الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة

الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة15%

الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة مؤلف:
تصنيف: تاريخ التشيع
الصفحات: 253

  • البداية
  • السابق
  • 253 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 55879 / تحميل: 9594
الحجم الحجم الحجم
الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة

الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة

مؤلف:
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة


1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

الإسماعيلية هو أبو عبد الله الشيعي، الذي اعتنق مذهب الإسماعيلية بعد أنْ كانا اثني عشرياً على مذهب الإمامية.

ولكن مصطفى غالب في كتابه تاريخ الدعوة الإسماعيلية يرى أنّ الذي استولى على بلاد المغرب، وشكّل دولة فيها هو الإمام محمّد المهدي، ومنه انتقلت إلى ولده القائم بأمر الله، ومنه انتقلت لولده الإمام المنصور والد المعزّ لدين الله الذي استولى على مصر، وتوطّدت له الأُمور فيها، وقد جاء في الكتاب المذكور عن المقريزي أنّ العبّاسيّين بعد أنْ ضعفت دولتهم وتداعى ملكهم وأصابهم الانقراض والتفكّك، وعجزوا عن مقاومة الفاطميين الذين احتلوا بلاد المغرب ومصر والشام والحرمين واليمَن، التجأوا إلى الطعن في نسبهم، ليسوّدوا صحائفهم وليجبروا الناس على كراهيّتهم، وأنّ القضاة الذين سجّلوا شهادة الطعن عليهم في بغداد كانوا من ألدّ أعداء الفاطميّين، ومِن أخلص شيعة بني العبّاس ولم يُعرف عنهم التجرّد والنزاهة والصدق، بل اشتهروا بكراهيّتهم وبُغضهم ونقمتهم على آل عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).

كما أورد ابن الأثير ما يؤيّد صحّة انتسابهم إلى الفاطميّين، قال: يا ليت شعري ما الذي حمل أبو عبد الله الشيعي وأعوانه الذين قاموا في إظهار هذه الدعوة ليخرجوا الأمر من أنفسهم ويسلّموه إلى وَلدٍ يهودي؟! واستطرد ابن الأثير يقول: فهل يسامح نفسه بهذا الأمر من يعتقده ديناً يُثاب عليه؟

وأنّ كتاب المعتضد إلى عماله حجّة كافية على صحّة نسب الخلفاء الفاطميّين (١).

وقال عبد الرحمان بن خلدون في مقدّمته: ومن الأخبار الواهية ما يذهب إليه الكثير من المؤرّخين في العُبيديّين، خلفاء الشيعة بالقيروان والقاهرة، من نفيهم عن أهل البيت صلوات الله عليهم، والطعن في نسبهم لإسماعيل بن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) يعتمدون في ذلك على أحاديثٍ لفّقت للمستضعفين مِن خلفاء بني العبّاس تزلّفاً إليهم، ومضى يسرد الأدلّة على صحّة نسبهم، وقال أخيراً: والذين سجّلوا نفيَهم عن أهل البيت من الأعيان

____________________

(١) انظر صفحة ١٠٦ و١٠٧ من تاريخ الدعوة الإسماعيلية لمصطفى غالب المطبوع بدار اليقظة العربية للتأليف والترجمة والنشر بدمشق.

٨١

والعلماء في أيّام الخليفة العبّاسي القادر إنّما حكموا بذلك على السماع من الناس شيعة بني العبّاس (١).

وقد ذكر الاختلاف في نسبهم أبو الفداء في تاريخه، ورجّح صحّة انتسابهم إلى العلويّين وأيّد ذلك بأبيات الشريف الرضي التي تؤكّد انتسابهم إلى أهل البيت:

ما مقامي على الهَوان وعندي

مـقول صـارم وأنف حمي

ألبس  الذلّ في ديار الأعادي

وبـمصر الـخليفة الـعلَوي

مـن أبوه أبي ومولاه مولاي

إذا ضـامني الـبعيد القصي

لـفّ  عِرقي بعِرقه سيّد النا

س جـميعاً محمّد وعليّ (٢)

وهذه الأبيات من السيّد الرضي تنص على أنّه لم يتردّد في صحّة نسبهم، وإذا صحّ أنّه قد وقّع المحضر الذي حكم فيه جماعة من العلماء بعدم انتسابهم إلى الفاطميّين كما أورد ذلك ابن خلدون وغيره، فلابدّ وأنْ يكون ذلك خوفاً من القادر العبّاسي، على أنّ الذي أورده ابن أبي الحديد في شرح النهج، أنّه امتنع عن توقيعه، وأنّ القادر شكاه إلى والده، وقال لوالده بعد محاورة جرت بينهما: إنّي أخاف من جواسيس الفاطميّين، فقال له أبوه: أتخاف ممّن بينك وبينه تلك المسافات البعيدة ولا تخاف ممّن أنت وإيّاه في بلدٍ واحد؟!

ومهما كان الحال فلا شكّ في أنّ الذين أثاروا هذه الشبه حول انتسابهم إلى الفاطميّين هم الحكّام العبّاسيون بعد أنْ عجزوا من مقاومتهم، وانتشر دعاتهم في أنحاء المملكة الإسلامية، ودعا لهم الخطباء على المنابر في بغداد عاصمة العبّاسيّين وغيرها، فلم يجدوا وسيلة لمحاربتهم إلاّ بهذا الأُسلوب الفاشل، فنسبوهم إلى ميمون القداح، وبالغ بعض أعوانهم، فادّعى أنّ المهدي أوّل ملوكهم اسمه سعيد، وذلك أنّ الحسين بن محمّد بن أحمد بن عبد الله القداح وفد على بلدة تسمى (سلمية) فجرى بحضرته حديث النساء، فوصفوا له امرأة رجل يهودي مات عنها زوجها، فتزوّجها الحسين، وكان لها ولد من اليهودي اسمه سعيد فأحبّه الحسين، ومات ولم يكن له ولد، فعهد إليه وعرفه أسرار الدعوة الباطنية، وأعطاه الأموال، فدعا له الدعاة، واتّصل بعبد الله الشيعي الذي مهّد له الأُمور في

____________________

(١) انظر مقدّمة ابن خلدون ص ٢١.

(٢) انظر المختصر في أخبار البشر لأبي الفداء الجزء الثالث ص ٨١ طبع بيروت.

٨٢

المغرب وسمّي بعبيد الله المهدي وتمّ له الاستيلاء على بلاد المغرب وجهاتها.

ومن الذين تولّوا الدعوة إلى مذهب القرامطة أبو سعيد الجنابي، وقد ملك البحرين واليمامة والإحساء، وادعى فيها أنّه المهدي القائم بدين الله، وهو الذي دخل مكّة المكرّمة في موسم الحجّ سنة ٣١٧هـ فقتل الحُجّاج واقتلع الحجَر الأسود وحمله إلى الإحساء، ويُنسب إليه أنّه أنشَد الأبيات التالية:

ولـو  كـان هذا البيت لله ربّنا

لصبّ علينا النار من فوقنا صبا

لأنّـا حـججنا حـجّة جاهلية

مـجلّلة لم تبقَ شرقاً ولا غربا

وأنّـا تـركنا بين زمزم والصفا

جـنائز لا تـبقي سِوى ربّها ربا

وقد قتل من الحاجّ ثلاثة عشَر ألفاً.

ومنهم الحسن بن مهران المعروف بالمقنّع، وكان حكيماً فيلسوفاً خرَج فيما وراء النهر وقد صنع قمراً (بالطلسم) يطلع في السنة أربعين ليلة.

ومنهم عليّ بن فضل الجدثي، مِن ذرّية بني جدث، وأصله من جيشان قرية من قُرى اليمَن، وكان شيعيّاً اثني عشرياً فخرج إلى الحج، وبعد زيارة قبر النبيّ (صلّى الله عليه وآله) توجّه إلى كربلاء لزيارة قبر الحسين (عليه السلام)، ولمّا وصل كربلاء بكى على القبر بكاءً شديداً، وصادف أنّ ميمون القداح وولده عبيد الله عند قبر الحسين (عليه السلام) فاحتالا عليه بما عندهما من أسباب الخداع وأساليب الإغراء فاطمأنّ إليهما. وأخيراً أرسله القداح إلى اليمَن داعياً لولده عبيد الله، وذلك في أواخر القرن الثالث الهجري، وبعد أن تمّ له الاستيلاء على بعض أجزاء اليمَن استقل بنفسه، وترَك ميمون القداح وولده عبيد الله، واستباح جميع المحرمات، واستحلّ جميع ما فرضه الله في كتابه وعلى لسان نبيّه (صلّى الله عليه وآله) وادعى لنفسه النبوّة، وأنكر القيامة والبعث والجنّة والنار، وقد وصَف بعضهم شعرائهم المبدأ الذي اتّخذه عليّ بن فضل بالأبيات التالية:

لـكلّ نـبيٍّ مـضى شرعة

وهـذي شرائع هذا النبيّ

فقد حطّ عنّا فروض الصلاة

وحـطّ  الـصيام ولـم يتعب

إذا  الناس صلّوا فلا تنهضي

وصاموا النهار كُلّي واشربي

٨٣

ولا تطلبي السعي عند الصفا

ولا زورة الـقبر فـي يثرب

ولا  تمنعي نفسك المعرّسين

مـن الأقربين ومن أجنبي

فـكيف  تحلّين لهذا الغريب

وصـرت مـحرّمة للأب

ألـيس  الـغراس لمن ربّه

ورواه فـي الزمن المُجدب

وما  الخمر إلاّ كماء السماء

حـلال تقدّست من مذهب

وهذه الأبيات تصوّر المبدأ الذي اعتمده القرامطة في دعوتهم، وإذا صحّ ذلك عنهم، فمَن الجائز القريب أنّهم من العناصر الأجنبية عن الإسلام التي اندسّت في بداية أمرها بين صفوف المسلمين بقصد التخريب وإبعاد الناس عن دينهم وقد استولى قادة القرامطة على معظم أجزاء اليمن ومنها قد انطلقوا إلى غيرها، ولم يتقلّص ظلّهم من اليَمَن إلاّ في النصف الأخير من القرن الخامس الهجري، وبقيَ فيها بعض القبائل على مذهب الإسماعيلية، ومنهم قبيلة يام التي تتّصل بعقيدتها بالإسماعيلية (البهرة) الموجودين في الهند والباكستان، وهؤلاء معتدلون نسبياً بالنسبة إلى بقية طوائف الإسماعيلية (١).

وقد خلط المؤرّخون وكتّاب الفِرَق في تحديد الزمان الذي ظهَر فيه مذهب القرامطة، والأشخاص الذين تولّوا الدعوة إليه، فالشهرستاني يقرّر أنّ أصل دعوتهم ظهور ميمون القداح في الكوفة سنة ١٧٦هـ، وأنّه ذهب إلى أنّ الفرائض رموز وإشارات وأمر بالاعتصام بالغائب المفقود، وأباحوا جميع الملذّات والمنكرات، إلى غير ذلك ممّا ينسب إليهم، بينما يظهر من كتاب كشف أسرار الباطنية والقرامطة، تأليف محمّد بن مالك اليماني احد الفقهاء السنيّين المتوفّى في النصف من القرن الخامس الهجري، أنّ عبد الله بن ميمون القداح قد التقى بقرمط حمدان بن الأشعث الذي خرج سنة ٢٦٤هـ واتّفق وإياه على خطّة واحدة ومذهب واحد، واستقلّ كلّ واحد منهما بجهة يدعو الناس إلى المذهب الذي اتفقوا عليه.

____________________

(١) انظر كشف إسرار الباطنية وأخبار القرامطة، تأليف محمّد بن مالك اليماني المتوفّى في القرن الخامس الهجري، وانظر الفرق للشهرستاني ص ٣٣٣ وما بعدها، وانظر التبصير في الدين ص ١٢٣ وما بعدها، وأكثر ما كتبناه عنهم لخصّناه من كشف أسرار الباطنية للفقيه اليماني.

٨٤

وفي تاريخ أبي الفداء: (إنّ القرامطة أوّل ظهورهم بسواد الكوفة، وكان شيخهم الأوّل قد تسمّى باسم الفرج بن عثمان، وادعى أنّه يحمل كتاباً منزلاً من عند الله (١) وليس فيما أورده أبو الفداء عن أخبارهم ما يشير إلى ميمون القداح وولده عبد الله، ولا أُريد أن أستقصي أخبارهم ولا يعنيني تحقيق واقع حالهم، ولكن الذي يلفت النظر فيما كتبه بعض كتاب الفِرق، أنّهم يحاولون إلصاقهم بالشيعة؛ ولذلك يجعلون عبد الله بن ميمون القداح ووالده من أبطال دعوتهم، مع أنّ عبد الله بن ميمون قد عاصر الإمامين الباقر والصادق وروى عنهما وكان من الثقات، وله كتب منها كتاب مبعث النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وكتاب في صفة الجنّة والنار، وقد ذكره الطوسي في كتابه فهرست أسماء المصنّفين، كما ذكره كل من النجاشي والكشّي، وفي منهج المقال للميرزا محمّد، أنّ أبا جعفر محمّد بن عليّ الباقر (عليه السلام) قال له يا ابن ميمون: (كم انتم بمكّة؟) قال: نحن أربعة، قال: (إنّكم نور الله في ظلمات الأرض).

وجاء في بعض كتب الرجال أنّه كان يرى رأي الزيدية في وجوب الخروج بالسيف، وذلك لم يثبت عنه، وأكثر المؤلّفين في الرجال وصفوه بالوثاقة والاستقامة في دينه وعقيدته (٢) ومن ذلك تبيّن أنّ عبد الله بن ميمون القداح، ووالده ميمون كانا من شيعة أهل البيت ورواة أحاديثهم، ولم يرد في عبد الله ما يشير إلى الطعن عليه في شيءٍ ممّا وصفه به الشهرستاني والفقيه اليماني محمّد بن مالك في كتابه أسرار الباطنية، وأخبار القرامطة، هذا بالإضافة إلى أنّ العصر الذي ادعى فيه الشهرستاني ظهور عبد الله القداح بفكرة القرامطة، لا يتّفق مع العصر الذي ذكره مؤلّف أسرار الباطنية، فقد ذكر الأوّل أنّ عبد الله ظهر بهذه الفكرة سنة ١٧٦هـ، بينما ذكر الثاني أنّ قرمط التقى بميمون القداح وولده عبد الله سنة ٢٧٤هـ، وكلاهما يخالفان ما هو متّفق عليه عند المؤلّفين في الرجال من الشيعة الإمامية، فقد اتفقوا على أنّ عبد الله ووالده كانا في عصرَي الإمامين الباقر

____________________

(١) انظر الجزء الثالث من تاريخ أبي الفداء طبع بيروت ص ٧٠.

(٢) انظر منهج المقال للمرزا محمّد ص ٢١٢ والكشّي ص ١٦٠، ولم يذكر عنه سِوى الحديث الذي جاء فيه أنّ الإمام الباقر قال له: (أنتم نور الله في ظلمات الأرض).

٨٥

والصادق، ومن الثابت أنّ الإمام الصادق توفّي سنة ١٤٨هـ كما في تاريخ أبي الفداء وغيره، والباقر توفّي سنة ١١١هـ وقيل أكثر من ذلك، فالعصر الذي وجد فيه عبد الله القداح ووالده لا يتّفق مع العصر الذي ادّعاه الشهرستاني، ولا مع العصر الذي ظهر فيه القرامطة، ولكن المتتبّع في التاريخ يرى فيه من التجنّي على الحقائق والكذب والافتراء ما يجعله في شكٍّ بأكثر مدوّناته، وعلى الأخص فيما يعود إلى مدوّنات المؤرّخين عن الشيعة وفِرقهم ورجالهم.

وقد أورد كتاب الفِرق القدامى والمحدّثين فرقاً أُخرى، ودونوها في كتبهم على حساب الشيعة بدافع التشويش والتشويه لمعالم التشيع ومبادئه، كالناووسية و الشمطية و الزرارية و الهشامية و الحسينية، أتباع الحسين بن أبي منصور الذين زعموا - كما يدّعي كتّاب الفِرَق - أنّ أبا جعفر الباقر أوصى إلى أبي منصور، والواقفة الذين وقفوا على موسى بن جعفر، وقد لقّبهم يونس بن عبد الرحمان بالممطورة ، و البشيرية ، أصحاب محمّد بن بشير الذي ادعى غيبة الإمام موسى بن جعفر، وأنّه استخلفه حال غيبته، وهو أحد الكذَبة على أهل البيت (عليهم السلام) كما جاء في رجال الكشّي، إلى غير ذلك من الفرق التي عدّها المؤلّفون من فِرَق الشيعة، وهؤلاء لم يكن لهم مذهب خاص بهم يمتازون به عن سائر المسلمين.

والخلاف المنسوب لهم في تعيين الإمام الشرعي كان منشؤه قسوة الحكّام على الأئمّة ومطاردتهم ممّا أدّى إلى تكتّم الأئمّة وتستّرهم في دعوتهم، وكان من آثار ذلك أنّ البعض من الشيعة وقعوا في حيرة من أمرهم ورجعوا إلى غير الإمام الشرعي، حتى إذا تبيّن لهم الحال واشتهر أمر الإمام المنصوب رجعوا إليه، كما وأنّ بعض المُندسّين في صفوف الشيعة من المشعوذين وعملاء الحكّام، الذين كانوا يروّجون التشكيك في الأئمّة، قد استغلوا تكتّم الإمام في الإعلان عن نفسه؛ لإغراء السذّج والبسطاء ليستطيعوا ترويج أباطيلهم ودسائسهم.

هذا بالإضافة إلى أنّ تلك الفِرَق التي يدعونها لم يظهر لها أثر في التاريخ، ولم يكن ما ينسب إليهم على تقدير صحّته سِوى أفكار عابرة لم تتخطّ دعاتها والعاملين على خلقها وإشاعتها؛ ويؤيّد ذلك ما جاء في الفصول المختارة من العيون والمحاسن للشيخ المفيد: أنّ الفِرَق التي تنسب إلى الشيعة لم يكن لها وجود في القرن الرابع الهجري، ولا وجود في هذا القرن إلاّ للإمامية القائلين بإمامة محمّد بن الحسن الإمام الثاني عشر، ومنهم العلماء والفقهاء والمتكلّمون والعبّاد الصالحون والأُدباء والشعراء، وهم وجه الشيعة المعتمد عليهم في المذهب، وسِواهم من الفِرَق

٨٦

المزعومة ليس في هذا العصر أحد منهم، وإنّما الموجود عنهم بعض الحكايات والأراجيف التي لا تثبت وجودهم.

وهذا الكلام من المفيد رحمه الله، كما يدل على عدم وجود تلك الفِرَق في القرن الرابع الهجري، كذلك يشير إلى أنّه في ريبٍ من أصل وجود الفِرَق التي يدعيها المؤلّفون في المذاهب الإسلامية، مع أنّ الزمان الذي وجد فيه لم يكن بعيداً عن العصر الذي يدعي الكتاب وجودهم فيه، ومن المستبعد أنْ توجد فرقة يكون لها خصائصها وميّزاتها ولا يبقى لها أثر بتلك السرعة وتخفى حتى على الباحثين أمثال الشيخ المفيد، ولا سيّما وأنّ فِرقاً من هذا النوع لو وجدت في التاريخ ستجد من يناصرها ويسهل لها أسباب البقاء والانتشار، فالحكّام كانوا يرحبّون بكلّ ما من شأنه تشتيت أمر الشيعة وتفريقهم عن الأئمّة الشرعيّين من أهل البيت، والتاريخ مليء بالشواهد على ذلك.

ونحن لا ننكر أنّ الشيعة لم يكونوا كلّهم نمطاً واحداً في إيمانهم وتفكيرهم، وأنّ الظروف التي كانت تحيط بهم كانت تفرض عليهم التردّد والحيرة والرجوع لغير الإمام الشرعي أحياناً، ولكن سرعان ما تنجلّي لهم الحقائق وينكشف الواقع بعد الفحص والاختبار، وقد استغلّ أخصام الشيعة هذا النوع من التردّد والالتباس الذي طرأ على بعض الشيعة، فأضافوا إليهم عشرات الفرق، التي تتخطى في بعض آرائها أصول الإسلام وفروعه، وحملوا الشيعة أوزارها منذ اليوم الأوّل من تاريخها.

ولا أُغالي إذا قلت أنّ الباحث في تاريخ الفِرَق المنسوبة إلى الشيعة، وفي الآراء والمعتقدات التي أضيفت إليها، لا يرتاب في أنّ أيادي قرية كانت تسير التاريخ لصالحها، وتعمل لمحاربة التشيّع عن طريق التشويش عليه وتشويه معالمه، تلك الأفكار التي نسبوها إلى بعض المتشيّعين، لقد رأى الحكّام الأمويّون والعبّاسيون، أنّ فكرة الخلافة عند الشيعة، تعني أن جميع الحكومات التي لا تخضع لمبدأ الوصاية لا تتصف بالشرعية، فحاربوا هذه الفكرة بشتى الأساليب.

وفي النهاية استطاعوا أنّ يفرضوا على التاريخ شخصاً اسمه عبد الله ابن سبأ، قد انتحلّ الإسلام وأسَرّ اليهودية المتغلّفة في أعماق نفسه، للدسّ في تعاليم الإسلام والكيد له، فأسّس فرقة وقادها لقتل عثمان، واخترع فكرة الوصاية التي تدين بها الإمامية، وأخيراً ادّعى الإلوهية لعليّ (عليه السلام)

٨٧

وأصبح الركيزة التي يعتمد عليها كلّ من جاء من بعده من المخرّبين والهدامين لصرح الإسلام، واستمدّ من تعاليمه كلّ خارج على النظام الإسلامي الذي جاء به القرآن والرسول على حدّ زعمهم، مع أنّ الباحث المجرّد لا يجد من الشواهد ما يكفي للتسليم بوجود شخصٍ في التاريخ من هذا النوع، ولكن المؤرّخين القدامى والكتّاب المتأخّرين عنهم لم يرتابوا، كما يظهر من كتبهم في وجود هذه الشخصية المفتعلة، وكل مَن كتب في تاريخ الفِرَق الإسلامية وأتى على ذكر التشيّع يدّعي بأنّ فكرة الوصاية لعليّ من مخترعات عبد الله بن سبأ، كما أحدَث الرجعة والاشتراكية التي كان ينادي بها أبو ذر الغفاري على حدّ زعمهم، وهو من يهود صنعاء اليمن تظاهر بالإسلام في عصر عثمان وأبطن السوء والكيد، وبثّ سمومه في البُلدان التي تجوّل بها، ولعِب دوراً بارزاً في الثورة على عثمان والدعاية لعليّ (عليه السلام)، ويرجّح ذلك أحمد أمين في كتابه فجر الإسلام وغيره من الكتّاب العرب والمستشرقين الأجانب (١).

وجاء في المقريزي: (وأحدث ابن سبأ القول بوصيّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لعليّ بالإمامة من بعده، فهو وصي رسول الله وخليفته على أُمّته بالنص، وأحدَث القول برجعة عليّ بعد موته إلى الدنيا، وبرجعة رسول اللّه (صلّى الله عليه وآله)، وزعم أنّ عليّاً لم يُقتل وأنّه حيٌّ وفيه الجزء الإلهي وسيجيء في السحاب، وأضاف إلى ذلك: ومِن ابن سبأ جميع أصناف الغلاة من الرافضة، وقالوا بالوقْف: يعنون بذلك أنّ الإمامة موقوفة على أُناس معيّنين، وعنه أخذوا القول بغيبة الإمام ورجعته بعد الموت إلى الدنيا كما يعتقده الإمامية في صاحب السرداب، وهو صاحب القول بالتناسخ، وأنّ الجزء الإلهي قد حلّ بالأئمّة بعد عليّ (عليه السلام)، وبذلك استحقّوا الإمامة بطريق الوجوب كما استحقّ آدم سجود الملائكة واستطرد يقول: وبسبب أتباعه وأنصاره المنتشرين في البلدان والأمصار؛ كثُر الشيعة وما زال عددهم يكثر وأمرهم يقوى).

وقد أسرف بعض كتّاب السنّة إسرافاً بلَغ بهم أقصى حدود المكابرة والجحود للحقائق التاريخية الثابتة، فجعلوا مصدر التشبيه والتجسيم في الإسلام الشيعة عن طريق تلك الشخصية المفتعلة، قال عليّ الغرابي في

____________________

(١) انظر فجر الإسلام ص ٣١٣.

٨٨

كتابه تأريخ الفِرَق: إنّ السلف المحدّثين من السنّة لم يجيزوا لأنفسهم أنْ يتأوّلوا الآيات التي توهِم بظاهرها التجسيم، مثل قوله سُبحانه: ( وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ) و ( يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ) و ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) وأمثال ذلك، والتزموا بظواهرها خلافاً للمعتزلة، ومن هؤلاء أحمد بن حنبل وداود الظاهري ويحيى بن معين وغيرهم من المحدّثين والفقهاء.

واعتبر موقفهم هذا موقف التسليم والانقياد؛ لأنّ التصرّف بظواهر هذه الآيات لا يخرج عن كونه تأويلاً لا يفيد إلاّ الظن، وهو لا يغني عن الحق شيئاً، وأضاف إلى ذلك أنّه لا يصحّ لنا أنْ نسمّي هؤلاء مشبهة، وإنّما اللائق بهم أنّهم أصحاب التسليم، وأمّا المشبّهة فهم الشيعة منهم اليونسية ، أتباع يونس بن عبد الرحمان (١) ، وأضاف الغرابي أنّ أصل فكرة التشبيه يهودية، وأنّ أوّل المشبهة عبد الله بن سبأ اليهودي الذي قام بتلك الفتنة في عهد عثمان، وقد يكون ذلك هو السبب في أنّ المشبهة كانوا من الشيعة، ولقد تقبّل الشيعة فكرة التشبيه والحلول وكلّ الصفات المنافية للإلوهية؛ لأنّها تساعدهم على تأييد فكرتهم في الإمامة، كما جاء ذلك في كتابه الفرق الإسلامية صفحة ٢٩٧ و٣٠٢.

وفي هذه الأمثلة من ادعاءات أهل السنّة أكبر شاهد على أنّ حملاتهم على الشيعة، وإلصاق هذه التهم بهم كانت بقصد التشويش عليهم وصرف الأنظار عن مبدأ التشيّع لأهل البيت (عليه السلام).

لقد ذهب علماء السنّة القدامى والمحدّثون منهم إلى التشبيه والتجسيم والحلول وغير ذلك، وجاء المؤلّفون والكتّاب المتقدّمون والمتأخّرون فرموا الشيعة بذلك، ووجدوا من شخصية ابن سبأ المفتعلة منفساً لهم في

____________________

(١) يونس بن عبد الرحمان، من أعلام الإمامية المعروفين بالاستقامة وسلامة العقيدة واتّصاله الأكيد بأئمّة الشيعة الذين بنوا صرح العقيدة الإسلامية ودافعوا عنها هجمات الملاحدة، وافتراءات المعتزلة والمحدّثين من أهل السنّة، وقد وصفه الأئمّة من أهل البيت بصفات تدّل على أنّه كان عميقاً في تفكيره متبحّراً في مختلف العلوم، وقد تجرّد لمناظرة خصومهم من المحدّثين والمعتزلة؛ ولذلك اتهموه بالتجسيم، ونسَب إليه الشهرستاني أنّه يقول: إنّ حمَلَة العرش يحملون الله تعالى كما تحمل رِجْلا الكركي الدقيقتان جسمه الكبير، كما أورد ذلك الغرابي في كتابه الفِرق والشهرستاني في المِلل والنِحل وغيره.

٨٩

التهجّم على الشيعة والافتراء عليهم، ومن السهل على من يخلق الأشخاص أنْ يضع حولهم كلّ شيء، وأنْ يبني القصور على الهواء، أو على سطح الماء.

لقد اعترف عليّ الغرابي المدرّس بكلّية الشريعة في مكّة المكرّمة أنْ المحدّثين من السنّة لم يتأوّلوا الآيات التي تنصّ على أنّ لله وجهاً وعيناً ويداً، وغير ذلك من الأعضاء، والتي لا يلزمها كونه جسماً مشابهاً لمخلوقاته، وإذا لم يلتزموا بتأويلها لابدّ لهم من الالتزام بمعناها المطابقي، ومع ذلك لا ينسب إليهم التجسيم ولا التشبيه ونسبه إلى الشيعة وعدّه من مخترعاتهم بواسطة عبد الله بن سبأ، مع العلم بأنّ الشيعة الإمامية لم يتعدّوا الحدود التي وضعها لهم أئمّتهم حول العقيدة الإسلامية، وقد تطوّعوا لحمايتها من تخريب الدسّاسين وافتراءات المعتزلة والمحدّثين أسلاف الأشاعرة.

وفي الفصول الآتية التي سنعرض فيها آراء الفِرَق في أُصول الإسلام تبدو عقيدة الشيعة في التوحيد والعدل والنبوّة وغير ذلك من الأُصول على واقعها، لا تتعدّى حدود ما أنزل الله سُبحانه في كتابه وعلى لسان نبيّه (صلّى الله عليه وآله) تتمثّل بها قدسيّة الذات العَلية على حقيقتها، أمّا الأراجيف والافتراءات والتشويهات فلا تغيّر الواقع، وإنْ كانت تعكس وجه التاريخ المسخّر لإرادة الحكّام وضمائر الحاقدين والمأجورين.

والذي يؤيّد أنّ عبد الله بن سبأ شخصية وهميّة لا واقع لها، أنّ المصدر الوحيد الذي تنتهي إليه قصّته هو ابن جرير الطبري المؤرّخ الشهير، وكلّ من جاء بعده اعتمد عليه في هذه الأُسطورة وأرسلها إرسال المسلّمات التاريخية التي لا تقبل التشكيك والتأويل على حدّ زعمهم، والطبري وغيره ممّن أورد حديث السبائية يرويه عن سيف بن عمر التميمي المتوفّى سنة ١٧٠هـ، وهو كوفيّ الأصل ومن سكّان بغداد كما جاء في ترجمته، وقد اشتهر بالكذِب ووضْع الأحاديث واتُّهم بالزندقة، وقد أورد السيّد مرتضى العسكري في كتابه عبد الله بن سبأ، عن أكثر المحدّثين والذين كتبوا في تراجم الرجال ما يؤكّد عدم وثاقة سيف بن عمر المذكور، وعدم جواز الاعتماد على مرويّاته.

ويبدو ممّا أورده العسكري عن المحدّثين وعلماء الرجال أنّ سيف بن عمر صاحب أُسطورة السبائية كان أمره واضحاً عند المحدّثين، ولذا لم يرد عن أحدٍ ما يُشعر بقبول مرويّاته، وممّا يؤكّد أنّه من الأساطير التي لا واقع لها، أنّ جميع الذين تعرّضوا لأحداثه تنتهي رواياتهم عنه إلى سيف

٩٠

المذكور، وبينه وبين العصر الذي يدّعون ظهور السبائية فيه ما يقرب من مِئة وأربعين عاماً، وبين هذين الزمانين تخلّلت أحداث يدّعي كتّاب الفِرَق والمؤرّخون أنّ لآراء عبد الله بن سبأ وأقواله التي أدخلها في مطلع فجر الدولة الإسلامية أثراً في نموها وانتشارها. وظهور شخص من هذا النوع له تلك الفعاليات والآثار التي يدعيها الكتاب والمؤرخون لا يمكن أن يكون منسيّاً ومجهولاً لدى المسلمين من تاريخ ظهوره إلى عصر سيف بن عمر راوي الأُسطورة، في زمن يبلغ نحواً من قرن ونصف تقريباً.

والمسلمون في تلك الفترة لم يتجاهلوا أقلّ الأحداث أثراً، واتجهوا إلى تدوين الحوادث والتأليف ولا سيّما ما يتعلّق منها بالشؤون الإسلامية منذ النصف الثاني من القرن الأوّل، وأحداث السبائية المزعومة كانت من أبرز الحوادث التي وقعَت في تاريخ المسلمين ولا تزال آثارها إلى اليوم على حدّ زعم بعض المؤرّخين والكتّاب؛ لأنّهم لعبوا دوراً بارزاً في إثارة الرأي العام على الخليفة عثمان، وأثاروا بين المسلمين فكرة الوصاية والرجعة، ونادوا بإلوهيّة عليّ (عليه السلام) في عصره، ولم يتراجعوا عنها حتى بعد أنْ قتَل منهم أُناساً وأحرق آخرين، ومع كلّ ذلك فقد أهمله المسلمون والمحدّثون، ولم يتنبّه له إلاّ سيف بن عمر بعد أكثر من قرن من الزمن مرّ على تاريخ وجوده المزعوم، فدوّن تلك الحقائق التاريخيّة التي خفيت على جميع مَن تقدّمه، وظهرت له وحده وأخذها عنه المؤرّخون، وتحدّث عنها الكتّاب وكأنّها عندهم من الحقائق التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها (١).

ومهما كان الحال ففي كتاب عبد الله بن سبأ للسيّد مرتضى العسكري ما يدلّ بصراحة ووضوح تامّين؛ على أنّ الرجل الذي يصوّره التاريخ بطلاً من أبطال الشعوذة والكيد للإسلام ودعامة للتشيّع لعليّ (عليه السلام)، أسطورة من أساطير التاريخ التي وضعت للدسّ على التشيّع وتوهينه، ولو تغاضينا عن كلّ ذلك وافترضنا وجود هذه الفِرَق، وتجاهلنا كلّ ما قيل أو يُمكن أنْ يقال حول نشأة هذه الفِرَق وما يُنسَب إليها من أقوالٍ وآراء، وافترضنا أنّ ما يسمّونهم بالفِرَق من الأُمور الثابتة، ولكلّ فِرقة أنصار وأتباع، ولها آراء ومذاهب في الدين وأُصوله في مقابل غيرها وافترضنا

____________________

(١) انظر عبد الله بن سبأ للسيّد مرتضى العسكري طبع مصر ص ٢٧ وما بعدها.

٩١

بالإضافة إلى كلّ ذلك أنّها عاشت زمناً طويلاً، واستطاعت أنْ تفرض وجودها بما لها من خصائص وميّزات تخصّها، ولكنّا نقول: بعد أنْ كانت متميّزة عن الفِرَق التي تسير في معتقداتها على المخطّط الإسلامي، واختصّت ببعض المعتقدات الشاذّة التي لا تتّفق مع تعاليم الإسلام، بعد أنْ تميّزت عن غيرها وأحيطت بتلك الملابسات الخاصة، فما هو المسوّغ لعدّها في الفِرَق الشيعية وإلقاء تبعاتها على التشيّع لأهل البيت، كما تردّد ذلك على ألسنة الكتّاب منذ أقدم العصور في تاريخها حتى اليوم؟!.

إنّ أكثر الفِرَق كما ذكرنا سابقاً أكثر من مرّة، حسب الإحصاء الموجود في كتب الفرق والتراجم، لا يسوغ إعطاءها وصف الإسلام، فضلاً عن التشيّع الذي لا يشذّ في أُصوله وفروعه عن القرآن ونصوص الرسول (صلّى الله عليه وآله)؛ لأنّ التشيّع لا يعني مجرّد الحبّ والولاء لعليّ وبنيه، بل لابدّ مع ذلك من الإيمان بالكتّاب والنبوّة وبكلّ ما جاء به النبيّ من أُصول وفروع، فالمنكر لنبوّة محمّد (صلّى الله عليه وآله) أو لبعض ما فرضه الله في كتابه من ضروريّات الدين، وحتى المشكّك بشيء من ذلك خارج عن الإسلام والتشيّع فضلاً عمّن يدعي الإلوهية لأحدٍ من الناس، أو يعطي صفات الخالق وخصائصه لبعض مخلوقاته.

وممّا يؤسف له أنّ الأستاذ الجليل الشيخ محمّد أبا زهرة، في مواضع متعدّدة من كتابه، المذاهب الإسلامية يستغلّ أبسط المناسبات؛ لوصمة التشيّع بمعتقدات بعض الفِرَق الضالّة التي تستّرت بولاء أهل البيت وتقديسهم، لتنفُذ مِن وراء ذلك إلى الأغراض التي كانت تعمل من أجلها، ففي حديثه عن الاثني عشريّة قال: هذه الطائفة التي تحمل اسم الشيعة الإمامية، يدخل في عمومها أكثر مذاهب الشيعة القائمة الآن في العالم الإسلامي، في إيران والعراق وما وراءها من باكستان وغيرها من البلاد الإسلامية، ويدخل في عمومها طوائف أُخرى لم تنحرف اعتقاداتها إلى درجة تخالف نصّاً من نصوص القرآن، أو أيّ أمرٍ عُلِم من الدين بالضرورة، وطوائف أُخرى أخفت اعتقاداتها وأعمالها لا تدخل في الإسلام على انحراف شديد (١) .

والأُستاذ أبو زهرة كغيره من الكتّاب يرى أنّ اسم الإمامية يتّسع

____________________

(١) انظر المذاهب الإسلامية للشيخ محمّد أبي زهرة ص ٧٩.

٩٢

لجميع الفِرَق، حتى التي أخفت اعتقاداتها، مع العلم بأنّا لو تساهلنا في تسمية هذه الفِرَق بالشيعة لا يُمكن صدق الإمامية عليهم، ولا سيّما الفِرَق التي أخفت اعتقاداتها وقالت بالتناسخ والحلول وإباحة المحرّمات، وغير ذلك ممّا ينسب إلى الإسماعيلية وغيرهم؛ لأنّ كلمة الإمامية لا تعني غير الاثني عشرية الذين ينتهون بالإمامة إلى محمّد بن الحسن الإمام الثاني عشر (عليه السلام)، ولا تشمل غيرهم حتى الزيدية المعتدلين بالقياس إلى غيرهم، وكُتُب الشيعة القديمة والحديثة تنصّ على أنّ الإماميّة هُم الذين يؤمنون بحقّ عليّ وأبنائه بالخلافة بالنصّ عليهم بالوصف والاسم، أمّا غيرهم فيمكن وصفهم بالتشيّع بالمعنى اللغوي لهذا الوصف، إنْ كانوا يرون أنّ عليّاً وحده صاحب الحقّ، ولم يشذّوا في اعتقاداتهم عن أُصول الإسلام وضرورياته.

ومع أنّ أكثر الكتّاب يقرّون بأنّ هذه الفِرَق تستّرت بحبّ أهل البيت، وينتهون في دراساتهم إلى ضَلالها وعَدائها السافر للإسلام، ومع ذلك يرَون أنّ اسم التشيّع يتّسع لها، ويؤكّدون أنّه نقطة الانطلاق لكلّ بِدعة وخرافة، ولكلّ مَن يحاول هدْم الإسلام وتشويه معالمه، مع أنّ التديّن بالإمامة عند الشيعة لا ينفع صاحبه شيئاً، ولا يجعله مسلماً إلاّ إذا آمن بالله ورسوله وكتابه واليوم الآخر وجميع ما جاء به الرسول (صلّى الله عليه وآله) وعمل بها، كما تؤكّد ذلك بعض المرويّات الصحيحة عن الأئمّة الأطهار، هذا بالإضافة إلى أنّ المتتبّع لكتب أهل السنّة يجد فيها بعض الأقوال والآراء التي لا تقل في بشاعتها وشذوذها عن أقوال الفِرَق المزعومة، التي ينسبها الكتّاب إلى التشيّع والإمامية.

وعلى سبيل المثال: لقد أضافوا إلى فِرَق الشيعة فرقة أسمَوها الغرابية؛ لأنّ شخصاً ادعى أنّ النبوة كانت لعليّ، وقد اخطأ الوحي في نزوله على محمّد (صلّى الله عليه وآله)؛ لأنّ عليّاً كان يشبهه كما يشبه الغراب الغراب (١)، وقد جاء عن بعض السنّة ما هو أسوأ من هذه المقالة، وأكثر غلوّاً في الخليفتين أبي بكر وعمر، ومع ذلك فلَم يعدّوا أصحاب تلك المقالات فِرَقاً من فِرَق السنّة، ولم يحكموا بتجريحهم، فقد رووا أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: (لو لم أُبعث فيكم لبُعث عمر بن الخطّاب)، وفي رواية أُخرى أنّه قال: (ما أبطأ عليّ جبرائيل إلاّ ظننت أنّه قد بُعث إلى عمر)،

____________________

(١) انظر المذاهب الإسلامية لأبي زهرة ص ٦٥ وغيره من كتب الفِرَق.

٩٣

وأنّه قال: (ما احتبس عنّي الوحي ثلاثاً إلاّ ظننت أنّه نزل على عمر) (١)، وهذه الرواية تدلّ على أنّ عمر بن الخطّاب كان صالحاً للنبوّة بمنزلة الرسول، كما تدلّ على أنّ الرسول كان على شكِّ من نبوّته؛ لأنّه يترقّب العدول عنه إلى عمر بن الخطّاب كلّما تأخّر عنه الوحي بين حينٍ وآخر، وجاء عنهم أيضاً أنّ النبيّ قال: نزل عليّ جبرائيل فقال: يا محمّد، إنّ ربّك يُقرئك السلام ويقول لك: أقرئ على أبي بكر منّي السلام، وقل له: ربّك يُقرئك السلام ويقول: أنا راضٍ عنك، فهل أنت راضٍ عنّي؟

ورووا أيضاً أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كان راكباً وأبو بكر يمشي، فأوحى الله إليه ألا تستحي أنت راكب وأبو بكر يمشي؟! (٢)

إنّ هاتين الروايتين تدلاّن على أنّ أبا بكر أعظم شأناً من النبيّ؛ لأنّ الله سبحانه قد وبّخه ووصفه بعدم الحياء، لأجل أنّ أبا بكر كان يمشي بين يديه وهو راكب، ولأنّ الله سبحانه قد طلب رضاه عنه، وليس في أقوال الغلاة المحسوبين على الشيعة ما هو أقبح من ذلك، وليس للغرابية المزعومة مقالة غير ما نسب إليها، وهي ليست بأسوأ من هذه المقالات، إنْ لم تكن أقلّ منها قُبحاً، وكما لا نشكّ في أنّ أصحاب تلك المقالات ليسوا من الشيعة، لا نشكّ في أنّ الذين ذهبوا في الخليفتين إلى هذا الحدّ من الغلوّ هُم من شُذّاذ أهل السنّة ولا يعبّرون عن رأي جمهورهم في هذه المقالات، والذي أردناه من إيراد هذه الأمثلة أنّ المؤلّفين في الفِرَق لو كانوا مجرّدين لكان عليهم بمقتضى منطقهم أنْ يعدّوا أصحاب هذه المقالات من فِرَق السنّة؛ لأنّها أدلّ على الغلوّ من مقالات المغالين في عليّ (عليه السلام).

____________________

(١) انظر كتاب التعجب للشيخ أبي الفتح الكراكجي المتوفّى في القرن الرابع الهجري ص ٦٣.

(٢) المصدر السابق ص ٥٨.

٩٤

الفصل الرابع: في المذاهب الاعتقادية

لقد انتهينا بنهاية الفصل السابق من عرضٍ لبعض الآراء والمذاهب التي حدَثت في العهد المبكّر من تاريخ المسلمين من الناحية السياسية، باعتبار أنّ تلك الفِرَق كانت إبّان نشأتها لا تتعدّى موضوع الحاكم الذي يتولّى مركز الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وكيفية اختياره، والشروط التي لابدّ من توفّرها فيه، ولكنّها بعد أنْ تمكّنت وامتدّ بها الزمن تخطّت هذه الناحية إلى بعض المواضيع الدينية الأُخرى، وأصبحت فِرَقاً مستقلّة بذاتها من الناحيتين السياسية والدينية، وعرضنا وجهة نظر الشيعة في الخلافة الإسلامية، والخوارج وأسباب انحرافهم، وبعض الفِرَق التي تستّرت بحبّ أهل البيت، وأخيراً انحرفت عن مبدئهم وعن الإسلام من أساسه، إلى غير ذلك من المواضيع التي تحدّثنا في هذا الفصل عنها حسب المناسبات.

وبجانب هذه الفِرَق حدّثت مذاهب أُخرى لم تكن في عهد الصحابة الأوّلين الذين آمنوا بالإسلام وسرى في نفوسهم وقلوبهم بكلّ بساطة وبدون

٩٥

أي تعقيد أو تشكيك، وقد أشَرنا في الفصل السابق إلى أنّ التغيّر الذي طرَأ على تفكير المسلمين كان ممّا لابدّ منه، بملاحظة الظروف والملابسات التي أحاطت بهم، ولا سيّما بعد أنْ اتصلوا بغيرهم مِن الأُمم التي كانت تختلف أشدّ الاختلاف في عقائدها وعاداتها وحضارتها، وهؤلاء وإنْ دخلوا في الإسلام، ولكنّ الكثيرين منهم لم تتوفّر لهم جميع أسباب القناعة بالدين الجديد إلاّ بعد التفكير الطويل والبحث الواسع، والمحاكمة بين ما ورثوه عن آبائهم وأجدادهم وبين ما دخلوا فيه بسبب اتساع سيطرة الدولة الفاتحة، وليس من السهل أنْ تحتل تعاليم الإسلام وعقائده نفوسهم وقلوبهم بتلك السرعة الخاطفة.

ولو افترضنا أنّهم آمنوا به بتلك السرعة، واحتلّ نفوسهم منذ أنْ سمعوا به، ولكن ما كان يثار حول معتقداتهم من الشُبَه لا يزال في أذهانهم ويتّسع الدين الجديد لتلك الشُبه وغيرها، فالنزاع في حرّية الإرادة وعدمها، وفي الصفات والجنّة والنار وغير ذلك من المواضيع التي كانت مسرحاً للجدَل والنزاع والخصومات، ولم تكن من مبتكرات العصور الإسلامية.

وعلى سبيل المثال نرى أنّ الجهم بن صفوان الذي تنتسب إليه الجهمية ، يدّعي أنّ الجنّة والنار تفنيان ويفنى من فيهما، وهذا الأمر كان موضع جدل بين الكنائس النصرانية، وذهب القائمون على الكنيسة اليونانيّة إلى إنكار أبدية عذاب القبر.

ويدّعي بعض المستشرقين أنّ فرقة المعتزلة نشأت من النصرانية؛ لأنّ آباء الكنائس كانوا يتجادلون في حرّية الإرادة، وأنّ الإنسان مجبور أو مختار، كما كانوا يتجادلون في صفات الله، وهذه الأفكار قد تسرّبت إلى المعتزلة عن طريقهم بعد فتح المسلمين للشام واختلاطهم بغيرهم من الأُمم الأُخرى.

وكان يحيى الدمشقي من أكثر المسيحيّين اتصالاً بالمسلمين، ومن أشدّهم تعصّباً لنصرانيّته، وبلغ به الحال أنّه ألّف كتاباً للنصارى يفترض فيه الاعتراضات ويجيب عليها، وكان هو وأبوه يعملان في قصور الأمويّين وقد تكلّم في القدر، وقال: أنّ الله مصدر الخير، والخير يصدر عنه كما يصدر النور عن الشمس، ومنه ومن غيره تكلّم المعتزلة في القدر وفي الصفات، كما يدّعي جماعة من الكتاب (١).

____________________

(١) انظر ضحى الإسلام، المجلّد الأوّل ص ٣٤٤.

٩٦

والإنصاف أنّ هذه الدعوى على إطلاقها بعيدة عن الواقع، وكل ما في الأمر أنّ الفكر الإسلامي قد تأثّر بتلك الأفكار الأجنبية بسبب اتصال المسلمين العرب بغيرهم من الأُمَم التي دخلت وحملت معها عقائدها، وما كان يُثار حولها من الشُبه والشكوك، ولابدّ وأنْ يؤثّر هذا الاحتكاك والاتّصال بين الطرفين وأنْ يُساهم في إثارة الشكوك والشبهات، ويبعث على البحث والتفكير والمحاكمة بين تلك العقائد والمذاهب المتباينة.

أمّا أنّ المسلمين قد أخذوا عنهم الجدل، والنزاع في القدر والجبر والاختيار والصفات، وتبنّوا آراءهم في هذه المواضيع، فليس لدينا من الأدلّة ما يكفي لإثبات هذا الأمر؛ لأنّ فكرة الجبر والاختيار، وتغاير الصفات واتحادها مع الذات، وبقاء الجنّة والنار أو فناءهما، هذه المواضيع قد ألمح لها القرآن الذي نزَل بلغة العرَب قبل نصف قرن تقريباً من اتصال العرب بالعناصر الأجنبية، فالقائل بالجبر قد اعتمد على بعض الآيات التي تُوهم ذلك، كما وأنّ القائل بالاختيار قد اعتمد على بعضها الآخر، وهكذا الحال في الصفات وبقية المواضيع الأُخرى التي كانت مسرحاً للنزاع والتخاصم بين المسلمين في ذلك العصر الذي انتشرت فيه هذه المباحث.

ومجمل القول إنّ الفكر الإسلامي قد تأثّر بالفلسفة الأجنبية، والكتب التي حملت إلى المسلمين كثيراً من الأفكار والآراء الغريبة عن معتقدات المسلمين، وأصبح علماء الكلام والمذاهب الدينيّة ينظرون إلى القرآن، وإلى المعتقدات من خلال فلسفتهم وما وصل إليهم من آثار الأُمم الأُخرى وفلسفتها، وتلك المناهج نفسها استخدموها في فهم الدين، وتوضيح مشكلاته، وأصبحوا يدرسون الدين كما يدرسون الحساب والهندسة والهيئة وسائر العلوم العقلية، فنتج من ذلك أنْ تعقّدت نظرتهم إلى التعاليم الإسلامية، وبرَز ذلك الاختلاف بين العلماء الذي تمثّله فِرَق متباينة في مناهجها وأساليبها، بينما نرى القرآن نفسه يستدل على كلّ شيء، ولكنّه يتحرّى أقرب الطرق إلى الأذهان وأقلّها تعقيداً فيستدلّ بالمحسوسات تارة، وبالنظائر أُخرى، وبالآثار والنتائج المترتّبة على أسبابها ومؤثّراتها، وممّا لا شكّ فيه أنّ هذا الأُسلوب من الاستدلال أسرع إلى التصديق بالنتائج، وأقوى أثراً في النفس من الاستدلال بالأشكال المنطقية، والطُرق التي اتّبعها العلماء بعد ذلك للتوصل إلى النتائج، تلك الطرق التي فتحت

٩٧

أبواب الاحتمالات، وأضافت إلى تلك الشُبه شُبهاً أُخرى بقيت مسرحاً للجدَل والتخاصم قروناً وأعواماً.

ومهما كان الحال فقد حدَث انقسام آخر بين المسلمين في العقائد، بالإضافة إلى الانقسامات الأُولى التي كانت في بداية أمرها سياسيّة خالصة، واتّسعت بينهم الخصومة من حيث الرأي والمنهج، واختصّ فريقٌ بوصف الاعتزال وآخر بالإرجاء، وفريق ثالث بالأشاعرة؛ لأنّهم اتبعوا نهج الأشعري، الذي ناصر المحدّثين، وتحامل على الكثير من آراء المعتزلة ومعتقداتهم، وأصبح لكلّ فريق من هذه الأصناف مذهب تدين به الملايين من الناس.

وتعصّبت كلُّ فرقة لمعتقداتها تعصّباً بلغ أشدّه بين الأتباع والأنصار، أدّى إلى التفسيق والتكفير، ولا سيّما بين المعتزلة والأشاعرة وأتباعهم من المحدّثين والفقهاء، وعلى الأخص بعد أنْ وجد الطرفان مَنفساً لهم من الحكّام العبّاسيّين الذين تبنّوا بعض آرائهم ونظرياتهم، وتولّوا بأنفسهم فرضها على الجماهير وعلى العلماء أيضاً بالقوّة، ولقيَ العلماء من ذلك عنتاً وجوراً لمجرّد أنّهم لم يقتنعوا بصحّة تلك الآراء، وكان لتلك القسوة أثرها السيّئ في نفوس المحدّثين وأتباعهم، وهُم الأكثرية من الجماهير، ولذا فإنّهم حينما وجدوا منفساً لهم بسبب مناصرة بعض الحكّام لهم في الشطر الأخير من عصر المتوكّل العبّاسي، أعادوا نفس المسرحية التي مثّلها المعتزلة معهم بأقبح أشكالها، فقتلوا وشرّدوا وأحرقوا المكاتب، ومَلأوا السجون والمعتقلات منهم، واستمرّ ذلك أكثر من قرنين تقريباً.

فالصراع بين المعتزلة والمحدّثين أوّلاً، وبينهم وبين الأشاعرة أخيراً، كان في بدايته صراعاً فكرياً قائماً على أُسس علمية خالصة، ثمّ انتقل إلى الشارع وأصبح بين الأنصار والأتباع الذين تديّنوا بتلك الأفكار والآراء، وبينما كان بين المعتزلة من جهة، وبين المحدّثين وأتباعهم الأشاعرة من جهة أُخرى، وإذا به ينتقل إلى المحدّثين الأشاعرة ويستحكم العداء بينهما ويبلغ أشدّه، وعلى الأخص بعد أنْ تبيّن للمحدّثين أنّ الأشاعرة لم يقفوا من الحديث موقفهم، وأفسحوا للعقل أنْ يتصرّف في ظواهر الكتاب والحديث، وأنْ يكون حكَماً عند تعارض النصوص أو إجمالها، وأخيراً وإنْ لم يكن لهذه الفِرَق وجود في العصور المتأخّرة بالنحو الذي كان في تلك الفترة من تاريخها، إلاّ أنّ آراء تلك الفِرَق وآثارها لا تزال باقية، ومنها قد استمدّ أكثر أهل السنّة عقيدتهم.

وفي وسط هذا الصراع بين المعتزلة والأشاعرة والمحدّثين كان الشيعة

٩٨

وأئمّتهم (عليهم السلام) يجادلون ويُناضلون عن الدين تلك الشبه التي غزته من الداخل والخارج، فتكلّموا في القدر والجبْر والاختيار والصفات، والجنّة والنار، وفي جميع تلك البحوث العقليّة التي أثارها العلماء والملاحدة في ذلك العصر، وسلكوا طريقاً وسطاً في مناظراتهم وبيان مقاصدهم، فلَم يعتمدوا على الحديث وحده كما فعل المحدّثون، ولا على العقل وحده كما فعل المعتزلة، بل اعتمدوا على العقل فيما لا نصّ فيه، أمّا مع وجود النصوص الصريحة، فهي وحدها المرجع الذي يستمدّون منه أُصولهم وفروعهم.

وقبل أنْ نتحدّث عن آراء هذه الفِرَق، ونُقارن بينها وبين آراء الإمامية، لابدّ لنا من عرضٍ موجز لتاريخ نشأة هذه المذاهب وبعض خصائصها، كما تحدثنا عن التشيّع والخوارج وبعض الفرق المنسوبة إلى الشيعة، وأسباب ظهورها، والجهات التي تخصّ كلّ واحدة منها في الفصول السابقة.

المُرجِئة

لقد غلب لفظ المرجئة على فئةٍ من الناس وقفوا من الخوارج والمعتزلة موقفاً وسَطاً، فقال الخوارج: إنّ العُصاة كفّار، وقال المعتزلة: إنّهم مخلّدون في النار، وقال غيرهما: إنّهم مؤمنون ولم يحكموا عليهم بالعذاب، ولفظ الإرجاء يُستعمل في معنيَين:

الأوّل: التأخير، ومن ذلك قولهم أرجأت الأمر أي أخّرته، وبهذا المعنى ورد في الآية ( أرجِه وأخاه وابعث في المدائن حاشِرين ) .

المعنى الثاني: إعطاء الرجاء، والفِرقة التي شاع تسميتها بالمرجئة يُمكن أنْ يكون تسميتها بهذا الاسم بلحاظ المعنى الأوّل؛ حيث إنّها لم تقل بمقالة الخوارج الذين حكموا بكفر العُصاة، ولا بمقالة المعتزلة القائلين بأنا لا نحكم عليهم بالكفر ولا بالإيمان، ومع ذلك فهُم مخلّدون في النار، بل قالوا: بأنّهم مؤمنون؛ لأنّ الإيمان عقد القلب، والعمل ليس جزءاً منه ولا

٩٩

شرطاً في تحقّقه، فارتكاب المعاصي لا يسلب العبد صفة الإيمان، فيكون وصفهم بالإرجاء والحال هذه؛ من حيث إنّهم لا يحكمون على العُصاة باستحقاق العقوبة ويتركونه إلى الله.

ويُمكن أنْ تكون تسميتهم بذلك بلحاظ المعنى الثاني؛ لأنّ المعروف عنهم أنّهم يقولون لا تضرّ مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة، ولازم ذلك إعطاء الرجاء للعُصاة ما دامت المعاصي لا تسلبهم صفة الإيمان، والناس عندهم فريقان: فريق في الجنّة وفريق في السعير، وهم الكفّار لا غير؛ أو لأنّهم يؤخّرون الحكم على مرتكبي الكبائر ولا يحكمون عليهم في الدنيا باستحقاق العقاب (١)، كما يقتضيه المعنى الأوّل للأرجاء.

ويرجّح الدكتور أحمد أمين في فجر الإسلام أنّ الإرجاء بمعنى الإمهال والتأخير، وأنّ هذا الاسم أصبح علَماً على الذين يرجئون أمر الفريقين الذين سفكوا الدماء، إلى يوم القيامة فلا يقضون بحكم على هؤلاء ولا على هؤلاء (٢)، والذي يؤيّد هذا المعنى منها هو أنّ كلمة المرجئة لم تعرف قبل العصر الأموي، ولم تستعمل إلاّ بعد أنْ علِم من حال الخوارج أنّهم يكفرون العُصاة سَواء كانوا من الحكّام أم من غيرهم، وفي مقابل هؤلاء ذهب المعتزلة إلى أنّهم مخلّدون بذنوبهم، ووقف المرجئة في مقابل الفئتين الخوارج والمعتزلة، ولم يحكموا عليهم بالكفر ولا بالعقاب في الدنيا وتركوه إلى اليوم الآخر.

وفي التعليقة على مقالات الإسلاميين للأشعري أنّ المرجئة الذين يسمون بهذا الاسم يجزمون بأنّه لا عقاب على مرتكب الكبيرة؛ لأنّه لا يضر مع الإيمان ذنب (٣) .

وفي ذلك دلالة على أنّ الإرجاء قد أطلق على فئة من الناس كانت تخالف الخوارج والمعتزلة في حكم مرتكب الكبيرة، وإنْ كان له أكثر من معنى بحسب اللغة.

ومهما كان المراد من هذه الكلمة فالذين خالفوا المعتزلة والخوارج في

____________________

(١) انظر التعليقة على هامش مقالات الإسلاميين للأشعري ص ١٩٧.

(٢) انظر فجر الإسلام ص ٢٧٩ الطبعة السادسة.

(٣) انظر التعليقة على مقالات الإسلاميّين ص ٢٠٣.

١٠٠

حكم العُصاة كان لهم شأن في النزاع القائم بين علماء المسلمين في العصرين الأموي والعبّاسي، وأنّهم وصفوا بالأرجاء لأنّهم خالفوا الفريقين المعتزلة والخوارج، وجميع المسلمين إذا صحّ إنّهم يدعون أنّ الإيمان لا تضرّ معه المعاصي، كما لا تنفع مع الكفر الطاعات، وأصبحوا في مقابل غيرهم من المسلمين على اختلاف نزعاتهم وعقائدهم.

وممّا لا شكّ فيه أنّ الإرجاء بأي معنى أريد منه قد ظهر في القرن الأوّل الهجري، أمّا تحديد الزمان الذي ظهَر فيه فقد اختلفت آراء الكتّاب فيه، فذهب بعضهم إلى أنّه ظهر في عصر الصحابة حينما اختلف المسلمون في عهد عثمان بن عفّان؛ واحتجّوا لذلك بما رواه أبو بكرة عن الرسول (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: (ستكون بعدي فتنة، القاعد فيها خيرٌ من الماشي، والماشي خيرٌ من الساعي إليها، ألا فإذا نزلتْ فمَن كان له إبل فليلحق بإبِله، ومَن كان له غنَم فليلحق بغنمه، ومَن كانت له أرض فليلحق بأرضه).

فقال له رجلٌ: يا رسول الله، من لم تكن له إبل ولا غنم ولا أرض؟ قال: (يعمد إلى سيفه فيدقّ على حدّه بحجَر، ثمّ لينجُ إنْ استطاع النجاة) ، وعملاً بهذا الحديث وقَف جماعة من المسلمين موقفاً حياديّاً من النزاع الذي نشب بين عثمان وخصومه، وبين عليّ (عليه السلام) والخارجين عليه، ولم يحكموا على الجميع بخيرٍ أو شر، فكان هذا الموقف منهم البذرة الأُولى لفكرة الإرجاء (1)، ولمّا اشتدّ النزاع بين الخوارج والمعتزلة في حكْم مرتكب الكبيرة وحكْم الحكّام الأمويّين، وقف جماعة في مقابل الفريقين، وقالوا: إنّ الجميع مؤمنون، وأمرهم في الآخرة يعود إلى الله، إنْ شاء عذبهم وإنْ شاء عفا عنهم.

والإنصاف أنّ موقف الذين اعتزلوا النزاع القائم بين عثمان وجمهور المسلمين، والنزاع الذي أحدَثه الخارجون على خلافة عليّ (عليه السلام) لا ينطبق على الإرجاء بكِلا معنيَيه؛ لأنّ المسلمين كلّهم قد اتفقوا على أنّ عثمان قد أخطأ في سياسته، وتخطّى الحدود التي وضعها الإسلام للحاكم، ولم يتوقّفوا في الحكم عليه بالخطأ والانحراف والخروج عن الخطّ الذي وضعه الإسلام للحاكمين ولسائر الناس ولم يقفوا من هذا النزاع موقفاً حيادياً، بل تركوا الأمر إلى الثوار، كما وأنّ الذين اعتزلوا عليّاً في مواقفه مع أخصامه

____________________

(1) انظر فجر الإسلام ص 280 والمذاهب الإسلامية ص 200.

١٠١

في البصرة وصِفّين والنهروان لم يشتبه عليهم الحال، ولا سيّما وأنّ عليّاً (عليه السلام) هو القائم على أُمور المسلمين، ولكنّ موقفهم منه كان لمرض في نفوسهم، ولأنّهم يعلمون جيّداً أنّ عليّاً سيساوي بينهم وبين سائر الناس ولا يفضّل أولاد إسماعيل على أولاد إسحاق، ولا يُحابي أحداً في دين الله ويؤيّد ذلك ما أورده جماعة من المؤرّخين من أقوال المتخلّفين وآرائهم في معاوية وعثمان.

وكان طلحة والزبير وعائشة من أشدّ الناس على عثمان وأكثرهم تحريضاً عليه، وجاء عن السيّدة عائشة أنّها كانت تقول: أيّها الناس هذا جلباب رسول الله لم يبْلَ، وقد أبلى عثمان سنّته، ولما استنصرها مروان لتدفع عنه الثائرين أجابت: لعلّك ترى أنّي في شكٍّ من صاحبك، أما والله لوددت أنّه مقطّع في غريزة من غرائزي وأنّي أطيق حمله فأطرحه في البحر (1).

وكانت تعبّر عن رأي أكثر المسلمين في موقفها من عثمان، والأحداث التي أدّت إلى قتله؛ لأنّ النقمة عليه كانت عامّة حتى من الذين ناصروه على الوصول إلى الحكم كعبد الرحمان بن عوف وأمثاله، ولا سيّما بعد أنْ فسَح المجال لبني أُميّة وولاّهم جميع المراكز الحسّاسة في الدولة.

ولو فرضنا أنّ الفئة التي اعتزلت القتال الذي نشب بين عليّ من جهة، وطلحة والزبير وعائشة ومعاوية من جهة ثانية، لو افترضنا أنّ الرشد لم يتّضح لها في أيّ الجانبين، وأنّ تلك الفئة قد اعتزلت القتال لهذه الغاية، لا حسَداً ولا كرهاً لعليّ (عليه السلام) ولا تهرّباً من عدله، فهو لا يتّفق مع الإرجاء بجميع معانيه، سَواء فسّرناه بعدم الحكم على العُصاة باستحقاق العقاب وتركهم إلى الله يصنع بهم ما يشاء، أم فسّرناه بإعطاء الرجاء الذي يتّفق مع قولهم لا تضرّ مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة؛ لأنّ المتخلّفين لم يتّضح لهم عصيان أحد الفريقين على حدّ زعمهم.

ومهما كان الحال فما لا شكّ فيه أنّ المرجئة قد ظهروا في أواسط العصر الأموي، وأبدوا نشاطاً في إشاعة هذه الفكرة في الأوساط الإسلامية، وناصرهم الحكّام الأمويّون على إشاعتها وانتشارها؛ لأنّها تثبت إيمانهم وهم في أمسّ الحاجة إلى هذه الصفة، ولا سيّما في تلك الظروف التي كان الخوارج ينادون بكفر الأمويّين وجميع الصحابة، والمعتزلة يرَون أنّ الإسلام

____________________

(1) انظر تاريخ اليعقوبي ص 152 طبع النجف.

١٠٢

عقيدةٌ وعمل بالفرائض وبكلّ ما جاء به الإسلام، فمن لم يعمل يستحق الخلود في جهنّم، ولو كان معتقداً بكلّ أركان الإسلام.

فالأمويّون إمّا كفّار كما يدّعي الخوارج، أو مخلّدون في جهنّم كما يدّعي المعتزلة، أمّا عند المرجئة فهم مؤمنون لم يخرجوا عن الإيمان بالرغم من إسرافهم في المنكرات والمعاصي، بل ذهب بعضهم إلى أنّ الإيمان لا يعتبر فيه أكثر من الاعتقاد بالله ورسوله، وإنْ أعلن الكفر بلسانه وعبَدَ الأوثان، ولازَم اليهودية والنصرانية في دار الإسلام، وأضافوا إلى ذلك أنّه في هذه الحالة يكون من أولياء الله ومن أهل الجنّة (1).

ومن الطبيعي أنْ تجد هذه الفكرة أنصاراً ومؤيّدين من الحكّام؛ لأنّهم لا يجدون فرقة من فِرَق الإسلام تمنحهم هذه الصفات التي تضعهم في صفوف القدّيسين، وتؤكّد لهم شرعيّة مُلكهم وتسلّطهم على رِقاب المسلمين مهما أسرفوا في المعاصي واستهتروا بتعاليم الإسلام ومقدّساته، ومِن الغريب الذي تدعمه الشواهد الكثيرة أنْ يكون الحكّام أنفسهم هم أبطال هذه الفكرة في العصر الذي احتدم فيه الصراع الفكري في العقائد، وشاعت فيه آراء الخوارج والمعتزلة في العُصاة ومرتكبي الكبائر، ومن السهل عليهم شراء الأنصار والدعاة لها من العلماء وغيرهم في ذلك العصر الذي ظهر فيه من يحكم عليهم بالكفر والخلود في نار جهنّم.

أمّا الزمان الذي حدثت فيه هذه الفكرة على التحقيق، فليس في المصادر التي تبحث عن الفرق وتاريخها ما يؤكّد زمان نشأتها على الدقّة ويؤيّد ذلك ما جاء عن بعض المستشرقين: أنّ البحث عن المرجئة وبدء تكوينها وتاريخها محاط بشيء من الغموض، والسبب في ذلك يرجع إلى أنّ الدولة العبّاسية قضت عليهم وأفنت أصحاب هذه المقالة؛ لأنّهم كانوا يناصرون الأمويّين (2) وهذا الرأي لا تؤيّده الأدلّة؛ لأنّ القائلين بالإرجاء قد ابتدعوا هذه المقالة لمصلحة الحاكمين، وحكّام الدولة العبّاسية كانوا في أمسّ الحاجة لمن يضعهم في صفوف المؤمنين؛ لأنّهم مثّلوا أقبح الأدوار التي مثّلها حكّام الأمويّين.

وجاء في التعليقة على كتاب التبصير في الدين، أنّ أوّل من سمّى أهل السنّة والجماعة بالمرجِئة هو نافع بن الأزرق الخارجي، أحد زعماء

____________________

(1) انظر فجر الإسلام ص 271 عن ابن حزم مجلّد 4 ص 204.

(2) المصدر نفسه ص 281.

١٠٣

الخوارج في العصر الأموي، عندما شاع بينهم أنّ الإيمان هو التصديق بما جاء به النبيّ تفصيلاً وإجمالاً، ولا يحتمل الزيادة والنقصان؛ لأنّ الجزم الذي ينعقد القلب عليه إنْ نقَص أصبح جهلاً أو شكّاً أو وهماً، وبذلك يخرج عن حقيقة الإيمان، أمّا العمل فهو خارج عن حقيقته.

وهذا النوع من الإرجاء قد نُسِب إلى أبي حنيفة كما في التعليقة على مقالات الإسلاميّين للأشعري، وقد خالفه بعض الفقهاء والمحدّثين واعتبروا الإيمان مؤلّفاً من ثلاثة أركان: تصديقٌ بالجنان، وإقرارٌ باللسان، وعمَلٌ بالأركان (1)، وقد تبيّن ممّا جاء في التعليقة على التبصير في الدين أنّ اسم المُرجئة لم يكن قبل العصر الأموي، وأنّ أوّل مَن وصَف الجمهور به هو نافع بن الأزرق الخارجي المعاصر لأبي حنيفة، ومعلومٌ أنّ الخوارج يكفّرون في الغالب جميع مخالفيهم، فضلاً عن مرتكبي الكبائر.

والجمهور لا يقولون بمقالة الخوارج ولا بمقالة المعتزلة، وإنّما يذهبون إلى أنّ الإيمان هو التصديق بما جاء به الرسول، ولا يحكمون على مرتكب الكبيرة بالعقاب ويتركونه إلى الله، إنْ شاء عذّبه وإنْ شاء عفا عنه، فيكون الإرجاء المنسوب إليهم وسَطاً بين رأي المعتزلة والخوارج، وهذا بخلاف الإرجاء عند مَن يقول بأنّ الإيمان لا تضرّ معه المعاصي، كما لا تنفع مع الكفر الطاعات، فإنّ الإرجاء بهذا المعنى يُقابل رأي المعتزلة والخوارج وجميع الفِرَق الإسلامية.

وقد أنهى أبو الحسن الأشعري المُرجئة إلى اثنتي عشرة فرقة، وكلّها تتّفق على أنّ الإيمان اعتقادٌ ويقين والعمَل خارج عن حقيقته، ولم يُخالف في ذلك إلاّ الكرامية ، أتباع محمّد بن كرام، فقد ذهبوا إلى أنّ الإيمان هو الإقرار باللسان دون القلب، ورتّبوا على ذلك أنّ المنافقين الذين كانوا على عهد الرسول (صلّى الله عليه وآله) مع أنّهم لم يؤمنوا بقلوبهم كانوا مؤمنين حقيقةً، كما وأنّ الكفر هو الجحود والإنكار باللسان (1).

وفي كتاب التبصير للأسفراييني: أنّ القائلين بالإرجاء قد افترقوا إلى

____________________

(1) انظر التعليقة على التبصير في الدين للأسفراييني ص 91، والتعليقة على مقالات الإسلاميّين ص 203.

(2) انظر مقالات الإسلاميين ص 205.

١٠٤

خمس فِرق، وعدّ منهم اليونسية أتباع يونس بن عون، القائلين أنّ الإيمان بالقلب واللسان، وحقيقته معرفة الله سُبحانه ومحبّته، والتصديق برسله وكتبه.

والغسانية أتباع غسّان المُرجئي القائل بأنّ الإيمان هو الإقرار بالله والمحبّة له، ولكنّه يَقبل الزيادة والنقصان.

والثنويّة أتباع أبي معاذ القائل بأنّ الإيمان ما وقاك من الكفر.

والثوبانية أصحاب أبي ثوبان المرجئي، وهؤلاء قد أضافوا إلى الإقرار بالله ورُسله، الواجبات العقلية، واعتبروا كلّ ما يراه العقل صحيحاً من أركان الإيمان.

والمريسيّة أتباع بشير المريسي الذي أضاف إلى أقوال مَن ذكرناهم القول بخلْق القرآن، ويبدو من ذلك أنّ المرجئة متّفقون على أنّ العمل ليس من أركان الإيمان، وأنّهم بذلك يحاولون تحديد معنى الإيمان في مقابل الخوارج الذين وقفوا في جانب والمسلمون بأجمعهم في جانب آخر، وكفّروا كلّ من يُخالفهم فضلاً عن مرتكبي الكبائر، كما وقفوا في مقابل المعتزلة الذين اعتبروا العمل من أركان الإيمان واثبتوا للعُصاة الخلود في جهنّم وبعد أنْ ظهر رأيهم في مقابل الخوارج الذين احتكروا الإيمان لأنفسهم، والمعتزلة الذين أضافوا إلى التصديق العمل بالأركان، وأصبح من جملة الآراء المنتشرة في ذلك العصر بعد ذلك تطوّر كغيره من الآراء التي تبرز في بدايتها كفكرة، ثمّ تتّسع كلّما اتسع البحث فيها وطال بها الزمن، ولا سيّما والفكرة من أساسها تخدم مصلحة الحكّام كما ذكرنا.

ولابدّ وأنْ يساعدوا على انتشارها وتداولها وتحويرها لصالحهم؛ ولذلك فقد أدعى بعضهم أنّ الإنسان مهما فعل من الذنوب وارتكب من المنكرات لا يعذّب في النار ما دام مؤمناً بالله ورسله بقلبه ولسانه، وأسرف آخرون، فذهبوا إلى أنّه إقرار باللسان، ولو لم يكن معتقداً بما يقول (1).

وجاء في فجر الإسلام: وقد اشتهر من شعراء بني أُمية بالقول بالإرجاء ثابت بن قطنة ، وكان من أصحاب يزيد بن المهلّب وأعوانه، وله قصيدة توضّح مذهبه في الإرجاء، ويستفاد منها أنّه لا يحكم على أحد بالكفر مهما ارتكب من الذنوب، وأنّ المسلمين إذا اختلفوا وكفّرت كلّ

____________________

(1) وهؤلاء هم الكرامية كما ذكرنا.

١٠٥

طائفة منهم الأُخرى تركناهم إلى الله يحكم عليهم يوم القيامة بما يستحقّون، وإلى ذلك يشير بقوله:

ولا أرى أنّ ذنـبـاً بـالغاً أحـداً

بالناس شِركاً إذا ما وحّدوا الصمدا

يـجزي عـليّاً وعـثماناً بسعيهما

ولـستُ أدري بـحقٍّ أيـة وردا

الله  يـعلم مـاذا يـحضران بـه

وكـلّ عـبدٍ سـيلقى الله منفردا

والإرجاء الذي يدين به صاحب هذه الأبيات هو الإرجاء الذي يقول به جمهور الفقهاء، وهو من أقرب المرجئة إلى الواقع؛ لأنّه لا ينفي العذاب عن العُصاة، ولا يقطع بعقوبتهم، ويترك الحكم عليها إلى الله وحده (1) .

ومجمل القول إنّ الإرجاء الذي شاع القول به في العصرين الأموي والعبّاسي، وأصبح مذهباً لفريق من الناس في مقابل غيرهم من أصحاب المذاهب، لا يقول به الإمامية؛ لأنّ المرجئة لا يحكمون على العُصاة بأيّ حكم من الأحكام، وبعضهم يدّعي بأنّهم مؤمنون منعّمون في الجنّة، والإمامية مجمعون على أنّهم فسّاق معذّبون بذنوبهم، وجاء عن الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قال: صنفان من أُمتي ليس لهم في الآخرة نصيب المرجئة والقدرية (2).

وجاء عن زيد بن عليّ بن الحسين (عليه السلام) أنّه قال: لعن الله المرجئة؛ لأنّهم أطمعوا الفُسّاد في عفو الله.

____________________

(1) انظر الإمام الصادق لأبي زهرة ص 143.

(2) انظر كنز الفوائد للكراجكي المتوفّى في القرن الرابع ص 51.

١٠٦

المعتزلة

لقد بدأ بين المعتزلة والمحدّثين في مطلع القرن الثاني الهجري، وبلغ الصراع أشدّه بعد أن وجد المعتزلة من يناصرهم ويتبنّى بعض آرائهم من الحكّام العبّاسيين، وكما ذكرنا أنّ النزعة العقلية هي التي كانت تسيطر على بحوث المعتزلة، حتى في قضايا الدين، بينما تمسّك المحدّثون بحرفيّة النصوص، سَواء في ذلك القرآنية والنبوية، والطرفان أسرفا في تعصّبهما لهاتين النزعتين وجرّهما هذا التعصّب إلى الأخطاء الكثيرة التي ظهرت في آرائهم في التوحيد والصفات والجبر والاختيار، وغير ذلك من المباحث التي كانت مسرحاً للجدَل والنزاع بين الفريقين، وترك الطرفان مجموعة من المؤلّفات حول معتقداتهم في الأُصول الإسلامية وغيرها، وكتب عنهم مؤلّفو الفِرَق والكتّاب عشرات الكتب.

ويبدو من تلك المؤلّفات التي صدرت حول المعتزلة وآرائهم ومعتقداتهم، أنّ السبب في وصف أصحاب تلك الأفكار بالاعتزال لا يعدو واحداً من أُمورٍ ثلاثة:

الأوّل: أنّ واصل بن عطاء الغزال كان يتبنّى رأي معبد الجهني وغيلان الدمشقي في أفعال الإنسان، وأنّه هو وحده الذي يصنع أفعاله بدون أنْ يكون لله أيُّ أثر في ذلك، وهما أوّل من أظهَر القول بالقدر بمعنى الاختيار المطلق في مقابل الجهمية أتباع الجهم بن صفوان الذين قالوا بالقدر المرادف للجبر، وهم الجبرية الخالصة، وقد أضمر واصل هذه العقيدة وأخفاها عن رفقائه، وحتى عن أُستاذه الحسن البصري، بينما يرى الجمهور الأكبر من المسلمين أنّ أفعال الإنسان مخلوقة لله سبحانه، فيكون وصفه بالاعتزال؛ لأنّه اعتزل رأي الجمهور الأكبر من المسلمين، وتبنّى رأي معبد الجهني وغيلان الدمشقي.

الثاني: إنّ هذا الوصف غلب عليهم لأنّهم اعتزلوا قول الخوارج والمرجئة والفقهاء في مرتكب الكبيرة، حيث إنّ الخوارج يرونه كافراً، والمرجئة يرونه مؤمناً مستحقّاً للنعيم، والفقهاء يرونه منافقاً، ولمّا سُئل الحسن البصري عن رأيه في أصحاب الكبائر في الوقت الذي كان الخوارج ينادون بكفرهم، والمرجئة ينادون بإيمانهم، وقف واصل بن عطاء في مجلس أُستاذه وأجاب السائل بأنّهم بين المنزلتين، الإيمان والكفر، ويستحقّون الخلود في جهنّم، فطرده الحسن البصري من مجلسه، فاعتزله واصل وجلس في ناحية من نواحي المسجد، وانضمّ إليه جماعة منهم صِهْره عمرو بن عبيد وغيره (1) .

____________________

(1) انظر التبصير في الدين ص 64 وفجر الإسلام ص 298.

١٠٧

الثالث: إنّهم أنّما وصفوا بالاعتزال؛ لأنّهم عزلوا مرتكب الكبيرة عن المؤمنين والكافرين كما يظهر ذلك من المسعودي في مروج الذهب.

ويرى بعض المؤرّخين أنّ وصف الاعتزال كان أسبَق من تاريخ واصل بن عطاء، وأنّه وصف لجماعة من المسلمين قد لزموا منازلهم عندما صالح الحسن بن عليّ (عليه السلام) معاوية واعتزلوا الفريقين الحسن ومعاوية.

ويرى بعض المستشرقين أنّ جماعة من المسلمين كانوا أتقياء للغاية أعرضوا عن ملاذّ الحياة وزهدوا في الدنيا فسمّاهم الناس معتزلة بهذا الاعتبار.

ومن الجائز القريب أنّ يكون هذا الوصف أصبح علَماً على الفرقة المعروفة بمبادئها ومناهجها في وقتٍ متأخّر عن واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، وذلك بعد أنْ اشتهرت في آرائها ومواقفها في مقابل العلماء والمحدّثين الذين تمسّكوا بظواهر النصوص، ولم يعتمدوا على العقل في شيءٍ من أُمور دينهم، بينما اعتمد هؤلاء على العقل وحده، وتأوّلوا الأحاديث المخالفة له، ويكون وصفهم بالاعتزال؛ لأنّهم اعتزلوا طريقة العلماء والمحدّثين، واعتمدوا على العقل وحده في أبحاثهم ومناظراتهم، وممّا لا شكّ فيه أنّ هذا الوصف قد أطلق على جماعة من المسلمين قد اعتزلوا الفريقين عليّاً (عليه السلام) ومعاوية.

ووردت في كتاب قيس بن سعد بن عبادة، وكان والياً لعليّ (عليه السلام) على مصر، قال في كتاب أرسله إلى عليّ (عليه السلام): (إنّ قِبَلي قوماً معتزلين، وقد سألوني أنْ أكفّ عنهم)، كما وردَت في كلام غيره لمناسبات مختلفة، ولكن ذلك لا يثبت تسمية هؤلاء بالمعتزلة، وأنّ هذا الاسم قد أطلق على الذين اعتزلوا قيساً في مصر، أو الحسن ومعاوية بعد الصلح، وأصبح علَماً عليهم، ولا يُستفاد من وصفهم بالاعتزال أكثر من أنّهم لم يُساهموا في القتال الذي وقع بين الفريقين في تلك الفترة من تاريخ المسلمين، وذلك لا يعني أنّ الفرقة التي غلَب عليها هذا الاسم كانت قبل واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد وغيرهما من مؤسّسي مبادئ المعتزلة.

وأخيراً فالرأي الشائع بين المؤرّخين وكتّاب الفِرَق، أنّ واصل بن عطاء قد اعتزل مجلس أُستاذه الحسن البصري بعد أنْ كان أحد تلامذته المختصّين به، واتّخذ مركزاً مستقلاًّ للبحث والجدل والمناظرة ووزّع دعاته وأنصاره في البلاد، فأرسل عبد الله بن الحارث إلى المغرب، وحفص بن

١٠٨

سالم إلى خراسان لمناظرة الجهم بن صفوان، وألّف كتاباً فيه ألف مسألة للردّ على المانوية ، وانصرف أتباعه عمرو بن عبيد وأشباهه إلى الدعوة لمبادئهم (1) هذا الرأي تؤيّده أكثر المصادر التاريخية، بالإضافة إلى أنّه أكثر شيوعاً وانتشاراً بين كتّاب الفِرَق والمذاهب من المتقدّمين، وأصبح بعد ذلك علَماً لكلّ من يرى رأي واصل وأتباعه في المبادئ الخمسة التي لابدّ منها في صدق الاعتزال كما سيأتي في المباحث الآتية.

وممّا يؤيّد ذلك ما جاء في أوائل المقالات للشيخ المفيد حول هذا الموضوع - قال: (وأمّا المعتزلة وما وسِمَت به من اسم الاعتزال، فهو لقبٌ حدَث لها عند القول بالمنزلة بين المنزلتين، وما أحدَثه واصل بن عطاء من المذهب في ذلك هو وصاحبه عمرو بن عبيد ومن وافقهما على التديّن بذلك، وأدّى بهم الإصرار على رأيهم إلى اعتزال الحسَن البصري وأصحابه، وتحيّزهم إلى مجلسهم الذي اختصوا به، فسمّاهم الناس عند ذلك معتزلة؛ لاعتزالهم مجلس أُستاذهم بعد أنْ كانوا من أهله ولم يكن قبل ذلك يُعرف الاعتزال ولا كان علَماً على فريق من الناس) (2).

ـ وكان على صلةٍ أكيدة بهم، وله مناظرات كثيرة معهم كما يبدو ذلك من كتابه العيون والمحاسن، ويؤكّد ذلك ابن خلكان في كتابه وفيّات الأعيان عن السمعاني المتوفّى سنة 562هـ، ونشوان بن سعيد في كتابه شرح رسالة الحور العين، فقد ذهبا في كتابيهما، الأنساب وشرح الرسالة، إلى أنّ المعتزلة إنّما غلَب عليهم هذا الاسم؛ لقولهم بالمنزلة بين المنزلتين بالنسبة لمرتكب الكبيرة، في مقابل الخوارج القائلين بكفره، والمرجئة القائلين بإيمانه؛ لإقراره بالله ورسوله وكتابه، وبما جاء به الرسول من عند الله (3) .

____________________

(1) انظر أبا حنيفة للشيخ محمّد أبي زهرة ص 156، وفجر الإسلام لأحمد أمين ص 300.

(2) انظر أوائل المقالات للشيخ المفيد محمّد بن النعمان المتوفّى سنة 413 ص 5 و6، وقد عاصر المفيد جماعة من عظمائهم كأبي القاسم البلخي، والقاضي عبد الجبّار الرازي، وأبي سعيد الإصطخري وأبي الحسين البصري وغيرهم.

(3) انظر المصدر السابق ص 5 من التعليقة على الكتاب المذكور، والمواقف للقاضي عبد الرحمان بن أحمد الإيجي، وأضاف إلى ذلك أنّهم لا يصفون الفاسق بالإيمان؛ لأنّه مدح والفاسق لا يستحقّ المدح، ولا بالكفر لأنّه مُقرٌّ بالشهادتين.

١٠٩

وجميع فِرق المعتزلة، البالغة اثنتي عشرة فرقة، كما أنهاها الأُستاذ أبو زهرة في كتابه أبي حنيفة، والشهرستاني في الملل والنحل، وغيرهما متّفقون على خمسة مبادئ: التوحيد، والعدل، والوعيد والوعد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه الأُصول الخمسة هي الأركان التي لابدّ منها في وصفهم بالاعتزال، ولا يستحقّ أحد هذا الوصف إذا لم يلتزم بها، وكل من يتحيّف طريقها، ويسلك غير سبيلها لا يتحمّلون إثمه ولا تلقى عليهم تبعته.

وإنْ كانوا قد اتفقوا على بعض المسائل الأُخرى، إلاّ أنّ اتفاقهم على غير الأركان الخمسة لا أثر له في وصفهم بالاعتزال، كما وأنّ الخلاف الواقع بين شيوخهم في كثير من المسائل الكلامية والفلسفية لا يسلبهم صفة الاعتزال، وقد بدأ المعتزلة نشاطهم في مطلع القرن الثاني حينما ظهر واصل بن عطاء بآرائه التي تفرّد بها عن أَساتذته الفقهاء، وأسّس مدرسة الاعتزال التي كانت تضمّ جماعة من المفكّرين كعمرو بن عبيد وأمثاله.

ثمّ بدأت تنشط وتنتشر بمبادئها ومناهجها بمناصرة الحكّام العبّاسيّين إلى أوائل القرن الرابع الهجري سنة 331هـ في السنة التي توفّي فيها الجبائي الزعيم الأخير لتلك المدرسة، وفي خلال هذه المدّة بلغ عدد المتزعّمين من المعتزلة عشرين شيخاً، وإلى كلّ واحد أتباع ومؤيّدون لأفكاره ونظرياته، كما أنهاهم الأسفرائيني في كتابه التبصير في الدين، وبموت الجبائي وظهور الأشعري خفَت صوت المعتزلة بعد أنْ كان عالياً، وبدأ الضعف يسري فيهم، ولا سيّما بعد أنْ لقي الأشعري من الحكّام ما يشجّعه على المضي في الطريق الذي اختطّه لنفسه بعد أنْ لازمهم زمناً طويلاً، وتلقّى عنهم أكثر معلوماته.

ومع ذلك فلَم ينته الاعتزال بالرغم من مساندة الحكّام للمحدّثين، ولكنّه بقي محدوداً في نطاق الفرق التي أنهاها الأسفرائيني إلى عشرين فرقة، وحول آراء هذه الفِرَق كانت تنشط المناظرات والمجادلات أحياناً، وربّما كانت تنتهي بالتكفير والتفسيق من كِلا الفريقين.

ولعب الأشاعرة دوراً بارزاً في الصراع الذي حدَث بين المعتزلة والمحدّثين أدّى إلى حرق كتبهم، وتشريدهم في البلاد، شرقها وغربها، وأصبَح المسلمون ينظرون إلى مذهب المعتزلة بعين الريبة والحذر، ومهما كان الحال، ففِرَق الاعتزال التي أحصاها بعض المؤلّفين في المذاهب

١١٠

الإسلامية ليس بينها من يُخالف في الأُصول الخمسة التي لابدّ منها لكلّ من يوصف بالاعتزال، وإنْ بلغ الخلاف أقصى حدوده في كثير من المسائل والنظريات، ولكنّ خلافهم في تلك المسائل، لمّا لم يُمِسّ الأُصول الخمسة التي يقوم عليها مذهب الاعتزال لم يخرجوا عن الاعتزال بسببه.

كما وأنّ اتفاقهم على بعض المسائل والنظريات: مثل قولهم أنّ الحيوانات والحشرات خالقة لأفعال نفسها، وأنّ الله لم يرد المعاصي كالزنا واللواط والكفر وغير ذلك، وأنّ العقل يدرك الحسن والقبيح، وأنّ ما يراه حسناً لابدّ وأنْ يلتزم به الشارع، وما يراه قبيحاً لابدّ وأنْ ينهى عنه، ويجب فعل الحسن وترك القبيح، حتى إذا لم يرد النص الشرعي عليهما، إلى غير ذلك ممّا أورده مؤلّف التبصير في الدين، من المسائل التي اتفقوا عليها واعتبرها مؤلّف الكتاب المذكور من فضائحهم وعيوبهم (1).

هذا التوافق بينهم في الرأي على تلك المسائل، كما يدّعي كتاب الفرق والمذاهب لا أثر له في صحّة تسميتهم بهذا الاسم. وكما ذكرنا فلقد أجمع المؤلفون في الفرق الإسلامية أنّ المعتزلة لم يكونوا فرقة واحدة، وأنّ فرقهم تتراوح بين الاثنتي عشرة فرقة وبين العشرين على اختلاف المؤلّفين في إحصائهم.

وأوّل هذه الفِرَق الواصلية أتباع واصل بن عطاء الغزال تلميذ الحسن البصري، وأوّل مَن لُقّب بهذا اللقب على أشهر الروايات كما ذكرنا، كان مولده بالمدينة سنة ثمانين من الهجرة، وقد نشأ في أحضان مواليه الهاشميّين كما جاء في بعض الروايات (2)، ويظهر ممّا رواه المؤرّخون أنّه كان واسع العلم قويّ الحجّة محيطاً بمذاهب العصر الذي عاش فيه، وكان مع ذلك لا يتكلّم إلاّ بمقدار الحاجة، حتى أتُّهم بالخرس من طول صمته، كما اتهمه أخصامه بالكفر والزندقة، وبقيَت صِلاته طيّبة بأُستاذه الحسَن البصري، إلى أنْ خالفه في مرتكِب الكبيرة، فانقطع بينهما حبل المودّة،

____________________

(1) انظر التبصير في الدين ص 61 وما بعدها.

(2) وقيل: إنّه مولى لبني ضبّة كما قيل: إنّه كان من موالي بني مخزوم، ويُكنّى بأبي حنيفة وقد نسبه إسحق بن سويد إلى الخوارج وفي ذلك يقول:

برئت من الخوارج لست منهم          من الغزال منهم وابن باب

١١١

وبعد حوارٍ طويل بينه وبين رفيقه عمرو بن عبيد اعتنق عمرو بن عبيد مذهبه، وقال: (ما بيني وبين الحقّ من عداوة) (1).

وشاع في عصره النزاع في مسألة الجبر والاختيار، فذهب إلى القول بأنّ الإنسان هو الذي يصنع أفعاله مختاراً بدون أنْ يكون لله رأيٌ في ذلك، فقال الناس فيه: (إنه مع كفره قدري)، وشاع في عصره (كلّ كافر قدري) وقد أخذ القول بالقدر عن معبد الجهني، وغيلان الدمشقي كما يرى ذلك بعضُ المؤلّفين في الفِرَق والمعتقدات (2).

على أنّ واصلاً قد تفرّد عن غيره من شيوخ المعتزلة بأُمور، منها أنّه أحدَث قولاً ثالثاً بالنسبة للفريقين المتخاصمين في الفترة الأولى من تاريخ الإسلام، فقال: (إنّ أحدهما لا بعينه فاسق لا تُقبَل شهادته في شيءٍ، حتى ولو كان الشاهد عليّاً وبنيه (عليه السلام)).

وجاء عنه أنّه قال لو شهدوا بأجمعهم على باقة بَقْل لم أقبَل شهادتهم (3)، ولعلّ الذين ألصقوا في أفكار الخوارج قد اعتمدوا على هذه المقالة وأمثالها من آرائه، التي تبدو وكأنّها أقرب إلى آرائهم منها إلى سائر الِفرََََََََََق الإسلامية، وإنْ لم يلتقِ معهم التقاءً كلّياً في أكثر آرائه ومعتقداته؛ لأنّ المسلمين الذين لم يوالوا عليّاً كانوا على قولَين في النزاع الذي حدَث بينه وبين طلحة والزبير ومعاوية، فالخوارج حكموا عليه بالكفر لأنّه حكّم الرجال في دين الله - على حدّ زعمهم - وبقيّة المسلمين بين من يقول بأنّ جميع أفعاله تفرضها المصلحة وتمليها مصلحة الإسلام العُليا، وبين من يقول بأنّه مجتهد في الدين، والمجتهد معذور في كلّ أفعاله حتى ولو كان مخطئاً، أمّا التكفير والتفسيق فلَم يذهب إليه إلاّ الخوارج والواصلية.

الفرقة الثانية: العمرية ، أتباع عمرو بن عبيد (4)، وكما ذكرنا فقد كان

____________________

(1) انظر تاريخ الفِرََََََق الإسلامية لعليّ الغرابي ص75 وما بعدها، وانظر الفَرْق بين الفِرَق لعبد القاهر البغدادي ص98.

(2) انظر المواقف، المجلّد الرابع ص 379 لعبد الرحمان بن أحمد الايجي.

(3) وُلد هو وواصل بن عطاء في سنة واحدة، وكان والده عبيد نسّاجاً في بداية أمره، ثمّ أصبح من شرَطَة الحجّاج الثقفي وبطانته، ولسوء سمعة أبيه في البصرة كان الناس يقولون بعد أنْ نبَغ ولده عمرو: خير الناس ابن شرّ الناس، يعنون بذلك عمرواً ووالده.

١١٢

قويّ الجدَل بارعاً فيه؛ لأنّ العصر الذي وجِد فيه عصر جدلٍ ونقاش، وانتصارٍ لرأي، وإبطالٍ لآخر، في هذا الوسط الفكري المتضارب بشتّى النزعات والأهواء والآراء المتباينة، نشأ أبو الهذيل أحد أعلام الطبقة الثانية من طبقات المعتزلة، واستمع إلى علماء عصره، وعرَف ما بينهم من خلافات في مختلف النواحي والجهات، ووقف على آرائهم في مختلف المسائل، حتى أصبح من البارعين في مختلف العلوم، واختاره المأمون رئيساً لمجلس مناظراته، وحكى عنه ابن خلكان أنّ صالح بن عبد القدّوس (1) مات وله ولد فحزَن عليه واشتدّ جزعه.

فقال له أبو الهذيل: لا أعرف لجزعك وجهاً! إذا كان الإنسان عندك كالزرع، فقال له صالح: إنّي لأجزع عليه لأنّي قد ألّفت كتاباً اسمه كتاب الشكوك ولم يقرأه، وهو كتاب يشكّ كلُّ من قرأه فيما كان حتّى يتوهّم أنّه لم يكن، وفيما لم يكن حتّى يتوهّم أنّه قد كان، فقال أبو الهذيل: فشُكّ أنتَ في موت ابنك، واعمل على أنّه لم يمُت وإنْ كان قد مات، وشُكّ في قراءته لكتاب الشكوك وإنْ كان لم يقرأه (2) ، وممّا اختصّ به من بين شيوخ المعتزلة أنّه كان يذهب إلى أنّ مقدورات الله سبحانه لابدّ وأنْ تنتهي بحيث يصبح عاجزاً عن كلّ شيء، وعندها لم يستطع أنْ يزيد في نعيم أهل الجنّة ولا في عذاب أهل النار، وينقطع عذاب أهل النار، ولم يبقَ لأهل الجنّة قدرة على أنْ يتنعّموا بنعيم الجنّة.

وذهب إلى أنّ أهل الآخرة مضطرّون إلى ما يكون منهم، وأهل النار يتكلّمون بدون إرادة واختيار، وليس لأحدٍ في الآخرة قدرة على اكتساب فعلٍ أو قول، وليس في الأرض دهري ولا زنديق إلاّ وهو مطيع لله في أشياء كثيرة، وإنْ عصاه من جهة كفره، واستدلّ على ذلك بأنّ كلّ أمرٍ من أوامر الله سُبحانه في مقابله نهي، فلو كان مَن لا يعرفه قد فعل جميع أوامره، وجَب أنْ يكون تاركاً لجميع زواجره، وأنْ يكون قد ترك الطاعات فعلاً لجميع المعاصي.

____________________

(1) كان صالح بن عبد القدّوس على مذهب الثنوية القائلين بتعدّد الآلهة، وقد صلّى يوماً الصلاة التي يُصلّيها المسلمون فقيل له ما هذه الصلاة ومذهبك معروف؟ قال: أُصلّيها؛ لأنّها سُنّة أهل البلد. انظر الأمالي للسيّد المرتضى ج(1) ص100.

(2) انظر الفرق لعليّ الغرابي ص 155.

١١٣

تتلمذ على الحسن البصري هو وواصل بن عطاء، ولازمه زمناً طويلاً، ولمّا انفرد واصل عن أُستاذه، واستقلّ في زاوية من زوايا المسجد مع جماعة كانوا يرون رأيه انضمّ إليه عمرو بن عبيد، بعد محاورة جرت بينهما بالنسبة لمرتكب الكبيرة، وقال: (ما بيني وبين الحق عداوة)، واتّفق هو وواصل على أُصول الاعتزال الخمسة، ويحكى عنه أنّه كان متصلّباً في اعتناق مذهب القدرية، فقد ادعى أنْ لا سيطرة على الإنسان في أفعاله، والإنسان وحده مستقل هو الذي يصنع ويفعل.

وخالف زميله في الحكم على عليّ (عليه السلام) وطلحة والزبير ومعاوية، وذهب إلى أنّ كل واحد منهم فاسق بعينه ظالم للآخر، بينما كان واصل بن عطاء يدّعي أنّ أحد الفريقين لا بعينه ظالم للآخر، والحقّ في جانب أحدهما، ولكنّهما قد اتفقا على تفسيق معاوية ومن معه (1) ويُنسب إليه أنّه قال: إنّ الآية ( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ) ليست هكذا في اللوح المحفوظ؛ لهذا، ولأنّه كان مغالياً في القدر على مذهب معبد الجهني وغيلان الدمشقي لم يكن موثوقاً عند المحدّثين، ومتّهماً بوضع الحديث على رسول الله (صلّى الله عليه وآله).

وتؤكّد المصادر التاريخية أنّه لم يقبل صلة من المنصور العبّاسي، ولا باشر له عملاً، مع أنّه ألحّ عليه بذلك وأهدى إليه الأموال والنفائس، وله مع ذلك مع المنصور مجالس كان يعظه بها ويوجه إليه الانتقادات اللاذعة، وجاء عنه أنّه مرّ على سارق قد أمر الحاكم بقطع يده، فقال: لا إله إلاّ الله، سارق السِر يقطعه سارق العلانية.

ومجمل القول أنّ عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء كانا على اتفاق في أكثر المبادئ التي دعا إليها واصل، ولم يختلفا إلا في تصلّب عمرو في الحكم على عليّ (عليه السلام) وطلحة والزبير، وفي مغالاته في مذهب القدرية الراجع إلى التفويض المطلق.

الفرقة الثالثة: الهذيلية ، أتباع محمّد بن الهذيل المعروف بالعلاّف (2) المولود في البصرة سنة 135هـ، ولم يرتحل عنها قبل سنة 204هـ بعد أنْ استدعاه المأمون لبغداد، وسمّي بالعلاّف؛ لأنّ داره في البصرة في محلّة العلاّفين، وكان

____________________

(1) انظر المصدر السابق نفس الصفحة، والتبصير في الدين.

(2) لقد عاش أبو الهذيل مِئة سنة، وتوفّي سنة 227هـ، كما في رواية المسعودي في مروج الذهب.

١١٤

قد ذهب إلى أنّ الله سُبحانه لا يقدِر أنْ يعطي عباده القدرة على الإحياء والإماتة، وغيرهما من الأعراض التي لا يعرفون كيفيتها، كالألوان والطعوم وأمثال ذلك، واستدلّ على ذلك بأنّ ذلك يؤدّي إلى عبث الإنسان في الأرض؛ لأنّ الإنسان إذا قدر على الإحياء والإماتة كان إلهاً، وشريك الباري محال، وقدرة الله كما أنّها لا تتعلّق بالمحال، لا تتعلّق بما يؤدّي إلى المحال.

ومِن آرائه أنّ الله لا يقدر على ما أقدر عليه عباده ولا يوصف بالقدرة على الصلاة والصيام وغيرهما من موضوعات التكاليف؛ لأنّها أعمال جسميّة، وهو منزّه عن كلّ ما هو من لوازم الجسم (1) وقد نسَب إليه الراوندي في كتابه فضائح المعتزلة آراء أُخرى، وقد أوردها كتاب الفِرَق في مؤلّفاتهم، ويدّعي الشهرستاني أنّه انفرد عن أُستاذه واصل بن عطاء (2) بعشرِ قواعد، وعدّ منها هو وغيره ما ذكرناه، وقد برأه ابن الخيّاط المعتزلي في كتابه الانتصار من جميع هذه المقالات المنسوبة إليه (3).

النظامية: أتباع إبراهيم بن سيّار النظام المتوفّى سنة 221هـ وله من العمر خمس وثلاثون سنة كما جاء في ترجمته، وكان من مشاهير العلماء البارعين في علم الكلام والفلسفة بقسمَيهما، وقد حفظ القرآن والإنجيل والتوراة، بالإضافة إلى ما كان يحفظه من أشعار العرب وتاريخ الأُمم وفتاوى الفقهاء المتقدّمين عليه والمعاصرين له، واختلفت آراء الكتّاب والمؤرّخين فيه وتناقضت.. فبينما نرى جماعة يصفونه بالكفرِ والإلحاد ويذهبون إلى أنّه مات وهو سكران، وآخر ما تكلّم به:

اشرب على طرَبٍ وقل لمهدّد

هوّن عليك يكون ما هو كائن

____________________

(1) انظر المقالات الإسلامية لعليّ الغرابي ص 164 و174، والملل والنحل للشهرستاني ج 1 ص 69، والتبصير في الدين ص 66.

(2) الظاهر أنّ واصل بن عطاء ليس من أساتذته؛ لأنّه ولد سنة 135هـ، وتوفّي واصل سنة 131هـ.

(3) انظر الانتصار لابن الخيّاط ص 71 و73 وما بعدهما.

١١٥

وينسبون إليه أنّه كان ينشد:

ما زلت آخذ روح الزق في لطف

واستبيح دماً من غير مجروح

حتى انثنيتُ ولي روحانِ في جسدي

والزق مطرح جسم بلا روح

بينما نرى جماعة يصفونه بهذه الصفات وبأقبَح منها (1) ، نرى آخرين يصفونه بالإيمان والاستقامة في دينه، والدفاع عن الدين وردّ كيد الملاحدة (2).

ومهما كان فقد نُسِب إليه أنّه كان يقول إنّ القرآن لا إعجاز في نَظمه، وينكر جميع المعجزات التي رواها المحدّثون عن الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وكان يتأوّل صفات الله سُبحانه تأويلاً سلبياً، فعلْمُ الله عنده معناه نفي الجهل عنه، وقدرته هي عدم عجزه، وهكذا الحال في بقيّة الصفات، وله آراء أُخرى خالَف فيها أسلافه المعتزلة كانت من جملة المآخذ عليه عند متأخّري المعتزلة، حتى ألّف بعضهم كتاباً في تكفيره (3).

وفي كتاب التبصير في الدين، أنّه كان يصاحب ملاحدة الفلاسفة، وعنهم أخذ القول بأنّ أجزاء الجزء لا تتناهى، ولزمه على هذا القول قِدَم العالَم، كما نُسِب إليه أنّه يذهب إلى أنّ الله سُبحانه خلَق الناس والحيوان وجميع الكائنات على اختلاف أنواعها في وقتٍ واحد، ولم يتقدّم خلقٌ آدم على خلق ولده، ولا خلق الأُمّهات خلق أولادهن، والتقدّم والتأخّر إنّما هو في ظهورها من أماكنها دون خلْقها واختراعها، ومحال عنده أنْ يزيد في الخلْق شيئاً، أو ينقص منه شيئاً، ويدّعي النظّام أنّ القرآن غير القراءة المتعارفة، فهو لا يوجَد في مكانين، ولا يزال في المكان الذي خلق فيه (4).

____________________

(1) ومن هؤلاء عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري المتوفّى سنة 276هـ.

(2) انظر الفِرَق الإسلامية لعليّ الغرابي ص 190 و191 تجد طائفة من الآراء المتناقضة فيه من الناحية الدينية.

(3) نفس المصدر، والملل والنحل للشهرستاني، والتبصير في الدين، ومقالات الإسلاميّين لأبي الحسن الأشعري.

(4) انظر الانتصار لأبي الحسين الخياط المعتزلي ص 44، وإذا صحّ عنه ذلك يكون من القائلين بنظرية الكمون وأنّ العالم مخلوق دفعةً واحدة، والتقدّم والتأخّر في الظهور لا في الخلق، وأضاف إلى ذلك في المواقف المجلّد الرابع ص 380: أنّ الله لا يقدر أنْ يزيد أو ينقص من ثواب أهل الجنّة وعقاب أهل النار، ولا يقدر على الشرور والقبائح.

١١٦

الأسوارية: أتباع عليّ الأسواري من تلامذة أبي الهذيل والنظّام؛ ولذا فإنّه يتبنّى آراءهما، وأضاف إليها أنّ الأشياء التي يعلم الله بعدَم وجودها ليست مقدورة له، وهي مقدورةٌ للإنسان؛ لأنّ قدرة الإنسان تتعلّق بالوجود والعدم، فإذا اتصف بالقدرة على أحدهما لابدّ وأنْ يتّصف بالقدرة على الطرف الآخر (1) .

المعمرية: أتباع معمر بن عباد، وقد تفرّد عن شيوخ المعتزلة بأُمور منها: أنّ الإنسان ليس الصورة التي نشاهدها، وإنّما هو شيء في هذه الصورة، عالمٌ قادرٌ مختارٌ يدبّر، بلا حركة ولا سكون، ولا تدركه الحواس ولم يخلق غير الأجسام، أمّا الأعراض فهي من مخترعات الأجسام تقتضيها طبيعتها كما تقتضي النار الإحراق، والله سبحانه لا يوصف بالقِدَم؛ لأنّ وصفه بالقِدَم يدلّ على التقادم الزماني وهو ليس بزماني، كما وأنّه لا يعلم نفسه، وإلاّ اتحد العالِم والمعلوم (2).

الجعفرية: أتباع جعفر بن بشير المتوفّى سنة 234هـ، وجعفر بن حرب المتوفّى سنة 236هـ، وقد ذهبا إلى أنّ الله لا يقدر على ظلم الأطفال والمجانين، ولا يوصف بأنّه متكلّم، وأضافوا إلى ذلك أنّ فسّاق المسلمين أشرّ من اليهود والمجوس، وأنّ الإجماع الذي تمّ بين المسلمين على حدّ شارب الخمر ليس حجّة شرعية؛ لعدَم ورود النص بذلك (3).

الإسكافية: أتباع محمّد بن عبد الله الإسكافي، وقد وافق الجعفرية فيما ذهبوا إليه (4).

البِشرية: أتباع بِشر بن المعتمر، وقد ذهَب إلى أنّ الإنسان يخلق اللون والطعم والرائحة والسمع والبصر على سبيل التولّد، وأنّ الله قادر

____________________

(1) انظر التبصير ص 70، والمواقف ص 381.

(2) المواقف ص 383 والتبصير ص 70، وفرق الشهرستاني ص 90.

(3) انظر التبصير في الدين ص 73، والمواقف ج 4 ص 381.

(4) انظر المصدر السابق ص 74، والمواقف ص 381.

١١٧

على تعذيب الأطفال ولو عذّبهم كان ظالماً لهم، وحيث لا يستحسن منه ذلك يجب أنْ نقول لو عذّبهم كانوا بالغين عاقلين مستحقّين العذاب والعقاب، وأنّ الله إذا غفر ذنبَ عبدٍ من عباده، ثمّ ارتكب العبد ذنباً استحقّ العقاب على الذنب الأوّل (1).

المزدارية: أتباع عيسى بن صبيح المزدار من أعاظم معتزلة بغداد وزهّادهم، وقد سمّي راهب المعتزلة، وقد ذهب إلى أنّ الله يقدر على الظلم والكذِب، ولو فعل كان إلهاً ظالماً كاذباً، وأنّ الناس قادرون على الإتيان بمثل القرآن وأحسَن منه نظماً، وكفّر مَن عاشر السلطان، ومَن قال بخلق الأفعال، وحكَم بعدم التوارث بينه وبين أقربائه (2).

الهشامية: أتباع هشام بن عمر الغوطي من معتزلة القرن الثاني المعاصرين للمأمون العبّاسي، وكان لا يجيز لأحدٍ من المسلمين أنْ يقول: (حسبنا الله ونعم الوكيل)، بالرغم من وجود الآيات التي تنصّ على ذلك، كما في الآية 173 من سورة آل عمران، والآية 9 من سورة المزمّل، مدّعياً عدم جواز إطلاق الوكيل عليه تعالى (3)، وذهب أيضاً إلى أنّ الله سُبحانه لم يؤلّف بين قلوب المؤمنين ولم يضل الكافرين، وأنّ الجنّة والنار ليستا بمخلوقتين، وأنّ من قال: بأنّهما مخلوقتان، كافر لعدَم الفائدة من خلقهما قبل الحشر، إلى غير ذلك من الآراء الشاذّة التي أوردها الشهرستاني والايجي وأبو حامد الإسفراييني (4).

الحابطية: أتباع أحمد بن حابط، وهو من تلامذة النظام، وقد نسب إليه الشهرستاني القول بالتناسخ، وادّعى مؤلّف المواقف أنّ القائلين بالتناسخ من المعتزلة هم الحدثية أتباع الفضل بن الحدثي، أحد تلامذة النظام، ونسب إلى الحابطية القول بأنّ للعالم إلهين: أحدهما قديم وهو الله، والثاني محدث وهو السيّد المسيح؛ واستدلّوا على ذلك بالآية، ( وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ) ، وأضاف في المواقف أنهم يذهبون إلى أنّ

____________________

(1) المصدر السابق نفس الصفحة والتبصير ص 71.

(2) انظر المصدرين السابقين.

(3) وهذا جهل منه بالمعنى المراد من الوكيل، إذ ليس المراد منها هو الوكالة بالمعنى المتعارف، بل المراد منها الكافي أو الحافظ.

(4) انظر التبصير في الدين ص 72 والمواقف وغيرهما من كتب الفِرَق والمذاهب.

١١٨

الله أبدَع الحيوانات عقلاء بالغين في غير هذه الدار، وخلَق فيهم معرفته وأسبَغ عليهم نعمته، ثمّ ابتلاهم وكلّفهم شكر نعمته، فمَن عصاه في الجميع أخرجه إلى دار العذاب وهي النار، ومن أطاعه في البعض دون البعض أخرجه إلى هذه الدنيا وكساه هذا الجسد بأشكاله المختلفة، ولا يزال الحيوان في هذه الدنيا في صورة بعد صورة ما دامت معه ذنوبه (1) .

الثمامية: أتباع ثمامة بن الأشرس النميري (2) وقد ذهب إلى أنّ اليهود والنصارى والمجوس والزنادقة يصبحون في الآخرة تراباً لا يدخلون الجنّة ولا النار، وكذا البهائم والأطفال، وأضاف إلى ذلك أنّ مَن لا يعلم خالقه من الكفّار معذور، وأنّ الأفعال المتولّدة لا فاعل لها؛ لعدَم إمكان إسنادها إلى فاعلي السبب، لاستلزام ذلك إسناد الفعل إلى الميّت، كما إذا رمى إنسان سهماً ومات قبل وصوله للغرض، فيلزم من إسناده إلى الرامي إسناد الفعل إلى الميّت، وإسناده إلى الله لا يصح؛ للزوم صدور القبيح منه (3).

ويبدو من الآراء التي نسبها المؤلّفون في المذاهب إليه أنّه كان متأثّراً بتعاليم ملاحدة الفلاسفة ومستهتراً في دينه، وروى عنه ابن قتيبة في كتابه (مختلف الحديث): أنّه رأى يوماً جماعة يتسابقون إلى صلاة الجمعة، فأقبل على عبدٍ كان معه، وقال له: انظر إلى هؤلاء الحمير ما فعل فيهم هذا العربي! وروى عنه الجاحظ أنّ المأمون قد رآه سكران يتمرّغ في الوحل فقال له: أنت ثمامة؟ فقال: أي والله، فقال له: ألا تستحي؟ قال: لا والله، فقال له: عليك لعنة الله، فأجابه تترى ثمّ تترى (4).

الخياطية: أتباع عبد الرحيم بن محمّد المعروف بأبي الحسين

____________________

(1) انظر ما كتبه عنهم الشهرستاني ص 583، ومؤلف المواقف ص 382.

(2) المتوفى سنة 213هـ.

(3) وقد علّق مؤلّف التبصير والشهرستاني وغيرهما على هذه النظرية بأنّها تؤدّي إلى نفي الصانع؛ إذ لو جاز وقوع فعل بلا فاعل، لجاز ذلك في جميع الأفعال.

(4) انظر المواقف ج 4 ص 383، والتبصير ص 75، والشهرستاني المجلّد الأوّل.

١١٩

الخيّاط المتوفّى سنة 290هـ من تلامذة جعفر بن مبشر، وهو من القائلين بالقدر بمعنى أنّ الإنسان خالقٌ لأفعاله، وأنّ المعدوم جسم يتّصف بالأعراض حالة العدم، ولازم هذا القول أنْ تكون الأجسام قديمة؛ وذلك يؤدّي إلى تعدّد القديم، وله آراء أُخرى يُخالف بها مَن تقدّمه مِن المعتزلة (1).

الجاحظية: أتباع عمرو بن بحر الجاحظ المتوفّى سنة 256هـ، عاصر المعتصم العبّاسي والمتوكّل، وله مؤلّفات كثيرة من جملتها طبائع الحيوان، يدّعي فيه أنّ المعارف كلّها من لوازم الطبيعة، ومَن عرف شيئاً عرفه بطبعه لا بتعليم، ولم يخلق الله له علماً به، وقد ذهب إلى أنّ الله لا يدخل العُصاة النار، بل هي تجذبهم إليها، وأنّ القرآن جسد ينقلب تارةً رجُلاً وأُخرى امرأة، وله شهرة واسعة في العلم والأدب والفلسفة ومؤلّفاته الكثيرة في مختلف المواضيع أكبر شاهد على سِعة علمه وتبحّره في مختلف العلوم (2) .

الجبائية: أتباع محمّد بن عبد الوهاب الجبائي المتوفّى سنة 303هـ، وهو الزعيم الأوّل للطبقة الثالثة من طبقات المعتزلة حسب تصنيف بعض المؤلّفين في المذاهب الإسلامية، وقد عُرِف بالذكاء منذ كان صغيراً، واشتهر بالذكاء وقوّة الإقناع عندما اكتملت رجولته، ونبَغ في عِلم الكلام حتى بلغ ما أملاه على تلامذته مِئة وخمسين ألف ورَقة، ومن أشهرهم وأكثرهم اتصالاً به عليّ بن إسماعيل الأشعري، فقَد لازمه أربعين سنة، وتفّهم آراء المعتزلة وعقائدهم وأصبَح من أعلامهم المتبحّرين، وبعد أنْ لمّع وانتشر صيته انفصل عنهم وتراجع عن مذهب الاعتزال، وألّف في الردّ عليهم، وذلك عندما اتسعت آفاقه، ولم يعد باستطاعة أُستاذه أنْ يدفع الشُبه التي كان يوردها عليه.

وقد ذكروا في ترجمته بعض المناظرات التي كانت تجري بينهما وأدّت إلى انفراد الأشعري عنه، وسنذكر بعضها في ترجمة الأشعري، وكان من جملتها أنّ رجلاً دخَل على الجبائي وقال له: هل يجوز أنْ يسمّى الله عاقلاً؟ فقال الجبائي: لا! لأنّ العقل مشتقٌّ من العقال،

____________________

(1) انظر المصادر السابقة ص 383 من المواقف وص 78 من التبصير في الدين وغيرهما.

(2) انظر المواقف وغيره من كتب الفِرَق.

١٢٠

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253