الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة

الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة15%

الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة مؤلف:
تصنيف: تاريخ التشيع
الصفحات: 253

  • البداية
  • السابق
  • 253 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 55880 / تحميل: 9594
الحجم الحجم الحجم
الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة

الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة

مؤلف:
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة


1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

إلى عطية بن الأسود الحنفي أتباع عبد الكريم بن عجرد أنّ الأطفال قبل بلوغهم تجب البراءة منهم، فإذا بلغ الصبيّ دُعيَ إلى الإسلام فإنْ أجاب إليه ووصفه كان مسلماً، ومِن هؤلاء من قال بالقدَر بمعنى التفويض وليس لله في أعمال عباده رأي أو تصرّف، فهم الخالقون لأفعالهم والكفر والإيمان باستطاعتهم وحدهم، بينما يرى بعض العجاردة من أتباع عبد الكريم بن عجرد: أنّ الأعمال مخلوقة لله ولا مشيئة للعبد فيها، والقائل بذلك هم الشعيبية نسبة لرجل يدعى شعيب، وقد تخاصم هو وميمون، في مال كان لميمون عليه، فقال له شعيب: أعطيكه إنْ شاء الله، فردّ عليه ميمون على مذهبه في القدر لقد شاء الله أنْ تعطيني إيّاه، فقال له شعيب: لو شاء الله لم أقدر إلاّ أنْ أعطيكه.

وقد نسب كتاب الفرق والمذاهب إلى الميمونية والعجاردة أنّهم يجيزون نكاح بنات البنين وبنات البنات، وبنات بنات الأخوة والأخوات، ويدّعون أنّ الله لم يُحرّم البنات وبنات الأخوة والأخوات، كما يدّعون بأنّ سورة يوسف ليسَت من القرآن.

ومَن فِرَق الخوارج الأباظية ولهؤلاء آراء يُخالفون غيرهم بها، كما يتّفقون مع غيرهم من فِرَق الخوارج في بعض الآراء، ومِن فروعهم الحفصية أتباع حفص بن أبي المقدام أحد قادتهم، وذهبوا إلى أنّه بين الشرك والإيمان معرفة الله وحده، فمَن عرَف الله وكفَر بما سِواه من الرسل والجنّة والنار وعمل جميع المنكرات يكون كافراً ولا يُعَد مشركاً، وهؤلاء قد ذهبوا إلى أنّ عليّاً (عليه السلام) هو الحيران الذي ذكره الله في كتابه حيث قال: ( كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ) ، والذين دعوه إلى الهدى هم أهل النهروان، وأنّ الله قد أنزل فيه قوله: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) ، وأنزل في قاتله: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ ) .

وقد ادعى أحد الأباظيّين وهو يزيد بن أنيسة أنّ الله سيبعث رسولاً من العجَم وينزل عليه كتاباً من السماء يكتب في السماء، وينزل جملةً واحدة، وأضاف أنّ أهل الكتاب إذا شهدوا لمحمّد بالنبوّة نتولاّهم ويجوز وصفهم بالإيمان وإنْ لم يدخلوا دين الإسلام (١)، ويتّفق الأباظية بجميع

____________________

(١) انظر مقالات الإسلاميّين ص ١٧٠ و١٧١.

٤١

فِرَقهم على أنّ مرتكب الكبيرة مخلّد في جهنّم، وفاعلها كافر لأنعم الله وليس مشركاً، وجوّز الضحاكيّة منهم أنْ تتزوّج المرأة المسلمة من كفّار قومهم في دار التقية، كما يجوز للرجل المسلم أنْ يتزوّج الكافرة من قومه في دار التقية، أمّا إذا كان حكمهم جائراً فلا يستحلّون ذلك، بينما قال جماعة منهم: إنّ المرأة المتزوّجة من كفّار قومنا لا نعطيها صفة الإسلام، ولا تجب الصلاة عليها إنْ ماتت، أمّا مخالفيهم فقد حكَم جماعة منهم بكفرهم وتوقّف آخرون فلَم يحكموا عليهم بكفر أو إيمان، وجميع المسلمين الذين لم يؤيّدوا حركتهم مخالفون في دار الكفر، ومن فِرق الخوارج ا لبيهسية أصحاب أبي بيهس هيجم بن جابر ولهم آراء شاذّة في الأُصول والفروع منها أنّ الشراب حلال في أصله ولم يأتِ فيه شيء من التحريم لا في قليله ولا في كثيره، ومنها أنّ الناس مشركون بجهلِ الدين وارتكاب الذنوب، ويجب على الله أنْ يظهر أحكامه في العصاة كما أظهرها في الشرك، ولو جاز إخفاءها لجاز في الشرك أيضاً.

ومنها أنّ الإمام إذا كفَر كفرت الرعية الغائب والشاهد حكمهم حكم الإمام، ومَن فعل شيئاً من المحرّمات التي توعّد الله عباده عليها وهو لا يعلم بحرمته كان كافراً.

ومِن فِرقهم الشبيبية أتباع شبيب بن يزيد (١)، وهؤلاء قد جوّزوا إمامة المرأة واستخلافها ولهم آراء أُخرى أكثر شذوذاً ممّا أوردناه (٢).

ولهم فِرق أُخرى وآراء في الأُصول والفروع تدور حول مرتكب الذنب، وأحكام المخالفين لهم، ويبدو بعد التتبّع لآرائهم أنّ التكفير هو أوّل الصفات التي تجري على ألسنتهم، فكأنّ المقياس للدين هو آراؤهم ومتابعتهم على ضلالهم وجهلهم وقد كفّر بعضهم بعضاً لأقلّ مناسبة وأبسطها، وانقسموا على أنفسهم حتى في ساحات القتال مع أخصامهم الأمويّين، وقد عرف فيهم الحكّام والقوّاد الذين تولّوا قتالهم هذه الحالة، فاستغلّوها لتفريق كلمتهم وإضعافهم، فقد جاء في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المجلّد الأوّل: إنّ الأزارقة كان من بينهم حدّاد يصنع لهم نِصالاً

____________________

(١) أحد القواد الذين قادوا حركة الخوارج في عهد عبد الملك بن مروان، وقد اشترك في جملة مِن المعارك هو وزوجته.

(٢) انظر ص ١٧٩ و١٨٠ و١٨١ من مقالات الإسلاميّين لأبي الحسن الأشعري ج ١.

٤٢

مسمومة يرمون بها أصحاب المهلّب بن أبي صفرة، فشكا أصحاب المهلّب إليه أمر الحدّاد، فقال: أنا أكفيكم أمره، فوجّه إليه كتاباً فيه ألف دينار مع رجلٍ من أصحابه وأمره بإلقاء الكتاب والدنانير في معسكر الخوارج، وكتب فيه: أمّا بعد فإنّ نصالك قد وصلَت إلينا وقد وجّهت لك ألف دينار فاقبضها وزدنا من نِصالك، فأصاب الكتاب أحد الخوارج وسلّمه إلى قطري الذي كان يقود الخوارج في حربهم مع المهلّب، ولمّا قرأ الكتاب استدعى الحدّاد فقال له: ما هذا الكتاب والدنانير قال: لا أعلم بها، فأمر بقتله فجاءه أحد القوّاد ويُدعى عبد ربّه الصغير مولى بني قيس بن ثعلبة، فقال له: قتلتَ رجلاً على غير ثقةٍ وبيّنة، قال قطري: ما حال الألف دينار؟ قال: يجوز أنْ يكون أمرها كذباً ويجوز أنْ يكون حقّاً.

فقال له قطري: إنّ قتل رجلٍ فيه صلاح غير منكَر، وللإمام أنْ يحكُم بما يراه صالحاً وليس للرعية أنْ تعترض عليه، وكان من نتيجة ذلك أنْ تنكّر له عبد ربّه الصغير مع جماعة من الخوارج ونقموا عليه تسرّعه في هذا الأمر، ولمّا بلغ المهلّب خلافهم احتال لأنْ يزيده احتداماً فدسّ إليهم رجلاً نصرانيّاً وأمره أنْ يسجُد لقطري عندما يراه وأوصاه أنْ يقول له: إنّما سجدتُ لك لا لله، ولمّا فعل النصراني ما أوصاه به المهلّب أنكر عليه الخوارج ذلك وقالوا له: لقد عبدك النصراني من دون الله، وتلا عليه بعضهم الآية: ( إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ) .

فقال قطري: لقد عبد النصارى عيسى بن مريم من دون الله فما ضرّ عيسى ذلك شيئاً، وأدّى الخلاف بينهم إلى قتْل النصراني، وتابَع المهلّب دسائسه بينهم بعد أنْ رأى أنّ ذلك أجدى عليه من السيف فوجّه إليهم رجُلاً يسألهم عن رجُلين خرجا مهاجرَين إليهم، فمات أحدهما في الطريق ووصل إليهم الثاني ولكنّه لم يكن كما يريدون، فأجاب فريق منهم أنْ الميّت من أهل الجنّة والذي بقيَ حيّاً كافر، وقال فريقٌ آخر: أنّهما معاً كافران واحتدم الخلاف بينهم شهراً كاملاً (١) ، ويجد المتتبّع في تاريخهم أمثال هذه الخلافات التي كانت تنشب بينهم لأبسط الأُمور، واستغلّ أخصامهم هذه الميزة التي برزت في حياتهم، فعملوا على إضعافهم وهزيمتهم من هذا الطريق، وبالفعل قد تمّ لهم ذلك وتوالت هزائمهم؛ بسبب ما كان يحدث بينهم من خلاف ونزاع وهم في ساحات القتال، مع

____________________

(١) انظر شرح النهج لابن أبي الحديد ج (١) ص ٤٠١.

٤٣

أنّهم من أصبر الناس على الشدائد وأقواهم شكيمة في القتال وأصلبهم في دعوتهم التي نادوا بها، في عشرات السنين، وبجانب هذه الميزة التي برزت في تاريخهم يبدو أنّهم كانوا يحرصون على أنْ تكون لحركتهم الثورية الصبغة الدينيّة، فيحكمون على مخالفيهم في الرأي بالكفر ويقتلون ويُفسدون باسم الدين، ويُجادلون عن آرائهم ومعتقداتهم بظواهر بعض الآيات التي لم يصيبوا فيها إلاّ الجانب السطحي، ولم يُفكّروا فيها التفكير الذي يصيب المرمى والمقصد ويرشدهم إلى الحق من جميع جوانبه؛ لذلك فإنّهم لم يتوفّقوا في جميع مناظراتهم بالرغم من عنادهم وثباتهم على عقيدتهم، وطلاقة ألسنتهم واختيارهم لأفصح العبارات وأقواها تأثيراً على خصومهم، وقد أورد في شرح النهج بعض الآيات التي استدلّوا بها على تكفير أهل الذنوب من غير فرق بين ذنبٍ وآخر، حتى الخطأ في الرأي إذا أدى إلى مخالفة الواقع (١) .

ولذا فإنّ عليّاً (عليه السلام) في مناظراته معهم لم يحتجّ عليهم بالكتاب ولا بالحديث؛ لأنّهما يحتملان التأويل ومن الصعب رجوعهم إلى الصواب وهم يجدون من ظواهر بعض الآيات ما يؤيّد آراءهم، فاحتجّ عليهم بعمل الرسول مِن مرتكبي الكبائر، وأورَد لهم من الشواهد المتعدّدة ما يدلّ بصراحة لا تقبَل التأويل والتفسير، أنّه لم يعاملهم معاملة الكفّار والمشركين؛ لأنّه رجَم الزاني المحصَن وورّثه أهله، وقتَل القاتل وأجرى عليه أحكام المسلمين، وقطَع يد السارق وأعطاه حقّه من الفيء، ولم يمنعهم من حقوقهم التي جعلها الله لعامّة المسلمين، وكانت سيرة الرسول على ذلك طيلة حياته، ومضى عليها الخلفاء مِن بعده ولم يستطع الخوارج وغيرهم إنكار ذلك من سيرة الرسول والخلفاء من بعده.

ولقد أوضح لهم بهذا الأُسلوب من البيان أنّ الكفر لا يُحكم به على أحد، إلاّ إذا أنكر الوحدانيّة، أو الرسالة، أو أصلاً من أُصول الإسلام، أو ضرورياً من ضروريّات الدين، حيث يؤدّي إنكار ذلك الضروري إلى تكذيب الكتاب أو الرسول فيما أخبرا به، وفاعل الكبيرة، ما لَم يكن منكِراً لأحدِ هذه الأُمور يبقى على حكم الإسلام، فلقد جاء عنه أنّه قال لهم: (فإنْ أبَيتم أنْ تزعموا إلاّ أنّي أخطأت وضلَلت فلِم تضلّلون عامّة أُمّة محمّد (صلّى الله عليه وآله) بضلالي وتأخذونهم بخطئي وتكفّرونهم بذنوبي: سيوفكم على عواتقكم تضعونها مواضع البُرء والسقْم، وتخلطون

____________________

(١) انظر المذاهب الإسلامية للشيخ محمّد أبي زهرة ص ١٠٦.

٤٤

من أذنب بمَن لم يذنب، وقد علمتم أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) رجَم الزاني المحصَن ثمّ  صلّى عليه وورّثه أهله، وقتل القاتل وورّث ميراثه أهله، وقطَع يد السارق وجلَد الزاني غير المحصن وأعطاهما نصيبهما مِن الفيء وانكحهما المسلمات، فأخذهم رسول الله بذنوبهم وأقام حق الله فيهم، ولم يمنعهم سهمهم من الإسلام ولم يخرج أسماءهم من بين أهله) (١) ، وهكذا كان غيره ممّن ناظرهم في الإسلام ينحو هذا المنحى العملي الذي لا يقبل التأويل والتشكيك، ولكنّهم تمسّكوا بنصوص القرآن ونظروها نظرة جانبية تعكس تفكيرهم واتجاههم، فلم يستجيبوا لهذا الأُسلوب البياني الذي يعكس الواقع الإسلامي، كما توحيه نصوص القرآن وسيرة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، لقد كفروا جميع المسلمين؛ لأنّهم لم ينسجموا معهم، واستدلّوا على تكفير أهل الذنوب بظواهر بعض الآيات.

منها قوله تعالى: ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ) .

فاعتبَروا الكفر الوارد في الآية مترتّباً على ترك الحجّ باعتباره معصيةً لله سبحانه، وبقياس غيره عليه ينتج أنّ كلَّ كبيرة يكون فاعلها كافراً، ويبدو من ذلك أنّهم يُفسّرون القرآن بما يوافق آراءهم في الدين، ويحاولون التوفيق بين مبادئهم وبين الدين بهذا الفهم الخاطئ، فالآية الكريمة قد تناولت أوّلاً تشريع الحجّ على المسلمين من غير نظر فيها إلى الناحية العملية التي بسببها يتصف الإنسان بالطاعة والعصيان، ثمّ تعرّضت لحال مَن أنكر هذا التشريع ووصفته بالكفر والجحود، فالكفر الوارد في الآية معناه عدَم الإيمان بهذا التشريع الإلهي، وممّا لا ريب فيه أنّ عدَم الإيمان بذلك كفر عند جميع المسلمين.

ومنها قوله تعالى: ( إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ) .

فقد استفادوا من هذه الآية أنّ اليأس باعتباره معصيةً لله سُبحانه بكون صاحبه كافراً، ولازم ذلك أنْ تكون صفة الكفر ثابتة لكلّ مَن يترك واجباً أو يفعل محرّماً، مع أنّ الآية ليس فيها أكثر من وصف اليائس من رحمة الله بالكفر، وإنّما وصف بذلك؛ لأنّه إمّا مكذّب للآيات التي تنصُّ

____________________

(١) انظر المجلّد الثاني من شرح النهج ص ٣٠٦.

٤٥

على عفو الله وكرمه ولطفه بعباده، وإمّا مسرفٌ في المعاصي إلى حدٍّ حالت الذنوب بينه وبين الله، وأظلمت نفسه وانقطعت بينه وبين ربّه جميع الوسائل، أمّا المعصية بمجرّدها ما لم تستتبع أحد الأمرين فلا يلزمها اليائس، بل الغالب على العصاة أنّهم يرجون عفوَ الله ورضوانه ويؤمنون بالله وبما جاءت به رسله.

ومنها قوله تعالى: ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) .

وقد فهموا منها أنّ المرتكب للذنوب قد حكَم على نفسه بغير ما أنزل الله فيكون كافراً بنصّ الآية.

وهذه الآية كغيرها من الآيات التي لا تؤيّد مُدّعاهم؛ لأنّها نزَلَت في اليهود الذين حكموا بغير ما أنزل الله وحرفوا شرائعه وبدّلوا أحكامه، وقد وصفهم الله سبحانه بأنّهم سمّاعون للكذِب أكّالون للسُحت.

ومنها قوله تعالى: ( يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ) .

وقد ادّعوا إنّ فاعل الكبيرة أسود الوجه عند الله فيكون كافراً بنصّ الآية، مع العلم بأنّ الآية واردة فيمَن كفَر بعد إيمانه، كما يبدو من قوله تعالى: ( أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ) ، ولا سيّما بعد ملاحظة جملة من الآيات التي تنصّ على أنّ المعصية بمجرّدها لا تُوجِب خروج الإنسان عن الإسلام (١) ، ولكن الخوارج حاولوا أنْ تكون لآرائهم التي امتازوا بها الصبغة الدينيّة فأوّلوا القرآن على حسب أفهامهم ليستخدموا الدين لصالحهم، ولكنّهم أُصيبوا بالفشَل في جميع حالاتهم وابتعدوا عن الإسلام والقرآن وعن المسلمين أيضاً، بالرغم من ثباتهم في جميع مواقفهم وصمودهم في وجه الشدائد، ويمكن تلخيص الأسباب التي أدّت إلى فشلهم بالأُمور التالية:

الأوّل: أنّ مبدأ التكفير لأقلّ مناسبة هو المبدأ الذي تركّزت عليه جميع تحرّكاتهم واجتمعت عليه جميع فرقهم، بالرغم ممّا كان بينهم من خلاف في أكثر الآراء، فقد أجمعوا على تكفير عليّ (عليه السلام) وطلحة والزبير وجميع المسلمين، لأسبابٍ لم يقرّها الإسلام ولا مصدر لها من كتابٍ أو سنّة، فأراقوا الدماء ونهبوا الأموال واستحلّوا الإعراض باسم الدين

____________________

(١) انظر المجلّد الثاني من شرح النهج لابن أبي الحديد ص ٣٠٧.

٤٦

والإسلام، وقد احتجّ عليهم عليّ (عليه السلام) بسيرة الرسول مع المسلمين، فأصرّوا على عنادهم وضلالهم ومضوا في طريقهم يفسدون في الأرض ويقتلون الآمنين، ووقَف المسلمون منهم موقفاً سلبيّاً في جميع المراحل التي مرّوا بها، بالرغم من النقمة الشديدة والفجوة التي كانت بين الحكّام وبين المسلمين في العصر الأموي، وعلى ما بين الحكّام والمسلمين من بعد، فالمسلمون فضّلوا البقاء تحت سلطان الأمويّين على مساندة الخوارج والثورة معهم.

الثاني: إنّهم على شدّتهم وصبرهم على الشدائد لم يكن لهم قيادة تفرض وجودها عليهم، ولم يخضعوا لأُمرائهم الذين تزعّموا حركاتهم وحروبهم، ففي أكثر مواقفهم كانت تنشب المعارك والخلافات بينهم لأبسط الأسباب، وكان ذلك من جملة العوامل التي تساعد الحكام على هزيمتهم، وقد ذكرنا سابقاً أنّ المهلّب بن أبي صفرة قد شغلهم بالخلافات واستغلّ هذه الظاهرة فيهم في المعارك التي نشبت بينهم وبينه.

الثالث: إنّهم مع إسرافهم في أحكامهم على المسلمين واستحلالهم لإراقة الدماء واستباحة الأعراض، ظهرت لهم بعض الاجتهادات المنافية لأُصول الإسلام، والتي يمكن تفسيرها بأنّها كانت محاولة لهدم الإسلام من أساسه، وعلى أساسها يسوغ وصفهم بالارتداد عن الدين، فقد ادعى أحد قادتهم وهو يزيد بن أنيسه أنّ الله سيبعث نبيّاً من العجَم بكتاب ينسخ شريعة محمّد بن عبد الله (صلّى الله عليه وآله)، كما جوّز ميمون العجردي أحد أُمرائهم نكاح بنات الأولاد وبنات أولاد الإخوة والأخوات، وادّعى آخرون منهم أنّ سورة يوسف ليست من القرآن، إلى غير ذلك من الآراء التي كانت تختصّ بها كلّ فِرقة من فرقهم، مما جعل المسلمين يقفون منهم موقف الحذر والحيطة، ويرون انتصارهم خطراً على الإسلام ومبادئه.

لذا فإنّ معاركهم مع الحكّام لم تتّخذ طابعاً شعبيّاً تمثّل إرادة الأُمّة ورغباتها في الإصلاح وتطبيق العدالة والقانون، بل كانت ذات لونٍ واحد من بدايتها حينما خرجوا على عليّ (عليه السلام) إلى نهايتها، حينما خمد صوتهم وخلدوا إلى الهدوء والسكينة في الشطر الأول من عهد العباسيّين.

ولو قدر لبقيّة الحركات الثورية التي ظهرت في العصرين الأموي والعبّاسي، البقاء الطويل والامتداد الذي امتازت به ثورة الخوارج، لو قدر لها ذلك لكان من ثمارها استئصال الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية، التي فرضها الإسلام على كلّ حاكمٍ يتولّى قيادة الأُمّة، فالحركات الثوريّة التي قام بها العلويّون في

٤٧

العصرين الأموي والعبّاسي كانت تهدف لتحرير الشعوب من ظلم الحاكمين، الذين قامت عروشهم على دماء الأبرياء واضطهاد الصُلحاء، وتسخير جميع الطبقات الكادحة لشهَواتهم وتثبيت عروشهم؛ ولذا فإنّها لم تُحرم في الغالب من تأييد العلماء ورجال الدين ومساندتهم لها حتى بالأموال، كما كان الحال من موقف أبي حنيفة مع ثورة زيد بن عليّ بن الحسين (عليه السلام)، فالقائمون على توجيه تلك الانتفاضات التي كانت تحدث بين حينٍ وآخر من العلويّين وغيرهم في وجه الأمويّين والعبّاسيين، لم يتّخذوا هدفاً وغاية سوى تطبيق العدالة، وتعديل الانحراف الذي ظهر في سياسة الحكّام وجميع تصرّفاتهم، نعم يمكن أنْ يكونوا في حركاتهم لم يراعوا الظروف المناسبة، ولم يعدّوا العدّة الكافية؛ ولذا لم يحالفهم النجاح في أكثر حركاتهم في وجه الحكّام.

أمّا الخوارج فلو كانوا يطلبون العدالة وجدوها عند عليّ (عليه السلام)؛ لأنّه كان مثاليّاً في سيرته وسياسته ومواساته لأضعف أفراد الأُمّة، ولم يستطع حتى أعداؤه الألدّاء أنْ يتّهموه بالانحراف عن جادّة القرآن وسيرة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، ومع كلّ ذلك فقد افتتحوا ثورتهم بخروجهم عليه وأعلنوا كفره واستحلّوا قتاله، وأخيراً تمّكنوا من اغتياله وهو ساجد لربّه.

ومجمل القول لقد وقف الخوارج في ناحية ووقف المسلمون كلّهم في ناحية، واختطّوا لأنفسهم طريقاً خالفوا فيه جميع المسلمين، فلقد حاولوا تطبيق جميع تصرفاتهم على الدين من الزاوية التي يفهمونها، وهي زاوية استيلائهم على الحكم وانتزاعه من أيدي القرشيّين، واستدلّوا بالآيات على صحّة تصرّفاتهم ونظريّاتهم حسب أفهماهم الخاطئة التي حاولوا فرضها على القرآن وعلى الدين فرضاً، فلَم تنسجم تصرّفاتهم مع آرائهم وأقوالهم.

فبينما نراهم يكفرون مرتكب الذنب الواحد نجدهم يقتلون عبد الله بن خباب الصحابي الجليل، ويبقرون بطن زوجته الحامل فيستخرجون منها حمْلها ويذبحونه على صدرها، ونجدهم أيضاً يجيزون نكاح بنات الإخوة والأخوات وبنات الأولاد، وفي نفس الوقت الذي قتلوا فيه عبد الله بن خباب وزوجته، يأبون أنْ يأكلوا من رُطَب قدّمه لهم بعض الذميّين تجنّباً للحرام وخوفاً من الله سُبحانه.

فالباحث في تاريخهم من جميع نواحيه يجدهم يتخطّون الواقع والمنطق والدين والعلم في جميع تصرّفاتهم وآرائهم؛ ولذلك كانوا منبوذين من جميع فِرَق المسلمين على اختلاف نزَعاتهم ومذاهبهم، ولم يستطيعوا في جميع حالاتهم ومواقفهم المتعدّدة في وجه

٤٨

الحكّام الأمويّين أنْ يربحوا عطف الشعوب، ولا أنْ يحقّقوا شيئاً من آمالهم وأمانيهم ومنيت حركاتهم بالفشَل بعد جهاد استمرّ عشرات الأعوام والسنين، ولو أنّهم بعد أنْ وصل الحكم إلى أيدٍ ملوّثة بالظلم والفساد وغير أمينة على أحقَر الأشياء فضلاً عن مقدّرات أُمّة بكاملها، لو أنّهم في هذه الحالة طالبوا بإصلاح الفاسد وتحقيق العدالة، والسير على المخطّط الذي وضعه الإسلام للحاكمين لعادت ثوراتهم على الإسلام والمسلمين بالخير والسعادة والازدهار، ولا سيّما بعد أنْ واصلوا كفاحهم الطويل، وصبَروا في أكثر معاركهم، وضحّوا بكلّ ما يملكون لتحقيق ما كانوا يهدفون إليه.

٤٩

الفصل الثالث: (في الفِرَق المنسوبة إلى الشيعة)

في هذا الفصل عرضٌ موجز للفِرق المنسوبة إلى الشيعة ومعتقداتها، وتاريخ ظهورها وأسباب انقراضها، ومقدار صِلتها بالشيعة الإمامية.

لقد كان ظهور الخوارج في الإسلام بدايةً لانقسامٍ جديد في صفوف المسلمين وتعدّد الفِرق الإسلامية، على حين أنّهم في تلك الفترة من تاريخهم لم يكن لهم ميزة تخصّهم من حيث المعتقدات في الفروع والأُصول، ولم يُظهروا فكرةً تُميّزهم عن غيرهم من المسلمين، سِوى النقمة على الحكّام الذين تولّوا قيادة المسلمين بعد انتهاء معركة صِفّين.

وعلى مرور الزمن وبعد اتساع حركتهم الثورية وانتشارها في أنحاء مختلفة من بلاد المسلمين ظهرت لهم بعض الآراء في الأُصول الإسلامية، كما ظهَرت لهم بعض التشريعات في الفروع، وبذلك قد أصبحوا فرقةً من الفرق الإسلامية غلَب عليهم اسم الخوارج، مع أنّهم في واقع الأمر فرقة من الجمهور يلتقون مع السنّة في الخلافة الإسلامية وبعض الأُصول الأخرى وأكثر الفروع، ولا يلتقون مع الشيعة الإمامية بشيء؛ لأنّهم بجميع فرقهم يتّفقون على كفر

٥٠

عليّ (عليه السلام) وأتباعه، بينما يقرّون بخلافة أبي بكر وعمر وعثمان ويرون رأي السنّة في الصحابة الأقدمين.

وقد ذكرنا أنّه لم يكن قبل ظهور الخوارج إلاّ فئتان من المسلمين: فئةٌ تدّعي أنّ النبيّ قد انتقل إلى ربّه ولم يستخلف أحداً من بعده، وترك للأُمّة حقّ اختيار الحاكم الذي تراه صالحاً لإدارة شؤونها، وقد اختارت أبا بكر، وهو بدوره قد عيّن من بعده عمر بن الخطّاب، وهكذا إلى أنْ انتهى الأمر إلى عليّ (عليه السلام)، والفئة الثانية وهُم الشيعة المتمسّكون بحرفية النصوص التي صدرت عن الرسول في مختلف المناسبات، على أنّ عليّاً هو الخليفة المختار من الله سبحانه، وقد أثبتها الشيعة والسنّة في كتبهم منذ عصور التدوين والتأليف الأولى، ولكن السنّة قد تأوّلوها تمشّياً مع المبدأ الذي اعتمدوه في اختيار الخليفة بعد الرسول.

وقد أثبتنا في الفصل الأوّل من فصول هذا الكتاب أنّ التشيّع بمعناه المعروف بين الفقهاء والمتكلّمين، في العصور المتأخّرة عن عصر الرسول (صلّى الله عليه وآله) ولِد في حياة الرسول، وآمَن به جماعة من الصحابة، وبعد وفاة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وقفوا إلى جانب عليّ ولم يُبايعوا لأبي بكر إلاّ بعد أنْ بايع عليّ (عليه السلام)، ولكنّ فكرة التشيّع بقيت حيّة في الأذهان تنمو وتنتشر كلّما انطلق المسلمون في تفكيرهم، وكلّما أمعنوا في دراسة القرآن والحديث، ومشت مع الإسلام جنباً إلى جنب، واتّسع مفهوم التشيّع في العصور المتأخّرة عن عصر الخلفاء الأربعة، بمعنى أوسع ممّا كان عليه بعد وفاة الرسول، وأصبح التديّن بإمامة الأئمّة الاثني عشر جزءاً من معناه؛ تمشّياً مع النصوص التي وصلت إليهم عن النبيّ والأئمّة من ولده (عليهم السلام).

وجاء في بعضها ما يؤكّد إمامة الاثني عشَر واحداً بعد واحد بأسمائهم وأوصافهم، وجاء في جملةٍ منها: أنّ الخلفاء من بعده اثنا عشر خليفة، وفي حديث مشهور بين الرواة والمحدّثين: (إنّ الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا)، ولم يحدث انقسام في صفوف الشيعة في الإمامة إلاّ بعد مقتل الحسين (عليه السلام)، حيث بدأت الفرَق الشيعيّة تظهر بين صفوف الشيعة على حدّ زعم المؤلّفين القدامى في الفِرق الإسلامية، ومنذ أنْ انتقلت الإمامة لعليّ بن الحسين الملقّب بزين العابدين.

ويتّسع اسم الشيعة عند الذين كتبوا في الفرق الإسلاميّة والمذاهب، وعند الكتّاب العرب والمستشرقين لكلّ مبتدع في الدين، أو مشعوذ حاول إغراء بعض المغفّلين فتظاهر بولاء أهل البيت وصحبتهم؛ ليتوصّل إلى أهدافه عن هذا الطريق، فمن أنكر الكتاب والرسالة وجميع ما جاءت به الأديان، فهو

٥١

شيعي عند الكتّاب وأهل السنّة ما دام يدّعي أنّه محبٌّ لأهل البيت، مع العلم بأنّ آراء أهل البيت وعقيدة أهل البيت وشيعتهم لا انحراف فيها ولا التواء عن جادّة القرآن وتعاليم الرسول، وقد جاهدوا في سبيل مبادئ القرآن وتعاليم الإسلام طيلة حياتهم وقُتلوا وشُرّدوا في هذا السبيل، ولم تلاقِ أُمّةٌ من الأُمم ما لاقاه الشيعة وأئمّتهم من الحكّام، لا لشيء إلاّ لأنّهم لم يتخلّوا عن مبادئهم طرفة عين، ومع ذلك فكل مبتدعٍ في الدين أو مفترٍ عليه مهما كانت بدعته وافتراءاته، لا يخرج عن التشيّع؛ لأنّه كان يدّعي ولاء أهل البيت وينظر إليهم بعين الاحترام والتقديس، ولأجل ذلك فقد عدّوا أكثر الفِرَق الضالّة من الشيعة.

ومِن تلك الفرق السبائيّة المنسوبون لعبد الله بن سَبأ الذي أظهر الغلوّ في عليّ (عليه السلام)، وقد نفاه عليّ إلى المدائن بعد أنْ استتابه ووضَعه تحت الرقابة الشديدة، ولكن المؤلّفين في الفرَق يدّعون بأنّه رجع إلى مقالته الأُولى بعد وفاة عليّ (عليه السلام)، على أنّ جماعة من الباحثين المحدثين قد أثبتوا بما لا يقبَل الريب أنّ عبد الله بن سبأ شخصيّة وهميّة لا وجود لها في التاريخ، والبيانية الذين ادّعوا أخيراً إلوهيّة (بيان بن سمعان) (١).

والمُغيريّة أتباع المُغيرة بن سعيد العجلي، وقد ادعى النبوّة لنفسه بعد أنْ تظاهر في ولائه لأهل البيت ودسّ في أحاديثهم آلاف الروايات، ولمّا بلغ أمره الإمام الصادق (عليه السلام) لعنه وحذّر الشيعة مِن آرائه ومرويّاته.

والمنصوريّة أتباع منصور العجلي، وقد ادعى أنّ الإمام محمّداً الباقر أوصى إليه بالإمامة بعد أنْ رُفِع إلى السماء، وأنّه هو المعني بالآية من سورة الطور: ( وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطاً يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ ) ، وأتباعه ينكرون الجنّة والنار، ويدّعون أنّ الجنّة نعيم أهل الدنيا، والنار هي المِحَن والمصائب التي يلاقيها الإنسان في حياته، وقد تولّى قتل أبي منصور العجلي يوسف بن عمر الثقفي، كما جاء في التبصير في الدين

____________________

(١) وقد ظهر بيان بن سمعان بالعراق في المِئة الثانية هجريّة، وادّعى حلول جزء من الإله في عليّ (عليه السلام) ثمّ في محمّد بن الحنفية، ومنه انتقل إلى ولده أبي هاشم، وأخيراً ادّعاها لنفسه، وكانت نهايته على يد خالد بن عبد الله القسري عامل هشام بن الحكَم على الكوفة، انظر التعليق على كتاب التبصير في الدين للشيخ محمّد زاهد بن الحسن الكوثري ص ٣٥.

٥٢

للإسفراييني (١).

والجناحيّة أتباع عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر الطيّار المعروف بذي الجناحين، والمنسوب إليهم أنّ روح الإله تحلّ في الأنبياء وتنتقل إلى الأئمّة واحداً بعد واحد، وإنكار المعاد والجنّة والنار، واستحلال الزنا والخمر واللواط وجميع المحرّمات وترك الواجبات، ويدّعون أنّ هذه الأُمور ترمز إلى أهل البيت، وأنّ صاحبهم عبد الله بن معاوية لا يزال حيّاً في جبَل من جبال أصفهان (٢) وجاء في فِرَق الشيعة للنوبختي: أنّ الذي دسّ بين صفوف أصحاب عبد الله الغلوّ والتناسخ، وزيّن لهم ترك الواجبات وفعل المحرّمات هو عبد الله بن الحارث، من أصحاب عبد الله بن معاوية وأُسند ذلك إلى جابر بن جابر بن عبد الله الأنصاري، وجابر بن يزيد الجعفي وهما من أصحاب الأئمّة ورواة أحاديثهم (٣).

الخطابيّة أتباع أبي الخطّاب محمّد بن أبي زينب الملقّب (بالأجدع)، وادّعى هؤلاء أنّ الأئمّة كانوا آلهة، وأنّ أولاد الحسَن والحُسين أنبياء الله وأحبّاءه، وأخيراً ادّعى أبو الخطّاب الإلوهيّة لنفسه، ولمّا بلغت أقواله الإمام الصادق (عليه السلام)، لعنه مع جماعة من المشَعوذين منهم المغيرة بن سعيد، وبشّار الأشعري، وحمزة البربري، والسري وغيرهم، وأمَر أصحابه بلعنهم والبراءة منهم، وأباح دماءهم وأموالهم (٤) .

وقد أورد الشهرستاني في الملل والنحل، والنوبختي في الفرق، والأشعري في كتابه مقالات الإسلاميّين، والأسفرائيني في التبصير أقوالاً وآراءً لهؤلاء، كلّها صريحة في كفرهم وضلالهم، وكان الإمام الصادق حريصاً على التشهير بهم وبيان كفرهم وضلالهم؛ لئلاّ ينخدع بهم احد من البسطاء والمغفّلين.

الغرابية وهم القائلون بأنّ الله قد أرسل جبرئيل لعليّ (عليه السلام)، ولكنّه جاء إلى محمّد؛ لأنّه يشبهه كما يشبه الغراب الغراب، ومِن هؤلاء مَن يدّعي أنّ الله قد فوّض أمر تدبير الخلق لمحمّد (صلّى الله عليه وآله)، ومحمّد فوّض ذلك لعليّ (عليه السلام)، ويُنسب إليهم أنّهم يقولون: بأنّ عليّاً بعث محمّداً ليدعو الناس

____________________

(١) انظر ص ١٠٠ من التبصير وص ٣٨ من فرق النوبختي.

(٢) انظر التبصير في الدين لأبي المظفّر الأسفرائيني ص ١١٠.

(٣) انظر ص ٣٥ من فرق الشيعة للنوبختي.

(٤) انظر ص ٤٣ من فرق الشيعة وص ١١١ من التبصير.

٥٣

إلى إلوهيّته فدعا لغيره.

النميريّة أتباع محمّد بن نصير النميري الذي ادّعى أنّ أبا الحسَن عليّاً الهادي (عليه السلام) قد بعثه نبيّاً، وأظهر القول بالتناسخ وإباحة المحرّمات، وادّعى الربوبيّة لأبي الحسَن العسكري (عليه السلام).

السبعية القائلون بأنّ الإمامة قد انتقلت من إسماعيل بن جعفر الصادق إلى ولده محمّد بن إسماعيل وأنّ أولي العزم سبعة منهم محمّد بن إسماعيل، وجنّة آدم هي إباحة المحرّمات، وأنّ شريعة محمّد بن عبد الله قد نُسِخت، واحتجّوا على ذلك بما جاء عن جعفر بن محمّد: (لو قام قائمنا علم القرآن جديداً) ، وهؤلاء هم الأصل للقرامطة (أتباع حمدان قرمط) (١).

لقد أوردنا هذه الأمثلة من الفِرَق التي يدّعي الكتاب أنّها فرق شيعيّة ويُحمّلون الشيعة أوزارهم وتبعاتهم، مع أنّه لو صحّ وجود هذه الفرق في التاريخ فالآراء والأقوال المنسوبة إليهم تدلّ بصدقٍ وصراحة تامّين، على أنّهم بعيدون عن الإسلام فضلاً عن التشيّع، ولو صحّ أنّهم كانوا في عداد الشيعة فذاك؛ لكي يتستّروا بالتشيّع لترويج آرائهم ومفترياتهم على الإسلام.

على أنّ هناك أمراً لابدّ من النظر إليه بعين الاعتبار، وهو أنّ حكّام الأمويّين والعبّاسيّين كانوا يبذلون كلّ ما في وسْعهم للتشويه على الأئمّة من أهل البيت، وإضعاف مركزهم في نفوس المسلمين، فدسّوا بين صفوفهم جماعة للتشويش عليهم ونشر البِدَع والخرافات بين معتقداتهم وآرائهم في الأُصول والفروع، وقد لعِب الحكّام دوراً بارزاً في هذه الناحية بقصد التشنيع عليهم، بعد أنْ فشلت جميع المحاولات التي بذلوها للحدّ من نشاطهم.

ومهما كان مصدر هذه الفرق التي يدّعي الكتّاب وجودها في التاريخ، وسَواء كان لها وجود بين المسلمين أم لم يكن، فقد نظَر إليها الكتاب نظرة أوّلية مجرّدة عن البحث والتحقيق، واعتبروها من الحقائق الثابتة التي لا تقبل الجدَل والنقاش وأضافوها إلى الشيعة الإمامية، واتخذوا من وجودها

____________________

(١) انظر الفرق للنوبختي، ومقالات الإسلاميّين للأشعري، والمِلل والنحِل للشهرستاني، وغيرهم من كُتُب الفرق الإسلامية.

٥٤

الموهوم وسيلة للتشنيع على أهل البيت وشيعتهم بدافع التعصّب الطائفي الموروث، مع العلم بأنّ الذين افترضوا وجودها في التاريخ لا ينكرون بأنّ هذه الفرق لم تتخطّ العصر الذي وجُدت فيه وماتت في مهدها، ومع ذلك فالكتّاب في هذا العصر لا يزالون يجترون تلك المخلّفات التي كانت من أبرز آثار الحكّام الأمويّين والعبّاسيّين، ويتاجرون بها لإشباع شهَواتهم وشهَوات أسيادهم أعداء الإسلام، وموقف الشيعة منهم، في هذا العصر وقبله وفي جميع العصور والمراحل التي مرّوا بها، صريحٌ لا عِوَج فيه ولا التواء ولا محاباة لأحدٍ من الناس، فلقد كفّروهم منذ أنْ سمِعوا بوجودهم في التاريخ. ولا يزالون في كلّ مناسبة يُعلنون في الصحف والكتب، ومِن على المنابر عقائدهم وأُصول دينهم ومذهبهم، وينادون بتكفير كل مَن يُخالف الأُصول الإسلامية، التي اتفق عليها جمهور المسلمين المستوحاة من كتاب الله وسنّة نبيّه الكريم (صلّى الله عليه وآله)، ولا سيّما مَن يجعل خصائص الخالق للمخلوقين، وتواترت عن أئمّتهم النصوص بتكفير أصحاب هذه المقالات، والبراءة منهم ولعنهم على المنابر وفي جميع المناسبات.

وعسى أنْ يأتي اليوم الذي يلتقي فيه المسلمون بقلوبهم وعقولهم تاركين الأحقاد، والحزازات والمتاجرة بالتهم المفتعلة التي خلقتها السياسة والعناصر التي اندسّت بين صفوف المسلمين لتشتيت كلمتهم وطمس تعاليمهم، تلك التعاليم التي ملكَت القلوب والعقول، ودفعت بالمسلمين أشواطاً بعيدة إلى الإمام في أقلّ من نصف قرن من الزمن، هذا وفي الفصول الآتية التي وضعناها للمقارنة بين آراء الشيعة الإمامية في الأصول الإسلامية، وآراء غيرهم فيها كالمعتزلة والمرجئة والأشاعرة الذين يمثلون الجمهور الأكبر من المسلمين في جميع العصور، ومن هذه الفصول يتبيّن للقارئ أنّ الإمامية من أحرص المسلمين على تنزيه الله سُبحانه عن صفات المخلوقين، والإقرار له بما يليق بوحدانيته وقدرته، ومن أشدّها تحمّساً وإيماناً بنصوص القرآن الكريم، وأقساهم على المنحرفين عن نهج الإسلام الصحيح، وتعاليمه وأحكامه.

ولابدّ لنا ونحن نتحدّث عن الفرق الشيعيّة كما يُصوّرها كتّاب المذاهب والمعتقدات، أنّ نتحدّث حسب الإمكان عن بعض الفِرق الشيعية باعتبارها مصدراً لغيرها من الفِرق، التي يدّعيها مؤلّفو المذاهب والفِرق الإسلامية.

الكيسانيّة

أوّل هذه الفِرق الكيسانيّة، وهُم القائلون بإمامة محمّد بن الحنفيّة، الولد الأكبر لعليّ (عليه السلام)، بعد أخويه الحسَن والحسين (عليهما السلام) ويظهر من بعض

٥٥

المؤلّفين في الفِرَق أنّهم بين مَن يقول بإمامته بعد أبيه، وأنّ الحسن والحسين (عليهما السلام) حاربا يزيد ومعاوية بإذنه، وبين مَن يقول بأنّه الإمام الشرعي بعدهما (١).

والمنسوب إلى الكيسانية أنّهم قد أضافوا إلى القول بإمامته أنّه المهدي المنتظر، الذي لم يمُت ولنْ يموت، وسيرجع إلى الناس فيملأ الأرض عدلاً بعد ما مُلئت جوراً، وأسرَف بعضهم إسرافاً يوجب الكفر والخروج عن الإسلام، فادّعى له الإلوهية وأنّه بعث حمزة البربري نبيّاً إلى الناس، كما ادعى جماعة من المنتسبين إليه بأنّه اختفى عن الناس في جبال رضوى، ويتغذّى من ألبان الغزلان التي تغدو وتروح في تلك الجبال، وقد أوكل الله أمر حراسته إلى السباع إلى أوان خروجه، ومن هؤلاء السيّد إسماعيل الحميَري وإليه يُنسب الشعر التالي:

يا شعب رضوى ما لِمَن بك لا يُرى

حـتى  مـتى تـخفى وأنتَ قريبُ

يـا  ابـن الوصيّ ويا سميّ محمّدٍ

وكَـنـيِّه  نـفسي عـليك تـذوبُ

لـو  غـاب عنّا عُمر نوح أيقنَتْ

مـنّا الـنفوسُ بـأنّه سـيؤوبُ

ويُنسب إليه أيضاً:

وما ذاق ابنُ خولة طعمَ موتٍ

ولا  ضمّت له أرضٌ عِظاما

وأنّ  لـه بـه لَمقيلَ صدْق

وأنـديـة تـحدّثه كـراما

وادّعى قومٌ من القائلين بإمامته أنّ الإمامة قد انتقلت بعد موته إلى ولد أبي هاشم عبد الله بن محمّد، وغالى فيه قومٌ كما غالوا في أبيه من قبل، فادعوا بقاءه حيّاً متخفيّاً عن الناس، وأنّه المهديّ الذي عَناه الرسول في أحاديث المهدي المرويّة عنه، بينما ذهب آخرون إلى وفاته وانتقال الإمامة إلى أخيه عليّ بن محمّد بن الحنفية، إلى غير ذلك من الأقوال التي ينسبها كتّاب الفِرَق إلى الكيسانية.

ومع أنّا نشك في أصل وجود هذه الفِرق؛ لأنّ محمّد بن الحنفية كان أتقى وأبَرّ من أنْ يدّعي الإمامة لنفسه، أو يسمح لأحدٍ يدين بإمامته، وقد سمِع من أبيه النصّ على الأئمّة

____________________

(١) انظر فرق الشيعة للنوبختي ص ٢٣.

٥٦

بأسمائهم وأوصافهم، مع أنّا نشكُّ في أصل وجودها، فقد قيل في وجه تسميتهم بالكيسانية: أنّ أوّل من قال بإمامة محمّد بن الحنفيّة المختار بن عبيدة الثقفي، وكان يلقّب بكيسان، وجاء عن الأصبغ بن نُباتة أنّه قال: رأيت المختار على فخذ أمير المؤمنين، وهو طفلٌ صغير يمسَح على رأسه بيده ويقول له: (يا كَيس)؛ فغلب عليه هذا الاسم، وكان من أمره أنّه دخل الكوفة مناصراً لمسلم بن عقيل حينما دخلها مُوفَداً من قِبَل الحسين (عليه السلام)، فقبض عليه ابن زياد وأدخله السجن، وبعد قتل الحسين (عليه السلام) حاول قتله مراراً فتشفّع به عبد الله بن عمر زوج أُخته إلى يزيد بن معاوية، فكتب إلى ابن زياد وأمره بإخلاء سبيله.

فالتحق بالحجاز وفيها عبد الله بن الزبير، قد تطلّعت نفسه إلى الخلافة بعد قتل الحسين، واستغلّ نقمة الشعوب الإسلامية على بني أُميّة بعدما ارتكبوا تلك الجريمة المنكرة مع الحسين وأهل بيته (عليهم السلام)، فبايع المختار لابن الزبير على أنْ تكون له ولاية الكوفة إنْ تمّ له الأمر، وبعد موت يزيد بن معاوية رجَع المختار إلى الكوفة وادّعى أنّه موفَد إليها من قِبَل ابن الحنفيّة الوصيّ الشرعي إلى الحسين (عليه السلام) ووليّ دمه، وأنّه استوزره وأوكل إليه أمر الطلب بثأر الحسين (عليه السلام). فوجد في الكوفة، ولا سيّما في الأوساط الشيعية، تقبّلاً لدعوته وتحمّساً في سبيلها، فبايعوه على الطلب بدم الحسين.

والتفّوا حوله، فمضى يتتبّعهم واحداً بعد واحد حتى قتَل أكثر مَن أخرجهم ابن زياد لحرب الحسين (عليه السلام)، فازداد الشيعة تمسّكاً به والتفافاً حوله وانقياداً لأوامره، ونسَب إليه المؤرّخون أنّه كان يدّعي أنّ الملائكة تأتيه بالأخبار والأوامر من محمّد بن الحنفيّة، وممّا حملهم على أنْ يصدّقوه على حدّ زعم المحدّثين أنّه قد عوّد بعض طيور الحمام في خلَواته على أنْ تلتقط الحبّ من أُذنيه، ولمّا اعتادت على ذلك كانت تأتيه إلى مجلسه العام وتحوم حول أُذنيه كما عوّدها في خلواته، فيدّعي أنّها الملائكة في صورة حمام أبيض تأتيه بالأخبار والأوامر من ابن الحنفيّة كما ذكرنا، وقد نسبوا إليه غير ذلك من أساليب الخداع والشعوذة، وقيل في سبب تسميتهم بذلك: أنّ المختار لُقّب بكيسان؛ لأنّ قائد جيشه أبا عمرة اسمه كيسان، وكان شديداً على قتَلَة الحسين (عليه السلام)، وفي نفس الوقت يدّعي إمامة محمّد بن الحنفيّة وأنّ المختار وصيّه، وأضافوا إلى ذلك أنّه

٥٧

يذهب إلى أنّ جبرائيل يأتي المختار بالأخبار من عند الله عزّ وجل (١).

ويروي أبو المظفر الأسفرائيني في كتابه التبصير في الدين: أنّ السبائيّة خدَعوا المختار وحملوه على دعوى النبوّة، وخلال معاركه مع مصعب بن الزبير أسَر جماعة من جُند مصعب، منهم سراقة بن مرداس البارقي، فلمّا أُدخل على المختار قال له: لم تهزمنا بجندك ولا أسرنا قومك ولكن الملائكة الذين جاؤوا لنصرك ونصر جندك هم الذين أسرونا وهزمونا، ثمّ طلب منه العفو وأقسم عليه بالملائكة الذين كانوا في جُنده فعفا عنه وأطلق سبيله، ولمّا رجع إلى مصعب أرسل إليه بالأبيات التالية:

ألا  أبـلِغ أبـا إسحق أنّي

رأيتُ البلَق دهماً مصمتاتِ

أُري عـينَيَّ مـا لم ترْأَياه

كـلانا  عـالمٌ بـالتُّرّهات

كفرتُ بوحيِكم وجعلتُ نَذراً

عـليّ  قتالكُم حتى المَماتِ

ونسبوا إليه القول بالبَداء وعلّلوا ذلك؛ بأنّه كان يُخبر أصحابه بأُمور يدّعي أنّها من وحي السماء، فإذا لم تقَع يقول لهم: (لقد بدا لربّكم وعدَل عمّا أخبرني به)، ثمّ يتلو عليهم قوله: ( يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) (٢) ، ويَنسب لهم الشيخ محمّد أبو زهرة في كتاب المذاهب الإسلامية القول بالتناسخ، وهو خروج الروح من جسَد وحلولها في جسَدٍ آخر، وأنّها تعذّب بانتقالها من حيوان إلى حيوان أدنى، ونعيمها بانتقالها من أسفل إلى أعلى، وفكرة الحلول والتناسخ لم تُعرَف إلاّ عن الحربيّة وهي الفرقة الحادية عشرة كما أحصاها أبو الحسن الأشعري، وهُم أتباع عبد الله بن عمرو بن حرب.

وقد ادعى هؤلاء أنّ أبا هاشم عبد الله بن محمّد بن الحنفيّة قد نصّ على إمامة عبد الله بن حرْب من بعده، وتحوّلت روح أبي هاشم إليه بعد وفاته، ولمّا أظهر هذه المقالة تفرّق عنه أتباعه، وقالوا بإمامة عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر صاحب فكرة التناسخ

____________________

(١) انظر النوبختي ص ٢٣ والكشّي ص ٨٥.

(٢) انظر التبصير في الدين ص ٣٧ والمذاهب الإسلامية للشيخ محمّد أبي زهرة ص ٧٠، والعراق في ظلّ العهد الأموي ص ١٤٨.

٥٨

والحلول، واستحلال المحرّمات التي نصّ على تحريمها الكتاب والسنّة (١).

ومهما كان الحال فالذين كتبوا في الفرق الإسلامية متّفقون على أنّ هذه الفِرقة مصدرها المختار الثقفي، وهو الذي روّجها ودعا إليها وتستّر من ورائها؛ لإغراء الشيعة ليكونوا في جانبه، ولا سيّما بعد أنْ كانوا يُشكّلون القسم الأكبر من سكّان الكوفة، وقد تتبّع قتَلَة الحسين (عليه السلام) لهذه الغاية، ولكنّ المصادر الشيعيّة لا تقف منه هذا الموقف الذي وقفه المؤرّخون من أهل السنّة، وأيّدهم فيه أكثر كتّاب الفِرق.

ولا يستبعد الباحثون من الشيعة أن تكون تلك الحملات عليه كانت من وحي الأمويين والزبيريين؛ لأنّه وقف في وجه الفريقين، والسياسة وحدها كانت توجّه التاريخ لمصلحتها وأغراضها، وقد سخّر الأمويّون جماعة لوضع الأحاديث في أخصامهم بقصد التشنيع عليهم وتصويرهم بأبشع الصور، على أنّ العصر الذي وجد فيه المختار الثقفي كان خالياً من أمثال هذه المقالات، ولم تكن معروفة عند أحد من المسلمين العرب والأجانب، وقد عاش في الكوفة مهد التشيّع وبين معاصريه وأتباعه جماعة كانوا على صلة دائمة بالأئمّة، وفيهم مَن أدرك عليّاً (عليه السلام) وتخرّج من مدرسته، ولم تغِب عنهم آراؤه في الدين وأُصوله.

وقد بقيَ خمْس سنوات يكرّرها عليهم من على منبر الكوفة ولم تمضِ على وفاته أكثر من ثلاثين عاماً، فكيف والحالة هذه يقف المختار بينهم وأكثرهم من الشيعة ويدّعي النبوّة والوحي، وغير ذلك ممّا نُسِب إليه من الضَلال والكفر المبين، ولا ينكر عليه أحد من تلك الحشود الملتفّة حوله، وأكثرهم يَدين بولاء أهل البيت وفيهم الكثيرون ممّن عاصروا عليّاً، وظلّوا على صلة دائمة بالأئمّة من ولده؟!

وكلّ ذلك ممّا يُوجب التشكيك بتلك المرويّات في كتب التاريخ والفِرق، هذا بالإضافة إلى أنّ المرويّات عن الأئمّة الذين عاصروه تؤكّد براءته من كلّ ما يُنسب إليه، فقد جاء في رواية عبد الله بن شريك قال: (دخلنا على أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر يوم النحر، وهو متّكئ وقد أرسل في طلب الخلاف، فقعدتُ بين يديه إذ دخل عليه شيخٌ من أهل الكوفة، فتناول يده ليُقبّلها

____________________

(١) انظر مقالات الإسلاميّين للأشعري ج ١ ص ٩٤ و٩٥، والتبصير في الدين وغيرهما من كتب الفِرَق في طيّ أحاديثهم عن عبد الله بن معاوية.

٥٩

فمنعه من ذلك، ثمّ قال له: (مَن أنت؟)، قال: أنا أبو الحكَم بن المختار بن أبي عُبيدة الثقفي - وكان متباعداً من أبي جعفر (عليه السلام) - فمدّ يده إليه حتى كاد يقعده في حِجره بعد أنْ منعه يده، ثمّ قال: أصلحك الله، إنّ الناس قد أكثروا في أبي وقالوا والقول والله قولك، قال: (وأيّ شيءٍ يقولون؟)، قال: يقولون: إنّه كذّاب، ولا تأمرني بشيءٍ إلاّ قَبِلتُه، قال: (سُبحان الله، أخبرني أبي والله أنّ مهْر أُمّي كان ممّا بعث به المختار، أوَلم يبنِ دُورنا، وقتل قاتلينا وطلب بدمائنا؟ فرحمه الله، وأخبرني والله أبي، أنّه كان ليمرّ عند فاطمة بنت عليّ يُمهّد لها الفراش ويُثني لها الوسائد)، ومنها أصاب الحديث: (رحِم الله أباك رحِم الله أباك، ما ترَك لنا حقّاً عند أحد إلاّ طلبه، قتل قَتَلَتَنا وطلَب بدمائنا).

وجاء في رواية عمر بن عليّ بن الحسين: إنّ عليّ بن الحسين (عليه السلام) لمّا أُتيَ برأس عُبيد الله بن زياد ورأس عُمَر بن سعد خرّ ساجداً وقال: الحمد لله الذي أدرك لي ثأري من أعدائي وجزى الله المختار خيراً .

وفي رواية ابن أبي عمر عن هشام المثنّى، عن سديد أنّ أبا جعفر (عليه السلام) قال: (لا تسبّوا المختار فإنّه قتَل قَتَلَتَنا، وطلَب بثأرنا، وزوّج أراملنا، وقسّم فينا المال على العسرة) (١) .

وممّا لا نشكّ فيه أنّ المختار لو كان كما يُنسب إليه لم يخفَ حاله على الإمام زين العابدين وولده الإمام أبي جعفر محمّد الباقر (عليه السلام)؛ لأنّهما كانا على اتّصال دائمٍ بأهل الكوفة مقرّ قيادة المختار، ومنهما كان الشيعة يستمدّون أحكام دينهم، والإمام زين العابدين حينما ظهَر المختار كان يُراقب الحالة بالكوفة ويستقصي أخبارها، ولا سيّما بعد أنْ اشتعلت ثورة المختار؛ لأنّها كانت للانتقام مِن قَتَلَة أبيه وأعدائه وبدافع الثأر لِما لحِقَهم من قتلٍ وتشريد.

ولا يُمكن والحالة هذه أنْ تخفى عليه حالة المختار وشعوذاته المزعومة، ولو كان كما يصوّره كتّاب الفرق وبعض المؤّرخين يكون خارجاً عن الإسلام ومُنكراً لأُصوله وضروريّاته، ومَن كانت هذه حاله لا يُمكن أنْ يترحّم عليه الإمام ويدعو له بالخير ويثني عليه في مجالسه، ولم يُحدّث التاريخ عن الأئمّة (عليهم السلام) أنّهم كانوا يُحابون أحداً من أعداء الدين لمصلحة تخصّهم، أو لعملٍ يحقّق لهم مغنماً بعيداً عن أهداف الدين وأغراضه، ومِن الجائز القريب أنْ يكون المختار قد تجاهر وأعلن بأنّ

____________________

(١) انظر أخبار الرجال لمحمّد بن عمر بن عبد العزيز الكشّي ص ٨٣ و٨٤.

٦٠

محمّد بن الحنفيّة قد أمره بقتال الذين حاربوا الحسين (عليه السلام) وقتلوه، ليتمكّن من حشد الشيعة تحت لوائه؛ لأنّهم العدد الأكبر في الكوفة، وكلّهم يعلمون ما لمحمّد بن الحنفية من علوّ المنزلة في الدين والعلم، وقد سمعوا من أبيه ما يؤكّد لهم فضله وعلوّ شأنه، والمختار في ذلك الظرف من أحوج الناس إلى الأنصار والأتباع لتنفيذ خطّته، ولا سيّما وقد ظهر ابن الزبير في الحِجاز وانتشر دعاته في البلاد ودخلوا الكوفة عاصمة المختار، وهي من أطوَع العواصم العربيّة لكلِّ ثائرٍ وعلى الأخص الشيعة الذين كانوا يتواثبون مع كلّ ثائر؛ للتخلّص من الأمويّين وأنصارهم قَتَلَة الحسين، ويؤيّد ذلك ما رواه المسعودي في مروج الذهب، أنّ المختار بعد أنْ يئس من عليّ بن الحسين (عليه السلام) كتب إلى محمّد بن الحنفيّة يطلب تأييده في نهضته، ويعرض عليه أنْ يأخذ له البيعة من الناس في الكوفة، فأشار عليه عبد الله بن العبّاس أنْ لا يتجاهر في عيب المختار والتشنيع عليه، وذكر له ما يضمره ابن الزبير من العِداء والكيد لأهل البيت، ورجّح له البقاء على صداقة المختار؛ ليكون عوناً لهم على ابن الزبير فيما لو حاول الكيد والإساءة لهم.

واستطاع المختار أنْ ينفّذ خطّته بعد أنْ التفّ حوله الشيعة والقسم الأكبر من سكّان الكوفة، ولمّا ظهَر ابن الزبير واستتبّ له الأمر في الحِجاز تمنّع ابن الحنفيّة والهاشميّون من مبايعته، فألحّ في خصومته لهم وحصرَهم في بعض شِعاب مكّة، وجمع كميّات من الحطب ليحرقهم إنْ هم أصرّوا على عدم بيعته، وكان المختار قد علِم بما يلقونه من ابن الزبير، فجهّز جيشاً من أربعة آلاف فارس بقيادة أبي عبد الله الجدلي، وأمرهم بالإسراع قبل أنْ يفوت الأوان فلَم يشعر ابن الزبير إلاّ والغزاة يسيطرون على الموقف في مكّة، فلم يجِد ابن الزبير ملجأً له غير الكعبة فالتجأ إليها.

ولمّا تمّ للغزاة إنقاذ الهاشميّين من الحصار المضروب عليهم في شِعاب مكّة، أرادوا الفتك بابن الزبير وجماعته ولكنّ محمّد بن الحنفية لم يأذَن لهم في قتال أحد وخرَج من مكّة إلى بلدٍ يقال لها (أيله)، فأقام به منعزلاً عن الناس حتّى قُتِل ابن الزبير (1) ، وهذه الحوادث تُعطي الباحث صورة عن الأوضاع السياسيّة في ذلك العصر وعن موقف الطامعين في الحكم من الهاشميّين، فكلٌّ يحاول أنْ يربح تأييدهم،

____________________

(1) انظر المجلّد الثاني من مروج الذهب للمسعودي ص 98 و99 و100.

٦١

فابن الزبير يهدّدهم بأبشَع الجرائم إذا لم يقفوا إلى جانبه، والمختار الثقفي يعلن من على منبر الكوفة أنّهم يؤيّدون حركته الثوريّة، واستغلّ سكوت ابن الحنفيّة عنه في إشاعة ذلك بين جماهير الشيعة، ورأى ابن الحنفيّة نفسه مضطرّاً لأنْ يلتزم السكوت تجاه تلك الشائعات التي روّجها المختار؛ لأنّ حركته تهدِف إلى الانتقام من قَتَلَة الحسين (عليه السلام) في الكوفة، وهذه الأُمنية الغالية عند العلويّين الذين تحمّلوا مرارة تلك الفاجعة الأليمة، التي بقيت تحزّ في نفوسهم وحرمتهم لذّة الحياة زمناً طويلاً.

ومجمل القول إنّ محمّد بن الحنفيّة الذي تنتمي إليه هذه الفرقة لم يدّعِ الإمامة لنفسه، ولم يُحدّث عنه التاريخ بأنّه نازع أحداً فيها، وكل ما في الأمر أنّه لم يُجاهر في عِداء المختار، ولم يتظاهر في خصومته لأسبابٍ سياسيّة أشارت إليها رواية المسعودي التي أوردناها سابقاً، أمّا المختار فمِن الجائز أنْ يكون قد انتحل لنفسه بعض الصفات لتدعيم مركزه في الكوفة كما يدّعي كتاب الفرق.

ولكن ما ورد عن الإمامين زين العابدين وولده محمّد الباقر (عليه السلام)، من الثناء والترحّم عليه يُبعِد عنه تلك التُهَم الباطلة التي لا تتّفق مع الإسلام؛ لأنّ الأئمّة من أهل البيت قد أعلنوا رأيهم بصراحة تامّة في الفرق الإسلامية التي انحرفت في تفكيرها عن أُصول الإسلام وفروعه، أمّا ما أورده المسعودي في مروج الذهب من أنّه كتب إلى الإمام زين العابدين، يعرض عليه أخذ البيعة له من الناس في الكوفة وخارجها، وأنّ الإمام رفَض ذلك رفضاً باتّاً وتنكّر للمختار ودعوته، وأشار على عمّه محمّد بن الحنفية أنْ لا يُهادنه في تلك العروض ولا يفسَح له المجال في الدعوة إليه (1) ، هذه الرواية على تقدير صحّتها لا تدلّ على أنّه كان مُشعْوِذاً كما يدّعي المؤرّخون وكتّاب الفِرَق.

ومن الجائز القريب أنْ يكون رفض الإمام لعروض المختار؛ لعلمه أنّ أهل الكوفة لا يوثَق بهم في قولٍ أو عمل، والإمام نفسه قد وقَف على حقيقة أحوالهم ورأى بعينه تخاذلهم عن جدّه الأعظم عليّ (عليه السلام)، وعن عمّه الحسَن ووقوفهم إلى جانب بني أُميّة في كربلاء، هذا بالإضافة إلى أنّ الأمويّين لم ينتهِ أمرهم، وقد وقفوا يراقبون الأحداث ويعدّون العدّة للوثبة على العراق والانتقام من كلّ معارضٍ لهم، وابن الزبير العدوّ الثاني

____________________

(1) انظر المصدر السابق ص 98.

٦٢

للهاشميّين قد أطلّ رأسه من الحِجاز وبثّ دعاته في البلاد وهو لا يقلّ خطَراً عن الأمويّين، هذه الظروف والملابسات هي التي فرضت على الإمام (عليه السلام) أنْ يقف هذا الموقف السلبي من دعوة المختار، وهو موقف تفرضه المصلحة وتقتضيه الحكمة، وليس من قصدنا أنْ ندافع عن المختار أو أنْ نتلمس له الأعذار، ولا التشكيك بأصلِ وجود فرقة في التاريخ تُعرف بالكيسانيّة، وإنّما الذي أردناه أنْ نُبرّر موقف محمّد بن الحنفيّة من هذه الفرقة، وأنّها لم تكن في عصره، وإذا صحّ وجودها فتكون حادثة بعد وفاته، وموقف الشيعة منهم إنْ كانوا كما تصفهم كتب الفِرَق والمقالات أنّهم ضالّون مضلّون، قد خرجوا عن الإسلام وأُصوله وضلّوا سَواء السبيل.

الزيدية

الفرقة الثانية من فِرَق الشيعة الزيدية، وهم القائلون بإمامة زيد بن عليّ بن الحسين (عليه السلام)، وقد نشأت هذه الفرقة في العصر الذي نبَغ فيه زيد بن عليّ، وأصبَح من أعلام المسلمين وقادتهم المتطلّعين إلى الإصلاح، ولعِب قادتها دوراً بارزاً في تاريخ الحكومات الإسلامية في مختلف الأقطار.

ولا تزال هذه الفرقة تعيش من بين عشرات الفرق الإسلامية التي ظهرت في مطلع القرن الثاني، وهي الفرقة الأُولى من سكّان اليمَن في العصر الحاضر، والمبدأ الأوّل الذي قامت على أساسه هذه الفرقة، هو اختصاص الإمامة بمَن قام بالسيف من أولاد عليّ بن أبي طالب وفاطمة بنت محمّد (عليهم السلام)، ولهم أُصول أُخرى وتشريعات في الفقه الإسلامي، سنشير إليها في أثناء حديثنا عن الزيديّين والمراحل التي مرّوا بها، وقد تحدّثنا عن فقههم في كتابنا (المبادئ العامّة للفقه الجعفري).

وكان السبب في خروج زيد بن عليّ (عليه السلام) على الحكّام الأمويّين؛ ما كان يُعانيه المسلمون من ظلم الأمويّين واستهتارهم بالمقدّسات الإسلامية، ولحِق الشيعة النصيب الأكبر من تلك السياسة الجائرة، سياسة البطش والقتل والإرهاب والتنكيل بالصُلحاء والعلماء، ولمّا جاء دور هشام بن عبد الملك أحسّ شيعة العراق بالفرَج بواسطة خالد القسري، الذي ولاّه هشام بن عبد الملك على العراق وانتهج فيها سياسة الرِفق واللين، ولكن يوسف بن عمر الثقفي لم يكن واثقاً من

٦٣

سياسة خالد القسري، وعلى الأخص مع أهل البيت والهاشميّين، فكتب إلى هشام بن عبد الملك: (إنّ أهل هذا البيت من بني هاشم كانوا قد هلَكوا جوعاً، حتى كانت همّة أحدهم قوت عياله، ولمّا جاء خالد أعطاهم الأموال فقووا بها حتى تاقت نفوسهم إلى طلب الخلافة).

فاستجاب هشام إلى عميلة يوسف الثقفي، وبادر إلى عزل خالد عن ولاية العراق وسلّمها ليوسف بن عمر الثقفي، فعمل كلّ ما في وسعه لاضطهاد الشيعة، ولم يدَع أحداً معروفاً بموالاة الهاشميّين إلاّ ألقاه في سجنه بواسط (1) ، فتضاعفت نقمة الشيعة على الأمويّين.

وفي هذا الجوّ المظلم المحفوف بالمكاره عاش زيد بن عليّ ولحقه ما لحِق غيره من الامتهان والتعسّف والجور، وكان هدفاً لعدوانهم في جميع الحالات، ولمّا أحسّ بأنّه غير متروك وأنّهم يحاولون الوقيعة به مهما كلّفهم ذلك من ثمن، آثر أنْ يموت تحت ظلال الأسنّة على الحياة المحفوفة بالأخطار والذلّ والمكاره، وفي هذا الجوّ الذي كان يعيش به زيد بن عليّ كتب يوسف بن عمر الثقفي إلى هشام بن عبد الملك:

بأنّ خالداً القسري الحاكم السابق للعراق قد أودَع زيداً ستمِئة ألف درهم وأنكرها زيد عليه، وبالفعل أرسل هشام يطلب زيداً من حاكم المدينة، فلبّى زيد طلبه، ولمّا دخَل على هشام بن عبد الملك أنكر أنْ يكون له علم بما ادعاه يوسف الثقفي حاكم العراق، فرغب إليه هشام أنْ يذهب إلى العراق لمقابلته، فامتنَع زيد من ذلك وعلِم أنّها مؤامرة بين الوالي والخليفة للتنكيل به.

وأصرّ هشام بن عبد الملك على رأيه، ودار بينهما جدال طويل كان من جملته أنّ هشاماً قال له: بلغني أنّك تحدّث نفسك بالخلافة وأنت ابن أمَة، فأجابه زيد بجرأته المعروفة وصراحته في الحق وعدم مبالاته بالظالمين مهما كانت النتيجة: ويلك أيضعني مكان أُمّي؟ وقد كانت أمّ إسماعيل أمَة، فجعل الله منها العرَب وجعَل من العرَب رسول الله، ثمّ اتجه إليه زيد ونصحه بتقوى الله والرفق بعباده، فشقّ على هشام أنْ يسمع من خصمه السياسي ذلك، فانتهره قائلاً بلهجة المتجبّر الحاكم بأمره: ومثلك يا زيد، يأمرني بتقوى الله؟ فقال زيد: إنّه لا يكبر أحد فوق أنْ يوصى بتقوى الله، ولا يصغر دون أنْ يوصي بها، ثمّ خرج

____________________

(1) انظر العراق في ظلّ العهد الأموي ص 114 و115.

٦٤

من مجلسه متوجّهاً إلى العراق وأقسم أنْ لا يلقى هشاماً إلاّ في كتيبةٍ حمراء، وطبيعي أنْ لا يخفى أمره في الكوفة، فطالبه الوالي يوسف بن عمر بالمال الذي ادعاه إليه وأساء معاملته، ولولا أنّ هشاماً أمره بالكفّ عنه لَما تركه حيّاً، وقد حاول أنْ يرجع إلى المدينة، فاستغاث به أهل الكوفة وأعطوه العهود والمواثيق أنْ يقاتلوا بني أُميّة معه، والتفّوا حوله، وبايعه منهم كما في رواية المقريزي أربعون ألفاً، وفي رواية الروض النضير المجلّد الأوّل ص 75 أنّ الذين بايعوه بلغوا ثمانين ألفاً.

وجاء في شرح النهج وعيون الأخبار لابن قتيبة: أنّ هشاماً كان يحاول إذلال زيد وامتهانه حينما وفَد عليه إلى الشام شاكياً سوء معاملة حاكم المدينة، فمنعه من الدخول عليه أيّاماً، ولمّا أذِن له بالدخول أشار إلى جلسائه أنْ لا يفسحوا له في مجلسه، وقال له: ما فعل أخوك البقرة؟ يعني بذلك الإمام محمّد بن عليّ الباقر (عليه السلام)، فأجابه: لقد سمّاه رسول الله الباقر، وأنتَ تُسمّيه البقرة لشدّ ما اختلفتما! والله لتخالفه في الآخرة كما خالفته في الدنيا، فترِد النار ويرِد الجنّة، فأمر هشام بإخراجه من منزله فخرَج وهو يقول: لنْ يَكره قومٌ حَرّ السيوف إلاّ ذلّوا، وتمثّل بقول القائل:

شـرّده  الـخوف وأزرى به

كـذاك مَن يكره حرّ الجِلادِ

منخرقَ  الكفّين يشكو الجوَى

تـنكيه إطـرافُ مـرٍّ حِداد

قـد  كان في الموت له راحةٌ

والموتُ حتمٌ في رقابِ العبادِ

إنْ يُـحـدث الله لـه دولـةً

يـتركُ آثار العدى كالرماد

ومضى إلى الكوفة فاجتمع إليه أهلها وأغروه بالنصرة والتضحية معه مهما كانت النتيجة، وكان ممّن بايعه جماعة من الفقهاء منهم أبو حنيفة، وتعاهده بالمال وحثّ الناس على الخروج معه، وجاء عنه أنّه قال: إنّ خروجه يُضاهي خروج جدّه يوم بدر (1).

وكانت بيعة الناس لزيد كما يُصوّرها الطبَري، الدعوة إلى كتاب الله وسنّة رسوله، وجهاد الظالمين والدفع عن المستضعفين، وإعطاء المحرومين وقسمة الفيء بين المسلمين بالسويّة وردّ المظالم، فمَن وافقه على ذلك أخذ

____________________

(1) انظر مناقب أبي حنيفة ج 1 ص 255.

٦٥

يده وقال له: عليك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله، لتفيَنّ ببيعتي ولتقاتلنّ عدوّي ولتنصحنّ لي في السرّ والعلانية، فإذا قالوا: نعم، مسَح يدَه على أيديهم (1).

وتؤكّد النصوص التاريخية أنّ يوسف بن عمر الثقفي مثّل دور ابن عمّه الحجّاج مع أهل البيت وشيعتهم، ويبدو ذلك من كتابه الذي أرسله إلى هشام بشأن السياسة التي اتّبعها خالد القسري في الكوفة، وهذا ما حدا بهشام بن عبد الملك أنْ يعزل خالداً ويولّي يوسف بن عمر مكانه، ولم يخرج زيد على الأمويّين إلاّ بعد أنْ أحسّ بالمؤامرة التي تبنّاها الوالي للوقيعة به.

وقد جاء عنه أنّه قال لهشام، عندما ألحّ عليه بالاجتماع بيوسف بن عمر: والله لئن بعثتني إليه لا اجتمع أنا وأنتَ حيّيَن أبداً، وأخيراً رأى نفسه بين أمرين: إمّا أنْ يعيش ذليلاً مختبئاً بين عشائر الكوفة ينتظر غدر الولاة به ساعةً بعد ساعة، وبين أنْ يخرج على أُولئك الحكّام مُعلناً رأيه بهم مهما كلّفه ذلك من ثمن، فاختار الموت في سبيل الحق على الحياة ذليلاً مع الظالمين، وقال كلمته المشهورة: (ما أحبّ امرؤ الحياة إلاّ ذل) .

وتؤكّد النصوص الواردة عن الأئمّة من أهل البيت (عليه السلام)، أنّه لم يدّع الإمامة لنفسه، وأنّ كل ما كان يهمّه التخلّص من الظلم والطغيان، فقد أورد الكشّي عن فُضيل الرسان أنّه قال: دخلت على أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) بعد أنْ قُتِل عمّه زيد بن عليّ (عليه السلام)، فقال لي: (يا فُضيل، قُتِل عمّي زيد بن عليّ؟!)، قلت، نعم جُعلت فداك، فقال: (رحمه الله، أما إنّه كان مؤمناً وكان عارفاً عالماً صدوقاً ولو ظفَر لوفى، أما إنّه لو ملَك لعرف كيف يضعها).

وفي كثير من المرويّات أنّ الإمام الصادق (عليه السلام) لمّا بلغه ما جرى على عمّه زيد بكى واسترجع وقال: (رحم الله عمّي زيداً، إنّه كان نِعم العم لديننا ودُنيانا، وقد مضى شهيداً كالذين استشهدوا مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وعليّ والحسين (عليهما السلام)).

وفي رواية العيص بن القاسم عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال

____________________

(1) انظر تاريخ الطبري ج 8 ص 297.

٦٦

لأصحابه: (لا تقولوا خرَج زيد، فإنّ زيداً كان عالماً صدوقاً لم يَدْعُكم إلى نفسه، وإنّما دعاكم إلى الرضا من آل محمّد (صلّى الله عليه وآله) ولو ظفَر لوفى بما دعاكم إليه).

وجاء عن الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) أنّه قال للمأمون: (يا أمير المؤمنين، لا تقِس أخي زيداً إلى زيد بن عليّ بن الحسين، فإنّه من علماء آل محمّد (صلّى الله عليه وآله) غضب لله عزّ وجل فجاهد أعداء الله حتى قُتِل في سبيله)، فقال المأمون: يا أبا الحسن، أليس قد جاء فيمَن ادّعى الإمامة لنفسه ما جاء؟ قال الرضا (عليه السلام): (إنّ زيداً لم يدّع ما ليس له بحق، إنّه كان أتقى لله من ذلك، إنّه قال: أدعوكم إلى الرضا من آل محمّد، وهو ممّن خُوطِب بهذه الآية: ( وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ ) ).

وقد أكّد ولده يحيى ذلك في حديث جرى بينه وبين بعض الشيعة، وجاء فيه: إنّ أبي أعقَل من أنْ يدّعي ما ليس له بحق، إنّما قال: أدعوكم إلى الرضا من آل محمّد - وعنى بذلك ابن عمه جعفراً (عليه السلام) ـ.

وقد ترجمه علماء الشيعة في كتبهم، المتقدّمون منهم والمتأخّرون، ووصفوه بالصلاح والورَع والعِلم ونفَوا عنه ما قيل من أمر ادعاء الإمامة، واتفقوا على أنّه كان يدعو إلى الرضا من آل محمّد، ويعني بذلك ابن أخيه الإمام الصادق، فقد قال فيه عليّ بن محمّد الخزار في كتابه كفاية الأثر: كان زيد بن عليّ بن الحسين (عليه السلام) معروفاً بالصلاح والستر، مشهوراً عند الخاص والعام بذلك، وكان خروجه للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يُخالف ابن أخيه جعفراً الصادق في الإمامة، وإنّما جاء الخلاف من بعض الشيعة حيث توهّموا أنّ الإمامة لمن خرَج بسيفه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، أمّا من جلَس في بيته وأغلَق عليه بابه فلا يكون إماماً للناس.

ومنهم المفيد في الإرشاد، والمرتضى والنسّابه أبو الحسن العمري في كتابه (المجدي)، والشيخ عبد اللطيف بن عليّ بن أبي جامع العاملي في رجاله، والشيخ محمّد ابن الشيخ حسَن صاحب المعالم في شرح الاستبصار، والمجلسي في مرآة العقول، والميرزا عبد الله المعروف بالأفندي في كتابه رياض العلماء، والشيخ البهائي في رسالته التي أثبت فيها وجود محمّد بن الحسن (عليه السلام)، والسيّد علي خان في كتابه شرح الصحيفة، والشيخ عبد النبي الكاظمي في كتابه تكملة الرجال، والشيخ محمّد حسن الحِر صاحب الوسائل في رجال الوسائل في ترجمة زيد بن عليّ (عليه السلام)، والميرزا حسين النوري في مستدرك الوسائل وغير هؤلاء من العلماء الذين وصفوه

٦٧

بصفات الصدّيقين الأبرار، ونزّهوه عمّا نُسِب إليه من ادعاء الإمامة (1).

ويميل جماعة من الكتّاب المتقدمين والمتأخرين إلى أنّه ادعاها لنفسه، معتمدين على دعاة المذهب الذي حدث بعض وفاته بنصف قرن تقريباً، وقد نسبوا إليه أنّه يرى أنّ الخلافة لا تكون بالوراثة وأنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) نص على الخليفة من بعده بالوصف لا بالاسم، ولا يكون الإمام إلاّ بعد أنْ يخرج داعياً لنفسه، وقد جاء عن زيد بن عليّ من المؤهّلات ما جعله في القمّة، حيث توفّرت فيه جميع العناصر والصفات التي جعلته متعيّناً للإمامة، وأضافوا إلى ذلك أنّ البيعة التي أخذها من أهل الكوفة تدلّ على أنّه قد اعتمد نفسه إماماً؛ لأنّها اشتملت على الدعوة إلى كتاب الله وإنصاف المظلومين وقسمة الفيء، وردّ المظالم وغير ذلك ممّا هو مِن وظائف الإمام الشرعي، وانتهى بعض الكتّاب من ذلك إلى أنّ زيداً قد ادّعى الإمامة، وليس في المصادر التاريخيّة ما ينقض هذه الأدلّة (2).

وقد أوردنا من أقوال أئمّة الشيعة الذين عاصروه ما ينقض تلك الأدلّة التي اعتمدها القائلون بأنّه كان طالباً للإمامة، وإذا أضفنا إلى ذلك ما تؤكّده النصوص التاريخيّة من سوء معاملة الحكّام له ومطاردته في الحِجاز والعراق، وما لقيه الشيعة والعلويّون من يوسف بن عمر الثقفي، من الظلم والتنكيل بهم يتبيّن لنا أنّ ثورته كانت للتخلّص من تلك الحكومات التي أماتت السُنَن، وأحيَت البِدَع ويسّرت للناس ارتكاب الجرائم والمُنكرات، وفي بعض المرويّات عنه قال: شهدت هشاماً ورسول الله يُسبُّ في مجلسه فلَم ينكِر ذلك ولم يُغيّر، فوالله لو لم يكن إلاّ أنا وآخر لخرجتُ عليه (3) .

وقد ذكرنا صيغة البيعة التي أخذها من الذين أغروه بطاعتهم، وليس فيها ما يُشير إلى أنّه كان يطلب الخلافة لنفسه، والذي يُستفاد منها أنّه كان يُحاول انتزاع السلطة من تلك الأيدي الخائنة الملوّثة بدماء الأبرياء والصلحاء، وأدلّ شيء على ذلك، ما جاء في حديث ولده يحيى مع المتوكّل بن هارون قال: (إنّ أبي لم يكن بإمام ولكنّه من السادة الكرام وزهّادهم، وأنّه أعقَل من أنْ يدّعي ما ليس له بحق، لقد دعا الناس إلى الرضا من آل محمّد

____________________

(1) انظر زيد الشهيد للسيّد عبد الرزّاق المقرّم طبع النجف.

(2) انظر الإمام زيد للأُستاذ الشيخ محمّد أبي زهرة ص 67 وما بعدها.

(3) انظر سفينة البحار للشيخ عبّاس القمّي ج 1 ص 577.

٦٨

وعنى بذلك ابن عمّي جعفراً).

ومهما كان الحال فمّما لا شكّ فيه أنّ جماعة من الشيعة والفقهاء قالوا بإمامته، وكانوا يرَون رأيه في الثورة على الأمويّين، أمّا أنّه ادعى الإمامة وثار من أجلها فليس فيما بأيدينا من الأدلّة ما يؤكّد ذلك، ولكنّ المؤهّلات التي اجتمعت فيه خلقت له أنصاراً جعلوه من مصاف الأئمّة الهُداة من أهل البيت، فلقد قال فيه ابن أبي ليلى، أحد الفقهاء البارزين في عصره: لو علِمْتُ أنّ الناس لا يخذلونه كما خذلوا أباه لجاهدت معه؛ لأنّه إمام حق، وقال فيه أبو حنيفة: شاهدت زيد بن عليّ فما رأيت في زمانه أفقه منه ولا أعلم ولا أسرع جواباً ولا أبيَن قولاً، لقد كان منقطع النظير.

وقال فيه عبد الله بن الحسن بن الحسن أحد الشيوخ لأبي حنيفة، وهو ينصح ولده الحسَن بن زيد في عدَم الخروج على الحكّام: إنّه قد توالى لك آباء وأنّ أدنى آبائك زيد بن عليّ الذي لم يكن فينا ولا في غيرنا مثله، وكان سفيان الثوري أحد المشاهير في العِلم والحديث إذا ذُكِر زيداً بكى على ما فقده العِلم والفضل والتقى بفقْده، ويدّعي الشيخ أبو زهرة أنّ القرّاء والفقهاء والمحدّثين والصُلحاء كلّهم كانوا يرَون رأي زيد في الثورة على الأمويّين (1).

والقائلون بإمامة زيد يدّعون أنّ الإمامة قد انتقلت منه إلى ولده يحيى بن زيد؛ لأنّه خرَج بالسيف وكان زاهداً متعبّداً عالماً بالحلال والحرام، وقد جاهد مع أبيه في الكوفة، فلمّا قُتِل خرَج منها متخفّياً مع جماعة إلى كربلاء ومنها إلى المدائن ثمّ إلى الريّ من بلاد إيران، وتنقّل فيها من بلدٍ إلى بلد متخفّياً حتى انتهى إلى بلَخ فنزل على الجريش بن عبد الرحمان الشيباني، وبقي معه إلى أنْ تولّى الخلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك، فكتب يوسف بن عمر الثقفي إلى نصر بن سيار الوالي على خراسان أنْ يقبض على يحيى ويرسله إليه، فكتب نصر إلى حاكم بلَخ أنْ يأخذ الجريش بن عبد الرحمان أسيراً حتى يسلّمه يحيى، فتمنّع الجريش من تسليم يحيى فألقاه الحاكم في سجنه وضربه ستمِئة سوط وهدّده بالقتل.

وأخيراً تمّ له القبض على يحيى بواسطة أحد أبناء الجريش، فأرسله حاكم بلَخ

____________________

(1) انظر الإمام زيد لأبي زهرة ص 71 و72.

٦٩

إلى نصر بن سيار فألقاه في سجنه مقيّداً بالحديد، ثمّ أطلقه بعد أنْ استشار الوليد بن يزيد في أمره، فأتي له بحدّاد ليفك القيد من رجْليه، وبلَغ الشيعة أنّ القيد كان في رجلَي يحيى فتنافسوا على شرائه حتى بلَغ عشرين ألف درهم، وأخيراً تقاسموه بينهم قِطعاً صغيرة للتبرّك به، ومضى يحيى يتنقّل في البلاد، وكان كلّما بلغ أمره الناس انضمّ إليه جماعة وتابعوه حتى بلَغ مَن معه نحواً من سبعمِئة تقريباً، فأمر نصر بن سيار عاملي طوس وسرخس باغتيال يحيى وجماعته، فدارت بينهم وبينه معارك انتهت بهزيمة العاملَين ومَن معهما، ولمّا بلغ يحيى الجوزجان دارت بينه وبين نصر بن سيار معركة دامية انتهت بقتل يحيى بعد أنْ أُصيب بنشابة في جبهته.

وقد خرَج من أولاد زيد الشهيد عيسى بن زيد، وكان له من العمر حينما قُتِل والده أحد عشر عاماً، ولمّا شبّ وترعرع ساهم في ثورة محمّد بن عبد الله المحض، وبعد قتله اشترك في المعارك مع إبراهيم بن عبد الله التي دارت بينه وبين العبّاسيين، وأوصى له إبراهيم بالأمر من بعده.

وأخيراً اختفى بين أهل الكوفة وعاش عمراً طويلاً متخفّياً عن الناس؛ لئلاّ يقَع أسيراً في يد المهدي العبّاسي (1) وجاء في الملل والنحل للشهرستاني: أنّ أمر الزيدية لم ينتظم بعد مقتل زيد وولَده يحيى ومحمّد بن عبد الله وأخيه إبراهيم، إلى أنْ ظهر ناصر الأطروش في بلاد الديلَم والجبل سنة 301هـ فدعا أهل تلك البلاد إلى الإسلام، فدخلوا فيه على مذهب الزيدية، واستمرّ أمر الزيدية في تلك البلاد يخرج الواحد منهم بعد الآخر (2).

ويدّعي الأُستاذ أبو زهرة، أنّ زيد بن عليّ كان يذهب إلى أنّ الخلافة بالاختيار لا بالنص، وعلى أساس ذلك، يجوز أنْ يتولاّها المفضول مع وجود الفاضل، واعتمد في ذلك على ما رواه عنه الشهرستاني (3) أنّه قال: كان عليّ (عليه السلام) أفضل الصحابة، إلاّ أنّ الخلافة فُوّضت إلى أبي بكر

____________________

(1) انظر زيد الشهيد للسيّد عبد الرزاق المقرّم.

(2) انظر الملل والنحل الجزء الأول ص 254، وناصر الأطروش هو الحسن بن عليّ بن الحسن بن الحسن بن عمر بن عليّ بن الحسين وكان يلقب بالناصر، واستولى أخيراً على طبرستان.

(3) انظر الشهرستاني ج 1 ص 209.

٧٠

لمصلحة رأوها، وقاعدة دينيّة راعوها من تسكين ثائرة الفتنة، وتطييب قلوب العامّة؛ لأنّ عهد الحروب التي جرت كان قريباً، وسيف أمير المؤمنين لم يجف بعد، والضغائن في صدور القوم من طلب الثأر كما هي، فما كانت القلوب تميل إليه كلّ الميل، ولا تنقاد له الرقاب كلّ الانقياد، واستطرد زيد بن عليّ يعدّد الأسباب التي أوجبت تقدّم أبي بكر على عليّ (عليه السلام) كما جاء في رواية الشهرستاني.

ومِن هذه الرواية قد استنتج أبو زهرة جواز ولاية المفضول، مع وجود الأفضل كما استنتج منها عدم عصمة الأئمّة، وعلّل للنتيجة الأُولى؛ بأنّ زيداً مع اعترافه بأنّ عليّاً (عليه السلام) أفضل من غيره يعتقد بأنّ خلافة الذين تقدّموه كانت حقّاً وطاعتهم واجبة. وعلّل للنتيجة الثانية؛ بأنّه إذا فرضنا أنّ إمامة الأفضل ليست واجبة، وأنّ الخلافة لا تكون بالوصاية من النبيّ، لا يُمكن مع هذين الفرضين أنْ نقول بعصمة الإمام؛ لأنّ فرض عصمة الأئمّة من الخطأ أساسه أنْ يكون توليتهم من النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، والنبيّ ما كان يتصرّف إلاّ بوحيٍ يوحى إليه، وما كان من المعقول أنْ يختار النبيّ لهم بأمر من ربّه إماماً يجري عليه الخطأ في أحكامه.

هاتان النتيجتان، لقد انتهى إليهما الأُستاذ أبو زهرة من حديث زيد بن عليّ بشأن الخلافة التي وصلت إلى أبي بكر، ويبدو أنّه يُحاول أنْ ينتزع لزيد رأياً يُخالف الإمامية، ولو بطريق الاستنتاج والاستنباط؛ لأنّه افترض أنّ زيداً كان يُخالف ما يتردّد في مجالس الشيعة واجتماعاتهم، في العراق وغيرها فيما يتعلّق بالخلافة كما جاء في صفحة 187، فلَم يجد ما يؤيّد افتراضه صراحة فتعلّق بهذه الرواية، مع أنّها لا تعبّر عن رأي زيد بن عليّ، ولم يكن في حديثه بصددِ وضع أصلٍ عام يتعلّق باختيار الخليفة يعبّر عن رأيه في هذا الموضوع، بل كان حاكياً ومُعبّراً عن الوضع الإسلامي من حيث الخلافة، وكيف وصلت إلى أبي بكر وتخطّت عليّاً (عليه السلام)، وما أحبّ أنْ يكون مهاجماً للمسلمين الأوّلين في اختيارهم لأبي بكر وتركهم لجدّه الأكبر (عليه السلام) فذكر لهم هذه المبرّرات، وليس فيها ما يشير من قريب أو بعيد، على أنّه يعتقد ذلك، أو يرى أنّ النبيّ لم ينصّ على جدّه بالخلافة.

لقد استدلّ أبو زهرة بهذه الرواية عن زيد؛ لأنّها تقبل التمويه، وترَك ما هو أصرَح منها في التعبير عن رأي زيد الصحيح، في أنّ الخلافة حقّ لهم، وأنّ الأوّلين قد استأثروا بها ودفعوهم عنها، فقد جاء في رواية ابن الأثير وابن كثير، أنّ أتباع زيد سألوه عن رأيه في أبي بكر وعمر، فقال: (غفر

٧١

الله لهما، ما سمعت أحداً من أهلي تبرّأ منهما، وأنا لا أقول فيهما إلاّ خيراً) فقالوا: (فلِمَ تطالب إذن بدم أهل البيت؟).

فقال: (إنّ أشدّ ما أقول فيمَن ذكرتم: إنّا كنّا أحقّ الناس بهذا الأمر، ولكنّ القوم استأثروا علينا به ودفعونا عنه، ولم يبلغ ذلك عندنا كفراً).

قالوا: فلِمَ تقاتل هؤلاء إذن؟

قال: إنّ هؤلاء ليسوا كأُولئك، إنّ هؤلاء ظلموا الناس وظلموا أنفسهم، وأنّي أدعو إلى كتاب الله وسنّة نبيّه وإحياء السنن وإماتة البدَع، فإنّ تسمعوا يكن خيراً لي ولكم، وإنْ تأبوا فلست عليكم بوكيل (1).

هذه الرواية تنصّ بصراحة لا تقبل التأويل والجدَل على أنّ زيداً كان يرى أنّ القوم قد اغتصبوهم حقّهم، واستأثروا به عليهم، وهي لا تتّفق مع الشائع عنه على السنّة بعض الكتاب، إنّه كان يرى إنّ الخلافة بالاختيار لا بالنص، وإذا كانت بالاختيار عنده على حدّ زعم الشيخ أبي زهرة وأمثاله، فكيف كان أحقّ بها من جميع الناس، كما جاء في كلامه؟ وكيف يتحقّق الاستئثار الذي وصفهم فيه؟ وهذه الكلمات من زيد كما تدلّ على أنّ الخلافة حقٌّ من حقوقهم المغتصبة، كذلك تدل على انه لم يدع الناس لإمامته؛ لأنّه دعاهم إلى إحياء السُنَن وإماتة البِدَع، والعمل بالكتاب والسنّة كما هو صريح كلامه.

أمّا الرأي المنسوب إليه في العصمة، فليس له نص يمكن الاعتماد عليه في ذلك، وكلّ ما في الأمر أنّ العصمة - على حدّ تعبير بعض الكتّاب - متفرّعة على مبدأ الوصاية، وأنّ اختيار الحاكم يعود إلى النبيّ أو الله سبحانه.

وحيث انه لا يقول بذلك، فلابدّ وأنْ يذهب إلى عدم اشتراط العصمة فيمَن يخلف النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، ونحن قد بينّا أنّ زيداً (رضي الله عنه) لم يُخالف الأئمّة من أهل بيته ولم يدّعيها لنفسه، والذي استفدناه من كلماته حول هذا الموضوع تكاد تكون صريحة في أنّه لم يكون لنفسه رأياً يُخالف مذهبهم فيها.

وأغرب من ذلك أنّ بعض الكتّاب قد ذهبوا إلى أنّ زيداً تلمذ على

____________________

(1) انظر الإمام زيد لأبي زهرة ص 58.

٧٢

واصل بن عطاء، وأنّه كان معتزليّاً في أُصول الإسلام، وذلك بنتيجة تأثّره بأُستاذه واصل بن عطاء وقد اعتمدوا في ذلك على بعض كتّاب الفِرَق القدامى أمثال الشهرستاني وغيره، فلقد قال في الملل والنحل: إنّه كان يتلمذ لواصل بن عطاء، ويقتبس العِلم ممّن يجوّز الخطأ على جدّه أمير المؤمنين، في قتال الناكثين والقاسطين، ومَن يتكلّم في القدر على غير مذهب أهل البيت (1) .

وقد شاع هذا الرأي بين جماعة من الكتّاب اعتماداً على أمثال هذه المرويّات، ومن ذلك انتهوا إلى أنّه يرى رأي المعتزلة من أنّ الخلافة تكون للمفضول، وهي بالاختيار لا بالنص، ومن حيث إنّه كان من دعاة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو أحد الأُصول عند المعتزلة وصَفوه بالاعتزال.

وقد تعرّض لهذه المسألة الشيخ أبو زهرة ورجّح بأنّ زيداً من حيث تقارب سنّه مع واصل بن عطاء، ومِن حيث كفاءاته التي عُرف بها، يتعيّن أنْ يكون لقاؤه مع واصل بن عطاء لقاء مذاكرة لا لقاء تلمذة كما يدّعون، ويميل بالنتيجة إلى رواية ابن المرتضى في المنية والأمل، التي تنصّ على أنّ الأئمّة من أهل البيت كالحسن والحسين وابن الحنفية، والإمامَين زين العابدين وولده الباقر كانوا من المعتزلة في أُصولهم، وقد بينّا أنّ آراء زيد في الإمامة لا تلتقي مع رأي المعتزلة، ولا يمكن أنْ يكون تلميذاً لواصل، وهو يرى فِسق أحد الشخصين لا بعينه، عليّ ومعاوية، ولا يجيز شهادة عليّ (عليه السلام) على باقة بقل كما جاء عنه، أمّا بخصوص نسبة الاعتزال إلى الأئمّة (عليهم السلام)، فعندما نُقارن بين آراء المعتزلة في الأُصول وآراء الإمامية فيها، يتبيّن الخطأ الفاحش الذي ارتكبه بعض الكتّاب في هذه المسألة أمّا جهلاً منهم بأُصول الشيعة، أو بدافع النزعات الموروثة.

وعلى أيّ الأحوال فلقد قال بإمامة زيد بن عليّ جماعة من الشيعة بعد وفاته، ويقرّر الشهرستاني وغيره أنّ فِرَق الزيدية ثلاثة: جارودية، و سليمانية ، وبترية ، ويضيف إليهم الأشعري في كتابه مقالات الإسلاميين ثلاث فرق أُخرى: نعيمية، أتباع نعيم بن اليمان، و يعقوبية نسبةً لرجل اسمه

____________________

(1) انظر المجلّد الأوّل من الملل للشهرستاني ص 25.

٧٣

يعقوب، وفرقة ثالثة لم ينسبها إلى أحد، ويدّعي أنّ هذه الفِرَق الثلاث تتولّى أبا بكر وعمر، وتنكر رجعة الأموات، وتتبرّأ ممّن دان بها، ويذهب النوبختي في كتابه (فِرَق الشيعة) إلى أنّ فرق الزيدية تشعّبت من الجارودية، وعليه تكون الفرق الرئيسية للزيدية ثلاثة، والمضاعفات الموجودة في كتُب الفرق مصدرها الاختلاف في بعض المسائل بالنسبة لكلّ واحدة من هذه الفرق الثلاث.

ويدّعي الجارودية أنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) نص على عليّ (عليه السلام) بالوصف لا بالاسم، وقد ضلّ الناس وكفروا؛ لأنّهم لم يقتدوا به بعد الرسول، ومِن بعده انتقلت إلى ولديه الحسَن والحُسَين (عليهما السلام) الواحد بعد الآخر، ومن بعدهما إلى أولادهما لِمَن يخرج منهم داعياً إلى الله سبحانه، إذا كان عالماً فاضلاً، ويدّعي بعض الجارودية أنّ محمّد بن عبد الله بن الحسن لا يزال حيّاً، وسيخرج لإحقاق الحق (1).

كما يدّعي بعضهم أنّ محمّد بن القاسم صاحب الطالقان حيٌّ لم يمت، ولابدّ وأنْ يخرج لإحياء الحق وإماتة الباطل، وقد خرج في أيّام المعتصم العبّاسي في بلاد الطالقان، فتغلّب عليه عبد الله بن طاهر وأرسله إلى المعتصم فحبسه في سامراء، وبقيَ في حبسه إلى سنة 219هـ، وأخيراً استطاع أنْ يخرج من الحبس بواسطة جماعة من الشيعة، كانوا يتولّون حراسته، ولم يظهر له أثر بعد ذلك، وفي بعض المرويّات أنّه مات مسموماً (2) .

وذهب بعضهم أنّ يحيى بن عمر بن الحسين بن زيد بن عليّ لا يزال حيّاً، وسيخرج بعد ذلك، وكان قد قَبض عليه عبد الله بن طاهر، فسلّمه المتوكّل إلى عمر بن الفرج الرخجي فأغلظ له في الكلام، فردّ عليه يحيى بالمثل فشكاه إلى المتوكّل، وبعد أنْ ضربه بالسياط حبسه في دار الفتح

____________________

(1) هو محمّد بن عبد الله المعروف بالنفس الزكيّة المقتول في المدينة سنة 145هـ بواسطة عيسى بن موسى الهاشمي، وفي هذه السنة قُتِل أخوه إبراهيم أيضاً، وهما ولدا عبد الله بن الحسَن ومن أئمّة الزيدية.

(2) محمّد بن القاسم بن عليّ بن عمر بن عليّ بن الحسين، وأُمّه صفية بنت موسى بن عمر بن عليّ بن الحسين ويُكنّى بأبي جعفر، والعامّة تلقبه بالصوفي؛ لأنّ الغالب على لبسه الصوف، وكان معروفاً بالفقه والعلم والزهد.

٧٤

ابن خاقان، ولمّا أطلقه من حبسه مضى إلى الكوفة ودعا الناس إلى الرضا من آل محمّد (صلّى الله عليه وآله) وأظهر بين الناس العدل وحسن السيرة، فندب عبد الله بن طاهر لقتاله ابن عمّه الحسين بن إسماعيل، وضمّ إليه قُوّاد الجيش، وبعد قتالٍ عنيف بين الطرفين قُتِل يحيى، وذلك سنة 288هـ في عهد المستعين بالله (1).

ويدّعي السليمانية ، أتباع سليمان بن جرير الزيدي أنّ الإمامة بعد رسول الله كانت لمن يختاره المسلمون، ولا يشترط في الاختيار الإجماع، فلو اختار رجلان صالحان شخصاً يكون إماماً، ولو كان في المسلمين من هو أفضل منه وأزهد، وبذلك يصحّحون إمامة أبي بكر وعمر.

ويُنسب إلى زعيم هذه الفرقة، سليمان بن جرير  أنّ خلافة أبي بكر وعمر كانت خطأ، وأنّ الأُمّة قد تركت الأصلح باختيارهما، ويكفّر عثمان بن عفّان، ويقول: إنّ عليّاً لا يضلّ، ولا تقوم عليه شهادةٌ عادلة بضلال.

ويدّعي البترية أتباع الحسين بن صالح بن حي (2) (وأصحاب كثير النواء) وإليه تُنتسب هذه الفرقة؛ لأنّه كان يُلقّب بالأبتر، وهؤلاء يزعمون أنّ عليّاً أفضل الناس بعد رسول الله وأحقهّم بالإمامة، ولكنّه تركها لغيره، ولولا ذلك لم تصحّ خلافة مَن تقدّمه، ويتوقّفون في عثمان وقتلته، ولا يرَون لعليّ إمامة على الناس إلاّ بعد أنْ بويع بالخلافة.

أمّا الفرق الثلاث التي أضافها الأشعري إلى فرق الزيدية فليست فِرَقاً مستقلّة، وإنّما هي من فروع الفِرَق الثلاث المتقدّمة كما بينّا، وللزيدية آراء في أُصول الإسلام يتّفقون في بعضها مع الإمامية ويختلفون عنهم في البعض الآخر، وعندما نُقارن بين آراء الإمامية وآراء المعتزلة والأشاعرة، لابدّ وأنْ نشير إليها.

والذي رجّحناه في أوائل هذا البحث أنّ زيداً لم يثبت له رأي يخالف فيه الإمامية، ولا سيّما فيما يتعلّق بفكرة الخلافة، والخلاف المنسوب إلى الزيدية فيها وفي غيرها، قد حدَث بعد ثورة زيد بن عليّ، وبعد أنْ أصبح

____________________

(1) انظر الجزء الأول من مقالات الإسلاميين ص 135 والهامش من نفس الصفحة.

(2) كان الحسن بن صالح من كبار الزيدية وعلمائهم المعروفين بالفقه والكلام، ومن المؤلّفين في التوحيد والإمامة، وله في الفقه كتابه المسمّى بالجامع، توفّي سنة 168هـ.

٧٥

الزيديّون فرقة مستقلّة من الناحيتين السياسية والعقائدية.

وعلى كلّ حال فإذا استثنينا الزيدية الذين انحرفوا عن مبدأ الإمامية كما يدّعي كتّاب الفِرَق والمذاهب، نجد الأكثرية المطلقة تدين بإمامة محمّد الباقر وولده الإمام الصادق بعد عليّ بن الحسين (عليه السلام)، ولم يُخالف في إمامتهما سوى بعض الأفراد الذين اندسّوا في صفوف الشيعة لغاية التشويش والتشويه لمبادئ أهل البيت كالخطابية والمغيرية وغيرهما. وكما ذكرنا أنّ الأئمّة (عليه السلام) قد تبرّأوا منهم ومن كلّ مَن تابعهم وشايعهم وحذّروا المسلمين من أمثال هذه الدسائس والمقالات الفاسدة.

أمّا بعد وفاة الإمام الصادق (عليه السلام) فقد ظهرت بين صفوف الشيعة بعض المخالفات والانحرافات عن مبدأ التشيّع الذي تعنيه كلمة الإمامية لأسباب كثيرة؛ كان من أهمّها أنّ الإمام الشرعي موسى بن جعفر كان تحت الرقابة الشديدة من الحكّام، ممّا دعاه لأن يتستّر حتى عن كثير من شيعته، وعندما ظهر أمره واتّسع صيته لم يجدوا سبيلاً لمكافحة التشيّع إلاّ بإلقاء القبض عليه، فقضى شطراً من حياته في السجون، وبها كانت نهاية حياته العاطرة بالفضائل والمفاخر.

لذلك ولغيره من الأسباب ظهرت بوادر الانحراف بين الشيعة (1)، فادّعى ا لناووسية ، أتباع عجلان بن ناووس: أنّ الصادق لم يمُت وسيظهر لإحياء الحق وإماتة البِدَع والأهواء، ورووا عنه أنّه قال: (إذا رأيتم رأسي (يدهده) عليكم من الجبل فلا تصدّقوا بوفاتي، فإنّي صاحبكم صاحب السيف).

وادّعى آخرون أنّ الإمامة بعد الصادق (عليه السلام) لولده عبد الله المعروف بالأفطح شقيق إسماعيل، ورووا عن الصادق لتأييد دعوتهم أنّه قال: الإمامة في أكبر أولاد الإمام، كما رووا عنه: أنّ الإمام بعدي من يجلس مجلسي، ولا يُغسّل الإمام إلاّ الإمام، وهذه الصفات كانت لعبد الله على حدّ زعمهم، وأضافوا إلى ذلك أنّ الإمام الصادق قد وضَع مع بعض أصحابه مالاً، وأمره أنْ يدفعه إلى من يطلبه منه، ويتّخذه إماماً، ولم يطلبه أحد سوى عبد الله..

____________________

(1) انظر كتابنا عقيدة الشيعة الإمامية في حديثنا عن أسباب تعدّد الفرق الشيعية.

٧٦

بهذه النصوص استدلّ بعض الشيعة على إمامة عبد الله الأفطح، وهي على تقدير صحّتها وصدورها منه (عليه السلام) المقصود منها تشويش الحكّام وصرف أنظارهم عن الإمام الشرعي موسى بن جعفر (عليه السلام)؛ لأنّهم كانوا يحرصون على معرفة المنصوب إماماً بعد الصادق، وكتب المنصور إلى عامله في المدينة يستعلم منه عن الموصى إليه بعد الإمام الصادق، وكان الإمام (عليه السلام) قد أحسّ بسوء نواياهم على خليفته الشرعي، فكتب وصيّته وجعلها لأربعة منهم، محمّد بن سليمان والي المدينة، وأبو جعفر المنصور، وحميدة أمّ الإمام موسى بن جعفر، فكتب إليه الوالي بذلك فقال المنصور: أمّا هؤلاء فلا سبيل إلى قتلهم (1).

وادعى آخرون من الشيعة أنّ الإمامة من بعده لولده محمّد بن جعفر، وأنّ جدّه الإمام الباقر قد نصّ عليه بالإمامة، ورووا في ذلك أنّه قال لولده الإمام الصادق: (إذا ولد لك ولد فسمّه باسمي فهو الإمام من بعدك) وأصحاب هذه المقالة هم الشمطية أتباع يحيى بن شميط، كما يدّعي كتّاب الفِرَق والمذاهب.

وذهب جماعة إلى أنّ الإمامة بعد الصادق لولده إسماعيل بالنصّ عليه من أبيه، وهؤلاء بين مَن قال بوفاته في حياة أبيه، ويكون النص عليه سبباً لرجوع الإمامة إلى أولاده، وأوّلهم محمّد بن إسماعيل، ويُنسب هذا القول إلى المباركية نسبة للمبارك مولى إسماعيل، وبين مَن قال ببقاء إسماعيل حيّاً بعد أبيه، وقد أظهَر والده موته وكتب محضراً بذلك وأشهد حاكم المدينة محمّد بن سليمان خوفاً عليه من العبّاسيّين، وهم بين مَن وقف على محمّد بن إسماعيل ولم يتجاوزه لغيره، وبين من تعدّى عنه، وجعل الإمامة في سبعة سبعة، بين مستورٍ وظاهر، أوّلهم محمّد بن إسماعيل، ثمّ ولده جعفر المصدّق، ثمّ ولده محمّد الحبيب، ثمّ عبد الله المهدي الذي ظهَر في شمالي إفريقيا، ومِن ولده تكونت الدولة الفاطمية (2).

ويؤكّد كتّاب الفِرَق أنّ القائلين بإمامة إسماعيل بين مَن ذهب إلى وفاته في حياة أبيه، وبين قائلٍ ببقائه حيّاً بعد أبيه، وأنّ الإمامة قد انتقلت منه لولده إسماعيل، ولم يذكر بعض الكتّاب المحدّثين سوى القول الأوّل مع

____________________

(1) انظر كتابنا عقيدة الشيعة الإمامية.

(2) انظر المجلّد الأوّل من الملل والنحل للشهرستاني ص 276 وما بعدها.

٧٧

أنّه مخالف لِما هو الشائع في كُتب القدامى عن الفِرَق والتي ظهرت في القرن الثاني الهجري.

ومن المؤكّد أنّ الإسماعيلية قد تشعّبوا إلى طوائف متعدّدة، لكلّ طائفة آراء وأقوال تخصّها في الأصول والفروع، وبعضها بلغ به الشذوذ إلى الخروج عن الإسلام، ومن هؤلاء السبعية القائلين بأنّ الإمامة تدور على سبعة سبعة، كأيّام الأُسبوع والسموات السبع والأرضين السبع، والأفلاك السبع.

والسبعة الأُوَل يبتدئون بعليّ (عليه السلام) وينتهون بإسماعيل بن جعفر، والدور الثاني يبتدئ من محمّد بن إسماعيل، وهم الأئمّة المستورون الذين يسيرون في البلاد سرّاً ويظهرون الدعاة جهراً؛ لأنّ الأرض لا تخلو من إمامٍ حيّ قائم، أمّا ظاهرٌ مكشوف، وأمّا باطنٌ مستور، والإمام السابع ينسخ شرائع مَن تقدّمه (1) وهذا المذهب نشأ في العراق حيث كانت مقرّاً للشيعة، ولكنّه لم يُصادف رواجاً في بداية أمره ووجد من الشيعة أنفسهم حرباً لا هوادة فيها عليه، وعلى كلّ منحرف عن التشيّع الصحيح لأهل البيت (عليه السلام)، فانتقل دعاته إلى بلاد فارس وخراسان وغيرهما من الأقطار الأُخرى، فتأثّر دعاته بعقائد أهلها وفلسفتهم، وانحرف بعض دعاته في تفكيرهم.

ونظراً لاتّصال دعاته بأصحاب الديانات التي كانت تعيش في تلك المناطق ظهَر فيهم الانحراف الديني، ومن خصائصهم السرّية في عقائدهم، فإنّهم يشتركون فيها على ما بينهم من اختلاف في الأُصول والفروع، حتى المعتدلين منهم، وهم المنتشرون في الباكستان، والمعروفون (بالبهرة) فإنّهم يتستّرون في عقائدهم عن جميع المسلمين مع أنّهم معتدلون بالقياس إلى غيرهم من فِرَق الإسماعيليّة (2).

ومن الإسماعيليّة الفِرقة المعروفة بالقرامطة، ويدّعون أنّ إسماعيل توفّي في حياة والده الإمام الصادق (عليه السلام)، وقبل وفاته نصّ على إمامة ولده محمّد بن إسماعيل، فكان هو الإمام من بعده، وأصحاب هذه المقالة يسمَّون المباركية نسبة لرجلٍ اسمه المبارك مولى إسماعيل بن جعفر،

____________________

(1) انظر الملل والنحل للشهرستاني ص 332 من المجلّد الأول.

(2) انظر المذاهب الإسلامية للشيخ محمّد أبي زهرة ص 90 و91.

٧٨

ويسمّون أيضاً بالقرامطة نسبة إلى حمدان بن الأشعث الملقّب بقرمط (1) الخارج سنة 264هـ، وفي بعض المرويّات أنّه لقب بقرمط؛ لأنّه كان أحمر اللون، والقرمط هو الآجر، وفي لغة الروم (كرمت) وبعد تعريبه أطلق عليه قرمط.

وفي بعض كتب الفِرَق أنّ الذي وضع نواة مذهب القرامطة هو عبد الله بن ميمون القداح، وكان يهودي الأصل من وِلد الشلملع في مدينةٍ ببلاد الشام تسمّى (سلمية) كما تسمّى (بليدا) من توابع حمص، وكان من أحبار اليهود تعلّم الفلسفة، وعرف الكثير من مذاهب الأمم، ثمّ تولّى عبد الله القداح خدمة الإسماعيلية، واضمر الكيد للإسلام، وتستّر بالتشيّع، واندسّ في صفوف المتشيّعين يبثّ فيهم سمومه، فأغرى جماعة من الجهّال والمغفّلين بما أظهره من الأساليب والشعوذات، وحينما التقى بقرمط اتفقا على خطّة واحدة، فاستقلّ عبد الله القداح بالكوفة وتوجّه قرمط الملقب (بالبقار) لجهة بغداد.

ويدّعي جماعة من المؤرّخين بن عبيد الله الذي تنتسب إليه الدولة العبيدية المعروفة بالدولة الفاطميّة، هو من أولاد ميمون القداح، وقيل: إنّ اسمه سعيد بن الحسن بن أحمد بن محمّد بن عبد الله بن ميمون القداح، وكان قد خرَج إلى مصر متنكّراً، ومنها إلى المغرب فادعى أنّه علوي فاطمي النسب، وسمّى نفسه بعبيد الله، وتلقب بالمهدي، وتمّ له تأسيس الدولة المعروفة بدولة العُبَيديّين، وهي الدولة الفاطمية.

ولأجل ما قيل حولهم حامت الشكوك في صحّة انتسابهم للعلويّين، ولمّا ظهر أمرهم، وتمّ لهم تأسيس دولتهم في المغرب وامتدّت إلى مصر، واتخذها المعزّ لدين الله الفاطمي عاصمةً لهم بعد استيلاء جوهر قائده

____________________

(1) انظر الفصول المختارة من العيون والمحاسن للشيخ المفيد ص 99.

ومحمّد بن إسماعيل هو أوّل الأئمّة المستورين كما تدّعي بعض فرق الإسماعيليّة، قد استأذن من عمّه الإمام موسى بن جعفر في الخروج إلى العراق، فأذن له ودفع إليه ثلاث صرر فيها أربعمِئة وخمسون ديناراً، وأعطاه زيادة عليها ألف وخمسمِئة درهم، ولمّا دخل على الرشيد قال: خليفتان في الأرض أنت وموسى بن جعفر، فدفع له الرشيد ثمناً لهذه الوشاية مِئة ألف درهم، فلمّا قبضها ودخل منزله أصابته علّة فمات في ليلته، انظر ص 279 من الملل والنحل ج1.

٧٩

عليها، جمع القادر بالله الخليفة العبّاسي العلماء، وفيهم القاضي أبو محمّد بن الأكناني، ووضعوا سجلاًّ في نسَبهم الذي ينتهي إلى ميمون القداح، وقد وقّعه جماعة من العلماء منهم أبو حامد الإسفراييني، وأبو عبد الله الصيمري، وأبو الحسين القدوري، وأبو الفضل النسوي، والشريفان المرتضى والرضي كما جاء في كتاب كشف أسرار الباطنية وأخبار القرامطة.

وفي التعليقة على الكتاب المذكور أنّ المعز العُبيدي، على حدّ زعم مؤلّف الكتاب المذكور لمّا تمّ له الاستيلاء على مصر بواسطة قائده جوهر، اجتمع به جماعة من الأشراف فقال له أحدهم: (إلى مَن ينتسب له مولانا؟) فقال له المعزّ: سنعقد مجلساً ونجمعكم فيه لنسرد عليكم نسَبنا، فلمّا استقرّ المعز بالقصر جمع الناس في مجلسٍ عام وجلَس لهم، ثمّ قال: هل بقيَ من رؤسائكم أحد؟ قالوا: لم يبقَ معتبر، فسلّ عند ذلك نصف سيفه وقال: هذا نسبي! ثمّ نثَر عليهم ذهباً كثيراً، وقال هذا حسَبي، فقالوا جميعاً: سمعنا وأطعنا (1).

وهذه الرواية على تقدير صحّتها لا تدلّ على أنّهم أدعياء في انتسابهم لأهل البيت (عليه السلام)؛ وإنّما تدلّ على أنّ المعزّ لدين الله يعلم جيداً بأنّ الأنساب والأحساب ليست من دعائم الملك، والناس لا يخضعون إلاّ لأمرين: القوّة والمال، وبهما قامت عروش الأمويين والعبّاسيّين؛ لذلك كان جوابه هذا تعبيراً صادقاً عن الأوضاع التي اعتاد الناس عليها وألفوها منذ مئات السنين والأعوام، وهل يغنيه نسبه العالي عن السيف والمال، وجميع الملوك والحكّام من قبله لم يجدوا سلاحاً أمضى منهما لإخضاع الناس لهم وتشييد عروشهم.

ويؤكّد أكثر المؤرّخين أنّ الفاطميين ينتسبون إلى عُبيد الله بن محمّد الملقّب بالمهدي بن محمّد بن جعفر بن محمّد بن إسماعيل بن جعفر الصادق (عليه السلام)، وكان الذي وطّد الأُمور له في المغرب، ودعا الناس إلى مذهب

____________________

(1) انظر صفحة 198 و199 من كتاب كشف أسرار الباطنية الملحق بكتاب التبصير في الدين، وجاء في الكتاب المذكور أنّ عبيد الله هو أوّل أولاد ميمون القداح، وقد لُقّب بالمهدي بعد أنّ تمّ له الاستيلاء على المغرب بواسطة أبي عبد الله الشيعي، ومنها امتدّ سلطانهم إلى مصر.

٨٠

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253