وإمّا أن يكون ( غيبياً ) لا يخضع لحواسّنا بقدر ما يخضع لتصوّراتنا الذهنية عنه، وهذا من نحو عوالم الغيب التي تُحدّثنا النصوص الإسلامية عنه. ولعلّ الاستشهاد بنماذج ( تشريعية )، ومقابلتها بالنماذج ( الأرضية )، يُلقي مزيداً من الإنارة على هذا الجانب من حيث افتراق كلّ من التصوّرين:الإسلامي والأرضي
، في هذا الصدد.
لقد شبّه أحد الشعراء الموروثين أحدهم بأنّه قد أخافَ أهل الشرك ببطولته، حتى إنّ النُطف التي لم تُخلق بعد قد طبعها (الخوف ) من ( الشخص ) المذكور.
إنّ عنصر ( التخيّل ) في الصورة الشعرية المذكورة، يقوم أساساً على عنصر ( وهمي ) كاذب، لا حقيقة له في كل من الواقع الحسّي، والنفسي، والغيبي...
أمّا( حسّياً )
، فلا وجود للنُطف التي لم تُخلق بعد.
وأمّا( نفسياً )
، فلا وجود لعالَم النفس عند النطفة حتى يمكن للنطفة أن تستجيب نفسياً. فنحن لو أحدثنا علاقة نفسية بين رجل ينفعل بالفرح الشديد مثلاً، وبين تجاوب الشجر والشمس والحيطان مع الرجل المذكور، لكانت هذه العلاقة (مقبولة) دون أدنى شك ؛ نظراً لوجود واقع نفسي هو: أنّ الرجل الذي يغمره فرح كبير يتحسّس فعلاً بأنّ الشجر والشمس والحيطان تشاركه الفرح.
صحيح أنّ هذه الظواهر لا حقيقة لفرحها في الواقع الطبيعي، إلاّ أنّ لها واقعاً في نفسية الرجل المذكور ؛ نظراً لكونه قد خلعَ أحاسيسه عليها، وهو أمر نحياه جميعاً في تجاربنا اليومية. وهذا بعكس النطفة التي لا وجود لها، فضلاً عن كونها ذات ( نفس ) تخلع أحاسيسها على الأشياء.
من هنا يُعدّ مثل هذا ( التخيّل ) فاسداً من وجهة النظر الإسلامية ؛ نظراً لكونه يعتمد ( الوهم ) و( الكذب )، وهما من الظواهر المنهيّ عنها إسلامياً ؛ بصفة أنّ الإسلام يطالبنا بأن نتعامل في سلوكنا مع الواقع وليس مع الوهم.
هنا قد يثار سؤال عن بعض الصور القرآنية، أو الصور التشريعية الأخرى التي تبدو وكأنّها لا تخضع بدورها إلى طابع حسّي أو نفسي، مثل: صورة ( الحجارة ) التي شبّه القرآن الكريم قلب الشخصية اليهودية بها في قوله تعالى:(
فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً
)
، بصفة أنّ الحجارة لا تملك قلباً حتى توسم بالقساوة أو الليونة.
والحقّ أنّ الحجارة - وفقاً للمفهوم الإسلامي - تملك قدرات واعية، مثل التسبيح والخوف من الله، وهو أمر أوضحته النصوص القرآنية ذاتها عندما عقّبت على الصورة المذكورة بأنّ من الحجارة ما تتأثّر من خشية الله، وأنّ الوجود بأكمله - ومنه الحجارة طبعاً - يمارس عملية التسبيح:(
وَإِن مِن شَيْءٍ إلاّ يُسَبّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِن لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ...
)
، وهذا يعني أنّ الصورة ارتكنت إلى ( الواقع ) وليس إلى ( وهم )، كما هو شأن الصورة الشعرية المشار إليها.
مضافاً إلى أنّنا لو نظرنا إلى الحجارة منعزلة عن الوعي المذكور، فإنّ تشبيه قساوة القلب بها يَحمل ( واقعاً نفسياً )، هو: إحساس الشخص بأنّ انعدام الشَفَقة عند الشخصية اليهودية يتماثل مع الحجارة في فقدانها لمسة الشفقة، أي أنّنا - بصفتنا أشخاصاً واعين -