونسب القول بالخلود في جهنّم إلى واصل بن عطاء وحده (١)، وهذا الرأي مخالفٌ لنصوصهم ولإجماع كتّاب الفِرَق والمؤرّخين.

وقد خالَف المعتزلة في ذلك المرجئة وجميع أهل السنّة، والإمامية، وقد ذكرنا أنّ غلاة المرجئة يدّعون بأنّه لا تنفع مع الكفر طاعة، كما لا تضرّ مع الإيمان معصية مهما كان نوعها، أمّا المحدّثون والفقهاء والأشاعرة فقد قالوا بأنّ مرتكب الكبيرة لا يخرج عن الإيمان لمجرّد ذلك، وتبقى له صفة الإيمان؛ لأنّه تصديقٌ بالله ووحدانيّته ورسله وكتبه.

ومهما كان الحال فقد استدلّ المعتزلة لإثبات مذهبهم، بأنّ الإيمان تصديقٌ وإقرارٌ وعمَل، فإذا لم يعمَل يختل ركن من أركان الإيمان فلا يكون مؤمناً، كما لا يكون كافراً في ظاهر الحال، لإجماع الصحابة والتابعين،

____________________

(١) انظر الإمام الصادق ص ١٥٠.

٢٣٢

والفقهاء في جميع العصور على معاملته معاملة المسلمين، وقد ذكرنا أنّه من اللازم أنّه يكون كافراً بمقتضى تحديدهم للإيمان، ولكنّهم توسّعوا في وصفه بالمسلم تمشّياً مع السيرة المستمرّة بين المسلمين في ترتيب آثار الإسلام عليه (١) وقد ذكرنا سابقاً رأي الخوارج في هذه المسألة في أثناء حديثنا عنهم (٢).

أمّا الإمامية فقد ذهبوا في هذه المسألة إلى أنّ مرتكب الكبيرة لا يخرج عن الإيمان بالمعصية مهما كان نوعها؛ لأنّه لا يُعتبر في الإيمان أكثر من التصديق بالقلب عند أكثر الإمامية، وقد ذكرنا أنّ بعضهم أضاف إليه الإقرار باللسان (٣)، فالعُصاة إذا لم يبلغ بهم الحال إلى الجحود والتشكيك لا يخرجون عن الإيمان، وبذلك يلتقي الإمامية مع الأشاعرة ومع المعتدلين من المرجئة، وهم مرجئة أهل السنّة - كما ذكرنا ـ، أمّا القائلون بأنّ الإيمان لا تضرّ معه معصية، فهؤلاء فرقة مستقلّة بنفسها؛ لأنّ الإيمان وحده عندهم يغفر الذنوب جميعاً، كما يمحق الكفر جميع الطاعات والأعمال الصالحات (٤).

وأسوأ منهم حالاً بعض متطرّفي المرجئة القائلون بأنّ الإيمان هو المعرفة، فمَن كان عارفاً بالله ورسله وبما جاءوا به، لو أعلن الكفر بلسانه، وعبَد الأوثان أو اعتنق اليهودية والنصرانية في دار الإسلام، ومات على ذلك كان كامل الإيمان، وقد تبرّأ الشيعة وأئمّتهم من هؤلاء وغيرهم ممّن استهانوا بمبادئ الإسلام، وسهّلوا للعُصاة أتباع الشهوات والأهواء، ولعنوهم في النوادي والمجتمعات، وأوضحوا للناس آراءهم ومعتقداتهم بدافع الحرص على مبادئ الإسلام، والغيرة على الأحكام التي فرضها الله على الناس، وحذّرهم من مخالفتها، وتوعّدهم بالعقاب الأليم إذا انحرفوا عنها، وجاء عن زيد بن علي بن الحسين (عليه السلام) اللهمّ إنّي أبرأ إليك من المرجئة الذين أطمعوا الفسّاق في عفو الله.

ومهما كان الحال فالفِرَق الثلاث: الإمامية والمعتزلة والأشاعرة،

____________________

(١) انظر المواقف ص ٣٣٦ وما بعدها وشرح التجريد ص ٢٧٠.

(٢) راجع الفصل الذي وضعناه للبحث عن الفرق الإسلامية.

(٣) القائل بذلك هو الطوسي في تجريده ومعه جماعة من المتقدّمين والمتأخرّين.

(٤) انظر شرح التجريد، والإمام الصادق لأبي زهرة ص ١٤٣ وما بعدها.

٢٣٣

متّفقون على أنّ مرتكب الكبيرة مستحقٌّ للعقاب إذا لم يتب من معصيته، ولكن المعتزلة يدّعون بأنّه من المخلّدين في جهنّم، والإمامية والأشاعرة يرون أنّ الخلود في جهنّم لا يكون إلاّ للكافرين بالله؛ لأنّ العدل الإلهي يقضي بأنّ لا يضيع على الإنسان شيءٌ من أعماله، وقد جاء في بعض الآيات أنّ الله لا يضيع أجر مَن أحسن عملاً، وأنّه لا يضيع عملَ عاملٍ من ذكر وأنثى، وقال تعالى: ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ) ، ( وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلاّ مِثْلَهَا ) ، هذا بالإضافة إلى أنّ ما يدعيه المعتزلة يؤدّي إلى نسبة أسوأ أنواع الظلم إلى الله سبحانه؛ لأنّه على حسب زعمهم يلزم أنْ يخلّد في جهنّم مَن عبَد الله مخلصاً عشرات السنين لمجرّد أنّه ارتكب كبيرةً في آخر حياته، وهذا من الظلم الفاحش الذي لا يقرّه العقل، ولا يتّفق مع النصوص القرآنية والنبوية (١).

واستدلّ المعتزلة على استحقاق مرتكبي الكبيرة للعقاب الدائم، بالإضافة إلى مبدأ الإحباط الذي بنوا عليه، بأنّ استحقاقهم العقاب الدائم مضرّةٌ خالصة، واستحقاقهم الثواب منفعةٌ خالصة دائمة، والجمع بين الاستحقاقين محال عقلاً، كالجمع بين الثواب والعقاب، ولابدّ من انتفاء أحدهما، وقد فرضنا أنّه يستحقّ العقاب على فعلِ الكبيرة، وإذا وجِد أحد الأمرين المتنافِيَين لابدّ من انتفاء الثاني.

وأُجيبوا على ذلك، بأنّ هذا النوع من الاستدلال من المغالطات التي لا ترتكز على أساسٍ صحيح؛ لأنّ القائلين بأنّ مرتكب الكبيرة لا يُخلّد في جهنّم، يدّعون الترتيب الخارجي بين الاستحقاقين بمعنى أنّه يُعذّب أوّلاً بمقدار جرمه، ثمّ ينتقل إلى النعيم مكافأةً له على أعماله الصالحات، والمنافاة التي يدّعيها الخصم إنّما تلزم لو قيّدنا الاستحقاق بالدوام، ولا موجب لهذا التقييد، على أنّ هذا الدليل على تقدير سلامته، لا يُلزم الأشاعرة بشيء؛ لأنّهم يدّعون بأنّ الإنسان لا يستحقّ شيئاً على أعماله، ولله أنْ يُعاقب المطيع ويثيب العُصاة (٢).

____________________

(١) انظر الفصول المختارة من كتاب العيون والمحاسن للمفيد ص ١٣٢ وشرح التجريد ص ٢٦١.

(٢) انظر المواقف ج ٤ ص ٣٠٤.

٢٣٤

واستدلّ المعتزلة أيضاً بقوله تعالى: ( وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا ) ، وبقوله: ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا ) ، ولكنّ الإنصاف أنّ هذه الآيات ليست نصّاً فيما يدّعيه المعتزلة، فإنّ الخلود الوارد فيها يمكن أنْ يُراد منه طول المكث في جهنّم، كما يُمكن أنْ يكون لخصوصيّةٍ في قتلِ المؤمن ومعصية الله والرسول، تلك الخصوصية تكشف عن كُفر هذا النوع من العُصاة، وعلى أيّ الأحوال لابدّ من تأويل هذه الآيات بما يتناسب مع عدل الله سبحانه ولطفه بعباده.

الوعد والوعيد

هذه المسألة من المسائل الخَمس التي يُبنى عليها مذهب الاعتزال، قال أبو الحسن الخيّاط في كتابه الانتصار: وليس أحدٌ يستحقّ اسم الاعتزال حتى يجمع الأُصول الخمسة: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنزاع في وجوبها عليه سُبحانه وعدمه لا يجري على مذهب الأشاعرة؛ لأنّهم يدّعون أنّ الإنسان لا يستحقّ على الله شيئاً، ولا يقبح من الله شيء أيضاً، ومع أنّه قد وعد المطيعين بالثواب تفضّلاً منه، وتوعّد العُصاة بالعقاب لا يجب عليه شيء ممّا وعده أو توعّد به، وله أنْ يُعذّب المطيع ويثيب العُصاة، وإنّما يصحّ النزاع فيها عند القائلين باستحقاق المطيعين والعاصين للثواب والعقاب.

وقد ذهب المعتزلة إلى وجوب الوفاء عليه تعالى بوعده ووعيده، فيجب عليه تعذيب العُصاة، وإعطاء المطيعين ما وعدهم به، واستدلّوا على ذلك، بأنّه سبحانه قد توعّد بالعقاب على المعاصي، وأخبرهم بنوع العقاب الذي يستحقّونه، فلو قلنا بعدَم وجوب الوفاء عليه لزِم الخُلف والكذِب فيما أخبر به وكلاهما قبيح عليه تعالى، وأيضاً لو علم الناس بأنّ الله سيعفو عنهم، وأنّ العقاب الذي وعد به قد لا يحصل، تضعف من

٢٣٥

نفوسهم دوافع الامتثال، فإنّ الكثير من الناس لولا خوفهم من العقاب، واعتقادهم بوقوعه لا يطيعون حُكماً، ولا ينتهون عن معصيةٍ ينهى عنها الله.

وأُجيبوا على ذلك بأنّ عدَم الوفاء بما توعّد به لا يُعدّ خلفاً منه بنظر الناس، بل يرونه مستحسناً؛ لأنّه من باب العفو والإحسان اللذين هما من حقوقه ومِن صفاته الثابتة لذاته تعالى، وقد أخبر عن نفسه بأنّه الغفور الرحيم وأنّه لا يغفر أنْ يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لِمَن يشاء من عباده ، ولو افترضنا أنّ ذلك يُعد خلفاً، لو افترضنا ذلك، فليس كلّ خلف قبيحاً؛ لأنّ هذا النوع من الخلف مستحسن عند العقلاء والناس أجمعين، إلاّ عند المعتزلة (١) .

وقال الإمامية: يجب على الله أنْ يفي بما وعَد ولا يجب عليه الوفاء بما توعّد به؛ لأنّ وجوب الوفاء بالوعد من العدل والإنصاف الواجبين عليه تعالى، هذا بالإضافة إلى أنّ التكاليف إنّما شُرّعت لمنفعة العباد، ويجب عليه إيصال النفع لهم، على أنّ عدَم الوفاء مستقبَح بنظر الناس والعقلاء، ولا يجب عليه أنْ يفي بما توعّد به؛ لأنّ العقاب حقٌّ له سبحانه، وله أنْ يسقطه باعتباره حقّاً مملوكاً له، وقد دلّت النصوص المرويّة عن أئمّة الشيعة على ذلك، فقد جاء في بعض المرويّات عنهم أنّ أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: (إنّ رسول الله قال: مَن وعده الله ثواباً على عملٍ فهو منجزه له، ومَن أوعده على عملٍ عقاباً، فهو فيه بالخيار).

وقال إبراهيم بن العبّاس: كنّا في مجلس الإمام الرضا (عليه السلام) نتذاكر فيما يدّعيه المعتزلة في الكبائر، وأنّها لا تغفر لهم، فقال الإمام الرضا: (قال أبو عبد الله الصادق: لقد نزَل القرآن بخلافِ قول المعتزلة، قال سُبحانه: ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ ) ).

وجاء عن محمّد بن عمر أنّ الإمام موسى بن جعفر قال: (لا يخلّد في النار إلاّ أهل الكفر والجحود، وأهل الشرك والضلال) (٢).

____________________

(١) انظر الفصول المختارة من العيون والمحاسن، والمواقف ص ٣٠٤.

(٢) انظر كتاب التوحيد للصدوق محمّد بن بابويه القمّي ص ٢١٧ و٢١٨.

٢٣٦

البَداء

لقد شاع بين الكتّاب والباحثين في العقائد على اختلاف فِرَقهم، أنّ البَداء من مختصّات الشيعة، وأنّه من عقائدهم التي يؤمنون بها، وأوّل من قال به المختار الثقفي على حدّ زعمهم، وجاء في التعليقة على الملل والنحل للشهرستاني، أنّ الكيسانية، قد نسبوا البَداء إلى الله حينما بعث مصعب بن الزبير جيشاً مجهّزاً إلى غزو المختار، فأرسل إليه المختار جيشاً بقيادة أحمد بن شميط مؤَلّفاً من ثلاثة آلاف مقاتل، وقال لهم: قد أُوحي إليّ أنّ الظفر سيكون لكم، ولمّا انهزم ابن شميط، بعد المعارك التي دارت بينه وبين مصعب بن الزبير، قال له المختار: إنّ ربّي قد وعَدَني النصر، ثمّ بدا له، وتلا عليه قوله تعالى: ( يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) .

وكان في بعض الأحيان يخبر أصحابه بأُمور ينسبها إلى الله يستغل بذلك المغفّلين والبسطاء من أتباعه، فإذا انكشف لهم خلاف ما أخبر به، قال لهم: بدا لربّكم (١)، ويبدو مِن رواية الشهرستاني وغيره من المؤلّفين في الفِرَق، أنّ المختار أوّل من قال بالبَداء ونسبه إلى الله ليخدع العوام والسذَّج من أتباعه، وقد راجت مقالته هذه بين الشيعة وأصبحت من عقائدهم، وقال بها الإمامية ونسبوها إلى أئمّتهم (عليهم السلام)، وعدّها المؤلّفون وأهل السنّة وصمةً على التشيّع، ولا سيّما بعد أنْ فهموا منه تبدّل إرادة الله سبحانه وتجدّد علمه بالأصلح والأحسن.

ووجدوا من الشيعة من يقول به، عمَلاً ببعض المرويّات عن الأئمّة (عليهم السلام)، وقبل أنْ نبيّن المعنى المراد من البّداء الوارد في أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) والذي يقول به الشيعة، لابدّ من بيان المعنى الذي يتحمّله هذا اللفظ، لقد وردت هذه الكلمة في القرآن والحديث، قال تعالى: ( وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ) ، وقال: ( وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا ) ، وهو في الآيتين بمعنى الظهور والإبانة، وقد يطلق ويراد منه تغير الإرادة وتبدّل العزَم تبعاً لتغير العلم، وهذا هو البَداء المنسوب إلى الإمامية على حدّ زعم أهل السنّة وبعض الكتّاب، وهو الذي أحدثه المختار الثقفي كما جاء في مرويّاتهم.

____________________

(١) انظر الملل والنحل ج ١ ص ٢٣٨ والتبصير في الدين ص ٣٧.

٢٣٧

وقد يطلق ويراد منه تعليق أمرٍ على آخر، ولازم ذلك عدم حصول المشروط إذا لم يحصل الشرط، وقد ورد في جملة من المرويّات عن الأئمّة، أنّ مَن وصّل رحِمه مدّ الله في حياته، وضاعف له الرزق، ومعنى ذلك أنّ الله جعل لصلة الأرحام هذه الآثار، فإذا أوجَد الإنسان هذا الأمر ترتّب عليه أثره وإنْ لم يحصل الأثر المجعول لِعَدم حصول شرطه، أمّا البَداء بمعنى تغير إرادته وتبدّل عزمه الناشئين عن تجدّد علمه، فلَم يَقُل به أحد من الشيعة ويرَونه ضلالاً وفساداً في العقيدة.

وأمّا البَداء بالمعنيَين الآخرين، فهو الذي يقولون به، ولا يلزم منه أيّ محذور بالنسبة إليه تعالى؛ لأنّ ظهور أمرٍ للإنسان كان خافياً عليه، أو تعليقَ أمرٍ على حصول شرطه كما ذكرنا بالنسبة إلى صلة الأرحام مثلاً، هذا النحو من البَداء المصطلح عليه عندهم، لا يلزم منه تبدّل في الإرادة، ولا تجدّد في معلوماته تعالى: والنصوص التي وردت عن الأئمّة حول البَداء، ليس فيها ما يمنع من إرادة هذا المعنى منه.

قال الشيخ المفيد في أوائل المقالات: الذي أقوله في البَداء هو ما يقوله المسلمون بأجمعهم في النسخ وأمثاله من الإفقار بعد الإغناء، والإمراض بعد الإعفاء، والإماتة بعد الإحياء، والزيادة في الآجال والأرزاق بسبب بعض الأعمال، والذي جوّز إطلاق لفظ البَداء على ذلك بعض الآيات والنصوص الواردة عن الأئمّة (عليهم السلام).

وقال الشيخ أبو جعفر الصدوق: فالمعنى في قول الإمامية بدا لله في كذا أي ظهر منه، وهو خاص فيما يظهر مِن الفعل الذي كان وقوعه مستبعداً بنظر الإنسان.

ومجمل القول أنّ البَداء بمعنى أنّ الله يقدر ويعلم ثمّ ينسخ ما قدّر وما علِم بأمرٍ آخر، هذا النوع من البَداء لم يقُل به الشيعة؛ لأنّه مستلزم لتغيّر علمه وتبدّل إرادته وعدَم إحاطته بما كان وسيكون، وجاء في الحديث عن منصور بن حازم قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام): هل يكون اليوم شيءٌ لم يكن في عِلم الله بالأمس؟ قال: (لا، مَن قال هذا أخزاه الله)، قلت أرأيت ما كان، أرأيت ما هو كائن إلى يوم القيامة، أليس في علم الله؟ قال: (بلى، قبل أنْ يخلق الله الخلْق).

وأمّا البَداء بالمعنيَين الآخرين فهو الذي يقولون به، كما تبيَّن ذلك من

٢٣٨

كلام الصدوق والمفيد، وقال في كنز الفوائد (١) : إنّ المراد من البَداء أنْ يظهر للناس خلاف ما توهّموه، وينكشف لهم غير ما كانوا يعتقدون من دوام الأمر واستمراره، وسُمّيَ بداءً لمشابهته لِمَن يأمر بالشيء أو يجزم به، ثمّ ينهى عنه في وقته.

وله مناظرة حوله مع أحد أعلام المعتزلة، أكّد له فيها أنّ البَداء الذي يقول به الشيعة لا يختلف عمّا يقول به غيرهم، إلاّ بالاسم، ولا يعنون به تبدّل إرادة الله وتغيّر علمه، فهو نظير ما لو أمَر السيّد عبده بعملٍ من الإعمال، فأظهر العبد استعداده للقيام بذلك العمل وإنجازه، وقبل أنْ يُباشر نهاه عن القيام به، فقد بدا للعبد غير ما كان يعتقد حيث إنّه اعتقد دوام إرادة السيّد وبقاءها، فلمّا نهاه عنه ظهَر له خلاف ما كان يعتقد، مع أنّ الآمر يعلم بإطاعته له وإقدامه على العمل، ولكنّه إنّما أمره به ليظهر للناس انقياده لأوامره.

ومِن أمثلة ذلك ما حكَاه الله سبحانه في كتابه الكريم عن إبراهيم وولده إسماعيل، حيث أوحى إليه في نومه أنْ يذبح ولده إسماعيل، ولمّا تهيّأ لذبحه وأظهر ولده رضاه واستعداده لتنفيذ أمر الله فيه، نهاه الله عن ذبحه، فقد بدا لإبراهيم بعد النهي غير ما كان يعتقده، وإرادة الله سُبحانه لم تتعلّق بالذبح وإنّما تعلّقت بمقدّماته من القصد، والقيام بكلّ ما يتوقّف عليه الذبح كأخذ السكّين ووضعها في العنق وغير ذلك، وقد أطلق على هذا النوع من العمل ذبحاً تجوّزاً وتوسّعاً في الكلام (٢) .

وفي مرويّات الشيعة عن أئمّتهم (عليهم السلام)، إنّه لابدّ من الإقرار لله بالبَداء فقد روى ابن أبي عمير عن مرازم بن حكيم أنّه قال: سمِعت أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) يقول: (ما تنبّأ نبيٌّ قط حتى يقرّ لله عزّ وجل بخمس: بالبَداء، والمشيئة، والسجود، والعبودية، والطاعة)، وقال الريّان بن الصلت: سمِعت الرضا (عليه السلام) يقول: (ما بَعث الله نبيّاً إلاّ بتحريم الخمر والإقرار له بالبَداء).

وجاء في رواية محمّد بن مسلم في تفسير البَداء، أنّه تعالى يقدّم ما يشاء ويؤخّر ما يشاء، وروى زرارة بن أعيَن عن الباقر (عليه السلام)، أنّ الإقرار

____________________

(١) محمّد بن عليّ الكراجكي المتوفّى سنة ٤٤٩ ص ١٠٣ و١٠٤ و١٠٥ والكراجكي هذا هو أحد أعلام الإمامية في القرن الرابع والخامس الهجري، وكان من تلاميذ الشيخ المفيد.

(٢) المصدر السابق ص ١٠٥.

٢٣٩

لله بالبَداء من أفضل أنواع الطاعات ؛ وذلك لأنّ الإقرار له بالبداء اعترافٌ له بالقدرة على كلّ شيء: الإحياء بعد الإماتة، والإفقار بعد الإغناء، والإمراض بعد الإعفاء، والزيادة في الآجال والأرزاق عند حصول أسبابها: فقد جاء في الحديث عن الرسول (صلّى الله عليه وآله): (لا يردّ القدَر إلاّ الدعاء، وأنّ الرجل ليُحرَم الرزق بخطيئة يعملها، ولا يزيد في العمر إلاّ البِر)، وإنّما يكون ذلك بعلم الله سبحانه وقضائه، فقد قضى أنّ العبد إذا أحسن لأرحامه يزداد عمره ويتّسع رزقه، ولا يلزم من ذلك تبدّل في إرادته ولا تغيّر في علمه، فكلّ ما يجري وما يكون قد أحاط به علمه، وسبَق فيه قضاؤه.

وقد روى العيّاشي عن ابن سنان أنّ أبا عبد الله الصادق قال: (إنّ الله يقدّم ما يشاء ويؤخّر ما يشاء، ويمحو ما يشاء، ويثبت ما يشاء وعنده أُمّ الكتاب)، ثمّ قال: (فكلّ أمرٍ يريده الله فهو في علمه قبل أنْ يصنعه، ليس شيء يبدو له إلاّ وقد كان في علمه، إنّ الله لا يبدو له عن جهل).

وفي بعض المرويّات عن الأئمّة (عليهم السلام) إنّ القضاء الحتمي المعبّر عنه باللوح المحفوظ، وبالعلم المخزون لا يُمكن أنْ يقع فيه البَداء، والذي يقَع فيه البَداء هو القضاء الموقوف على أنْ لا تتعلّق إرادة الله بخلافه، ومن المعلوم أنّ إرادة الله إنّما تتعلّق بخلافه باعتبار حصول بعض الأعمال، أو حصول شرط يقتضي محو ذلك الشيء وإثبات خلافه، فالبَداء في التكوينات كالنسخ في الشرعيّات لا يلزم منه محذور بالنسبة إليه تعالى، بل هو إقرارٌ له بالقدرة المطلقة على حدوث الأشياء وبقائها، وفي نفس الوقت لا يوجب انقطاع أمَل العبد بتوفيقه للطاعات وإبعاده عن المعاصي والمنكرات (١) .

____________________

(١) انظر البيان في تفسير القرآن للمرجع الأعلى للطائفة الشيعية السيّد أبي القاسم الخوئي ص ٢٧٢.

٢٤٠

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253